النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ کتاب الأشربة هي ورق القنّب (والأفيون) لأنه مفسد للعقل ويصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة (لکن دون حرمة الخمر، فإن أکل شیئاً من ذلك لا حدّ علیه وإن سکر) منه (بل بعذر بما دون الحد) كذا في الجوهرة، وكذا تحرم جوزة الطيب لكن دون حرمة الحشيشة. قاله المصنف. ونقل عن الجامع وغيره أن من قال بحلّ البنج الشافعية بأن العبرة لما يغيب العقل بالنظر لغالب الناس بلا عادة قوله: (وهي ورق القنب) قال ابن البيطار: ومن القنب الهندي نوع يسمى بالحشيشة يسكر جداً إذا تناول منه يسيراً قدر درهم، حتى أن من أكثر منه أخرجه إلى حد الرعونة، وقد استعمله قوم فاختلت عقولهم، وربما قتلت، بل نقل ابن حجر عن بعض العلماء أن في أكل الحشيشة مائة وعشرين مضرة دينية ودنيوية، ونقل عن ابن تيمية أن من قال بحلها كفر. قال: وأقره أهل مذهبه اهـ. وسيأتي مثله عندنا قوله: (والأفيون) هو عصارة الخشخاش، یکرب ويسقط الشهوتين إذا تمودي عليه، ويقتل إلى درهمين، ومتى زاد أكله على أربعة أيام ولاءاً اعتاده بحيث يفضي تركه إلى موته لأنه يخرق الأغشية خروقاً لا يسدها غيره، كذا في تذكرة داود قوله: (لأنه مفسد للعقل) حتى يصير للرجل فيه خلاعة وفساد. جوهرة قوله: (وإن سكر) لأن الشرع أوجب الحد بالسكر من المشروب لا المأكول. إتقاني قوله: (كذا في الجوهرة) الإشارة إلى قوله ويحرم أكل البنج الخ قوله: (وكذا تحرم جوزة الطيب) وكذا العنبر والزعفران كما في الزواجر لابن حجر المكي، وقال: فهذه كلها مسكرة، ومرادهم بالإسكار هنا تغطية العقل لا مع الشدة المطربة لأنها من خصوصيات المسكر المائع، فلا ينافي أنها تسمى مخدرة، فما جاء في الوعيد على الخمر يأتي فيها لاشتراكهما في إزالة العقل المقصود للشارع بقاؤه اهـ. أقول: ومثله زهر القطن فإنه قويّ التفريح يبلغ الإسكار كما في التذكرة، فهذا كله ونظائره يحرم استعمال القدر المسكر منه دون القليل كما قدمناه، فافهم. ومثله بل أولى البرش وهو شيء مركب من البنج والأفيون وغيرهما، ذكر في التذكرة أن إدمانه يفسد البدن والعقل، ويسقط الشهوتين، ويفسد اللون، وينقص القوى وينهك، وقد وقع به الآن ضرر كثير اهـ قوله: (قاله المصنف) وعبارته: ومثل الحشيشة في الحرمة جوزة الطيب، فقد أفتى كثير من علماء الشافعية بحرمتها، وممن صرح بذلك منهم ابن حجر نزيل مكة في فتاواه والشيخ كمال الدين بن أبي شريف في رسالة وضعها في ذلك، وأفتى بحرمتها الأقصراوي من أصحابنا، وقفت على ذلك بخطه الشریف لکن قال: حرمتها دون حرمة الحشیش، والله أعلم اهـ. أقول: بل سيذكر الشارح حرمتها عن المذاهب الأربعة قوله: (من الجامع) أي ٤٢ كتاب الأشربة والحشيشة فهو زنديق مبتدع، بل قال نجم الدين الزاهدي: إنه يكفر ويباح قتله. قلت: ونقل شيخنا النجم الغزي الشافعي في شرحه على منظومة أبيه البدر المتعلقة بالكبائر والصغائر عن ابن حجر المكي أنه صرّح بتحريم جوزة الطيب بإجماع الأئمة الأربعة وأنها مسكرة. ثم قال شيخنا النجم: والتتن الذي حدث وكان جامع الفتاوى قوله: (والحشيشة) عبارة المصنف: وهو الحشيشة قوله: (فهو زنديق مبتدع) قال في البحر: وقد اتفق على وقوع طلاقه: أي آكل الحشيش فتوى مشايخ المذهبين الشافعية والحنفية لفتواهم بحرمته وتأديب باعته، حتى قالوا: من قال بحله فهو زنديق، كذا في المبتغى بالمعجمة وتبعه المحقق في فتح القدير اهـ قوله: (بل قال نجم الدين الزاهدي الخ) هذا ذكره المصنف نقلاً عن خط بعض الأفاضل. ورده الرملي بأنه لا التفات إليه ولا تعويل عليه، إذ الكفر بإنكار القطعيات وهو ليس كذلك اهـ ملخصاً. أقول: ويؤيده ما مر متناً من أن الأشربة الأربعة المحرمة حرمتها دون حرمة الخمر فلا يكفر مستحلها فعلى هذا يشكل أيضاً الحكم عليه بأنه زنديق مع أنه أقرّه في الفتح والبحر وغيرها، والزنديق يقتل ولا تقبل توبته. لكن رأيت في الزواجر لابن حجر ما نصه: وحكى القرافي وابن تيمية الإجماع على تحريم الحشيشة. قال: ومن استحلها فقد كفر. قال: وإنما لم يتكلم فيها الأئمة الأربعة لأنها لم تكن في زمنهم، وإنما ظهر في آخر المائة السادسة وأول المائة السابعة حين ظهرت دولة التتار اهـ بحروفه. فليتأمل قوله: (والتتن الخ) أقول قد اضطرت آراء العلماء فيه، فبعضهم قال بكراهته، وبعضهم قال بحرمته، وبعضهم بإباحته، وأفردوه بالتأليف، وفي شرح الوهبانية للشرنبلالي: [الطويل] وَيُمْنَعُ مِنْ بَيْعِ الدُّخَانِ وَشُرْبِهِ وَشَارِبِهُ فِي الصَّوْمِ لَ شَكَّ يُفْطِرُ وفي شرح العلامة الشيخ إسماعيل النابلسي والد سيدنا عبد الغني على شرح الدرر بعد نقله أن للزوج منع الزوجة من أكل الثوم والبصل وكل ما ينتن الفم. قال: ومقتضاه المنع من شربها التتن لأنه ينتن الفم خصوصاً إذا كان الزوج لا يشربه أعاذنا الله تعالى منه، وقد أفتى بالمنع من شربه شيخ مشايخنا المسيري وغيره اهـ. وللعلامة الشيخ علي الأجهوري المالكي رسالة في حله نقل فيها أنه أفتى بحله من يعتمد عليه من أئمة المذاهب الأربعة. قلت: وألف في حله أيضاً سيدنا العارف عبد الغني النابلسي رسالة سماها ((الصلح بين الإخوان في إباحة شرب الدخان)) وتعرض له في كثير من تأليفه الحسان، وأقام الطامة الكبرى على القائل بالحرمة أو بالكراهة، فإنهما حكمان شرعيان لا بد لهما من دليل ولا دلیل علی ذلك، فإنه لم يثبت إسکاره ولا تفتیره ولا إضراره، بل ثبت له منافع، فهو داخل تحت قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة، وإن فرض إضراره للبعض لا يلزم منه تحريمه على كل أحد، فإن العسل يضرّ بأصحاب الصفراء الغالبة، وربما أمرضهم مع أنه : ٤٣ كتاب الأشربة حدوثه بدمشق في سنة خمسة عشر بعد الألف يدعي شاربه أنه لا يسكر وإن سلم له فإنه مفتر، وهو حرام لحديث أحمد عن أم سلمة قالت: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر)) قال: وليس من الكبائر تناوله المرة والمرتين، ومع نهي وليّ الأمر عنه حرم قطعاً، على أن استعماله شفاء بالنص القطعي، وليس الاحتياط في الافتراء على الله تعالى بإثبات الحرمة أو الكراهة اللذين لا بد لهما من دليل، بل في القول بالإباحة التي هي الأصل. وقد توقف النبي وَله مع أنه هو المشرّع في تحريم الخمر أم الخبائث حتى نزل عليه النص القطعي، فالذي ينبغي للإنسان إذا سئل عنه سواء كان ممن يتعاطاه أو لا كهذا العبد الضعيف وجميع من في بيته أن يقول هو مباح، لكن رائحته تستكرهها الطباع، فهو مكروه طبعاً لا شرعاً إلى آخر ما أطال به رحمه الله تعالى، وهذا الذي يعطيه كلام الشارح هنا حيث أعقب كلام شيخه النجم بكلام الأشباه ويكلام شيخه العمادي وإن كان في الدر المنتقى جزم بالحرمة، لكن لا لذاته بل لورود النهي السلطاني عن استعماله ویأتیت الكلام فيه قوله: (فإنه مفتر) قال في القاموس: فتر جسمه فتوراً: لانت مفاصله وضعف، والفتار كغراب: ابتداء النشوة، وأفتر الشراب: فتر شاربه قوله: (وهو حرام) مخالف لما نقل عن الشافعية، فإنهم أوجبوا على الزوج کفایتها منه اهـ. أبو السعود. فذكروا أن ما ذهب إليه ابن حجر ضعيف، والمذهب كراهة التنزيه إلا لعارض. وذكروا أنه إنما يجب للزوجة على الزوج إذا كان لها اعتیاد، ولا يضرها ترکه فیکون من قبیل التفکه، أما إذا كانت تتضرر بتركه فیکون من قبيل التداوي وهو لا يلزمه ط قوله: (ومع نهي ولي الأمر عنه الخ) قال سيدي العارف عبد الغني: ليت شعري أيّ أمر من أمریه يتمسك به أمره الناس بتركه أم أمره بإعطاء المكس عليه، وهو في الحقيقة أمر باستعماله، على أن المراد من أولي الأمر في الآية العلماء في أصح الأقوال كما ذكره العيني في آخر مسائل شتى من شرح الكنز. وأيضاً هل منع السلاطين الظلمة المصرّين على المصادرات وتضييع بيوت المال وإقرارهم القضاة وغيرهم على الرشوة والظلم يثبت حكماً شرعياً وقد قالوا: من قال لسلطان زماننا عادل كفر اهـ ملخصاً. أقول: مقتضاه أن أمراء زماننا لا يفيد أمرهم الوجوب، وقد صرحوا في متفرقات القضاة عند قول المتون: أمرك قاض برجم أو قطع أو ضرب قضي فيه وسعك فعله بقولهم لوجوب طاعة وليّ الأمر. قال الشارح هناك: ومنعه محمد حتى يعاين الحجة، واستحسنوه في زماننا. وبه يفتی الخ. وذكر العلامة البيري في أواخر شرحه على الأشباه أن من شروط الإمامة: أن يكون عدلاً بالغاً أميناً ورعاً ذكراً موثوقاً به في الدماء والفروج والأموال، زاهداً متواضعاً مسايساً ٤٤ كتاب الأشربة ربما أضرّ بالبدن، نعم الإصرار عليه كبيرة كسائر الصغائر اهـ بحروفه. وفي الأشباه في قاعدة: الأصل الإباحة أو التوقف، ويظهر أثره فيما أشكل حاله کالحیوان المشکل أمره والنبات المجهول سمته اهـ. قلت: فيفهم منه حكم النبات الذي شاع في زماننا المسمى بالتتن فتنبه، وقد كرهه شيخنا العمادي في هديته إلحاقاً له بالثوم والبصل بالأولى، فتدبر. وممن جزم في موضع السياسة. ثم إذا وقعت البيعة من أهل الحل والعقد من مع صفته ما ذكر صار إماماً يفترض إطاعته كما في خزانة الأكمل. وفي شرح الجواهر: تجب إطاعته فيما أباحه الشرع، وهو ما يعود نفعه على العامة، وقد نصوا في الجهاد على امتثال أمره في غير معصية. وفي التاتر خانية. إذا أمر الأمير العسکر بشيء فعصاه واحد لا یؤدبه في أول وهلة بل ینصحه، فإن عاد بلا عذر أدّبه اهـ ملخصاً. وأخذ البيري من هذا: أنه لو أمر بصوم أيام الطاعون ونحوه يجب امتثاله. أقول: وظاهر عبارة خزانة الفتاوى لزوم إطاعة من استوفى شروط الإمامة، وهذا يؤيد كلام العارف قدس سره، لكن في حاشية الحموي ما يدل على أن هذه الشروط لرفع الإثم لا لصحة التولية فراجعه قوله: (ربما أضر بالبدن) الواقع أنه يختلف باختلاف المستعملين ط قوله: (الأصل الإباحة أو التوقف) المختار الأول عند الجمهور من الحنفية والشافعية كما صرح به المحقق ابن الهمام في تحرير الأصول قوله: (فيفهم منه حكم النبات) وهو الإباحة على المختار أو التوقف. وفيه إشارة إلى عدم تسليم إسكاره وتفتيره وإضراره، وإلا لم يصح إدخاله تحت القاعدة المذكورة ولذا أمر بالتنبه قوله: (وقد كرهه شيخنا العمادي في هديته) أقول: ظاهر كلام العمادي أنه مكروه تحريماً ويفسق متعاطيه، فإنه قال في فصل الجماعة: ويكره الاقتداء بالمعروف بأكل الربا أو شيء من المحرمات، أو يداوم الإسرار على شيء من البدع المكروهات کالدخان المبتدع في هذا الزمان ولا سيما بعد صدور منع السلطان اهـ. وردّ عليه سيدنا عبد الغني في شرح الهدية بما حاصله ما قدمناه، فقول الشارح إلحاقاً له بالثوم والبصل فيه نظر، إذ لا يناسب كلام العمادي. نعم إلحاقه بما ذكر هو الإنصاف. قال أبو السعود: فتكون الكراهة تنزيهية، والمكروه تنزيها يجامع الإباحة اهـ. وقال ط: ويؤخذ منه كراهة التحريم في المسجد للنهي الوارد في الثوم والبصل وهو ملجق بهما، والظاهر كراهة تعاطيه حال القراءة لما فيه من الإخلال بتعظيم كتاب الله تعالى اهـ قوله: (وممن جزم الخ) قد علمت إجماع العلماء على ذلك. تتمة: لم يتكلم علی حکم قهوة البن، وقد حرّمها بعضهم ولا وجه له کما في تبیین المحارم وفتاوى المصنف وحاشية الأشباه للرملي. قال شيخ الشارح النجم الغزي في تاريخه في ترجمة أبي بكر بن عبد الله الشاذلي المعروف بالعبدروس: إنه أول من اتخذ القهوة لما مر ٤٥ کتاب الصيد بحرمة الحشيشة شارح الوهبانية في الحظر، ونظمه فقال: [الطويل] وَأَقْتَوْا بِتَحْرِيمِ الحَشِيشِ وَحَرْقِهِ وَتَطْلِقٍ مُخْتَشِ لِزَجْرٍ وَقَرَّرُوا لِبَائِعِه التَّأَدِيّبَ وَالفِسْقَ أَثْبَتُوا وَزَنْدَقَةً لِلْمُسْتَحِلٌ وَحَرَّرُوا كِتَابُ الْصَّيْدِ لعل مناسبته أن كلّ منهما مما يورث السرور (وهو مباح) في سياحته بشجر البن فاقتات من ثمره، فوجد فيه تجفيفاً للدماغ واجتلاباً للسهر وتنشيطاً للعبادة، فاتخذه قوتاً وطعاماً وأرشد أتباعه إليه، ثم انتشرت في البلاد. واختلف العلماء في أول القرن العاشر: فحرمها جماعة ترجح عندهم أنها مضرة آخرهم بالشام والد شيخنا العيناوي والقطب بن سلطان الحنفي وبمصر أحمد بن أحمد بن عبد الحق السنباطي تبعاً لأبيه، والأكثرون إلى أنها مباحة، وانعقد الإجماع بعدهم على ذلك، وأما ما ينضم إليها من المحرمات فلا شبهة في تحريمه اهـ ملخصاً. خاتمة: سئل ابن حجر المكي عمن ابتلى بأكل نحو الأفيون وصار إن لم يأكل منه هلك. فأجاب: إن علم ذلك قطعاً حل له، بل وجب لاضطراره إلى إبقاء روحه كالميتة للمضطر، ويجب عليه التدريج في تنقيصه شيئاً فشيئاً حتى يزول تولع المعدة به من غير أن تشعر، فإن ترك ذلك فهو آثم فاسق اهـ ملخصاً. قال الرملي: وقواعدنا لا تخالفه. فرع: قدمنا في الحظر والإباحة عن التاترخانية أنه لا بأس بشرب ما يذهب بالعقل لقطع نحو أكله. أقول: ينبغي تقييده بغير الخمر، وظاهره أنه لا يتقيد بنحو بنج من غير المائع، وقيده به الشافعية، والله تعالى أعلم. كِتَابُ الصَّيْدِ مصدر صاده: إذا أخذه فهو صائد وذاك مصيد، ويسمى المصيد صيداً فيجمع صيوداً، وهو كل ممتنع متوحش طبعاً لا يمكن أخذه إلا بحيلة. مغرب. فخرج بالممتنع مثل الدجاج والبط، إذ المراد منه أن یکون له قوائم أو جناحان يملك علیهما ويقدر على الفرار من جهتهما، وبالمتوحش مثل الحمام، إذا معناه أن لا يألف الناس ليلاً ونهاراً، ويطبعاً ما يتوحش من الأهليات فإنها لا تحل بالاصطياد وتحل بذكاة الضرورة ودخل به متوحش بألف كالظبي لا يمكن أخذه إلا بحيلة، وتمامه في القهستاني: أي فالظبي وإن كان مما یألف بعد الأخذ إلا أنه صيد قبله يحل بالاصطياد، ودخل فيه ما لا یؤکل کما یآتي قوله: (مما يورث السرور) وقيل الغفلة واللهو، لحديث ((مَنِ أَتَّبَعَ الصَّيْدَ فَقَدْ غَفَلَ(١)» وفي (١) أخرجه أبو داود في الصيد باب (٤) والنسائي في الصيد والذبائح باب (٢٣) والترمذي (٢٢٥٦) وأحمد ١/ ٣٥٧، ٣٧١/٢ والطبراني في الكبير ٥٧/١١ والبيهقي ١٠١/١٠، ١١٩. ٤٦ کتاب الصيد بخمسة عشر شرطاً مبسوطة في العناية وسنقرره في أثناء المسائل (إلا) لمحرم في غير الحرم أو (للتلهي) كما هو ظاهر (أو حرفة) على ما في الأشباه. قال المصنف: وإنما زدته تبعاً له، وإلا فالتحقيق عندي إباحة اتخاذه حرفة لأنه نوع من الاكتساب، وكل أنواع الكسب في الإباحة سواء على المذهب الصحيح السعدية: ولأن الصيد من الأطعمة ومناسبتها للأشربة غير خفية، وكل منها فيه ما هو حلال وحرام قوله: (بخمسة عشر شرطاً) خمسة في الصائد: وهو أن يكون من أهل الذكاة، وأن يوجد منه الإرسال، وأن لا يشاركه في الإرسال من لا يحل صيده، وأن لا يترك التسمية عامداً، وأن لا يشتغل بين الإرسال والأخذ بعمل آخر، وخمسة في الكلب: أن يكون معلماً، وأن يذهب على سنن الإرسال، وأن لا يشاركه في الأخذ ما لا يحل صيده، وأن يقتله جرحاً، وأن لا يأكل منه. وخمسة في الصيد: أن لا يكون من الحشرات، وأن لا يكون من بنات الماء إلا السمك، وأن يمنع نفسه بجناحيه أو قوائمه، وأن لا يكون متقوياً بنابه أو بمخلبه، وأن يموت بهذا قبل أن يصل إلى ذبحه اهـ. وفیہ بحث مذکور مع جوابه في المنح، ومجموع هذه الشروط لما يحل أكله ولم يدركه حياً قوله: (في غير الحرام) الأولى أن يقول ((أو في الحرم)) ليشمل الصور الثلاث وهي صيد المحرم في الحل أو الحرم أو الحلال في الحرم قوله: (كما هو ظاهر) لأن مطلق اللهو منهيّ عنه إلا في ثلاث كما مر في الحظر قوله: (على ما في الأشباه) أي أخذاً مما في البزازية من أنه مباح إلا للتلهي أو حرفة. وفي مجمع الفتاوى: ويكره للتلهي، وأن يتخذ خمراً، وأقره في الشرنبلالية قوله: (لأنه نوع من الاكتساب) وبذلك استدل في الهداية على إباحة الاصطياد بعد استدلاله عليه بالكتاب والسنة والإجماع، وأقره الشراح قوله: (وكل أنواع الكسب الخ) أي أنواعه المباحة، بخلاف الكسب بالربا والعقود الفاسدة ونحو ذلك قوله: (على المذهب الصحيح) قال بعده في التاترخانية، وبعض الفقهاء قالوا: الزراعة مذمومة، والصحيح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء. ثم اختلفوا في التجارة والزراعة أيهما أفضل. وأكثر مشايخنا على أن الزراعة أفضل اهـ. وفي الملتقى والمواهب: أفضله الجهاد، ثم التجارة، ثم الحراثة، ثم الصناعة اهـ. أقول: فالمراد من قولهم كل أنواع الكسب في الإباحة سواء أنها بعد إن لم تكن بطريق محظور لا يذم بعضها وإن كان بعضها أفضل من بعض. تأمل. ثم إن كل نوع منها تارة يتخذه الإنسان حرفة ومعاشاً، وتارة يفعله وقت الحاجة في بعض الأحيان، وحيث كان الاصطياد نوعاً منها دل على إباحة اتخاذه حرفة ولا سيما مع إطلاق الأدلة، وعبارات المتون: والكراهة لا بد لها من دليل خاص، وما قيل إن فيه إزهاق الروح وهو يورث قسوة القلب لا يدل على الكراهة، بل غايته أن غيره كالتجارة والحراثة أفضل منه. ٤٧ كتاب الصيد كما في البزازية وغيرها . (نصب شبكة للصيد ملك ما تعقل بها، بخلاف ما إذا نصبها للجفاف) فإنه لا يملك ما تعقل بها (وإن وجد) المقلش أو غيره (خاتماً أو ديناراً مضروباً) بضرب أهل الإسلام (لا) يملكه ويجب تعريفه. اعلم أن أسباب الملك ثلاثة: ناقل كبيع وهبة وخلافة كإرث وأصالة، وهو الاستيلاء حقيقة بوضع اليد أو حكماً بالتهيئة كنصب شبكة لصيد لا لجفاف على المباح الخالي عن مالك، فلو استولى في مفازة على حطب غيره لم يملكه ولم يحل للمقلش ما يجده بلا تعريف، وتمام التفريع في المطولات. وفي التاترخانية قال أبو يوسف: إذ طلب الصيد لهواً ولعباً فلا خير فيه وأكرهه، وإن طلب منه ما يحتاج إليه من بيع أو إدام حاجة أخرى فلا بأس به اهـ قوله: (تعقل) بتقديم العين المهملة على القاف أي علق ونشب. قال في المغرب: وهو مصنوع غير مسموع قوله: (وإن وجد المقلش) بالقاف: وهو الذي يفتش المزابل بيده أو بالغربال ليستخرج ما فيها من النقود وغيرها، والظاهر أنه لفظ عامي غير عربي، فلتراجع كتب اللغة، ولا مناسبة لهذه المسألة بباب الصيد، ومحلها كتاب اللقطة. حموي ملخصاً. ووجد في بعض نسخ المنح المفتش قوله: (بضرب أهل الإسلام) أما المضروب بضرب الجاهلية فهو ركاز يخمس، وتقدم أنه إذا اشتبه الضرب بجعل جاهلياً ط قوله: (ويجب تعريفه) إلى أن يعلم أنه لا يطلبه ثم يتصدق به أو ينفقه على نفسه إن كان مصرفاً ط قوله: (ناقل) أي من مالك إلى مالك، وقوله ((وخلافة)) أي ذو خلافة، وكذا يقال فيما بعده ط قوله: (وهو الاستيلاء حقيقة) شمل إحياء الموات فلا حاجة إلى عده قسماً رابعاً كما فعل الحموي قوله: (كنصب شبكة لصيد لا لجفاف) تبع فيه صاحب الأشباه، والأولى حذف قوله (لصيد) ليشمل ما إذا لم يقصد شيئاً، لما في التاترخانية والظهيرية: الاستيلاء الحكمي باستعمال ما هو موضع للاصطياد، حتى أن من نصب شبکة فتعقل بها صید ملکه قصد بها لاصطياد أو لا، فلو نصبها للتجفيف لا يملكه، وإن نصب فسطاطاً إن قصد الصيد يملكه، وإلا فلا لأنه غير موضوع للصيد، اهـ ملخصاً. فتأمل قوله: (على المباح) متعلق بالاستيلاء قوله: (عن مالك) أي ملك مالك قوله: (على حطب غيره) أي بأن جمعه غيره قوله: (ولم يحل الخ) لأنه لم يخل عن ملك مالك قوله: (وتمام التفريع) أي على السبب الثالث في المطولات، منها ما في التاترخانية وغيرها عن المنتقى بالنون: دخل صيد داره فلما رآه أغلق عليه الباب وصار بحال یقدر علی أخذه بلا اصطياد بشبكة أو سهم ملكه، وإن أغلق ولم يعلم به لا يملكه. ولو نصب حبالة فوقع فيها صيد فقطعها وإنفلت فأخذه آخر ملكه، ولو جاء صاحب الحبالة ليأخذه ودنا منه بحيث يقدر على أخذه فانفلت لا ٤٨ كتاب الصيد (ويحل الصيد بكل ذي ناب ومغلب) تقدماً في الذبائح (من كلب وباز ونحوهما بشرط قابلية التعليم و) بشرط (كونه ليس بنجس العين). ثم فرّع على ما مهد من الأصل بقوله (فلا يجوز الصيد بدب وأسد) لعدم قابليتهما التعليم فإنهما لا يعملان للغير. الأسد لعلو همته، والدب خساسته، وألحق بعضهم بالدب الحدأة لخساستها (ولا بخنزير) لنجاسة عينه، وعليه فلا يجوز بالكلب على القول بنجاسة عينه، إلا أن يقال إن النص ورد فيه، فتنبه. وبه يندفع قول القهستاني: إن الكلب نجس العين عند بعضهم، والخنزير يملكه الآخذ. وكذا لو انفلت من الشبكة في الماء قبل الإخراج فأخذه غيره ملكه، لا لو رمی به خارج الماء في موضع يقدر على أخذه فوقع في الماء اهـ ملخصاً. وفي بعض النسخ، وتمام التعريف، وهو غير مناسب كما لا يخفى قوله: (تقدماً في الذبائح) يشير إلى أن المراد به ما تقدم، وهو سبع له ناب أو مخلب يصيد به احترازاً عن نحو البعير والحمامة. قال القهستاني: وفيه إشعار بأن ما لا ناب له ولا مخلب لم يحل صيده بلا ذبح لأنه لم يجرح كما في الكرماني قوله: (وباز) في الصحاح: الباز لغة في البازي الذي يصيد والجمع أبواز وبیزان وجمع البازي بزاة، فالأول أجوف، والثاني ناقص، فظهر منه لحن قول بعض الفقهاء: البازي بتشديد الياء وتخفيها. كذا في غرر الأفكار: أي حيث جوّزوا فيه التشديد مع أنه لم يسمع قوله: (بدب وأسد) ذكر في النهاية الذئب بدل الدب، وكذا في المحيط. شرنبلالية، وذكر في الاختيار الثلاثة قوله: (لعدم قابليتهما التعليم) حتى لو تصوّر التعليم منهما وعرف ذلك جاز. شرنبلالية عن النهاية قوله: (وعليه الخ) هو بحث للمصنف: أي على أن العلة هي نجاسة عينه كما في الهداية قوله: (فلا يجوز) الفاء فصيحة: أي وإذا بنينا عدم الجواز في الخنزير على نجاسة عينه فلا يجوز بالكلب بناء على القول بنجاسة عينه أيضاً. وذكر في المعراج عن النخعي والحسن البصري وغيرهما أنه لا يجوز بالكلب الأسود البهيم، لأنه عليه الصلاة والسلام قال ((هو شيطان(١))) وأمر بقتله، ما وجب قتله حرم اقتناؤه وتعليمه فلم يبح صيده كغير المعلم. ولنا عموم الآية والأخبار اهـ قوله: (وإن النص ورد فيه) وهو قوله عليه الصلاة والسلام لعدي بن حاتم: ((إِذَا أُرْسَلْتَ كَلْبَكَ فَاذْكُرِ اسْمَ الله تَعَالِى، فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَأَدْرَكْتَهُ قَدْ قُتِلَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ فَإِنَّ أَخْذَ الكَلْبِ ذَكَاةً) رواه البخاري ومسلم وأحمد قوله: (وبه يندفع قول القهستاني) حيث قال: يحلّ صيد كل ذي ناب، كالكلب والفهد والنمر والأسد وابن عرس والدب والخنزير وغيرها بشرط العلم. وعن أبي يوسف أنه يستثنى منه الخنزير لكونه نجس العين، والأسد والدب لأنهما (١) أخرجه مسلم ٣/ ٢٠٠ (١٥٧٢/٤٧). ٤٩ كتاب الصيد ليس بنجس العين عند أبي حنيفة على ما في التجريد وغيره، فتأمل (بشرط علمهما) علم ذي ناب ومخلب (وذا بترك الأكل) أما الشرب من دم الصيد فلا يضر. قهستاني ویاتي (ثلاثاً لا يعملان للغير، وقد يلحق الحدأة بالدب. مضمرات. وفي ظاهر الرواية الشرط قبول التعليم. وما قال السغناقي: إن الأسد والدب لا يتصوّر فيهما التعليم، فقد صرح بخلافه في البيع والخنزير عند الإمام ليس بنجس العين على ما في التجريد وغيره. على أن الكلب نجس العين عند بعضهم، وقد حل صيده بالاتفاق اهـ ملخصاً. وحاصله: البحث في استثناء الخنزير والأسد والدب. وفي التعليل: لأن الشرط في ظاهر الرواية قبول التعليم فيحل بكل معلم ولو خنزيراً، وكونه نجس العين لا يمنع بدليل أن الكلب كذلك عند بعضهم مع أنه لم يقل أحد بعدم حل صيده، ووجه الدفع الذي أفاده الشارح الفاصل أن النص ورد في الكلب، وإن قيل بنجاسة عينه فلا يلحق به الخنزير. والحاصل: أن هذا الجواب دفع به الشارح شيئين: الأول: ما بحثه المصنف من إلحاق الكلب بالخنزير في عدم حل الصيد بناء على القول بنجاسة عين الكلب. والثاني: ما بحثه القهستاني من إلحاق الخنزير بالكلب في حل الصيد. ووجه الأول أن الكلب وإن قيل بنجاسة عينه، لكن لما ورد النص فيه بخصوصه وجب اتباعه. ووجه الثاني أن الخنزير وإن دخل ظاهراً في عموم قوله تعالى. ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾. [المائدة: ٤] لكنه مستثنی لحرمة الانتفاع بنجس العین، وما ورد به نص بخصوصه حتى يتبع بل أمرنا باجتنابه فلا يصح قياسه على الكلب المنصوص عليه، ولذا جزم باستثنائه المصنف كالهداية والتبيين والبدائع والاختيار، هذا تقرير كلام الشارح الفاضل، وقد خفي علی غیر واحد ونسبه بعضهم للغفلة وهو بريء عنها ولله تعالى دره. نعم فاته الجواب عن قول القهستاني: والخنزير ليس بنجس العين، لكن تركه لظهور أن المذهب خلافه، والتعليل بنجاسة عينه مبني على ما هو المذهب. تأمل. قوله: (بشرط علمهما) بدليل الحديث المار، وقوله تعالى ﴿مكلبين﴾ أي معلمين الاصطياد ﴿تُعَلِّمُونُنَّ﴾ [المائدة: ٤] تؤدبوهن. وتمامه في الزيلعي. والمناسب الإتيان بالواو عطفاً على قوله بشرط التعليم، ثم إن هذا الشرط مغن عن ذاك. قوله: (وذا) أي العلم، والباء في ((بترك)) للتصوير ط. قوله: (بترك الأكل ثلاثاً) أي متواليات. قهستاني. وهذا عندهما، وهو رواية عنه لأن فيما دونه مزيد الاحتمال، فلعله تركه مرة أو مرتين شبعاً، فإذا تركه ثلاثاً دل على أنه صار عادة. وتمامه في الهداية . ونقل ط عن الحموي: أنه لا بد من ترك الأكل مع الجوع لا الشبع فتأمل. وعم ٥٠ کتاب الصید في الكلب) ونحوه (وبالرجوع إذا دعوته في البازي) ونحوه (و) بشرط (جرحهما في - أي موضع منه) على الظاهر وبه يفتى. وعن الثاني يحل بلا جرح، وبه قال الشافعي أكله من الجلد والعظم والجناح والظفر وغيرها كما في قاضيخان وغيره. قهستاني. وعند أبي حنيفة: لا بد أن يغلب على ظنّ الصائد وأنه معلم ولا يقدر بالثلاث. ومشى في الكنز والنقاية والاصطلاح ومختصر القدوري على اعتبار التقدير بالثلاث، وظاهر الملتقى ترجيح عدمه. ثم على رواية التقدير عن الإمام يحل ما اصطاده ثالثاً، وعندهما في حل الثالث روايتان. قال في الخلاصة والبزازية: والأصح الحل. قوله: (في الكلب ونحوه) أي من كل ذي ناب، فشمل نحو الفهد والنمر، وقوله «بالرجوع إذا دعوته في البازي ونحوه)) أي من كل ذي مخلب. قال في الهداية: لأن بدن البازي لا يحتمل الضرب وبدن الكلب يحتمل فيضرب ليتركه، ولأن آية التعليم ترك ما هو مألوفه عادة والبازي متوحش متنفر فكانت الإجابة آية تعليمه. أما الكلب فهو ألوف يعتاد الانتهاب، فكان آية تعليمه ترك مألوفه وهو الأكل والاستلاب اهـ. والتعليل الثاني لا يتأتى في الفهد والنمر فإنه متوحش كالبازي مع أن الحكم فيه وفي الكلب سواء، فالمعتمد هو الأول كفاية عن المبسوط، ونحوه في العناية والمعراج. وفي التاترخانية عن الكافي: والحكم في الفهد والكلب سواء ا هـ: أي لا يشترط فيه إلا ترك الأكل. وفي الاختيار ما يخالفه حيث قال: والفهد ونحوه يحتمل الضرب، وعادته الافتراس والنفار فيشترط فيه ترك الأكل والإجابة جميعاً، ومثله في الدر وغاية البيان وغيرهما، وهو مبني على اعتبار التعليل الثاني. أقول: ومقتضى اعتماد التعليل الأول ترجيح ما مر، فتدبر. تنبيه لم يذكر البازي بكم إجابة يصير معلماً، فينبغي أن يكون على الاختلاف الذي ذكر في الكلب ولو قيل يصير معلماً بإجابة واحدة كان له وجه لأن الخوف ينفره، بخلاف الكلب. زيلعي. قلت: وفي التاترخانية والذخيرة وغيرهما: إذا فر البازي من صاحبه فدعاه فلم يجبه حتى حكم بكونه جاهلاً إذا أجاب صاحبه ثلاث مرات بعد ذلك على الولاء يحكم بتعلمه عندهما. وقال قبله عن المحيط: وأما البازي وما بمعناه فترك الأكل في حقه ليس علامة تعلمه بل أن يجيب صاحبه إذا دعاه، حتى إذا أكل من الصيد يؤكل صيده. قال بعض مشايخنا: هذا إذا أجاب عند الدعوة لإلفه به من غير أن يطمع في اللحم أما إذا كان لا يجيب إلا لطمع في اللحم لا يكون معلماً اهـ. ومثله في الظهيرية. قوله: (إذا دعوته) أي دعوت الجارح المعلوم من المقام. قوله: (وبشرط جرحهما) أي ذي الناب والمخلب. قوله: (على الظاهر) أي ظاهر الرواية في البدائع الاصطياد بذي ناب أو مخلب كالبازي ٥١ كتاب الصيد (و) بشرط (إرسال مسلم أو كتابي و) بشرط (التسمية عند الإرسال) ولو حكماً، فالشرط عدم تركها عمداً (على حيوان ممتنع) أي قادر على الامتناع بقوائمه أو بجناحيه (متوحش) والشاهين لا يحل ما لم يجرح في ظاهر الرواية. وعن أبي حنيفة وأبي يوسف يحل. زاد في العناية والمعراج وغيرهما: والفتوى على ظاهر الرواية . أقول: وهو ظاهر إطلاق ما في المتون. فما في القهستاني عن النظم من أن البازي والصقر: لو قتلاه خنقاً حل بالاتفاق مشكل. وما في الخانية من قوله: ولو أرسل الكلب فأصاب الصيد وكسر عنقه ولم يجرحه أو جثم عليه: أي جلس على صدره وخنقه لا يؤكل. وعن أبي يوسف: لا يشترط الجرح، والبازي إذا قتل الصيد حل وإن لم يجرح اهـ. قال بعضهم: وهو على خلاف ظاهر الرواية. أقول: يؤيده أنه ذكره بعد قوله وعن أبي يوسف، فما في القهستاني من حمله كلام الخانية على ما في النظم ورده قول ذلك البعض فيه نظر، لما علمت من مخالفة ما في النظم لظاهر الرواية المفتى به. تأمل. وذكر القهستاني أن الإدماء ليس بشرط، ومنهم من شرطه إن كانت الجراحة صغيرة، وفيه كلام سيأتي. قوله: (وبشرط إرسال مسلم أو كتابي) سيأتي محترزه وهو المجوسي والوثني والمرتد، فلو انفلت من صاحبه فأخذ صيداً فقتله لم يؤكل، كما لو لم يعلم بأنه أرسله أحد لأنه لم يقطع بوجود الشرط. قهستاني وسيأتي. قوله: (وبشرط التسمية) أي ممن يعقل، بخلاف غيره من صبيّ أو مجنون أو سكران كما في البدائع. قوله: (عند الإرسال) فالشرط اقتران التسمية به، فلو تركها عمداً عند الإرسال ثم زجره معها فانزجر لم يؤكل صيده. قهستاني. فلا تعتبر التسمية وقت الإصابة في الذكاة الاضطرارية، بخلاف الاختيارية، لأن التسمية تقع فيها على المذبوح لا على الآلة، فلو أضجع شاة وسمى ثم أرسلها وذبح أخرى بالتسمية الأولى لم تجزه، ولو رمى صيداً أو أرسل عليه كلباً فأصاب آخر فقتله أكل، ولو أضجع شاة وسمى ثم ألقى السكين وأخذ سكيناً أخرى فذبح بها تؤكل، بخلاف ما لو سمى على سهم ثم رمى بغيره. وتمامه في البدائع. قوله: (ولو حكماً) راجع إلى التسمية وقصد به إدخال الناسي في حكم المسمى ط. قوله: (على حيوان) ولو غير معين، فلو أرسل على صيد وأخذ صيوداً أکل لكل ما دام في وجه الإرسال. قهستاني عن الخانیة. وكذا لو أرسله علی صیود كثيرة كما يأتي، وقد أشار المصنف إلى ما في البدائع أن من الشروط من أن يكون الإرسال أو الرمي على الصيد أو إليه. قال: حتى لو أرسل على غير صيد أو رمى إلى غير صيد فأصاب صيداً لا يحل لأنه لا يكون اصطياداً فلا يضاف إلى المرسل أو الرامي ا هـ. وسيأتي تمام التفريع عليه في قول المصنف ((سمع حس إنسان الخ))، وعليه فالظرف تنازعه كل من التسمية والإرسال، فتدبر. قوله: (متوحش) اي طبعاً كما قدمناه أول الكتاب. ٥٢ كتاب الصيد فالذي وقع في الشبكة أو سقط في البئر أو استأنس لا يتحقق فيه الحكم المذكور، ولذا قال (بؤكل) لأن الكلام في صيد الأكل وإن حل صيد غيره كما سيجيء، أو أعم لحل الانتفاع بالجلد مثلاً كما يأتي، فتأمل (و) بشرط (أن لا يشرك الكلب المعلم كلب لا يحل صيده ككلب) غبر معلم وكلب (مجوسي) أو لم يرسل أو لم يسمّ عليه (و) بشرط أن (لا تطول وقفته بعد إرساله) ليكون الاصطياد مضافاً للإرسال وفي البزازية: رمى إلى برج الحمام فأصاب حماماً ومات قبل أن يدرك ذكاته لا يحل، وللمشايخ فيه كلام أنه هل يحل بذكاة الاضطرار أم لا؟ قيل يباح لأنه صيد، وقيل لا لأنه يأوى إلى البرج في الليل اهـ. قوله: (فالذي الخ) محترز القيود. قوله: (لا يتحقق فيه الحكم المذكور) أي الحل بالاصطياد، فإن الأول والثالث ذكاتهما الذبح، وكذا الثاني إن أمكن ذبحه، وإلا ففي البدائع: ما وقع في بئر فلم يقدر على إخراجه ولا ذبحه فذكاة الصيد لكونه في معناه ا هـ. وكذا تقدم في الذبائح أنه يكفي فيه الجرح كنعم توحش. إلا أن يقال: إن الكلام الآن في الصيد بذي ناب أو مخلب وذا لا يمكن هنا وإن أمكن ذكاته بسهم ونحوه. تأمل. قوله: (ولذا قال الخ) يعني أن ما ذكر لا يحل بالاصطياد بل لا بد فيه من الذبح، لأن المراد بالصيد ما يؤكل أو أعم للانتفاع بجلده، ولا يحل شيء مما ذكر بالاصطياد لا للأكل ولا للانتفاع بجلده، لأن حل اللحم أو الجلد بالاصطياد إنما هو إذا لم تمكن الذكاة الاختيارية، وما ذكر أمكنت فيه لخروجه عن الامتناع أو التوحش، فافهم. قوله: (وبشرط أن لا يشرك الخ) أي لا يشركه في الجرح. وحاصل ما في الهداية والزيلعي وغيرهما: أنه إما أن يشارك المعلم غير المعلم في الأخذ والجرح فلا يحل، أو في الأخذ فقط بأن فرّ من الأول فرده عليه الثاني ولم يجرحه ومات بجرح الأول كره أكله تحريماً في الصحيح، وقيل تنزيهاً، بخلاف ما إذا رده عليه مجوسيّ بنفسه حيث لا يكره، لأن فعل المجوسي ليس من جنس فعل الكلب فلم تتحقق المشاركة، بخلاف فعل الكلبين، ولو لم يرده الثاني على الأول، لكن اشتد على الأول فاشتد الأول على الصید بسببه فقتله الأول فلا بأس به؛ ولو ردہ علیه سبع أو ذو مخلب من الطير مما يمكن تعليمه والاصطياد به فهو كما لو رده الكلب عليه للمجانسة، بخلاف ما لو رده عليه ما لا يصطاد به كالجمل والبقر ثم البازي كالكلب في جميع ما ذكرنا. قوله: (أو لم يرسل الخ) العطف على غير معلم، فكان ينبغي ذكره قبل قوله ((وكلب مجوسي)) تأمل. قوله: (وبشرط أن لا تطول وقفته) أي وقفة المعلم للاستراحة، ولو أكل خبزاً بعد الإرسال أو بال لم يؤكل كما في المحيط، فالأولى أن يقول: أن لا يشتغل بعمل آخر بعد الإرسال كما في النظم وغيره، لأن عدم الطول أمر غير مضبوط. قهستاني. ولو عدل عن الصيد يمنة أو يسرة أو تشاغل في غير طلب الصيد وفتر عن سنته ثم أتبعه ٥٣ كتاب الصيد (بخلاف ما إذا كمن) واستخفى (كالفهد) أي كما يكمن الفهد على وجه الحيلة لا للاستراحة. وللفهد خصال حسنة ينبغي لكل عاقل العمل بها كما بسطه المصنف، فإن أكل منه البازي أكل لأن تعليمه ليس بترك أكله. (وإن أكل الكلب) ونحوه (لا) يؤكل مطلقاً عندنا (كأكله منه) أي كما لا يؤكل الصيد الذي أكل الكلب منه (بعد تركه) للأكل (ثلاث مرات) لأنه علامة الجهل (وكذا) لا يأكل (ما صاد بعده حتى يتعلم) ثانياً بترك الأكل ثلاثاً (أو) ما صاده (قبله لو بقي في ملكه) فأخذه لم يؤكل إلا بإرسال مستأنف أو أن يزجره صاحبه ويسمى فيما يحتمل الزجر فينزجر. بدائع. وإذا ردّ السهم ريح إلى ورائه أو يمنة أو يسرة فأصاب صيداً لا يحل، وكذا لو رده حائطاً أو شجرة. وتمامه في الخانية. قوله: (بخلاف ما إذا کمن) علی وزن نصر وسمع كما في القاموس، وقوله ((واستخفى)) عطف تفسير، وهذا كالاستثناء مما قبله. قوله: (كما بسطه المصنف) ونصه: قال شمس الأئمة السرخسي ناقلاً عن شيخه شمس الأئمة الحلواني رحمه الله تعالى: للفهد خصال ينبغي لكل عاقل أن يأخذ ذلك منه: منها: أنه يكمن للصيد حتى يتمكن منه، وهذه حيلة منه للصيد فينبغي للعاقل أن لا يجاهر عدوّه بالخلاف ولكن يطلب الفرصة حتى يحصل مقصوده من غير إتعاب نفسه. ومنها: أنه لا يتعلم بالضرب ولكن يضرب الكلب بين يديه إذا أكل من الصيد فيتعلم بذلك، وهكذ ينبغي للعاقل أن يتعظ بغيره كما قيل: السعيد من وعظ بغيره. ومنها: أنه لا يتناول الخبيث وإنما يطلب من صاحبه اللحم الطيب، وهكذا ينبغي للعاقل أن لا يتناول إلا الطيب. ومنها: أنه يثب ثلاثاً أو خمساً فإذا لم يتمكن من أخذه ترك ويقول لا أقتل نفسي فيما أعمل لغيري، وهكذا ينبغي لكل عاقل. قوله: (فإن أكل الخ) تفريع على قوله بشرط علمهما الخ. قوله: (مطلقاً عندنا) أي سواء كان نادراً أو معتاداً. وللشافعي قولان فيما إذا كان نادراً: ففي قول يحرم، وفي قول يحل وبه قال مالك. وإتمامه في المنح. قوله: (بعد تركه للأكل) اللام للتقوية وهي الداخلة على معمول عامل ضعف بالتأخير أو فرعيته عن غيره نحو ﴿لِرَبِّمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤]. ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦]. قوله: (ثلاث مرات) أي عندهما وبرأي الصائد عنده ط. قوله: (ما صاد بعده) أي بعد الأكل المذکور الذي هو بعد تركه له ثلاث مرات وكذا الضمير في قبله. قوله: (لو بقي في ملكه) قيد لقوله أو قبله، وشمل ما لم يحرز بأن كان في المفازة بعد والحرمة فيه بالاتفاق أو أحرزه في بيته عند أبي حنيفة، وعندهما لا يحرم وتمامه في الزيلعي. ٥٤ کتاب الصيد فإن ما أتلفه من الصيد لا تظهر فيه الحرمة اتفاقاً لفوات المحل، وفيه إشكال ذكره القهستاني (كصقر فرّ من صاحبه فمكث حيناً ثم رجع إليه فأرسله) فصاد لم يؤكل لتركه ما صار به معلماً فيكون كالكلب إذا أكل. (ولو أخذ) الصياد (الصيد من الكلب وقطع منه بضعة وألقاها إليه فأكلها أو خطف الكلب منه وأكله أكل ما بقي، كما لو شرب الكلب من دمه) لأنه من غاية علمه . (ولو نهش الصيد فقطع منه بضعة فأكلها ثم أدركه فقتله ولم يأكل منه لا يؤكل) لأكله حالة الاصطياد. والحاصل: أن الإمام حكم بجهل الكلب مستنداً وهمياً بالاقتصار على ما أكل، والأول أقرب إلى الاحتياط. عناية. وهو الصحيح. قهستاني عن الزاد. قوله: (فإن ما أتلفه) أي بالأكل ونحوه، وهذا مفهوم قوله «لو بقي في ملکه)). وفي التاترخانية: وأما ما باعه فلا شك أن على قولهما لا ينقض البيع، فأما على قوله فينبغي أن ینقض إذا تصادق مع المشتري على جهل الكلب. قوله: (وفيه إشكال ذكره القهستاني) حيث قال: وها هنا إشكال فإن الحكم بالشيء لا يقتضي الوجود؛ ألا ترى أنا نحكم بحرية الأمة الميتة عند دعوى الولد حريتها ا هـ. وصورتها فیما ظهر لي: أن امرأة ولدت بنكاح فادعی رجل بعد موتها أنها أمته زوجها من أب الولد فأثبت الولد حريتها تثبت ويندفع عنه الرق. تأمل. وعليه فلا يظهر ما أجاب به بعض الفضلاء من أن الحكم عليها بالحرية إنما سرى إليها بواسطة الولد لأنه الأصل في دعوى النسب فيعتق فتتبعه أم الولد، وكم من شيء يثبت ضمناً لا قصداً ا هـ ملخصاً. نعم يظهر ذلك فيما لو ادعى المولى أنه ابنه من أمته الميتة. تأمل. وقد يجاب عن الإشكال بأنه لا ثمرة تترتب على ثبوت الحرمة، وما قيل الثمرة بطلان البيع لو باعه والرجوع بالثمن لأنه ميتة أو لزوم التوبة، ففيه أن الكلام في الفائت بنحو الأكل، ومسألة البيع خلافية كما مر وهذه وفاقية، ولم يكن الأكل معصية قبل العلم بذلك حتى تلزم التوبة. تأمل. قوله: (كصقر فرّ من صاحبه) بأن صار لا يجيب إذا دعاه كما يفيده التعليل. قوله: (فيكون كالكلب إذا أكل) فلا يجل صيده حتى يتعلم ثانياً بأن يجيب صاحبه ثلاث مرات على الولاء كما قدمناه عن التاتر خانية. قوله: (أكل ما بقي) لأنه بعد الإحراز لم يبق صيداً، بخلاف ما قبله لبقاء جهة الصيدية فيه. أفاده الزيلعي. قوله: (لأنه من غاية علمه) حيث شرب ما لا يصلح لصاحبه وأمسك عليه ما يصلح له. زيلعي. قوله: (ولو نهش) بالشين المعجمة أو السين المهملة بمعنى واحد: وهو أخذ اللحم بمقدم ٥٥ كتاب الصيد (ولو ألقى ما نهشه واتبع الصيد فقتله ولم يأكل منه حتى أخذه صاحبه ثم آكل ما ألقى حل) لأنه حينئذ لو أكل من نفس الصيد لم يضر كما مر. (وإذا أدرك) المرسل أو الرامي (الصيد حياً) بحياة فوق ما في المذبوح (ذكاء) وجوباً (وشرط لحله بالرمي التسمية) ولو حكماً كما مر (و) شرط (الجرح) ليتحقق معنى الذكاة (و) شرط (أن لا يقعد عن طلبه لو غاب) الصيد (متحملا بسهمه) فما دام في طلبه يحل، وإن قعد عن طلبه ثم أصابه ميتاً لا، لاحتمال موته بسبب آخر. وشرط في الخانية لحله أن لا يتوارى عن بصره، وفيه كلام مبسوط في الزيلعي وغيره. (فإن أدركه الرامي أو المرسل حياً ذكاه) وجوباً فلو تركها حرم وسيجيء الأسنان. قوله: (وإذا أدرك المرسل) أي مرسل الكلب أو البازي، وقوله ((أو الرامي)) أي رامي سهم ونحوه، وكان ينبغي إسقاط هذا كله لأنه سيذكره مبسوطاً. قوله: (وشرط الخ) شروع في أحكام الآلة الثانية من آلتي الاصطياد، لأنها إما حيوانية أو جمادية. قوله: (التسمية) أي عند الرمي كما قدمناه. قوله: (ولو حكما) كالناسي. قوله: (وشرط الجرح) فلو دقه السهم لم يؤكل لفقد الذكاة، وفي خروج الدم الخلاف السابق. أفاده القهستاني ط. قوله: (ليتحقق معنى الذكاة) أي التطهير بإخراج الدم الذي أقيم الجرح مقامه ط. قوله: (وشرط أن لا يقعد) أي المرسل أو الرامي الصيد أو من يقوم مقامه. بدائع: أي كخادمه أو رفيقه. قوله: (متحاملاً) التحامل في المشي: أن يتكلفه على مشقة وإعياء، ومنه تحامل الصيد: أي تكلف الطيران. مغرب. وفائدة ذكره أنه لو غاب وتوارى بدونه فوجده ميتاً لا يحل ما لم يعلم جرحه يقيناً. معراج. قوله: (يحل) أي إلا إذا وجد به جراحة سوى جراحة سهمه فلا يحل. هداية. وتمامه في الزيلعي. قوله: (لاحتمال موته بسبب آخر) هذا الاحتمال موجود أيضاً فيما إذا لم يقعد عن طلبه لكنه سقط للضرورة كما في الهداية، ومفاده كظاهر المتن أنه لا يشترط أن لا يتوارى عن بصره. قوله: (وفيه كلام مبسوط في الزيلعي) حيث ذكر أولاً عبارة الخانية، وذكر أنها نص على اشتراطه وأن صاحب الهداية أشار إلى ذلك أيضاً مع أنه مناقض لأول كلامه، حیث بني الأمر على الطلب وعدمه لا على التواري وعدمه، وعليه أكثر كتب أصحابنا لقوله عليه الصلاة والسلام لأبي ثعلبة ((إِذا رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَغَابَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَأَدْرَكْتُهُ فَكُلْهُ مَا لَمْ يَنْتَرْ))(١) رواه مسلم وأحمد وأبو داود. وروى ((أَنه عَلَيْهِ الصَّلَةُ وَالسَّلَامُ كَرِهَ أَكْلَ الصَّيْدِ إِذَا غَابَ (١) أخرجه مسلم ٣/ ١٥٣٢ (١٩٣١/١٠). ٥٦ كتاب الصيد (والحياة المعتبرة هنا ما) يكون (فوق ذكاة المذبوح) بأن يعيش يوماً، وروى أكثره عَنِ الرَّامِي وَقَالَ: لَعَلَّ هَوَامَّ الأَرْضِ قَتَلَتْهُ))(١) فيحمل هذا الحديث على ما إذا قعد عن طلبه والأول على ما إذ لم يقعد اهـ ملخصاً. وأقول: نص عبارة الخانية هكذا: والسابع أن لا يتوارى عن بصره أو لا يقعد عن طلبه فیکون في طلبه ولا یشتغل بعمل آخر حتی یجده، لأنه إذا غاب عن بصره ربما يكون موت الصيد بسبب آخر فلا يحل الخ. فأنت ترى كيف جعل الشرط أحد الأمرين: إما عدم التواري، أو عدم القعود لتعبيره بأو، فلعل نسخة الزيلعي بالواو فقال ما قال. وأما التعليل بقوله لأنه إذا غاب الخ: أي مع القعود عن طلبه بدليل قوله في الخانية بعده: وإذا توارى الكلب والصيد عن المرسل أو رمى إلى صيد فوجده بعد ذلك ميتاً وفيه سهمه ليس فيه جرح آخر حل أكله إذا لم يترك الطلب، لأنه لا يستطاع الامتناع عن التواري عن البصر فيكون عفواً اهـ. ونحوه في الهداية فيتعين حمل ما أوهم خلافه عليه. وفي البدائع: ومنها أن يلحقه قبل التواري عن بصره أو قبل انقطاع الطلب، فإن توارى عنه وقعد عن طلبه لم يؤكل، أما إذا لم يتوار عنه أو توارى ولم يقعد عن طلبه أکل استحساناً اهـ. وهذا يعين أن نسخة الخانية بأو لا بالواو، فاغتنم هذا التحرير. تنبيه فيما ذكر إشعار بأن مدة الطلب غير مقدرة، وقد قال أبو حنيفة: إنها مقدرة بنصف یوم أو لیلة، فإن طلبه أكثر منه لم يأكل. وفي الزيادات: إن طلبه أقل من يوم أكل كما في المضمرات. قهستاني. فروع في شرح المقدسي: رمی طیراً فوقع في الماء وكان لو دخله بخفه أدركه فاشتغل بنزعه فوجده ميتاً حرّمه بديع الدين. وقال غيره: يحل لأن دخوله مع الخفّ إضاعة مال وخلاف العادة فصار كنزع الثياب. قال السائحاني: هذا إذا كان فيه حياة غير المذبوح وإلا فلا تعتبر. ولو نصب شبكة أحبولة وسمى ووقع بها صيد ومات مجروحاً لا يحل، ولو كان بها آلة جارحة كمنجل وسمی علیه وجرحه حل عندنا، كما لو رماه بها. وفي البزازية: وضع منجلاً في الصحراء لصيد حمار الوحش فجاءه فإذا هو متعلق به وهو ميت وكان سمى عند الوضع لا يحل. قال المقدسي: وهذا محمول على ما إذا قعد عن طلبه اهـ. وفيه كلام قدمناه في الذبائح. قوله: (والحياة المعتبرة هنا) أي في الصيد احترازاً عما يأتي من المتردية ونحوها. قوله: (فوق ذكاة المذبوح) صوابه حياة المذبوح كما عبر في الملتقى. قوله: (بأن يعيش يوماً الخ) أقول: ذكر صاحب المجمع ذلك في المنخنقة ونحوها. وعبارته مع شرحه: ولو ذكى المنخنقة أو الموقوذة وبها حياة حلت في ظاهر الرواية، (١) أخرجه الطبراني في الكبير ٢١٥/١٩. ٥٧ كتاب الصيد مجمع. أما مقدارها وهو ما لا يتوهم بقاؤه كما في الملتقى يعتبر ها هنا، حتى لو وقع في ماء لم يحرم. وكونها بحيث تبقى يوماً شرط في رواية عن أبي حنيفة، ويعتبر أبو يوسف أكثر اليوم. وقال محمد: لو فيها أكثر مما في المذبوح تؤكل وإلا فلا اهـ. قال في البدائع: وذكر الطحاوي قول محمد مفسراً فقال: على قول محمد إن لم يبق معها إلا اضطراب الموت فذبحها لا تحل، وإن كانت تعيش مدة كاليوم أو كنصفه حلت اهـ. وبه يظهر تفسير حياة المذبوح وما فوقها. أما ما في المجمع فليس تفسيراً لها. تأمل على أن ما نقله عن أبي يوسف هو رواية عنه كما في البدائع. وذكر أن ظاهر الرواية عن أبي يوسف أنه يعتبر من الحياة ما يعلم أنها تعيش به، فإن علم أنها لا تعيش فذبحها لا تؤكل. قوله: (أما مقدارها) أي مقدار حياة المذبوح. قوله: (فلا يعتبرها هنا) أي في الصيد. قال في الهداية: أما إذا شق الكلب بطنه وأخرج ما فيه ثم وقع في يد صاحبه حل، لأن ما بقي اضطراب المذبوح فلا يعتبر، کما إذا وقعت شاة في الماء بعد ما ذبحت ا هـ. وفي الخانية: أرسل كلبه المعلم على صيد فجرحه وبقي فيه من الحياة ما يبقى في المذبوح بعد الذبح فأخذه المالك ولم يذكه حل أكله اهـ. زاد في الظهيرية: يحل بالاتفاق لأن الأول وقع ذكاة فيستغني عن ذكاة أخرى اهـ. وحاصله: أن ما فيه حياة المذبوح لم يبق قابلاً للذكاة استغناء بالذكاة الاضطرارية، حتى لو وقع في الماء فمات لم يحرم، لأن موته لم يضف إلى وقوعه لأنه في حكم الميت قبله فلم تعتبر هذه الحياة، بخلاف المتردية ونحوها فإنها تعتبر فيها الحياة وإن قلت فتحل بالذكاة. فظهر أن بين الصيد وغيره فرقاً، وظاهره أنه لا فرق بين أن يكون متمكناً من ذكاة الصيد في هذه الصورة أو لا. ويخالفه ما في العناية من أنه إن تمكن من ذبحه فلم يذبحه حتى مات لم يؤكل سواء كانت الحياة فيه بينة أو خفية؛ وإن لم يتمكن: فإن كانت فوق حياة المذبوح فكذلك في ظاهر الرواية، وإن مقدارها أكل ١ هـ ملخصاً. ومقتضاه أن يحمل ما قدمنا عن الخانية على ما إذا لم يتمكن. ويخالف جميع ذلك ما في الزيلعي حيث قال ما حاصله: إذا أدركه حياً ولم يذكه حرم إن تمكن من ذبحه، وإلا فلو فيه من الحياة قدر ما في المذبوح، بأن بقر: أي الكلب بطنه ونحو ذلك ولم يبق إلا مضطرباً اضطراب المذبوح فحلال. قال الصدر الشهيد: بالإجماع، وقيل هذا قولهما. وعنده: لا يحل إلا إذا ذكاه لأن الحياة الخفية معتبرة عنده لا عندهما كما في المتردية ونحوها، وإن كان فيه من الحياة فوق ما في المذبوح لا يؤكل في ظاهر الرواية ١ هـ. ٥٨ کتاب الصيد (و) المعتبر (في المتردية وأخواتها) كنطيحة وموقوذة وما أكل السبع (والمريضة) مطلق (الحياة وإن قلت) كما أشرنا إليه. (وعليه الفتوى) وتقدم في الذبائح (فإن تركها) أي الذكاة (عمداً) مع القدرة عليها (فمات) حرم، وكذا يحرم لو عجز عن التذكية في ظاهر الرواية. وعن أبي حنيفة وأبي يوسف يحل، وهو قول الشافعي. قال المصنف: وفي متني ومتن الوقاية ثم قال: فلا يحل إلا بالذكاة سواء كانت خفية أو بينة بجرح المعلم أو غيره من السباع، وعليه الفتوى لقوله تعالى: ﴿إِلَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] فيتناول كل حيّ مطلقاً، وكذا قوله عليه الصلاة والسلام ((فَإِنْ أَدْرَكْتَهُ حَيَّا فَاذْبَحْهُ)) مطلق، والحديث صحيح رواه البخاري ومسلم(١) وأحمداهـ. وهو ترجيح لمقابل قول الصدر الشهيد، وهو قول الإمام الرازي كما في غاية البيان، ولم أر من رجحه غيره، وهو مخالف لظاهر الهداية وغيرها. وعليه فلا فرق بين الحياة المعتبرة في الصيد وغيره. والحاصل: أنه لو أخذ الصيد وفيه من الحياة كما في المذبوح ولم یذکه، فعلى ما في الخانية والظهيرية: يحل، وعلى ما في العناية: يحل إن لم يتمكن من ذبحه، وعلى ما في الزيلعي: لا يحل أصلاً إلا بالذكاة، كما إذا لم يتمكن أو كان فيه من الحياة فوق ما في المذبوح أخذاً من إطلاق الأدلة. وحكى في البدائع الأول عن عامة المشايخ، والثالث عن الجصاص، وظاهر كلامه ترجيح الأول، وهو ظاهر ما في الهداية، فتأمل. ثم اعلم أن هذ کله فیما إذا أدركه وأخذه. فلو أدركه ولم یأخذه: فإن كان وقت لو أخذه أمكنه ذبحه لم يؤكل، وإن كان لا يمكنه أكل. كذا في الهداية. قوله: (في المتردية) أي الواقعة في بئر أو من جبل. والنطيحة: المقتولة بنطح أخرى. والموقوذة: المقتولة ضرباً. قوله: (كما أشرنا إليه) أي من تقييده ما مر بقوله هنا. قوله: (وعليه الفتوى) أي فتحل بالذكاة، وكذا الفتوى على اعتبار مطلق الحياة في الصيد على ما مر عن الزيلعي. قوله: (فإن تركها أي الذكاة) أي ذكاة الصيد، وقوله ((حرم)) جواب الشرط مع أنه سيأتي في المتن لكنه لبعده قدره الشارح هنا. قوله: (ولو عجز عن التذكية) بأن لم يجد آلة أصلاً أو يجد لكن لا يبقى من الوقت ما يمكن تحصيل الآلة والاستعداد للذابح، وهذا إذا كان فيه من الحياة أكثر مما في المذبوح بعد الذبح. وأما إذا كان مثله فهو ميت حكماً فيحل إجماعاً كما في الهداية وغيرها. قهستاني، والتفصيل مخالف لما قدمناه عن الزيلعي. قوله: (وهو قول الشافعي) كذا في الهداية. والذي في التبيين أن الشافعي فصل فقال: إن لم يتمكن من الذبح لفقد الآلة لم يؤكل لأن التقصير من جهته، وإن كان لضيق الوقت أكل لعدم التقصير ا هـ. (١) البخاري ٢٧٩/١ (١٧٥، ٥٤٨٣، ٥٤٨٤) ومسلم ١٥٣١/٣ (١٩١٩/٦). ٥٩ كتاب الصيد إشارة إلى حله، والظاهر ما سمعته اهـ. قلت: ووجه الظاهر أن العجز عن التذكية في مثل هذا لا يحل الحرام (أو أرسل مجوسي كلباً فزجره مسلم فانزجر أو قتله معراض بعرضه) وهو سهم لا ريش له، سمي به لإصابته بعرضه، ولو لرأسه حدة فأصاب بحده حل (أو بندقة ثقيلة ذات حدة) لقتلها بالثقل لا بالحد، ولو كانت خفيفة بها حدة حل لقتلها بالجرح، وفي التاترخانية: وإن كان عدم التمكن بضيق الوقت، بأن بقي فيه من الحياة مقدار ما لا يتأتى فيه الذبح ذكر شمس الأئمة السرخسي في شرحه أنه لا يحل عندنا. وقال الحسن بن زياد ومحمد بن مقاتل: يحل، وهو قول الشافعي وبه أخذ الصدر الشهيد. وفي الغيائية: وهو المختار. وفي الينابيع: روى عن أصحابنا الثلاثة أنه يؤكل استحساناً، وقيل بأن هذا أصح ا هـ. فإن قيل: وضع المسألة فيما حياته فوق المذبوح فكيف يتصور ضيق الوقت عن الذبح؟ أجيب بأن المقدار الذي یکون في المذبوح کالعدم لکون الصيد في حكم الميت، والزائد على ذلك قد لا يسع للذبح فيه فكان عدم التمكن متصوّراً. عناية. قوله: (إشارة إلى حله) حيث قيد بالعمد. قوله: (أن العجز الخ) عبارة المنح: لأن العجز في مثل هذا لا يحل الحرام ا هـ. واحترز عن العجز عن تحصيل الماء والأكل فإنه يبيح له تناول الخمر والميتة، وهذا لا يفهم من عبارة الشارح بسبب قوله ((عن التذكية)) أفاده ط. تنبيه رمى صيداً فوقع عند مجوسي أو نائم: لو كان مستيقظاً يقدر على ذكاته فمات لا يحل، لأن المجوسي قادر على ذبحه بتقديم الإسلام، والنائم كالمستيقظ في جملة مسائل عند الإمام منها هذه. خانية ملخصاً. قوله: (وأرسل الخ) هذا وما بعد معطوف على قوله: ((تركها)) والأصل أن الفعل يرفع بالأقوى والمساوى دون الأدنى؛ فإذا أرسل المسلم كلبه فزجره المجوسي حل لعدم اعتبار الزجر عند الإرسال لكون الزجر دونه لبنائه عليه، وبالعكس حرم، وكل من لا تجوز ذكاته كالمرتد والمحرم وتارك التسمية عامداً في هذا بمنزلة المجوسي، وإن انفلت ولم يرسله أحد فزجره مسلم فانزجر حل لأنه مثل الانفلات، والمراد بالزجر الإغراء بالصياح عليه وبالانزجار إظهار زيادة الطلب. وتمامه في الهداية. قال القهستاني: وهذا إذا زجره المجوسي في ذهابه، فلو وقف ثم زجره لم يؤكل كما في الذخيرة. قوله: (وهو سهم الخ) في القاموس: معراض کمحراب سهم بلا ريش دقيق الطرفين غليظ الوسط يصيب بعرضه دون حده. قوله: (ولو لرأسه حدة) محترز قول المصنف (بعرضه)). قوله: (فأصاب بحده) أي وجرح. قوله: (أو بندقة) بضم الباء والدال: طينة مدورة يرمي بها. قوله: (ولو كانت خفيفة) يشير إلى أن الثقيلة لا تحل وإن ٦٠ كتاب الصيد ولو لم يجرجِه لا يؤكل مطلقاً. وشرط في الجرح الإدماء، وقيل لا. ملتقى. وتمامه فيما علقته عليه (أو رمى صيداً فوقع في ماء) لاحتمال قتله بالماء فتحرم، ولو الطير مائیاً فوقع فيه، جرحت. قال قاضيخان: لا يحل صيد البندقة والحجر والمعراض والعصا وما أشبه ذلك وإن جرح، لأنه لا يخرق إلا أن یکون شيء من ذلك قد حدده وطوله کالسهم وأمكن أن یرمي به؛ فإن كان كذلك وخرقه بحده حل أكله، فأما الجرح الذي يدق في الباطن ولا يخزق في الظاهر لا يحل لأنه لا يحصل به إنهار الدم؛ ومثقل الحديد وغير الحديد سواء، إن خزق حل وإلا فلا اهـ. والخزق بالخاء والزاي المعجمتين: النفاذ. قال في المغرب: والسين لغة والراء خطأ. وفي المعراج عن المبسوط: بالزاي يستعمل في الحيوان؛ وبالراء في الثوب. وفي التبيين: والأصل أن الموت إذا حصل بالجرح بيقين حل؛ وإن بالثقل أوشك فيه فلا يحل حتماً أو احتياطاً اهـ. ولا يخفى أن الجرح بالرصاص إنما هو بالإحراق والثقل بواسطة اندفاعه العنيف إذ ليس له حد فلا يحل، وبه أفتى ابن نجيم. قوله: (مطلقاً) أي ثقيلة أو خفيفة. قوله: (وشرط في الجرح الإدماء) قال الزيلعي: وإن كان غير مدم اختلفوا فيه. قيل لا يحل لانعدام معنى الذكاة؛ وهو إخراج الدم النجس؛ وشرطه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ((أَنْرِ الدَّمَ بِمَا شِئْتَ)) رواه أحمد وأبو داود(١) وغيرهما، وقيل يحل الإتيان ما في وسعه وهو الجرح لأن الدم قد ينحبس لغلظه أو لضيق المنفذ. وقيل لو الجراحة كبيرة حل بدونه ولو صغيرة فلا. وإذا أصاب السهم ظلف الصيد أو قرنه: فإن أدماه حل، وإلا فلا، وهذا يؤيد الأول ا هـ ملخصاً. ومثله في - الهداية. قال في الدر المنتقى قلت: وفيه كلام، لما في البرجندي عن الخلاصة أن هذا في غير موضع اللحم، وظاهر ما مر عن القهستاني عن المحيط أن المعتمد أن الإدماء ليس بشرط، فليتأمل اهـ ملخصاً. قلت: ظاهر الهداية والزيلعي والملتقط اعتماد اشتراطه مع أن الحديث يؤيده، وقد يرجح عدم الاشتراط بما في متن المواهب، وقدمه المصنف في الذبائح من أنه تحل ذبيحة علمت حياتها وإن لم تتحرك ولم يخرج منها دم، وإن لم تعلم فلا بد من أحدهما. تأمل. قوله: (وتمامه الخ) هو ما قدمناه. قوله: (أو رمى صيداً الخ) هذا فيما إذا كان فيه حياة مستقرة حرم بالاتفاق، لأن موته مضاف إلى غير الرمي، وإن کانت حیاته دون ذلك فهو على الاختلاف الذي مر ذكره في إرسال الكلب اهـ زيلعي. ونحوه في ط عن الهندية. قوله: (فوقع فيه) الظاهر أنه قيد اتفاقي، فمثله إذ رماه فيه حرم لاحتمال موته بالماء. ط (١) أخرجه أحمد ٢٥٨/٤ والنسائي ٢٢٥/٧ والطبراني ١٠٤/١٧،٣٢٥/٤ والطحاوي في معاني الآثار ١٣٨/٤.