النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ كتاب الديات / باب القسامة وجد أحدهما قتيلًا ضمن الآخر) لأن الظاهر أن الإنسان لا يقتل نفسه (ديته) عند أبي حنيفة (١) خلافاً لمحمد (وفي قتيل قرية لامرأة كرّر الحلف عليها وتدي عاقلتها) وعند أبي يوسف: القسامة على العاقلة أيضاً. قال المتأخرون: والمرأة تدخل في التحمل مع العاقلة في هذه المسألة، كذا في الملتقى، وهو الأصح ذكره الزيلعي (وإن وجد) قتیل يوسف وقول محمد قال: وفي قياس قول الإمام تكون القسامة والدیة علی صاحب البيت ا هـ. ومثله في القهستاني، وبه زال الإشكال، لكن بقي أنه يقال إنهم مشوا على قول الإمام في المسائل المارة حيث اعتبروا الملاك، فلم مشى هنا في الهداية والملتقى وغيرهما على قول أبي يوسف؟ ولعله لعدم رواية عنه في هذه المسألة بدليل قوله: وفي قياس قول الإمام، فتأمل. قوله: (خلافاً لمحمد) حيث قال: لا يضمن لأنه يحتمل أنه قتل نفسه، ويحتمل أنه قتله الآخر، فلا يضمن بالشك. هداية. قال الرملي: يعني فالقسامة والدية على مالك البيت: أعني عاقلته تنبه اهـ. وقدمنا أن هذا هو قياس قول الإمام؛ فتأمل. وقال الرملي أيضاً: وعندي أن قول محمد أقوى مدركاً، إذ قد يقتله غير الثاني وكثيراً ما وقع. قوله: (وفي قتيل قرية) الإضافة على معنى في قوله: (وتدي عاقلتها) أي أقرب القبائل إليها نسباً لا جواراً. إتقاني. قوله: (في هذه المسألة) قيد به لأن المرأة لا تدخل في العواقل في تحمل الدية في صورة من الصور على ما يجيء في المعاقل، وتدخل في هذه المسألة لأنا جعلناها قاتلة، والقاتلة تشارك العاقلة، لأنها لما وجبت على غير المباشر فعلى المباشر أولى، وموضوع المسألة فيما إذا وجد قتيل في دار المرأة في مصر ليس فيه من عشيرتها أحد، أما إذا كانت عشيرتها حضوراً تدخل معها في القسامة اهـ. كفاية. قوله: (وإن وجد قتيل الخ) هذا في الحر، أما المكاتب إذا وجد قتيلاً في دار نفسه فهدر اتفاقاً، لأن حال ظهور قتله بقيت الدار على حكم ملكه، لأن الكتابة لا تنفسخ إذا مات عن وفاء لجعل كأنه قتل نفسه فيها فهدر دمه. عناية وغرر الأفكار. ثم هذا حيث لم يعلم أن اللصوص قتلته، لما في البدائع من باب الشهيد في الجنائز: لو نزل عليه اللصوص ليلاً في المصر فقتل بسلاح أو غيره فهو شهيد؛ لأن القتيل لم يخلف بدلاً هو مال اهـ. قال في البحر هناك: وبهذا يعلم أن من قتله اللصوص في بيته ولم يعلم له قاتل معين منهم لعدم وجودهم فإنه لا قسامة ولا دية على أحد، لأنهما لا يجبان إلا إذا لم يعلم القاتل، وهنا قد علم أن قاتله اللصوص، وإن لم يثبت عليهم الفرارهم، فليحفظ هذا فإن الناس عنه غافلون ا هـ. (١) في ط (قول الشارح: عند أبي حنيفة الخ) في نسخة أخرى عند أبي يوسف بدل ((أبي حنيفة)) وهي ظاهرة وعليها المعول ٣٢٢ كتاب الديات / باب القسامة (في دار نفسه فالدية على عاقلة ورثته) عند أبي حنيفة (وعندهما وزفر: لا شيء فيه) أي في القتيل المذكور (وبه يفتى) كذا ذكره منلا خسرو تبعاً لما رجحه صدر الشريعة، وتبعهما المصنف، وخالفهم ابن الكمال فقال لهما: إن الدار في يده حين وجد الجرح فيجعل كأنه قتل نفسه فيكون هدراً، وله أن القسامة إنما تجب بظهور القتيل، وحال ظهوره الدار لورثته فديته على عاقلتهم، لا يقال العاقلة إنما يتحملون ما يجب على الورثة تخفيفاً لهم، ولا يمكن الإيجاب على الورثة للورثة، لأن الإيجاب ليس للورثة بل للقتيل حتى تقضى منه ديونه وتنفذ وصاياه ثم يخلفه الوارث فيه، وهو نظير الصبي والمعتوه إن قتل أباه تجب الدية على عاقلته وتكون له ميراثاً، فتنبه (ولو وجد في أرض موقوفة أو دار كذلك) يعني موقوفة (على أرباب معلومة فالقسامة والدية على أربابها) لأن تدبيره إليهم (وإن كانت) الأرض أو الدار أقول: ويشمل أيضاً من قتله اللصوص في غير بيته، فتأمل. قوله: (فالدية على عاقلة ورثته) وقيل على عاقلته إذا اختلفت عاقلته وعاقلة ورثته، والأول أصح كما في الكفاية عن المبسوط. قال في العناية: ولم يذكر القسامة في الأصل، فمنهم من قال لا تجب، ومنهم من قال تجب، واختاره المصنف اهـ: أي صاحب الهداية. قوله: (وعندهما الخ) هو رواية عن الإمام أيضاً. إتقاني. قوله: (تبعاً لما رجحه صدر الشريعة) حيث قال: والحق هذا لأن الدار في يده حال ظهور القتل، فيجعل كأنه قتل نفسه فكان هدراً، وإن كانت الدار للورثة فالعاقلة إنما يتحملون الخ. قال الرملي: وفي الحاوي القدسي: وبه: أي بقولهما نأخذ اهـ. قوله: (وخالفهم ابن الكمال) حيث جزم في متنه بقول الإمام، ولم يعرج على ما ذكره صدر الشريعة بل رد ما استند إليه بقوله لا يقال المشعر بالسقوط رأساً وكذا تبع الهداية وشروحها في تأخير دليل الإمام المتضمن لنقض دليلهما مع دفع ما يرد عليه، وكيف لا والمتون على قوله؟ فافهم. قوله: (ولا يمكن الإيجاب على الورثة) أي نظراً إلى الأصل فإن ما لزم العاقلة ليس بطريق الإيجاب عليهم ابتداء بل بطريق التحمل وإنما أصل الإيجاب على الورثة كما أفاده بقوله إنما يتحملون الخ، وقيل إنه على العاقلة ابتداء وهو خلاف الصحيح كما قدمناه في الجنايات في فصل في الفعلين. قوله: (لأن الإيجاب ليس للورثة الخ) جواب قوله ((لا يقال)) وفي هذا جواب عما ذكره الشارح قبل ورقة بقوله ((وقد يقال لما كان هو لنفسه لا يدي فغيره بالأولى لقوة الشبهة)) ١ هـ. فيقال: إذا كان الإيجاب لنفسه أصالة فكيف يدي عنها؟ فلا شبهة أصلاً. قوله: (حتى تقضي منه الخ) أي من الواجب المفهوم من الإيجاب، وأجاب الإتقاني أيضاً بأن العاقلة أعم من أن تكون ورثة أو غير ورثة، فما وجب على غير الورثة من العاقلة يجب للورثة منهم، وهذا لأن عاقلة الرجل أهل ديوانه عندنا اهـ. قوله: (فتنبه) أي لوجه المخالفة. الصدر الشريعة وغيره وهي ظاهرة. قوله: (على أربابها) الظاهر أن الدية تتحملها عنهم العاقلة. تأمل. ٣٢٣ كتاب الديات / باب القسامة (موقوفة على المسجد فهو كما لو وجد فيه) أي في المسجد. زيلعي ودرر وسراجية وغيرها. وقد قدمناه. قلت: والتقييد بكون الأرباب الموقوف عليهم معلومين ليخرج غير المعلومين، كما لو كان وقفاً على الفقراء والمساكين، فإن الظاهر أن الدية تكون في بيت المال، لأنه حينئذ يكون من جملة ما أعدّ لمصالح المسلمين فأشبه الجامع. قاله المصنف بحثاً (ولو وجد في معسكر في فلاة غير مملوكة ففي الخيمة والفسطاط على من يسكنهما وفي خارجهما) أي الخيمة والفسطاط (إن كانوا) أي ساكنوا خارجها (قبائل فعلى قبيلة وجد القتيل فيها، ولو بین القبیلتین کان) حکمه (كما) مر (بين القريتين) ولو نزلوا جملة مختلفين فعلى كل العسكر، ولو كانوا قد قاتلوا عدواً فلا قسامة ولا دية. ملتقى (ولو) كانت الأرض التي نزل فيها العسكر (مملوكة فعلى المالك) بالإجماع لأنهم سكان، ولا يزاحمون المالك في القسامة والدية. درر. لكن في الملتقى خلافاً لأبي قوله: (فهو كما لو وجد فيه) فالموجود في وقف مسجد محلة أو مسجد الجامع كالموجود فيهما، وحكمهما قد تقدم. رملي. قوله: (قاله المصنف بحثاً) وأقره الرملي وقال: وقد تقرر أن مفهوم التصانيف حجة. قوله: (ولو وجد في معسكر في فلاة) أحسن من قول الهداية في معسكر: أقاموا في فلاة، لأن المعسكر بفتح الكاف منزل العسكر وهو الجند فكان حقه أن يقال: في عسكر كما قاله الإتقاني، أما هنا فيصح إرادة المكان. قوله: (ففي الخيمة والفسطاط) أي فلو وجد القتيل في الخيمة والفسطاط وهو الخيمة العظيمة. مغرب. قوله: (على من يسكنهما) أي القسامة والدية لأنهما في يده كما في الدار. زيلعي. قوله: (وفي خارجهما الخ) عبارة الزيلعي: وإن كان خارجاً منها ينظر، فإن كانوا نزلوا قبائل متفرقين فعلى القبيلة التي وجد فيها القتيل الخ، فالمراد كون القتيل خارج الخيمة والفسطاط لا العسكر فإنه غير منظور إلى كونهم في الخارج أو الداخل، فقول الشارح تبعاً للمنح والدرر ((أي ساكنو خارجها)) فيه نظر، فتدبر. قوله: (فعلى قبيلة الخ) لأنهم لما نزلوا قبائل قبائل في أماكن مختلفة صارت الأمكنة بمنزلة المحال المختلفة في المصر. زيلعي. قوله: (كما مر بين القريتين) أي على أقربهما وإن استووا فعليهما. زيلعي. قوله: (مختلفين) أي مختلطين. قوله: (فعلى كل العسكر) أي تجب غرامة ما وجد خارج الخيام عليهم كلهم. زيلعي. قوله: (فلا قسامة ولا دية) لأن الظاهر أن العدو قتله حملاً للمسلمين على الصلاح، بخلاف المسألة المارة، وهي ما إذا اقتتل المسلمون عصبية فأجلوا عن قتيل، فليس فيها جهة الحمل على الصلاح، فبقي حال القتل مشكلًا، فأوجبنا القسامة والدية على أهل ذلك المكان لورود النص بإضافة القتل إليهم عند الإشكال، وكان العمل بما ورد فيه النص أولى عند الاحتمال. أفاده في العناية. قوله: (لكن في الملتقى) ١٣٢٤ كتاب الديات / باب القسامة يوسف، فتنبه (و) فيها (لو وجد في قرية لأيتام لم يكن على الأيتام قسامة وهي على عاقلتهم) لأنهم ليسوا من أهل اليمين (وإن كان فيهم مدرك فعليه) لأنه من أهل اليمين. ولوالجية. فروع: لو وجد في دار صبيّ أو معتوه فعلى عاقلتهما، ولو في دار ذميّ حلف خمسين ويدي من ماله، ولو تعاقلوا فعلى العاقلة، ولو مر رجل في محلة فأصابه سهم أو حجر ولم يدر من أين ومات منه فعلى أهل المحلة القسامة والدية، سراجية. وفي الخانية: وجد بهيمة أو دابة مقتولة فلا شيء فيها، وإن وجد مكاتب أو مدبر أو أم ولد قتيلاً في محلة فالقسامة والقيمة على عواقلهم في ثلاث سنين، ولو وجد العبد قتيلاً في دار مولاه فهدر، إلا مديوناً فقيمته على مولاه لغرمائه حالة، وإلا مكاتباً فقيمته على مولاه مؤجلة. ولو وجد المولى قتيلاً في دار مأذونه مديوناً أو لا فعلى عاقلة المولى، ولو وجد الحر قتيلاً في دار أبيه أو إماء أو المرأة في دار زوجها فالقسامة والدية على العاقلة ولا يحرم من الميراث اهـ. استدراك على قوله ((بالإجماع)) وفي الهداية كما في الملتقى، وهو الموافق لما مر عن أبي يوسف في المحلة والدار من أن السكان يشاركون الملاك، وعلى ما في الدرر يحتاج أبو يوسف إلى الفرق، وقد ذكره الزيلعي بأن نزول العسكر هنا، للارتحال، فلا يعتبر والنزول في الدار للقرار فيعتبر. قوله: (وفيها) انظر ما مرجع الضمير فإني لم أر المسألة في الدرر ولا في الملتقى. قوله: (وهي على عاقلتهم) وكذا الدية وهو ظاهر ظ. قوله: (فعليه) أي القسامة والدية. ط عن الهندية. والظاهر أن الدية تتحملها عنه عاقلته، وهل عليه الكل أو تقسم على الرؤوس كما مر في الدار المشتركة؟ محرر. ثم رأيت في غاية البيان عن شرح الكافي أن القسامة على المدرك، وتكرر اليمين عليه لأنه من أهل ذلك، وعلى أقرب القبائل منهم الدية في الوجهين. وتمامه فيها. قوله: (ولو تعاقلوا) أي أهل الذمة. قوله: (فلا شيء فيها) أي لا غرامة ولا قسامة لورود النص في الآدمي على خلاف القياس فلا يقاس عليه غيره. قوله: (في دار مولاه) أما في غير ملك مولاه فتجب القسامة والدية. شرنبلالية. وتؤخذ القيمة في ثلاث سنين كما قدمه الشارح. قوله: (فقيمته على مولاه الخ) أي في ماله، لأن حق الغرماء كان متعلقاً بماليته وجعلناه كأنه أهلكه. ولوالجية. قوله: (على مولاه) أي دون العاقلة. خانية. قوله: (مؤجلة) أي في ثلاث سنين تقضي منها كتابته ويحكم بحريته وما بقي يكون ميراثاً عنه لورثته. خانية. قوله: (فعلى عاقلة المولى) أي الدية والقسامة. ط عن الهندية. قوله: (فالقسامة والدية على العاقلة) أي عاقلة ربّ الدار، وعبارة الخانية: ففيه القسامة والدية على العاقلة، والظاهر ٣٢٥ كتاب المعاقل كِتَابُ الْمَعَاقِلِ (هي جمع مَعْقُل) بفتح فسكون فضم (وهي الدية) وتسمى عقلاً لأنها تعقل الدماء من أن تسفك: أي تمسكه، ومنه العقل لأنه يمنع القبائح (والعاقلة أهل الديوان) أن قوله: والدية على العاقلة جملة مستأنفة، وأن القسامة على رب الدار إلا أن يحمل على أن عاقلته حاضرون، فتكون عليه وعليهم. وفي الولوالجية: وإذا وجد الرجل قتيلاً في دار الأب أو الأخ فالدية على عاقلته وإن كان هو الوارث ا هـ. والله أعلم. كِتَابُ المعاقِلِ كذا ترجم في عامة المعتبرات، وفيه أنه إذا كانت جمع معقلة وهي الدية لزم التكرار، لأن أقسام الديات مر مستوفى، والمقصود هنا بيان من تجب عليهم الدية بأنواعهم وأحكامهم وهم العاقلة، فالمناسب أن يترجم بالعواقل لأنه جمع عاقلة. طوري وشرنبلالية. قوله: (جمع معقلة) كمكارم جمع مكرمة. قوله: (لأنها تعقل الدماء من أن تسفك) أو لأن الإبل كانت تعقل بفناء وليّ المقتول، ثم عم هذا الاسم فسميت الدية معقلة، وإن كانت دراهم أو دنانير. إتقاني. قوله: (أي تمسكه) الأولى تمسكها، وفي بعض النسخ بدون ضمير. قوله: (والعاقلة أهل الديوان) قال في المغرب: الديوان: الجريدة من دون الكتب إذا جمعها، لأنها قطع من القراطيس مجموعة. ويروى أن عمر أول من دوّن الدواوين: أي رتب الجرائد للولاة والقضاة، ويقال فلان من أهل الديوان: أي ممن أثبت اسمه في الجريدة اهـ. وفي غاية البيان عن كافي الحاكم: بلغنا عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه فرض المعاقل على أهل الديوان، وذلك لأنه أول من فرض الديوان وجعل العقل فيه، وكان قبل ذلك على عشيرة الرجل في أموالهم ولم يكن ذلك منه تغييراً لحكم الشرع بل تقريراً له، لأنه عرف أن عشيرته كانوا يتحملون بطريق النصرة، فلما كان التناصر بالرايات جعل العقل عليهم، حتى لا يجب على النسوان والصبيان لأنه لا يحصل بهم التناصر ا هـ. وفي المعراج طعن بعض الملحدين وقال: لا جناية من العاقلة، فتكون في مال القاتل لقوله تعالى ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥] قلنا: إيجابها عليهم مشهور ثبت بالأحاديث المشهورة، وعليه عمل الصحابة والتابعين، فيزاد به على الكتاب، على أن العاقلة يتحملون باعتبار تقصيرهم وتركهم حفظه ومراقبته، وخصوا بالضم لأنه إنما قصر لقوته بأنصاره فكانوا هم المقصرين، وكانوا قبل الشرع يتحملون عنه تكرماً واصطناعاً ٣٢٦ كتاب المعاقل وهم العسكر، وعند الشافعي: أهل العشيرة وهم العصبات (لمن هو منهم فيجب عليهم كل دية وجبت بنفس القتل) خرج ما انقلب ما لا يصلح أو بشبهة كقتل الأب ابنه عمداً فديته في ماله كما مر في الجنايات (فتؤخذ من عطاياهم) أو من أرزاقهم، والفرق بين العطية والرزق أن الرزق ما يفرض في بيت المال بقدر الحاجة والكفاية مشاهرة أو مياومة، والعطاء ما يفرض في كل سنة لا بقدر الحاجة بل بصبره وعنائه في أمر الدين (في ثلاث سنين) بالمعروف، فالشرع قرر ذلك، وتوجد هذه العادة بين الناس، فإن من لحقه خسران من سرقة أو حرق يجمعون له مالاً لهذا المعنى ا هـ ملخصاً. قوله: (وهم العسكر) أي المراد بهم هنا العسكر. قال في الدر المنتقى: فالنساء والذرية ممن له حظ في الديوان، وكذا المجنون لا شيء عليهم من الدية. واختلف في دخولهم لو باشروا القتل مع العاقلة في الغرامة، والصحيح أنهم يشاركون العاقلة كما في الشرنبلالية عن التبيين ا هـ. قوله: (لمن هو منهم) أي يعقلون لقاتل هو منهم. قال في غرر الأفكار: فإن كان غازياً فعاقلته من يرزق من ديوان الغزاة، وإن كان كاتباً فعاقلته من يرزق من ديوان الكتاب اهـ. وقيده في الدر المنتقى كالقهستاني بكونه من أهل مصرهم لا من مصر آخر، وقيل مطلقاً. قلت: وفي الهداية: ولا يعقل أهل مصر لأهل مصر آخر إذا كان لأهل مصر ديوان على وحدة. وقال الإتقاني: وهذا إذا كان ديوان كل واحد من المصرين مختلفاً لأنه لم يوجد التناصر بينهما حينئذ، وأما إذا كان دیوانهما واحداً وكان الجاني من أهل دیوان ذلك المصر الآخر يعقل عنه أهل ذلك المصر. قوله: (خرج ما انقلب مالاً الخ) أي خرج القتل الذي انقلب موجبه إلى المال بعارض صلح أو شبهة فإنه لم يجب بنفس القتل فلا تتحمله العاقلة كما يأتي. قوله: (فتؤخذ عن خطاياهم أو من أرزاقهم) أي لا من أصول أموالهم. قال في الهداية: ولو كانت عاقلة رجل أصحاب الرزق يقضي بالدية في أرزاقهم في ثلاث سنين، لأن الرزق في حقهم بمنزلة العطاء، ثم ينظر إن كانت تخرج أرزاقهم في كل سنة، فكلما خرج رزق يؤخذ منه الثلث بمنزلة العطاء، أو في كل ستة أشهر يؤخذ منه سدس الدية، أو في كل شهر يؤخذ بحصته من الشهر حتى يكون المستوفى في كل سنة مقدار الثلث، وإن كان لهم أرزاق في كل شهر وأعطية في كل سنة فرضت في الأعطية لأنه أيسر، لأن الأعطية أكثر والرزق لكفاية الوقت فتعسر الأداء منه اهـ. قوله: (والفرق الخ) وقيل العطية: ما يفرض للمقاتل، والرزق: ما يجعل لفقراء المسلمين إذا لم يكونوا مقاتلين، ونظر فيه الإتقاني. قوله: (في ثلاث سنين) اعلم أن الواجب إذا كان ثلث الدية أو أقل يجب في سنة واحدة، وما زاد على الثلث إلى تمام الثلثين في السنة الثانية، وما ٣٢٧ كتاب المعاقل من وقت القضاء، وكذا ما يجب في مال القاتل عمداً بأن قتل الأب ابنه يؤخذ في ثلاث سنين عندنا، وعند الشافعي تجب حالاً (فإن خرجت العطايا في أكثر من ثلاث أو أقل تؤخذ منه) لحصول المقصود (وإن لم يكن) القاتل (من أهل الديوان فعاقلته قبيلته) وأقاربه وكل من يتناصر هو به. تنوير البصائر. زاد على ذلك إلى تمام الدية في السنة الثالثة. هداية. وفيها: ولو قتل عشرة رجلاً خطأ فعلى كل واحد عشر الدية في ثلاث سنين اعتبار للجزء بالكل. قوله: (من وقت القضاء) أي بالدية لا من يوم القتل والجناية كما قال الشافعي. غرر الأفكار. قوله: (فإن خرجت العطايا الخ) ذكر في المجمع ودرر البحار أنها تؤخذ في ثلاث سنين، سواء خرجت في أقل أو أكثر. قال في غرر الأفكار: لكن في الهداية وغيرها أنه إن أعطيت العطايا في ثلاث سنين مستقبلة بعد القضاء بالدية في سنة واحدة، أو في أربع سنين تؤخذ الدية كلها منها في سنة واحدة أو أربع سنين، لأن وجوبها في العطاء للتخفيف، وذا حاصل في أيّ وقت أخذ، فعلى هذا كان المراد من ثلاث سنين ثلاث أعطية، ولو اجتمعت عطايا سنين ماضية قبل القضاء بالدية ثم خرجت بعد القضاء لا تؤخذ منها، لأن الوجوب بالقضاء اهـ. أقول: فعلى هذا يفرق بين العطاء والرزق، فإن الرزق إذا خرج في أقل من ثلاث سنين يؤخذ بقدره كما قدمناه، فالسنين فيه على حقيقتها، بخلاف العطاء. تأمل. ثم رأيت التصريح بالفرق في المجتبى معللاً بأن الرزق لما كان مقدراً بالكفاية لزم الخرج بالأخذ منه في أقل من ثلاث سنين. قوله: (وكل من يتناصر هو به) قال في الهداية والتبيين: ويعقل أهل كل مصر عن أهل سوادهم لأنهم أتباع لأهل المصر، فإنهم إذا حزبهم أمر استنصروا بهم فيعقلونهم أهل المصر باعتبار معنى القرب والنصرة، ومن كان منزله بالبصرة وديوانه بالكوفة عقل عنه أهل الكوفة، لأنه يستنصر بأهل ديوانه لا بجيرانه . والحاصل: أن الاستنصار بالديوان أظهر، فلا يظهر معه حكم النصرة بالقرابة والنسب والولاء وقرب السكنى، وبعد الديوان النصرة بالنسب، وعلى هذا يخرج كثير من مسائل المعاقل. منها: أخوان ديوان أحدهما بالبصرة وديوان الآخر بالكوفة، لا يعقل أحدهما عن صاحبه وإنما يعقل عنه أهل ديوانه. ومن جنى جناية من أهل البصرة وليس له في أهل الديوان عطاء وأهل البادية أقرب إليه نسباً ومسكنه المصر عقل عنه أهل الديوان من ذلك المصر، ولم يشترط أن يكون بينه وبين أهل الديوان قرابة، لأن أهل الديوان هم الذين يذبون عن أهل المصر ويقومون بنصرتهم. وقيل إذا لم يكونوا قريباً له لا يعقلونه، وإنما يعقلونه إذا كانوا قريباً له وله في البادية أقرب منهم نسباً، لأن الوجوب بحكم القرابة، وأهل المصر أقرب منهم مكاناً فكانت القدرة على النصرة لهم، وصار نظير ٣٢٨ كتاب المعاقل (وتقسم) الدية (عليهم في ثلاث سنين لا يؤخذ في كل سنة إلا درهم أو درهم وثلث، ولم تزد على كل واحد من كل الدية في ثلاث سنين على أربعة) على الأصح، ثم السنين بمعنى العطيات. قهستاني. فليحفظ (فإن لم تسع القبيلة لذلك ضم إليهم أقرب القبائل نسباً على ترتيب العصبات والقاتل) عندنا (كأحدهم ولو) القاتل (امرأة أو صبياً أو مجنوناً) فيشاركهم على الصحيح. زيلعي (وعاقلة المعتق قبيلة سيده ويعقل عن مولى الموالاة مولاه) وقبيلة مولاه. مسألة الغيبة المنقطعة ا هـ: أي أن للوليّ الأبعد أن يزوّج إذا كان الأقرب غائباً. عناية. وذكر الإتقاني أن القول الثاني أصح. قوله: (على الأصح) وقيل يؤخذ من كل واحد في كل سنة ثلاثة دراهم أو أربعة كما في الملتقى. قوله: (ثم السنين الخ) كان المناسب أن يذكره بالفاء عقب قوله ((فإن خرجت العطايا الخ)». قوله: (فإن لم تسع القبيلة لذلك) أي بأن تكون قلائل فتصير الحصة أكثر من ثلاثة أو أربعة. در منتقى. ثم عبارة الهداية وغيرها ((تتسع)) بتاءين في أوله، فكان على المصنف التعبير به أو حذف اللام من قوله ((لذلك)) والقبيلة غير قيد. قال في الهداية: وعلى هذا حكم الرايات إذا لم تتسع لذلك أهل راية ضم إليهم أقرب الرايات: يعني أقربهم نصرة إذا حز بهم أمر الأقرب فالأقرب، ويفوّض ذلك إلى الإمام لأنه هو العالم به اهـ. قوله: (على ترتيب العصبات) فيقدم الإخوة ثم بنوهم ثم الأعمام ثم بنوهم. مثلًا: إذا كان الجاني من أولاد الحسين رضي الله عنه، ولم يتسع حيه لذلك ضم إليه قبيلة الحسن رضي الله عنه ثم بنوهم، فإن لم تتسع هاتان القبيلتان له ضم عقيل ثم بنوهم كما في الكرماني، وآباء القاتل وأبناءه لا يدخلون في العاقلة، وقيل يدخلون، وليس أحد الزوجين عاقلاً للآخر. وتمامه في القهستاني. قوله: (والقاتل عندنا كأحدهم) يعني إذا كان من أهل العطاء، أما إذا لم يكن فلا شيء عليه من الدية عندنا أيضاً. ذكره في المبسوط. وعند الشافعي: لا شيء عليه مطلقاً. معراج. قوله: (فيشاركهم على الصحيح) تقدم في القسامة أنه اختيار المتأخرين، ومشى في الهداية هنا على عدم المشاركة. قال في الكفاية: وهو اختيار الطحاوي وهو الأصح، وهو أصل رواية محمداهـ. لكن ذكر في العناية أن ما تقدم إنما هو فيما إذا وجد القتيل في دار امرأة فأدخلها المتأخرون مع العاقلة لتقديرها قاتلة بسبب وجوب القسامة، أما ما هنا فهو فيما إذا كانت قاتلة حقيقة، الفرق أن القسامة تستلزم وجوب الدية على المقسم، إما بالاستقلال أو بالدخول أو العاقلة عندنا بالاستقراء، وقد تحقق الملزوم لتحقق اللازم، بخلاف القتل مباشرة فإنه قد لا يستلزم الدية ١ هـ ملخصاً. وعليه فليس في المسألة اختلاف تصحيح لاختلاف الموضوع، فتأمل. قوله: (قبيلة سيده) أي مع سيده كما في الشرنبلالية عن ٣٢٩ كتاب المعاقل (و) اعلم أنه (لا تعقل عاقلة جناية عبد ولا عمد) وإن سقط قوده بشبهة أو قتله ابنه عمداً كما مر (ولا ما لزم بصلح أو اعتراف) ولا ما دون نصف عشر الدية لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تعقل العواقل عمداً ولا عبداً ولا صلحاً ولا البرهان. وعبارة الملتقى: وعاقلة المعتق، ومولى الموالاة مولاه وعاقلته، وهي أخصر وأظهر. قوله: (جناية عبد) من إضافة المصدر إلى فاعله، وأما إذا جنى حرّ على نفس عبد فسيأتي ط. قوله: (ولا عمد) أي في النفس أو الطرف، فإن العمد لا يوجب التخفيف بتحمل العاقلة فوجب القود به. قهستاني. تنبيه: قال في الأشباه: لا تعقل العاقلة العمد إلا في مسألة ما إذا عفا بعض الأولياء وصالح، فإن نصيب الباقين ينقلب مالاً وتتحمله العاقلة اهـ. أقول: وقد قدمنا في باب القود فيما دون النفس عن العلامة قاسم أنه خلاف الرواية ولم يقل به أحد، والذي في سائر الكتب أنه في مال القاتل، فتنبه. قوله: (أو قتله ابنه عمداً) الأولى كقتله كما عبر به فيما مر آنفاً ليكون تمثيلاً للشبهة. ومنها: ما إذا قتلا رجلاً وأحدهما صبيّ أو معتوه والآخر عاقل بالغ أو أحدهما بحديد والآخر بعصاً. قوله: (ولا ما لزم بصلح) أي عن دم عمد و خطأ اهـ ط. فإنه على القاتل حالًا إلا إذا أجل. قهستاني. قوله: (أو اعتراف) أي بقتل خطأ فإنه على المقرّ في ثلاث سنين. قهستاني. قوله: (ولا ما دون نصف عشر الدية) أي ما دون أرش الموضحة وهو خمسمائة، وهذا خاص فيما دون النفس. أما بدل النفس فتحمله العاقلة وإن قل، كما لو قتل مائة رجلًاً حراً فعلى عاقلة كل مائة درهم، أو قتل رجل عبداً قيمته مائة مثلاً لزمت العاقلة، لأن بدل النفس ثبت بالنص وجوبه على العاقلة ا هـ ملخصاً من العناية والكفاية. تنبيه: قدم الشارح قبيل فصل الجنين أن الصحيح أن حكومة العدل لا تتحملها العاقلة مطلقاً: أي وإن بلغت أرش الموضحة، وذكر الإتقاني عن الكرخي: أن العاقلة لا تعقل جناية وقعت في دار الحرب فالدية في مال الجاني. قوله: (لقوله عليه الصلاة والسلام الخ) ذكره فقهاؤنا في كتبهم عن ابن عباس موقوفاً ومرفوعاً، لكن قيل إنه من كلام الشعبي. قال في القاموس: وقول الشعبي: لا تعقل العاقلة عمداً ولا عبداً، وليس بحديث كما توهم الجوهري معناه: أن يجني الحرّ على عبد لا العبد على حر كما توهم أبو حنيفة، لأنه لو كان المعنى على ما توهم لكان الكلام: لا تعقل العاقلة عن عبد، ولم يكن ولا تعقل عبداً. قال الأصمعي: كلمت في ذلك أبا يوسف بحضرة الرشيد فلم يفرق بين عقلته وعقلت عنه حتى فهمته ا هـ: أي لأنه يقال عقلت القتيل: إذا أعطيت ديته، وعقلت عن فلان: إذا لزمته دية فأعطيتها عنه. وأجيب بأن عقلته يستعمل بمعنى عقلت عنه، ويدل عليه السياق، وهو قوله ((عمداً)) وكذا السياق، وهو: ولا صلحاً ولا اعترافاً ٣٣٠ كتاب المعاقل اعترافاً ولا ما دون أرش الموضحة بل الجاني)» (إلا أن يصدقوه في إقراره أو تقوم حجة) وإنما قبلت بالبيئة هنا مع الإقرار مع أنها لا تعتبر معه، لأنها تثبت ما ليس بثابت بإقرار المدعى عليه وهو الوجوب على العاقلة (ولو تصادق القاتل وأولياء المقتول على أن قاضي بلد كذا قضى بالدية على عاقلته بالبيئة وكذبهما العاقلة فلا شيء عليها) أي على العاقلة، لأن تصادقهما ليس بحجة عليهم ولا عليه في ماله إلا حصته، لأن تصادقهما حجة في حقهما. زيلعي. واعلم أن الخصم في ذلك هو الجاني، لأن الحق عليه، ولو كان صبياً فالخصم أبوه. خانية. قلت: يؤخذ من قوله الخصم هو الجاني لا العاقلة جواب حادثة الفتوى، وهي أن صبياً فقأ عين صبية فماتت فأراد وليها تحليف العاقلة على نفي فعل الصبي. والجواب أنه لا تحليف لأن ذلك فرع صحة الدعوى وهي غير متوجهة على العاقلة، لأن معناه عن عمد، وعن صلح وعن اعتراف. تأمل. والأحسن أن يجاب بأنه من الحذف والإيصال، والأصل عن عبد. وأقوى دليل على ذلك ما رواه الإمام محمد في موطئه بقوله: حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لا تعقل العاقلة عمداً ولا صلحاً ولا اعترافاً ولا ما جنى المملوك اهـ. فقد جعل الجاني مملوكاً. قوله: (بل الجاني) ليس من لفظ الحديث، وإنما هو عطف على جملة قوله ((واعلم أنه لا تعقل عاقلة جناية عبد الخ)) أي بل يتحمل ذلك الجاني وحده: أي ولو حكما كمولى العبد كما أفاده القهستاني، أو هو عطف على قوله ((ولا ما لزم بصلح أو اعتراف» وأتى به ليربط قول المصنف ((إلا أن يصدقوه)) بما قبله من المتن. قوله: (أو تقوم حجة) هذا إذا أقامها قبل أن يقضي بها القاضي: أي بالدية على المقر، أما لو قضي بها في ماله ثم أقامها ليحولها إلى العاقلة لم يكن له ذلك، لأن المال قد وجب عليه بقضاء القاضي فلا يكون له أن يبطل قضاءه ببينته. صرح به في المبسوط اهـ. رملي. قوله: (بإقرار المدعى عليه) متعلق بثابت وضمير وهو عائد على ما. قوله: (ولا عليه في ماله) معطوف على قوله فلا شيء عليها، والضمير للقاتل. قوله: (لأن تصادقهما) علة للزوم القاتل حصة فقط، وإنما لم يلزم جميع الدية كما في المسألة الأولى، لأنه لم يوجد التصديق من الوليّ بالقضاء بالدية على العاقلة في الأولى وقد وجد هنا فافترقا. أفاده الزيلعي. قوله: (في ذلك) أي في دعوى القتل ط. قوله: (لأن الحق عليه) أي وإنما يثبت على العاقلة بطريق التحمل. خانية. قوله: (لا العاقلة) هذا ليس في عبارة الخانية، لكنه أخذه من مفهوم الحصر في قوله ((هو الجاني)). قوله: (وهي غير متوجهة على العاقلة) بل على أبيه ٣٣١ كتاب المعاقل وبقي هنا شيء وهو أن العاقلة لو أقرّوا بفعل الجاني هل يصح إقرارها بالنسبة إليهم حتى يقضى عليهم بالدية أم لا؟ فإن قلنا: نعم ينبغي أن يجري الحلف في حقهم لظهور فائدته قاله المصنف بحثاً فليحرر (وإن جنى حرّ على نفس عبد خطأ فهي على عاقلته) يعنى إذا قتله، لأن العاقلة لا تتحمل أطراف العبد. وقال الشافعي: لا تتحمل النفس أيضاً (ولا يدخل صبي وامرأة ومجنون في العاقلة إذا لم يتناصروا) يعني لو القاتل غيرهم وإلا فيدخلون على الصحيح كما مر (ولا يعقل كافر عن مسلم ولا بعكسه) لعدم التناصر (والكفار يتعاقلون فيما بينهم وإن اختلفت مللهم) لأن الكفر إن كان له أب، وظاهره أنه لا يلزم شيء بتلك الدعوى ط. قوله: (وبقي هنا شيء الخ) تخريج للجواب من وجه آخر محصله: أنا إذا قلنا بصحة إقرارهم يلزم جريان الحلف، لأن القاعدة أن كل موضع لو أقرّ به لزمه، فإذا أنكر يستحلف إلا في اثنتين وخمسين صورة تقدمت آخر الوقف ليست هذه منها، لكن أورد عليه أن الخصم هو الجاني كما مر، ولا يستحلف من ليس بخصم، ومقتضاه أن لا يصح إقرارهم، ووجهه أن الدية إنما تلزمهم بطريق التحمل عن القاتل، فإقرارهم في الحقيقة إقرار عليه، فإذا لم يصلح إقرارهم عليه لم يلزمهم موجبه، إذ لا يمكن تحمل ما ليس بثابت، بخلاف ما إذا أقرّ بالقتل وصدقوه فإنه يلزمهم كما مر، لأن تصديقهم ألزمهم تحمل ما هو ثابت بإقراره هذا. والذي حرره العلامة الرملي: لزوم التحليف على نفي العلم لما صرّحوا به من أنه لو قال كفلت بما لك على زيد وأقر الكفيل بأن له على زيد كذا وأنكره زيد ولا بينة لزم الكفيل دون الأصيل، فبه علم أن الإقرار إذا وجد نفاذاً على المقر لا يتوقف على الأصل، إذ هو حجة وإن كانت قاصرة، ومسألتنا نظير هذه. قال: وقد ظفرت بالنقل، ففي الثالث من جامع الفصولين: دعوى القتل الخطأ على القاتل تسمع، والبينة عليه تقبل بغيبة العاقلة، ودعوى الدية على العاقلة بغيبة القاتل هل يصح؟ فعلى قياس ما كتبناه عن بغ في آخر الفصل السادس ينبغي أن لا تصح دعواه كل الدية عليهم ا هـ ملخصاً: أي فإن مفهومه أن تصح بقدر ما يخصهم من الدية. تأمل. قوله: (قاله المصنف) أي قال قلت يؤخذ إلى هنا. قوله: (يعني إذا قتله الخ) لا حاجة إليه مع قول المتن ((نفس عبد) اهـ ح. نعم ذكر الزيلعي ذلك على عبارة الكنز، لأنه ليس فيها ذكر النفس، فكان المناسب للشارح أن يقول: قيد بالنفس لأن العاقلة الخ. قوله: (لا تتحمل أطراف العبد) لأنه يسلك بها مسلك الأموال، ولذا لا يجري فيها القصاص بين الحر والعبد. إتقاني. قوله: (إذا لم يتناصروا) كذا فيما رأيت من النسخ، وصوابه ((إذا لم يباشروا)) لأنهم عللوا عدم دخولهم في العاقلة بأنهم ليسوا من أهل النصرة، ولهذا كان أصل الرواية عدم دخولهم وإن باشروا كما قدمنا تقريره. قوله: (وإن اختلفت مللهم) قيده في الملتقى بقوله: إن لم ٣٣٢ كتاب المعاقل كله ملة واحدة: يعني إن تناصروا، وإلا ففي ماله في ثلاث سنين كالمسلم كما بسطه في المجتبى، وإذا لم يكن للقاتل عاقلة كلقيط وحربي أسلم (فالدية في بيت المال) في ظاهر الرواية، وعليه الفتوى: درر وبزازية: وجعل الزيلعي رواية وجوابها في ماله رواية شاذة. قلت: وظاهر ما في المجتبى عن خوارزم من أن تناصرهم قد انعدم وبيت المال قد انهدم يرجح وجوبها في ماله، فيؤدي في كل سنة ثلاثة دراهم أو أربعة كما نقله في المجتبى عن الناطفي. قال: وهذا حسن لا بد من حفظه، وأقره المصنف تكن العداوة بين الملتين ظاهرة كاليهود مع النصارى ا هـ. وهو مستفاد من قول الشارح: (يعني إن تناصروا). قوله: (كالمسلم) عبارة الإتقاني وغيره: وإلا ففي ماله في ثلاث سنين من يوم يقضي به كما في المسلم، وهذا في الذمي، أما المسلم ففي بيت المال. قوله: (كما بسطه في المجتبى) حيث قال: لأن الوجوب في الأصل على القاتل، وإنما يتحوّل على العاقلة بالقضاء، فإذا لم يوجد له عاقلة بقيت الدية عليه، كتاجرين مسلمين في دار الحرب قتل أحدهما صاحبه فعقله في ماله اهـ. قوله: (وحربيّ أسلم) أي ولم يوال أحداً. قوله: (فالدية في بيت المال) لأن جماعة المسلمين هم أهل نصرته، ولهذا إذا مات كان ميراثه لبيت المال، فكذا ما يلزمه من الغرامة يلزم بيت المال. زيلعي وهداية. ومفاده أنه لو له وارث معروف لا يلزم بيت المال ويأتي التصريح به. قوله: (وجعل الزيلعي) وكذا صاحب الهداية وغيره. قوله: (عن خوارزم) أي حاكياً عن حال أهل خوارزم ا هـ ح. وعبارة المجتبى: قلت: وفي زماننا بخوارزم لا يكون إلا في مال الجاني، إلا إذا كان من أهل قرية أو محلة يتناصرون، لأن العشائر فيها قد وهت ورحمة التناصر من بينهم قد رفعت وبيت المال قد انهدم. نعم أسامي أهلها مكتوبة في الديوان ألوفاً ومئات لكن لا يتناصرون به فتعين أن يجب في ماله اهـ. قوله: (يرجح وجوبها في ماله) خبر قوله ((وظاهر)) قلت: ولا حاجة إلى جعله ترجيحاً للرواية الشاذة، بل يمكن ترجيح ما ذكر على ظاهر الرواية، فإن أصل الوجوب على القاتل، وحيث لا عاقلة تتحمل عنه ولا بيت مال يدفع منه يؤخذ ذلك من ماله كما مر في الذمي، فظاهر الرواية مبني على انتظام بيت المال، وإلا لزم إهدار دماء المسلمين، فتدبر. ثم رأيته كذلك في مختصر النقاية وشروحها للقهستاني حيث قال: ومن لا عاقلة له: أي من العرب والعجم يعطي الدية من بيت المال إن كان موجوداً أو مضبوطاً، وإلا: أي وإلا یکن کذلك فعلى الجاني. قوله: (فیؤدي في كل سنة الخ) فظاهره عدم التقيد بثلاث سنين وإلا فعلى من يكون الباقي، على أنه مع هذا هو مشكل أيضاً، لأنه إذا أدى في كل سنة من عمره ثلاثة دراهم أو أربعة فمتى تنقضي الدية، وإذا مات فهل يسقط الباقي أو يؤخذ من تركته أو من غيرها؟ لم نر من أوضح هذا المقام. قوله: (قال) أي صاحب المجتبى ونصه. قلت: وهذا حسن لا بد من حفظه، ٣٣٣ كتاب المعاقل فليحفظ، فقد وقع في كثير من المواضع أنها في ثلاث سنين، فافهم، وهذا (إذا كان) القاتل (مسلماً) فلو ذمياً ففي ماله إجماعاً. بزازية (ومن له وارث معروف مطلقاً) ولو بعيداً أو محروماً برقّ أو كفر (لا يعقله بيت المال) وهو الصحيح كما بسطه في الخانية (ولا عاقلة للعجم) وبه جزم في الدرر، قاله المصنف لعدم تناصرهم، وقيل لهم عواقل لأنهم يتناصرون كالأساكفة والصيادين والصرافين والسراجين، فأهل محلة القاتل وصنعته عاقلته، وكذلك طلبة العلم. قلت: وبه أفتى الحلواني وغيره. خانية. زاد في المجتبى: والحاصل أن التناصر أصل في هذا الباب ومعنى التناصر أنه إذا حز به أمر قاموا معه في كفايته. فقد رأيت في كثير من المواضع أنه يجب الدية في ماله في ثلاث سنين ا هـ. أقول: وجوبها في ماله في ثلاث سنين هو الموافق لما ذكروه في الذمي، ولا إشكال فيه، فليتأمل. فما ذكره في كثير من المواضع هو الأعدل فعنه لا يعدل. قوله: (وهذا) أي وجوبها في بيت المال أو الخلاف في وجوبها في بيت المال أو في ماله. قوله: (فلو ذمياً) أي لا عاقلة له. قوله: (ومن له وارث معروف) هذا قيد آخر لقوله ((وإن لم يكن للقاتل عاقلة فالدية في بيت المال)) كما نبه عليه قاضيخان، حيث ذكر أن ما سبق محمول على ما إذا لم يكن للقاتل وارث معروف بأن كان لقيطاً أو من يشبهه أ هـ. وقدمنا أنه مفاد كلام الزيلعي والهداية، وبحث الرملي بأنه مخالف لإطلاق عامة الكتب وأطال في ذلك، ولكن قاضيخان من أجل من يعتمد على تصحيحه لأنه فقيه النفس كما قال العلامة قاسم. قوله: (أو محروماً برق أو كفر) كمستأمن اشترى عبداً مسلماً فأعتقه ثم رجع المستأمن إلى داره فاسترق ثم جنى العتيق فهو في ماله، لأن له وارثاً معروفاً وهو المعتق، مع أن ميراثه لو مات لبيت المال لأن معتقه رقيق في الحال أفاده في الخانية عن الأصل. وكذا لو كان المعتق ذمياً يكون العقل في مال الجاني أيضاً لما مر أن الكافر لا يعقل المسلم، فلا يرد ما مر من أن عاقلة العتيق قبيلة سيده. كذا ظهر لي. قوله: (لا يعقله بيت المال) بل يكون في ماله، وإن كان له وارث مستحق كما يستفاد مما قررناه: فإنه إذا ورثه بيت المال ولم يعقله، فإذا لم يرثه فعقله في ماله بالأولى، ولا شيء على الوارث لأن فرض المسألة فيمن لا عاقلة له. قوله: (ولا عاقلة للعجم) جمع عجمي وهو خلاف العربي وإن کان فصیحاً. مغرب. قوله: (وبه جزم في الدرر) وهو قول أبي بكر البلخي وأبي جعفر الهندواني، لأن العجم لم يحفظوا أنسابهم، ولا يتناصرون فيما بينهم، وليس لهم ديوان، وتحمل الجناية على الغير عرف، بخلاف القياس في حق العرب، وبه أخذ الأستاذ ظهير الدين. خانية. قوله: (عاقلته) أي إذا كانوا يتناصرون فيما بينهم ط. ولا تنس ما مر من أنه لا يؤخذ في كل سنة من كل واحد من العاقلة أكثر من درهم أو درهم وثلث. قوله: (إذا حز به أمر) في المغرب حز بهم أمر: أصابهم من ٣٣٤ کتاب الوصايا وتمامه فيه . وفي تنوير البصائر معزياً للحافظية: والحق أن التناصر فيهم بالحرف فهم عاقلته إلى آخره فليحفظ، وأقره القهستاني، لكن حرر شيخ مشايخنا الحانوتي إن التناصر منتف الآن لغلبة الحسد والبغض وتمني كل واحد المكروه لصاحبه، فتنبه. قلت: وحيث لا قبيلة ولا تناصر فالدية في ماله أو بيت المال. كِتَابُ الوَضَايَا(١) يعم الوصية والإيصاء، يقال: أوصى إلى فلان: أي جعله وصياً، والاسم باب طلب. قوله: (وتمامه فيه) حيث قال: وإن كان له متناصرون من أهل الديوان والعشيرة والمحلة والسوق، فالعاقلة أهل الديوان ثم العشيرة ثم أهل المحلة، وبه قال الناطفي ط. قوله: (والحق الخ) قلت: المدار على التناصر كما ذكروه، فمتى وجد بطائفة فهم عاقلته، وإلا فلا ط. قوله: (لكن حرر الخ) هو تأييد لما جزم به في الدرر. قوله: (فالدية فيمطاله) أي عند عدم وجود بيت المال أو عدم انتظامه كما قدمناه. والله تعالى أعلم. كِتَابُ الوضایا يراده آخر الكتاب ظاهر المناسبة، لأن آخر أحوال الآدمي في الدنيا الموت، والوصية معاملة وقت الموت، وله زياد اختصاص بالجنايات والديات، لما أن الجناية قد تفضي إلى الموت الذي وقته وقت الوصية. عناية. والمراد هنا أنه آخر نسبي. نعم على ما في الهداية هو حقيقي لأنه لم يذكر فيها الفرائض، لكن فيه أنه ذكر في الهداية بعده كتاب الخنثى فهو نسبي أيضاً كما أفاده الطوري. قوله: (يعم الوصية والإيصاء الخ) في المغرب: أوصى إلى زيد بكذا إيصاء ووصى به توصية، والوصية والوصاة اسمان في معنى المصدر، ثم سمى الموصى به وصية، والوصاية بالكسر مصدر لوصي، وقيل الإيصاء: طلب الشيء من غيره ليفعله علی غیب منه حال حياته وبعد وفاته. وفي حديث الظهار: استوصى بابن عمك خيراً: أي اقبلي وصيتي فيه، وانتصاب (١) الوصايا الغة: جمع وصية، قال ابن القطاع: يقال: وصَّيْتُ إليه وصّاية ووصيَّة، وَوَصَّيْتُهُ، وأَوْصَيْتُه، وأوْصَيْتُ إليه، وَوَصَيْتُ الشيء بالشي وَصياً: وَصَلْتُهُ. قال الأزهري: وسُميت الوصية وصية، لأن الميت لما أوصى بها، وصَلَ ما كان فيه مِن أيام حياته بما بعده من أيام مماته، يقال: وصّى وأوصى بمعنى، ويقال: وصى الرجل أيضاً، والاسم: الوصيّة والوصاة. انظر: المصباح المنير ٦٦٢/٢، الصحاح ٢٥٢٥/٦، والمغرب ٣٥٧/٢، لسان العرب: ٤٨٥٣/٦. اصطلاحاً: عرفها الحنفية بأنها: تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع. عرفها الشافعية بأنها: تبرع بحق مضاف ولو تقديراً لما بعد الموت. عرفها المالكية بأنها: عقد يوجب حقاً في ثلث عاقده يلزم بموته أو نيابة عنه بعده. عرفها الحنابلة بأنها: الأمر بالتصرف بعد الموت. انظر: شرح فتح القدير ٤١٦/٨، شرح فتح الجليل ٤/ ٦٤٢، كشاف القناع ٣٣٥/٤. ٣٣٥ کتاب الوصايا منه الوصاية وسيجيء في باب مستقل، وأوصى لفلان بمعنى ملكه بطريق الوصية، فحينئذ (هي تمليك مضاف إلى ما بعد الموت) عيناً كان أو ديناً. قلت: يعني بطريق التبرّع ليخرج نحو الإقرار بالدين فإنه نافذ من كل المال كما سيجيء، خيراً على المصدر: أي استيصاء خير اهـ. وفي المصباح: وصيت إلى فلان توصية وأوصيت إليه إيصاء، والاسم الوصاية بالكسر والفتح لغة، وأوصيت إليه بمال: جعلته له اهـ. وفي القاموس: أوصاه ووصاه توصية: عهد إليه، والاسم الوصاة والوصاية والوصية اهـ. ونقل الإمام النووي عن أهل اللغة: أنه يقال أوصيته ووصيته بكذا وأوصیت ووصيت له وأوصيت إليه: جعلته کوصياً. قلت: وبه ظهر أنه لا فرق في اللغة بين المتعدي بنفسه أو باللام أو بإلى في كلَّ منها يستعمل بمعنى جعلته وصياً، وإن المتعدي بإلى يستعمل بمعنى تمليك المال، وأن كلَّا من الوصية والإيصاء يأتي لهما، وأن التفرقة بين المتعدي باللام والمتعدي بإلى اصطلاحية شرعية كما يفهم من الدرر، وبه صرح الطوري عن بعض المتأخرين، وكأنهم نظروا في ذلك إلى أصل المعنى، فإن معنى أوصيت إليه: عهدت إليه بأمر أولادي مثلًا، ومعنى أوصيت له: ملكت له كذا، فعدوا كلَّ منهما بما يتعدى به ما تضمنا معناه. ثم اعلم: أن جمع وصية وصايا، وأصله وصابي، فقلبت الياء الأولى همزة لوقوعها بعد ألف مفاعل، ثم أبدلت كسرتها فتحة فانقلبت الياء الأخيرة ألفاً ثم أبدلت الهمزة ياء لكراهة وقوعها بين ألفين. بقي أن عمومه للوصية والإيصاء ليس على معنى أنه جمع لهما كما لا يخفى، بل على معنى أن الوصية تأتي اسماً من المتعدي بإلى والمتعدي باللام فجمعت على وصايا مراداً بها كل من المعنيين، فلا يرد أن ذكر باب الوصي في هذا الكتاب على سبيل التطفل. فليتأمل. قوله: (فحينئذ) تفريع على قوله ((بمعنى ملكه بطريق الوصية)) والأوضح أن يقول: وهي تمليك بزيادة واو، ويرجع الضمير إلى الوصية في كلامه ط. قوله: (عيناً كان أو ديناً) عبارة المنح وغيره ((عيناً أو منفعة)) اهـ ح. قوله: (بطريق التبرّع) متعلق بتمليك ا هـ ح. وهذا القيد ذكره الزيلعي تبعاً للنهاية. قوله: (ليخرج نحو الإقرار بالدين) أي الإقرار به لأجنبي، وفيه أن القائلين من علمائنا بأن الإقرار إخبار لا تمليك استدلوا بهذه المسألة، فإنه لو كان تمليكاً لزم أن لا ينفذ من كل المال كما أوضحناه في كتاب الإقرار، فحينئذ لا حاجة لإخراجه لأنه لم يدخل، والتحقيق أن قيد التبرّع لإخراج التملك بعوض كالبيع والإجارة، وأنه احترز بقوله ((مضاف إلى ما بعد الموت)) عن نحو الهبة، فإنها تمليك تبرع للحال. قوله: (كما سيجيء) أي في أول ٣٣٦ کتاب الوصايا ولا ينافيه وجوبها لحقه تعالى، فتأمله (وهي) على ما في المجتبى أربعة أقسام: (واجبة بالزكاة) والكفارة (و) فدية (والصيام والصلاة التي فرط فيها) ومباحة لغني ومكروهة لأهل فسوق (وإلا فمستحبة) ولا تجب للوالدين والأقربين، لأن آية البقرة منسوخة باية النساء. باب العتق في المرض. قوله: (ولا ينافيه الخ) جواب سؤال يرد على قوله ((يعني بطريق التبرع)) تقريره ظاهر، وأشار بقوله ((فتأمله)) إلى دقة الجواب، وذلك لأن الواجب لحقه تعالى لما سقط بالموت أشبه التبرع ولم یکن کديون العباد ا هـ ح. أقول: هذا مبني على أن المراد بالتبرّع: ما إن شاء فعله وإن شاء تركه، وعلى ما قدمناه يراد به ما كان مجاناً لا بمقابلة عوض، وبه يندفع السؤال. قوله: (وهي على ما في المجتبى) عبارته: والوصية أربعة أقسام واجبة كالوصية برد الودائع والديون المجهولة. ومستحبة كالوصية بالكفارات وفدية الصلاة والصيام ونحوها. ومباحة كالوصية للأغنياء من الأجانب والأقارب. ومكروهة كالوصية لأهل الفسوق والمعاصي ا هـ. وفيه تأمل لما قاله في البدائع: الوصية بما عليه من الفرائض والواجبات كالحج والزكاة والكفارات واجبة اهـ. شرنبلالية. ومشى الزيلعي على ما في البدائع. وفي المواهب: تجب على مديون بما عليه الله تعالى أو للعباد، وهذا ما مشى عليه المصنف خلافاً لما في المجتبى من التفرقة بين حقوقه تعالى وحقوق العباد، وما مر من سقوط ما وجب لحقه تعالى بالموت لا يدل على عدم الوجوب، لأن المراد سقوط أدائها، وإلا فهي في ذمته، فقول الشارح على ما في المجتبى: أي من حيث التقسيم إلى الأربعة. تأمل. قوله: (ومباحة لغني) لعل المراد إذا لم يقصد القربة، أما لو أوصى له لكونه من أهل العلم أو الصلاح إعانة له أو لكونه رحماً كاشحاً أو ذا عيال فينبغي ندبها. تأمل. قوله: (ومكروهة لأهل فسوق) يرد عليه ما في صحيح البخاري: لعل الغني يعتبر فيتصدق، والسارق يستغني بها عن السرقة، والزانية عن الزنا. وكان مراده ما إذا غلب على ظنه إنه يصرفها للفسوق والفجور اهـ. رحمتي. أقول: وظاهر ما مر أنها صحيحة، لکن سيأتي آخر باب الوصية للأقارب تعلیل القول ببطلان الوصية بتطيين القبر بأنها وصية بالمكروه، وسيأتي تمامه هناك. قوله: (وإلا فمستحبة) أي إذا لم يعرض لها ما يبطلها. قوله: (ولا تجب الخ) رد على من قال بوجوبها الوالدين والأقربين إذا كانوا ممن لا يرثون لآية البقرة، وهي قوله تعالى: ﴿گُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠] الآية، والمراد بآية النساء آية المواريث. وأخرج البخاري في صحيحه عن عطاء وابن عباس رضي الله تعالى عنهم قال: كان المال للولد، فكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله ذلك بأحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس، وروى في السنن مسنداً إلى أبي أمامة ٣٣٧ كتاب الوصايا (سببها) ما هو (سبب التبرّعات، وشرائطها كون الموصي أهلاً للتمليك) فلم تجز من صغير ومجنون ومكاتب، إلا إذا أضاف لعتقه كما سيجيء (وعدم استغراقه بالدين) لتقدمه على الوصية كما سيجيء (و) كون (الموصى له حياً وقتها) تحقيقاً أو تقديراً ليشمل الحمل الموصى له فافهمه، فإن به يسقط إيراد الشرنبلالية (و) كونه (غير وارث) وقت الموت (ولا قاتل) وهل يشترط كونه معلوماً. رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﴿ه يقول: ((إِنَّ اللَّهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةً لِوَارِثٍ))(١) وأخرجه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي: حسن. وهذا الحديث مشهور تلقته الأمة بالقبول، ونسخ الكتاب جائز عندنا بمثله. إتقاني. قوله: (سبيها ما هو سبب التبرعات) وهو تحصيل ذكر الخير في الدنيا ووصل الدرجات العالية في العقبي. نهاية. وهذا في المستحبة، أما الواجبة فالظاهر أن سببها سبب الأداء، وهو خطاب الله تعالى بأداء تلك الواجبات وقد قالوا: إن القضاء يجب بما يجب به الأداء، فتدبر. قوله: (أهلاً للتمليك) الأولى قول النهاية ((أهلاً للتبرع)). قوله: (كما سيجيء) أي بعد نحو ورقة. قوله: (وعدم استغراقه) أي الموصى به بالدين: أي إلا بإبراء الغرماء. قهستاني. قوله: (كما سيجيء) أي في المتن قريباً. قوله: (وقتها) أقول في التاتر خانية: الموصى له إذا كان معيناً من أهل الاستحقاق يعتبر صحة الإيجاب يوم أوصى، ومتى كان غير معين يعتبر صحة الإيجاب يوم موت الموصي، فلو أوصى بالثلث لبني فلان ولم يسمهم ولم يشر إليهم فهي للموجودين عند موت الموصي، وإن سماهم أو أشار إليهم فالوصية لهم، حتى لو ماتوا بطلت الوصية لأن الموصى له معين، فتعتبر صحة الإيجاب يوم الوصية ا هـ ملخصاً. قوله: (ليشمل الحمل) أي قبل أن تنفخ فيه الروح، إذ بعد النفخ يكون حياً حقيقة ا هـ ح. قوله: (إيراد الشرنبلالية) حيث قال: يرد عليه الوصية للحمل إذ يشترط وجوده لا حیاته، لأن نفخ الروح یکون بعد وجدانه وقتاً غير حي ا هـ ح. قوله: (وكونه غير وارث) أي إن كان ثمة وارث آخر وإلا تصح، كما لو أوصى أحد الزوجين للآخر ولا وارث غيره كما سيجيء قوله: (وقت الموت) أي لا وقت الوصية، حتى لو أوصی لأخيه وهو وارث ثم ولد له ابن صحت الوصية للأخ، ولو أوصى لأخيه وله ابن ثم مات الابن قبل موت الموصي بطلت الوصية: زيلعي. قوله: (ولا قاتل) أي مباشرة كالخاطىء والعامد، بخلاف المتسبب لأنه غير قاتل حقيقة، وهذا إذا كان ثمة وارث، وإلا صحت وكان القاتل مكلفاً، وإلا فتصح للقاتل لو صبياً أو مجنوناً كما سيأتي. قوله: (وهل يشترط كونه) أي كون الموصى له معلوماً: أي معيناً (١) أخرجه الطيالسي كما في المسند ١٥٤ (١١٢٧) وعبد الرزاق (١٦٣٠٦) وأحمد ٢٦٧/٥ وأبو داود ٢٩٠/٣ (٢٨٧٠) والترمذي ٤٣٢/٤ (٢١٢٠) وابن ماجه ٩٠٥/٢ (٢٧١٣) والبيهقي ٢٦٤/٦. ردالمحتار/ج٢٢٣/١٠ ٣٣٨ کتاب الوصايا قلت: نعم كما ذكره ابن سلطان وغيره في الباب الآتي (و) كون (الموصى به قابلًا للتمليك بعد موت الموصي) بعقد من العقود مالً أو نفعاً موجوداً للحال أو معدوماً، وأن يكون بمقدار الثلث. (وركنها قوله: أوصيت بكذا لفلان وما يجري مجراه من الألفاظ المستعملة فيها). شخصاً كزيد أو نوعاً كالمساكين، فلو قال أوصيت بثلثي لفلان أو فلان بطلت عنده للجهالة كما سيذكره قبيل وصايا الذمي. وفي الولوالجية: أوصت أن يعتق عنها أمة بكذا ويعطي لها من الثلث كذا: فإن كانت الأمة معينة جازت الوصيتان، وإلا جازت الوصية بالعتق دون المال إلا أن تفوّض ذلك إلى الوصي وتقول أعطها إن أحببت، فإن محمداً ذكر فيمن أوصى أن تباع أمته ممن أحببت تجبر الورثة على بيعها ممن أحبت، فإن أبى الرجل أن يأخذها بقيمتها يحط عنه مقدار ثلث مال الموصي ا هـ ملخصاً. قلت: يؤخذ منه أن الوصية لمجهول تصح عند التخيير، ووجهه ظاهر، فإن هذه الجهالة لا تفضي إلى المنازعة لارتفاعها بتعيين من له التخيير، بخلاف ما لو قال لرجل أو قال لزيد أو عمرو: تأمل. قوله: (بعقد) متعلق بالتمليك. قوله: (مالاً أو نفعاً الخ) تعميم للموصى به. قوله: (أم معدوماً) أي وهو قابل للتمليك بعقد من العقود. قال في النهاية: ولهذا قلنا بأن الوصية بما تثمر نخيله العام أو أبداً تجوز، وإن كان الموصى به معدوماً لأنه يقبل التمليك حال حياة الموصي بعقد المعاملة، وقلنا بأن وصيته بما تلد أغنامه لا تجوز استحساناً، لأنه لا يقبل التمليك حال حياة الموصي بعقد من العقود اهـ. وفي القهستاني: الموصى به إذا كان معيناً أو غير معين وهو شائع في بعض المال يشترط وجوده عند الوصية، وإن كان شائعاً في كله يشترط عند الموت، كما إذا أوصى بمعز من غنمي أو من مالي، فإنه يشترط وجود المعز في الأول عند الوصية وفي الثاني عند الموت اهـ. ومثله في التاترخانية. ويأتي تمامه في الباب الآتي. قوله: (وأن يكون بمقدار الثلث) أي إن كان ثمة وارث ولم يجزها بالأكثر، وبما قررناه ظهر أن هذه الشروط بعضها شروط لزوم وهي ما توقفت لحق الغير ونفذت بإجازته وبعضها شروط صحة. قوله: (وما يجري مجراه الخ) في الخانية قال: أوصيت لفلان بكذا ولفلان بكذا وجعلت ربع داري صدقة لفلان، قال محمد: أجيز هذا على الوصية: وقال أبو يوسف في سؤال عرض عليه. وأما قوله جعلت هو وصية لا يشترط فيها القبض والإفراز ا هـ ملخصاً. وفي النهاية: وأما بيان الألفاظ المستعملة فيها، ففي النوادر عن محمد: إذا قال اشهدوا أني أوصيت لفلان بألف درهم وأوصيت أن لفلان في مالي ألف درهم، فالأولى وصية والأخرى إقرار، وفي الأصل قوله سدس داري لفلان وصية، وقوله لفلان سدس ٣٣٩ کتاب الوصايا وفي البدائع: رَكنها الإيجاب والقبول. وقال زفر: الإيجاب فقط. قلت: والمراد بالقبول ما يعم الصريح والدلالة بأن يموت الموصى له بعد موت الموصي بلا قبول كما سيجيء (وحكمها كون الموصى به ملكاً جديداً للموصى له) كما في الهبة فيلزمه استبراء الجارية الموصى بها (وتجوز بالثلث للأجنبي) عند عدم المانع (وإن لم يجز الوارث ذلك لا الزيادة عليه إلا أن تجيز ورثته في داري إقرار، وعلى هذا قوله لفلان ألف درهم من مالي وصية استحساناً إذا كان في ذکر وصيته، وفي مالي إقرار، وإذا كتب وصيته بيده ثم قال: اشهدوا عليّ في هذا الكتاب جاز استحساناً، وإن كتبها غيره لم يجزاهـ ملخصاً. قوله: (وفي البدائع الخ) عبارتها على ما في الشرنبلالية. وأما ركن الوصية فقد اختلف فيه. قال أصحابنا الثلاثة: أي الإمام وصاحباه: هو الإيجاب والقبول، الإيجاب من الموصي والقبول من الموصى له، فما لم يوجد جميعاً لا يتم الركن. وإن شئت قلت: ركن الوصية الإيجاب من الموصي، وعدم الرد من الموصى له، وهو أن يقع اليأس عن رده، وهذا أشمل لتخريج المسائل. وقال زفر: الركن هو الإيجاب من الموصي فقط اهـ. وكلام المصنف تبعاً لشراح الهداية يشير إلى أن القبول شرط لا ركن، وما في البدائع هو الموافق لما يذكرونه في سائر العقود كالبيع ونحوه من أن الركن كل منهما. قوله: (قلت الخ) عزاه في الشرنبلالية إلى الخلاصة، والظاهر أن المراد بالقبول دلالة عدم الرد فهو بمعنى ما قدمناه عن البدائع من قوله: وإن شئت قلت الخ، ثم المعتبر في القبول والرد ما بعد الموت لا ما قبله كما سيأتي. قوله: (بأن يموت الخ) تصوير للدلالة، ومثله الوصية للحمل، وبقي لو الموصى له غير معين كالفقراء، والظاهر أن القبول غير شرط أو هو موجود دلالة. تأمل. قوله: (كما سيجيء) أي في الورقة الثانية. قوله: (وحكمها الخ) هذا في جانب الموصى له، أما في جانب الموصي فقد مر أنها أربعة أقسام: أفاده في الشرنبلالية. قال ط: وفيه أن المراد بالحكم هنا الأثر المترتب على الشيء وفيما مر ما يعبر عنه بالصفة. قوله: (عند عدم المانع) أي من قتل أو حرابة أو استغراق بالدين أو نحو ذلك. قوله: (لا الزيادة عليه الخ) فإذا أوصى بما زاد على الثلث ولم يكن إلا وارث يرد عليه وأجازها فالبقية له، وإن أجاز من لا يرد عليه ففرضه في البقية وباقيها لبيت المال، فلو أوصى بثلثي ماله وأجازت الزوجة فلها ربع الثلث واحد من اثني عشر مخرج الثلثين وربع الباقي، ولبيت المال ثلاثة ولزيد ثمانية. وتمامه في شرح السائحاني على منظومة ابن الشحنة في الفرائض. وإن لم تجز وأوصى لها أيضاً أو لا فقد أوضحه في الجوهرة، فراجعها. قوله: (إلا أن تجيز ورثته الخ) أي بعد العلم بما أوصى به، أما إذا علموا أنه أوصى بوصايا ولا يعلمون ما أوصى به فقالوا أجزنا ذلك لا تصح إجازتهم. خانية عن المنتقى. ونقل السائحاني عن المقدسي: ٣٤٠ کتاب الوصايا بعد موته) ولا تعتبر إجازتهم حال حياته أصلاً بل بعد وفاته (وهم كبار) يعني يعتبر كونه وارثاً أو غير وارث وقت الموت لا وقت الوصية، على عكس إقرار المريض إذا أجاز بعض الورثة جاز عليه بقدر حصته لو أجازت كل الورثة، حتى لو أوصى لرجل بالنصف وأجاز أحد وارثين مستويين كان للمجيز الربع ولرفيقه الثلث وللوصي له الثلث الأصلي ونصف السدس من قبل المجيزاهـ. ومثله في غاية البيان. تنبيه إذا صحت الإجازة بعد الموت يتملكه المجاز له من قبل الموصي عندنا، وعند الشافعي من قبل المجيز كما في الزيلعي، وسيجيء بيان ذلك آخر الباب الآتي. قوله: (ولا تعتبر الخ) أي لأنها قبل ثبوت الحق لهم، لأن ثبوته عند الموت فكان لهم أن يردوه بعد وفاته، بخلاف الإجازة بعد الموت لأنه بعد ثبوت الحق. وتمامه في المنح. وفي البزازية: تعتبر الإجازة بعد الموت لا قبله، هذا في الوصية؛ أما في التصرفات المفيدة لإحكامها كالإعتاق وغيره إذا صدر في مرض الموت وأجازه الوارث قبل الموت لا رواية فيه عن أصحابنا. قال الإمام علاء الدين السمرقندي: أعتق المريض عبده ورضي به الورثة قبل الموت لا يسعى العبد في شيء. وقد نصوا على أن وارث المجروح إذا عفى عن الجارح يصح ولا يملك المطالبة بعد موت المجروح اهـ. قوله: (وهم كبار) المراد أن يكونوا من أهل التصرف. ويأتي تمامه. قوله: (يعني يعتبر الخ) الأنسب جعل هذه مسألة مستقلة فيعبر بالواو ط . قلت: لعل الشارح يشير إلى أخذ ذلك من عبارة المصنف بجعل الظرف، وهو بعد موته مما تنازع فيه قوله ((تجيز)) وقوله ((ورثته)) ولما كان فيه خفاء أتى بلفظة ((يعني)) تأمل. قوله: (وقت الموت لا وقت الوصية) لأنها تمليك مضاف إلى من بعد الموت فيعتبر التمليك وقته. زيلعي. وقدمنا عنه التفريع على ذلك. قوله: (على عكس إقرار المريض) فيعتبر كونه وارثاً أو غير وارث عند الإقرار، حتى لو أقر لغير وارث جاز وإن صار وارثاً بعد ذلك، لكن بشرط أن يكون إرثه بسبب حادث بعد الإقرار، كما لو أقر لأجنبية ثم تزوجها، بخلاف ما إذا كان السبب قائماً لكن منع منه مانع ثم زال بعده، كما لو أقر لابنه الكافر أو العبد ثم أسلم أو عتق فإنه يبطل الإقرار كالوصية والهبة كما سيأتي متناً، فما ذكره الزيلعي وغيره تبعاً للنهاية من أنه لو أقر لابنه العبد لا يبطل بالعتق، لأن إرثه بسبب حادث بعد الإقرار ولأنه في المعنى إقرار لمولاه الأجنبي، فقد رده العلامة الإتقاني" بأنه سهو لا يصح نقله، فقد نص على خلافه في الجامع الصغير اهـ. قلت: بل هو مخالف للمتون أيضاً کما یأتي علی أن کون الإرث فیه بسبب حادث محل نظر. نعم ذكر في الهداية أنه لو غير مديون يصح وإلا فلا وسيأتي، فتدبر. قوله: