النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
كتاب الوصايا/ باب الوصي وهو الموصى إليه
ولو نهاه عن بعض التصرفات صح نهيه، وله عزله ولو عدلًا بخلاف وصي الميت
في ذلك كله. وفي اخزانة: وصي وصي القاضي کوصيه لو الوصية عامة انتهى،
وبه يحصل التوفيق. وفي الفتاوى الصغرى: تبرعه في مرضه إنما ينفذ من الثلث عند
عدم الإجازة، إلا في تبرعه في المنافع فينفذ من الكل بأن أجر بأقل من أجر المثل
لأنها تبطل بموته
أوص إليه غير ذلك، وأوصيت بجميع مالي فلاناً آخر فكل منهما وصى في الأنواع كأنه
أوصى إليهما ا هـ. ويؤيده أيضاً إطلاق قولهم وصي الميت لا يقبل التخصيص، ومفاده
أنه لا يتخصص وإن تعدد، لكن في الخانية أيضاً عن ابن الفضل: إذا جعل وصياً على ابنه
وآخر على ابنته أو أحدهما في ماله الحاضر والآخر في ماله الغائب، فإن شرط أن لا يكون
كل وصياً فيما أوصى به إلى الآخر فكما شرط عند الكل، وإلا فعلى الاختلاف، والفتوى
على قول أبي حنيفة اهـ. ولعل ما في الخانية أولاً مبني على قول الحلواني، فتأمل.
أقول: ومما يجب التنبه له أنه إذا أوصى إلى رجل بتفريق ثلث ماله في وجوه الخير
مثلًا صار وصیاً عاماً على أولاده وتر کته، وإن أوصى في ذلك إلى غيره على قول أبي حنيفة
المفتى به فلا ينفذ تصرف أحدهما بانفراده والناس عنها في زماننا غافلون، وهي واقعة
الفتوى. وقد نص عليها في الخانية فقال: ولو أوصى إلى رجل بدين وإلى آخر أن يعتق
عبده أو ينفذ وصيته فهما وصيان في كل شيء عنده. وقالا: كل واحد وصى على ما
سمى لا يدخل الآخر معه اهـ. قوله: (ولو نهاه الخ) هذه راجعة إلى قبول التخصيص
وعدمه. أشباه. قوله: (وله عزله الخ) هذه المسألة الثامنة، وقدم الشارح أول باب
الوصي تقييده بما إذا رأى القاضي المصلحة، فراجعه. قوله: (وصى وصي القاضي الخ)
أي إذا أوصى وصي القاضي عند موته إلى آخر صح وصار الثاني كالأول لو وصاية الأول
عامة. قوله: (وبه يحصل التوفيق) بأن يحمل قوله المار ((ولا أن يجعل وصياً عند عدمه))
على ما إذا كانت الوصاية خاصة، وكذا يحمل ما قدمناه عن الخانية والقنية على ما إذا
كانت عامة فلا تتنافى عباراتهم، فافهم. قوله: (بأن أجر الخ) ليس هذا من كلام الفتاوى
الصغرى، وصوّره الزيلعي في كتاب الغصب بأن أعار من أجنبي. وقال في الأشباه:
والمنصوص عليه أنه إذا أجر بأقل من أجر المثل فإنه ينفذ من الجميع اهـ. وأيضاً إذا
جازت الإعارة فالإجارة أولى، ومثلها ما إذا أوصى بسكنى داره وخدمة عبده، فإن الذي
يعتبر من الثلث هو رقبة الدار والعبد دون السكنى والخدمة كما مر في محله فليس المراد
الحصر. قوله: (لأنها تبطل بموته الخ) كذا ذكره في شرح الوهبانية والأشباه جواباً عن
قول الطرسوسي: إن هذه المسألة خالفت القاعدة، فإن الأصل أن المنافع تجري مجرى
الأعيان، وفي البیع یعتبر من الثلث ا هـ.

٤٤٢
كتاب الوصايا/ باب الوصي وهو الموصى إليه
فلا إضرار على الورثة وفي حياته لا ملك لهم، لكن في العمادية أنها من الثلث فلعله
روايتان.
باع مال اليتيم أو ضيعته والمشتري مفلس يؤجل ثلاثة أيام، فإن نقد وإلا
أقول(١) والذي يظهر لي أن الأولى الاقتصار على الجواب الثاني، وهو أن في المسألة
روايتين، لأن المنفعة في الوصية بالسكنى، والخدمة لا تعتبر من الثلث مع أنها باقية بعد
الموت، ففيه إيهام أن بطلان الإجارة سبب لاعتبار الوصية من الكل وليس كذلك كما
علمت. تأمل. قوله: (فلا إضرار على الورثة) أي فيما بعد الموت لأن الإجارة لما بطلت
صارت المنافع ملكهم. قوله: (وفي حياته لا ملك لهم) أي فما استوفاه المستأجر قبل
الموت لا إضرار عليهم فيه أيضاً، وبه سقط ما أورد عليه أنه لو آجر ما أجرته مائة مثلاً
بأربعين وطال مرضه حتى استوفى المستأجر المنفعة في مدة الإجارة، فإنه إن زاد على الثلث
كان إضراراً بالورثة / هـ. فافهم.
وفي شرح البيري عن مزارعة المحيط: حق الغرماء والورثة يتعلق بما يجري فيه
الإرث وهو الأعيان، ولا يتعلق بما لا يجري فيه الإرث كالمنافع وما ليس بمال، لأن
الإرث يجري فيما يبقى زمانين لينتقل بالموت إليهم من جهة الميت والمنافع لا تبقى زمانين
اهـ.
واعترض البيري هذا الحصر بأنه في حيز المنافع، لأن العفو عن القصاص بالنفس
ليس بمال، ولهذا صح عفو المريض عنه من جميع المال اهـ. وأقره أبو السعود. أقول:
وهذا عجيب، فإن ذلك مؤيد للحصر لا مانع له، فتدبر. قوله: (لكن في العمادية أنها
من الثلث) ومثله في النتف كما قدمناه في باب العتق في المرض عن القهستاني، وقدمنا
هناك عن الوهبانية الجزم بالأول. قوله: (أو ضيعته) عطف خاص على عام. قوله:
(يؤجل) أي يؤجله الحاكم كما في أدب الأوصياء، وانظر هل يطالب بكفيل إذا خشي
(١) في ط (قوله أقول الخ) بحث فيه شيخنا: بأن الغرض للطرسوسي طلب وجه للرواية القائلة بخروج المنافع من
الكل، وحينئذ لا ينفعه الجواب الثاني، وقوله لأن المنفعة الخ رد هذا مولانا أيضاً بأن محط الجواب إنما هو
قولهم فلا إضرار، والوصية بالسكنى لا ضرر فيها على الورثة وإن اعتبرنا المنفعة من جميع المال لأنه يشترط
خروج الرقبة منه، وتوضيحه أن من القواعد تبعية المنافع للأعياد فما بال السكنى لم تتبع الدار؟ فإنه لو أوصى
بعين الدار اعتبروا خروجها من الثلث، ولو أوصى بسكنى لم يعتبروا ذلك، وكذا لو حابى في بيع الدار حال
العوض اعتبروا خروج المحاباة من الثلث، ولو حابى في الإجارة لا. والجواب أن المالك إذا تصرف فيما هو
ملكه كان حقه أن ينفذ تصرفه لما أنه لا يحجر على المالك في أملاكهم، إلا أنهم وجدوا في بعض التصرفات
إضراراً بالورثة فحجروا عليه فثبت الحجر عليه الضرورة، والثابت لها لا عموم له ولا يستتبع خصوصاً،
ووصف هذا الأصل معلل بعلة وهي الضرر، فيدار الحكم مع هذه العلة، فإذا وجدت تلك في الفرع لزمت
تبعية لأصله وإلا فلا. وفي مسألة الوصية بالسكنى لا إضرار بعد اعتبار خروج الرقبة من الثلث، وفي مسألة
الإجارة لا إضرار حيث تبطل بالموت.

٤٤٣
كتاب الوصايا/ باب الوصي وهو الموصى إليه
فسخ، فإن أنكر الشراء وقد قبض يرفع الوصي الأمر للحاكم فيقول: إن كان
بينكما بيع فقد فسخته قبل الوصية، ثم أراد عزل نفسه لم يجز إلا عند الحاكم.
دفع لليتيم ماله بعد بلوغه وأشهد اليتيم على نفسه أنه لم يبق له من تركة
والده لا قليل ولا كثير ثم ادعى شيئاً في يد الوصي أنه من تركة أبي وبرهن تسمع.
الهرب أو يفسخ حالاً إذا لم ينقد الثمن؟ حرره نقلاً. قوله: (وقد قبض) الظاهر أنه إذا لم
يقبض كذلك، لأن المراد فسخ العقد ط. قوله: (فيقول) أي الحاكم بعد أن حلفه
فحلف. قال نجم الدين الخاصي: ويجوز مثل هذا الفسخ وإن كان تعليقاً بالمخاطرة،
وإنما يحتاج إلى فسخ الحاكم لأن الوصي لو عزم على ترك الخصومة بعد إنكار المشتري
البيع يكون فسخاً في حكم الإقالة فيلزم الوصي كما لو تقايلا حقيقة، أما إذا فسخه
الحاكم لا يلزم المبيع عليه بل يرجع إلى ملك الميت لكمال ولاية القاضي وشمولها، ومثله
في الخانية. أدب الأوصياء.
تنبيه لو استباع مال اليتيم الأملأ بالألف والأفلس بالألف والخمسمائة يبيعه الوصي
من الأملا ولا يلتفت إلى زيادة الأفلس حذراً من التلف كما في الخانية وغيرها. أدب
الأوصياء. قوله: (لم يجز إلا عند الحاكم) ذكر ذلك في البزازية في منصوب القاضي كما
قدمناه عنها في أول باب الوصي. وأما وصي الميت فقد مر في المتن أنه لا يصح رده بعد
قبوله بغيبة الميت لئلا يصير مغروراً من جهته.
وفي البزازية عن الإيضاح: أراد عزل نفسه لم يجز إلا عند الحاكم، لأنه التزم القيام
فلا يملك إخراجه إلا بحضرة الموصي أو من يقوم مقامه وهو من له ولاية التصرف في
مال اليتيم، وإذا حضر عند الحاكم فينظر في حاله: إن مأموناً قادراً على التصرف لا يخرجه
لأنه التزم القيام ولا ضرر للوصي في إبقائه، وإن عرف عجزه وكثرة أشغاله أخرجه
للضرر في إبقائه ولعدم حصول الغرض منه لقلة اهتمامه بأموره بعد طلب العزل اهـ.
وفي الأشباه: والعدل الكافي لا يملك عزل نفسه، والحيلة فيه شيئان الخ، وقدمنا ذلك
فراجعه. قوله: (تسمع) قال في الخانية بعده: وكذا لو أقر الوارث أنه قبض جميع ما على
الناس من تركة والده ثم ادعى على رجل ديناً لوالده تسمع دعواه اهـ. قال في
الشرنبلالية: لعدم ما يمنع منها، إذ ليس فيه إبراء لمعلوم عن معلوم ولا عن مجهول، فهو
إقرار مجرد لم يستلزم إبراء فليس مانعاً من دعواه، وقد اشتبه على صاحب الأشباه فظن أنه
من قبيل البراءة العامة وأنه مستثنى من منعها الدعوى ا هـ ملخصاً.
أقول: هذا لا يظهر على ما في أدب الأوصياء عن المنتقى وغيره من زيادة قوله ولم
يبق عند الوصي لا قليل ولا كثير إلا استوفاه الخ، فهو إقرار لمعين والإقرار حجة على
المقر. تأمل. وقد تقدمت هذه المسألة قبيل الصلح. وقال الشارح هناك: ولا تناقض

٤٤٤
كتاب الوصايا/ باب الوصي وهو الموصى إليه
للوصي الأكل والركوب بقدر الحاجة. قال تعالى: ﴿ومن كان فقيراً فليأكل
بالمعروف﴾ له أن ينفق في تعليم القرآن والأدب إن تأهل لذلك، وإلا فلينفق عليه
بقدر ما يتعلم القراءة الواجبة في الصلاة. مجتبى. وفيه: جعل للوصي مشرفاً لم
يتصرف بدونه، وقيل للمشرف أن يتصرف وفيه للأب إعارة طفله اتفاقاً لا ماله
على الأكثر. وفيه: يملك الأب لا الجد عند عدم الوصي ما يملكه الوصي.
لحمل قوله لم يبق لي حق: أي مما قبضته، على أن الإبراء عن الأعيان باطل ١ هـ. وتمام
الكلام هناك. قوله: (للوصي الأكل الخ) قدمنا في الخانية أنه استحسان إذا كان محتاجاً
بقدر ما سعى. قال في أدب الأوصياء: والقياس أن لا يأكل لعموم قوله تعالى: ﴿إن
الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً﴾ قال الفقيه: ولعل قوله تعالى: ﴿ومن كان فقيراً﴾
نسخ بهذه الآية.
قلت: فكأنه يميل إلى اختيار الثاني، وهو قول الإمام. قال في القنية: قال أبو ذرّ:
وهو الصحيح لأنه شرع في الوصايا متبرعاً فلا يوجب ضماناً اهـ. قال الإسبيجابي في
شرحه: إلا إذا كان له أجر معلوم فيأكل بقدره. قوله: (له أن ينفق الخ) كذا في مختارات
النوازل. وفي الخلاصة وغيرها: إن كان صالحاً لذلك جاز وصار الوصي مأجوراً، وإلا
فعليه أن يتكلف في تعليم قدر ما يقرأ في صلاته اهـ. فلم يقيده بالقراءة الواجبة. تأمل.
وفي القنية: ولا يضمن ما أنفق في المصاهرات بين واليتيم وغيرهما في خلع الخاطب
أو الخطيبة، وفي الضيافات المعتادة، والهدايا المعهودة، وفي الأعیاد وإن كان له منه بد،
وفي اتخاذ ضيافة لختنه للأقارب والجيران ما لم يسرف فيه، وكذا لمؤدبه ومن عنده من
الصبيان، وكذا العيدين. وقال بعضهم: يضمن في ضيافة المؤدب والعيدين ا هـ ملخصاً.
وفي المغرب: وعن أبي زيد: الأدب اسم يقع على كل رياضة محمودة يتخرج بها الإنسان
في فضيلة من الفضائل ا هـ. قوله: (جعل للوصي مشرفاً الخ) قدمنا الكلام عليه. قوله:
(للأب إعارة طفله الخ) في شرح الطحاوي للإسبيجابي: للوصي والأب إعارة مال
اليتيم. قال عماد الدين في فصوله: وهذا مما يحفظ جداً. وفي التجنيس عن النوازل:
ليس للأب ذلك لأنه ليس من توابع التجارة في ماله. وفي الذخير: له إعارة طفله، أما
إعارة ماله فكذلك عند البعض استحساناً لا عند العامة، وهو القياس. وفي فوائد
صاحب المحيط: له إعارة الولد إذا كان لخدمة الأستاذ لتعلم الحرفة ولغير ذلك لا يجوز ا
هـ أدب الأوصياء. قوله: (يملك الأب لا الجد الخ) أقول: عبارة المجتبى: مات عن
أولاد صغار وأب ولا وصي له يملك الأب ما يملك وصيه فينفذ وصاياه ويبيع
العروض والعقار لقضاء دينه وليس للجد ذلك الخ، هكذا رأيت في نسختي، فتأمل.
وأشار بقوله وليس للجد ذلك، إلى ما قدمناه قبيل الفصل عن الخانية من أن وصي الميت

٤٤٥
كتاب الوصايا/ باب الوصي وهو الموصى إليه
يملك الأب لا الجد قسمة مال مشترك بينه وبين الصغير، بخلاف الوصي.
يملك الأب والجد بيع مال أحد طفليه للآخر، بخلاف الوصي.
ولو باع الأب أو الجد مال الصغير من الأجنبي بمثل قيمته جاز إذا لم يكن
فاسد الرأي، ولو فاسده، فإن باع عقاره لم يجز، وفي المنقول روايتان.
ولو اشترى لطفله ثوباً أو طعاماً وأشهد أنه يرجع به عليه يرجع لو له مال،
يملك بيع التركة لقضاء دين الميت، بخلاف الجد، ولو قال الشارح يملك الأب ما لا
يملكه الوصي لكان كلاماً ظهر المعنى ويكون ما بعده من المسائل تفريعاً عليه، فإنها مما
خالف الأب فيها الوصي، وقد ذكر من ذلك في آخر فرائض الأشباه إحدى عشرة
مسألة وزاد عليها في حاشية الحموي وغيرها سبع عشرة أخرى فراجع ذلك، والمراد
بالأب في هذه المسائل أبو الصغير لا أبو الميت. قوله: (بخلاف الوصي) فإنه لا يجوز
قسمته مالاً مشتركاً بينه وبين الصغير فيه نفع ظاهر عند الإمام. وقال محمد: لا يجوز
مطلقاً. ذخيرة. والأصل في ذلك البيع لما في القسمة من معنى المبادلة والإفراز، فكل من
يملك من الأوصياء بيع شيء من التركة يملك قسمته، ومن لا فلا، والوصي لا يملك
بيع مال أحد الصغيرين من الآخر فلا يملك قسمة ذلك لأنه يكون قاضياً ومتقاضياً فلا
يجوز، وكذا أحد الوصيين لا يملك البيع من الآخر فلا يملكان القسمة، بخلاف الأب
فله أن يقاسم مال أولاده.
والحيلة للوصي أن يبيع حصة أحد الصغيرين فيقاسم مع المشتري ثم يشتري منه ما
باعه بالثمن، ولو في الورثة کبار فدفع لهم حصتهم وأفرز ما للصغار جملة بلا تمییز جاز،
لأن القسمة ماجرت بين الصغار بل بين الكبار والصغار، وكذا لو قاسم الوصي مع
الموصى له بالثلث وأمسك الثلثين للصغار، وتمام ذلك في فصل القسمة من أدب
الأوصياء، ولكن قوله وكذا أحد الوصيين الخ، قال ط: فيه أن تصرف الوصي بالبيع
والشراء للأجنبي يجوز بالقيمة وبالغبن اليسير وكل من اليتيمين أجنبي من الآخر اهـ.
وقدمنا نحوه. قوله: (ولو باع الأب أو الجد الخ) تقدمت هذه المسألة عن ابن الكمال
قبيل قوله ((ولا يتجر في ماله)) ثم إن بيع الجد إنما يجوز لنحو النفقة والدين على الصغار لا
للدين الذي على الميت أو لتنفيذ وصاياه كما تقدم فلا تغفل. قوله: (إذا لم يكن فاسد
الرأي) الظاهر أنهم لم يفصلوا هذا التفصيل في الوصي لأن الميت أو القاضي لا يختار
للوصاية إلا من كان مصلحاً يحسن تدبير أمر اليتيم ط.
أقول: وقد صرحوا بأن الوصي حكمه حكم الأب المفسد وحينئذ فلا حاجة إلى
التفصيل فيه، فافهم. قوله: (لم يجز) أي إلا إذا باعه بضعف القيمة كما قدمناه. قوله:
(وفي المنقول روايتان) قدمنا أن الفتوى على عدم الجواز. قوله: (ولو اشترى لطفله الخ)

٤٤٦
كتاب الخنثى
وإلا لا لوجوبهما عليه حينئذ، وبمثله لو اشترى له داراً أو عبداً يرجع سواء كان له
مال أو لا، وإن لم يشهد لا يرجع. كذا عن أبي يوسف وهو حسن يجب حفظه
انتھی.
كِتَابُ الخُنقى
لما ذکر من غلب وجوده ذکر نادر الوجود (وهو ذو فرج وذكر أو من عري
عن الاثنين جميعاً، فإن بال من الذكر فغلام، وإن بال من الفرج فأنثى، وإن بال
قدمنا أول الفصل الكلام على ذلك مستوفى. قوله: (بوجوبهما) أي الثوب والطعام،
والمراد النفقة والكسوة، والأولى إفراد الضمير للعطف بأو. قوله: (وبمثله) أي في أنه
يرجع بقيمة الدار أو العبد إن أشهد، والأولى حذف الباء. قوله: (لا يرجع) لعدم
وجوبه. قوله: (وهو حسن الخ) قائله صاحب المجتبى. والله تعالى أعلم.
کتابُ الخُنقى
هو فعلي من الخَنْثِ: أي بالفتح والسكون: وهو اللين والتكسر؛؛ يقال خنثت
الشيء فتخنث: أي عطفته فانعطف، ومنه سمى المخنث، وجمع الخنثى الخنائي بالفتح
كحُبْلَ وحُبّالَ ا هــ شرح السراجية للسيد.
واعلم أن الله تعالى خلق بني آدم ذكوراً وإناثاً كما قال: ﴿وَبَثّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً
وَنِسَاءَ﴾ [النساء: ١] وقال: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَائاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورة:
٤٩] وقد بين حكم واحد منهما ولم يبين حكم من هو ذكر وأنثى، فدل على أنه لا يجتمع
الوصفان في شخص واحد، وكيف وبينهما مضادة اهـ. كفاية. قوله: (وهو ذو فرج)
أراد به هنا قبل المرأة، وإلا فالفرج يطلق على قبل المرأة والرجل باتفاق أهل اللغة.
مغرب. قوله: (أو من عري الخ) بكسر الراء بمعنى خلا. قال الإتقاني: وهذا أبلغ
وجهي الاشتباه ولهذا بدأ محمد به ا هـ.
أقول: وقوله ((ذو فرج وذكر)) تفسير الخنثى لغة، وأما هذا فقد صرح الزيلعي
وغيره بأنه ملحق بالخنثى، ويدل عليه قول محمد: هو عندنا والخنثى المشكل في أمره
سواء، فقد سوى بينهما في الحكم لا في الدلالة، وكونه أبلغ في الاشتباه لا يدل على
تسميته خنثى لغة، ولذا قال القهستاني: وإن لم يكن له شيء منهما وخرج بوله من سرته
ليس بخنثى، ولذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا ندري اسمه كما في الاختيار. وقال
محمد: إنه في حكم الخنثى اهـ. فافهم. قوله: (فإن بال الخ) أي إذا وقع الاشتباه فالحكم
للمبال، لأن منفعة الآلة عند انفصال الولد من الأم خروج البول فهو المنفعة الأصلية
للآلة وما سواه من المنافع يحدث بعدها، وهذا حكم جاهلي وقد قرره النبي وَلّر. وتمامه

٤٤٧
كتاب الخنثى
منهما فالحكم للأسبق، وإن استويا فمشكل ولا تعتبر الكثرة) خلافاً لهما، هذا قبل
البلوغ (فإن بلغ وخرجت لحيته أو وصل إلى امرأة أو احتلم) كما يحتلم الرجل
(فرجل، وإن ظهر له ثدي أو لبن أو حاض أو حبل أو أمكن وطؤه فامرأة، وإن لم
تظهر له علامة أصلًا أو تعارضت العلامات فمشكل) لعدم المرجح. وعن الحسن أنه
تعدّ أضلاعه، فإن ضلع الرجل يزيد على ضلع المرأة بواحد. ذكره الزيلعي.
وحينئذ (فيؤخذ في أمره بما هو الأحوط) في كل الأحكام.
قلت: لكن قدمنا أنه لا يجب الغسل بالإيلاج فيه، وأنه لا يتعلق التحريم
في المطولات. قوله: (فالحكم للأسبق) لأنه دليل على أنه هو العضو الأصلي، ولأنه كما
خرج البول حكم بموجبه لأنه علامة تامة فلا يتغير بعد ذلك بخروج البول من الآلة
الأخرى. زيلعي. قوله: (وإن استويا) بأن خرج منهما معاً. قوله: (فمشكل) لم يقل
مشكلة لأنه لم يتعين أحد الأمرين فجاء على الأصل وهو التذكير، أو لأنه لما احتمل
الذكورة والأنوثة غلب التذكير. أفاده الإتقاني. قوله: (ولا تعتبر الكثرة) لأنها ليست
بدليل على القوة، لأن ذلك لاتساع المخرج وضيقه لا لأنه هو العضو الأصلي، ولأن
نفس الخروج دليل بنفسه، فالكثير من جنسه لا يقع به الترجيح عند المعارضة كالشاهدين
والأربعة، وقد استقبح أبو حنيفة ذلك فقال: وهل رأيت قاضياً يكيل البول بالأواقي.
زيلعي. قوله: (كما يحتلم الرجل) بأن خرج منيه من الذكر ط. قوله: (أو لبن) أي في
ثديه كلبن النساء، وإلا فالرجل قد يخرج من ثديه لبن.
وفي الجوهرة: فإن قيل ظهور الثديين علامة مستقلة فلا حاجة إلى ذكر اللبن، قيل
لأن اللبن قد ينزل ولا ثدي، أو يظهر له ثدي لا يتميز من ثدي الرجل، فإذا نزل اللبن
وقع التمييز اهـ. ط عن الحموي. قوله: (أو حبل) بأن أخذ المنيّ بقطنة وأدخله فرجه
فحبل. ط عن سري الدين. قوله: (أو أمكن وطؤه) بأن اطلع عليه النساء فذكرن ذلك.
أفاده ط، وعبارة غيره: أو جومع كما يجامع النساء. قوله: (أو تعارضت العلامات) كما
إذا نهد ثديه ونبتت لحيته معاً، أو أمنى بفرج الرجل وحاض بفرج المرأة، أو بال بفرجها
وأمنى بفرجه. قهستاني. قوله: (وعن الحسن) أي البصري. قال في المعراج وحكي عن
عليّ والحسن. أنهما قالا: تعدّ أضلاعه فإن أضلاع المرأة أكثر من أضلاع الرجل. وقال
جابر بن زيد: يوقف إلى جانب حائط، فإن بال عليه فهو رجل، وإن تسلسل على فخذيه
فهو امرأة، وليس كلا القولين بصحيح اهـ. قوله: (يزيد) صوابه ((ينقص)) كما علمت،
وارجع إلى حاشية الحموي على الأشباه. قوله: (وحينئذ) أي حين إذ أشكل.
قوله: (قلت الخ) أقول: وبالله التوفيق، إن الأخذ في أمره بالأحوط ليس على
سبيل الوجوب دائماً، بل قد يكون مستحباً في كثير من المسائل. منها ما ذكره الشارح

٤٤٨
کتاب الخنثى
بلبنه فتنبه (فيقف بين صف الرجال والنساء، و) إذا بلغ حدّ الشهوة (تبتاع له أمة
تختنه من ماله) لتكون أمته أو مثله (ويكره أن يختنه رجل أو امرأة) احتياطاً ولا
ضرورة، لأن الختان عندنا سنة (وإن لم يكن له مال فمن بيت المال ثم تباع) أو
يزوج امرأة ختانة لتختنه، لأنه إن كان ذكراً صح النكاح، وإن أنثى فنظر الجنس
لأن إشكاله أورث شبهة وهي لا ترفع الثابت بيقين، لأن عدم الجناية وعدم التحريم كانا
ثابتین یقیناً فلا يرتفعان بشبهة أنوثته فیستحب الاحتياط، بخلاف توریثه ونحوه مما سيأتي،
إذ لیس فیه رفع الثابت یقیناً فلذا وجب الاحتياط فيه.
ويدل على ما قلنا ما في غاية البيان عن شرح الكافي السرخسي: إذا وقف في صف
النساء فأحب إلى أن يعيد الصلاة، كذا قال محمد في الأصل، وذلك لأن المسقط وهو
الأداء معلوم، والمفسد وهو المحاذاة موهوم، وللتوهم أحب إعادة الصلاة، وإن قام في
صف الرجال فصلاته تامة ويعيد من عن يمينه وعن يساره والذي خلفه بحذائه على طريق
الاستحباب لتوهم المحاذاة ا مـ ملخصاً.
ثم لا يخفى عليك أن الكلام في الخنثى الذي تعارضت فيه العلامات، فلا يرد
إمكان الإيلاج فيه أو ظهور لبن له علامة أنوثته فيجب الغسل ويثبت التحريم، لأن ذلك
علامة الأنوثة عند الانفراد وعدم التعارض وليس الكلام فيه، فافهم. قوله: (فيقف بين
صف الرجال والنساء) إذ لو وقف مع الرجال احتمل أنه أنثى أو مع النساء احتمل أنه
رجل، وقدمنا حكمه. قوله: (وإذا بلغ حد الشهوة) أي إذا كان مراهقاً، وإلا فللرجل أن
يختنه. قهستاني عن الكرماني.
أقول: تقدم في شروط الصلاة عن السراج أنه لا عورة للصغير جداً، ثم ما دام لم
يشته فقبل ودبر ثم تتغلظ إلى عشر سنين ثم كبالغ اهـ. تأمل. قوله: (لتكون أمته) فيجوز
نظرها إلیه إن كان ذكراً، وقوله (أو مثله» أي إن كان أنثی فیکون نظر الجنس إلى الجنس،
وهو جائز حالة العذر كنظر القابلة وقت الولادة أو القرحة في الفرج ونحو ذلك. قوله:
(احتياطاً) إذ في كل احتمال نظر الجنس إلى خلاف الجنس وهو أغلظ فلا يجوز إلا
الضرورة. قوله: (فمن بيت المال) هذا إذا كان أبوه معسراً وإلا فمن ماله. قهستاني عن
الذخيرة. قوله: (ثم تباع) أي ويرد ثمنها إلى بيت المال. قوله: (أو يزوج الخ) هذا قول
الحلواني. قال في الكفاية: وذكر شيخ الإسلام أنه لا يفيد، لأن النكاح موقوف والنكاح
الموقوف لا يفيد إباحة النظر إلى الفرج.
أقول: وقد يجاب بأن كونه موقوفاً إنما هو من حيث الظاهر، وإلا فالنكاح في
نفس الأمر: إما صحيح إن كان ذكراً فيحل النظر، وإما باطل إن كان أنثى فيكون فيه
نظر الجنس إلى الجنس فهو مفيد على كل حال بناء على ما في نفس الأمر. تدبر. قوله:

٤٤٩
کتاب الخنثى
أخف، ثم يطلقها وتعتدّ إن خلا بها احتياطاً (ويكره له لبس الحرير والحلي، ولا
يخلو به غير محرم) وإن قبله رجل ثبتت حرمة المصاهرة (ولا يسافر بغير محرم)
لاحتمال أنه امرأة (وإن قال أنا رجل أو امرأة لا عبرة به) في الصحيح لأنه دعوى
بلا دليل (وقيل يعتبر) لأنه لا يقف عليه غيره، لكن في الملتقى بعد تقرر إشكاله لا
يقبل، وقیل یقبل.
قلت: وبه يحصل التوفيق، ويضعف ما نقله القهستاني عن شرح الفرائض
للسيد وغيره إلا أن يحمل على هذا، فتنبه.
(ثم يطلقها) أي إذ كان بالغاً. قوله: (ويكره له لبس الحرير والحلي) لأنه حرام على
الرجال دون النساء وحاله لم يتبين بعد فيؤخذ بالاحتياط، فإن الاجتناب عن الحرام فرض
والإقدام على المباح مباح، فيكره حذراً عن الوقوع في الحرام. عناية. قوله: (ثبتت حرمة
المصاهرة) أي فلا يحل للمقبل بشهوة أن يتزوج أمه. قال السائحاني: وكذا لو قبلته امرأة
لا تتزوج أباه حتى يتضح الحال بظهوره مثل المقبل اهـ.
قلت: وكأن وجهه أن الأصل في الخروج التحريم، واحتمال أنه مثل المقبل لا يرفع
هذا الأصل الثابت فلا ينافي ما حررناه سابقاً. تأمل. قوله: (ولا يسافر بغير محرم) أي من
الرجال. ويكره مع امرأة ولو محرماً لجواز كونه أنثى فيكون سفر امرأتين بلا محرم لهما
وذلك حرام. إتقاني. قوله: (بعد تقرر إشكاله) أي تقرره عندنا بعلمنا به كما لو رأينا له
تدیین و لحية .
قلت: وبه يحصل التوفيق: أي فلا خلاف في المسألة، والظاهر أن الذي أوهم
المصنف أنهما قولان كلام الزيلعي حيث قال: وإن قال الخنثى أنا رجل أو امرأة لم يقبل
قوله إن کان مشکلا لأنه دعوی بلا دلیل.
وفي النهاية عن الذخيرة: إن قال الخنثى المشكل أنا ذكر أو أنثى فالقول له، لأنه
أمين في حق نفسه والقول للأمين ما لم يعرف خلاف ما قال، والأول ذكره في الهداية ا هـ
كلام الزيلعي ملخصاً.
أقول: ولا منافاة بينهما لأن مراد الذخير بالخنثى المشكل الذي لم يظهر لنا إشكاله
بدليل قوله ما لم يعرف خلاف ما قال، ويدل عليه أيضاً آخر عبارة الذخيرة المذكورة في
النهاية ونصه: ولما لم يعرف كونه مشكلاً لم يعرف خلاف ما قال فصدق فيما قال، ومتى
عرف كونه مشكلاً فقد عرف خلاف ما قال، وعرف أنه مجازف في مقالته لأنه لا يعرف
من نفسه إذا كان مشكلاً إلا ما نعرفه نحن اهـ. وهذا أسقطه الزيلعي فأوهم أن ما في
الذخيرة خلاف ما في الهداية، وتبعه المصنف فجعلهما قولين مع أنه في الكفاية شرح كلام
الهداية بكلام الذخيرة. قوله: (إلا أن يحمل على هذا) أي على أنه أراد قبل تقرر إشكاله،

٤٥٠
کتاب الخنثى
(ولو مات قبل ظهور حاله لم يغسل ويمم بالصعيد) لتعذر الغسل (ولا
يحضر) حال كونه مراهقاً (غسل ميت ذكر أو أنثى، وندب تسجية قبره، ويوضع
الرجل بقرب الإمام ثم هو ثم المرأة إذا صلى عليهم) رعاية لحق الترتيب، وتمام
فروعه في أحكامه من الأشباه، بل عندي تأليف مجلد منيف (وله) في الميراث (أقل
النصيبين) يعني أسوأ الحالين، به يفتى كما سنحققه. وقالا: نصف النصيبين، فلو
ويؤيده أن السيد قدس سره لم يذكر المشكل وقيد بالأمور الباطلة التي لا تقرر لنا إشكاله،
فإنه قال وقوله مقبول فيما كان من هذه الأمور باطناً لا يعلمه غيره، ثم قال: وإذا أخبر
الخنثى بحيض أو منيّ أو ميل إلى الرجال أو النساء يقبل قوله، ولا يقبل رجوعه بعد ذلك
إلا أن يظهر كذبه يقيناً، مثل أن يخبر بأنه رجل ثم يلد فإنه يترك العمل بقوله السابق اهـ.
قوله: (ویمم) أي بخرقة إن یممه أجنبي، وبغيرها إن یممه ذو رحم محرم منه، ويعرض
الأجنبي وجهه عن ذراعيه لجواز كونه امرأة ولا يشتري جارية للغسل كما كان يفعل
للختان، لأنه بعد الموت لا يقبل المالكية فالشراء غير مفيد. عناية. وكذا لو كانت له أمة
فإن ملكه وإن بقي بعد موته إلا أن الأمة لا تغسل سيدها، بخلاف الزوجة، وبه اندفع ما
أورده ابن الكمال من بقاء ملكه كما حرره في الدر المنتقى. قوله: (ولا يحضر) أي لا
يغسل رجلاً ولا امرأة. نهاية ومعراج. والتقييد بالمراهق لكونه بعد البلوغ لا يبقى مشكلاً
غالباً. قوله: (ذكراً أو أنثى) أي ذكراً كان الميت أو أنثى، وفي بعض النسخ ((ذكر)) بالجر.
قوله: (وندب تسجية قبره) أي تغطيته، لأنه إن كان أنثى أقيم واجب، وإن كان ذكراً لا
تضره التسجية. زيلعي. ولعله أراد بالواجب ستر عورة الأنثى، وإلا فالتسجية مستحبة لا
واجبة. منح. قوله: (ثم هو) أي الخنثى، فيؤخر عن الرجل لاحتمال أنه امرأة، ولو
دفن مع رجل في قبر واحد لعذر جعل خلف الرجل ويجعل بينهما حاجز من صعيد، ولو
مع امرأة قدّم عليها لاحتمال أنه رجل، ويكفن في خمس أثواب كالمرأة. وتمامه في المنح.
قوله: (في أحكامه) أي في بحث أحكام الخنثى، وذكرها في المنح أيضاً. قوله: (يعني
أسوأ الحالين) إنما حول العبارة ليشمل كونه محروماً على تقدير ا هـ ح.
قال في المنح: اعلم أن عند أبي حنيفة أقل النصيبين أن ينظر إلى نصيبه إن كان ذكراً
وإلى نصيبه إن كان أنثى، فأيهما أقل يعطاه، وإن كان محروماً على أحد التقديرين فلا شيء
له. قوله: (وقالا نصف النصيبين) أي نصف مجموع حظ الذكر والأنثى.
ثم اعلم أن هذا قول الشعبي، ولما كان من أشياخ أبي حنيفة وله في هذا الباب قول
منهم، اختلف أبو يوسف ومحمد في تخريجه، فليس هو قولًا لهما، لأن الذي في السراجية
أن قول أبي حنيفة هو قول أصحابه، وهو قول عامة الصحابة، وعليه الفتوى. وذكر في
النهاية والكفاية أن الذي في عامة الروايات أن محمداً مع الإمام، وكذا أبو يوسف في قوله

٤٥١
کتاب الخنثى
مات أبوه وترك معه (ابناً) واحداً (له سهمان وللخنثى سهم) وعند أبي يوسف: له
ثلاثة من سبعة. وعند محمد: له خمسة من اثني عشر. وعند أبي حنيفة: له سهم
من ثلاثة (لأنه لأقل) وهو متيقن به فيقتصر عليه لأن المال لا يجب بالشك، حتى
لو كان الأقل تقديره ذكراً قدر ابناً كزوج وأم وشقيقة هي خنثى مشكل، فله
السدس على أنه عصبة، لأنه الأقل ولو قدر أنثى كان له النصف وعالت إلى
ثمانية، ولو كان محروماً على أحد التقديرين فلا شيء له، كزوج وأم
الأول، ثم رجع إلى ما فسر به كلام الشعبي. قوله: (وعند أبي يوسف الخ) قال الزيلعي:
واختلف أبو يوسف ومحمد في تخريج قول الشعبي، فقال أبو يوسف: الميراث بينهما على
سبعة أسهم: للابن أربعة وللخنثى ثلاثة، اعتبر نصيب كل واحد منهما حالة انفراده فإن
الذكر لو كان وحده كان له كل المال، والخنثى لو كان وحده: إن كان ذكراً فكذلك، وإلا
فنصف المال، فيأخذ نصف النصيبين نصف الكل ونصف النصف وذلك ثلاثة أرباع المال،
وللابن: أي الواضح كل المال فيجعل كل ربع منهما فبلغ سبعة أسهم: للابن أربعة
وللخنثی ثلاثة، لأن الابن يستحق الکل عند الانفراد والخنثى ثلاث الأرباع، فیضرب کل
منهما بجميع حقه بطريق العول والمضاربة. وقال محمد: بينهما على اثني عشر سهماً: سبعة
للابن وخمسة للخنثى، اعتبر نصيب كل واحد منهما حالة اجتماع، فلو كان الخنثى ذكراً
فالمال بينهما نصفين، ولو أنثى كان أثلاثاً، فالقسمة على الذكورة من اثنين وعلى الأنوثة من
ثلاثة فيضرب أحدهما في الآخر تبلغ ستة للخنثى، على أنه أنثى سهمان، وعلى أنه ذكر ثلاثة
فله نصفهما ونصف الثلاث كسر فتضرب الستة في اثنين تبلغ اثنى عشر، فللخنثى ستة على
أنه ذكر، وأربعة على أنه أنثى فله نصفهما خمسة ا هـ ملخصاً. وتمامه فيه.
وأشار في الهداية إلى اختيار قول محمد للاتفاق على تقليل نصيب الخنثى، وما ذهب
إليه محمد أقل مما ذهب إليه أبو يوسف سهم من أربعة وثمانين سهماً، وطريق(١) معرفته
أن تضرب السبعة في اثني عشر تبلغ أربعة وثمانين، وحصة الخنثى من السبعة ثلاثة
فاضربها في اثني عشر تكون ستة وثلاثين وحصته من الاثني عشر خمسة فاضربها في السبعة
تكون خمسة وثلاثين، فظهر أن التفاوت بسهم من أربعة وثمانين كما في العناية وغيرها.
(١) في ط (قوله وطريق معرفته الخ) وتسمى هذه طريقة التجنيس، وهكذا كل عددين نسب إليهما أقل منهما
وأدت معرفة أي المنسوبين أقل، فاضرب أحد العددين المنسوب إليهما في الآخر ثم يضرب كل واحد من
الأقلين فيها ينسب إليه الأقل الآخر، وانظر فيما تحصل من ضرب كل من الأقلين في منسوب الآخر في
مسألتنا لم يدر هل الثلاثة من سبعة كما هو قول أبي يوسف أكثر وخمسة من اثني عشر أكثر كما هو قول
محمد؟ فإذا أردت معرفة أكثرهما فاضرب السبعة التي نسبت إليها الثلاثة في الاثني عشر التي نسبت إليها
الخمسة تبلغ أربعة وثمانين، ثم اضرب المنسوب إلى السبعة وذلك ثلاثة في المنسوب إليه الخمسة وذلك اثنا
عشر يكون الخارج ستة وثلاثين، واضرب الخمسة في السبعة تبلغ خمسة وثلاثين.

٤٥٢
كتاب الخنثى
وولديها وشقيق خنثى فلا شيء له لأنه عصبة، ولو قدر أنثى كان له النصف
وعالت إلى تسعة، ولو مات عن عمه وولد أخيه خنثى قدر أنثى وكان المال للعم.
والله تعالى أعلم.
مَسَائِلُ شَتَّی
جمع شتيت بمعنى متفرقة، وهو من دأب المصنفين لتدارك ما لا يذكر فيما
كان يحق ذكره فيه. قلت: وقد ألحقت غالبها بمحالها، ولله الحمد.
(عرق مدمن الخمر خارج نجس) هذه مقدمة صغری في تسلیمھا کلام قد
وعدتك به في أوائل نواقض الوضوء (وكل خارج نجس ينقض الوضوء) هذه
مقدمة كبرى وهي مسلمة عندنا (فينتج) أن (عرق مدمن الخمر ينقض الوضوء)
لكنه يحتاج لإثبات الصغرى.
وحاصله ما في الذخائر الإشرافية لابن الشحنة معزياً للمجتبى: عرق
الدجاجة الجلالة نجس. قال: وعليه فعرق مدمن الخمر نجس بل أولى. ثم قال:
وما أسمج من كان عرقه كعرق الكلب والخنزير. قال ابن العز: فحينئذ ينقض
الوضوء، وهو فرع غريب وتخريج ظاهر. قال المصنف: ولظهوره عوّلنا عليه.
قلت: قال شيخنا الرملي حفظه الله تعالى: كيف يعول عليه وهو مع غرابته لا
قوله: (وولديها) أي أخوين لأم. قوله: (ولو مات عن عمه الخ) أي لو مات رجل عن
عمه وعن ابن أخيه حال كون ابن الأخ خنثى، فالضمير في عمه للرجل الميت، وهذا
مثال لحرمانه على تقدير الأنوثة وما قبله على تقدير الذكورة. قوله: (وكان المال للعم) لأن
بنت الأخ لا ترث، ولو قدر ذكراً كان المال كله له دون العم لأن ابن الأخ مقدم على
العم ط. والله تعالى أعلم.
مَسَائِلُ شَتَّی
قوله: (جمع شتيت الخ) فهو فعيل بمعنى فاعل، حمل على فعيل بمعنى مفعول
كمريض ومرضي ولذا جمع على فعلي. قهستاني. قوله: (ما لا يذكر) الأولى ((ما لم)) كما
عبر غيره. قوله: (فينتج) أي من الشكل الأول بعد تسليم الصغرى. قوله: (بل أولى)
لأن تأثير المائع في التصرف فوق تأثير غيره. منح. فإذا كان عرق الجلالة التي غذيت
بالنجاسة الجامدة نجساً فعرق مدمن الخمر المائع أولى. قوله: (وما أسمج) من السماجة
وهي القبح كما في القاموس. قوله: (قال ابن العز) بمهملة فمعجمة، وهو من شراح
الهداية. قوله: (فحينئذ) أي فحين إذ كان عرقه نجساً ينقض لقاعدة: كل خارج نجس
ينقض الوضوء ط. قوله: (وهو مع غرابته) أي تفرّد ابن العز باستنباطه. قوله: (لا يشهد

٤٥٣
کتاب الختشى
يشهد له رواية ولا دراية، أما الأولى فظاهر إذ لم يرو عن أحد ممن يعتمد عليه،
وأما الثانية فلعدم تسليم المقدمة الأولى ويشهد لبطلانها مسألة الجدي إذا غذي بلبن
الخنزير فقد عللوا حل أكله بصيرورته مستهلكاً لا يبقى له أثر، فكذلك نقول في
عرق مدمن الخمر، ويكفينا في ضعفه غرابته وخروجه عن الجادة فيجب طرحه عن
السرح من متن وشرح.
(خبز وجد في خلاله خرء فأرة، فإن كان) الخرء (صلباً رمى به وأكل الخبز،
له رواية) أي دليل منقول ولا دراية: أي دليل معقول. قوله: (ويشهد لبطلانها الخ)
حاصله استدلال بالقياس على مسألة الجدي بجامع الاستهلاك، ولذا فرع عليه بقوله
((فكذلك نقول الخ)) ولا يخفى أن القياس دليل معقول، فافهم. قوله: (بصيرورته
مستهلكاً) يعني بخلاف الجلالة، فإن ما تتناوله لكونه جامداً لا يصير مستهلكاً بل يحيل
لحمها إلى نتن وفساد. تأمل هـ ح. قوله: (ويكفينا في ضعفه غرابته الخ) قال الرملي أيضاً
في حاشية المنح: وتقدم في كتاب الأشربة عن المحقق ابن وهبان أنه لا تعويل ولا التفات
إلى كل ما قاله صاحب القنية مخالف للقواعد ما لم يعضده نقل من غيره، ولم ينقل عن
أحد من علمائنا المتقدمين والمتأخرين أن عرق مدمن الخمر ناقض للوضوء سوى ما بحثه
ابن العز. وقد يفرق بأن مدمن الخمر يخلط والجلالة لا تخلط، حتى لو كانت تخلط لا
يحكم بنجاسة عرقها كما قالوا في تفسيرها، وغاية ما فيه أنه يقع الشك في تولد العرق منه
أو من غيره، ولا نقض بالشك. على أنا ما أثبتنا النقض بالخارج المحقق النجاسة من غير
السبيلين إلا بعد علاج قوي ومنازعة كلية بيننا وبين الشافعية، فكيف يثبت النقض بشيء
موهوم؟ وأيضاً نفس عرق الجلالة في نجاسته منازعة، إذ صرحوا قاطبة بكراهة لحمها إذا
تغير وأنتن، وإنما يستعملون الكراهة لريب في الحرمة، والحرمة فرع النجاسة، والنقض
بها إنما يكون بما لا ريب فيه، ويلزم مما بحثه ابن العز نقض الوضوء بعرق من أكل أو
شرب نجاسة ما في زمن مداومته، ولم يقل به أحد ا هـ ملخصاً.
أقول: ويلزم عليه أيضاً النقض بدموعه وريقه لأنهما كالعرق، وأن يكون حكمه
حكم المعذور لخروج ريقه دائماً، وهذا لم يقل به أحد أيضاً، وقدم الشارح في كتاب
الطهارة أن سؤر الإبل والبقر الجلالة مكروه تنزيهاً. وفي الخانية أن عرق الجلالة طاهر.
قوله: (وخروجه عن الجادة) هي معظم الطريق كما في القاموس، والمراد طريق الفقه.
قوله: (عن السرح) بمهملات. قال في جامع اللغة: السرح: المال وشجر عظام طوال،
والمراد بها مسائل الفقه ا هـ ح. فهو استعارة مصرحة. قوله: (فإن كان الخرء صلباً) بضم
الصاد المهملة: أي يابساً، زاد في مختارات النوازل: وإن كان متفتتاً ما لم يتغير طعمه يؤكل

٤٥٤
کتاب الخنثى
ولا يفسد) خرء الفأرة (الدهن والماء والحنطة) للضرورة (إلا إذا ظهر طعمه أو لونه)
في الدهن ونحوه لفحشه وإمكان التحرّز عنه حينئذ. خانية.
(في السنن الرواتب لا يصلي ولا يستفتح) تقدم في باب الوتر (الدعوة
المستجابة في الجمعة عندنا وقت العصر) على قول عامة مشايخنا. أشباه. وقدمناه في
الجمعة عن التاتر خانية .
(الخروج من الصلاة لا يتوقف على) قوله (عليكم) وحينئذ (فلو دخل رجل في
صلانه بعده لا يصير داخلاً فيها) قدمناه في صفة الصلاة.
(لفّ ثوب نجس رطب في ثوب طاهر يابس فظهرت رطوبته على ثوب طاهر)
كذا النسخ. وعبارة الكنز: على الثوب الطاهر (لكن لا يسيل لو عصر لا يتنجس)
أيضاً اهـ. قوله: (ولا يفسد الخ) قال في البحر: وفي المحيط: وخرء الفأرة وبولها نجس
لأنه يستحيل إلى نتن وفساد والاحتراز عنه ممكن في الماء لا في الطعام والثيب فصار معفوّاً
فيهما.
وفي الخانية: بول الهرة والفأر وخرؤهما نجس في أظهر الروايات يفسد الماء
والثوب، وبول الخفافيش وخرؤه لا يفسد لتعذر الاحتراز عنه اهـ. وفي القهستاني عن
المحيط: خرء الفأرة لا يفسد الدهن والحنطة المطحونة ما لم يتغير طعمها. قال أبو الليث:
وبه نأخذ. قوله: (في السنن الرواتب) وهي ثلاثة: رباعية الظهر، ورباعية الجمعة القبلية
والبعدية، وهذا هو الأصح لأنها تشبه الفرائض. واحترز به عن الرباعيات المستحبات
والنوافل، فإنه يصلي على النبي وَله في القعدة الأولى ثم يقرأ دعاء الاستفتاح. أفاده ط.
قوله: (في الجمعة) أي في يومها، فإنها ورد فيها ساعة إجابة: أي للدعاء بعينه ط. قوله:
(وقت العصر) وقيل من حين بخطب إلى أن يفرغ من الصلاة كما ثبت في مسلم عنه وَلاترى .
قال النووي: وهو الصحيح بل هو الصواب اهـ. قال ط: ويكفي الدعاء بقلبه كما ذكره
الشرنبلالي، وقيل آخر ساعة فيه، وهو مذهب الزهراء رضي الله عنها اهـ. وعلى الأول
فالظاهر أنها دائرة في جميع وقت العصر، وهو من حين بلوغ ظل الشيء مثله أو مثليه على
الاختلاف في القولين إلى الغروب. حموي. قوله: (على قوله عليكم) أي في التسليمة
الأولى. قوله: (بعده) أي بعد السلام قبل قوله عليكم. منح. والأولى أن يقول قبله
ليرجع الضمير إلى مذكور صريحاً وهو عليكم. قوله: (لفّ ثوب نجس رطب) أي مبتلّ
بماء ولم يظهر في الثوب الطاهر أثر النجاسة، بخلاف المبلول بنحو البول لأن النداوة حينئذ
عين النجاسة، وبخلاف ما إذا ظهر في الثوب الطاهر أثر النجاسة من لون أو طعم أو ريح
فإنه يتنجس كما حققه شارح المنية وجرى عليه الشارح أول الكتاب. قوله: (لا يتنجس)

٤٥٥
کتاب الخنثى
قدمناه قبيل كتاب الصلاة (كما لو نشر الثوب المبلول على حبل نجس يابس) أو
غسل رجله ومشى على أرض نجسة أو نام على فراش نجس فعرق ولم يظهر أثره لا
یتنجس. خانية .
(نوى الزكاة إلا أنه سماه قرضاً جاز) في الأصح، لأن العبرة للقلب لا
للسان .
(من له حظ في بيت المال) كالعلماء
لأنه إذا لم يتقاطر منه بالعصر لا ينفصل منه شيء، وإنما يبتل ما يجاوره بالنداوة وبذلك لا
یتنجس به.
وذكر المرغيناني: إن كان اليابس هو الطاهر يتنجس لأنه يأخذ بللاً من النجس
الرطب، وإن كان اليابس هو النجس والطاهر والرطب لا يتنجس لأن اليابس النجس
يأخذ بللاً من الطاهر ولا يأخذ الرطب من اليابس شيئاً. زيلعي. وظاهر التعليل أن
الضمير في يسيل وعصر للنجس، وبه صرح صاحب مواهب الرحمن، ومشى عليه
الشرنبلالي، والمتبادر من عبارة المصنف كالكنز وغيره أنه للطاهر، وهو صريح عبارة
الخلاصة والخانية ومنية المصلي وكثير من الكتب كالقهستاني وابن الكمال والبزازية والبحر،
والأول أحوط ووجهه أظهر، والثاني أوسع وأسهل، فتبصر.
ثم إن المسألة مذكورة في عامة كتب المذهب في بعضها بلا ذكر خلاف، وفي بعضها
بلفظ الأصح. قوله: (كما لو نشر لخ) هذا موافق لما ذكره المرغيناني، وقد جعله الزيلعي
مفرعاً عليه حيث قال عقب عبارته السابقة: وعلى هذا إذا نشر الثوب المبلول على حبل
نجس هو يابس لا يتنجس الثوب لما ذكرنا من المعنى.
وقال قاضيخان في فتاواه: إذا نام الرجل على فراش فأصابه (١) منيّ ويبس وعرق
الرجل وابتل الفراش من عرقه: إن لم يظهر أثر البلل في بدنه لا يتنجس جسده، وإن كان
العرق کثیراً حتی ابتل الفراش ثم أصاب بلل الفراش جسده وظهر أثره في جسده یتنجس
بدنه، وكذا إذا غسل رجله فمشى على أرض نجسة بغير مكعب فابتل الأرض من بلل
رجله واسودّ وجه الأرض لكن لم يظهر أثر بلل الأرض في رجله فصلى جازت صلاته،
وإن كان بلل الماء في رجله كثيراً حتى ابتل وجه الأرض وصار طيناً ثم أصاب الطين
رجله لا تجوز صلاته. ولو مشی علی أرض نجسة رطبة ورجله یابس تتنجس ا هـ. قوله:
(على أرض نجسة) بأن كانت مطينة بنحو الزبل، أما لو أصابتها نجاسة وجفت لم تبق
نجسة ولم تعد النجاسة بإصابة الماء على المعتمد. قوله: (كالعلماء) أي والقضاة والعمال
(١) في ط. (قوله فأصابه مني الخ) الأحسن إسقاط الفاء، وجملة أصابه صفة ثوب.

٤٥٦
كتاب الخنثى
(ظفر بما هو وجه لبيت المال فله أخذه ديانة) قدمناه قبيل باب المصرف.
(أفطر في رمضان في يوم ولم يكفر حتى أفطر في يوم آخر فعليه كفارة واحدة)
ولو في رمضانين على الصحيح، وقدمناه في الصوم.
(ولو نوى قضاء رمضان ولم يعين اليوم صح) ولو عن رمضانين كقضاء
الصلاة صح أيضاً (وإن لم ينو) في الصلاة (أول صلاة عليه أو آخر صلاة عليه) كذا
والمقاتلة وذراريهم والقدر الذي يجوز لهم أخذ كفايتهم. ابن الشحنة. قوله: (ظفر بما هو
وجه لبيت المال) كذا في بعض النسخ، وفي أغلبها بدون هو، وعليه فوجه بالبناء
للمفعول.
قال في البزازية: قال الإمام الحلواني: إذا كان عنده وديعة فمات المودع بلا وارث له
أن يصرف الوديعة إلى نفسه في زمننا هذا، لأنه لو أعطاها لبيت المال لضاع لأنهم لا
يصرفون مصارفه، فإذا كان من أهله صرفه إلى نفسه، وإلا صرفه إلى المصرف اهـ. منح.
قوله: (فعليه كفارة واحدة) لأن الكفارة تسقط بالشبهة فتتداخل كالحد. مجتبى.
ثم قال: واختلف في التداخل: فقيل لا تجب الثانية لتداخل السبب، وقيل تجب ثم
تسقط، فأما إذا كفر الأول فلا اجتماع فلا تداخل. قوله: (ولو في رمضانين الخ) لو
وصلية، وأشار إلى أن التقييد برمضان واحد، خلاف الصحيح وهو رواية عن محمد. قال
في المجتبى: وأكثر مشايخنا قالوا: الاعتماد على تلك الرواية، والصحيح أنه يكفيه كفارة
واحدة لاعتبار معنى التداخل. قوله: (ولم يعين) أي إنه عن يوم كذا. قوله: (ولو عن
رمضانین الخ) قال الزيلعي: وكذا لو صام ونوی عن یومین أو أكثر جاز عن يوم واحد،
ولو نوى عن رمضانين أيضاً يجوز اهـ. وعليه فالمعنى أنه لو كان عليه يومان من رمضانين
فقضى يوماً ونواه عنهما يجوز صومه عن أحدهما ويبقى عليه الآخر، لكن ذكره مسكين
أن المراد أنه نواه عن يوم واحد منهما بلا تعيين شهره حيث قال: واعلم أن المراد من قوله
((ولو عن رمضانين)) قضاء أحد رمضانين وإن لم ينو الصائم أول أو آخر رمضان ولم يرد
جمعهما في النية، لأن ناوي القربتين في الصوم متنفل، فليتأمل اهـ.
أقول: ويؤيده قول المتن ((كقضاء الصلاة الخ)) فإن معناه أنه لو فاته الظهر من
يومين مثلاً فقضى ظهراً ولم يعين أحد اليومين صح، وليس المراد أنه نوى ظهراً واحداً من
اليومين بقرينة ما بعده. وفي قول مسكين: لأن ناوي القربتين الخ منافاة لصدر كلام
الزيلعي. وقد ذكر الشارح قبيل باب صفة الصلاة أنه لو نوى فائنتين فللأولى لو أمن أهل
الترتيب وإلا لغا اهـ. ومقتضى ذلك أنه في الصوم يلغو، إذ لا ترتيب فيه لأنه خاص
بالصلاة، وبه تأيد كلام مسكين، وتأمل ذلك مع الأصل الآتي قريباً. قوله: (صح أيضاً
وإن لم ينو الخ) قدم الشارح في باب شروط الصلاة عن القهستاني عن المنية أنه الأصح

٤٥٧
كتاب اختشى
في الكنز. قال المصنف: قال الزيلعي: والأصح اشتراط التعيين في الصلاة وفي
رمضانين الخ.
قلت: وهكذا قدمته في باب قضاء الفوائت تبعاً للدرر وغيرها.
ثم رأيت في البحر قبيل باب اللعان ما نصه: ونية التعيين لم تشترط باعتبار
أن الواجب مختلف متعدد بل باعتبار أن مراعاة الترتيب واجبة عليه ولا يمكنه
مراعاته إلا بنية التعيين، حتى لو سقط الترتيب بكثرة الفوائت يكفيه نية الظهر لا
غير. كذا في المحيط. وهو تفصيل حسن في الصلوات ينبغي حفظه انتهى بلفظه.
ثم رأيته نقله عنه في الأشباه في بحث تعيين المنوي، ثم قال: وهذا مشكل، وما
ذكره أصحابنا کقاضیخان وغيره خلافه وهو المعتمد. کذا في التبیین اهـ بحروفه،
فليتنبه لذلك.
اهـ. ونقل ط تصحيحه عن الولوالجية أيضاً وأن التعيين أحوط. قوله: (والأصح اشتراط
التعيين الخ) صححه أيضاً في متن الملتقى، فقد اختلف التصحيح والتعيين أن يعين أنه
صائم عن رمضان سنة كذا، وفي الصلاة أن يعين الصلاة ويومها بأن يعين ظهر يوم كذا،
ولو نوى أول ظهر عليه أو آخره جاز، وهذ مخلص من لم يعرف الأوقات التي فاتته أو
اشتبهت عليه أو أراد التسهيل على نفسه.
والأصل فيه أن الفروض متزاحمة، فلا بد من تعيين ما يريد أداءه، والشرط تعيين
الجنس الواحد بالنية لأنها شرعت لتمييز الأجناس المختلفة. أما التعيين في الجنس الواحد:
أي في إفراده بعضها عن بعض فهو لغو لعدم الفائدة، حتى لو كان عليه قضاء يوم بعينه
فصامه بنية يوم آخر أو كان عليه قضاء صوم يومين أو أكثر فصام ناوياً عن قضاء يومين أو
أکثر جاز، بخلاف ما إذا نوى عن رمضانين أو عن رمضان آخر لاختلاف الجنس، فصار
كما لو نوى ظهرين أو ظهراً عن عصر، أو نوى ظهر السبت وعليه ظهر الخميس، ويعرف
اختلاف الجنس باختلاف السبب كالصلوات حتى الظهرين من يومين، فإن الدلوك في يوم
غيره في آخر، بخلاف صوم رمضان لتعلقه بشهود الشهر وهو واحد، لأنه عبارة عن ثلاثين
يوماً بلياليها فلا يحتاج فيه إلى تعيين يوم كذا، بخلاف رمضانين. زيلعي ملخصاً. قوله:
(ثم رأيته) أي هذا التفصيل نقله عنه: أي عن المحيط في الأشباه، فافهم. قوله: (وهذا
مشكل) لما مر أن كل صلاة جنس لاختلاف أسبابها فيشترط التعيين لتمييز الأجناس
المختلفة، ولأنه لو كان الأمر كما قاله في المحيط لجاز مع وجوب الترتيب أيضاً لإمكان
صرفه إلى الأول، إذ لا يجب التعيين عند الترتيب ولا يفيد اهـ. كذا أفاده الزيلعي. قوله:
(خلافه) أي من التعيين ولو بأول ظهر أو آخره مثلًا ط. قوله: (وهو المعتمد) قد علمت أن

٤٥٨
كتاب الخنثى
(رأس شاة متلطخ بدم أحرق) رأسه وزال عنه الدم فاتخذ منه مرقة (جاز
استعمالها) والحرق (كالغسل، وقدمنا أنه من المطهرات سلطان جعل الخراج لربّ
الأرض جاز، وإن جعل له العشر لا) لأنه زكاة. قلت: وقد قدمه في الجهاد،
وقدمته في الذكاة أيضاً.
(عجز أصحاب الخراج عن زراعة الأرض وأداء الخراج ودفع الإمام الأرض
إلى غيرهم) بالأجرة (ليعطوا الخراج) من أجرتها المستحقة (جاز) فإن فضل شيء من
أجرتها دفعه لمالكها رعاية للحقين، فإن لم يجد الإمام من يستأجرها باعها لقادر
الثاني مصحح وإن كان الأحوط التعيين ط. قوله: (والحرق كالغسل) لأن النار تأكل ما فيه
من النجاسة حتى لا يبقى فيه شيء أو تحيله فيصير الدم رماداً فيطهر بالاستحالة، ولهذا لو
أحرقت العذرة وصارت رماداً طهرت للاستحالة، كالخمر إذا تخللت، وكالخنزير إذا وقع في
المملحة وصار ملحاً. وعلى هذا قالوا: إذا تنجس التنور يطهر بالنار حتى لا يتنجس الخبز،
وكذلك إذا تنجس ممسحة الخباز تطهر بالنار زيلعي. قال السائحاني: وبهذ لا يظهر ما عزي
لأبي يوسف أن السكين المموّه بالماء النجس يموّه بالطاهر ثلاثاً لأنه لما دخل النار ومكث
أدنى مدة لم يبق أثر النجاسة فيه لا ظاهراً ولا باطناً ا هـ. قوله: (وقد قدمه في الجهاد) حيث
قال: ترك السلطان أو نائبه الخراج لرب الأرض أو وهبه له ولو بشفاعة جاز عند الثاني
وحل له لو مصرفاً، وإلا تصدق به، وبه یفتی.
وما في الحاوي من ترجيح حله لغير المصرف خلاف المشهور، ولو ترك العشر لا
يجوز إجماعاً ويخرجه بنفسه للفقراء خلافاً لما في قاعدة تصرف الإمام منوط بالمصلحة من
الأشباه معزياً للبزازية فتنبه ا هـ: أي من أنه لو ترك السلطان العشر لمن هو عليه جاز غنياً
كان أو فقيراً، لكن لو غنياً ضمنه السلطان للفقراء من بيت مال الخراج لبيت مال
الصدقة، ولو فقيراً لا يضمن. قوله: (عن زراعة الأرض) أي المملوكة لهم. قوله:
المستحقه(١)) أي لمستحق الخراج. قوله: (رعاية للحقين) لأنه لا وجه إلى إزالة ملكهم بلا
رضاهم من غير ضرورة ولا إلى تعطيل حق المقاتلة فتعين ما قلنا. زيلعي. قوله: (باعها
القادر) أي على الزراعة، لأنه لو لم يبعها يفوت حق المقاتلة في الخراج أصلاً، ولو باع
يفوت حق المالك في العين، والفوات إلى خلف كلا فوات فيبيع تحقيقاً للنظر من الجانبين
زيلعي.
هذا، وقد ذكر في البحر أنه قبل البيع إن شاء دفعها إلى غيره مزارعة، وإن شاء
زرعها بنفقة من بيت المال، فإن لم يتمكن من ذلك ولم يجد من يقبلها مزارعة باعها الخ.
(١) في ط (قول المحشي لمستحقه) نسخ الشرح التي بأيدينا المستحقة وعليها كتب الطحاوي.

٤٥٩
کتاب الخنثى
وأخذ الخراج الماضي من الثمن لو عليهم خراج ورد الفضل لأربابها. زيلعي.
قلت: وقدمنا في الجهاد ترجيح سقوطه بالتداخل، فيحمل على المرجوح أو
على أن مراده أخذ خراج السنة الماضية فقط.
(غنم مذبوحة وميتة، فإن كانت المذبوحة أكثر تحرى وأكل وإلا) بأن كانت
الميتة أكثر أو استويا (لا) يتحرى لو في حالة الاختيار بأن يجد ذكية وإلا تحرى وأكل
قوله: (قلت الخ) أصله للمصنف حيث استشكل قوله ((وأخذ الخراج الماضي)) بما في
الخانية من قوله: فإن اجتمع الخراج فلم يؤد سنتين عند أبي حنيفة يؤخذ بخراج هذه
السنة، ولا يؤخذ بخراج السنة الأولى ويسقط ذلك عنه كما قال في الجزية: ومنهم من
يقول: لا يسقط الخراج بالإجماع بخلاف الجزية، هذا إذا عجز عن الزراعة، فإن لم يعجز
يؤخذ بالخراج عند الكل اهـ. قوله: (فيحمل إلى الخ) لم يحمله على حالة عدم العجز لأن
فرض مسألتنا في العجز، فافهم. قوله: (الماضية فقط) أي التي عجزوا فيها، وهي التي
قبل السنة التي دفع فيها الإمام الأرض إلى غيرهم دون ما قبلها، ولا يحصل التداخل
بمجرد دخول سنة الدفع حتى يرد عليه أنه يسقط خراج هذه الماضية، لأن وجوب الخراج
بآخر الحول لا بأوله، بخلاف الجزية كما صرح في البحر، فافهم. قوله: (تحرى وأكل)
لأن للغالب حكم الكل، وكذا الزيت لو اختلط مع ودك الميتة أو الخنزير لا ينتفع به على
كل حال إلا إذا غلب الزيت، لكن لا يحل أكله بل يستصبح به أو يبيعه مع بيان عيبه أو
یدبغ به الجلود ویغسلها، لأن المغلوب تبع للغالب، ولا حکم للتبع لو کان معه ثياب
مختلطة، ففي حالة الاضطرار بأن لا يجد طاهراً بيقين ولا ماء يغسلها به تحرّي مطلقاً، لأن
الصلاة بثوب نجس بيقين جائزة حالة الاضطرار بالإجماع ففي ثوب مشكوك أولى.
وأما في الاختيار فإن الغلبة للطاهر تحري، وإلا لا كالجواب في المساليخ، وكذا أواني
الماء إلا أنه في حالة الاضطرار لو غلب النجس يتحرى للشرب إجماعاً، لأن شرب النجس
بيقين يجوز للضرورة فالمشكوك أولى، ولا يتحرى للوضوء عندنا بل يتيمم، والأولى أن
يريق الماء قبله أو يخلطه بالنجس. وتمامه في غاية البيان.
أقول: والمراد من اختلاط الزيت مع الودك اختلاط أجزائهما لا اختلاط أوانيهما
ولذا لم يحل الأكل، فتنبه. قوله: (لا يتحرى) أي إن لم يكن هناك علامة تعلم بها الذكية،
فإن كانت فعليه الأخذ بها كما في الدر المنتقى. قال في غاية البيان: قالوا: من علامة الميتة
أنها تطفو فوق الماء والذكية لا، والأصح أن علامة المذكاة خلوّ الأوداج من الدم وعلامة
الميتة امتلاؤها منه. قوله: (بأن يجد ذكية) أقول: المراد أن يجد ما يسدّ به رمقه من لحم
مذكى أو خبز أو غير ذلك. قوله: (وإلا تحرى الخ) قال في الهداية: أما في حال الضرورة
يحل له لتناول في جميع ذلك، لأن الميتة المتيقنة تحل في حالة الضرورة، فالذي يحتمل أن

٤٦٠
كتاب الخنثى
مطلقاً ومر في الحظر.
(إيماء الأخرس وكتابته كالبيان) باللسان (بخلاف معتقل اللسان) وقال
يكون ذكية أولًا، غير أنه يتحرى لأنه طريق يوصله إلى الذكية في الجملة فلا يتركه من غير
ضرورة ١ هـ.
قال في العناية: وطولب بالفرق بين الغنم والثياب، فإن المسافر لو معه ثوبان طاهر
ونجس لا غير ولا مميز بينهما يتحرى ويصلي فقد جوّز التحري فيما إذا كانا نصفين وفي
المساليخ لم يجز. وأجيب بأن حكم الثياب أخف، لأنها لو كانت كلها نجسة له أن يصلي
في بعضها لأنه مضطر، بخلاف الغنم الخ، ومثله في النهاية والكفاية والمنح وغيرها.
أقول: هذا عجيب منهم، فإن ما ذكروا من مسألة الثوبين حالة ضرورة، ولا فرق
فيها بين الثياب والغنم كما سمعت التصريح به فيما قدمناه. وفي قول الهداية: يحل له
التناول في جميع ذلك: أي فيما إذا كانت الذكية غالبة أو مغلوبة أو مساوية فكيف يطلب
الفرق فيما لا فرق فيه؟ وإن أرادوا الفرق بين الثياب في حالة الضرورة وبين الغنم في
حالة الاختيار فهو ساقط أصلاً، إذ لا يطلب الفرق إلا عند اتحاد الحالتين، ثم رأيت
العلامة الطوري ببه على ذلك، ولله الحمد والمنة. قوله: (ومر في الحظر) أي في أوله قبيل
قوله ((ومن دعي إلى وليمة)) ولفظ ((الحظر)) ساقط من أغلب النسخ. قوله: (إيماء
الأخرس) أي إشارته بحاجب أو يد أو غير ذلك إذا عرف القاضي إشارته، وإلا ينبغي أن
يستخبر ممن يعرفها من إخوانه وأصدقائه وجيرانه حتى يقول بين يدي القاضي أراد بهذه
الإشارة كذا، ويفسر ذلك ويترجم حتى يحيط علم القاضي بذلك، وينبغي أن يكون عدلًا
مقبول القول، لأن الفاسق لا قول له. بيري عن الولوالجية. وإطلاقه يفيد اعتبار الإيماء
مع قدرته على الكتابة وهو المعتمد، لأن كلَّ منهما حجة ضرورية كما في القهستاني
وغيره. در منتقى. قوله: (وكتابته) اعترض المقدسي بأن الأخرس الخلقي لا يعرف
الكتابة ولا يمكن تعريفه إياها، لأنها بإزاء الألفاظ المركبة من الحروف وهو لا ينطق ولا
يسمع النطق ا هـ.
أقول: يمكن ذلك بتعريفه أن المعنى الفلاني يدل عليه بهذه الحروف المنقوشة على
هذه الصورة. تأمل، قوله: (بخلاف معتقل اللسان) بفتح القاف، يقال اعتقل لسانه بضم
التاء: إذا احتبس عن الكلام ولم يقدر عليه. مغرب: أي فلا يعتبر إيماؤه ولا كتابته إلا
إذا امتدت عقلته كما يأتي، وذلك لأن العارض على شرف الزوال فلا يقاس على الخرس
الأصلي.
ثم اعلم أن هذا في كتابة غير مرسومة: أي غير معتادة، لما في التبيين وغيره أن الكتاب
على ثلاث مراتب: مستبين مرسوم وهو أن يكون معنوناً: أي مصدراً بالعنوان، وهو أن