النص المفهرس

صفحات 561-580

٥٦١
كتاب الحظر والإباحة / باب الاستبراء وغيره
تغيره، وقيل يكره لإعانته على المعصية، ونقل المصنف عن السراج: والمشكلات أن
قوله ((ممن)) أي من كافر، أما بيعه من المسلم فيكره، ومثله في الجوهرة والباقاني
وغيرهما. زاد القهستاني معزياً للخانية أنه يكره بالاتفاق (بخلاف بيع أمرد ممن يلوط
به وبيع سلاح من أهل الفتنة) لأن المعصية تقوم بعينه، ثم الكراهة في مسألة الأمرد
مصرح بها في بيوع الخانية وغيرها، واعتمده المصنف على خلاف ما في الزيلعي
والعيني وإن أقره المصنف في باب البغاة.
قلت: وقدمنا ثمة معزياً للنهر أن ما قامت المعصية بعينه يكره بيعه تحريماً،
وإلا فتنزيهاً، فليحفظ توفيقاً
منه أن المراد بما لا تقوم المعصية بعينه ما يحدث له بعد البيع وصف آخر يكون فيه قيام
المعصية، وأن ما تقوم المعصية بعينه ما توجد فيه على وصفه الموجود حالة البيع كالأمرد
والسلاح، ويأتي تمام الكلام عليه قوله: (أما بيعه من المسلم فيكره) لأنه إعانة على
المعصية. قهستاني عن الجواهر.
أقول: وهو خلاف إطلاق المتون وتعليل الشروح بما مر، وقال ط: وفيه أنه لا
يظهر إلا على قول من قال: إن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة والأصح خطابهم،
وعليه فيكون إعانة على المعصية، فلا فرق بين المسلم والكافر في بيع العصير منهما فتدبر
اهـ. ولا يرد على هذا الإطلاق والتعليل المار قوله: (على خلاف ما في الزيلعي والعيني)
ومثله في النهاية والكفاية عن إجارات الإمام السرخسي قوله: (معزياً للنهر) قال فيه من
باب البغاة: وعلم من هذا أنه لا يكره بيع ما لم تقم المعصية به كبيع الجارية المغنية
والكبش التطوح والحمامة الطيارة والعصير والخشب ممن يتخذ منه المعازف، وأما في بيوع
الخانية من أنه يكره بيع الأمرد من فاسق يعلم أنه يعصي به مشكل.
والذي جزم به الزيلعي في الحظر والإباحة أنه لا يكره بيع جارية ممن يأتيها في دبرها
أو بيع غلام من لوطي، وهو الموافق لما مر، وعندي أن ما في الخانية محمول على كراهة
التنزيه وهو الذي تطمئن إليه النفوس، إذ لا يشكل أنه وإن لم يكن معيناً أنه متسبب في
الإعانة، ولم أر من تعرّض لهذا اهـ. وفي حاشية الشلبي على المحيط: اشترى المسلم الفاسق
عبداً أمرد وكان ممن يعتاد إتيان الأمرد يجبر على بيعه قوله: (فليحفظ توفيقاً) بأن يحمل ما
في الخانية من إثبات الكراهة على التنزيه، وما في الزيلعي وغيره من نفيها على التحريم فلا
مخالفة، وأقول: هذا التوفيق غير ظاهر، لأنه قدم أن الأمرد مما تقوم المعصية بعينه، وعلى
مقتضى ما ذكره هنا يتعين أن تكون الكارهة فيه للتحريم، فلا يصح حمل كلام الزيلعي
وغيره على التنزيه، وإنما مبني كلام الزيلعي وغيره على أن الأمرد ليس مما تقوم المعصية

٥٦٢
كتاب الحظر والإباحة / باب الاستبراء وغيره
(و) جاز تعمير كنيسة و (حمل خمر ذمي) بنفسه أو دابته (بأجر) لا عصرها لقيام
المعصية بعينه (و) جاز (إجارة بيت بسواد الكوفة) أي قراها (لا بغيرها على الأصح)
بعينه كما يظهر من عبارته قريباً عند قوله ((وجاز إجارة بيت)) قوله: (وجاز تعمير كنيسة)
قال في الخانية: ولو آجر نفسه ليعمل في الكنيسة ویعمرها لا بأس به لأنه لا معصية في عین
العمل قوله: (وحمل خمر ذمي) قال الزيلعي: وهذا عنده، وقالا: هو مكروه («لأنه عليه
الصلاة والسلام لعن في الخمر عشرة، وعدّ منها حاملها) وله أن الإجارة على الحمل وهو
ليس بمعصية ولا سبب لها، وإنما تحصل المعصية بفعل فاعل مختار، وليس الشرب من
ضرورات الحمل، لأن حملها قد يكون للإراقة أو للتخليل، فصار كما إذا استأجره لعصر
العنب أو قطعه، والحديث محمول على الحمل المقرون بقصد المعصية اهـ. زاد في النهاية:
وهذا قياس وقولهما استحسان، ثم قال الزيلعي: وعلى هذا الخلاف لو آجره دابة لينقل
عليها الخمر أو آجره نفسه ليرعى له الخنازير يطيب له الأجر عنده، وعندهما يكره.
وفي المحيط: لا يكره بيع الزنانير من النصراني والقلنسوة من المجوسي لأن ذلك
إذلال لهما، وبيع المكعب المفضض للرجل إن ليلبسه يكره، لأنه إعانة على لبس الحرام،
وإن كان إسكافاً أمره إنسان أن يتخذ له خفاً على زيّ المجوس أو الفسقة أو خياطاً أمره
أن يتخذ له ثوباً على زي الفساق يكره له أن يفعل، لأن سبب التشبه بالمجوس والفسقة
اهـ قوله: (لا عصرها لقيام المعصية بعينه) فيه منافاة ظاهرة لقوله سابقاً ((لأن المعصية لا
تقوم بعينه)) ط وهو مناف أيضاً لما قدمناه عن الزيلعي من جواز استئجاره لعصر العنب أو
قطعة، ولعل المراد هنا عصر العنب على قصد الخمرية، فإن عين هذا الفعل معصية بهذا
القصد، ولذا أعاد الضمير على الخمر مع أن العصر للعنب حقيقة فلا ينافي ما مر من
جواز بيع العصير واستئجاره على عصر العنب هذا ما ظهر. فتأمل قوله: (وجاز إجارة
بيت الخ) هذا عنده أيضاً لأن الإجارة على منفعة البيت، ولهذا يجب الأجر بمجرد
التسليم ولا معصية فيه وإنما المعصية بفعل المستأجر وهو مختار فينقطع نسبته عنه، فصار
كبيع الجارية ممن لا يستبرئها أو يأتيها من دبر وبيع الغلام من لوطي والدليل عليه أنه لو
آجره للسكنى جاز وهو لا بد من عبادته فيه اهـ. زيلعي وعيني. ومثله في النهاية
والكفاية. قال في المنح: وهو صريح في جواز بيع الغلام من اللوطي، والمنقول في كثير
من الفتاوى أنه يكره، وهو الذي عولنا عليه في المختصر أهـ.
أقول: هو صريح أيضاً في أنه ليس مما تقوم المعصية بعينه، ولذا كان ما في الفتاوى
مشكلاً كما مر عن النهر، إذ لا فرق بين الغلام وبين البيت والعصير، فكان ينبغي
للمصنف التعويل على ما ذكره الشراح فإنه مقدم على ما في الفتاوى، نعم على هذا التعليل
الذي ذكره الزيلعي يشكل الفرق بين ما تقوم المعصية بعينه وبين ما لا تقوم بعينه، فإن

٥٦٣
كتاب الحظر والإباحة / باب الاستبراء وغيره
وأما الأمصار وقرى غير الكوفة فلا يمكنون لظهور شعار الإسلام فيها، وخص
سواد الكوفة لأن غالب أهلها أهل الذمة (ليتخذ بيت نار أو كنيسة أو بيعة أو يباع
فيه الخمر) وقالا: لا ينبغي ذلك لأنه إعانة على المعصية، وبه قالت الثلاثة. زيلعي
(و) جاز (بيع بناء بيوت مكة وأرضها) بلا كراهة، وبه قال الشافعي وبه يفتى.
عيني. وقد مر في الشفعة وفي البرهان في باب العشر: ولا يكره بيع أرضها كبنائها
وبه يعمل، وفي مختارات النوازل لصاحب الهداية: لا بأس ببيع بنائها وإجارتها،
لكن في الزيلعي وغيره: يكره إجارتها. وفي آخر الفصل الخامس من التاتر خانية
وإجارة الوهبانية قالا: قال أبو حنيفة: أكره إجارة بيوت مكة في أيام الموسم، وكان
يفتي لهم أن ينزلوا عليهم في دورهم لقوله تعالى: ﴿سواء العاكف فيه والباد﴾
ورخص فيها في غير أيام الموسم اهـ. فليحفظ.
المعصية في السلاح والمكعب المفضض ونحوه إنما هي بفعل الشاري، فليتأمل في وجه
الفرق فإنه لم يظهر لي ولم أر من نبه عليه. نعم يظهر الفرق على ما قدمه الشارح تبعاً لغيره
من التعليل، لجواز بيع العصير بأنه لا تقوم المعصية بعينه، بل بعد تغيره فهو كبيع الحديد
من أهل الفتنة، لأنه وإن كان يعمل منه السلاح لكن بعد تغيره أيضاً إلى صفة أخرى.
وعليه يظهر كون الأمرد مما تقوم المعصية بعينه كما قدمناه، فلتيأمل قوله: (وأما الأمصار)
الأنسب في التعبير كالأمصار الخ ط قوله: (فلا يمكنون) أي من اتخاذ البيع والكنائس
وإظهار بيع الخمور ونحو ذلك قوله: (أو كنيسة أو بيعة) الأول معبد اليهود والثاني معبد
النصارى. ذكره في الصحاح. ومن ظن عكس هذا فقدسها اهـ. ابن كمال. لكن تطلق
الكنسية على الثاني أيضاً كما يعلم من القاموس والمغرب، والبيعة بالكسر جمعه بيع کعنب
قوله: (وجاز بيع بناء بيوت مكة) أي اتفاقاً لأنه ملك لمن بناه، كمن بنى في أرض الوقف
له بيعه إتقاني قوله: (وأرضها) جزم به في الكنز وهو قولهما وإحدى الروايتين عن الإمام،
لأنها مملوكة لأهلها لظهور آثار الملك فيها وهو الاختصاص بها شرعاً، وتمامه في المنح
وغيرها قوله: (وقد مر في الشفعة) ومر أيضاً أن الفتوى على وجوب الشفعة في دور مكة،
وهو دليل على ملكية أرضها كما مر بيانه قوله: (لكن الخ) استدراك على قوله ((وإجارتها))
قوله: (قالا) أي صاحبا الکتابین قوله: (قال أبو حنيفة الخ) أقول: في غاية البيان ما يدل
على أنه قولهما أيضاً حين نقل عن تقريب الإمام الكرخي ما نصه: وروى هشام عن أبي
یوسف عن أبي حنيفة أنه کره إجارة بیوت مکة في الموسم، ورخص في غيره، وكذا قول
أبو یوسف. وقال هشام: أخبرني محمد عن أبي حنيفة أنه كان يكره كراء بيوت مكة في
الموسم ويقول لهم: أن ينزلوا عليهم في دورهم إذا كان فيها فضل، وإن لم يكن فلا، وهو

٥٦٤
كتاب الحظر والإباحة / باب الاستبراء وغيره
قلت: وبهذا يظهر الفرق والترفيق، وهكذا كان ينادي عمر بن الخطاب
رضي الله عنه أيام الموسم ويقول: يا أهل مكة لا تتخذوا لبيوتكم أبواباً لينزل
البادي حيث شاء ثم يتلو الآية، فليحفظ (و) جاز (قيد العبد) تحرزاً عن التمرد
والإباق وهو سنة المسلمين في الفساق (وقبول هديته تاجراً وإجابة دعوته واستعارة
دابته) استحساناً (وكره كسونه) أي قبول هدية العبد (ثوباً وإهداؤه النقدين) لعدم
الضرورة (واستخدام الخصيّ) ظاهره الإطلاق، وقيل بل دخوله على الحرم
قول محمد اهـ. فأفاد أن الكراهة في الإجارة وفاقية، وكذا قال في الدر المنتقى صرحوا
بكراهتها من غير ذكر خلاف اهـ قوله: (وبه يظهر الفرق) أي بحمل الكراهة على أيام
الموسم يظهر الفرق بين جواز البيع دون الإجارة، وهو جواب عما في الشرنبلالية، حيث
نقل كراهة إجارة أرضها عن الزيلعي والكافي والهداية، ثم قال: فلينظر الفرق بين جواز
البيع، وبين عدم جواز الإجارة اهـ.
وحاصله: أن كراهة الإجارة لحاجة أهل الموسم قوله: (والتوفيق) بين ما في النوازل
وما في الزيلعي وغيره بحمل الكراهة على أيام الموسم وعدمها على غيرها قوله: (وهكذا)
أي كما كان الإمام يفتي ط قوله: (واستعارة دابته) فلا يضمن المستعير لو عطبت تحته
قوله: (استحساناً) لأن النبي عليه الصلاة والسلام قبل هدية سلمان حين كان عبداً، وقبل
هدية بريرة وكانت مكاتبة، وأجاب رهط من الصحابة دعوة مولى أبي أسيد وكان عبداً،
ولأن في هذه الأشياء ضرورة ولا يجد التاجر بداً منها. هداية قوله: (أي قبول هدية
العبد) أشار إلى أن كسوته من إضافة المصدر إلى فاعله قوله: (واستخدام الخصي) لأن فيه
تحريض الناس على الخصاء، وفي غاية البيان عن الطحاوي: ويكره كسب الخصيان
وملكهم واستخدامهم اهـ. قال الحموي: لم يظهر لي وجه كراهة كسبه.
أقول: لعل المراد كراهة كسبه على مولاه بأن يجعل عليه ضريبة أو مطلقاً، لأن
كسبه عادة في استخدامه ودخوله على الحرم. تأمل. ثم رأيت الثاني في التجنيس والمزيد،
ونصه: لأن كسبه يحصل بالمخالطة مع النسوان اهـ. ولله الحمد قوله :. (وقيل بل دخوله)
الأولى ((بل في دخوله)) وعلى القيل اقتصر القهستاني، ونقله عن الكرماني، والحديث والعلة
يفيدان الإطلاق فكان هو المعتمد ط. وهو ظاهر المتون قوله: (على الحرم) جمع حرمة
بمعنى المرأة مثل غرفة وغرف كما في المصباح حموي، فيكون بضم الحاء وفتح الراء، وفي
بعض النسخ ((على الحريم)) وفي القاموس والحريم كأمير ما حرم فلم يمس وثوب المحرم
وما كان المحرمون يلقونه من الثياب فلا يلبسونه، ومن الدار ما أضيف إليها من حقوقها
ومرافقها وهتك ما تحميه وتقاتل عنه، كالحرم جمعه إحرام وحرم بضمتين، وحرمك بضم
الحاء: نساؤك وما تحمي وهي المحارم الواحدة كمكرمة وتفتح راؤه اهـ. فالحرم بالفتح

٥٦٥
كتاب الحظر والإباحة / باب الاستبراء وغيره
لو سنه خمسة عشر.
(و) كره (إقراض) أي إعطاء (بقال) كخباز وغيره (دراهم) أو برّاً لخوف
هلكه لو بقي بيده يشترط (ليأخذ) متفرقاً (منه) بذلك (ما شاء) ولو لم يشترط حالة
العقد لكن يعلم أنه يدفع لذلك. شرنبلالية. لأنه قرض جرّ نفعاً وهو بقاء ماله،
فلو أودعه لم يكره لأنه لو هلك لا يضمن، وكذا لو شرط ذلك قبل الإقراض ثم
أقرضه يكره اتفاقاً. قهستاني وشرنبلالية.
(و) كره تحريماً (اللعب بالترد و) كذا (الشطرنج) بكسر أوله ويهمل ولا يفتح
والحريم بمعنى ما يحمى مناسب هنا أيضاً قوله: (لو سنه خمسة عشر) قيد بالسن لما قيل إن
الخصيّ لا يحتلم قوله: (بقال) قال في القاموس: البقال بياع الأطعمة كلمة عامية
والصحيح البدال اهـ قوله: (يشترط) جملة حالية: أي يشترط الأخذ، وقيد به لما في غاية
البيان: إنما يكره إذا كانت المنفعة مشروطة في العقد، وإلا فلا لأن المستقرض يكون
متبرعاً بها فصار كالرجحان الذي دفعه والإ اهـ قوله: (ولو لم يشترط حالة العقد الخ) كذا
في بعض النسخ، وسقط من بعضها. قال ط: والأولى أن يقول: أو لم يشترط ليفيد اتحاد
الحكم في الصورتين ويكون عطفاً على قوله: ((يشترط)) قال في الشرنبلالية: وجعل المسألة
في التجنيس والمزيد على ثلاثة أوجه: إما أن يشترط عليه في القرض أن يأخذها تبرعاً أو
شراء، أو لم يشترط ولكن يعلم أنه يدفع لهذا وقال قبل ذلك، ففي الوجه الأول والثاني:
لا يجوز، لأنه قرض جر منفعة، وفي الوجه الثالث: جاز لأنه ليس بشرط المنفعة، فإذا
أخذ یقول في كل وقت يأخذ هو على ما قاطعتك علیه اهـ.
أقول: الوجه الثالث يلزم منه الثاني، فكان ينبغي أن يكره أيضاً إلا أن يحمل الثالث
على ما إذا أعرضا وقت القرض عن الشرط المذكور بينهما قبله قوله: (وهو بقاء ماله)
وكفايته للحاجات ولو كان في يده لخرج من ساعته. ولم يبق. منح قوله: (قهستاني
وشرنبلالية) عبارة القهستاني: فلو تقرر بينهما قبل الإقراض أن يعطيه كذا درهماً ليأخذ منه
متفرقاً ثم أقرضه لم يكره بلا خلاف كما في المحيط اهـ. وهذا هو الوجه الثالث مما في
الشرنبلالية، وقد علمت ما فيه إن لم يحمل على ما قلناه، وبه علم أن قول الشارح: ((يكره
اتفاقاً) صوابه ((لم يكره) كما يوجد في بعض النسخ قوله: (بالنرد) هو اسم معرب، ويقال
له النردشير بفتح الدال وكسر الشين، والشير اسم ملك وضع له النرد كما في المهمات،
وفي زين العرب قيل: إن الشير معناه الحلو، وفيه نظر. قالوا: هو من موضوعات سابور
ابن أردشير ثاني ملوك الساسانية وهو حرام مسقط للعدالة بالإجماع. قهستاني قوله:
(والشطرنج) معرب شدرنج، وإنما كره لأن من اشتغل به ذهب عناؤه الدنيوي وجاءه
العناء الأخروي، فهو حرام وكبيرة عندنا، وفي إباحته إعانة الشيطان على الإسلام

٥٦٦
كتاب الحظر والإباحة / باب الاستبراء وغيره
إلا نادراً، وأباحه الشافعي وأبو يوسف في رواية، ونظمها شارح الوهبانية فقال:
ولا بأس بالشطرنج وهي رواية عن الحبر قاضي الشرق والغرب تؤثر
وهذا إذا لم يقامر ولم يداوم ولم يخل بواجب، وإلا فحرام بالإجماع.
(و) كره (كل لهو) لقوله عليه الصلاة والسلام ((كل لهو المسلم حرام إلا
ثلاثة: ملاعبته أهله، وتأديبه لفرسه، ومناضلته بقوسه)) (و) كره (جعل الغل) طوق
له راية (في عنق العبد) يعلم بإباقه، وفي زماننا لا بأس به لغلبة الإباق خصوصاً في
السودان وهو المختار كما في شرح المجمع للعيني (بخلاف القيد) فإنه حلال كما مر
(و) كره (قوله في دعائه بمقعد العزّ من عرشك)
والمسلمين كما في الكافي. قهستاني قوله: (في رواية الخ) قال الشرنبلالي في شرحه: وأنت
خبير بأن المذهب منع اللعب به كغيره قوله: (قاضي الشرق والغرب) هو الإمام الثاني أبو
يوسف، لأن ولايته شملت المشارق والمغارب، لأنه كان قاضي الخليفة هارون الرشيد.
شرنبلالية قوله: (وهذا الخ) وكذا إذا لم يكثر الخلف عليه، وبدون هذه المعاني لا تسقط
عدالته للاختلاف في حرمته. عبد البر عن أدب القاضي.
فرع: اللعب بالأربعة عشر حرام، وهو قطعة من الخشب يحفر فيها ثلاثة أسطر
ويجعل في تلك الحفر حصى صغار يلعب بها اهـ منح.
قلت: الظاهر أنها المسماة الآن بالمنقلة لكنها تحفر سطرين كل سطر سبع حفر قوله:
(وكره كل لهو) أي كل لعب وعبث، فالثلاثة بمعنى واحد كما في شرح التأويلات،
والإطلاق شامل لنفس الفعل، واستماعه كالرقص والسخرية والتصفيق وضرب الأوتار
من الطنبور والبريط والرباب والقانون والمزمار والصنج والبوق، فإنها كلها مكروهة لأنها
زيّ الكفار، واستماع ضرب الدفّ والمزمار وغير ذلك حرام، وإن سمع بغتة يكون
معذوراً ويجب أن يجتهد أن لا يسمع. قهستاني قوله: (ومناضلته بقوسه) قاف في مختصر
النقاية: يقال: انتضل القوم وتناضلوا: أي رموا للسبق، وناضله: إذا رماه اهـ. وفي
الجواهر: قد جاء الأثر في رخصة المسارعة لتحصيل القدرة على المقاتلة دون التلهي فإنه
مكروه اهـ. والظاهر أنه يقال مثل ذلك في تأديب الفرس والمناضلة بالقوس ط قوله:
(وكره جعل الغل) بضم الغين المعجمة قوله: (طوق له راية) الراية بالراء المهملة والدال
غلط من الكاتب: غل يجعل في عنق العبد من الحديد علامة على أنه أبق. إتقاني. وفي
القهستاني: هو طوق مسمر بمسمار عظيم يمنعه من تحريك رأسه اهـ. فتنبه له قوله:
(يعلم) بضم أوله وكسر ثالثة من الإعلام، وضميره للغل وهو وجه تسميته بالراية قوله:
(بمعقد العزّ) بكسر القاف. شلبي. قال في المغرب: معقد العزّ موضع عقده اهـ. وإنما

٥٦٧
كتاب الحظر والإباحة / باب الاستبراء وغيره
ولو بتقديم العين. وعن أبي يوسف: لا بأس به، وبه أخذ أبو الليث للأثر،
والأحوط الامتناع لكونه خبر واحد
كره لأنه يوهم تعلق عزّه بالعرش، والعرش حادث وما يتعلق به يكون حادثاً ضرورة،
والله تعالى متعال عن تعلق عزّه بالحادث سبحانه، بل عزّه قديم لأنه صفته، وجميع صفاته
قديمة قائمة بذاته لم يزل موصوفاً بها في الأزل، ولا يزال في الأبد، ولم يزد شيئاً من
الكمال لم يكن في الأزل بحدوث العرش وغيره. زيلعي.
وحاصله: أنه يوهم تعلق عزّه تعالى بالعرش تعلقاً خاصاً، وهو أن يكون العرش
مبدأ ومنشأ لعزّه تعالى كما توهمه كلمة ((من)) فإن جميع معانيها ترجع إلى معنى ابتداء
الغاية، وذلك المعنى غير متصور في صفة من صفاته تعالى، فإن مؤداه أن صفة العزّ ناشئة
من العرش الحادث، فتكون حادثة، فافهم. وبه اندفع ما أورد أن حدوث تعلق الصفة
بالحادث لا يوجب حدوثها، لعدم توقفها عليه كتعلق القدرة ونحوها بالمحدثات كما
بسطه الطوري، ووجه الاندفاع أن مجرد إيهام المعنى المحال كاف في المنع عن التلفظ بهذا
الكلام وإن احتمل معنى صحياً، ولذا علل المشايخ بقولهم لأنه يوهم الخ، ونظيره ما
قالوا في أنا مؤمن إن شاء الله، فإنهم كرهوا ذلك، وإن قصد التبرك دون التعليق لما فيه
من الإيهام كما قرره العلامة التفتازاني في شرح العقائد وابن الهمام في المسايرة، وعلى هذا
يمنع عن هذا اللفظ، وإن أريد بالعزّ عزّ العرش الذي هو صفة له، لأن المتبادر أن المراد
عز الله تعالى فيشكل قول الزيلعي. ولو جعل العزّ صفة للعرش كان جائزاً لأن العرش
موصوف في القرآن بالمجد والكرم، فكذا بالعز، ولا يشكّ أحد أنه موضع الهيبة وإظهار
كمال القدرة وإن كان الله تعالى مستغنياً عنه اهـ. لكن أقره في الدرر والمنح وكذا المقدسي
وقال: وعليه تكون من بيانية: أي بمعقد العز الذي هو عرشك، وهذا وجه وجیه لما
اختاره الفقيه اهـ. فليتأمل قوله: (ولو بتقديم العين) ظاهره أن الذي في المتن بتقديم
القاف، وهو الذي في أغلب نسخ الشرح، وفي بعضها بتقديم العين وهو الذي شرح عليه
في المنح، وهو الأولى لموافقته للمتون ولأنه موضع الخلاف، ولذا قال في الهداية: ولا
ريب في امتناع الثاني لأنه من العقود قوله: (للأثر) وما روي أنه كان من دعائه وَّهِ («اللَّهُمَّ
إِنِّي أَسْأَلُكَ بِمَعْقِدِ العِزِّ مِنْ عَرْشِكَ وَمُنْتَهَى الرَّحْمَةِ مِنْ كِتَابِكَ وَبِأَسْمِكَ الأَعْظَمِ وَجَدِّكَ
الأَعْلَ وَكَلِمَاتِكَ الثَّامَّةِ)) زيلعي قوله: (والأحوط الامتناع) وعزاه في النهاية إلى شرح
الجامع الصغير لقاضيخان والتمرتاشي والمحبوبي. وفي الفصل الثالث عشر من آخر الحلية
شرح المنية للمحقق ابن أمير حاج قال بعدما تكلم على هذا الأثر وسنده، وأنه عده ابن
الجوزي في الموضوعات، قد عرفت أن هذا الأثر ليس بثابت، فالحق أن مثله لا ينبغي أن
يطلق إلا بنص قطعي أو بإجماع قوي، وكلاهما منتف فالوجه المنع، وتحمل الكراهة

٥٦٨
كتاب الحظر والإباحة / باب الاستبراء وغيره
فيما يخالف القطعي إذ المتشابه إنما يثبت بالقطعي. هداية. وفي التاترخانية معزياً
للمنتقى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به،
والدعاء المأذون فيه المأمور به ما استفيد من قوله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى
فادعوه بها﴾ قال: وكذا لا يصلي أحد على أحد
المذكورة على كراهة التحريم، وتمامه فيه قوله: (فيما يخالف القطعي) وهو تنزيه الحق تعالى
عن مثله ط قوله: (إذ المتشابه) الأولى أن يقول: والمتشابه: أي الذي هو كهذا الدعاء ط :
أي مما كان ظاهره محالاً على الله تعالى قوله: (هداية) أقول: العبارة المذكورة لصاحب المنح،
وأما عبارة الهداية فنصها: ولكنا نقول: هذا خبر واحد فكان الاحتياط في الامتناع اهـ.
تنبيه: لينظر في أنه يقال مثل ذلك في نحو ما يؤثر من الصلوات مثل: اللهم صلّ
علی محمد عدد علمك وحلمك، ومنتهى رحمتك، وعدد كلماتك، وعدد کمال الله ونحو
ذلك، فإنه يوهم تعدد الصفة الواحدة أو انتهاء متعلقات نحو العلم، ولا سيما مثل: عدد
ما أحاط به علمك، ووسعه سمعك، وعدد كلماتك، إذ لا منتهى لعلمه ولا لرحمته ولا
لكلماته تعالى، ولفظة عدد ونحوها توهم خلاف ذلك. ورأيت في شرح العلامة الفاسي
على دلائل الخيرات البحث في ذلك فقال: وقد اختلف العلماء في جواز إطلاق الموهم عند
من لا يتوهم به، أو كان سهل التأويل واضح المحمل أو تخصص بطرق الاستعمال في
معنى صحيح، وقد اختار جماعة من العلماء كيفيات في الصلاة على النبي وَل﴿ وقالوا: إنها
أفضل الكيفيات، منهم الشيخ عفيف الدين اليافعي والشرف البارزي والبهاء بن القطان
ونقله عند تلميذه المقدسي اهـ.
أقول: ومقتضى كلام أئمتنا المنع من ذلك، إلا فيما ورد عن النبي صلقر على ما
اختاره الفقيه فتأمل، والله أعلم قوله: (إلا به) أي بذاته وصفاته وأسمائه قوله: (والله
الأسماء الحسنى فادعوه بها) قال الحافظ أبو بكر بن العربي عن بعضهم: إن لله تعالى ألف
اسم. قال ابنِ العربي: وهذا قليل فيها. وفي الحديث الصحيح ((إِنَّ الله تِسْعاً وَتِسْعِينَ
اسْماً، مائَةً إِلَّ وَاحِداً، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ)) قال النووي في شرح مسلم: واتفق
العلماء على أنه ليس فيه حصر فيها، وإنما المراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها.
واختلفوا في المراد بإحصائها، فقال البخاري وغيره من المحققين معناه: حفظها
وهذا هو الأظهر، لأنه جاء مفسراً في الرواية الأخرى من حفظها، وقيل عدها في
الدعاء، وقيل أحسن المراعاة لها والمحافظة على ما تقتضيه بمعانيها، وقيل غير ذلك،
والصحيح الأول اهـ ملخصاً قوله: (وكذا لا يصلي أحد على أحد) أي استقلالاً، أما تبعاً
كقوله: اللهم صل على محمد وعلى آله وأصحابه جاز. خانية. والمراد غير الملائكة، أما
هم فيجوز عليهم استقلالاً. قال في الغرائب: والسلام يجزي عن الصلاة على النبي #

٥٦٩
كتاب الحظر والإباحة / باب الاستبراء وغيره
إلا على النبي {10.
(و) كره قوله (بحق رسلك وأنبيائك وأوليائك) أو بحق البيت لأنه لا حقّ
للخلق على الخالق تعالى، ولو قال لآخر بحق الله أو بالله أن تفعل كذا لا يلزمه
ذلك، وإن کان الأولی فعله. درر .
وفي المختارات: قال ابن المبارك: سأل لوجه الله أو لحق الله
يعجبني أن لا يعطيه شيئاً لأنه عظم ما حقر الله، وفيها: قرأ القرآن ولم يعمل
ط. وفي خطبة شرح البيري: فمن صلى على غيرهم أثم ويكره، وهو الصحيح. وفي
المستصفى: وحديث ((صلى الله على آل أبي أوفى)) الصلاة حقه، فله أن يصلي على غيره
ابتداء، أما الغير فلا اهـ. وسيأتي تمام الكلام على ذلك آخر الكتاب قوله: (إلا على النبي)
أل للنجس، والمناسب زيادة الملائكة ط قوله: (وكره قوله بحق رسلك الخ) هذا لم يخالف
فيه أبو يوسف، بخلاف مسألة المتن السابقة كما أفاده الإتقاني. وفي التاترخانية: وجاء في
الآثار ما دل على الجواز قوله: (لأنه لا حقّ للخلق على الخالق) قد يقال: إنه لا حقّ لهم
وجوباً على الله تعالى، لكن الله سبحانه وتعالى جعل لهم حقاً من فضله، أو يراد بالحق
الحرمة والعظمة فيكون من باب الوسيلة، وقد قال تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾
[المائدة: ٣٥] وقد عدّ من آداب الدعاء التوسل على ما في الحصن، وجاء في رواية ((اللَّهُمَّ
إِنَّ أَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِنَ عَلَيْكَ، وَبِحَقِّ مَمْشَايَ إِلَيْكَ، فَإِّ لَمْ أَخْرُجْ أَشَراً وَلَ بَطَراً)
الحديث اهـ. ط عن شرح النقاية لمنلا علي القاري. ويحتمل أن يراد بحقهم علينا من
وجوب الإيمان بهم وتعظيمهم. وفي اليعقوبية: يحتمل أن يكون الحق مصدراً لا صفة
مشبهة، فالمعنى: بحقية رسلك فلا منع فليتأمل اهـ: أي المعنى بكونهم حقاً لا بكونهم
مستحقین .
أقول: لكن هذه كلها احتمالات مخالفة لظاهر المتبادر من هذا اللفظ، ومجرد إيهام
اللفظ ما لا يجوز كاف في المنع كما قدمناه فلا يعارض خبر الآحاد، فلذا والله أعلم أطلق
أئمتنا المنع على أن إرادة هذه المعاني مع هذا الإيهام فيها الإقسام بغير الله تعالى، وهو مانع
آخر تأمل. نعم ذكر العلامة المناوي في حديث ((اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك نبيّ
الرحمة)) عن العزّ بن عبد السلام أنه ينبغي كونه مقصوراً على النبي _ *، وأن لا يقسم على
الله بغيره، وأن يكون من خصائصه. قال: وقال السبكي: يحسن التوسل بالنبي إلى ربه،
ولم ينكره أحد من السلف ولا الخلف، إلا ابن تيمية فابتدع ما لم يقله عالم قبله اهـ (١).
ونازع العلامة ابن أمير حاج في دعوى الخصوصية، وأطال الكلام على ذلك في الفصل
الثالث عشر آخر شرحه على المنية، فراجعه قوله: (سأل) أي طلب من شخص شيئاً من
الدنيا الحقيرة قوله: (يعجبني أن لا يعطيه شيئاً) محمول على ما إذا لم يعلم ضرورته ط.

٥٧٠
كتاب الحظر والإباحة / باب الاستبراء وغيره
بموجبه یثاب على قراءته کمن يصلي ويعصي.
فرع: هل يكره رفع الصوت بالذكر والدعاء؟ قيل نعم، وتمامه قبيل جنايات
البزازية .
أقول: وليتأمل المنع مع ما ذكره شيخ مشايخنا الجراحي مما عند الطبراني بسند رجاله
رجال الصحيح عن أبي موسى رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله { ل﴿ يقول: ((مَلْعُونٌ مَنْ
سَأَلَ بِوَجْهِ اللهِ، وَمَلْعُونٌ مَنْ سُئِلَ بِوَجْهِ الله ثُمَّ مَنَعَ سَائِلَهُ مَا لَمْ يَسْأَلْ هُجْراً)(١) يعني
قبيحاً. ولأبي داود والنسائي وصححه ابن حبان وقال الحاكم على شرط الشيخين عن ابن
عمر رضي الله عنهما رفعه «مَنْ يَسْأَلْ بِوَجْهِ اللهِ(٢) فَأَعْطُوهُ(٣) وللطبراني ((مَلْعُونٌ مَنْ سَأَلَ
بِوَجْهِ الله، وَمَلْعُونٌ مَنْ يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللهِ فَيَمْنَعُ سَائِلَهُ)) اهـ. إلا أن يحمل على السؤال من غير
الدنيا، أو على ما إذا علم عدم حاجته وأن سؤاله للتكثير. تأمل قوله: (يثاب على قراءته)
وإن كان يأثم بترك العمل فالثواب من جهة والإثم من أخرى ط قوله: (قيل نعم) يشعر
بضعفه مع أنه مشى عليه في المختار والملتقى فقال: وعن النبي 3$ أنه كره رفع الصوت عند
قراءة القرآن والجنازة والزحف والذكير، فما ظنك عند الغناء الذي يسمونه وجداً ومحبة فإنه
مکروه لا أصل له في الدين اهـ قوله: (وتمامه قبيل جنايات البزازية) أقول: اضطراب كلام
البزازية، فنقل أولاً عن فتاوى القاضي أنه حرام لما صح عن ابن مسعود أنه أخرج جماعة
من المسجد يهللون ويصلون على النبي ﴾ جهراً وقال لهم: ((مَا أَرَاكُمْ إِلَّ مُبْتَدِعِينَ)) ثم قال
البزازي: وما روي في الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام قال الرافعي أصواتهم بالتكبير:
((أَزْبِعُوا عَلَىَ أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لَنْ تَدْعُوا أَصَمَّ وَلَ غَائِباً، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعاً بَصِيراً قَرِيباً أنَّه
مَعَكُمْ)) الحديث يحتمل أنه لم يكن للرفع مصلحة، فقد روي أنه كان في غزاة، ولعل رفع
الصوت يجرّ بلاء والحرب خدعة ولهذا نهى عن الجرس في المغازي، وأما رفع الصوت
بالذكر فجائز كما في الأذان والخطبة والجمعة والحج اهـ. وقد حرر المسألة في الخيرية وحمل
ما في فتاوى القاضي على الجهر المضر وقال: إن هناك أحاديث اقتضت طلب الجهر،
وأحاديث طلب الإسرار، والجمع بينهما بأن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال،
فالإسرار أفضل حيث خیف الرياء أو تأذي المصلین أو النیام، والجهر أفضل حيث خلا مما
ذكر، لأنه أكثر عملاً ولتعدي فائدته إلى السامعين، ويوقظ قلب الذاکر فیجمع همه إلى
الفكر، ويصرف سمعه إليه، ويطرد النوم ويزيد النشاط اهـ ملخصاً.
(١) أخرجه الدولابي في الكنى ٤٣/١ والطبراني كما في المجمع ١٠٣/٣،١٥٣/١ وانظر كشف الخفا ٥٢١/٢.
(٢) قوله من يسأل الله بوجه الخ هكذا بالأصل المقابل على خط المؤلف ولعل الصواب من يسأل بوجه الله الخ
کما یدل علیه سابق الکلام ولا حقه.
(٣) أبو داود في الزكاة باب (٣٩)) والنسائي في الزكاة باب(٧٠) والطبراني ٤١٨/١٢ وانظر كشف الخفا ٢/ ٥٢١.

٥٧١
كتاب الحظر والإباحة / باب الاستبراء وغيره
(و) کرہ (احتکار قوت البشر) کتین وعنب ولوز (والبهائم) کتبن وقت (في
بلد يضرّ بأهله) لحديث ((الجالب مرزوق والمحتكر ملعون)) فإن لم يضرّ لم يكره ومثله
تلقي الجلب (و) يجب أن
زاد في التاترخانية: وأما رفع الصوت عند الجنائز فيحتمل أن المراد منه النوح أو
الدعاء للميت بعد ما افتتح الناس الصلاة أو الإفراط في مدحه كعادة الجاهلية بما هو شبيه
المحال» وأما أصل الثناء عليه فغير مكروه اهـ. وقد شبه الإمام الغزالي ذكر الإنسان وحده
وذكر الجماعة بأذان المنفرد، وأذان الجماعة قال: فكما أن أصوات المؤذنين جماعة تقطع
جرم الهواء أكثر من صوت المؤذن الواحد كذلك ذكر الجماعة على قلب واحد أكثر تأثيراً
في رفع الحجب الکثیفة من ذکر شخص واحد قوله: (و کره احتكار قوت البشر) الاحتکار
لغة: احتباس الشيء انتظاراً لغلائه، والاسم الحكرة بالضم والسكون كما في القاموس.
وشرعاً: اشتراء طعام ونحوه وحبسه إلى الغلاء أربعين يوماً، لقوله عليه الصلاة والسلام:
(مَنِ احْتَكَرَ عَلَى المُسْلِمِينَ أَرْبَعِين يَوْماً ضَرَبَهُ الله بِالجُذَامِ وَالإِفْلَاسِ)) (١) وفي رواية «فَقَدْ
بَرِىءَ مِنَ اللهِ وَبَرِىءَ الله مِنْهُ)) قال في الكفاية: أي خذله والخذلان ترك النصرة عند الحاجة
اهـ. وفي أخرى ((فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهِ مِنْهُ صَرْفاً وَلَا
عَذْلًا)) الصرف: النفل، والعدل: الفرض، شرنبلالية عن الكافي وغيره. وقيل شهراً وقیل
أكثر، وهذا التقدير للمعاقبة في الدنيا بنحو البيع والتعذير لا للإثم لحصوله وإن قلت المدة
وتفاوته بين تربصه لعزته أو للقحط والعياذ بالله تعالى. در منتقى مزيداً. والتقييد بقوت
البشر قول أبي حنيفة ومحمد وعليه الفتوى، كذا في الكافي. وعن أبي يوسف: كل ما أضر
بالعامة حبسه فهو احتكار. وعن محمد: الاحتكار في الثياب. ابن كمال قوله: (کتین
وغنب ولوز) أي مما يقوم به بدنهم من الرزق ولو دخنا لا عسلاً وسمناً. در منتقى قوله:
(وقت) بالقاف والتاء المثناة من فوق الفصفصة بكسر الفاءين وهي الرطبة من علف
الدواب اهـ ح. وفي المغرب: القت اليابس من الاسفست اهـ. ومثله في القاموس. وقال
في الفصفصة بالكسر: هو نبات فارسیته إسفست. تأمل قوله: (في بلد) أو ما في حكمه
كالرستاق والقرية. قهستاني قوله: (يضر بأهله) بأن كان البلد صغيراً. هداية قوله:
(والمحتكر ملعون) أي مبعد عن درجة الأبرار، ولا يراد المعنى الثاني للعن وهو الإبعاد
عن رحمة الله تعالى، لأنه لا يكون إلا في حق الكفار، إذ العبد لا يخرج عن الإيمان
بارتكاب الكبيرة كما في الكرماني، وأقره القهستاني. در منتقى قوله: (ومثله تلقي الجلب)
أي في التفصيل بين كونه يضرّ أهل البلد أو لا يضر. وصورته كما في مثلا مسكين: أن
يخرج من البلد إلى القافلة التي جاءت بالطعام ويشتري منها خارج البلد وهو يريد حبسه
(١) أخرجه البيهقي في الدلائل ٢٤٦/٦ وأحمد ٢١/١ والبخاري في التاريخ ٢١٧/٨.

٥٧٢
كتاب الحظر والإباحة / باب الاستبراء وغيره
(بأمره القاضي ببيغ ما فضل عن قوته وقوت أهله، فإن لم يبع) بل خالف أمر
القاضي (عزّره) بما يراه رادعاً له (وباع) القاضي (عليه) طعامه (وفاقاً) على
الصحيح. وفي السراج: لو خاف الإمام على أهل بلد الهلاك أخذ الطعام من
المحتكرين وفرقّ عليهم، فإذا وجدوا سعة ردوا مثله، وهذا ليس بحجم بل
للضرورة، ومن اضطر لمال غيره وخاف الهلاك تناوله بلا رضاه، ونقله الزيلعي عن
الاختيار وأقره.
(ولا يكون محتكراً بحبس غلة أرضه) بلا خلاف (ومجلوبه من بلد آخر) خلافاً
للثاني، وعند محمد
ويمتنع عن بيعه ولم يترك حتى تدخل القافلة البلد، قالوا: هذا إذا لم يلبس الملتقى سعر
البلد على التجار، فإن لبس فهو مكروه في الوجهين. هداية قوله: (يأمره القاضي ببيع ما
فضل الخ) أي إلى زمن يعتبر فيه السعة كما في الهداية والتبيين. شرنبلالية. وينهاه عن
الاحتكار ويعظه ويزجره عنه. زيلعي قوله: (فإن لم يبع الخ) قال الزيلعي: فإن رفع إليه
ثانیاً فعل به كذلك وهدده، فإن رفع إليه ثالثاً حبسه وعزره، ومثله في القهستاني، وكذا في
الكفاية عن الجامع الصغير فتنبه قوله: (وباع القاضي عليه طعاماً) أي إذا امتنع باعه جبراً
عليه. قال في الهداية: وهل يبيع القاضي على المحتكر طعامه من غير رضاه؟ قيل: هو
على اختلاف عرف في بيع مال المديون، وقيل: يبيع بالاتفاق، لأن أبا حنيفة يرى الحجر
لدفع ضرر عام وهذا كذلك اهـ قوله: (على الصحيح) كذا نقله القهستاني ومثله في المنح
قوله: (وفي السراج الخ) مثله في غاية البيان وغيرها، وهذا بيان للعلة الأخرى للقول
الصحيح غير التي قدمناها عن الهداية بناء على قول الإمام بعدم الحجر. تأمل قوله:
(أخذ الطعام من المحتكرين) أي ويبقى لهم قوتهم وقوت عيالهم كما لا يخفى ط: أي
كما مر في أمره بالبيع قوله: (ولا يكون محتكراً الخ) لأنه خالص حقه لم يتعلق به حق
العامة، ألا ترى أن له أن لا يزرع فكذا له أن لا يبيع. هداية. قال ط: والظاهر أن المراد
أنه لا يأثم إثم المحتكر، وإن أثم بانتظار الغلاء أو القحط لنية السوء للمسلمين اهـ. وهل
يجبر على بيعه الظاهر؟ نعم إن اضطر الناس إليه. تأمل قوله: (ومحلوبه من بلد آخر) لأن
حق العامة إنما يتعلق بما جمع في المصر وجلب إلى فنائها. هداية. قال القهستاني:
ويستحب أن يبيعه فإنه لا يخلو عن كراهة كما في التمرتاشي قوله: (خلافاً للثاني) فعنده
يكره كما في الهداية، واعترضه الإتقاني بأن الفقيه جعله متفقاً عليه، وبأن القدوري قال
في التقريب: وقال أبو يوسف: إن جلبه من نصف ميل فإنه ليس بحكرة، وإن اشتراه من
رستاق واحتكره حيث اشتراه فهو حكرة. قال: فعلم أن ما جلبه من مصر آخر ليس

٥٧٣
كتاب الحظر والإباحة / باب الاستبراء وغيره
إن كان يجلب منه عادة كره وهو المختار (ولا يسعر حاكم) لقوله عليه الصلاة والسلام:
((لَا تُسَعِّرُوا فَإِنَّ اللّه هُوَ المُسَعِّرُ القَائِضُ البَاسِطُ الرَّازِقُ))(١) (إلا إذا تعدی الأرباب عن
القيمة تعدياً فاحشاً فيسعر بمشورة أهل الرأي) وقال مالك: على الوالي التسعير عام
الغلاء، وفي الاختيار: ثم إذا سعر وخاف البائع ضرب الإمام لو نقص لا يحل
للمشتري، وحیلته أن يقول له:
بحكرة عند أبي يوسف أيضاً، لأنه لا يثبت الحكرة فيما جلبه من نصف ميل فكيف فيما
جلبه من مصر آخر؟ نص على هذا الكرخي في مختصره اهـ قوله: (إن كان يجلب منه عادة)
احتراز عما إذا كان البلد بعيداً لم تجر العادة بالحمل منه إلى المصر، لأنه لم يتعلق به حق
العامة كما في الهداية قوله: (ملتقى(٢)) قال في شرحه تبعاً للشرنبلالية: وقد أخر في
الهداية قول محمد بدليله اهـ: أي فإن عادته تأخير دليل ما يختاره قوله: (ولا يسعر حاكم)
أي يكره ذلك كما في الملتقى وغيره قوله: (لا تسعروا) قال شيخ مشايخنا العلامة إسماعيل
الجراحي في الأحاديث المشتهرة: قال النجم: هذا اللفظ لم يرد، لكن رواه أحمد والبزار
وأبو يعلى في مسانيدهم وأبو داود والترمذي وصححه، وابن ماجة في سننهم عن أنس
رضي الله تعالى عنه قال: قال الناس: يا رسول الله غلا السعر فسعر لنا فقال: ((إنَّ الله هُوَ
المُسَعِّرُ القَابِضُ البَاسِطُ الرَّازِقُ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللهِ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يُطَالِبُنِي
بِمَظْلَمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ)) وإسناده على شرط مسلم وصححه ابن حبان والترمذي اهـ قوله:
(الرازق) كذا في أغلب النسخ، وفي نسخة ((الرزاق)) على صيغة فعال، وهو الموافق لما.
قدمناه قوله: (تعدياً فاحشاً) بينه الزيلعي وغيره بالبيع بضعف القيمة ط قوله: (فيسعر
الخ) أي لا بأس بالتسعير حينئذ كما في الهداية قوله: (على الوالي التسعير) أي يجب عليه
ذلك كما في غاية البيان، وأيضاً لم يشترط التعدي الفاحش كما ذكره ابن الكمال، وبه
يظهر الفرق بين المذهبين قوله: (لو نقص) أي لو نقص الوزن عما سعره الإمام بأن سعر
الرطل بدرهم مثلاً فجاء المشتري وأعطاه درهماً وقال بعني به. تأمل قوله: (لا يحل
للمشتري) أي لا يحل له الشراء بما سعره الإمام، لأن البائع في معنى المكره كما ذكره
الزيلعي.
أقول: وفيه تأمل، لأنه مثل ما قالوا فيمن صادره السلطان بمال ولم يعين بيع ماله
فصار يبيع أملاكه بنفسه ينفذ بيعه لأنه غير مكروه على البيع، وهنا كذلك لأن له أن لا
(١) أخرجه أحمد ١٥٦/٣ والدارمي ٢٤٩/٢، وأبو داود ٧٣١/٣ (٣٤٥١) والترمذي ٦٠٥/٣ وقال حسن
صحیح، وابن ماجه ٧٤١/٢ (٢٢٠٠) والبیھقي ٢٩/٦.
(٢) (قوله ملتقى) كذا بالأصل وليس في نسخ الشارح هذه الزيادة وعبارة الطحاوي قوله وهو المختار ذكره في
الملتقى.

٥٧٤
كتاب الحظر والإباحة / باب الاستبراء وغيره
بعني بما تحب، ولو اصطلحوا على سعر الخبز واللحم ووزن ناقصاً رجع المشتري
بالنقصان في الخبز لا اللحم لشهرة سعره عادة.
قلت: وأفاد أن التسعير في القوتين لا غير، وبه صرح العتابي وغيره، لكنه إذا
تعدى أرباب غير القوتين وظلموا على العامة فيسعر عليهم الحاكم بناء على ما قال أبو
يوسف: ينبغي أن يجوز. ذكره القهستاني. فإن أبا يوسف يعتبر حقيقة الضرر كما
تقرر، فتدبر.
یبیع أصلاً، ولذا قال في الهداية: ومن باع منهم بما قدره الإمام صح لأنه غير مکره على
البيع !هــ لأن الإمام لم يأمر بالبيع، وإنما أسره أن لا يزيد الثمن على كذا وفرق ما بينهما،
فليتأمل قوله: (بما تحب) فحينئذ بأي شيء باعه يحل. زيلعي. وظاهره أنه لو باعه بأكثر
يحل وينفذ البيع، ولا ينافي ذلك ما ذكره الزيلعي وغيره من أنه لو تعدى رجل وياع بأكثر
أجازه القاضي، لأن المراد أن القاضي يمضيه ولا يفسخه، ولذا قال القهستاني: جاز
وأمضاه القاضي، خلافاً لما فهمه أبو السعود من أنه لا ينفذ ما لم يجزه القاضي قوله: (رجع
المشتري بالنقصان في الخبز لا اللحم) جعل الزيلعي وغيره ذلك فيما إذا كان المشتري من
غير أهل البلد، وعلله بأن سعر الخبز يظهر عادة في البلدان وسعر اللحم لا يظهر إلا نادراً ..
اهـ: أي فلا يظهر في حق الغريب كما في الثانية فالبلدي يرجع فيهما، والمراد الرجوع في
حصة النقصان من الثمن. وفي بيوع الخانية: رجل اشترى من القصاب كل يوم لحماً
. بدرهم، والقصاب يقطع ويزن والمشتري يظن أنه منّ، لأن اللحم يباع في البلد مناً
بدرهم، فوزنه المشتري يوماً فوجده أنقص وصدقه القصاب، قالوا: إن كان المشتري من
أهل البلد يرجع بحصة النقصان من الثمن لا من اللحم، لأن البائع أخذ حصة النقصان
من الثمن بغير عوض، وإن لم يكن من أهل البلد وأنكر القصاب أنه دفع على أنه من لا
يرجع بشيء لأن سعر البلد لا يظهر في حق الغرباء اهـ قوله: (وأفاد أن التسعير في القوتين)
أي قوت البشر وقوت البهائم، لأنه ذكر التسعير في بحث الاحتكار. تأمل قوله: (وظلموا
على العامة) ضمنه معنى تعدى فعداه بعلى اهـح قوله: (فيسعر عليهم الحاكم) الأولى
فسعر بلفظ الماضي عطفاً على قوله: ((تعدى)) لأن جواب ((إذا)) قوله ((ينبغي أن يجوز)) قوله:
(بناء على ما قال أبو يوسف) أي من أن كل ما أضرّ بالعامة حبسه فهو احتكار، ولو ذهباً
أو فضة أو ثوباً قال ط: وفيه أن هذا في الاحتكار لا في التسعير اهـ.
قلت: نعم ولكنه يؤخذ منه قياساً أو استنباطاً بطريق المفهوم، ولذا قال بناء على ما
قال أبو يوسف، ولم يجعله قوله تأمله، على أنه تقدم أن الإمام يرى الحجر إذا عمّ الضرر
كما في المفتي الماجن والمكاري المفلس والطبيب الجاهل، وهذه قضية عامة فتدخل مسألتنا
فيها، لأن التسعير حجر معنى، لأنه منع عن البيع بزيادة فاحشة، وعليه فلا يكون مبنياً

٥٧٥
كتاب الحظر والإباحة / باب الاستبراء وغيره
(يكره إمساك الحمامات) ولو في برجها (إن كان يضرّ بالناس) بنظر أو جلب،
والاحتياط أن يتصدق بها ثم يشتريها أو توهب له. مجتبى (فإن كان يطيرها فوق السطح
مطلعاً على عورات المسلمين ويكسر زجاجات الناس برميه تلك الحمامات عزر ومنع
أشد المنع، فإن لم يمتنع بذلك ذبحها) أي الحمامات (المحتسب) وصرح في الوهبانية
بوجوب التعزير وذبح الحمامات ولم يقيده بما مر، ولعله اعتمد عادتهم، وأما
للاستئناس فمباح كشراء عصافير ليعتقها إن قال من أخذها فهي له ولا تخرج عن ملكه
بإعتاقه، وقیل یکره لأنه تضييع المال. جامع الفتاوى.
وفي المختارات: سيب دابته وقال هي لمن أخذها لم يأخذها ممن أخذها، ومر في
علی قول أبي يوسف فقط، کذا ظهر لي فتأمل قوله: (والاحتياط) يعني فيما إذا جلب
حماماً ولم يدر صاحبها(١) اهـ ح قوله: (ذبحها) أي ثم يلقيها لمالكها. أفاده الشرنبلالي في
شرحه قوله: (وصرح في الوهبانية) أي في كتاب الحدود قوله: (ولم يقيده بما مر) أي من
الاطلاع على العورات وكسر الزجاجات. قال شارحه العلامة عبد البرّ: ولم أر إطلاق
التعزير لغيره من المتقدمين قوله: (ولعله) أي صاحب الوهبانية اعتمد إعادتهم: أي أطلق
اعتماداً على عادة الذين يطيرون الحمام قوله: (وأما للاستئناس فمباح) قال في المجتبى
رامزاً: لا بأس بحبس الطيور والدجاج في بيته ولكن يعلفها، وهو خير من إرسالها في
السكك اهـ. وفي القنية رمزاً: حبس بلبلاً في القفص وعلفها لا يجوز اهـ.
أقول: لكن في فتاوى العلامة قارىء الهداية: سئل هل يجوز حبس الطيور المفردة
وهل يجوز عتقها، وهل في ذلك ثواب، وهل يجوز قتل الوطاويط لتلويثها حصر المسجد
بخرئها الفاحش؟ فأجاب: يجوز حبسها للاستئناس بها، وأما إعتاقها فليس فيه ثواب،
وقتل المؤذي منها ومن الدواب جائز اهـ.
قلت: ولعل الكراهة في الحبس في القفص، لأنه سجن وتعذيب دون غيره كما
يؤخذ من مجموع ما ذكرنا، وبه يحصل التوفيق، فتأمل.
تنبيه: قال الجراحي: ومن الواهي ما رواه الدارقطني في الأفراد والدیلمي عن ابن
عباس مرفوعاً (وَانَّخِذُوا المَقَاصِیص فَإِنَّا تُلمِي الچِنَّ عَنْ صِبْیَانِكُمْ)). وأخرج ابن أبي
الدنيا عن الثوري ((إِنَّ اللَّعِبَ بِالحَمامِ مِنْ عَمَّلِ قَوْمِ لُوطٍ)) قوله: (ولا تخرج عن ملكه
بإعتاقه) فإذا وجدها بعده في يد غيره لها أخذها، إلا إذا كان قال من أخذها فهي له كما
يفهم مما بعده قوله: (لم يأخذها) ذكر في الخلاصة أنه أعاد المسألة في الفتاوى في باب
السير، وشرط أنه قال لقوم معلومين: من شاء منكم فليأخذ اهـ. وفي التاترخانية: ولو
(١) (قوله ولم يدر صاحبها) أي بل شك في أن هذا الحمام ملکه أو لا أما إذا علم أنه ليس ملكه ولكن لا يعلم
صاحبه يكون المتصدق حينئذ واجباً لا احتياطاً فقط.
١

٥٧٦
كتاب الحظر والإباحة / باب الاستبراء وغيره
الحج، وجاز ركوب الثور وتحميله والكراب على الحمير بلا جهد وضرب، إذ ظلم
الدابة أشد من الذمي، وظلم الذمي أشد من المسلم (ولا بأس بالمسابقة في الرمي
والفرس) والبغل والحمار، كذا في الملتقى والمجمع، وأقره المصنف هنا خلافاً لما ذكره في
مسائل شتى، فتنبه (والإبل و) على (الأقدام) لأنه من أسباب الجهاد
قال كل ما تناول فلان من مالي فهو حلال له فتناول حلّ، وفي كل من تناول من مالي فهو
حلال له فتناول رجل شيئاً لا يحل. وقال أبو نصر: يحل ولا يضمن. قال أنت في حلّ
من مالي خذ منه ما شئت، قال محمد: هو حل من الدراهم والدنانير خاصة قوله: (وجاز
ركوب الثور وتحميله الخ) وقيل لا يفعل لأن كل نوع من الأنعام خلق لعمل فلا يغير أمر
الله تعالى قوله: (بلا جهد وضرب) أي لا يحملها فوق طاقتها ولا يضرب وجهها ولا
رأسها إجماعاً، ولا تضرب أصلاً عند أبي ح. وإن كانت ملكه قال رسول الله ألته:
(تُضْرَبُ الدَوَّابُ عَلَى النَّفَارِ ولَا تُضْرَبُ عَلَىَ العِثَارِ)) لأن العثار من سوء إمساك الركاب
اللجام، والنفار من سوء خلق الدابة فتؤدب على ذلك. كذا في فصول العلامي قوله:
(أشد من الذمي) لأنه لا ناصر له إلا الله تعالى، وورد «اشْتَدَّ غَضَبُ الله تَعَالَ عَلَ مَنْ
ظَلَمَ مَنْ لَا يَجِدُ نَاصِراً إِلَّ اللّه تَعَالَى)) ط قوله: (أشد من المسلم) لأنه يشدد الطلب على
ظالمه ليكون معه في عذابه، ولا مانع من طرح سيئات غير الكفر علی ظالمه فیعذب بها
بدله. ذكره بعضهم ط قوله: (ولا بأس بالمسابقة الخ) لقوله ◌َله: ((لَا سَبْقَ إِلَّ فِي خُفِّ أَوْ
نَصْلِ حَافِرٍ)) والسبق بفتح الباء: ما يجعل من المال للسابق على سبقه، وبالسكون مصدر
سبقت: أي لا تجوز المسابقة بعوض إلا في هذه الأجناس الثلاثة. قال الخطابي: والرواية
الصحيحة بالفتح. أبو السعود عن المناوي. قال الجراحي: وزيادة أو جناح موضع باتفاق
المحدثين اهـ. والخف الإبل، والحافر الخيل، والنصل حديدة السهم، والمراد به المراماة،
والضاد المعجمة تصحيف، مغرب قوله: (كذا في الملتقى والمجمع) ومثله في المختار
والمواهب ودرر البحار قوله: (خلافاً لما ذكره في مسائل شتى) أي قبيل كتاب الفرائض
حيث اقتصر على الفرس والإبل والأرجل والرمي، ومثله في الكنز والزيلعي، وأقره
الشارح هناك حيث قال: ولا يجوز الاستباق في غير هذه الأربعة كالبغل بالجعل، وأما بلا
جعل فيجوز في كل شيء. وتمام في الزيلعي اهـ. ومثله في الذخيرة والخانية والتأتر خانية.
ونقل أبو السعود عن العلامة قاسم أنه ردّ ما في المجمع بأنه لم يقل أحد بالمسابقة على
الحمير، لأن ذلك معلل بالتحريض على الجهاد، ولم يعهد في الإسلام الجهاد على الحمير
اهـ. ولم يذكر البغل مع أن الشرع لم يعتبره حيث لم يجعل له سهماً من الغنيمة، فليس فيه
تحريض على الجهاد أيضاً، إلا أن يقال: عدم السهم لا يقتضي عدم جواز المسابقة عليه،
لأن الخفّ لا سهم له وتجوز المسابقة عليه بالنص.

٥٧٧
كتاب الحظر والإباحة / باب الاستبراء وغيره
فكان مندوباً، وعند الثلاثة لا يجوز في الأقدام: أي بالجعل، أما بدونه فيباح في كل
الملاعب كما يأتي (حل الجعل) وطاب لا أنه يصير مستحقاً. ذكره البرجندي وغيره،
وعلله البزازي بأنه لا يستحق بالشرط شيء لعدم العقد والقبض اهـ. ومفاده لزومه
بالعقد كما يقول الشافعيه، فتبصر (إن شرط لمال) في المسابقة (من جانب واحد وحرم لو
شرط) فيها (من الجانبين) لأنه يصير قماراً (إلا إذا أدخلا ثالثاً) محللاً (بينهما) بفرس
أقول: والحاصل أن الحافر المذكور في الحديث عام، فمن نظر إلى عمومه أدخل
البغل والحمار، ومن نظر إلى العلة أخرجهما لأنهما ليسا آلة جهاد. تأمل قوله: (فكان
مندوباً) إنما يكون كذلك بالقصد، أما إذا قصد التلهي أو الفخر أو لترى شجاعته
فالظاهر الكراهة، لأن الأعمال بالنيات، فكما يكون المباح طاعة بالنية تصير الطاعة
معصية بالنية ط قوله: (أما بدونه) ظاهره أنه مرتبط بكلام الأئمة الثلاثة، وما يأتي يفيد أن
هذا لأهل المذهب ط، ومثله ما قدمناه آنفاً عن مسائل شتى قوله: (فيباح كل الملاعب)
أي التي تعلم الفروسية وتعين على الجهاد، لأن جواز الجعل فيما مر إنما ثبت بالحديث
على خلاف القياس، فيجوز ما عداها بدون الجعل. وفي القهستاني عن الملتقط: من لعب
بالصولجان يريد الفروسية يجوز. وعن الجواهر: قد جاء الأثر في رخصة المصارعة
لتحصيل القدرة على المقاتلة دون التلهي فإنه مكروه قوله: (لا أنه يصير مستحقاً) حتى لو
امتنع المغلوب من الدفع لا يجبر القاضي ولا يقضي عليه به. زيلعي في مسائل شتى قوله:
(ومفاده لزومه بالعقد) انظر ما صورته. وقد يقال: معنى قوله: ((لعدم العقد)) أي لعدم
إمكانه على أن جواز الجعل فيما ذكر استحسان. قال الزيلعي: والقياس أن لا يجوز لما فيه
من تعليق التمليك على الخطر، ولهذا لا يجوز فيما عدا الأربعة كالبغل وإن كان الجعل
مشروطاً من أحد الجانبين اهـ فتأمل.
وبالجملة فيحتاج في المسألة إلى نقل صريح، لأن ما ذكره محتمل، ورأيت في المجتبى
ما نصه: وفي بعض النسخ: فإن سبقه حلّ المال، وإن أبى يجبر عليه اهـ.
أقول: لكن هذا مخالف لما في المشاهير كالزيلعي والذخيرة والخلاصة والتاترخانية
وغيرها من أنه لا يصير مستحقاً كما مر، فتدبر قوله: (من جانب واحد) أو من ثالث بأن
يقول أحدهما لصاحبه إن سبقتني أعطيتك كذا، وإن سبقتك لا آخذ منك شيئاً، أو يقول
الأمير لفارسين أو راميين من سبق منكما فله كذا، وإن سبق فلا شيء له. اختيار وغرر
الأفكار قوله: (من الجانبين) بأن يقول إن سبق فرسك فلك عليّ كذا، وإن سبق فرسي
فلي عليك كذا. زيلعي. وكذا إن قال إن سبق إبلك أو سهمك الخ. تاترخانية قوله:
(لأنه يصير قماراً) لأن القمار من القمر الذي يزداد تارة وينقص أخرى، وسمي القمار
قماراً لأن كل واحد من المقامرين ممن يجوز أن يذهب ماله إلى صاحبه، ويجوز أن يستفيد

٥٧٨
كتاب الحظر والإباحة / باب الاستبراء وغيره
كفء لفرسيهما يتوهم أن يسبقهما وإلا لم يجز، ثم إذا سبقهما أخذ منهما، وإن سبقاه لم
يعطهما، وفيما بينهما أيهما سبق أخذ من صاحبه (و) كذا الحكم (في المتفقهة) فإذا شرط
لمن معه الصواب صح، وإن شرطاه لکل على صاحبه لا. درر ومجتبى.
مال صاحبه وهو حرام بالنص، ولا كذلك إذا شرط من جانب واحد، لأن الزيادة
والنقصان لا تمكن فيهما، بل في أحدهما تمكن الزيادة، وفي الآخر الانتقاص فقط فلا
تكون مقامرة لأنها مفاعلة منه. زيلعي قوله: (يتوهم أن يسبقهما) بيان لقوله: ((كفء
لفرسيهما) أي يجوز أن يسبق أو يسبق قوله: (وإلا لم يجز) أي إن كان يسبق أو يسبق لا
محالة لا يجوز، لقوله ﴿: ((مَنْ أَدْخَلَ فَرَساً بَيْنْ فَرَسَيْنْ وَهُوَ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ فَلَا بَأْسَ
بِهِ، وَمَنْ أَدْخَلَ فَرَساً بَيْنْ فَرَسَيْنْ وَهُوَ آمِنَّ أَنْ يَسْبِقَ فَهُوَ قِمَارٌ)) رواه أحمد وأبو داود
وغيرهما. زيلعي قوله: (ثم إذا سبقهما الخ) صورته أن يقال: إن سبقهما أخذ منهما ألفاً
إنصافاً، وإن لم يسبق لم يعطهما شيئاً، وإن سبق كل منهما الآخر فله مائة من مال الآخر
فلا يعطيهما شيئاً إن لم يسبقهما ويأخذ منهما الجعل إن سبقهما ويجوز أن يعكس التصوير
أخذاً وإعطاء وفيما بينهما أيهما سبق أخذ من صاحبه ما شرط له، وإن سبقاه وجاءا معاً
فلا شيء لواحد منهما، وإن سبق المحلل مع أحدهما ثم جاء الآخر فلا شيء على من مع
المحلل، بل له ما شرطه الآخر له كما لو سبق، ثم جاء المحلل ثم جاء الآخر ولا شيء
للمحلل اهـ. غرر الأفكار. قال الزيلعي: وإنما جاز هذا لأن الثالث لا يغرم على التقادير
كلها قطعاً ويقيناً، وإنما يحتمل أن يأخذ أو لا يأخذ فخرج بذلك من أن يكون قماراً،
فصار كما إذا شرط من جانب واحد، لأن القمار هو الذي يستوي فيه الجانبان في احتمال
الغرامة على ما بينا اهـ.
تتمة: يشترط في الغاية أن تكون مما تحتملها الفرس، وأن يكون في كل من الفرسين
احتمال السبق، زيلعي. وينبغي أن يقال في السهم والأقدام كذلك. تأمل. ونقل في غرر
الأفكار عن المحرر: إن كانت المسابقة على الإبل فاعتبار في السبق بالكتف، وإن كان على
الخيل فبالعنق، وقيل الاعتماد على الأقدام اهـ.
فرع: في متفرقات التاترخانية عن السراجية: يكره الرمي إلى هدف نحو القبلة قوله:
(وكذا الحكم في المتفقهة) أي على هذا التفصيل، وكذا المصارعة على هذا التفصيل، وإنما
جاز لأن فيه حثاً على الجهاد وتعلم العلم، فإن قيام الدين بالجهاد والعلم فجاز فيما يرجع
إليهما لا غير، كذا في فصول العلامي قوله: (فإذا شرط لمن معه الصواب) أي لواحد معين
معه الصواب لا ما يفيده عموم من وإلا كان عين ما بعده اهـ ح: أي بأن يقول: إن ظهر
الصواب معك فلك كذا أو ظهر معي فلا شيء لي، أو بالعكس. أما لو قالا: من ظهر معه
الصواب منا فله على صاحبه كذا فلا يصح، لأنه شرط من الجانبين وهو قمار، إلا إذا

٥٧٩
كتاب الحظر والإباحة / باب الاستبراء وغيره
والمصارعة ليست ببدعة إلا للتلهي فتكره. برجندي. وأما السباق بلا جعل
فيجوز في كل شيء كما يأتي. وعند الشافعية: المسابقة بالأقدام والطير والبقر والسفن
والسباحة والصولجان والبندق ورمي الحجر وإشالته باليد والشباك والوقوف على رجل
ومعرفة ما بيده من زوج أو فرد واللعب بالخاتم، وكذا يحل كل لعب خطر لحاذق تغلب
سلامته، كرمي لرام وصيد لحية، ويحل التفرّج عليهم حينئذ،
أدخلا محللاً بينهما كما يفهم من كلامهم. وصوّره ط بأن تكون المسألة ذات أوجه ثلاثة،
وجعلا للثالث جعلاً إن ظهر معه الصواب، وإن كان مع أحدهما فلا شيء عليه اهـ. تأمل
قوله: (والمصارعة ليست ببدعة) فقد صرع عليه الصلاة والسلام جمعاً منهم ابن الأسود
الجمحي، ومنهم ركانة فإنه صرعه ثلاث مرات متواليات لشرطه أنه إن صرع أسلم كما في
شرح الشمائل للقاري. قال الجارحي: ومصارعته عليه الصلاة والسلام لأبي جهل لا أصل
لها قوله: (فيجوز في كل شيء) أي مما يعلم الفروسية ويعين على الجهاد بلا قصد التلهي
كما يظهر من كلام فقهائنا مستدلين بقوله عليه الصلاة والسلام: ((لَا تَحْضُرُ المَلائِكَة شَيْئاً
مِنَ المَلَاهِي سِوَى النَّضَالِ(١) أي الرمي والمسابقة، والظاهر أن تسميته لهواً للمشابهة
الصورية. تأمل قوله: (كما يأتي) أي في مسائل شتى، وقدمنا عبارته قوله: (بالأقدام)
متعلق بعدّ(٢): أي جعلوها بالأقدام وما عطف عليه. قال ط: ولا أدري وجه ذكر هذه
العبارة غير أنها أوهمت أن القواعد تقتضيها، وليس كذلك، بل قواعد المذهب تقتضي أن
غالب هذه من اللهو المحرّم كالصولجان وما بعده اهـ ملخصاً.
أقول: قدمنا عن القهستاني جواز اللعب بالصولجان وهو الكرة للفروسية، وفي
جواز المسابقة بالطير عندنا نظر، وكذا في جواز معرفة ما في اليد واللعب بالخاتم فإنه لهو
مجرد، وأما المسابقة بالبقر والسفن والسباحة فظاهر كلامهم الجواز، ورمي البندق والحجر
كالرمي بالسهم، وأما إشالة الحجر باليد وما بعده فالظاهر أنه إن قصد به التمرّن والتقوّي
على الشجاعة لا بأس به قوله: (والبندق) أي المتخذ من الطين ط ومثله المتخذ من
الرصاص قوله: (وإشالته باليد) ليعلم الأقوى منهما ط قوله: (والشباك) أي المشابكة
بالأصابع مع فتل كل يد صاحبه ليعلم الأقوى، كذا ظهر لي قوله: (ومعرفة ما بيده من
زوج أو فرد واللعب بالخاتم) سمعت من بعض فقهاء الشافعية أن جواز ذلك عندهم إذا
كان مبنياً على قواعد حسابية مما ذكره علماء الحساب في طريق استخراج ذلك بخصوصه
لا بمجرد الحزر والتخمين.
(١) بنحوه انظر الدر المنثور ١٩٤/٣.
(٢). (قوله متعلق بعد) الذي في نسخ الشارح التي بأيدينا وعند الشافعية: فلعل النسخة التي وقعت للمحشي:
وعد الشافعية فليحرر.

٥٨٠
كتاب الحظر والإباحة / باب الاستبراء وغيره
وحديث ((حدثوا عن بني إسرائيل)» يفيد حل سماع الأعاجيب والغرائب من كل ما لا
يتيقن كذبه بقصد الفرجة لا الحجة بل وما يتيقن كذبه، لكن بقصد ضرب الأمثال
والمواعظ وتعليم نحو الشجاعة على ألسنة آدميين أو حيوانات. ذكره ابن حجر
(ويستحب قلم أظافيره) إلا لمجاهد في دار الحرب فيستحب توفير شاربه وأظفاره (يوم
أقول: والظاهر جواز ذلك حينئذ أيضاً إن قصد به التمرّن على معرفة الحساب،
وأما الشطرنج فإنه وإن أفاد علم الفروسية لكن حرمته عندنا بالحديث، لكثرة غوائله
بإكباب صاحبه عليه، فلا يفي نفعه بضرره كما نصوا عليه، بخلاف ما ذكرنا. تأمل
قوله: (وحديث حدثوا عن بني إسرائيل) تمامه ((ولا حرج)) أخرجه أبو داود (١). وفي لفظ
لأحمد بن منيع(٢) عن جابر ((حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَإِنِه كَانَ فِهِمْ أَعَاجِيب؟. وأخرج
النسائي بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﴿ أنه قال: ((حدثوا عن بني
إسرائيل ولا حرج، وحدثوا عني ولا تكذبوا عليّ)) فقد فرّق عليه الصلاة والسلام بين
الحديث عنه والحديث عنهم، كما نقله البيهقي عن الشافعي قوله: (بقصد الفرجة لا
الحجة) الفرجة مثلثة: التفصي عن الهم، والحجة بالضم: البرهان. قاموس قوله: (لكن
بقصد ضرب الأمثال الخ) وذلك كمقامات الحريري، فإن الظاهر أن الحكايات التي فيها
عن الحارث بن همام والسروجي لا أصل لها، وإنما أتى بها على هذا السياق العجيب لما
لا يخفى على من يطالعها، وهل يدخل في ذلك مثل قصة عنترة والملك الظاهر وغيرهما؟
لكن هذا الذي ذكره إنما هو عن أصول الشافعية، وأما عندنا فسيأتي في الفروع عن
المجتبى أن القصص المكروه أن يحدث الناس بما ليس له أصل معروف من أحاديث
الأولين أو يزيد أو ينقص ليزين به قصصه الخ، فهل يقال عندنا بجوازه إذا قصد به
ضرب الأمثال ونحوها؟ يحرر قوله: (على ألسنة آدميين أو حيوانات) أي أو جمادات
كقولهم: قال الحائط للوتد لم تخرقني؟ قال سل من يدقني قوله: (ذكره ابن حجر) أي
المكي في شرحه على المنهاج قوله: (يستحب قلم أظافیره) وقلمها بالأسنان مكروه یورث
البرص، فإذا قلم أظفاره أو جزّ شعره ينبغي أن يدفنه، فإن رمى به فلا بأس، وإن ألقاه
في الكنيف أو في المغتسل كره لأنه يورث داء. خانية ويدفن أربعة: الظفر والشعر وخرقة
الحيض والدم. عتابية ط قوله: (فيستحب توفير شاربه وأظفاره) الأنسب في التعبير:
فيوفر أظفاره وكذا شاربه. وفي المنح ذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه کتب إلينا:
وفروا الأظافير في أرض العدوّ فإنها سلاح، لأنه إذا سقط السلاح من يده وقرب العدوّ
(١) أخرجه أبو داود (٣٦٦٢) والترمذي (٢٦٦٩) وأحمد ١٥٩/٢، والحميدي (١١٦٥) وابن حبان كما في الموارد
(١٠٩) والشافعي كما في البدائع (١٥) والطحاوي في المشكل ٤٠/١.
(٢) انظر المطالب العالية ١/ ١٩٢ (٦٨٨).