النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
كتاب الخنثى
الشافعي: هما سواء في وصية ونكاح وطلاق وبيع وشراء وقود وغيرها من
الأحكام: أي إيماء الأخرس فيما يذكر معتبر، ومثله معتقل اللسان إن علمت
إشارته وامتدت عقلته إلى موته، به یفتى.
قلت: ومر في الوصايا، وذكره هنا الأكمل وابن الكمال والزيلعي وغيرهم.
ثم مفاد كلامهم أنه لو أقرّ بالإشارة أو طلق مثلًاً توقف، فإن مات على
عقلته نفذ مستنداً، وإلا لا، وعليه فلو تزوج بالإشارة لا يحل له وطؤها لعدم
نفاذه، لكنه إذا مات بحاله كان لها المهر عن تركته. قاله المصنف.
يكتب في صدره من فلان إلى فلان على ما جرت به العادة فهذا كالنطق فلزم حجة.
ومستبين غير مرسوم كالكتابة على الجدران وأوراق الأشجار أو على الكاغد لا على الوجه
المعتاد، فلا يكون حجة إلا بانضمام شيء آخر إليه كالنية والإشهاد عليه والإملاء على
الغير حتى يكتبه، لأن الكتابة قد تكون للتجربة ونحوها، وبهذه الأشياء تتعين الجهة،
وقبل الإملاء بلا إشهاد لا يكون حجة، والأول أظهر. وغير مستبين كالكتابة على الهواء
أو الماء وهو بمنزلة كلام غير مسموع ولا يثبت به شيء من الأحكام وإن نوى اهـ.
والحاصل: أن الأول صريح، والثاني كناية، والثالث لغو. وبقي صورة رابعة عقلية
لا وجود لها، وهي مرسوم غير مستبين، وهذا كله في الناطق ففي غيره بالأولى، لكن في
الدر المنتقى عن الأشباه أنه في حق الأخرس يشترط أن يكون معنوناً وإن لم يكن لغائب
اهـ. وظاهره أن المعنون من الناطق الحاضر غير معتبر.
وفي الأشباه: رجل كتب صك وصية وأشهد بما فيه ولم يقرأ وصيته عليهم، قالوا:
لا يجوز للشهود أن يشهدوا بما فيه وهو الصحيح اهـ: أي لأن الشهادة لا تكون إلا عن
علم. قوله: (ومثله معتقل الخ) الأولى في التعبير ((لا معتقل اللسان إن علمت إشارته الخ))
تأمل. قوله: (به يفتى) هو رواية عن الإمام ومقابله ما في الكفاية عن الإمام التمرتاشي
تقديره بسنة. قال في الدر المنتقى واستثنى العمادي المريض إذا طال عليه الاعتقال فإنه
كالأخرس كما أفاده البرجندي معزياً للعمادية، خلافاً لما نقله القهستاني عنها، فإنه إنما
ذكره فيمن يرجى منه الكلام، فافهم المرام ١ هـ. وعبارة القهستاني: فلو أصابه فالج
فذهب لسانه أو مرض فل يقدر على الكلام بضعفه إلا أنه عاقل فأشار برأسه إلى وصية
فقد صح وصيته، وقال أصحابنا: إنها لم تصح كما في العمادي اهـ. قوله: (أو طلق
مثلاً) أي كما إذا أعتق ط. قوله: (نفذ مستنداً) فلها أن تتزوج إن مضت عدتها من وقت
الإشارة أو الكتابة وينفذ تصرف المتعوق من ذلك الوقت ط. قوله: (لعدم نفاذه) لأن
نفاذه موقوف على موته على عقلته، لا على إجازته، حتى يقل: ينبغي أن يكون طلبه

٤٦٢
کتاب الخنثى
لكن ذكر ابنه في الزواهر عند ذكر الأشباه الأحكام الأربعة أن قولهم
والضابط للمقتصر والمستند أن ما صح تعليقه بالشرط يقع مقتصراً وما لا يصح
تعليقه يقع مستنداً كما في البحر من باب التعليق يخالف ذلك، إذ مقتضاه وقوع
الطلاق والعتاق ونحوهما مما يصح تعليقه بالشرط مقتصراً، فتنبه (لا) تكون إشارته
وكتابته كالبيان ( في حد) لأنها تدرأ بالشبهة لكونها حق الله تعالى
الوطء دليلاً على إرادة النكاح، فافهم. قوله: (لكن ذكر ابنه الخ) استدراك على قوله ((نفذ
مستنداً)) حتى في الطلاق والعتاق. قوله: (الأحكام الأربعة) التي هي الاقتصار كما في
إنشاء الطلاق والعتاق والانقلاب، كما إذا علق الطلاق والعتاق بالشرط، فعند وجود
الشرط ينقلب ما ليس بعلة علة، والاستناد كالمضمونات تملك عند أداء الضمان مستندة
إلى وقت وجود السبب والتبيين، مثل إن كان زيد اليوم في الدار فأنت طالق، وتبين في
الغد وجوده فيها يقع الطلاق في اليوم وتعتدّ منه، والفرق بين التبيين والاستناد أنه في
التبيين يمكن أن يطلع عليه العباد، وفي الاستناد لا يمكن اهـ من الأشباه ملخصاً. وقدمنا
تمام الكلام على ذلك في باب الطلاق الصريح. قوله: (أن قولهم) مفعول ذكر، وقوله
(والضابط الخ)) مقول القول، وجملة يخالف خبر أن. قوله: (يخالف ذلك) أي يخالف
القول بالاستناد في نحو: طلاق معتقل اللسان وعتاقه ط .
أقول: وعبارة البحر عند قول الكنز والتعليق إنما يصح في الملك أو مضافاً إليه.
ثم اعلم أن المراد بالصحة اللزوم، فإن التعليق في غير الملك، والمضاف إليه صحيح
موقوف على إجازة الزوج، حتى لو قال أجنبي لزوجة إنسان إن دخلت الدار فأنت طالق
توقف على الإجازة، فإن أجازه لزم التعليق، فتطلق بالدخول بعد الإجازة لا قبلها، وكذا
الطلاق المنجز من الأجنبي موقوف على إجازة الزوج فإذا أجازه وقع مقتصراً على وقت
الإجازة، ولا يستند بخلاف البيع الموقوف فإنه بالإجازة يستند إلى وقت البيع، حتى ملك
المشتري الزوائد المتصلة والمنفصلة، والضابط فيه أن ما صح تعليقه بالشرط فإنه يقتصر،
وما لا يصح تعليقه فإنه يستند هـ. فأنت تراه لم يجعل الضابط لكل مقتصر ومستند، بل
النوع خاص منه، وهو عقد الفضولي المتوقف على الإجازة، وإلا لزم أن لا يقع نحو
الطلاق والعتاق إلا مقتصراً في جميع الصور، وليس كذلك قطعاً لما مر عن الأشباه،
وحينئذ فلا مخالفة إذ ليست مسألتنا من هذا القبيل، فتدبر. قوله: (في حد) تناول جميع
أنواع الحد: أي لا يحدّ الأخرس إذا كان قاذفاً بالإشارة أو الكتابة، وكذا إذ أقرّ بالزنا أو
السرقة أو الشرب، لأن المقر على نفسه ببعض الأسباب الموجبة للعقوبة ما لم يذكر اللفظ
الصريح لا يستوجب العقوبة. كفاية. زاد في الهداية: ولا يحدّ له: أي حد القذف خاصة
إذا كان مقذوفاً اهـ. قوله: (لأنها تدرأ بالشبهة الخ) والفرق بينها وبين القصاص: أن

٤٦٣
کتاب الخنثى
ولا في شهادة ما. منية. وهل يصح إسلامه بالإشارة؟ ظاهر كلامهم نعم، ولم أره
صريحاً. أشباه.
(ابتلع الصائم بصاق محبوبه) يقضي و (يكفر وإلا) يكن محبوبه (لا) يكفر،
ومر في الصوم.
(قتل بعض الحجاج عذر في ترك الحج) مر في الحج.
(منعها زوجها من الدخول عليها وهو يسكن معها في بيتها نشوز) حكماً كما
حررناه في باب النفقة (ولو) كان (المنع لينقلها إلى منزله) فليست ناشزة لوجوب
السکنی علیه (أو کان یسکن في بیت الغصب فامتنعت منه لا) تکون ناشزة لأنها
محقة، إذ السكنى فيه حرام، بخلاف ما لو كان فيه (شبهة قالت: لا أسكن مع
الحد لا يثبت ببيان فيه شبهة؛ ألا ترى أنه لو شهدوا بالوطء الحرام أو أقر بالوطء الحرام
لا يجب الحد، ولو شهدوا بالقتل المطلق أو أقرّ بمطلق القتل يجب القصاص، وإن لم
يوجد التعمد لأن القصص فيه معنى العوضية، لأنه شرع جابراً، فجاز أن يثبت مع
الشبهة كسائر المعاوضات التي هي حق العبد. أما الحدود الخالصة لله تعالى شرعت زاجرة
وليس فيها معنى العوضية، فلا تثبت مع الشبهة لعدم الحاجة. هداية. وقد اعترض
العلامة الطوري كلامهم هنا بأنهم سوّوا بين الحدود والقصاص في أن كلَّ منهما يدرأ
بالشبهة كما صرحوا به في مواضع كثيرة منها الكفالة فلا تجوز بالنفس فيهما، ومنها
الوكالة فلا تجوز باستيفائهما، ومنها الشهادة على الشهادة لا تجوز فيهما، وعللوا جميع
ذلك بأنهما مما يدرأ بالشبهة، وكذا في كتاب الدعوى والجنايات وفرعوا على ذلك مسائل
كثيرة ا هـ ملخصاً. قوله: (ولا في شهادة ما) نقل في فتح القدير عن المبسوط أنه إجماع
الفقهاء، لأن لفظ الشهادة لا يتحقق منه. وتمامه فيه. قوله: (ظاهر كلامهم) نعم تقدم في
كتاب الإقرار صريحاً حيث قال: والإيماء بالرأس من الناطق ليس بإقرار بمال وعتق
وطلاق وبيع ونكاح وإجارة وهبة، بخلاف إفتاء ونسب وإسلام وكفر الخ. قوله: (يقضي
ويكفر) لوجود معنى صلاح البدن كما قدمه في الصوم عن الدراية وغيرها. قوله: (لا
يكفر) أي بل يقضى فقط. قوله: (عذر في ترك الحج) لأن أمن الطريق شرط الوجوب أو
الأداء، لكن الشارح هناك قيد أمن الطريق بغلبة السلامة ولو بالرشوة وعزاه إلى الكمال،
وبقتل بعض الأفراد لا تنتفي الغلبة، ولذا قيده ط بالقتل في كل مرحلة. تأمل. قوله:
(منعها زوجها) مصدر مضاف إلى فاعله. قوله: (نشوز حكماً) لأن الناشزة هي الخارجة
من بيت زوجها بغير حق، ومنعها له عن الدخول إلى بيتها مع إرادتها السكنى فيه خروج
حكماً. قوله: (بخلاف ما لو كان فيه شبهة) كبيت السلطان فهي ناشزة لعدم اعتبار

٤٦٤
كتاب الخنثى
أمتك وأريد بيتاً على حدة ليس لها ذلك) وكذا مع أم ولده وكله مر في النفقة .
(قال لعبده يا مالكي أو قال لأمته أنا عبدك لا تعتق) لأنه ليس بصريح ولا
كناية (بخلاف قوله) لعبده (يا مولاي) لأنه كناية على ما مر في محله.
(العقار المتنازع فيه لا يخرج من يد ذي اليد ما لم يبرهن المدعي) على وفق
دعواه، بخلاف المنقول (أو يعلم به القاضي) ولا يكفي تصديق المدعى عليه أنه في
يده في الصحيح لاحتمال المواضعة.
قلت: قدمنا غير مرة آخرها في باب جناية المملوك أن المفتى به في زماننا أنه
لا يعمل بعلم القاضي، فتأمل. وهذا إذا ادعاه ملكاً مطلقاً، أما إذا ادعى الشراء
الشبهة في زماننا. كذا في التجنيس. قوله: (ليس لها ذلك) لأنه لا بد له ممن يخدمه، وقد
تمتنع هي عن خدمته، فلا يمكن منعه من ذلك ط. قوله: (وكذا مع أم ولده) وكذا مع
طفله الذي لا يفهم الجماع، بخلاف بقية أهله وأهلها. قوله: (لأنه ليس بصريح ولا
كناية) ظاهره أنه لا عتق ولو بالنية. وفي الحموي عن البزازية: قال لعبده أو أمته أنا عبدك
يعتق إن نوى، ومثله فيما يظهر يا مالكي، لأن مؤدى العبارتين واحد ط. وفي الخانية عن
الصغار: فيمن قال لجاريته يا من أنا عبدك، قال: هذه كلمة لطف لا تعتق بها، فإن نوى
العتق فعن محمد فيه روايتان. قوله: (على ما مر في محله) أي في كتاب العتق.
أقول: وقد عده المصنف هناك من الصريح، وهو ظاهر قول الزيلعي وغيره هنا؛
لأن حقيقته تنبىء عن ثبوت الولاء على العبد، وذلك بالعتق لأنه یمکن إثباته من جهته،
وقوله يا مالكي أو أنا عبدك حقيقة ينبىء عن ثبوت ملك العبد على المولى وذلك لا يمكن
إثباته من جهة المولى ١ هـ.
أقول: ويظهر من هذا وجه تخصيصهم المولى هنا بالمعتوق، وإن كان يطلق على
المعتق بالاشتراك؛ لأنه لا يمكن إثباته من جهة السيد: أي لا يمكنه أن يجعل لعبده ولاء
عليه فكان لغواً، فتعين إرادة المعنى الممكن، فافهم. قوله: (ما لم يبرهن المدعي على وفق
دعواه) كذا في شرح مسكين، والمناسب قول الزيلعي وغيره: ما لم يبرهن على أن العقار في
يد المدعى عليه، لأن دعوى المدعي الملك كما سيصرح به. قوله: (ولا يكفي الخ)
تصريح بما فهم من إطلاق قوله ((ما لم يبرهن)). قوله: (لاحتمال المواضعة) أي الموافقة إذا
كان مالك العقار غائباً فيتواضع اثنان، ويقر أحدهما باليد ويبرهن الآخر عليه بالملك،
ويتسامح في الشهود ثم يدفع المالك متعللاً بحكم الحاكم، وهذه التهمة في المنقول منتفية،
لأن يد المالك لا تنقطع عن المنقول عادة بل يكون في يده. بحر عن البزازية. قوله:
(وهذا) أي لزوم إثبات اليد بالبرهان. قوله: (أما إذا ادعى الشراء) ومثله الغصب. قوله:

٤٦٥
کتاب الخنثى
من ذي اليد وإقراره بأنه في يده فأنكر الشراء وأقر بكونه في يده لم يحتج لبرهان على
كونه في يده، لأن دعوى الفعل كما تصح على ذي اليد تصح على غيره أيضاً كما
بسط في البزازية .
(عقار لا في ولاية القاضي يصح قضاؤه فيه) كمنقول هو الصحيح، وتقدم في
القضاء أن المصر ليس بشرط فيه، به يفتى ويكتب بالحكم لقاضي تلك الناحية
ليأمره بالتسليم (وقيل لا يصح) ومشى عليه في الكنز والملتقى.
(قضى القاضي ببينة في حادثة ثم قال: رجعت عن قضائي أو بدا لي غير ذلك
أو وقعت في تلبيس الشهود أو أبطلت حكمي أو نحو ذلك لا يعتبر) قول القاضي
في كل ذلك لتعلق حق الغير به وهو المدعي (والقضاء ماض إن كان بعد دعوى
صحيحة وشهادة مستقيمة) إلا في ثلاث مرت في القضاء: لو بعلمه أو بخلاف
مذهبه، أو ظهر خطؤه
(وإقراره) بالنصب عطفاً على الشراء. قوله: (لأن دعوى الفعل) كالشراء مثلاً. قوله:
(تصح على غيره) لأنه يدعي عليه التمليك وهو يتحقق من غير ذي الید، فعدم ثبوت اليد
بالإقرار لا يمنع صحة الدعوى، أما دعوى الملك المطلقة فدعوى ترك التعرض بإزالة
اليد، وطلب إزالتها لا يتصور إلى من ذي الید وبإقراره لا يثبت كونه ذا يد لاحتمال
المواضعة كما قررناه. منح عن البزازية. قوله: (هو الصحيح) قال في البحر: أول كتاب
القضاء: ولا يشترط أن يكون المتداعيان من بلد القاضي إذا كانت الدعوى في المنقول
والدين، وأما إذا كانت في عقار لا في ولايته فالصحيح الجواز كما في الخلاصة والبزازية،
وإياك أن تفهم خلاف ذلك فإنه غلط اهـ. قوله: (ليس بشرط فيه) فالقضاء في السواد
صحيح، وبه يفتى. بحر. قوله: (ويكتب الخ) راجع لمسألة المتن. قوله: (قضى القاضي
ببينة) إنما ذكره لقوله بعد ((أو وقعت في تلبيس الشهود)) وإلا فالإقرار كالبينة فيما يظهر
ط. قوله: (ونحو ذلك) كنقضته أو فسخته أو رفعته. ط عن الحموي. قوله: (إن كان
بعد دعوى صحيحة) تقدمت شروط صحتها في القضاء ويأتي شيء منها. قوله: (إلا في
ثلاث الخ) الاستثناء بالنسبة للأولى غير ظاهر، إذ لا شهادة فيها: تأمل. قوله: (أو ظهر
خطؤه) أي بيقين كما لو قضى بالقصاص مثلاً فجاء المقتول حياً أو كان مجتهداً فرأى
النص بخلافه، كما لو تحول اجتهاده. وأفاد الزيلعي عن المحيط: أن النبي وَل﴿ إنما لم
ينقض ما قضى فيه باجتهاده ونزل القرآن بخلافه، لأنه كان فيما لا نص فيه فصح وصار
شريعة له، فإذا نزل القرآن بخلافه صار ناسخاً لتلك الشريعة، بخلاف ما إذا قضى
القاضي باجتهاده ثم تبين نص بخلافه، لأن النص كان موجوداً منزلاً إلا أنه خفى عليه،
فکان الاجتهاد في محل النص فلا يصح. وتمامه فيه.

٤٦٦
کتاب الخنثى
(إذا قال الشهود قضيت وأنكر القاضي فالقول له) به يفتى، قاله ابن الغرس في
الفواكه البدرية، زاد في البزازية خلافاً لمحمد: زاد في البحر (ما لم ينفذه قاض آخر)
فحينئذ لا يكون القول قوله في أنه لم يقض لوجود قضاء الثاني به. قال المصنف:
وهو قيد حسن لم أقف عليه لغير صاحب البحر.
(شرط نفاذ القضاء في المجتهدات) من حقوق العباد (أن يصير الحكم في
حادثة) بأن يتقدمه دعوى صحيحة من خصم على خصم حاضر منازع شرعي، فلو
برهن بحق على آخر عند قاض فقضى به ببرهانه بدون منازعة ومخاصمة شرعية
وتداع بينهما لم ينفذ قضاؤه لفقد شرطه، وهو التداعي بخصومة شرعية، وكان
إفتاء فيحكم بمذهبه لا غير كما قدمناه في القضاء، وأفاده بقوله (فلو رفع إليه) أي
إلى الحنفي (قضاء مالكي بلا دعوى لم يلتفت إليه وعمل الحنفي بمقتضى مذهبه)
وفي أشباه السيوطي عن السبكي: أن قضاء القاضي ينقض عند الحنفية إذا كان
حكماً لا دليل عليه، وما خالف شرط الواقف مخالف للنص وهو حكم لا دليل عليه،
وأيده في البحر بقول شارح المجمع وغيره أن شرط الواقف كنص الشارع. قوله: (وأنكر
القاضي) أما لو اعترف فيثبت حيث كان مولى لا لو معزولاً وفي البزازية: وإن أرادوا أن
يثبتوا حكم الخليفة عند الأصل فلا بد من تقديم دعوى صحيحة على خصم حاضر وإقامة
البينة، كما لو أرادوا إثبات قضاء قاض آخر اهـ. بحر. قوله: (خلافاً لمحمد) قال في
البحر: ورجح في جامع الفصولين قول محمد، قال: وينبغي أن يفتى به لما علم من
أحوال قضاة زماننا اهـ. قوله: (لوجود قضاء الثاني به) فإنه لا ينفذه إلا بعد ثبوته عنده،
ولا بد فيه من الدعوى أيضاً.
قال في البحر: ولا بد في إمضاء الثاني لحكم الأول من الدعوى أيضاً، ولا يشترط
إحضار شهود الأصل ا هـ. فلو قبل قول الأول لزم إبطال القضاء الثاني بمجرد قوله بعد
الثبوت والإمضاء، فإنه مبني على الأول ولا سيما إذا كان مخالفاً لمذهب القاضي الثاني،
فافهم. قوله: (من حقوق العباد) قيد به لأن الحادثة لا تشترط في حقوق الله تعالى
كالحدود وعتق الأمة وطلاق الزوجة ط. قوله: (منازع شرعي) كأصيل أو وكيل أو
وصي أو متول أو أحد الورثة، بخلاف الفضولي والمودع والمستعير فإن نزاعهما لا يعتبر.
قوله: (فقضي به ببرهانه) الباء الأولى للتعدية والثانية للسببية ط. قوله: (بدون منازعة)
متعلق بمحذوف حال، والمراد بدون حضور منازع ممن تقدم. قوله: (فيحكم بمذهبه)
يعني لو رفع هذا الحكم إلى قاض آخر یحکم بمذهبه ولا يجب علیه تنفیذ الأول لأنه ليس
ملزماً لفقد شرطه، وإنما هو إفتاء: أي بيان الحكم الشرعي. قوله: (أي إلى الجنفي) أي

٤٦٧
کتاب الخنثى
لعدم تقدم ما يمنعه من ذلك لخروج قضاء المالكي مخرج الفتوى، لعدم تقدم
الخصومة الشرعية التي هي شرط انعقاد القضاء في حق العباد.
(إذا ارتاب) القاضي (في حكم) القاضي (الأول له طلب شهود الأصل) مر في
القضاء قيد بارتيابه في حكم الأول، فأفاد أنه إذا لم يرتب فيه لا يتعرض له. قال في
الفواكه البدرية: قالوا في قضاء العدل العالم لا ينقض، ويحمل على السداد، بخلاف
قضاء غيره: يعني إذا تبين وجه فساده بطريقه فللثاني نقضه.
(إذا ترتب بيع التعاطي على بيع باطل أو فاسد لا ينعقد) مر في أول البيوع
عن الخلاصة والبزازية والبحر (خبأ قوماً ثم سأل رجلًا عن شيء فأقرّ به وهم يرونه
ويسمعون كلامه وهو لا يراهم جازت شهادتهم عليه) بذلك الإقرار (وإن سمعوا
كلامه ولم يروه لا تجوز) شهادتهم عليه لأن النغمة تشتبه عليه فتقع الشبهة، إلا إذا
علموا أنه ليس فيه غيره بأن دخلوا البيت ثم خرجوا وجلسوا على بابه ولا مسلك
له غيره ثم دخل رجل فسمعوا إقراره ولم يروه وقته.
(باع عقاراً) أو حيواناً أو ثوباً (وابنه أو امرأته) أو غيرهما من أقاربه
مثلا، فإن غيره إن کان يشترط ما ذکر فحکمه كذلك. قوله: (إذا ارتاب الخ) نقله في
النهر عن صاحب البحر، وقال: لم أجده لغيره. قوله: (يعني الخ) أقول على هذا لا فرق
بين قضاء العدل العالم وغيره. فلو قيل: يعني لا يتعرض لنقضه لكان أحسن: أي لا
يسأل عن الأحوال الموجبة للنقض. فلا يقال: هل قضى بالرشوة ونحو ذلك؟ بقرينة
قولهم ((ويحمل على السداد)) وأما غير العدل العالم فيسأل عن حاله. قوله: (مر في أول
البيوع الخ) ومر أنه محمول على ما إذا كان قبل متاركة الأول، وأنه ليس خاصاً بالبيع
بالتعاطي، بل البيع بالإيجاب والقبول كذلك.
وفي الخانية: شرى ثوباً شراء فاسداً ثم لقيه غداً فقال قد بعتني ثوبك هذا بألف
درهم، فقال بلى فقال قد أخذته فهو باطل، وهذا على ما كان قبله من البيع الفاسد، فإن
كانا تتاركا البيع الفاسد فهو جائز اليوم اهـ.
أقول: ويرد عليه ما ذكره الشارح هناك في مسألة بيع قطيع غنم كل شاة بكذا إنه
فاسد، وإن علم بعدد الغنم في المجلس لم ينقلب صحيحاً على الأصح، ولو رضيا انعقد
بالتعاطي ونظيره البيع بالرقم. سراج ا هـ ومثله في النهاية والفتح وغيرهما، فليتأمل.
قوله: (ثم دخل رجل) أي وحده كما أفاده قوله ((إلا إذا علموا أنه ليس فيه غيره)) وعليه
فلو دخل معه المقر له لا تجوز شهادتهم لحصول الشبهة باحتمال أن المقر هو مدعي الحق،
وأنه جعل نغمته كنغمة الآخر. تأمل. قوله: (باع عقاراً الخ) وكذا لو وهب أو تصدق

٤٦٨
كتاب الخنثى
وسلم وقيد بالبيع إذ لو أجر أو رهن، أو أعار ثم ادعى الحاضر تسمع، إذ ليس من
لوازم ذلك الخروج عن الملك، وقد يرضى الشخص بالانتفاع بملكه، ولا يرضى بالخروج
عن ملكه، ولأنه في البيع ونحوه على خلاف القياس فلا يقاس عليه غيره، ولم أر من نبه
عليه، فليتأمل. رملي.
أقول: ومثل البيع الوقف كما أفتى به الشهاب الشلبي، ووافقه على ذلك ثلاثة
عشر عالماً من أعيان الحنفية في عصره كتب أسماءهم وخطوطهم بموافقته في آخر كتاب
الدعوى من فتاويه المشهورة، فراجعها.
ثم اعلم أن التقييد بالبيع إنما يظهر بالنسبة إلى القريب، أما بالنسبة إلى الأجنبي
فلا، لما في جامع الفتاوى أول كتاب الدعوى عن الخلاصة: رجل تصرف في أرض زماناً
ورجل آخر يرى تصرفه فيها ثم مات المتصرف ولم يدع الرجل حال حياته لا تسمع دعواه
بعد وفاته ا هـ.
وفي الحامدية عن الولوالجية: رجل تصرف زماناً في أرض ورجل آخر يرى الأرض
والتصرف ولم يدع ومات على ذلك لم تسمع بعد ذلك دعوى ولده فتترك على يد المتصرف
اهـ.
والظاهر أن الموت غير قيد بدليل أنهم لم يقيدوا به هنا، وبه علم أن مجرد السكوت
عند الاطلاع على التصرف مانع وإن لم يسبقه بيع، وأما السكوت عند البيع فلا يمنع إلا
دعوى القريب.
ثم اعلم أنه نقل العلامة ابن الغرس في الفواكه البدرية عن المبسوط: إذا ترك
الدعوى ثلاثاً وثلاثين سنة ولم يكن مانع من الدعوى ثم ادعى لا تسمع دعواه، لأن ترك
الدعوى مع التمكن يدل على عدم الحق ظاهراً ا هـ. ومثله في البحر وفي جامع الفتاوى.
وقال المتأخرون من أهل الفتوى: لا تسمع الدعوى بعد ست وثلاثين سنة، إلا أن يكون
المدعي غائباً أو صبياً أو مجنوناً ليس لهما ولي، أو المدعى عليه أميراً جائراً يخاف منه. كذا
في الفتاوى العتابية اهـ. والظاهر أن عدم سماعها بعد هذه المدة أعم من كونه مع الاطلاع
على التصرف أو بدونه، لأن عدم سماعها مع الاطلاع على التصرف لم يقيدوه هنا بمدة،
فلا منافاة بين كلامهم. تأمل.
ثم اعلم أن عدم سماعها ليس مبنياً على بطلان الحق، حتى يرد أن هذا قول
مهجور، لأنه ليس ذلك حكماً ببطلان الحق، وإنما هو امتناع من القضاة عن سماعها
خوفاً من التزوير ولدلالة الحال كما دل عليه التعليل، وإلا فقد قالوا: إن الحق لا يسقط
بالتقادم كما في قضاء الأشباه، فلا تسمع الدعوى في هذه المسائل مع بقاء الحق للآخرة،

٤٦٩
كتاب الختشى
(حاضر يعلم به ثم ادعى الابن) مثلاً (أنه ملكه لا تسمع دعواه) كذا أطلقه في الكنز
والملتقى، وجعل سكوته كالإفصاح قطعاً للتزوير والحيل، وكذا لو ضمن الدرك أو
تقاضى الثمن، وقالوا فيمن زوجوه بلا جهاز إن سكوته عن طلب الجهاز عند الزفاف
رضاً فلا يملك طلب الجهاز بعد سكوته كما مر في باب المهر (بخلاف الأجنبي) فإن
سكوته و (لو جاراً) لا يكون رضاً (إلا إذا) سكت الجار وقت البيع والتسليم و
ولذا لو أقر به يلزمه، كما في مسألة عدم سماع الدعوى بعد مضيّ خمس عشرة سنة إذا
نهى السلطان عن سماعها كما تقدم قبيل باب التحكيم، فاغتنم هذا التحرير المفرد.
قوله: (حاضر) المراد من الحضور الاطلاع. رملي. قوله: (مثلاً) أي أو الزوجة أو غيرها
من الأقارب. قوله: (إنه ملكه) أي كله أو بعضه مشاعاً أو معيناً، والذي يظهر عدم
سماع الدعوى في الثمن أيضاً، ويؤيده ما في التبيين وغيره من أن حضوره وتركه فيما
يصنع إقرار منه بأنه ملك البائع وأن لا حق له في المبيع الخ. رملي. قوله: (كذا أطلقه في
الكنز الخ) أي أطلقه عما قيده به الزيلعي نقلاً عن فتاوى أبي الليث بأن يتصرف المشتري
فيه زماناً. قال في المنح: ولم يقيده بذلك في الكنز والبزازية وكثير من المعتبرات، ومن ثم
لم نقيده به، ولأن التقييد به يوجب التسوية بين القريب والجار مع أن الجار يخالفه اهـ.
وحكى في المسألة أقوالاً أخر فراجعها. قوله: (وجعل سكوته كالإفصاح) أي بأنه ملك
البائع، وفي فتاوى المصنف إذا ادعى عدم العلم بأنه ملكه وقت البيع يصدق.
وقال في نهج النجاة: أقول: وهذا إذا لم يكن المدعي معذوراً وإلا فتسمع دعواه،
فقد قالوا: يعذر الوارث والوصي والمتولي بالتناقض للجهل في موضع الخفاء ا هـ. وقال
الإستروشتي: اشترى داراً لطفله من نفسه فكبر الابن ولم يعلم ثم باعها الأب وسلمها
للمشتري ثم استأجرها الابن منه ثم علم بما صنع الأب فادعى الدار تقبل، ولا يصير
متناقضاً بالاستئجار لأن فيه خفاء، لأن الأب يستبد بالشراء للصغير وعسى لا يعلم بعد
البلوغ اهـ. سائحاني. قوله: (وكذا لو ضمن الدرك الخ) الأولى ذكره بعد الأجنبي لئلا
يوهم اختصاصه بالقريب، وأوضح المسألة الزيلعي فراجعه. قوله: (فلا يملك الخ) أي
على القول بأن له الطلب وهو خلاف الصحيح. قوله: (بخلاف الأجنبي) قال الرملي:
أقول: الذي ظهر لي في الفرق أن الأطماع الفاسدة في القريب أغلب، فمظنة التلبيس فيه
أرجح، ولذلك غلب في الأقرباء خصوصاً في دعوى الإرث لسهولة إثباته، بخلاف
الأجنبي فإن طمعه في مال من هو أجنبي عنه نادر، فلا بد من مرجح يرجح جهة
التزوير، وهي أن يتصرف فيه المشتري زماناً. قوله: (إلا إذا سكت الجار) وغيره من
الأجانب بالأولى فتخصيص الجار بالذكر لأنه مظنة أنه في حكم القريب والزوجة. قوله:
(وقت البيع والتسليم) أي وقت علمه بهما، كما أفاده كلام الرملي السابق، وقد علمت

٤٧٠
كتاب الختشى
(تصرف المشتري فيه زرعاً وبناء) فحينئذ (لا تسمع دعواه) على ما عليه الفتوى قطعاً
للأطماع الفاسدة، وبخلاف ما إذا باع الفضولي ملك رجل والمالك ساكت حيث ألا
يكون سكوته رضاً عندنا خلافاً لابن أبي ليلى. بزازية آخر الفصل الخامس عشر
وغيره.
(باع ضيعة ثم ادعى أنها وقف عليه) أو على مسجد كذا أو كنت وقفتها
(وأراد تحليف المدعى عليه ليس له ذلك) اتفاقاً للتناقض (وإن أقام بينة تقبل) على
الأصح لا لصحة الدعوى، بل لقبول البينة في الوقف بلا دعوى، خلافاً لما صوبه
الزيلعي، وقد حققناه في الوقف وباب الاستحقاق.
(وهبت مهرها لزوجها فماتت وطالبت ورثتها بمهرها وقالوا كانت الهبة في
مرض موتها وقال بل في الصحة فالقول للورثة)
أن البيع غير قيد، بل مجرد السكوت عند الاطلاع على التصرف مانع من الدعوى. قوله:
(زرعاً وبناء) المراد به كل تصرف لا يطلق إلا للمالك فهما من قبيل التمثيل. قوله: (لا
تسمع دعواه) أي دعوى الأجنبي ولو جاراً. رملي. قوله: (وبخلاف ما إذا باع الفضولي
الخ) ذكرها لأدنى مناسبة، وإلا فالكلام فيما إذا ادعى الساكت الملك وأنكر البائع
والمشتري، وهنا لا إنكار. قوله: (لا يكون سكوته رضاً عندنا) في فتاوى أمین الدين عن
المحيط إذا اشترى سلعة من فضولي وقبض المشتري المبيع بحضرة صاحب السلعة فسكت
يكون رضا اهـ. ومثله في البزازية عن المحيط أيضاً.
فعلم به أن محل ما هنا ما إذا لم يقبض المشتري السلعة بحضرة صاحبها، وهو
ساكت. تأمل. رملي. قوله: (آخر الفصل الخامس عشر) أي من كتاب الدعوى. قوله:
(وغيره) أي في الفصل التاسع من النكاح، وقد نقلها الزيلعي هنا عن الجامع الصغير.
قوله: (تقبل على الأصح) وبه أخذ الصدر الشهيد.
وقال الفقيه: قال بعض الناس: لا تقبل البينة ولكنا لا نأخذ به. تاترخانية، وبه:
أي بالقبول نأخذ وهو الأصح. عمادية. تقبل البينة وإن لم تصح الدعوى. خلاصة
وبزازية. وصححه في كثير من الفتاوى.
وقيده في البحر بما إذا برهن أنه وقف محكوم بلزومه، وإلا فلا لأن مجرد الوقف لا
يزيل الملك، ومثله في فتح القدير وهو تفصيل حسن ينبغي أن يعوّل عليه. أفاده المصنف.
قلت: المفتى به أن الملك يزول بمجرد قوله وقفت. قوله: (خلافاً لما صوبه الزيلعي)
حيث قال: وقيل لا تقبل وهو أصوب وأحوط، لأنه بإقامة البينة أن الضيعة وقف عليه
يدعي فساد البيع وحقاً لنفسه فلا تسمع للتناقض اهـ. وظاهره أنه لو على مسجد أونحوه
تسمع إذ لا يدعي حقاً لنفسه. قوله: (فالقول للورثة) هذا عند عدم البرهان، فإن أقاموا
البرهان فالبينة بينة من يدعي الهبة في الصحة. منح.

٤٧١
کتاب الخنثى
هذا ما اعتمده في الخانية تبعاً لرواية الجامع الصغير بعد نقله لما في فتاوى النسفي أن
القول للزوج، فقال: والاعتماد على تلك الرواية لأنهم تصادقوا على وجوب المهر.
واختلفوا في السقوط فالقول لمنكره الخ.
قلت: وأقره في تنوير البصائر واعتمده شيخنا على خلاف ما جزم به في
الملتقى كالكنز من أن القول للزوج، وإن جزم به شراحه كالزيلعي وابن سلطان بأنه
الاستحسان، فتنبه.
قلت: واستظهره ابن الهمام في آخر النهر فقال: وجه الظاهر أن الورثة لم
يكن لهم حق بل لها وهم يدعونه لأنفسهم، والزوج ينكر فالقول له.
(وكلها بطلاقها لا يملك عزلها) لأنه يمين من جهته (وكلتك بكذا على آني
متى عزلتك فأنت وكيلي) فطريقه أن (يقول في عزله عزلتك ثم عزلتك) لأن متى
لعموم الأوقات، وأما كلما فلعموم الأفعال (فلو قال كلما عزلتك فأنت وكيلي
يقول) في عزله (رجعت عن الوكالة المعلقة وعزلتك عن الوكالة المنجزة)
قلت: وعلى القول الثاني فالظاهر أن البينة للورثة. قوله: (هذا ما اعتمده في الخانية)
وتصحيح قاضيخان من أجل التصاحيح، وهذا من المسائل التي رجحوا القياس فيها على
الاستحسان. سائحاني. قوله: (بعد نقله) ضميره كضمير قال يرجع إلى قاضيخان ط.
قوله: (إلى آخره) هو قوله ولأن الهبة حادثة والأصل في الحوادث أن تضاف إلى أقرب
الأوقات اهـ. قوله: (بأنه الاستحسان) الباء للسببية وهو مرتبط بقوله ((جزم)) ط. قوله:
(واستظهره) أي كون القول للزوج. قوله: (وجه الظاهر) مفاده أنه ظاهر الرواية. قوله:
(لم يكن لهم حق) أي وقت الهبة. قوله: (لأنه یمین من جهته) لما فيه من معنى اليمين
وهو تعليق الطلاق بفعلها، فلا يصح الرجوع في اليمين، وهو تمليك من جهتها لأن
الوكيل هو الذي يعمل لغيره وهي عاملة لنفسها، فلا تكون وكيلة، بخلاف الأجنبي.
زيلعي. ولمعنى التمليك اقتصر على المجلس كما مر في باب تفويض الطلاق. قوله: (لأن
متى لعموم الأوقات) أي فلا تفيد إلا عزلًا ونصباً واحداً.
قال الزيلعي: فإذا عزله انعزل عن الوكالة المنجزة وتنجزت المعلقة، فصار وكيلاً
جديداً، ثم بالعزل الثاني انعزل عن الوكالة الثانية. قوله: (يقول في عزله رجعت الخ)
لأنه لو عزله عن المنجزة من غير رجوع لصار وكيلاً مثل ما كان ولو عزله ألف مرة، لأن
كلمة تقتضي تكرار الأفعال لا إلى نهاية، فلا يفيد العزلا إلا بعد الرجوع حتى لو عزله،
ثم رجع عن المعلقة يحتاج إلى عزل آخر، لأنه كلما عزله صار وكيلاً، فلا يفيد الرجوع
بعد ذلك عن المعلقة في حقها لأنه يحتاج إلى عزل آخر بعد الرجوع. زيلعي. وتمامه فيه.

٤٧٢
کتاب الخنثى
الحاصلة من لفظ كلما فحينئذ ينعزل.
(قبض بدل الصلح شرط إن) كان (ديناً بدين) بأن صالح على دراهم عن
دنانير أو عن شيء آخر في الذمة (وإلا) يكن ديناً بدين (لا) يشترط قبضه، لأن
الصلح إذا وقع على عين تتعين لا تبقى ديناً في الذمة، فجاز الافتراق عنه.
(قال) المدعي (لا بينة لي فبرهن) ولو بعد حلف خصمه. جواهر الفتاوى.
وكذا لو قال عند طلبه ليمينه إذا حلفت فأنت بريء عن المال الذي لي عليك
وحلف وثم برهن على الحق قبل وقضى له بالمال. خانية (أو قال) الشاهد (لا شهادة
لي) فشهد تقبل لإمكان التوفيق بالنسيان، ثم التذكر (كما لو قال ليس لي عند فلان
شهادة ثم جاء به فشهد أو قال لا حجة لي على فلان ثم أتى بها) بالحجة فإنها تقبل لما
قلنا، بخلاف ما إذا قال ليس لي حق، ثم ادعى حقاً لم تسمع للتناقض (للإمام الذي
ولاه الخليفة أن يقطع) من الإقطاع
قوله: (الحاصلة من لفظ كلما) هكذ في المنح أيضاً، وهو سهو لأن المنجزة حصلت من
قوله ((أنت وكيلي)) والمعلقة حصلت من قوله ((كلما عزلتك الخ)) سائحاني. قوله: (أو عن
شيء آخر) أي من غير الدراهم لقول مسكين: هذا إذا كان على خلاف جنسه، لأنه لو
صالح على جنسه مؤجلاً جاز. قوله: (في الذمة) صفة لدراهم ودنانير وشيء آخر. تأمل.
قوله: (وإلا) أي بأن كان عقاراً بعقار أو عقاراً بدين. مسكين. قوله: (لم تتعين) صفة
لعين: أي تتعين بالإشارة إليها. قوله: (فجاز الافتراق عنه) أي وإن كان مال الربا، كما
إذا وقع الصلح على شعير بعينه عن حنطة في الذمة. زيلعي. قوله: (قبل الخ) لأنه لا
يصح تعليق الإبراء بالخطر. قوله: (أو قال لا حجة لي) لما كانت الحجة تصدق بشهادة
الواحد فيما يكتفي به ذكرها عقب البيئة. سائحاني. أي فلا تكرار فافهم. قوله: (بخلاف
ما إذا قال ليس لي حق) أي على فلان، وإنما حذفه للعلم به من المتن، وعبارة المنح:
بخلاف ما إذ قال ليس لي عليه حق الخ.
وفيها: ولو قال هذه الدار ليست لي أو قال ذلك العبد ثم أقام بينة أن الدار أو
العبد له تقبل بينته، لأنه لم يثبت بإقراره حقاً لأحد فكان لغواً، ولهذا تصح دعوى
الملاعن نسب ولد نفي بلعانه نسبه، لأنه حين نفاه لم يثبت فيه حقاً.
وفيها: لو قال لا أعلم لأن لي حقاً على فلان ثم أقام البينة أن له عليه حقاً تقبل
لإمكان الخفاء عليه فأمكن التوفيق. قوله: (لم تسمع للتناقض) قد يقال: إن التوفيق
المذكور ممكن هنا أيضاً فلماذا لم يعتبر، ويمكن التوفيق بأنه في هذه المسألة ثبتت براءة ذمة
المدعى عليه بالقول الأول ثم يريد شغلها بالثاني ولا يقبل ط. قوله: (إن يقطع) أي يعين

٤٧٣
کتاب الخنثى
(إنساناً من طريق الجادة إن لم يضر بالمارة) لأن للإمام ولاية ذلك فكذا نائبه.
(صادره السلطان ولم يعين بيع ماله فلو عينه فمكره، إلا أن يأخذ الثمن طوعاً
فباع ماله) بسبب المصادرة (صح) بيعه لأنه غير مكره كما مر في الإكراه (كالدائن إذا
حبس بالدين فباع ماله لقضائه صح) إجماعاً.
(خوفها) زوجها أو غيره (بالضرب حتى وهبت مهرها لم يصح إن قدر على
الضرب) لأنها مكرهة عليه (وإن أكرهها على الخلع وقع الطلاق ولم يسقط المال) لأن
طلاق المكره واقع ولا يلزم المال به لما قلنا (ولو أحالت إنساناً على الزوج ثم وهبت
المهر الزوج لم يصح) قالوا: وهو الحيلة.
له قطعة. ط عن الحموي قوله: (من طريق الجادة) هو وسط الطريق ومعظمه ط. قوله:
(إن لم يضرّ بالمارة) بأن كان واسعاً لا يضيق بذلك. قال في المعدن: قيد به لأنه لو أضر
بالمارة لا يقطع إذ فيه قطع الطريق، وليس له أن يقطع الطريق وإن كان لهم طريق
أخرى، حتى لو فعل ذلك فهو آثم، وإن رفع إلى القاضي رده. كذا في نصاب الفقهاء.
وذكر في الخانية قال: للسلطان أن يجعل ملك الرجل طريقاً عند الحاجة اهـ ط. قوله:
(لأن للإمام ولاية ذلك) إذ له التصرف في حق الكافة فيما فيه نظر للمسلمين، فإذا رأى
ذلك مصلحة لهم كان له أن يفعله من غير أن يلحق ضرراً بأحد؛ ألا ترى أنه إذا رأى
أن يدخل بعض الطريق في المسجد أو عكسه وكان في ذلك مصلحة بالمسلمين كان له أن
يفعل ذلك. منح. والمراد هنا بالإمام الخليفة ليناسب قوله ((فكذا نائبه)). قوله: (صادره
السلطان) أي أراد أن يأخذ منه مالا ط. قوله: (لأنه غير مكره) فإنه إنما باعه باختياره.
غاية الأمر أنه صار محتاجاً إلى بيعه لإيفاء ما طلب منه، وذلك لا يوجب الكره. منح.
قوله: (كالدئن إذا حبس) بالبناء للفاعل والمفعول محذوف وهو المديون ط. قوله:
(بالضرب) الظاهر أنه أراد به المبرح ط. قوله: (على الخلع) أي على المخالعة معه بمال.
قوله: (لأن طلاق المكره واقع) كذا علل الزيلعي وغيره، وتعقبه الشلبي بأنه إذا كان
الزوج وهو الذي أكرهها لا يصح هذا التعليل إلا إذا قرىء: وإن أكرها: أي الزوج
والمرأة: أي أكرههما إنسان اهـ. أبو السعود.
أقول: أو يقرأ المكره بالكسر اسم فاعل. قوله: (ولا يلزم المال) أي بدل الخلع،
ولما كان ذلك البدل تارة يكون ما في ذمة الزوج من المهر وتارة يكون غيره، وقد عبر
المصنف بما يناسب الأول وهو السقوط عبر الشارح بما يناسب الثاني جميعاً بينهما. قوله:
(لما قلنا) أي من أنها مكرهة، وسقوط المال أو لزومه يشترط له الرضا. قوله: (قالوا:
وهو الحيلة) قال في المنح: ذكر هذا الفرع في الكنز وغيره، وظاهر كلامهم أن هذا هو
المخلص لامرأة تريد أن ترضي زوجها بهبة المهر ظاهراً وهي لا تريد صحة ذلك اهـ.

٤٧٤
کتاب الخنثى
قلت: وإنما تتم بقبوله فيعلم حيلتها، إلا أن يقال: إنه يتمكن المحال من
مطالبته برفعه إلى من لا يشترط قبوله.
(اتخذ بئراً في ملكه أو بالوعة فنزّ منها حائط جاره وطلب جاره تحويله لم يجبر)
عليه ومفاده أنه يؤمر بالرفق دفعاً للإيذاء (وإن سقط الحائط منه لم يضمن) لعدم
تعديه إذا حفره في ملكه فكان تسبباً، ومر في آخر الإجارة أنه لو سقى أرضه سقياً
لا تحتملہ فتعدی لجاره ضمن.
قوله: (قلت الخ) هو للمصنف، وأقول: إنما تنفعها هذه الحيلة في الخلع لو علم الزوج
أن لا مهر عليه لما في الخلاصة: خلع امرأته بمالها عليه من المهر ظناً منه أن لها عليه بقية
المهر ثم تذكر عدمه وقع الطلاق عليها بمهرها، فيجب عليها أن ترد المهر إن قبضت: أما
إذا علم أن لا مهر لها عليه بأن وهبت صح الخلع ولا تزد عليه شيئاً اهـ.
وأقول أيضاً: ليس في كلام الكنز وغيره ما يقتضي أن هذا الفرع حيلة لما تقدم،
حتى يرد عليه ما ذكر، وإنما هو حيلة لغيره. ففي حيل الأشباه: قال لها إن لم تهبيني
صداقك اليوم فأنت طالق، فالحيلة أن تشتري منه ثوباً ملفوفا بمهرها ثم ترده بعد اليوم
فیبقی المهر ولا حنث اهـ.
وفي مداينات الأشباه عن القنية: وله: أي لعدم صحة الهبة ثلاث حيل: أحدها:
شراء شيء ملفوف من زوجها بالمهر قبل الهبة. والثانية: صلح إنسان معها عن المهر
بشيء ملفوف قبل الهبة. والثالثة: هبة المرأة المهر لابن الصغير لها قبل الهبة. وفي الأخير
نظرا هـ. فليكن ما هنا حيلة أخرى لذلك. تأمل. وإنما لم يحنث فيما ذكر لعدم إمكان
البّ في اليوم، وإنما قيد بالملفوف ليثبت الرد بخيار الرؤية بعد مضيّ اليوم. قوله: (برفعه
إلى من لا يشترط قبوله) أي إلى قاض لا يرى أن قبول المحال عليه شرط لتمام الحوالة
كقاض مالكي. قوله: (لم يجبر) قال في جامع الفصولین: والحاصل أن القیاس في جنس
هذه المسائل أن من تصرف في خالص ملكه لا يمنع منه وإن أضر بغيره، لكن ترك
القياس في محل يضر بغيره ضرراً بيناً فقيل بالمنع، وبه أخذ كثير من مشايخنا، وعليه
الفتوى اهـ. قوله: (ومفاده الخ) فيه تأمل. قوله: (لعدم تعديه الخ) أقول: الأنسب في
التعبير أن يقال: لأنه متسبب غير متعد إذ حفره في ملكه: أي لأن المتسبب لا يضمن إلا
إذا تعدى كوضع الحجر في الطريق. قوله: (ضمن) لأنه جعل مباشراً. وفي جامع
الفصولين تفصيل حيث قال: فلو أجرى الماء في أرضه إجراء لا يستقر فيها ضمن، ولو
يستقر فيها ثم يتعدى إلى أرض جاره: فلو تقدم إليه جاره بالسكر والأحكام ولم يفعل
ضمن كالاشهاد على الحائط المائل، وإلا لم يضمن اهـ.

٤٧٥
کتاب الخنثى
(عمر دار زوجته بماله بإذنها فالعمارة لها والنفقة دين عليها) لصحة أمرها
(ولو) عمر (لنفسه بلا إذنها فالعمارة له) ويكون غاصباً للعرصة فيؤمر بالتفريغ
بطلبها ذلك (ولها بلا إذنها فالعمارة لها وهو متطوّع) في البناء فلا رجوع له، ولو
اختلفا في الإذن وعدمه ولا بينة فالقول لمنكره بيمينه، وفي أن العمارة لها أو له
فالقول له، لأنه هو المتملك كما أفاده شيخنا وتقدم في الغصب.
(قال هذه رضيعتي ثم اعترف) بالخطأ (وصدقته) في خطئه (فله أن يتزوجها
قال الرملي في حاشيته عليه: أقول: يعلم منه جواب حادث الفتوى: اتخذ في داره
بالوعة أوهنت بناء جاره لسريان الماء إلى رأسه فتقدم إليه بأحكام البناء حتى لا يسري
الماء. تأمل اهـ. وبه يقيد إطلاق قول المصنف ((لم يضمن)) ولا سيما على ما قدمناه من
القول المفتى به. قوله: (عمر دار زوجته الخ) على هذا التفصيل عمارة كرمها وسائر
أملاكها. جامع الفصولين. وفيه عن العدة: كل من بنى في دار غيره بأمره فالبناء لآمره،
ولو لنفسه بلا أمره فهو له، وله رفعه إلا أن يضر بالبناء، فيمنع ولو بنى لرب الأرض بلا
أمره ينبغي أن يكون متبرعاً كما مراهـ. وفيه بنى المتولي في عرصة الوقف أن من مال
الوقف فللوقف، وكذا لو من مال نفسه لكن للوقف، ولو لنفسه من ماله: فإن أشهد
فله، وإلا فللوقف، بخلاف أجنبي بنى في ملك غيره. قوله: (والنفقة دين عليها) لأنه
غير متطوع في الإنفاق فيرجع عليها لصحة أمرها، فصار كالمأمور بقضاء الدين. زيلعي.
وظاهره: وإن لم يشترط الرجوع. وفي المسألة اختلاف. وتمامه في حاشية الرملي على جامع
الفصولين. قوله: (فالعمارة له) هذا لو الآلة كلها له، فلو بعضها له وبعضها لها فهي
بينهما. ط عن المقدسي. قوله: (بلا إذنها) فلو بإذنها تكون عارية ط. قوله: (فيؤمر
بالتفريغ) ظاهره: ولو كانت قيمة البناء أكثر من قيمة الأرض. وبه أفتى المولى أبو السعود
مفتي الروم، وهو خلاف ما مشى عليه الشارح في كتاب الغصب من أنه يضمن صاحب
الأكثر قيمة الأقل، وقدمنا الكلام عليه هناك فراجعه. قوله: (بطلبها) الأوضح قول
الزيلعي: إن طلبت. قوله: (ولها) معطوف على نفسه: أي ولو عمر لها الخ. قوله:
(كما أفاده شيخنا) أي الرملي في حاشية المنح. وقال بعده: لكن ذكر في الفوائد الزينية من
كتاب الغصب: إذا تصرف في ملك غيره ثم ادعى أنه كان بإذنه فالقول للمالك، إلا إذا
تصرف في مال امرأته فماتت وادعى أنه كان بإذنها وأنكر الوارث فالقول للزوج. كذا في
القنية ا هـ. فمقتضاه أنه إذا عمر دار زوجته لها فماتت وادعی أنه کان بإذنها ليرجع في
تركتها بما أنفق وأنكر بقية الورثة إذنها أن القول قوله، ووجهه شهادة العرف الظاهر له.
تأمل اهـ. قوله: (وتقدم في الغصب) لم أره فيه، وإنما قدم فيه ما ذكرناه عن الفوائد
الزينية آنفاً. قوله: (فله أن يتزوجها) والعذر له في رجوعه عن ذلك أنه مما يخفى عليه فقد

٤٧٦
كتاب الخنشى
إذا لم يثبت عليه بأن قال) أفاد بأنه لا يثبت إلا بالقول كقوله (هو حق أو صدق أو
كما قلت أو أشهد عليه بذلك شهوداً أو ما في معنى ذلك) من الثبات اللفظي الدال
على الثبات النفسي، وهل يكون تكرار إقراره بذلك ثباتاً؟ خلاف مبسوط في
المبسوط.
وحاصله: أن التكرار لا يثبت به الإقرار (ولو أخذ) رجل (غريمه فنزعه
إنسان من يده لم يضمن) لأنه تسبب (وكذا إذا دل السارق على مال غيره أو أمسك
هارباً من عدوه حتى قتله) عدوه لما قلنا (في يده مال إنسان فقال له سلطان ادفع إلي
هذا المال وإلا) تدفعه إليّ (أقطع يدك أو أضربك خمسين فدفعه لم يضمن) الدافع
لأنه مكره.
يظهر له بعد إقراره خطأ الناقل، وهذه من المسائل التي اغتفروا فيها التناقض. أفاده في
المنح. قوله: (وهل يكون الخ) هذه المسألة وقعت في زمن شيخ الإسلام ابن الشحنة،
فأفتى: بأنه لا يكون ثباتاً، وخالفه بعض معاصريه، ووقع نزاع طويل وعقد لها مجالس
بأمر السلطان قايتباي، وآل الأمر إلى أن عرضت النقول على شيخ الإسلام القاضي زكريا
من نحو أربعين كتاباً.
فأجاب: بأن صريح هذه النقول ومنطوقها أن الثبات لا يحصل إلا بقوله هو أحق
أو نحوه، وليس في صريحها أن التكرار كذلك. نعم يؤخذ من قول المبسوط، ولكن
الثابت على الإقرار كالمحدد له بعد العقد أنه إذا أقر بذلك قبل العقد ثم أقر به بعده يقوم
مقام قوله هو حق ونحوه، وقدمت الكلام على ذلك مبسوطاً في كتاب الرضاع فراجعه.
قوله: (خلاف مبسوط في المبسوط الخ) قد علمت أنه ليس في المبسوط بيان الخلاف، وأن
المفهوم منه أن التكرار يثبت به الإصرار، فقول الشارح ((لا يثبت)) صوابه حذف ((لا)) ولو
قال: صريح النقول أن التكرار لا يثبت به الإصرار لكان أحسن. قوله: (لأنه تسبب) أي
النزع، وقد دخل بينه وبين ضياع حقه فعل فاعل مختار، وهو هروبه فلا يضاف إليه
التلف، كما إذ حلّ قيد العبد فأبق. زيلعي. قوله: (أو أضربك خمسين) أي فأكثر، فلو
قال له أحبسك شهراً أو أضربك ضرباً فهو ضامن، لأن دفع المال للغير لا يجوز إلا
الخوف التلف، لكن تقدم في الإكراه أن أمر السلطان إكراه. تأمل. قوله: (فدفعه) أما إذا
دفع من مال نفسه فلا رجوع له كما تقدم ما يفيده ط. قوله: (لأنه مكره) قال العلامة
المقدسي: فلو ادعى ذلك: أي الأخذ منه كرهاً، هل يكتفي منه باليمين أم لا بد من
برهان يحتاج إلى بيان؟ حموي.
أقول: مقتضى كونه أميناً أنه يصدق باليمين كما لو ادعى الهلاك. تأمل. قوله:

٤٧٧
کتاب الخشى
(قال تركت دعواي على فلان وفوضت أمري إلى الآخرة لا تسمع دعواه بعده)
أي بعد هذا القول، ذكره في القنية (الإجازة تلحق الأفعال) على الصحيح (فلو
غصب عيناً لإنسان فأجاز المالك غصبه صح) إجازته، وحينئذ (فيبرأ الغاصب عن
الضمان) ولو انتفع به فأمره بالحفظ لا يبرأ عن الضمان ما لم يحفظ. وتمامه في
العمادية.
(وضع منجلا في الصحراء ليصيد به حمار وحش وسمى عليه فجاء في اليوم
الثاني) قيد اتفاقي، إذ لو وجده ميتاً من ساعته لم يحل. زيلعي (ووجد الحمار
مجروحاً ميتاً لم يؤكل) لأن الشرط أن يذبحه إنسان أو يجرحه، وإلا فهو كالنطيحة
(کره تحريماً)
(الإجازة تلحق الأفعال) هذا هو الصحيح، وتقدم الكلام عليه أوائل كتاب الغصب.
قوله: (فأجاز المالك غصبه) الذي في العمادية وغيرها: غصب شيئاً وقبضه فأجاز المالك
قبضه الخ، وهو أنسب من قوله ((غصبه)). قوله: (لا يبرأ عن الضمان ما لم يحفظ) مفهومه
أنه لو لم ينتفع به يبرأ بمجرد الأمر، ولعل المراد أنه إذا انتفع به ودام على الانتفاع كما لو
غصب ثوباً فلبسه، فإذا أمره بالحفظ لا يبرأ حتى ينزعه ويحفظه، أما لو نزعه قبل الأمر
وحفظه فأمره بالحفظ فالظاهر أنه يبرأ، لأنه بدوامه على الانتفاع بعد الأمر متعد؛ بخلاف
ما لو نزعه قبله، هذا ما ظهر لي، وأفاد ط نحوه. قوله: (وضع منجلا) بكسر الميم ما
يحصد به الزرع. مغرب. قوله: (قيد اتفاقي الخ) مشى عليه المصنف في المنح أيضاً
والعيني تبعاً للزيلعي، ومقتضى ما قدمه الشارح في الذبائح أنه للاحتراز حيث قال:
وتشترط التسمية حال الذبح أو الرمي لصيد أو الإرسال أو حال وضع الحديد لحمار
الوحش إذا لم يقعد عن طلبه اهـ. وانظر ما كتبناه هناك وفي كتاب الصيد. قوله: (كره
تحريماً) لما روى الأوزاعي عن واصل بن أبي جميلة عن مجاهد قال: كره رسول الله وَظافر من
الشاة الذكر والأنثيين والقبل والغدة والمرارة والمثانة والدم. قال أبو حنيفة: الدم حرام
وأكره الستة، وذلك لقوله عز وجل: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾ الآية، فلما تناوله
النص قطع بتحريمه وكره ما سواه، لأنه مما تستخبثه الأنفس وتكرهه، وهذا المعنى سبب
الكراهية لقوله تعالى: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ زيلعي.
وقال في البدائع آخر كتاب الذبائح: وما روى عن مجاهد فالمراد منه كراهة التحريم
بدليل أنه جمع بين الستة وبين الدم في الكراهة والدم المسفوح محرم، والمروي عن أبي
حنيفة أنه قال: الدم حرام وأكره الستة، فأطلق الحرام على الدم، وسمي ما سواه مكروهاً
لأن الحرام المطلق ما ثبتت حرمته بدليل مقطوع به وهو المفسر من الكتاب، قال الله
تعالى: ﴿أَوْ دَماً مَسْفُوحاً﴾ [الأنعام: ١٤٥] وانعقد الإجماع على حرمته، وأما حرمة ما

٤٧٨
كتاب الخنثى
وقيل تنزيهاً، والأول أوجه (من الشاة سبع: الحياء والخصية والغدة والمثانة والمرارة
والدم المسفوح والذكر) للأثر الوارد في كراهة ذلك، وجمعها بعضهم في بيت واحد
فقال: [الطويل]
فَقُلِ ذَكَرٌ وَالأُنْثَيانِ مَثَانَةٌ كَذَاكَ دَمٌ ثُمَّ المَرَارَةُ وَالغُدَدْ
وقال غيره: [الوافر]
إِذَا مَا ذُكِّيَتْ شَاةٌ فَكُلْهَا سِوَى سَبْعِ فَفِيهِنَّ الرَبَالُ
فَحَاءٌ ثُمَّ ◌َخَاهُ ثُمَّ غَينِ وَدَالٌ ثُمَّ ◌ِيمَانٍ وَذَالُ
(للقاضي إقراض مال الغائب والطفل واللقطة)
سواه من الستة فما ثبت بدليل مقطوع به، بل بالاجتهاد أو بظاهر الكتاب المحتمل
للتأويل أو الحديث، فلذا فصل فسمى الدم حراماً وذا مكروهاً اهـ.
أقول: وظاهر إطلاق المتون هو الكراهة. قوله: (وقيل تنزيهاً) قائله صاحب القنية،
فإنه ذكر أن الذكر أو الغدة لو طبخ في المرقة لا تكره المرقة، وكراهة هذه الأشياء كراهة
تنزيه لا تحريم اهـ. واختار في الوهبانية ما في القنية وقال: إن فيه فائدتين إحداهما أن
الكراهة تنزيهية، والأخرى أنه لا يكره أكل المرقة واللحم اهـ. نقله عنه ابن الشحنة في
شرحه وأقره. قوله: (والأول أوجه) لما قدمناه من استدلال الإمام بالآية، وأيضاً فكلام
صاحب القنية لا يعارض ظاهر المتون وكلام البدائع. قوله: (من الشاة) ذكر الشاة
اتفاقي، لأن الحكم لا يختلف في غيرها من المأكولات ط. قوله: (الحياء) هو الفرج من
ذوات الخف والظلف والسباع، وقد يقصر. قاموس. قوله: (والغدة) بضم الغين
المعجمة: كل عقدة في الجسد أطاف بها شحم، وكل قطعة صلبة بين العصب ولا تكون
في البطن كما في القاموس. قوله: (والدم المسفوح) أما الباقي في العروق بعد الذبح فإنه لا
یکره. قوله: (في بيت) وقبله بيت آخر ذكره في المنح وهو: [الطويل]
وَيُكْرِهُ أَجْزَاءُ مِنَ الشَّاةِ سَبْعَةٌ فَخُذْهَا فَقَد أَوْضَحْتُهَا لَكَ بِالعَدَدْ
قوله: (فقل ذكر الخ) كذا في النسخ، وعليه فالمعدود ستة، والظاهر أن أصل البيت
حياً ذكر الخ. قوله: (وقال غيره) أي بطريق الرمز، ومثله قولي: [الرجز]
إِنَّ الَّذِي مِنَ المُذَكَّاةِ رُمِي بِجَمْعِهِ حُرُوفٍ فَخْذٍ مُدْغَم
قوله: (إذ ما ذكيت) بالبناء للمجهول والتاء علامة التأنيث. قوله: (واللقطَة) قيده
بعضهم بغير لقطة لذمي فليس للقاضي إقراضها لقولهم لا يجوز التصدق بها بل يضعها في
بيت المال، لأنَ الإقراض قربة والذمي ليس من أهل القرب اهـ. وأطلق في إقراضه
اللقطة فشمل إقراضها من الملتقط وغيره، وقول البحر من الملتقط: الظاهر أنه غير قيد.

٤٧٩
کتاب اخٹی
بشروط تقدمت في القضاء (بخلاف الأب والوصي والملتقط) إلا إذا أنشدها حتى
ساغ تصدقه فإقراضه أولى. زيلعي.
(قال إن كان الله يعذّب المشركين فامرأته طالق، قالوا لا تطلق امرأته لأن من
المشركين من لا يعذّب) كذا في الخانية. وظاهر توجيهه أن المراد بهذا البعض من
يصدق عليه المشرك في الجملة بأن يكون مشركاً في عمره ثم يختم له بالحسنى، أو
أطفال المشركين فإنهم مشركون شرعاً، وإذا ثبت أن البعض لا يعذب، وهي سالبة
جزئية لم تصدق الموجبة الكلية القائلة: كل مشرك يعذب. قاله المصنف. وقد أورد
هذا اللغز على غير هذا الوجه ابن وهبان فقال: [الطويل]
وَهَلْ قَائِلٌ لَا يَدْخُلُ النَّارَ كَافِرٌ وَلَكِنَّهَا بِالمُؤْمِنِينَ تُعمرُ
قال: ومعناه أن الكفار لما يرون النار يؤمنون بالله تعالى ورسوله ولا ينفعهم،
قال تعالى: ﴿فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا﴾ ولعجز البيت معنى آخر وهو
تأمل. قوله: (بشروط تقدمت في القضاء) حيث قال من ملىء مؤتمن حيث لا وصي، ولا
من يقبله مضاربة ولا مستغلاً يشتريه اهـ. وقوله حيث لا وصي، ذكره صاحب البحر
بحثاً، وفيه كلام يعلم من محله. قوله: (بخلاف الأب الخ) فإن أقرضوا ضمنوا لعجزهم
عن التحصيل، بخلاف القاضي، ويستثنى إقراضهم للضرورة كحرق ونهب، فيجوز
اتفاقاً. بحر. كذا ذكره الشارح في القضاء. وما ذكره المصنف من أن الأب كالوصي لا
كالقاضي هو أحد قولين مصححين، وعليه المتون، فكان المعتمد كما أفاده في البحر.
قوله: (إلا إذا أنشدها لخ) ذكره الزيلعي بصيغة ينبغي، فالظاهر أنه بحث منه، لكنه يوهم
أنه لا يضمن إذا لم يجز صاحبها كالقاضي، مع أنه لا يمكن إلحاق الأقراض بالتصدّق إلا
إذا قلنا بالضمان. قوله: (فإقراضه أولى) أي إقرضه من فقير. زيلعي. قوله: (وظاهر
توجيهه الخ) عبارة المنح: وظاهر التوجيه المفهوم من كلام الإمام قاضيخان أن المراد
بالمشركين في الشرط المذكور الجميع، فلذا قال في تعليله: لأن من المشركين من لا يعذب،
فيمكن أن يراد بهذا البعض من يصدق عليه المشرك في الجملة الخ، فتنبه. قوله: (بهذا
البعض) أي الذي دلت عليه من التبعيضية. قوله: (فإنهم مشركون شرعاً) أي بطريق
التبعية. منح. فالمعنى أنهم يعاملون شرعاً معاملة آبائهم، أما حكمهم في الآخرة ففيه
أقوال عشرة: أحدها أنهم خدم أهل الجنة، والمشهور عن الإمام التوقف. قوله: (لم
تصدق الموجبة الكلية) أي فلا يحنث، لأنه علق الطلاق على كون المشركين جميعاً معذبين،
ولم يتحقق. منح: أي حملاً لأل على الاستغراق. قوله: (وهل قائل) أي هل يوجد قائل،

٤٨٠
کتاب الخنثى
أن عمرها خزنتها القائمون بأمرها وهم مؤمنون. ففي البيت سؤالان. قال ابن
الشحنة: وعندي أن هذا مما ينكر ذكره والتلفظ به، ولا ينبغي أن يدون ويسطر ولا
يقبل تأويل قائله انتهى.
قلت: هذا مع وضوح وجهه تكلم فيه، فكيف الأول فلا تغفل، ثم رأيت
شيخنا قال: قد قضى بنقله على نفسه بالإنكار، وأنه ما كان له أن يدونه، وبالله
التوفيق.
(صبيّ حشفته ظاهرة بحيث لو رآه إنسان ظنه مختوناً ولا تقطع جلدة ذكره إلا
بتشديد آلمه ترك على حاله كشيخ أسلم، وقال أهل النظر: لا يطيق الختان) ترك
أيضاً (ولو ختن ولم تقطع الجلدة كلها ينظر: فإن قطع أكثرمن النصف كان ختاناً،
وإن قطع النصف فما دونه لا) يكون ختاناً يعتدّ به لعدم الختان حقيقة وحكماً.
(و) الأصل أن (الختان سنة) كما جاء في الخبر (وهو من شعائر الإسلام)
وخصائصه (فلو اجتمع أهل بلدة على تركه حاربهم) الإمام، فلا يترك إلا لعذر
وعذر شيخ لا يطيقه ظاهر (ووقته) غير معلوم، وقيل (سبع) سنين. كذا في
والجملة بعده مقول القول، وكافر فاعل يدخل. قوله: (ففي البيت سؤالان) وهما عدم
دخول النار كافر ودخول المؤمنين النار. قوله: (ولا يقبل تأويل قائله) مقتضاه أنه يحكم
علیه بالكفر، وفيه نظر لما تقرر أنه لو كان وجوه توجب الكفر ووجه واحد يمنعه فعلی
المفتي الميل لما يمنع، وسيما عند وجود القرينة، فإرادة الإلغاز والتعمية كقوله عليه
الصلاة والسلام لامرأة مازحاً ((إن الجنة لا يدخلها عجوز)). قوله: (قلت هذا) أي ما في
الشطر الثاني. قوله: (فكيف الأول) أي ما في المتن المساوي لما في الشطر الأول. قوله:
(ثم رأيت شيخنا قال) أي معترضاً على المصنف في حاشية المنح حيث نقل كلام ابن
الشحنة، فالضمير في (نقله)) لكلام ابن الشحنة، وفي (قضی ونفسه)) للمصنف فافهم،
لكن كان ينبغي للشارح أن يصرح بأن المصنف نقل كلام ابن الشحنة حتى يتعين مرجع
الضمائر. قوله: (آله) بمد الهمزة فعل ماض من الإيلام، والجملة صفة لتشديد. قوله:
(وقال أهل النظر) أي المعرفة. منح. قوله: (وحكماً) الحكمي بقطع لأكثر ولم يوجد ط.
قوله: (حاربهم الإمام) كما لو تركوا الأذان. منح. قوله: (ووقته) أي ابتداء وقته.
مسكين. أو وقته المستحب كما نقل عن شرح باكير على الكنز. قوله: (غير معلوم) أي
غير مقدر بمدة، وقد عدل الشارح عما جزم به المصنف كالكنز، ليكون المتن جارياً على
قول الإمام كعادة المتون. قوله: (وقيل سبع) لأنه يؤمر بالصلاة إذا بلغها فيؤمر بالختان،