النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ كتاب الصيد فإن انغمس جرحه فيه حرم وإلا حل. ملتقى (أو وقع على سطح أو جبل فتردى منه إلى الأرض حرم) في المسائل كلها، لأن الاحتراز عن مثل هذا ممكن (فإن وقع على الأرض ابتداء) إذ الاحتراز عنه غير ممكن فيحل (أو أرسل مسلم كلبه فزجره) أي أغراه بصياحه (مجوسي فانزجر) إذ الزجر دون الإرسال والفعل يرفع بما هو فوقه أو مثله كنسخ الحديث (أو لم يرسله أحد فزجره مسلم فانزجر) إذ الزجر إرسال حكماً (أو أخذ غیر ما أرسل إلیه) لأن غرضه أخذ کل صید یتمکن منه، عن الهندية. قوله: (وإلا حل) لأنه لم يحتمل موته بسبب الماء. قوله: (ملتقى) ومثله في الهداية. وذکر في الثانية: إن وقع في ماء فمات لا یؤکل لعل أن وقوعه في الماء قتله، ويستوي في ذلك طير الماء لأن طير الماء إنما يعيش في الماء غير مجروح اهـ. ونقله في الذخيرة عن السرخسي، ثم قال: فليتأمل عند الفتوى. وتمامه في الشرنبلالية. قوله: (فتردى منه) قيد به لأنه لو استقر عليه ولم يتردّ يحل بلا خلاف. وهذا أيضا إذا تردى ولم يقع الجرح مهلكاً في الحال، إذ لو بقي فيه من الحياة بقدر ما في المذبوح ثم تردى يحل أيضاً. معراج. قوله: (فإن وقع على الأرض ابتداء) أي ولم يكن على الأرض ما يقتله كحد الرمح والقصبة المنصوبة. عناية. وتمامه في الشرنبلالية. قوله: (إذ الاحتراز) علة مقدمة على المعلول، وهو قوله الآتي (أكل)) وهو كثير في كلامهم. قال تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ [نوح: ٢٥] وكذا يقال فيما بعده فافهم. قوله: (فزجره مجوسي) أي في ذهابه، فلو وقف ثم زجره فانزجر لم یؤکل کما قدمناه. قوله: (کنسخ الحديث) فلا ينسخ الصحيح إلا بصحيح أو أصح لا بضعيف ط. قوله: (أو أخذ غير ما أرسل إليه) سواء أخذ ما أرسل إليه أيضاً أو لا بشرط فور الإرسال كما مر. قال في البدائع: فلو أرسل الكلب أو البازي علی صید وسمی فأخذ صيداً ثم آخر على فوره ذلك ثم وثم أكل الكل، لأن التعيين ليس بشرط في الصيد لأنه لا يمكن فصار كوقوع السهم بصيدين ا هـ ملخصاً. ولو أرسله على صيد فأخطأ ثم عرض له آخر فقتله حل، ولو عرض له بعد ما رجع لا يحل لبطلان الإرسال بالرجوع كما في الخانية وغيرها. وقال القهستاني: وفيه إشعار بأنه لو أصاب غير ما رماه حل کما في قاضیخان، وكذا لو رمى صيداً فأصابه ونفذ ثم أصاب آخر ثم وثم حل الكل كما في النظم ا هـ. فالإرسال بمنزلة الرمي كما في الهداية والزيلعي، ونحوه في الملتقى. قوله: (لأن غرضه الخ) أي غرض المرسل حصول أيّ صيد تمكن منه الكلب أو الفهد، وهذا معنى قول الهداية: ولنا أنه: أي التعين شرط غير مفيد لأن مقصوده حصول الصيد، إذ لا يقدر: أي الكلب على ٦٢ كتاب الصيد حتى لو أرسله على صيود كثيرة بتسمية واحدة فقتل الكل أكل الكل (أكل) في الوجوه المذكورة لما ذكرنا (كصيد رمي فقطع عضو منه) فإنه يؤكل (لا العضو) خلافاً للشافعي. ولنا قوله عليه الصلاة والسلام: ((ما أبين من الحيّ، فهو ميتة)) ولو قطعه ولم يبنه، فإن اشتمل التثامه أكل العضو أيضاً وإلا لا. ملتقى (وإن قطعه) الرامي (أثلاثاً وأكثره مع عجزه أو قطع نصف رأسه أو أكثره أو قده نصفين أكل كله) لأن في هذه الصور لا يمكن حياة فوق حياة المذبوح فلم يتناوله الحديث المذكور، بخلاف ما لو کان أكثره مع رأسه للإمكان المذكور. الوفاء به: أي بأخذ العين، إذ لا يمكنه تعليمه، على وجه يأخذ ماا عينه فسقط اعتباره. قوله: (بتسمية واحدة) أي حالة الإرسال. قوله: (لما ذكرنا) أي من العلل الأربعة في الوجوه الأربعة. قوله: (لا العضو) أي إن أمكن حياته بعد الإبانة وإلا أكلا. عناية. وهذا يتصور في سائر الأعضاء غير الرأس. نهاية. قوله: (خلافاً للشافعي) حيث قال: أكلا إن مات الصيد منه. هداية. قوله: (ما أبين من الحي) هذا وإن تناول السمك إلا أن. ميتته حلال بالحديث. هداية. قوله: (وإلا) بأن بقي متعلقاً بجلده. هداية. قوله: (أو قطع نصف رأسه) أي طولاً أو عرضاً. بدائع. قوله: (أوقد نصفين) القد: القطع. المستأصل أو المستطین. قاموس. والضمیر للصید کما في البدائع. وذکر في الشرنبلالية أنه لم يبين كيفية القد في كثير من الكتب، ثم نقل عن الخانية والمبسوط: إن قطعه نصفين طولاً أكل. أقول: الظاهر أن الطول غير قيد هنا، يدل عليه تعليل البدائع بقوله يؤكل لأنه وجد قطع الأوداج لكونها متصلة من القلب بالدماغ فأشنبه الذبح، وكذ لو قطع أقل من النصف مما يلي الرأس ا هـ. تأمل. قوله: (قلم يتناوله الحديث المذكور) لأنه ذكر فيه الحيّ مطلقاً فينصرف إلى الحيّ حقيقة وحكماً وهذا حي صورة لا حكماً، إذ لا يتوهم بقاء الحياة بعد هذا الجرح، ولهذا لو وقع في الملط وبه هذا القدر من الحياة أو تردي من جبل أو سطح لا يحرم. وتمامه في الهداية. أقول: وبهذا شقط اعتراض ابن المصنف على قوله في البزازية: إن كان الصيد يعيش بدون المبان فالمبان لا یؤکل، وإن کان لا یعیش بدونه کالرأس يؤكلان اهـ. حيث قال: إن الحديث عام فمن أين للبزازي ما قاله؟ اهـ. قلت: هو مأخوذ من الهداية وصرح به شراحها وغيرهم. قوله: (بخلاف ما لو كان أكثره مع رأسه) بأن قطع يداً أو رجلاً أو فخذاً أو ألية أو ثلثه مما يلي القوائم أو ٦٣ كتاب الصيد (وحرم صيد مجوسي ووثني ومرتد) ومحرم لأنهم ليسوا من أهل الذكاة، بخلاف كتابي لأن ذكاة الاضطرار كذكاة الأختيار (وإن رمى صيداً فلم يثخنه فرماه آخر فقتله فهو الثاني وحل، وإن أثخنه) الأول بأن أخرجه عن حيز الامتناع وفيه من الحياة ما يعيش (3) الصيد (للأول وحرم) لقدرته على ذكاة الاختيار فصار قائلاً له فیحرم ( وضمن الثاني للأول قیمته) کلها وقت إتلافه (غير ما نقصته جراحته. أقل من نصف الرأس، فيحرم المبان ويحل المبان منه. هداية. قوله: (ومرتد) ولو غلاماً مراهقاً عندهما خلافاً لمحمد، بناء على صحة ردته عندهما. بدائع. قوله: (لأن ذكاة الاضطرار الخ) أي وهو من أهل ذكاة الاختيار، فكذا ذكاة الاضطرار. قوله: (فلم يثخنه) قال في المغرب: أثخنته الجراحات: أوهنته وأضعفته. وفي التنزيل ﴿حَتَّى يُثْخِنَ في الأرضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] أي يكثر فيها القتل. قوله: (فهو الثاني) لأنه هو الآخذ له. قوله: (وحل) لأنه لما لم يخرج بالأول عن حيز الامتناع كان ذكاته ذكاة الاضطرار وهو الجرح: أي موضع كان وقد وجد. زيلعي. قوله: (وفيه من الحياة ما يعيش) أي ينجو منه. أما إذا كان بحال لا يسلم منه، بأن لا يبقى فيه من الحياة إلا بقدر ما يبقى في المذبوح، كما إذا أبان رأسه يحل لأن وجوده كعدمه، وإن كان بحال لا يعيش منه إلا أن فيه أكثر مما في المذبوح بأن كان يعيش يوماً أو دونه، فعند أبي يوسف: لا يحرم بالرمية الثانية إذ لا عبرة بهذه الحياة عنده، وعند محمد: يحرم لأنها معتبرة عنده. زيلعي ملخصاً. قوله: (لقدرته على ذكاة الاختيار) أي بسبب خروجه عن حيز الامتناع فصار كالرمي إلى الشاة. أفاده في البدائع. قوله: (وضمن الثاني للأول قيمته الخ) لأنه أتلف صيداً مملوكاً للغير، لأنه ملكه بالإثخان فيلزمه قيمة ما أتلف وقيمته وقت إتلافه كان ناقصاً بجراحة الأول فيلزمه ذلك . بيانه أن الرامي الأول إذا رمی صیداً يساوي عشرة فنقصه درهمین ثم رماه الثاني فنقصه درهمين ثم مات يضمن الثاني ثمانية ويسقط عنه من قيمته درهمان، لأن ذلك تلف بجراحة الأول. زيلعي. وفرض المصنف المسألة فيما إذا علم أن القتل حصل بالثاني، فإن علم أنه حصل من الجراحتين أو لا يدري فظاهر الهداية أن الحكم في الضمان يختلف وحقق الزيلعي عدم الفرق، فراجعه. تتمة بقي لو رمياه معاً فأصابه أحدهما قبل الآخر فأثخنه ثم أصابه الآخر أو رماه أحدهما أولاً ثم رماه الثاني قبل أن يصيبه الأول أو بعد ما أصابه قبل أن يثخنه فأصابه الأول وأثخنه أو أثخنه ثم أصابه الثاني فقتله فهو للأول ويؤكل خلافاً لزفر. ولو رمياه معاً وأصابا معاً فمات منهما فهو بينهما، والكلب في هذا کالسهم حتى يملكه بإٹخانه، ولا يعتبر إمساكه بدون الإثخان، حتى لو أرسل بازيه فأمسك الصيد بمخلبه ولم يثخنه ٦٤ كتاب الصيد وحل اصطياد ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل) لحمه لمنفعة جلده أو شعره أو ريشه أو لدفع شره، وكله مشروع لإطلاق النص. وفي القنية يجوز ذبح الهرة والكلب لنفع ما (والأولى ذبح الكلب إذا أخذته حرارة الموت، وبه يطهر لحم غير نجس العين) كخنزير فلا يطهر أصلاً (وجلده) وقيل: يطهر جلده لا لحمه، وهذا أصح ما يفتى به كما في الشرنبلالية عن المواهب هنا ومر في الطهارة (أخذ الطير ليلاً مباح والأولى عدم فعله) خانية. (بكره تعليم البازي بالطير الحي) لتعذيبه (سمع) الصائد (حسّ إنسان، أو غيره من الأهليات) كفرس وشاة (فرمى إليه فأصاب صيداً لم يحل، فأرسل آخر بازيه فقتله فهو للثاني، ويحل لأن يد البازي الأول ليست بيد حافظة لتقام مقام يد المالك، ولو رمى سهماً فأثخنه ثم رماه ثانياً فقتله حرم. وتمامه في الزيلعي. ولو أرسل كلبين على صيد فضربه أحدهما فوقذه ثم ضربه الآخر فقتله يؤكل. بدائع. قوله: (لنفع ما) أي ولو قليلاً، والهرة لو مؤذية لا تضرب ولا تفرك أذنها بل تذبح. قوله: (والأولى الخ) لما فيه من تخفيف الألم عنه. قال ط: والتقييد بالكلب ليس له مفهوم. قوله: (وبه يطهر) أي بالاصطياد، وكذ بالذبح، وهل يشترط في الطهارة كون ذلك من أهله مع التسمية، فيه خلاف قدمناه آخر الذبائح: استظهر في الجوهرة الاشتراط، وفي البحر عدمه. قوله: (كخنزير) تمثيل لنجس العين. قوله: (فلا يطهر أصلًا) أي لا جدده ولا لحمه ولا شيء منه. قوله: (وهذا أصح) وكذا صححه العلامة قاسم معزواً للكافي والغاية والنهاية وغيرها، وقال: إن الأول مختار صاحب الهداية. قوله: (سمع حس إنسان) أي صوته، وظاهره أنه حين الرمي يعلم أنه حس إنسان، والحكم فيه كما ذكره هنا كما في البدائع. وفرض المسألة في الهداية فيما إذا سمع حساً ظنه حس صيد فرماه ثم تبين أنه حس إنسان أو صيد فلا مخالفة بينهما كما قد يتوهم. قوله: (كفرس وشاة) وطير مستأنس وخنزير أهلي، فالمراد كل ما لا يحل بالاصطياد. قوله: (فأصاب صيداً لم يحل) لأن الفعل ليس باصطياد، ولو أصاب المسموع حسه وقد ظنه آدمياً فإذا هو صيد يحل لأنه لا معتبر بظنه مع تعيينه. هداية . وذكر في المنتقى بالنون أنه لا يحل أيضاً لأنه رماه وهو لا يريد الصيد. ثم قال: ولا يحل الصيد إلا بوجهين: أن يرميه وهو يريد الصيد، وأن يكون الذي أراده وسمع حسه ورمى إليه صيداً، سواء كان مما يؤكل أو لا. قال الزيلعي: وهذا يناقض ما في الهداية، وهذا أوجه ثم ذكر أن لأبي يوسف فيه قولين: في قول يحل، وفي قول لا يحل. وقال: فيحمل ما في الهداية على رواية أبي يوسف اهـ. ٦٥ کتاب الصيد بخلاف ما إذا سمع حس أسد) أو خنزير. (فرمى إليه) وأرسل كلبه (فإذا هو صيد حلال الأكل حل) ولو لم يعلم أن الحس حس صيد أو غيره لم يحل. جوهرة. لأنه إذا اجتمع المبيح والمحرم غلب المحرم. (رمى ظبياً فأصاب قرنه أو ظلفه فمات، وإن أدماه أكل) لوجود الجرح (وإلا لا، والعبرة بحالة الرمي أقول: ما في الهداية أقره شراحها ومشى عليه في الملتقى، وكذا في البدائع، وقال: نظيره ما إذا قال لامرأته وأشار إليها: هذه الكلب طالق أنها تطلق ويبطل الاسما هـ. وفي التاترخانية وغيرها: وإن أرسل إلى ما يظن أنه شجرة أو إنسان فإذا هو صيد يؤكل هو المختار اهـ. فالمختار ما في الهداية. قوله: (بخلاف ما إذا سمع حس أسد أو خنزير) أي متوحش، والمراد كل ما يحل اصطياده. واستثنى في النهاية ما لو كان المسموع حسه جراداً أو سمكاً فأصاب غيرهما لا يؤكل، لأن الذكاة لا تقع عليهما فلا يكون الفعل ذكاة. واعترضه الزيلعي بما في الخانية: لو رمى إلى جراد أو سمكة وترك التسمية فأصاب طائراً أو صيداً آخر فقتله يحل أكله. وعن أبي يوسف روايتان، والصحيح أنه یؤکل ا هـ. أقول: لكن قول الخافية وترك التسمية ومثله في البزازية مشكل، وقد ذكر المسألة في التاترخانية وقال: والمختار أنه يؤكل، ولم يذكر قوله وترك التسمية، ورأيت بعض العلماء قيده بقوله: أي ناسياً وهو قيد لازم، فتأمل. قوله: (فرمى إليه) أي وأصاب صيداً آخر غير ما سمعه. قوله: (أو أرسل كلبه) أشار إلى أن الإرسال كالرمي، وقول الزيلعي: والبازي والفهد في جميع ما ذكرنا كالكلب صوابه كالرمي. قوله: (حل) أي الصيد المصاب لوقوع الفعل اصطياداً فصار كأنه رمى إلى صيد فأصاب غيره. هداية ملخصاً. قوله: (لم يحل) أي المصاب، كما لو رمى إلى بعير لا يدري أهو ناد أو لا فأصاب صيداً لا يحل المصاب لأن الأصل الاستئناس، بخلاف ما لو رمی إلی طائر لا يدري أهو وحشي أو لا فأصاب صيداً غيره حل لأن الظاهر فیه التوحش، فیحکم علی کل بظاهر حاله كما في الهداية. قوله: (لوجود الجرح) فإنه يستدل بوجود الدم على وجود الجرح وإن كان لا يشترط الإدماء في غيرها على ما تقدم ط. قوله: (والعبرة بحالة الرمي) إلا في مسألة ذكرها محمد. وهي: حلال رمى صيداً وهما في الحل فدخل الصيد الحرم فأصابه السهم ومات فيه أو في الحل لا يؤكل، وفيما عداها فالعبرة بحالة الرمي. تاتر خانية: أي في حق الأكل. أما في حق الملك فالعبرة لوقت الإصابة كما في الذخيرة، فلو رمی إلی صید ورمی ٦٦ کتاب الصيد فحل الصيد بردته) إذا رمى مسلماً (لا بإسلامه ووجب الجزاء بحله) إذا رمى مجرماً الا بإحرامه) وسیجيء قبیل کتاب الدیات. فرع: لو أن بازياً معلماً أخذ صيداً فقتله ولا يدري أرسله إنسان أو لا، لا يؤكل لوقوع الشك في الإرسال ولا إباحة بدونه، وإن كان مرسلاً فهو مال الغير فلا يجوز تناوله إلا بإذن صاحبه. زيلعي. قلت: وقد وقع في عصرنا حادثة الفتوى، وهي أن رجلًا وجد شاته مذبوحة ببستانه هل يحل له أكلها أم لا؟ ومقتضى ما ذكرناه أنه لا يحل لوقوع الشك في أن الذابح ممن تحل ذكاته أم لا، وهل سمى الله تعالى عليها أم لا؟ . لكن في الخلاصة من اللقطة: قوم أصابوا بعيراً مذبوحاً في طريق البادية، إن لم یکن قریباً من الماء ووقع في القلب أن صاحبه فعل ذلك إباحة للناس لا بأس بالأخذ والأكل لأن الثابت بالدلالة كالثابت بالصريح اهـ. فقد أباح أكلها بالشرط بعده آخر فأصابه الثاني وأثخنه قبل الأول فهو للثاني. قوله: (فحل الصيد بردته) الظاهر أن الباء للمصاحبة نحو ﴿أَهْبِطْ بِسَلَامٍ﴾ [هود: ٤٨] أي مع ردته بعد الرمي وقبل الإصابة أو بعدها، وهذا تفريع على الأصل المذكور فيحل لأنه حين الرمي كان مسلماً، وكذ يحل لو رمى صيداً فانكسر الصيد بسبب آخر ثم أصابه السهم لأنه حين الرمي كان صيداً. خانية. قوله: (لا بإسلامه) أي لو رماه مرتداً. قوله: (ووجب الجزاء بحله) أي بتحلله من إحرامه. قوله: (لا بإحرامه) أي إذا رماه حلالاً. وفي التاترخانية: حلال رمى صيداً فأصابه في الحل ومات في الحرم أو رماه من الحرم وأصابه في الحل ومات فيه لا يحل، وعليه الجزاء في الثاني دون الأول. قوله: (قلت الخ) هو من كلام المصنف في المنح. قوله: (لوقوع الشك الخ) فيه أن الظاهر من حال البازي الذي طبعه الاصطياد أنه غير مرسل وغير مملوك لأحد. بخلاف الذابح في بلاد الإسلام فإن الظاهر أنه تحل ذبيحته وأنه سمى، واحتمال عدم ذلك موجود في اللحم الذي يباع في السوق، وهو احتمال غير معتبر في التحريم قطعاً. قوله: (لكن في الخلاصة) استدراك على قوله ((لا يحل الخ)). قوله: (إن لم يكن قريباً من الماء) قید به، لأنه إذا کان کذلك احتمل أنه وقع في الماء فأخرجه صاحبه فذبحه على ظن حياته فلم يتحرك ولم يخرج منه دم فتركه صاحبه لعلمه بموته بالماء فلا يتأتى احتمال أنه تركه إباحة للناس، هذا ما ظهر لي. تأمل. قوله: (ووقع في القلب) الظاهر أن المراد الظن الغالب لا مجرد الخطور فإنه لا يترتب عليه حكم ط. قوله: (إياحة للناس) قد شاهدنا في طريق الحج من يفعله لذلك ط. قوله: (لأن الثابت بالدلالة) أي دلالة حال ٦٧ كتاب الصيد المذكور، فعلم أن العلم بكون الذابح أهلاً للذكاة ليس بشرط. قاله المصنف. قلت: قد يفرق بين حادثة الفتوى واللقطة بأن الذابح في الأول غير المالك قطعاً، وفي الثاني يحتمل. ورأيت بخط ثقة: سرق شاة فذبحها بتسمية فوجد صاحبها هل تؤكل؟ الأصح لا لكفره بتسميته على الحرام القطعى بلا تملك ولا إذن شرعي اهـ فليحرر. وفي الوهبانية: [الطويل] خَبِيثٌ حَرَامٌ نَفْعُهُ مُتَعَذِّرُ وَمَا مَاتَ لاَ تُطْعِمْهُ كَلْباً فَإنّه وَتَمْلِكَ عُصْفُورٍ لِوَ اجِدِهِ أَجزْ وَإِعْتَاقُهُ بَعْضِ الأَئِمَّةِ يُنكرُ وَإِنْ يَلْقَهُ مَعْ غَيرٍ جَازَ أَخْذُهُ كَقَشْرِ لِرُمَّانِ رَمَاهُ المُقَشِّرُ صاحبه التي وقعت في القلب، فهو كصريح قوله أبحته لمن يأخذه وخصوصاً الذبائح التي توجد في منى أيام الموسم. قوله: (وفي الثاني يحتمل) فيه أن احتمال الثاني كون الذبائح هو المالك لا ينفي احتمال أنه مجوسي أو تارك التسمية عمداً، فالأولى أن يقال: إن كان الموضع مما يسكنه أو يسلك فيه مجوسي لا يؤكل وإلا أكل، ولا يعترض بشأن ترك التسمية عمداً، فإن الظاهر من حال المسلم والكتابي التسمية لأنه يعتقدها ديناً، وخلاف هذا موهوم لا یعارض الراجح ا مح. أقول: ويؤيد اعتبار الموضع ما قالوا في اللقيط إذا ادعاه ذمي يثبت نسبه منه، ولكن هو مسلم إن لم يوجد في مكان أهل الذمة كقريتهم أو بيعة أو كنيسة. قوله: (ورأيت الخ) تأييد للتفرقة، وفيه نظر لأن المعتمد خلافه بدليل قولهم بصحة التضحية بشاة الخصت واختلافهم في صحتها بشاة الوديعة، ولهذا قال السائحاني. أقول: هذا ينافي ما تقدم في الغضب وفي الأضحية فلا يعول عليه. قوله: (لا تطعمه كلباً) الإطعام حمله إليه. وأما حمل الكلب إليه فكحمل الهرة لميتة جائز شرنبلالي. قوله: (وتمليك عصفور) بالنصب مفعول أجز مقدم: أي تمليكه بقوله جعلته لمن أخذه، فإن لم يقل ذلك له أخذه ممن أخذه هو المختار، فإن اختلفا في الإباحة فالقول لصاحبه مع يمينه أنه لم يقل، وهل يشترط أن تكون الإباحة لقوم معلومين؟ خلاف. قوله: (وإعتاقه) بالنصب مفعول ينكر، ومفهوم قوله بعض الأئمة ينكر أنه يجوزه أكثرهم ولم ينقل ذلك، بل الظاهر أن المذهب الحرمة ١ هـ ش. أقول: الظاهر أن ذلك إذا لم يقل من أخذه فهو له، وإلا فهو عين المسألة المتقدمة. قوله: (جاز أخذه) أي إن لم یبحه عند الإرسال کما مر. قوله: (کقشر لرمان) تشبيه من ٦٨ کتاب الرمن وفي معاياتها : [الطويل] وَأََّ حَلَالٍ لَا يُحِلُّ أَصْطِيَادُهُ صُيُوداً وَمَا صِيدَتْ وَلَا هِي تَنْفِرُ کتابُ الرهنِ مناسبته أن كلّا من الرهن والصيد سبب لتحصيل المال. (هو) لغة: حبس الشيء. وشرعاً: (حبس الشيء ماليّ) أي جعله محبوساً حيث حل الأخذ، وأما ملكه ومنع الأول منه ففيه خلاف، والمختار أنه يملكه. وفي الصيد أنه لا يملكه إذا لم يبحه، وكذا في الدابة إذا سيبها كما بسطه الشرتبلالي في شرحه. قوله: (وأي حلال) يعني أن رجلًا ليس محرماً ولا في أرض الحرم ورأى صيداً لم يصده غيره ولا نفر: أي هرب ممن هو مالكه ولا يحل اصطياده. والجواب: رجل دخل دار رجل فلما رآه غلق بابه بحيث يقدر على أخذه من غير اصطياد ملكه، حتى لو خرج لا يحل للرجل الحلال اصطياده، أو المراد: لا يحل لصاحب الدار الحلال اصطياده بآلة جارحة لقدرته على الذكاة الاختيارية، والله تعالى أعلم. کِتَابُ الرّهنِ هو مشروع، لقوله تعالى ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وبما روى ((أَنْه عَليهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلَامُ أُشْتَرَى مِنْ يُهُودِيٍّ طَعَاماً وَرَهَنَّهُ بِ دِرْعَهُ)) وانعقد عليه الإجماع (٢). ومن محاسنه النظر لجانب الدائن بأمن حقه عن التوى، ولجانب المديون بتقليل خصام الدائن له وبقدرته على الوفاء منه إذا عجز. وركنه: الإيجاب فقط أو هو والقبول كما يجيء. وشروطه تأتي. وحكمه ثبوت يد الاستيفاء. وسببه تعلق البقاء المقدر، وإنما خص بالسفر في الآية، لأن الغالب أنه لا يتمكن في من الكتابة والاستشهاد فيستوثق بالرهن (٣). قوله: (هو لغة حبس الشيء) أي بأي سبب كان. قال تعالى ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [الكوثر ٣٨] أي محبوسة، ويطلق على المرهون تسمية للمفعول بالمصدر؛ يقال رهنت الرجل شيئاً ورهنته عنده وأرهنته لغة فيه، والجمع رهان ورهون ورهن. والرهين والرهينة الرهن أيضاً، والتركيب دال على الثبات والدوام. والراهن: المالك، والمرتهن: آخذ الرهن. قوله: (أي جعله محبوساً) قال في إيضاح الإصلاح: هو جعل الشيء محبوساً (١) الرهن لغة: الثبوت والدوام، يقال: ماءٌ راهن، أي: راكد، ونعمة راهنة، أي: ثابتة دائمة، وقيل: هو من الحبس. قال الله تعالى: ﴿كُلِّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَمِينٌ﴾ [الطور: ٢١] وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رهينة﴾ [المدثر: ٣٨] وجمعه رِهَانٌ، كَحَبْلِ وَحِبال(١)، وَرَهَنٌ كَسَقْفٍ وسُقُف، عن أبي عمرو بن العلاء. قال الأخفش: وهي قبيحة، وقيل: رُهُنَّ جمع رِهان، ككتابٍ وكُتُب، ويقال: رَهَنْت الشيء وأرهنته بمعنى، قال المصنف رحمه الله: وهو في الشرع: المال الذي يجعل وثیقةً بالدّيْنِ، لیستوفی من ثمنه إن تعذر استیفاؤه ممن هو عليه. انظر: لسان العرب: ١٧٥٨٠١٧٥٧/٣، المصباح المنير: ٣٣٠/١، الصحاح: ٢١٢٨/٥، المغرب : = ٦٩ کتاب الرهن لأن الحابس هو المرتهن (بحق يمكن استيفاؤه) أي أخذه (منه) بحق، لم يقل حبس الشيء بحق لأن الحابس هو المرتهن لا الراهن، بخلاف الجاعل إياه محبوساً ا هـح. وهذا تعريف للرهن التام أو اللازم، وإلا ففي انعقاد الرهن لا يلزم الحبس بل ذلك بالقبض اهـ. سعدي. قال القهستاني: والمتبادر أن يكون الحبس على وجه التبرع، فلو أكره المالك بالدفع إليه لم يكن رهناً كما في الكبرى فلا عليه ذكر أن يكون الحبس على وجه التبرع، فلو أكره المالك بالدفع إليه لم يكن رهناً كما في الكبرى فلا عليه ذكر الإذن كما ظن اهـ. وسيأتي آخر الباب الآتي أنه لو أخذ عمامة المديون تكون رهناً إن رضي بترکها. قوله: (بحق) أي بسبب حق مالي ولو مجهولاً. واحترز به عن نحو القصاص والحد واليمين. قهستاني، ودخل فيه بدل الكتابة فإن الرهن به جائز وإن لم تجز به الكفالة کما في المعراج عن الخانية. قوله: (یمکن استیفاؤه) أي استیفاء هذا الحق منه: = ٣٥٦/١. واصطلاحاً: عرفه الحنفية بأنه: جعل الشيء محبوساً بحق يمكن استيفاؤه من الرهن كالديون. وعرفه الشافعية بأنه: جعل عين مال متمولة وثيقة بدين ليستوفى منها عند تعذر وفائه. وعرفه المالكية بأنه: مال قبضه توثقاً به من دين. وعرفه الحنابلة بأنه: المال الذي يجعل وثيقة بالدين ليستوفى من ثمنه إن تعذر استيفاؤه من ذمة الغريم. انظر تكملة فتح القدير: ١٨٩/٨، مجمع الأنهر: ٥٨٤/٢، حاشية الشرقاوي على شرح التحرير: ١٠٩/٢، حاشية الدسوقي: ٢٣١/٣، أسهل المدارك: ٢٦٦/٢، الإقناع في فقه الحنابلة: ٢/ ١٥٠، المغني لابن قدامة: ٣٦١/٤. (٢) للعلماء في جواز الرهن في الحضر رأیان أحدهما؛ الجواز، وهو رأي الجمهور ((وثانيهما)): يرى المنع، وهو رأي مجاهد والضحاك وداود. روي عن أنس رضي الله عنه قال: ((رهن رسول الله صلى الله عليه وسلم درعاً عند يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيراً لأهله)). فالتصريح بالمدينة نص في جوازه في الحضر. والحاجة قد تدعو إلى الاقتراض في حال قد تتعذر فيها الكتابة أو تشق فقد لا يوجد الكاتب أو أداة الكتابة، وهذا هو المعنى الذي شرع من أجله الرهن، وإنما علق على السفر لأنه يغلب فيه ذلك فلا مفهوم له. قوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة﴾. وذلك أن الله تعالى شرط السفر في جواز الرهن، وعلقه عليه فلا يجوز في غيره. قوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرھان مقبوضة﴾ سبق أمر الله تعالی بکتابة الدین والإشهاد عليه قبل هذه الآية احتياطاً لحفظ المال كي يؤمن جحوده أو طلب الزيادة فيه أو نسيان، وكي يحوط الأمة بما يحفظ وحدتها ويحول بينها وبين سلوك طرق قد تؤدي إلى التفرق، والانحلال وإشعال نار الفتنة في صفوفها، ولما كان السفر مظنة فقد الكاتب أو أدوات الكتابة فيتعذر أو يتعسر الكتب والإشهاد شرع الله تعالى التوثق بالرهن فيكون المعنى ﴿وإن كنتم﴾ أيها المتداينون ﴿على سفر﴾ مسافرين أو متوجهين إليه ﴿ولم تجدوا كاتباً﴾ في المداينة ﴿فرهان مقبوضة)، فالذي يستوثق به أو فعليكم أو فليؤخذ منكم أو فالمشروع رهان مقبوضة، وليس هذا التعليق لاشتراط السفر في جواز الارتهان بل لبيان الواقع فهو خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، وإنما لم يتعرض حال الشاهد؛ لأنه في حكم الکاتب یغلب فقده والاحتیاج إليه. وفعله صلى الله عليه وسلم روي عن أنس رضي الله عنه قال: (رهن رسول الله صلى الله عليه وسلم درعاً عند يهودي بالمدينة، وأخد منه شعيراً لأهله) رواه أحمد والبخاري والنسائي وابن ماجه وروي عن عائشة رضي الله عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى طعاماً من يهودي إلى أجل، ورهنه درعاً من حديد) وفي لفظ (توني ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثین صاعاً من شعیر) أخرجاهما، ولأحمد والنسائي وابن ماجه مثله من حديث ابن عباس رضي الله عنه وإجماع المسلمين على جواز الرهن في الجملة. والرهن عقد وثيقة لجانب الاستيفاء فيعتبر بالوثيقة في طرف الوجوب كالكفالة، والجامع أن الحاجة إلى الوثيقة مأمن للجانبين، فإن صاحب الحاجة = ٧٠ کتاب الرهن كلَّا أو بعضاً كأن كان قيمة المرهون أقل من الدين (كالدين) كاف الاستقصاء لأن أي من الرهن بمعنى المرهون. واحترز به عما يفسد كالثلج، وعن نحو الأمانة والمدبر وأم الولد والمكاتب. قال في الشرنبلالية: وأما الخمر فهو مال أيضاً. ويمكن الاستيفاء منه بتو کیل ذمي یبیعه أو بنفسه إن کان المرتهن والراهن من أهل الذمة ا هـ. لكنه ليس بمال متقوم في حق المسلم، فلا يجوز له رهنه ولا ارتهانه من مسلم أو ذمي وإن ضمنه للذمي كما يأتي في الباب الآتي. قوله: (كلَّ أو بعضاً) تمييزان من هاء استيفاؤه الراجعة إلى الحق الذي هو الدين ا هـ ح. فهما محوّلان عن المضاف إليه المفعول في المعنى، إذ الأصل استيفاء كله أو بعضه، وفيما ذكره الشارح جواب عن القهستاني لا يتناول ما كان أقل من الدين، فافهم. قوله: (كالدين) تمتيل للحق. قوله: (كاف الاستقصاء) خبر مبتدأ = قلما يجد من يقرضه مالاً بلا رهن، والدائن يأمن بالرهن من ضياع ماله بالجحود أو بإسراف المدين وتبذيره في ماله بحيث لم يبق منه شيء أو بمشاركة غيره من الغرماء، فكان فيه نفع لهما كما في الكفالة والحوالة، فلذلك شرع. وبعبارة أوضح إن للدين طرفين طرف الوجوب وطرف الاستيفاء، لأنه يجب أولاً في الذمة ثم يستوفى المال بعد ذلك ثم الوثيقة لطرف الوجوب الذي يختص بالذمة، وهي الكفالة جائزة فكذا الوثيقة التي تختص بالمال بل لطريق الأولى؛ لأن الاستيفاء هو المقصود، والوجوب وسيلة إليه. انظر شرح شيخ الإسلام زكريا الأنصاري مع حاشية الشيخ الشرقاوي على التحرير ١٠٩/٢ وحاشية الشيخ الباجوري على ابن قاسم نيل الأوطاوص ١٩٨،١٩٧ ــ ٥ نقله ابن قدامة الحنبلي في المغني ص ٣٦٠ جـ ٤ والهداية ١٨٩/٨. (٣) إن الله سبحانه وتعالى شرع الأحكام كفيلة بسعادة الناس في الدارين، ونظم العلاقات تنظيماً بديعاً متقناً كيلا يكون هناك مجال للشقاق بين الأفراد والجماعات، فتبقى الروابط وثيقة بين الجميع، لهذا وضع نظام المبادلات ولم يدع الناس لأهوائهم التي لا تقف عند حد، وأبان طرق التعامل الصحيح الذي تترتب عليه آثاره، ففي البيع مثلًا تستقر الملكية، ويسوغ التصرف، ويباح الانتفاع، وفي الإجارة يستحق المكتري المنفعة، وفي الرهن يصير المرتهن أحق بالمرهون، ويصبح آمناً على ماله من الذهاب فلا يخشى إفلاس مدينه أو جحوده أو مطله، وإذا نظرنا نظرة ثاقبة في أحوال الناس رأينا الذمم سريعة التغير فكم من أمين أصبح خائناً، ومن مستقيم صار معوجاً، ومن هادىء وادع قد ساءت أخلاقه، ومن عاقل قد غره تيار المدينة وغلبت عليه المظاهر الكاذبة، ولهذا نرى فلاناً الغني بالأمس معدماً قد أثقلته الدیون، وعجز عن قضائها فانتزعت أملاكه، وبيعت في المزاد العلني، بل إن بعض الناس قد يحتال فيستولي على بضائع من التجار أو على مال من بعض الناس مدعياً أنه من ذوي الثراء، متظاهراً بمظهر كاذب خادع ثم تبين أنه محتال لا يملك نقيراً ولا قطميراً، والحوادث ماثلة أمام أعيننا ينشر كل يوم في الصحف منها ما يعد بالعشرات، وهذا مما يقلل الثقة، ويحمل على قبض الأيدي عن البذل لمن يدعي الحاجة ويلج في الحصول على شيء من النقود أو العروض أو غير ذلك، ومن هنا نستطيع أن ندرك حكمة الشارع الحكيم في شرعه الرهن وما يماثله من طرق التوثق كالكتابة والشهادة والضمان، ومن تأمل يرى أن المنفعة فيه مزدوجة، وليست قاصرة على المرتهن بل يشاركه الراهن فيها أيضاً، إذا قد تدعوه الحاجة إلى مد يده إلى الغير مقترضاً كأن تنفذ مؤونة أهله، وليس عنده مال يشتري به طعاماً، ويمسك الناس عن معاملته فلا يقرضونه أو يبيعونه إلى أجل أو يمرض قريبه فيحتاج إلى عرضه على الطبيب أو شراء الدواء له، فلا يجد إلَّ الرهن أو نحوه مخلصاً له من حيرته وميسراً لحاجته لا سيما هذا الزمن الذي تغلبت فيه المادة، وسيطرت على النفوس، وقلت فيه المروءة، وذهبت النجدة، وساءت الظنون، وغاض الوفاء فلا يعتمد فيه على أقارب ولا أصدقاء، وحلت الخصومات محل الإخاء، ونسي الناس أو تناسوا أن الأمة الإسلامية أسرة واحدة بل جسم واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وأنهم كالبنيان يشد = ٧١ کتاب الرهن العين لا يمكن استيفاؤها من الرهن إلا إذا صار ديناً حكماً كما سيجيء (حقيقة) وهو دين واجب ظاهراً وباطناً أو ظاهراً فقط كثمن عبد أو خل وجد حراً أو خمراً (أو حكماً) كالأعيان المضمونة بالمثل أو القيمة محذوف: يعني أنها ليست للتمثيل ببعض الأفراد إذ ليس المراد هنا سوى الدين، والداعي إلى هذا جعل المصنف الدين شاملاً للعين، أما لو أطلقه أمكن جعل الكاف للتمثيل، بأن يراد بالدين الدين حقيقة. قوله: (كما سيجيء) أي قريباً في قوله ((أو حكماً)). قوله: (وجد حراً أو خمراً) لف ونشر مرتب؛ وكثمن ذبيحة وبدل صلح عن إنكار وإن وجدت ميتة أو تصادقا على أن لا دین، لأن الدین وجب ظاهراً، وهو کاف لأنه آكد من دین موعود کما سيأتي. درر: أي فالرهن مضمون. وذكر القدوري أنه لا شيء بهلاکه: كما لو رهن بالحر والخمر ابتداء. ونص محمد في المبسوط والجامع أن المقبوض بحكم رهن فاسد مضمون بالأكل من قيمته ومن الدين. والمختار قول محمد كما في الاختيار. أبو السعود ملخصاً. قوله: (كالأعيان المضمونة بالمثل أو القيمة) ويقال لها المضمونة بنفسها لقيام المثل أو القيمة مقامها كالمغصوب ونحوه مما سيجيء. واحترز به عن المضمونة بغيرها كمبيع في بد البائع فإنه مضمون بغيره وهو الثمن؛ وعن غير المضمونة أصلا کالأمانات، فالرهن بهذين باطل وسماها ديناً حكماً لأن الموجب الأصلي فيها هو القيمة أو المثل، ورد العين مخلص إن = بعضه بعضاً، فلولا الرهن وما شابهه من الوثائق لمات الفقير جوعاً ولم ير من يمد إليه يد المعونة، ويظل المريض يعاني آلام المرض فلا يجد من يضمد جرحه، وينتشله من آلامه، ويقبض الميت فما يجد أهله ما يكفنونه به. فنعمت الأحكام، ونعم المشرع، ولا غرو فإنها نعمة عظيمة تيسر الوصول إلى المال أو القوت من طرق مشروعة، فلولاها لاضطر أصحاب الفاقة إلى الربا تحت تأثير الشدة التي يعانونها أو إلى الانتحار تخلصاً من حياة مليئة بالألم والشقاء، إو إلى السرقة أو الغصب إلى غير ذلك مما يجر على العالم ويلات، ويوقعه في كوارث، وينخر في عظام الأمة الإسلامية، فسبحانه من إله حكيم عالم بأصل الداء واصف له أنجع دواء، على أن الراهن قد يرهن كرائم أمواله، ونفائسها التي تعز عليه، وتأبى نفسه بيعها، فينتهز أقرب الفرص لإنقاذها، ويقلل من الكماليات كيلا يتحكم فيه المرتهن ويزهو عليه ويفقده أعز ما يعده متعة لنفسه، فيباع في الأسواق بثمن بخس. هذا إذا كان ناضج العقل، سليم التفكير لا يلهو بحاضره عن غده، ولست مبالغاً إذا قلت: إن الراهن، هو صاحب المنفعة الأصلية؛ لأنه ينتفع بالمال حتى يحل وقت الأداء وقد يكون حين الحصاد أو جني القطن أو نضج الثمار، فيتبدل العسر يسراً، والشدة رخاءً، فيستعيد ماله المرهون بعد الوفاء، فأي غبن وقع عليه؟ وأي حيف لحقه؟ ألم يكن في الرهن محافظة على ماله من الفناء بأبخس الأثمان لا سيما إذا عرف المشتري أنه في حالة اضطرار؟ فقد يشتري منه المنزل الذي يساوي ألفاً بخمسمائة مثلاً على أكثر تقدير إذا تعين البيع وحده لسد رمقه، وانتشال أسرته مما هي فيه من بؤس، أما المرتهن فقد أفاد الطمأنينة على ماله فقط، وبهذا يكون قد تحقق معنى قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا ضرر ولا ضرار)) وإن الحالة الحاضرة التي تدعو إلى الأسف، وتمزق الأحشاء، وتذيب القلوب، فتبيح للمرتهن الانتفاع بالمرهون بالإذن الجبري في صورة الاختياري، أو فرض ربح رسمي على المائة ليست من الدين في قليل أو كثير، وهي مندرجة تحت آیات. ٧٢ کتاب الرمن کما سيجيء) کونه. (وینعقد بإيجاب وقبول) حال (غير لازم) وحينئذ فللرهن تسليمه والرجوع عنه كما في الهبة (فإذا سلمه وقبضه المرتهن) حال كونه (محوزاً) لا متفرقاً كثمر على شجر (مفرغاً) لا مشغولاً بحق الراهن كشجر بدون الثمر (مميزاً) لا مشاعاً ولو أمکن ردها على ما علیه الجمهور وذلك دین. وأما على ما علیه البعض فإنه وإن كانت القيمة لا تجب إلا بعد الهلاك ولكنه تجب عند الهلاك بالقبض السابق. وتمامه في الهداية والزيلعي. قوله: (كما سيجيء) أي في الباب الآتي. قوله: (وينعقد بإيجاب) کرهنتك بمالك عليّ من الدين أو خذ هذا الشيء رهناً به. قهستاني، ولفظ الرهن غير شرط كما سیذکره في الباب الآتي. قوله: (وقبول) كارتهنته سواء صدر من مسلم أو كافر أو عبد أو صبي أو أصيل أو وكيل، فالقبول ركن كالإيجاب وإليه مال أكثر المشايخ فإنه كالبيع، ولذا لا يحنث من حلف أنه لا يرهن بدون القبول. وذهب بعضهم إلى أنه شرط صيرورة الإيجاب علة لأنه عقد تبرع ولذا لا يلزم إلا بالتسليم. قهستاني. واقتصر في الهداية على الثاني، ونقل القهستاني، عن الكرماني أنه يجوز بطريق التعاطي. قوله: (غير لازم) لأنه عقد تبرّع لأن الراهن لا يستوجب بمقابلته على المرتهن شيئاً. قوله: (وحينئذ) أي حين إذا انعقد غير لازم، ويغني عنه فاء التفريع كما أفاده ط. قوله: (وقبضه) أي بإذن الراهن صريحاً أو ما جرى مجراه في المجلس وبعده بنفسه أو بنائبه كأب ووصي وعدل. هندية ملخصاً. ولو قبضه المرتهن والراهن ساكت ينبغي أن يصير رهناً، فتنبه. قوله: (حال كونه) أي الرهن، وهذه الأحوال مترادفة أو متداخلة. عيني. وأفاد بها أن الرهن بهذه الصفات ليس بلازم عند العقد بل عند القبض، فلو اتصل أو اشتغل بغيره كان فاسداً لا باطلاً، وكذا لو كان شائعاً. وعند بعضهم يكون باطلاً وهو اختيار الكرخي، فلو ارتفع الفساد عند القبض صار صحيحاً لازماً كما في الكرماني. قهستاني. قوله: (محوزاً) من الحوز: وهو الجمع وضم الشيء قاموس. وانظر ما في الدرز. قوله: (كثمر على شجر) مثال للمتفرّق وكزرع على أرض: أي بدون الشجر والأرض، لأن الثمر والزرع لم يجازا في يد المرتهن بمعنى أن يده لم تحوهما وتجمعهما، إذ لا يمكن حيازة ثمر بدون شجر ولا زرع بدون أرض ط. قوله: (لا مشغولاً) أما الشاغل فرهنه جائز كما في كثير من الكتب، وقيد بقوله ((بحق الراهن)) احترازاً عما لو كان مشغولاً بملك غيره فلا يمنع كما في العمادية. حموي. أقول: وينبغي تقييد الشاغل الذي يجوز رهنه بغير المتصل لما علمته من عدم جواز رهن الثمر أو الزرع وكذا البناء وحده كما سيأتي، فافهم. قوله: (لا مشاعاً) كنصف عبد أو دار ولو من الشريك، وسيجيء تمام ذلك وأنه يستثنى منه ما ثبت الشيوع فيه ضرورة. ٧٣ کتاب الرهن حكماً بأن اتصل المرهون بغير المرهون خلقة كالشجر وسيتضح (لزم) أفاد أن القبض شرط اللزوم كما في الهبة، وصحح في المجتبى أنه شرط الجواز (والتخلية) بين الرهن والمرتهن (قبض) حكماً على الظاهر (كالبيع) فإنها فيه أيضاً قبض (وهو مضمون إذا هلك ٧ قوله: (ولو حكماً الخ) يستغني عنه بقول المصنف محوزاً. قوله: (خلقة) في التقييد به نظر سنذكره. قوله: (وسيتضح) أي في أوائل الباب الآتي. قوله: (لزم) جواب إذا. قوله: (شرط اللزوم) مشى عليه في الهداية والملتقى وغيرهما. قال في العناية: وهو اختيار شيخ الإسلام، وهو مخالف لرواية العامة. قال محمد: لا يجوز الرهن إلا مقبوضاً، ومثله في كافي الحاكم ومختصر الطحاوي والكرخي ا هـ ملخصاً. وفي السعدية أقول: سبق في كتاب الهبة أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((لا تجوز الهبة إلا مقبوضة)) والقبض ليس بشرط الجواز في الهبة، فليكن هنا كذلك، فليتأمل اهـ. وحاصله: أنه يمكن أن يفسر هنا أيضاً الجواز باللزوم لا بالصحة كما فعلوا في الهبة، فإنه لا يمكن الجمع بين كلامهم وبين الحديث إلا بذلك قوله: (وصحح في المجتبى) وكذا في القهستاني عن الذخيرة قوله: والتخلية) هي رفع الموانع والتمكين من القبض. قوله: (قبض حكماً) لأنها تسليماً فمن ضرورته الحكم بالقبض. فقد ذكر الغاية التي يبنى عليها الحكم لأنه هو المقصود. وبه اندفع قول الزيلعي: الصواب أن التخلية تسليم لأنه عبارة عن رفع المانع من القبض. وهو فعل المسلم دون المتسلم والقبض فعل المتسلم ا هـ. أفاده في المنح. والمراد أنه يترتب عليه ما يترتب على القبض الحقيقي. قوله: (على الظاهر) أي ظاهر الرواية وهو الأصح. وعن أبي يوسف أنه لا يثبت في المنقول إلا بالنقل. هداية. قوله: (وهو مضمون الخ) يعني أن ماليته مضمونة، وأما عينه فأمانة (١). (١) اتفق الفقهاء على أن المرتهز، يضمن المرهون إذا تلف بجنايته أو تفريطه في حفظه، واختلفوا فيما إذا تلف من غير تعد أو تفريط منه هل هو مضمون عليه أو لا؟ على أقوال نبسطها: ذهب الإمام علي كرم الله وجهه وعطاء، والزهري، والأوزاعي في رواية، والشافعي، وأحمد، وداود، وأبو ثور، وابن المنذر إلى أنه لا ضمان عليه، ولا يسقط بهلاكه شيء من الدین وروي عن الإمام علي كرم الله وجهه في رواية ثانية وابن عمر وعبيد الله بن الحسن وأبي عبيد وإسحاق بن راهويه أنهما يترادان الفضل. توضيح ذلك أن المرهون إذا كانت قيمته وقيمة الدين سواء، فقد سقط الدين عن الراهن، ولا ضمان عليه في المرهون، وإن كانت أكثر سقط مقدار الدين من قيمة المرهون، وكلف المرتهن أن يؤدي إلى الراهن مقدار ما كانت قيمته تزيد على قيمة الدين وإن كانت أقل سقط من الدين مقدار المرهون، وأدى الراهن إلى المرتهن فضل ما زاد على قيمة المرهون. وروي عن الإمام علي في رواية ثالثة، وعمر وابن عمر في رواية ثانية، وابن مسعود رضي الله عنهم، وإبراهيم النخعي وقتادة، وأبي حنيفة وأصحابه، وسفيان أنه إن كانت قيمة المرهون أكثر من الدين أو مثلها سقط الدين كله، ولا غرامة على المرتهن في زيادة قيمة المرهون علی مقدار الدین، وإن کانت قیمته أقل من الدین سقطت قیمته = ٧٤ کتاب الرمن = منه، وأدى الراهن إلى المرتهن ما بقي من دينه. واختار الحسن البصري وإبراهيم النخعي في رواية ثانية عنه وشريح والشعبي والزهري وقتادة في رواية ثانية عنهما أنه مضمون بما فيه سواء أكانت قيمته مساوية للدين أم أقل أم أكثر على معنى أنه إذا تلف سقط الدين، ولا يغرم أحدهما للآخر شيئاً. ورأى الإمام مالك والأوزاعي في رواية ثانية عنه وعثمان البتي أن المرهون إن كان بين المرتهن، وكان مما يخفى كالثياب ونحوها فمضمون على المرتهن إلا أن تشهد بينة أنه تلف بغير سبب منه، وإن كان مما يظهر كالعقار والحيوان فلا ضمان فيه على المرتهن، ودينه باق بكماله حتى يؤدى إليه. هذه خمسة مذاهب تفصيلاً تؤول إلى ثلاثة، لأن ثلاثة منها متفقة على الضمان، وواحداً يرى أنه أمانة في يد المرتهن، وواحداً يفصل. احتج الأولون بما روي عن سعيد بن المسیب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا یغلق الرهن لصاحبه غنمه وعليه غرمه)) رواه الأثرم عن أحمد بن عبد الله بن يونس عن ابن أبي ذئب، ولفظه: ((الرهن من راهنه الذي رهنه، وباقيه سواء) ورواه الشافعي أيضاً موصولًا عن ابن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله أو مثل معناه من حديث ابن أبي أنيسة. وجه الدلالة: أن لا يغلق الرهن، معناه لا يسقط الحق، يؤيد هذا رواية الرهن من راهنه أي من ضمانه قال الشافعي: هذا أبلغ کلام للعرب یقولون هذا الشيء من فلان یریدون من ضمانه، وأكد هذا وعليه غرمه، عطبه ونقصه، فلا يجوز فيه إلا أن يكون ضمانه من مالكه لا من المرتهن ألا ترى أن رجلاً لو ارتهن من رجل خاتماً بدرهم يساوي درهماً فهلك الخاتم، فمن قال: يذهب درهم المرتهن بالخاتم كان قد زعم أن غرمه على المرتهن؛ لأن درهمه ذهب به وكان الراهن بريئاً من غرمه؛ لأنه قد أخذ ثمنه من المرتهن ثم لم يغرم شيئاً، وهو خلاف ما روي عنه صلى الله عليه وسلم اعترض الحنفية بأنه لا حجة فيه، لأن أحداً من أهل اللغة لم يفهم من هذا اللفظ نفي الضمان عن المرتّهن، ذكر الكرخي أن أهل العلم من السلف رحمهم الله كطاوس وإبراهيم وغيرهم اتفقوا على أن المراد لا يحبس حبساً كلياً لا يمكن فكاكه بأن يصير مملوكاً للمرتهن، واستدلوا عليه بقول الشاعر: وفارقتك برهن لا فكاك له يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا يعني: احتبس قلب المحب عند الحبيب على وجه لا يمكن فكاكه، وليس فيه ضمان ولا هلاك، والدليل عليه ما روي عن الزهري قال: كانوا في الجاهلية يرتهنون ويشترطون على الراهن إن لم يقض الدين إلى وقت كذا فالرهن مملوك للمرتهن، فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: ((لا يغلق الرهن))، وسئل سعيد بن المسيب عن معنى هذا اللفظ فقيل: أهو قول الرجل إن لم يأت بالدين إلى وقت كذا فالرهن بيع لي في الدين؟ فقال نعم، وقوله صلى الله عليه وسلم: والرهن من راهنه، يؤكد هذا المعنى أي هو على ملك راهنه الذي رهنه لا يزول ملكه بهذا الشرط، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((وله غنمه، وعليه غرمه))، معناه أنه مردود عليه في حال بقائه لا يتملك غيره علیه أو أن يباع بالدین فیزید الثمن علی الدین، فالزيادة له، وإن نقص فالنقصان عليه، وبه نقول، والصاحب في رواية ((لصاحبه غنمه وعليه غرمه)) يحتمل أن يكون هو المرتهن مجازاً كما يقال للمضارب صاحب المال. ويمكن الجواب بنظرة في الأقوال المتقدمة في هذا البحث، وذلك أننا نرى علياً رضي الله عنه وكرم الله وجهه، وعطاء، والزهري، والأوزاعي فهموا ما فهمه الشافعي وأحمد وداود وأبو ثور، وقالوا بقولهم، فلم تصح دعوى أن أحداً من أهل اللغة لم يفهمه ولا حجة في البيت؛ لأن غلق الرهن له ثلاثة معان :. الأول: استحقاق المرتهن المرهون في مقابلة دينه إذا لم يوف في الوقت المضروب. الثاني: سقوط الحق بتلفه. رواه عبد الرزاق عن معمر. الثالث: انغلاقه حتى يتعذر على الراهن فكه. فالمعنى على الأول: لا يستحقه المرتهن بدينه، وإذا قضاء من غيره انفك. وعلى الثاني: لا يسقط بتلفه شيء من الدين. وعلى الثالث: أنه لا ينغلق حتى لا يكون للراهن فكه عن الرهن بل له فكه بأن يقضى الحق أي لا يستغلق فلا يفك ولا يطلق بعد ذلك من الرهن من غلق الباب وانغلق واستغلق إذا عسر فتحه، والغلق ضد الفك قاله الأزهري. فالمعنى الذي ذهب إليه أصحاب القول الأول عربي واضح، وهو أحد معان ثلاثة للفظ = ٧٥ کتاب الرهن = بقرينة عجز الحديث، وليس في البيت دليل على اتحاد المعنى وانحصاره فيما ذكروا، والسبب المذكور لا يخصصه بالمعنى الذي قرروه إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ إذ وقوع الفعل بعد النفي يجعله عاماً لأفراد مفاهيمه؛ لأن في معنى النكرة، ولا مانع من استعمال المشترك في كل معانيه، ولا يقال: إن هذا لا يلزم الحنفية، لأن المختار عندهم أن المشترك في النفي يعم حقيقة لغة، وعليه فرع في وصايا الهداية، وفي المبسوط: حلف لا أكلم مولاك وله أعلون وأسفلون أيهم كلم حنث، ولا دلالة على تعيين المعنى الذي ذهبوا إليه فيما روي عن سعيد من تفسيره المذكور إذ هو عن اجتهاد ورواية. والرهن من راهنه، ظاهرة في أنه من ضمان راهنه كما يقال: هذا الشيء من فلان أي ضمانه كما قال الشافعي، وهو حجة في اللغة، فحمله على أنه باق على ملكه خلاف الظاهر لا سيما مع عجز الحديث، على أننا لو سلمنا ما قالوا فلا يضرنا، وعجزه هو الدليل، وحملهم ((له غنمه وعليه غرمه)) على أنه مردود عليه حال بقائه أو أنه إن بيع الخ لا دليل عليه إذ الظاهر أن الراهن مختص بكل غنمه، فيباح له استرداده للانتفاع به قيل الوفاء وإعادته للمرتهن وقت الراحة، ومختص بكل غرمه إذ كل منهما مصدر مضاف لمعرفة، فيعم، فقصر الأول على الرد عند التأدية، واستحقاق الزيادة في الثمن والثاني على نقص ثمنه عن الدين أو الإنفاق دون الهلاك قصر بلا دليل، فيكون مردوداً والحقيقة أظهر فلا يحمل الصاحب على المرتهن إلا بدليل، ولا دليل، فينصرف للراهن إذ هو المتبادر فسلم الحديث للمستدلين. ويأن المرهون وثيقته بدين ليس بعوض منه فلم يسقط الدين بهلاكه كالضامن، فلو أن رجلاً كان له على رجل ألف درهم فكفل له بها جماعة عند وجوبها أو بعده كان الحق على الذي عليه، وكان الحملاء ضامنين له كلهم، فإن لم يؤد الذي عليه الحق كان للدائن أن يأخذ الحملاء كما شرط عليهم، ولا يبرأ المدين حتى يستوفي آخر حقه، فلو مات الضامنون أو غابوا لم يسقط حقه ورجع على المدين، فكذلك الرهن لا ينقص هلاكه ولا نقصان حق المرتهن. هذا الدليل فيه قياس هلاك المرهون على موت الضامن، ولكنهم ذكروه في كتبهم مقيساً على هلاك الصك وموت الشهود، وجعلوه قياساً، مع الفارق، وإذاً فلا يتلاقى النقاش والدلیل الصحیح فسلم أیضاً. وبأن بعض المرهون أمانة، فكذلك كله کالوديعة، وتکلموا فیه بأن منشأه استبعاد أن یکون القبض واحداً والمقبوض متجزئاً بعضه أمانة، وبعضه مضمون مع أنه لا بعد فيه، وله نظير من الشارع وهي مسألة الكيس في حقيقة الاستيفاء كمن عليه عشرة دراهم مثلاً لواحد فأعطاه كيساً فيه خمسة عشر درهماً للاستيفاء منها ورد ما بقي فضاع الكيس بما فيه، فإن قدر الدين وهو العشرة مضمون على القابض، وما بقي هو والكيس أمانة في يده مع أن القبض واحد، وقد تجزأ المقبوض إما أمانة ومضمون. ومنع بأن قدر الدين مضمون في مسألة الكيس بل هو أمانة إلى أن يستوفى الدين، وما دام قد ضاع قبل استيفاء الدين فلا ضمان والدين باق بحاله، فلا تجزؤ وبأن العلماء اتفقوا على أن المرهون مملوك للراهن، وإن أراد إخراجه من يد المرتهن لم يكن له ذلك بما شرط، وأنه مأخوذ بنفقته ما كان حياً، وهو مقره في يد المرتهن مأخوذ بكفنه إن مات لأنه ملكه وإذا كان المرهون في السنة وإجماع الأمة ملكاً للراهن دفعه للمرتهن باختياره وليس له أخذه بل يتحتم عليه إبقاؤه في يده بالشريط فأي وجه لضمان المرتهن والحاكم بحكم له بحبسه للحق الذي شرط به مالكه فيه وعلى مالكه نفقته؟ وإنما یضمن من تعدی فأخذ ما ليس له أو منع شيئاً في يديه من مالكه بغير حق مثل أن يبتاع الرجل السلعة من الرجل فيدفع إليه ثمنها ويمنعه البائع السلعة فهذا يشبه الغصب والمرتهن ليس في شيء من هذه المعاني لا هو مالك للمرهون فأوجب فيه بيعاً فمنع المشتري من ملكه إياه وعليه تسليمه إليه وإنما ملك المرهون للراهن فلا هو متعد بأخذه منه ولا يمنعه إياه فلا موضع للضمان عليه في شيء من حالاته، وإنما هو رجل اشترط لنفسه على الراهن في المرهون شرطاً حلالً لازماً استوثق فيه من حقه طلب المنفعة لنفسه والاحتياط على غريمه لا مخاطراً بالارتهان لأنه لو كان المرهون إذا هلك هلك حقه كان ارتهانه مخاطرة أن سلم سلم فحقه فيه وإن تلف تلف حقه ولو كان هكذا كان شراً للمرتهن، = ٧٦ کتاب الرمن = في بعض حالاته لأن حقه إذا كان في ذمة الراهن، وفي جميع ماله لازماً أبداً كان خيراً له من أن يكون في شيء من ماله بقدر حقه فإن هلك ذلك الشيء بعينه هلك من ضمان المرتهن وسقط دينه وبرئت ذمة الراهن ولم نر ذمة رجل تبرأ إلا بأن يؤدي إلى غريمه ما له عليه أو عوضاً يتراضيان عليه فيملك الغريم العوض ويبرأ به مدينه وينقطع مالكه عنه أو يتطوع صاحب الحق بأن يبرىء منه صاحبه والمرتهن والراهن ليسا في واحد من معاني البراءة. ورد عليه أن الاستيفاء من المالية دون العين فتكون المالية هي المضمونة والعين أمانة والنفقة في الحياة والكفن في الموت للعين وهي باقية على ملكه ولا مانع من أن تكون العين أمانة والمالية مضمونة وقوله إن في الارتهان مخاطرة مردود بأن ثبوت يد الاستيفاء على المرهون يحقق معنى الصيانة وكون الراهن عند هلاك الرهن تفرغ ذمته من الدين بذلك أمر عارض لا يخرج به الرهن عن أن يكون وثيقة لحفظ حق المرتهن إذ العبرة في العقود بالموضوعات الأصلية لا لما قد يطرأ عليها، وله نظير من الشرع، وهو الحوالة. فإنها توجب الدين في ذمة المحال عليه لصيانة حق الدائن وإن كان من ضرورته فراغ ذمة المحيل، وبه لا ينعدم معنى الوثيقة، وكذا العارية فإن المقصود منها منفعة المستعير وإن كان من ضرورة حصول تلك المنفعة له أن تكون نفقة العين المستعارة عليه، فلا يخرج العقد بذلك عن أن يكون محض منفعة له إذ العبرة في العقود الشرعية بمعانيها التي شرعت لها. والجواب أن مبني على أن موجب عقد الرهن ثبوت يد الاستيفاء، ولم يتم، وبأنه لو كان قبض المرهون قبض ضمان لناب القبض فيه عن قبض الشراء إذا اشتراه المرتهن كالغاصب لما كان قبضه قبض ضمان لم يحتج إلى قبض جديد إذا اشترى الغاصب المغصوب إذ ينوب قبض الغصب عن قبض الشراء، وليس الأمر كذلك عندكم، إذا اشترى المرتهن المرهون بل لا بد من تجديد قبض للبيع حتى تترتب عليه آثاره. ورد أن المرتهن لا يصير قابضاً بنفس الشراء، لأن الشراء لاقى العين وهي أمانة، وقبض الأمانة دون قبض الشراء. ويدفع بأن هذه التفرقة لا دليل عليها إلا أن الاستيفاء من المالية، وذلك فرع ثبوت يد الاستيفاء، وقد نفيناه. وبأنه لو كان قبضه قبض ضمان على المرتهن لضمنه بالهلاك في الرهن الفاسد إذ الفاسد في حكم الضمان معتبر بالصحيح، وأنتم لا تقولون بذلك إذ المشاع عنكم إذا رهن وقبض على شيوعه لا يكون مضموناً على المرتهن. أجابوا بأن المقبوض بحكم الرهن الفاسد مضمون عندنا، فإن المسلم إذا ارتهن من ذمي خمراً أو عصيراً فتخمر في يده كان مضموناً عليه إذا هلك، وهو رهن فاسد بخلاف الباطل کالرهن بأجرة النائحة والمغنية إذ لا عقد هناك فاسد ولا جائز لانعدام الدين أصلاً ومنه المشاع الذي ذكرتموه على رأي وأما على الرأي الثاني عندنا وهو أن رهنه فاسد إذ هو مال متقوم ولكن منع من الصحة فقد شرط من شروطها فيكون مضموناً. وهو جواب على الاصطلاح الذي يفرق بين الباطل والفاسد ولا يعترف به المستدل وأما الجواب على الرأي الثاني فهو صحيح فلا يلزم هذا الدليل الحنفية وبأنه لو كان قبضه قبض ضمان لما رجع المرتهن على الراهن عن الاستحقاق والحكم عندكم إذا استحق المرهون وهو تحت سيطرة المرتهن وضمن قيمته بعد الهلاك رجع المرتهن على الراهن بالضمان والدين. أجابوا بأنه إنما يرجع بالضمان عند الاستحقاق للغرر فالراهن هو المنتفع بقبض المرهون منه حيث إنه يصير موفياً ذمته عند الهلاك في يد المرتهن فيصير المرتهن مغروراً من جهته من هذا الوجه. وهو مبني على أن موجب عقد الرهن ثبوت ید الاستیفاء ولا يخفی رده وبأنه لو كان قبضه قبض استيفاء لحقه وكان المرهون جارية ملكها وحل له وطؤها ولم يكن له ردها على الراهن اختياراً أو إلزاماً ولو أعطاه حقه إلا أن يتراضيا بأن يتبايعا فيها يبعاً جديداً ولم يكن مع هذا أن يكون حق المرتهن إلى سنة مثلًا بل يأخذه اليوم بلا رضا من الراهن وهذه اللوازم باطلة. وبأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما لم يخص رهناً دون رهن علمنا أن ما ظهر هلاكه وخفي سواء إذ اسم الراهن شامل لهما وظاهر فيهما فیبقی هكذا حتى بدل دليل على أنه خاص ليس بعام وباطن ليس بظاهر ولم يعلم دليل من كتاب أو سنة أو اجماع أو قياس صحيح خال من الطعن يوجب المصير إلى التفصيل ولو جاز بغير دليل جاز لقائل أن يعكس هذه الدعوى قائلًا : = ٧٧ كتاب الرهن = الرهن الذي يذهب به إذا هلك حق المرتهن الظاهر الهلاك لأن ما ظهر هلاكه فليس في موضع أمانة فهو كالرضا منهما بأنه بما فيه أو مضمون بقيمته وأما ما خفي هلاكه فرضا صاحبه يدفعه إلى المرتهن وهو يعلم أن هلاكه خاف رضا منه بأمانته فيه، فيكون أميناً، فإن هلك لم يهلك من مال المرتهن شيء، فليس الأول بأولى من هذا فلا يصح في هذا قول أبداً على هذا الوجه إذا جاز أن يكون خاصاً بلا دلالة. وإذا تبين أن الأدلة نهضت على أن المرهون أمانة في يد المرتهن استند الحنفية إلى ما روي عن عطاء أن رجلاً رهن فرساً عند رجل بحق فنفق الفرس عند المرتهن، فاختصما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال للمرتهن: ((ذهب حقك)). وجه الدلالة: أنه لا يجوز أن يقال: ذهب حقك في الحبس إذ هذا مما لا يشكل، ولا أن يكون المراد من الحق المطالبة برهن آخر؛ لأن ذلك لم يكن حقاً ثابتاً للمرتهن على الراهن يجب تنفيذه، فلم يبق إلا أن المراد ذهب حقك من الدين، ولأنه ذكر الحق منكراً في أول الحديث ثم أعيد معرفاً، فيكون المراد بالمعرف ما هو المراد بالمنکر قال تعالى: ﴿کما أرسلنا إلى فرعون رسولًا، فعصى فرعون الرسول﴾ اعترض هذا الدليل بما في سنده من الطعون، وبما في دلالته. أخرجه أبو داود في مراسيله عن ابن المبارك عن مصعب بن ثابت قال: سمعت عطاء يحدث: ((أن رجلاً رهن فرساً فنفق في يده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ذهب حقك)) انتهى رواه ابن أبي شيبة في مصنفه في أثناء البيوع حدثنا عبد الله بن المبارك به، قال عبد الحق في أحكامه: هو مرسل وضعيف، قال ابن القطان في كتابه: ومصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير ضعيف كثير الغلط وإن كان صدوقاً انتهى. قال الدارقطني: يرويه إسماعيل بن أمية، وكان كذاباً. من هذا نرى أنه نازل إلى درجة من الضعف تجعله غير منظور إليه في باب الاستدلال على أن قول عطاء يخالفه مع أنه مروي عنه، وهذا يرجع لدى العقل أنه غير ثابت عنه أو غير صالح في نظره، ومع هذا يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم أراد ذهب حقك من الوثيقة بدليل أنه لم يسأل عن قدر الدين وقيمة الفرس، فلم يتعين ما عينوه بل هذا الاحتمال هو الراجح فلم ينهض. وإلى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((الرهن بما فيه ذهبت الرهان بما فيها)، وفي رواية ((إذا عمي الرهن فهو بما فيه)). إذ الذهاب هو الهلاك، فيكون المعنى هلاك الرهان يكون بما رهنت فيها من الديون وعلى الرواية الثانية إذا اشتبهت قيمة الرهن بعد هلاكه بأن قال كل من الراهن والمرتهن: لا أدري کم کانت قیمته، فإن هلاكه یکون بما رهن فيه من الدین. وتعقب هذا الدليل بما في سنده ثم دلالته. قال عليه الصلاة والسلام: ((إذا عمي الرهن فهو بما فيه)) قلت: روي مسنداً ومرسلًا، فالمسند رواه الدار قطني في سننه في البيوع ص ٣٠٢ حدثنا محمد بن مخلد ثنا أحمد بن غالب ثنا عبد الکریم بن روح عن هشام بن زياد عن حميد عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الرهن بما فيه)) انتهى، قال الدارقطني: هذا لا يثبت عن حميد ومن بينه وبين مشايخنا كلهم ضعفاء ثم أخرجه عن إسماعيل بن أمية ثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن أنس مرفوعاً نحوه قال: وهذا باطل عن حماد، وقتادة، وإسماعيل هذا يضع الحديث، قال ابن الجوزي في التحقیق: الأول فيه أحمد بن محمد بن غالب، وهو غلام خلیل کان كذاباً يضع الحديث، وعبد الكريم بن روح ضعفه الدارقطني، وقال أبو حاتم الرازي: مجهول، وهشام بن زياد قال يحيى ليس بشيء، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال ابن حبان: ينفرد عن الثقات بالمعضلات، وفي الثاني إسماعيل بن أمية قال الدارقطني: يضع الحديث وفي التعليق على نصب الراية (روي هذا الحديث من ثلاثة طرق عند الدارقطني الأول والثاني كما في التخريج، والثالث: ثنا عبد الباقي بن قانع نا عبد الوارث بن إبراهيم نا إسماعيل بن أبي أمية نا سعيد بن راشد نا حميد الطويل عن أنس فقول ابن الجوزي: وفي الثاني سعید بن راشد على ما قال بل هو في الحديث الثالث وسعيد بن راشد قال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال النسائي: متروك الحديث وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به انتهى وعبارة التعليق معترضة بين كلام ابن الجوزي وأما المرسل فرواه أبو داود في مراسيله عن علي بن سهل الرملي ثنا الوليد ثنا الأوزاعي عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم = ٧٨ ٤ كتاب الرهن = قال: ((الرهن بما فيه)) انتهى قال ابن القطان: مرسل صحيح انتهى، وأخرجه أيضاً عن طاوس مرفوعاً نحوه سواء، وأخرج أيضاً عن أبي الزناد قال: إن أناساً يوهمون في قوله عليه الصلاة والسلام: ((والرهن بما فيه)) وإنما قال ذلك فيما أخبرنا الثقة من الفقهاء إذا هلك، وعميت قيمته، يقال حينئذ للذي رهنه زعمت أن قیمته مائة دينار أسلمته بعشرين ديناراً، ورضيت بالرهن، ويقال للآخر: زعمت أن ثمنه عشرة دنانير فقد رضيت به عوضاً عن عشرين ديناراً، وأخرج الطحاوي في شرح الآثار في باب الرمن يهلك في ید المرتهن بسند صحيح عن أبي الزناد. قال: أدركت من فقهائنا الذين ينتهى إلى قولهم منهم سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وخارجة بن زيد، وعبيد الله في مشيخة من نظرائهم أهل فقه، وصلاح، وفضل فذكر ما جمع من أقاويلهم في كتابه على هذه الصفة أنهم قالوا: ((الرهن بما فيه إذا كأن هلك وعميت قيمته)) ويرفع ذلك منهم الثقة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: ((الرهن بما فيه)) وهو حديث واحد روي بعدة روايات، هذه خلاصة ما قاله العلماء في سند هذا الحديث تبين أن المسند مطعون في رواته بالكذب والضعف والوضع، وأن المرسل وإن كان رجاله ثقات إلا أنه ليس في قوة حدیث: ((لا يغلق الرهن الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه))؛ لأنه وصل من طرق تكاد تكون صحيحة، فلا يعارضه فتسقط دلالته. على أنه لو كان في قوته لاحتمل أن المرهون محبوس بما فيه أو مضمون بما فيه عند تعدي المرتهن أو تفريطه جمعاً بينه وبين حديث ((لا يغلق) فلا ينهض على ما قالوا. وإلى الإجماع: روي عن علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه أنه قال: ((يترادان الفضل في الرهر)) وفيه دليل على أن المقبوض بحكم الرهن مضمون، وتقدم توضيحه بالمثال، وروي عن عمر وابن مسعود رضي الله عنهما أنهما قالا: ((إنه مضمون بالأقل من قيمته ومن الدين، فإذا كانت القيمة أكثر فالمرتهن في الفضل أمين، وهكذا روى محمد بن الحنفية عن علي رضي الله عنه، وكرم الله وجهه: ((أن المرتهن في الفضل أمين)) وروي عن الحسن البصري وشريح ومن معهما أنه مضمون بما فيه قلت قيمته أو كثرت، فإنه ورد عن شريح: ((الرهن بما فيه وإن كان خاتماً من حديد بمائة درهم)). هذا بيان الاختلاف الذي كان بين المتقدمين في الرهن، وهذه الأقوال الثلاثة متفقة في أصل الضمان ومجمعة عليه إلى أن أحدث الشافعي قولاً رابعاً أنه أمانة، ولا يسقط شيء من الدين بهلاكه، وهو مخالف للإجماع فيرد. نظرة منصفة ترينا مكانة هذا الإجماع. إذا بحثنا علمنا أنه لم يجىء فيه كلمة إلا عن عمر وعلي وابن عمر وابن مسعود رضي الله عنهم من الصحابة. فأما عمر فلم يصح عنه ذلك لأنه من رواية عبيد بن عمير، وعبيد لم يولد إلا بعد موت عمر أو أدركه صغيراً لم يسمع منه شيئاً، قال البيهقي: ليس بمشهور عن عمر، وأما ابن عمر فلم یصح عنه؛ لأنه من رواية إبراهيم بن عمير عنه، وهو مجهول وقد روي عنه (يترادان الفضل)) وهو خلاف قول الحنفية وأما علي: فمختلف عنه في ذلك، وأصح الروايات عنه إسقاط التضمين فيما أصابته جائحة قال ابن حزم: روينا من طريق الحجاج بن منهال نا همام بن يحيى أنا قتادة عن خلاس أن علي بن أبي طالب قال في الرهن: ((يترادان الفضل فإن أصابته جائحة برىء) فصح أنه لم يتراد الفضل إلا فيما تلف. بجناية المرتهن لا فيما أصابته جائحة بل رأى البراءة له فيما أصابته جائحة. وأما عن ابن مسعود فهو غريب. وصح عن عطاء أنه قال: الرهن وثيقة إن هلك، فليس عليه عزم بأخذ الذي له كله وصح عن الزهري أنه قال في الرهن يهلك: إنه لم يذهب حق هذا إنما هلك من رب الرهن له غنمه، وعليه غرمه. فأين إجماع المتقدمين؟ ومن هنا يتبين أن دعوى إحداث الشافعي أن المرهون أمانة في يد المرتهن لا ظل لها من الحقيقة. وإلى أن الثابت للمرتهن يد الاستيفاء والحبس الدائم، لأن لفظه ينبىء عنه، والأحكام الشرعية تثبت على وفق معانيها اللغوية؛ ولأن الرهن وثيقة لجانب الاستيفاء، وهو أن يكون موصلاً إليه، ويثبت ذلك بملك السيد والحبس ليقع الأمن من الجحود مخافة جحود المرتهن المرهون، وليكون عاجزاً عن الانتفاع به فيسارع إلى قضاء الدين ولضجره؛ فإذا ثبت هذا المعنى ثبت الاستيفاء من وجه، وقد تقرر = ٧٩ کتاب الرمن قال في الاختيار: ويهلك على ملك الراهن حتى يكفنه لأنه ملكه حقيقة، وهو أمانة في يد المرتهن، حتى لو اشتراها لا ينوب قبض الرهن عن قبض الشراء لأنه أمانة فلا ينوب عن قبض الضمان، وإذا كان ملكه فمات كان كفنه عليه ا هـ. حموي على الأشباه. واحترز عما إذا استهلكه فإن يضمن جميعه كما يأتي بيانه وأطلقه فشمل ما إذا شرط عدم = بالهلاك، فلو استوفى الدين بعده أدى إلى الربا إذ يكون استيفاء ثانياً، ولا يلزم ذلك حال قيام الرهن؛ لأن استيفاء الأول ينتقض بالرد على الراهن فلا يتكرر، ولا يقال: إنما صار مستوفياً بملك اليد لا بملك الرقبة وقد بقي حقه من ملك الرقبة فكان له أن يستوفي ليأخذ حقه كاملاً، أو صار مستوفياً بالمالية دون العين فيكون له الاستيفاء ثانياً ليأخذ حقه كاملاً في العين، لأنا نقول: لا وجه إلى استيفاء الباقي، وهو ملك الرقبة بدون ملك السيد أو ملك العين بدون ملك المالية؛ إذ لا يتصور ذلك فيسقط للضرورة كما إذا استوفى زيوفاً مكان الجياد، فإن حقه في الجودة يبطل لعدم تصور استيفاء الجودة وحدها بدون العين، فإذا لم يملك العين بقي ملك الراهن فيها، فتكون أمانة في يد المرتهن، ولهذا كانت نفقة المرهون حياً وكفنه ميتاً على الراهن؛ لأنهما مؤونة ملكه. ورد عليه أن ثبوت يد الاستيفاء والحبس الدائم ليسا بموجبي عقد الرهن، ولو سلم ذلك لزم محظور آخر خلاف محظور الربا، وهو أنه إذا لم يستوفه ثانياً أصلاً أدى إلى ضياع بعض حقه، وهو استيفاء الرقبة، والتأدي إلى ضياع حق المسلم محظور شرعاً أيضاً، فما الوجه، في ترجيح اختيار هذا المحظور على اختيار المحظور الآخر أي محظور الربا؟ لا شك أنه ترجيح بلا مرجح، وهو باطل. وإلى أن المرهون قبض للاستيفاء فيضمنه من قبضه لذلك، وكذا نائبه كحقيقة الاستيفاء. تعقب بأن المستوفي صار ملكاً للمستوفي، وله نماؤه وغنمه، فكان عليه ضمانه وغرمه بخلاف الرهن. وإلى أنه محبوس بدين، فكان مضموناً كالمبيع إذا حبس لاستيفاء ثمنه، واعترض بمنع أن المبيع قبل القبض مضمون. استدل الإمام مالك ومن معه بالاستحسان، ومعناه أن التهمة تلحق فيما يغاب عليه، ولا تلحق فيما لا يغلب عليه، وقد اختلفوا في معنى الاستحسان الذي يذهب إليه الإمام مالك فيضعفه قوم، وقالوا: إِن قول بغير دليل، ومعنى الاستحسان عن مالك أنه جمع بين الأدلة المتعارضة، وإذا كان كذلك فليس هو قولًا بغير دليل. فكأنه جمع بين الأدلة المثبتة للضمان وبين الأدلة المثبتة لأمانة المرتهن بأن هذه فيما يخفى، وهذه فيما يظهر. ونوقش بأن أدلة الضمان لم تصح فلا حاجة إلى الجمع، وعلى فرض صحتها فالجمع بأن أدلة الضمان محمولة على حالة التعدي والتفريط أولى. قال الشافعي بعد أن ذکر صوراً بین فیها تناقض القائلین بالضمان وبأن الزيادة أمانة: أخبرني من أثق به عن بعض من نسب إلى العلم منهم أنه يقول: لو رهن الجارية بألف ثم أدى الألف إلى المرتهن وقبضها منه ثم دعاه بالجارية فهلكت قبل أن يدفعها إليه هلكت من مال الراهن، وكانت الألف مسلمة للمرتهن؛ لأنها حقه، فإن کان هذا فقد صاروا إلى قولنا، وتركوا جميع قولهم. ورد على القائلين بأن الرهن بما فيه حين قال قائل منهم: ألا ترى أنه لما دفع الرهن يعني بشيء بعينه نفى هذا دلالة على أنه قد رضي الراهن والمرتهن بأن يكون الحق في الرهن؟ قال الشافعي: ليس في ذلك دلالة على ما قلت، قال: وكيف؟ قال الشافعي: إنما الرضا بأن يتبايعاه فيكون ملكاً للمرتهن، فيكون حينئذ رضا منهما به، ولا يعود إلى ملك الرهن إلا بتجديد بيع منه، وهذا في قولنا وقولكم ملك للراهن، فأي رضا منهما وهو ملك للراهن بأن يخرج من ملك الراهن إلى ملك المرتهن؟ فإن قلت: إنما يكون الرضا إذا هلك فإنما ينبغي أن يكون الرضا عند العقدة والدفع، فالعقدة والدفع كانا والمرهون ملك للراهن، ولا يتحول حکمه عما دفع به، لأنه الحكم عندنا وعندك في كل أمر فيه عقدة إنما هو على العقدة. ولعلي أكون بعد ما قدمت منصفاً إذا رجحت رأي القائلين إنه أمانة عند المرتهن، ولا يسقط بهلاكه شيء من الدين، والله أعلم بالصواب. انظر الرهن للأستاد حسن مصطفى. مغني الحنابلة ص٤/ ٤٤٢، المحلى لابن حزم ص ٩٦/٨، فتح العزيز ص ١٣٨/١٠، بداية المجتهد ص ٢٣٩/٢، المبسوط ص ٦٤/٢١، منتقى الباجي ٤٤٤/٥ الخرشي ٢٥٦/٥. ٨٠ کتاب الرهن بالأقل من قيمته ومن الدين) وعند الشافعي هو أمانة (والمعتبر قيمته يوم القبض) لا الضمان لو ضاع، فالرهن جائز، والشرط باطل، ويهلك بالدين كما في الخلاصة وغيرها، وشمل ما لو نقص بعيب. ففي جامع الفصولين: لو رهناً قنا فأبق سقط الرهن، فلو وجده عاد رهناً ويسقط من الدين بحسابه لو كان أول إباقة، وإلا فلا يسقط شيء اهـ. وسيجيء آخر الرهن. وشمل الرهن الفاسد أيضا فإنه يعامل معاملة الصحيح على ما يأتي بيانه في آخر الرهن. تنبيه ذكر في الفصل الثلاثين من العمادية: لو رهن عبدين بألف وهلك أحدهما وقيمة الهالك أكثر من الدين لا يسقط كل الدين بهلاكه بل يقم الدين على قيمة الحي وقيمة الهالك، فما أصاب الهالك يسقط، وما أصاب الباقي يبقى، وكذا إذا رهن داراً بألف وخربت يقسم الدين على قيمة البناء وقيمة العرصة يوم القبض، فما أصاب البناء يسقط، وما أصاب العرصة يبقى. كذا في المبسوط اهـ. وبيانه ما في التاترخانية: رهن فرواً قيمته أربعون درهماً بعشرة دراهم فأكله السوس فصار قيمته عشرة فإنه يفتكه بدرهمين ونصف اهـ: أي لأن الهالك ثلاثة أرباع الرهن فيسقط من الدين بقدره كما في البزازية، فليحفظ ذلك فإنه يخفي على کثیر، وسیذکر آخر الباب الآتي: لو ذهبت عين الدابة يسقط ربع الدين ويأتي بيانه، وسيأتي أن نقصان السعر لا يوجب سقوط الدين بخلاف نقصان العين، وأن نماء الرهن الذي صار رهناً تبعاً يهلك مجاناً الا إذا هلك بعد هلاك الأصل، ویأتي بیان الجمیع إن شاء الله تعالى. قوله: (بالأقل من قیمته ومن الدين) قال في النهاية: وفي بعض نسخ القدوري بأقل بدون الألف واللام وهو خطأ. واعتبر هذا بقول الرجل مررت بأعلم من زيد وعمرو يكون الأعلم غيرهما، ولو كان بالأعلم من زيد وعمرو يكون واحداً منهما، فكلمة من للتمييز اهـ. وقال في الموصل شرح المفصل: إن من هذه ليست من التفضيلية التى لا تجامع اللام، وإنما هي من التبيينية في قولك أنت الأفضل من قريش كما تقول أنت من قريش اهـ. شرنبلالية. فالمراد أنه لو كانت القيمة أقل من الدين أو بالعكس فهو مضمون بلأقل منهما الذي هو أحدهما، ولو قيل بأقل منكرا اقتضى أنه يضمنٍ بشيء ثالث غيرهما هو أقل منهما وليس بمراد، إلا أن يقال كما في القهستاني: أي بدين أو بقيمة أقل من قيمته من الدين مرتباً، فكلمة ((من) تفضيلية والمفضل الدين أولاً والقيمة ثانياً والمفضل عليه بالعكس اهـ. فالمعنى بدين أقل من قيمتة أو بقيمة أقل من الدين، ولا يخفى ما فيه. قوله: (وعند الشافعي هو أمانة) أي كله له أمانة في يد المرتهن لا يسقط شيء من الدين بهلاكه. وتمام الكلام في المطولات قوله: (والمعتبر قيمته يوم القبض). قال في الخلاصة: وحكم الرهن أنه لو هلك في يد المرتهن أو العدل ينظر إلى قيمته يوم القبض وإلى الدين، فإن كانت قيمته مثل الدين سقط الدين بهلاكه الخ.