النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
كتاب الحجر
نهاية (و) لا (إعتاقهما وإقرارهما) نظراً لهما (وصح طلاق عبد وإقراره في حق نفسه
فقط) لا سيده (فلو أقرّ بمال أخر إلى عتقه) لو لغير مولاه ولو له هدر (وبحدّ وقود
أقيم في الحال) لبقائه على أصل الحرية
لأنه في الأول لا يتحقق صحوه. أقول: والذي يحل عقدة الإشكال ما قدمناه عن ابن
الكمال فإنه إن أريد بالمغلوب من غلب على عقله: أي الذي لا يعقل أصلاً فیراد بالذي
يجن ويفيق ناقص العقل وهو المعتوه كما صرح به صاحب الكفاية وغيره حيث قال:
والمجنون الذي يجن ويفيق، وهو المعتوه الذي يصلح وكيلاً عن غيره، وهو قد يعقل البيع
ويقصده، وإن كان لا يرجح المصلحة على المفسدة اهـ. ومعنى إفاقته على هذا أنه يعقل
بعض الأشياء دون بعض والمعتوه في تصرفاته كمميز كما مر فلهذا جعله شراح الهداية
مثله وإن أريد به من لا يفيق من جنونه الكامل أو الناقص، فيحترز به عمن يفيق أحياناً
أي يزول عنه ما به بالكلية، وهذا كالعاقل البالغ في تلك الحالة، وهو محمل كلام
الزيلعي، ومنشأ الاشتباه عدم التفرقة بين الكلامين فاعتنم هذا التحقيق وبالله التوفيق. وبه
ظهر أنه كان ينبغي للشارح أن يقول: فحكمه كعاقل أي في حال إفاقته كما قاله الزيلعي
ليظهر للتقييد بالمغلوب فائدة فإنه حيث كان غير المغلوب كمميز لا يصح طلاقه ولا إعتاقه
كالمغلوب، وأما ما نقله عن النهاية فهو موافق لعبارة الهداية حيث لم يخصص فيها بعض
التصرفات بالذكر.
والحاصل: أنه يتعين أن يحترز بالمغلوب في عبارة الهداية عن المعتوه، وفي عبارة
المصنف عن الذي زال ما به بالكلية، فتدبر قوله: (وإقرارهما) أي المغلوب والصبيّ،
والمراد الصبي المحجور، فلو مأذوناً يصح إقراره كالمعتوه والعبد المأذون كما يأتي آخر
كتاب المأذون قوله: (نظراً لهما) علة لقوله ((لا يصح)) قوله: (وصح طلاق عبد) لأنه أهل
ويعرف وجه المصلحة فيه، وليس فيه إبطال ملك المولى، ولا تفويت منافعه، درر قوله:
(في حق نفسه فقط) قيل الواجب إسقاطه ليكون التفصيل الآتي بياناً لإجمال صحة الإقرار
اهـ. تأمل قوله: (لا سيده) أي لا في حق سيده رعاية لجانبه، لأن نفاذه لا يعرى عن
تعلق الدين برقبته أو كسبه وكلاهما إتلاف ماله. درر قوله: (فلو أقرّ) أي العبد المحجور
لأن الكلام فيه، وقد علم من عدم صحة إقرار الحر الصغير عدم صحة إقرار العبد
الصغير بالأولى قوله: (أخر إلى عتقه) لوجود الأهلية حينئذ وارتفاع المانع قوله: (هدر)
أي لا يلزمه شيء بعد عتقه، لما تقرر أن المولى لا يستوجب على عبده مالاً. درر قوله:
(وبحدّ وقود) أي بما يوجبهما، والواو بمعنى أو ولهذا أفرد الضمير في قوله: ((أقيم))
قوله: (أقيم في الحال) وحضرة المولى ليست بشرط، وهذا إذا أقرّ، وأما إذا أقيم عليه
البينة فحضرة المولى شرط عندنا وقال أبو يوسف: ليست بشرط. جوهرة. وفيها قتل

٢٠٢
كتاب الحجر
في حقهما (ومن عقد) عقداً يدور بين نفع وضرّ كما سيجيء في المأذون (منهم) من
هؤلاء المحجورين (وهو بعقله) يعرف أن البيع سالب للملك والشراء جالب (أجاز
وإليه أو رد) وإن لم يعقله فباطل. نهاية (وإن أتلفوا) أي هؤلاء المحجورين سواء
عقلوا أو لا. درر (شيئاً) مقوّماً من مال أو نفس (ضمنوا) إذ لا حجر في الفعلي
لكن ضمان العبد بعد العتق
رجلاً عمداً ووجب القصاص فأعتقه المولى لا يلزمه شيء، ولو كان للقتيل وليان فعفا
أحدهما بطل حقه وانقلب نصيب الآخر مالاً، وله أن يستسعي العبد في نصف قيمته، ولا
يجب على المولى شيء لأنه انقلب مالاً بعد الحرية ويجب نصف القيمة لأن أصل الجناية كان
في حال الرقّ. ولو أقرّ بقتل خطأ لم يلزم المولى شيء وكان في ذمة العبد يؤخذ به بعد
الحرية. كذا في الخجندي. وفي الكرخي: إقراره بجناية الخطأ وهو مأذون أو محجور
باطل، فإن أعتق لم يتبع بشيء من الجنابة اهـ. وسيأتي تمامه في كتاب الجنايات إن شاء الله
تعالى قوله: (في حقهما) أي الحد والقود لأنهما من خواصّ الآدمية، وهو ليس بمملوك
من حيث إنه آدمي، وإن كان مملوكاً من حيث إنه مال، ولهذا لا يصح إقرار المولى عليه
بهما، وإذا بقي على أصل الحرية فيهما ينفذ إقراره لأنه أقرّ بما هو حقه وبطلان حق المولى
ضمني. كفاية قوله: (يدور بين نفع وضرّ) أما النفع المحض فيصح كقبوله الهبة
والصدقة، وكذا إذا آجر نفسه ومضى على ذلك العمل وجبت الأجرة استحساناً، ويصح
قبول بدل الخلع من العبد المحجور بغير إذن المولى، لأنه نفع محض، وتصح عبارة الصبي
في مال غيره وطلاقه وعتاقه إذا كان وكيلاً. جوهرة قوله: (من هؤلاء المحجورين) المراد
الصبي والرقيق فأطلق لفظ الجمع على الاثنين كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ، إِخْوَةٌ﴾
[النساء: ١١] والمراد أخوان، وقيل المراد العبد والصبي والمجنون الذي يفيق. جوهرة
قوله: (يعرف أن البيع سالب الخ) سيأتي في المأذون قيد آخر، وزاد في الجوهرة: ويعلم
أنه لا يجتمع الثمن والمثمن في ملك واحد. قال في شاهان: ومن علامة كونه غير عاقل إذا
أعطى الحلواني فلوساً فأخذ الحلوى وبقي يقول أعطني فلوسي، وإن ذهب ولم يستردّ
الفلوس فهو عاقل اهـ قوله: (أجاز وليه) أي إن لم يكن فيه غبن فاحش، فإن كان لا
يصح وإن أجازه الوليّ بخلاف اليسير. جوهرة. وسيأتي بيان الوليّ آخر المأذون وإنه
يصح إذن القاضي وإن أبى الأب قوله: (أي هؤلاء المحجورين) صوابه ((المحجورون))
قوله: (ضمنوا) فلو أن ابن يوم انقلب على قارورة إنسان مثلاً فكسرها يجب الضمان عليه
في الحال، وكذا العبد والمجنون إذا أتلفا شيئاً لزمهما ضمانه في الحال. كذا في النهاية
ويوافقه ما في الكافي. عزمية قوله: (لكن ضمان العبد بعد العتق) يعني في إتلافه المال، أما
في النفس فیقتص منه في الحال إن جنی علی النفس بما يوجب القصاص، ویدفع أو یفدي

٢٠٣
كتاب الحجر
على ما مر. وفي الأشباه: الصبيّ المحجور مؤاخذ بأفعاله فيضمن ما أتلفه من المال
للحال، وإذا قتل فالدية على عاقلته إلا في مسائل: لو أتلف ما اقترضه وما أودع
عنده بلا إذن وليه وما أعير له وما بيع منه بلا إذن، ويستثنى من إيداعه ما إذا أودع
صبي محجور مثله وهي ملك غيرهما فللمالك تضمين الدافع والآخذ
إن جنى عليها بما لا يوجب القصاص، أو جنى على الطرف عمداً أو خطأ ح قوله: (على
ما مر) أي عن البدائع، وعلمت أنه مخالف لما في النهاية وغيرها، ووافق بينهما ط
والسائحاني بحمل ما في البدائع على ما إذا ظهر بإقراره لما في الغاية إذا كان الغصب ظاهراً
يضمن في الحال فيباع فيه، ولو ظهر بإقراره لا يجب إلا بالعتق. كذا قال الفقيه قوله:
(مؤاخذ بأفعاله) هذا من باب خطاب الوضع، وهو لا يتوقف على التكليف لأن الخطاب
نوعان: خطاب وضع، وخطاب تكليف كما في جمع الجوامع قوله: (وإذا قتل) أي الصبيّ
المحجور. وليس التقييد بالحجر في هذه احترازياً، حتى لو كان مأذوناً له في التجارة
فالحكم كذلك. أبو السعود على الأشباه قوله: (إلا في مسائل) استثناء من قوله:
((فيضمن)) أي فلا يضمن في هذه، لأنه مسلط من المالك كما أفاده في الأشباه. لكن في
أبي السعود في القنية: أنها ضمان عقد عندهما، والصبي ليس من أهل إلزام الضمان،
وعند أبي يوسف: ضمان فعل وهو من أهل التزام الفعل اهـ. وفي التاترخانية: أودع صبياً
أو عبداً مالاً فاستهلكه لم يضمن عند محمد، وقال أبو يوسف: يضمن العبد بعد العتق
والصبي بعد زوال الحجر اهـ. فتأمل. وسنذكر له تتمة آخر كتاب المأذون قوله: (لو أتلف
ما اقترضه) أطلق الجواب في نسخ أبي حفص، وفي نسخ أبي سليمان أنه قولهما، وفي قول
أبي يوسف: هو ضامن وهو الصحيح، بيري عن الذخيرة. والظاهر أنه تصحيح لنقل
الخلاف لا لقول أبي يوسف. تأمل. قال أبو السعود عن شرح تنوير الأذهان: ولو أتلف
مال غيره بلا سبق إبداع أو إقراض ضمن بالإجماع قوله: (وما أودع عنده) احترز به عما
إذا إتلف ما أودع عند أبيه فإن يضمنه، وأطلق عدم الضمان في الوديعة، وهو مقيد بما
سوى العبد والأمة، أما إذا كانت عبداً أو أمة واستهلكه يضمن إجماعاً، بيري عن
البدائع. قال الحموي: وفي أحكام الصغار للأستروشني ما يخالفه حيث قال: صبي
محجور أودع عبداً فقتله فعلى عاقلته القيمة، ولو طعاماً فأكله لا يضمن اهـ.
قلت: وقد يوفق بأن الضمان إجماعاً على العاقلة. تأمل قوله: (بلا إذن وليه) يغني
عنه ما بعده، فلو إذن وليه في أخذ الوديعة يضمن اتفاقاً كما في المصفى، أبو السعود
قوله: (ويستثنى من إبداعه الخ) يستثنى أيضاً ما إذا كانت عبداً بناء على ما في البدائع
قوله: (مثله) أي صبياً محجوراً وهو بالنصب مفعول أول لأودع والثاني محذوف: أي
وديعة قوله: (فللمالك تضمين الدفع أو الآخذ) قال في جامع الفصولين: وهي من

٢٠٤
كتاب الحجر
(ولا يحجر حرّ مكلف بسفه)
مشكلات إيداع الصبي. وأجاب في الأشباه بأنه لم يوجد فيها التسليط من مالكها،
بخلاف ما مر وأورد عليه بأنه وجد التسليط بنفس الدفع إلى الأول كما في الحموي.
قلت: مدفوع إذ لو دفعه المالك إلى الأول لم يكن له تضمينه كما مر في المستثنيات
قوله: (ولا يحجر حر الخ) في بعض النسخ ((علی حر).
واعلم أن الحجر عند أبي حنيفة على الحرّ العاقل البالغ لا يجوز بسبب السفة(١)
(١) وقد استدل من قال بالحجر على السفيه بالكتاب والسنة والآثار والمعقول، وهو قیاس وغیر قیاس.
فأولاً . قوله تعالى: ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفیھاً أو ضعيفاً أو لا يستطيع أن یمل هو فليملل وليه
بالعدل﴾ الآية.
((والوجه)) في ذلك أن الله تعالى جعل من عليه الحق أربعة أصناف:
١. المستقل بنفسه، وهو البالغ الرشيد.
٢ . السفيه، وهو البالغ غير الرشيد.
٣. الضعيف، وهو الصغير أو المجنون أو الشيخ الهرم.
٤ . الذي لا يستطيع أن يملَّ، وهو الأخرس أو هو الجاهل بما له وما عليه.
وهذه أصناف أربعة لا بد من التقابل بينها بحيث يكون كل واحد منها غير الآخر، وإلا لزم أن يكون كلاماً
غیر بليغ، ودون ذلك فلزم أن يكون كل واحد منها غير داخل في الآخر. وأيضاً فإن ذكر هذه الأصناف
بحرف ((أو)) يقتضي كونها أموراً متغايرة وإذا كان الأول هو البالغ الرشيد الناطق وجب أن يكون الثلاثة غيره،
وهو إما بالغ غير رشيد كالسفيه والمجنون والشيخ الهرم، وإما غير بالغ، كالصبي، وإما بالغ رشيد عاجز عن
النطق، وهو الأخرس. وقد جعل الله لکل هؤلاء ما عدا الأول ولایة علیه بقوله «فليملل وليه بالعدل، وليس
للولاية من معنى إلا التصرف عن المولى. وهذا هو معنى الحجر.
قال الإمام الشافعي: وإنما أمر الله ولي السفيه بالإملال عنه؛ لأنه أقامه مقامه فیما لا غنى له به عنه في ماله.
ولأبي حنيفة أن يقول في هذا الدليل:
إنه ليس من الحتم أن يكون السفيه ما ذكرتم، فلم لا يكون هو الصغير أو المجنون، وحينئذ لا تدل الآية على
مطلوبکم.
ولكن هذا غير ناهض فإن السفه في العرف يضادّ الرشد، ولا ينافي البلوغ، ولا يقابل العقل، فليس عديم
العقل سفيهاً، وإنما هو مجنون. وأبو حنيفة نفسه يقول: إن السفيه يكابر عقله ويتابع هواء، وهو بذلك يباين
المجنون، ولذلك كان عنده أهلاً للتكاليف، وهو بهذا المعنى أيضاً لا يصدق على الصغير، فلزم أن يكون هو
في الآية البالغ غير الرشيد.
إن الضمير في قوله تعالى: ﴿فليملل وليه﴾ إنما يرجع إلى الدين المذكور قبل، والمعنى أن الذي يملي هو من
له الدین، فلم تثبت الولاية على هؤلاء المذکورین فلا حجر بهذه الآية.
وهو بعيد؛ لأن قول مدّع، ولا يقبل لمدّع قول، فإن تعذر قبول قوله فلا حاجة بنا إلى الكتابة والإشهاد.
إن الآية تقتضي نفاذ تصرف السفيه، فإن الذي عليه الدين هو الذي لزمه بمداينة نفسه لقوله تعالى في صدر
الآية: ﴿يا أيها الذي آمنوا إذا تداينتم بدين﴾ ثم قال: ﴿فليملل الذي عليه الحق﴾ والمعنى الحق الذي لزمه
بهذه المداينة، وأما قوله: ﴿فليملل وليه بالعدل﴾ فلا يثبت الولاية بمعنى التصرف عنه؛ لأن عجزه عن
الإملال قد يكون لعدم هدايته إلى الحساب أو لعدم إحسانه الإملال؛ لأنه يحتاج إلى تأليف كلام، وهو قد لا
يعرف ما يدل له مما يدل عليه، ومن كان بهذه المثابة فهو بحاجة إلى من يملّ عنه ممن يحسن ذلك بعد إقرار
المدین علی نفسه، وغالب الناس اليوم على هذا.
=

٢٠٥
كتاب الحجر
= ويمكن أن يجاب عن هذا الاعتراض بأنه غير متجه، فإن الله سبحانه وتعالى أمر من عليه الحق بالإملال إن
كان بالغاً رشيداً أما إن منع من الإملال مانع بأن كان من عليه الدين سفيهاً أو ضعيفاً أو لا يستطيع أن يملّ
فقد أمر الله الولي بأن يمل عنه، ولا نعني بالولي إلا من يلي أمره في التصرف عنه، وهذا ما يفيده سياق الآية،
ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فليكتب وليملل الذي عليه الحق الخ﴾ فإنه صريح فيما قلته، ومن المعلوم أن
الكاتب ليس بولي للسفيه، على أن المعترض الذي قال إن الآية تقتضي نفاذ تصرف السفيه إنما بنى هذا
الأعتراض على أن الخطاب في الآية عام، وفاته أن عجز الآية قد خصص صدرها فاندفع هذا الأعتراض.
وثانياً قوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً﴾ (ووجه الدلالة)) أن الخطاب للأولياء
بدليل الآية قبلها: ﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾ فكأن المعنى أن الله أمر بإيتاء اليتامى أموالهم، ولكن لمّا كان
ذلك أمراً مطلقاً أراد الله أن يبين أن إيتاءهم أموالهم مشروط بأن يكونوا بالغين عقلاء راشدين، وأمر بإمساك
الأموال ما داموا سفهاء، فتكون الآية التي هي موضع الاستدلال تقييداً للآية الأولى، ويكون الكلام كله دائراً
حول أموال اليتامى ووجوب حفظها، وأن الأموال في الآية هي أموال السفهاء لا أموال المخاطبين بدليل قوله
تعالى: ﴿وارزقوهم فيها واكسوهم﴾ ولو كانت أموال المخاطبين لقال تعالى الله فقال: ((وارزقوهم منها))
فأفاد بالظرفية أن المال مال السفهاء، وأن على الأولياء، أن ينفقوا عليهم من فائدة أموالهم بواسطة التجارة
والتثمير، وحيث ثبت أن المخاطبين هم الأولياء، وأن الأموال أموال السفهاء، وثبت أن اله تعالى أمر الأولياء
بحفظها، وعدم إيتائهم الأموال ما داموا كذلك فقد ثبت الحجر بالسفه.
قال الجصّاص: إن الخطاب للآباء والأموال أموال الآباء بدليل إضافتها إلى المخاطبين، والله تعالى قد نهى الآباء
عن أن يؤتوا مالهم أولادهم السفهاء، وهم الصغار؛ لأنهم لا يحسنون القيام عليه ولا حفظه، وفي ذلك
إضاعة للمال، وقد نهينا عنه.
(وهذا بعید» فإن الآية لو کانت کذلك لکانت في غیر الیتامی، وسياق الآية وسباقها وحاقها ینافيه، فإن سياق
الآية في أموال اليتامى وحفظها، وسياقها في هذا المعنى أيضاً.
وأمّا اللحاق فقوله تعالى: ﴿وازرقوهم فيها واكسوهم﴾ فكانت أموال اليتامى لا أموال المخاطبين، ثم هذه
الوصية ﴿وقولوا لهم قولا معروفاً﴾؛ لأنها بالأيتام أشبه، فإن الأب مشفق بابنه بالطبع، فهو ليس بحاجة إلى
وصية، ولا كذلك ولد الغير.
((وربّ قائل يقول:)) إذا كان الأمر على ما ذكرت فلم أضاف الأموال إلى المخاطبين، وهو قد يشعر بغير
المقصود؟ .
«فنقول)): ذلك لأمر سام جلیل، وغرض صحيح نبيل وبیانه من وجهين:
((الأوّل) أنها بالإضافة إليهم، وهي ليست لهم كأنها أموال الخاطبين، والإنسان حفيظ على ماله ضنین به،
یتوخى فيه وجوه المصلحة، فكذلك يجب تصرفه في مال اليتيم.
((الثاني) أن الإضافة إنما حسنت إجراء للوحدة بالنوع مجرى الوحدة بالشخص على حد قوله تعالى: ﴿لقد
جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم﴾ وقوله تعالى: ﴿ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم) وقوله تعالى:
﴿فاقتلوا أنفسكم﴾ والإنسان لا يقتل نفسه، ولكن يقتل غيره، ولكن لمّا كان الكل من نوع واحد صح أن
يقال ذلك، فكذلك المال نوع واحد، فإنه عصب الدولة وفقار الشعوب، فدلت الآية على أن المال حيث كان
مما يجب حفظه.
((وبعد)) فإن هذا الاستدلال يتم من هذا الوجه، ولكن المتكلمين في التفسير اختلفوا في السفهاء على خمسة
أقوال:
(الأول)) البالغون غير الراشدين، وهو السفيه الذي لا يحسن التصرف في ماله.
(الثاني) أن المراد بالسفهاء النساء قاله مجاهد وجويبر والضحاك ويؤيده:
ما روي عن أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ألا إنما خلقت النار للسفهاء، ألا وإن السفهاء النساء
إلا امرأة أطاعت قيمها)».

٢٠٦
كتاب الحجر
= وما روي عن أنس بن مالك أن امرأة سوداء ذات ملح خريسة المنطق جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم
فقالت: يا رسول الله قل فينا خيراً مرة واحدة، فإنه بلغني أنك قلت فينا كل شر، فقال النبي صلى الله عليه
وسلم: ((أي شيء قلت؟)) قالت: سميتنا السفهاء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((سمّاكن الله في كتابه
السفهاء).
وعندي أن القول بأن السفهاء هم النساء غير وجيه؛ لأن السفهاء جمع الذكور لا الإناث، ولو سلم أنه قد
تكون لغير الذكور فليس في الحديثين دلالة على أن المراد بالسفهاء في الآية النساء، فإنه ليس يلزم من أن يكون
من النساء سفهاء، أن يكون السفهاء النساء؛ لأن الاسم لم يختص بهن، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم:
((سمّاكن الله في كتابه)) لا يقتضي حتماً أن يكون وجه التسمية من هذه الآية على أن الحديثين فيهما مقال.
(الثالث) أن المراد بالسفهاء الصبيان قاله الزهري وابن زید.
(الرابع)) أن المراد بالسفهاء الصبيان والنساء، قاله ابن عباس والحسن وقتاده وابن جبير وسعيد.
((الخامس) وقال ابن جرير: إن المراد من السفهاء كل من له عقل لا يفي بحفظ المال.
وهذا الرأي مستقيم، وذلك لأن الأقوال التي مرت في معنى السفهاء تخصيص للغة بغير دليل، وأنه لو أريد
من السفهاء في الآية الصبيان فقط، أو هم والنساء لم يستقم بها الاستدلال، فإن السفه لا ينافي الصغر وإنما
يجامعه، ولكن مما قد يكون مشكلاً أن يكون السفه وصفاً يلازم النساء، وعليه فليس لامرأة أن تضع مالها في
يدها، ولا تتصرف فيه فإن ذلك لم يقل به أحد من المسلمين. فإن ترجح أن السفه يقابل الرشد، ولا ينطلق
على الصغير أنه سفيه لزم أن السفهاء في الآية هم البالغون غير الراشدين فتنهض الآية دليلًا على الحجر
بالسفه.
((وثالثاً) قوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم﴾
الآية. ((ووجه الدلالة)): أن الله علق دفع الأموال على شرطين بلوغ النكاح وإيناس الرشد، فلم يكن ليثبت
بأحدهما، وهو البلوغ فقط، وكما لم يرتفع الحجر عن الصغير، ولو أحسن التصرف في ماله عملًا بالشرط
الآخر، فكذلك لا يرتفع الحجر بالبلوغ دون الرشد عملاً بالشرط الآخر أيضاً.
وقد نوقش هذا الاستدلال:
بأن تعليق الحكم على شرط لا يقتضي عدم الحكم إذا انعدم الشرط، وهذا كلام بعيد عن مجاري كلام
العرب، فإن التعليق عندهم يعتمد الوجود عند الوجود والعدم عند العدم.
أن الشرط في الآية ((رشداً) نكرة فإذا تحقق الشرط بوجه من الوجوه ترتب عليه جزاؤه لا محالة، وأول أحوال
البلوغ قد يقارنه السفه باعتبار أثر الصبا، وبقاء أثر الصبا لبقاء عينه، وإذا تطاول الزمن، وظهرت الخبرة
والتجربة لم يبق أثر الصبا فقد تجدد ضرب من الرشد لا محالة؛ لأنه حال كماله فقد ورد عن عمر رضي الله
عنه أنه قال: ((ينتهي لب الرجل إذا بلغ خمساً وعشرين)) وقال أهل الطباع: من بلغ خمساً وعشرين سنة فقد
بلغ أشده.
وأجيب عن هذه المناقشة بأنه إذا كان ضرب من الرشد كافياً كما يشعر به قوله: إن الرشد في الآية نكرة،
وكان ذلك حاصلاً عند هذه السّن لا محالة، كان الدفع واجباً عند إيناس الرشد فلم يكن بين الإمام الأعظم
وغيره خلاف، غاية ما في الأمر أنه يبقى الخلاف بين الإمام وغيره في أن الرشد المعتبر شرطاً للدفع في الآية
ماذا هو؟ وهو أمر آخر وراء ما عرف عن الإمام في هذه المسألة.
فإن أريد بهذا الضرب من الرشد الذي أشار إليه التنوين هو الرشد في مصلحة المال فكونه لا بد وأن يحصل في
سن خمس وعشرين سنة في حيز المنع.
وإن أريد ضرب من الرشد كيفما كان فهو على فرض تسليم حصوله إذ ذاك لا يجدي نفعاً؛ إذ الآية كالصريحة
في اشتراط الرشد بمعنى صلاح المال وحفظه.
وعندي أن استدلال الجمهور قوي، وذلك لسلامته من الاعتراضات:
ومن السنة:

٢٠٧
كتاب الحجر
= (فارلا)) قد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم «ردّ صدقة الرجل الذي تصدق بأحد ثوبیه» أخرجه أصحاب
السنن وصححه الترمذي.
«وثانياً) أنه رد البيضة على من تصدق بها ولا مال له غيرها.
((وثالثاً) أنه ردّ عتق من أعتق عبداً عن دبر ولا مال له غيره.
((ووجه الدلالة)) أن الرسول عليه الصلاة والسلام رد تصرف هؤلاء. واعتبر ذلك إسرافاً وتبذيراً، وذلك لأن
في الأحاديث ولا مال له غيرها، احد ثوبيه، ولسنا نعقل سبباً للرد إلا هذا.
«وَأَمّا الآثار»: فأولًا: ما روي عن عروة بن الزبير رضي الله عنه أن عبد الله بن جعفر کان یفني ماله في
الضيافات حتى اشترى داراً للضيافة بمائة ألف درهم، فبلغ ذلك علي بن أبي طالب فقال: لآتين عثمان
ولأسألنه أن يحجر عليه، فاهتم لذلك عبد الله، وجاء إلى الزبير رضي الله عنه، وأخبره بذلك فقال له:
أشركني فيها فأشركه، ثم جاء عليّ إلى عثمان وسأله أن يحجر عليه، فقال كيف أحجر على رجل شريكه
الزبير؟
(ووجه الدلالة)) في الأثر أن علياً سأل عثمان أن يحجر على عبد الله، وأن عبد الله اهتم لذلك حتى كان الزبير
شريكه فيما ابتاع، وأن عثمان لم ينكر على عليّ سؤاله، ولو كان الحجر بسبب السفه غير مشروع لم يسألة
عليّ، ولأنكره عثمان، ولما اهتم عبد الله، ولما احتال الزبير على إسقاط الحجر عنه بالشركة معه،.
ثم لم ينقل عن أحد من الصحابة إنكار لذلك، فدل على أن الحجر بالسفه كان أمراً مقرراً بينهم بدون نكير.
((وقد يقال)): إن الأثر لا يدل على الحجر، بل هو على العكس يدل على عدم الحجر، فإن عثمان لم يحجر على
عبد الله، ويمكن أن يحمل كلام عليّ على التهديد والتخويف، ولو أن الحجر بالسفه كان مشروعاً لأجاب
عثمان علياً إلى الحجر، ولكنه لم يفعل.
(ونحن لا ندعي) أن في الأثر حجراً على عبد الله، وإنما ادعينا أن الحجر بالسفه كان معروفاً بين الصحابة
متقرراً، وإنما الذي منع ذلك في عبد الله هو شريكه الزبير، ويظهر أن الزبير كان معروفاً بحسن التصرف
وقلة الغبن، ويدل له قول عثمان: «كيف أحجر على رجل شريكه الزبير؟ ولو كان الحجر بسبب السفه غير
مشروعٍ لم يسأله عليّ، ولو سأله لأنكره عثمان، ولكن علياً سأل وعثمان لم ينكر.
((وثانياً)) أن عائشة رضي الله عنها كانت تتصدق بمالها حتى روي أنها كان لها رباع فهمت ببيع رباعها
لتتصدق بالثمن، فبلغ ذلك عبد الله بن الزبير فقال: ((لتنتهين عائشة عن بيع رباعها أو لأحجرن عليها) ووجه
الدلالة: أن الحجر بسب التبذير كان معروفاً عند الصحابة وإلّ لو كان غير مشروع فكيف يستقيم لابن الزبير
تهديد، وهو إنما يهدّد عائشة أم المؤمنين التي كانت تفتي في دين الله وتعلمه .
(وهذا الأثر، لو صح لکان دليلاً للحنفية فقط، أما غیرهم الذین یرون أنه لا سرف في المندوبات فلا يكون
دليلاً عندهم.
ومعاذ الله أن تنسب عائشة الصديقية إلى السّفه وعائشة وهي أعلم بدين الله من ابن الزبير حين بلغها قوله
حلفت ألا تكلمه أبداً، وعائشة لم تكن كالذي إذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم، ولو أن الحجر بالسفه
كان مشروعاً لم تحلف.
((ولكن يقال)): إن عائشة لم تكن ترى أن السرف في القربات موجباً للحجر، ولعل ابن الزبير كان لا يعرف
هذا.
((وأمّا القياس، فهو أن السفيه كالصبي، وحيث منع المال من الصبي. فيمنع من السفيه، بل هو أولى، فإن
المعنى الذي من أجله حجر على الصبي موجود في السفيه، بل هو متحقق فيه أكثر ضرورة أنه حجر على
الصبي لتوهم التبذير وهو متحقق في السفيه، فإذا حجر بسبب موهوم فأولى أن يحجر بسبب نحقق.
((قال أبو حنيفة)) إن في السفيه ما يمنع الحجر، فإنه حر مكلف مخاطب ولا كذلك الصبي، ولا يقاس مخاطب
على غير مخاطب. ثم هما غير متساويين؛ لأن الحجر أبلغ في العقوبة من منع المال. وذلك لأن الحجر يقتضي
بطلان تصرف المحجور عليه بخلاف منع المال، فإنه لا يستلزم بطلان التصرفات.
=

٢٠٨
كتاب الحجر
هو تبذير المال وتضييعه
والدين والفسق والغفلة(١) وعندهما: يجوز بغير الفسق، وعند الشافعي: يجوز بالكل
كفاية. وأما الحجر على المفتي الماجن وأخويه فليس بحجر اصطلاحي كما يأتي، وظاهر
الدرر أن عندهما أيضاً يحجر عليه بالفسق، وهو مخالف لعامة الكتب كما نبه عليه في
العزمية، وكلام المصنف والشارح هنا مجمل، فتأمل قوله: (هو تبذير المال الخ) فارتكاب
= ((ويمكن الردّ) ١- بأن كون السفيه غخاطباً لا يفيد على ما أسلفنا فإنما حجر على الصغير لمعنى الإتلاف،
وهذا المعنى متحقق في السفيه. ٢ - وأن الحجر إنما هو للنظر له لا للعقوبة.
((وأمّا المعقول)) غير الضيق، فهو أن التصرفات المالية إنما شرعت لمصالح العباد ومنافعهم، وليس من المصلحة
في شيء أن يمكن منها من لا يهتدي إلى وجوه النفع فيها، وقد جاءت الشريعة حينما جاءت بمقصد سامٍ هو
حفظ المال.
(وبعد) فإن اله تعالی جعل المال قياماً للناس، وندب إلى حفظه في كثير من آيات كتابه وذم السفه والتبذير فقال
تعالى: ﴿إن المبذرين كانوا اخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفوراً﴾ ومدح المؤمنين بالاعتدال في الإنفاق
وعدم الإفراط فيه والتفريط فقال: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما﴾ ونهى رسول
الله صلى الله عليه وسلم عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال، وقال: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير
لهم من أن تتركهم يتكففون الناس).
وقال ابن عباس، وقد سئل بم ينقضي يتم اليتيم؟ فقال لعمري إن الرجل لتنبت لحيته وإنه لضعيف الأخذ
ضعيف العطاء فإذا أخذ لنفسه من صالح ما أخذ الناس فقد ذهب عنه اليتم. والمال عصب الدول وفقار
ظهورها، ولا يمكن لأمة أن تقوم بمشروعات الخير والبر والإصلاح في النواحي المختلفة ولا أن تعبیء
الجيوش لتذود بها عن أوطانها ومصالحها إلا بالمال، فالمال يجب حفظه. نظام الحجر في الشريعة للأستاذ
سليمان رمضان ابن العربي جـ ١ ص ١٠٥ مختصر المزني على هامش الأم جـ ٢ ص ٢٢٣، المغني ٥١٢/٤
والفخر الرازي جـ ٢ ص ٣٧٢، الجصاص ٧٣/٢، الألوسي ٢٤،٢٣/٤، نيل الأوطار ١٥
٢٦٧،٢٤٦،٢٤٥.
(١) (الغفلة في اللغة)) فقد الشعور بما حقه أن يشعر به، وقال أبو العفاء هو الذهول عن الشيء، وقال الراغب
هو سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ.
((وفي اصطلاح الفقهاء)) هو عدم الاهتداء إلى التصرفات الرابحة، فذو الغفلة هو الذي يغبن في البياعات
لسلامة نيته بدون قصد وإتلاف مال أو تبذير. وقد اختلفت كلمة الفقهاء فيه على الوجه الآتي: ذهب مالك
والشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد إلى أن ذا الغفلة يحجر عليه
وقال أبو حنيفة: لا يحجر عليه. وقد تعلق كل بحديث حَبّان بن منقذ الأنصاري، وهو على ما رواه الدارقطني
قال: كان حبان بن منقذ رجلاً ضعيفاً ضرير البصر، وكان قد سفع في رأسه مأمومة في يوم أحد فجعل رسول
الله صلى الله عليه وسلم له الخيار ثلاثة أيام، وكان قد ثقل لسانه فكنت أسمعه يقول: لا خذابة لاخذابة أي:
لا خلابة لا خلابة فأتی أهله النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله: احجر عليه، فإنه يبتاع وفي
عقله ضعف فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم ونهاه عن البيع، فقال: يا رسول الله إني لا أصبر عن البيع
ساعة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن كنت غير تارك البيع فقل هاء وهاء ولا خلابة)).
قال الجمهور: إن هذا الرجل كان يغبن في البياعات فيشتري بالثمن الكثير ما يشتريه غيره بالثمن القليل، وما
من شك في أن رجلاً كذلك يسرف وإن كان لا يقصد، ولا يبذر وإن كان لا يشعر كان لزاماً على أهله أن
يطلبوا الحجر عليه، ولو كان الحجر بهذا السبب غير مشروع ما طلبوه، ولو طلبوه وهو غير مشروع لأنكره
الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنه لم ينكره، ولو كان لنقل إلينا لأن مثله لا يترك، ولم ينقل.
=

٢٠٩
كتاب الحجر
على خلاف مقتضى الشرع أو العقل. درر. ولو في الخير كأن يصرفه في بناء
غيره من المعاصي كشرب الخمر والزنا لم يكن من السفه المصطلح في شيء. قهستاني.
والمراد أنه كان رشيداً ثم سفه لما يأتي متناً أنه لو بلغ غير رشيد لم يسلم إليه ماله الخ قوله:
(على خلاف مقتضى الشرع أو العقل) كالتبذير والإسراف في النفقة، وأن يتصرف
تصرفات لا لغرض أو لغرض لا يعده العقلاء من أهل الديانة غرضاً(١)، كدفع المال إلى
= وقال أبو حنيفة: لو كان الحجر بهذا السبب مشروعاً لأجابهم الرسول إلى ما طلبوا. ولكنه لم يحبهم إليه
بل جعل له مخلصاً آخر هو الخيار ثلاثة أيام، فالحديث يكاد أن يكون صريحاً في عدم الحجر بهذا السبب.
وقال الجمهور: إن ترك الحجر عليه إنما كان خصوصية له؛ لأن من يخدع في البيوع ينبغي أن يحجر عليه، ولا
سيما إذا كان ذلك لخبل في عقله، بل إن في حديث حبان ما يقتضي الحجر عليه ((كان يغبن في البياعات)) لولا
الخصوصية. ومعنى ذلك أن السفه كان غالب شأنه، بل كان يتكرر منه ذلك لقوله: إني لا أصبر على البيع
ساعة مما قد یأتي علی کل ماله، ولیس الخیار مخلص کل بائع ومشتر، فلیس کل متعاقدين يقبلان الخيار لهما
أو لأحدهما، والأصل في البیاعات أن تكون على البت.
ومما يدل على الخصوصية ما روى محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن يحيى بن حبان قال: هو جدّي منقذ
ابن عمرو، وكان رجلاً قد أصابته آمة في رأسه فكسرت لسانه، ونازعته عقله، وكان لا يدع التجارة، ولا
يزال يغبن، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال: إذا بعت فقل: لا خلابة، ثم أنت في
كل سلعة تبتاعها بالخيار ثلاث ليال، وكان سنه ثلاثين ومائة سنة، وكان في زمن عثمان حين فشا الناس
وكثروا يبتاع في السوق، ويرجع إلى أهله وقد غبن غبناً قبيحاً، فيلومه أهله، ويقولون له: لم تبتاع؟ فيقول:
أنا بالخيار إن رضيت أمسكت وإن سخطت رددت، قد جعلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخيار ثلاثاً
فيرد السلعة على صاحبها في الغد وبعد الغد، فيقول صاحبها لا أقبلها قد أخذت سلعتي وأعطيتني دراهم،
فيقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعلني بالخيار ثلاثاً. ونحن نرى أن كلًّا من المتخالفين قد تعلق
بهذا الحديث، ولكل وجهة أو وجوه من التخاريج، ونرى أيضاً أن المعنى الذي من أجله حجر على السفيه هو
بعينه موجود في ذي الغفلة، وما دمنا قد رجحنا الحجر على السفيه، فلا بد أن نرجح الحجر على ذي الغفلة؛
لأن حفظ المال وصيانته من المقاصد الضرورية التي دعت إليها كل الشرائع.
أمّا حكم تصرفات ذي الغفلة. فهي كحكم تصرفات السفيه سواء لسواء.
(١)
وإذا كان السفه لا ينافي أصل العقل لم يكن منافياً للأهلية كانت أهلية وجوب أو أهلية أداء، فالسفيه أهل
لجميع الأحكام الشرعية تعلقت بحقوق الله كالزكاة والحج وما إليهما أو كانت معاملة بينه وبين الناس كالبيع
والشراء والرهن وما إليهما، وإنما كان الخلاف بين الفقهاء في أن السفه ينافي أهلية التصرف في المال أم لا.
إلى الأول ذهب جمهور من الفقهاء منهم مالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد من الحنفية، ولذلك قالوا
بالحجر عليه. وذهب أبو حنيفة وأهل الظاهر إلى أنه لا ينافي أهلية التصرف في المال، غير أن الظاهرية لا
يمنعون منه ماله بعد البلوغ، وأبو حنيفة يمنعه إلى خمس وعشرين سنة مع اتفاقهم على نفاذ تصرفه، وقد سلك
أهل الظاهر في الاستدلال طريقاً، وسلك أبو حنيفة طريقاً آخر.
(أدلة أهل الظاهر)) وقد استدل الظاهرية على أن السفيه غير محجور عليه وأن السفه لا ينافي أهلية التصرف
بالقرآن والسنة، أمّا القرآن فعمومات من نحو قوله تعالى: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) وقوله
تعالى: ﴿جاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله﴾ وقوله تعالى: ﴿وما سلككم في سقر قالوا لم نك من
المصلين، ولم نك نطعم المسكين﴾.
ووجه الدلالة من الآيات أن الله تعالى ندب المؤمنين من غير فرق بين السفهاء وغيرهم إلى أعمال الخير والبر
والتماس أسباب القرب من الله تعالى بالأموال.

٢١٠
كتاب الحجر
= وأما السنة فعمومات أيضاً نذكر منها قوله صلى الله عليه وسلم: ((اتقوا النار ولو بشق تمرة))، والوجه أن
کل أحد من المسلمين مطلوب منه تقوی النار بما تملك يده، ولو كان شق تمرة لا فرق في ذلك بين سفيه وغير
سفيه، فإن الظواهر تضافرت على ذلك لا يخرج منها إلا ما أخرجه الدليل، وهو إنما أخرج الصبي والمجنون
ونحن نرى أن هذه العمومات لا تنفع الظاهرية، ولا تضر غير الحنفية، فإن أعمال الخير والمعروف مما حث
الله على الإنفاق فيها لم يقل واحد من العلماء بأن فاعلها يستحق الحجر عليه.
وأمّا الحنفية فلهم أن يقولوا إن ذلك كله مخصوص بالأدلة التي تدل على أن للإنفاق حداً إن هو جاوزه كان
سفهاً وتبذيراً.
(رأي أبي حنيفة والتدليل عليه) وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: لا يحجر على الحر البالغ العاقل وإن كان
مبذراً متلفاً لماله فيما لا غرض له فيه ولا مصلحة كما لو أحرقه أو ألقى به في بحر، وإنما إذا بلغ سفيهاً فإنه
يمنع من ماله إلى خمس وعشرين سنة، ثم يدفع إليه ماله فإنه لا بدّ بعد هذا السنّ أن يحصل له ضرب من
الرشد، وتصرفه بالبلوغ نافذ، وإنما منع منه المال هذه المدة تأديباً له وزجراً، فإن لم ينتفع بهذا التأديب فلا
فائدة والحكمة في ذلك أن السفيه قد يبلغ من حيث السن بثماني عشرة سنة، فإذا بلغ ولم يرشد اعتبرنا له مدة
يظن فيها تغير حاله غالياً، وقد نظرنا فوجدنا أن الشارع اعتبر السبع في الصلاة فقد قال رسول صلى الله عليه
وسلم: ((مروهم بالصلاة لسبع) فاعتبرنا هذه المدة بعد البلوغ فكانت خمساً وعشرين سنة، وما من شك في أن
الصغير محجور عليه للصبا، وهو إذا بلغ ولم يرشد فقد استصحب أثر الصبا كالصبا فمنعنا المال منه إلى هذه
المدة. هذه وجهة، ووجهة أخرى أنه في هذه السّن قد يكون جداً فضلاً عن أن يكون أباً فإنه إذا بلغ وهو ابن
اثنتي عشرة سنة فيتزوج ويولد له لستة أشهر فإذا تزوج هو أيضاً وهو ابن اثنتي عشرة سنة فيولد له لسنة
أشهر تحقق في الأول أن یکون جداً. وکیف یکون جداً ويحجر عليه.
«ما يرد على أبي حنيفة) وقد يرد على أبي حنيفة أشياء:
أولًا: ما فائدة منع المال منه إلى هذه السن مع قوله بنفاذ تصرفه والجواب طبعاً أنه لا فائدة ولكن فيه زيادة
كلفة على الولي في حفظ مال السفيه فإذا هو لم يقطع لسانه عن التصرفات، ولم يهدر قوله فلا فائدة في المنع
قطعاً.
ثانياً: دعواه أن منع المال منه إنما كان للزجر والتأديب ولا زجر بعد هذه المدة مدفوع بالحدود، فإنها تقام على
الشخص قلت السن عن هذه المدة أو زادت ومن الذي يستطيع دعوى أن المنع لا يفيد بعد هذه المدة؟
ثالثاً: كذلك ليس من الحتم أن تتغير حاله بعد هذه المدة بل هي قد تسوء وتزداد سوءاً، وإذا جاز أن يطرأ
سفه بعد رشد فأولى أن يستمر السفه، ويزداد، وحد ذلك بخمس وعشرين سنة نحكم لا دليل عليه.
رابعاً: لا يعنينا كونه جداً فإن الجدودة ليست مناط حكم هنا بل يلزم أبا حنيفة أن تقل هذه السن حيث
وجدت الجدودة، وقد توجد قبل ذلك، فإن الأنثى قد تبلغ تسعاً فإذا تزوجت فولدت لتسعة أشهر بنتاً فبلغت
هي أيضاً تسعاً فتزوجت فولدت لستة أشهر تحقق أن تكون جدة وهي بنت تسعة عشر
خامساً: هذه مجرد فروض نادرة وعلى النادر لا تبتنى الأحكام ((قالوا: ولا يفرض حكم العموم لفرد نادر)).
وقد استدل الجصاص لأبي حنيفة بقوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً﴾
الآية ووجه الدلالة: أن الله تعالى قد شرط رشداً نكرة، فاقتضى تحقق المشروط بأي شيء يقع عليه اسم
الرشد، والله تعالى قد علق دفع المال على شرطين البلوغ وإيناس الرشد غير أنه ذكر الشرط الثاني بعد الأول
معاقباً له بفاء العطف التي هي للتعقيب فتقتضي إيناس رشد معاقباً للبلوغ، ولا يعاقب البلوغ إلا هذه المدة،
والدال على اعتبارها أنها اعتبرت في الصلاة حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((مروهم بالصلاة لسبع))
قال عمر رضي الله عنه، ((ينتهي لب الرجل إذا بلغ خمساً وعشرين سنة)) وقد ترك العمل فيما دون هذه السن
بعد البلوغ، فتبقى الآية على ظاهرها بعدها.
مناقشة هذا الدليل»:
وهذا الاستدلال مدفوع من وجوه:

٢١١
كتاب الحجر
= ((الأول)) أن المراد من الرشد في الآية هو الرشد في المال بمعنى حفظه وحسن التصرف فيه، لأن الكلام في
المال فحيثما لم يتحقق هذا لم يدفع إليه المال ولو بلغ من العمر أرذله.
(الثاني) أن الصبي المميز إنما حجر عليه لمظنة السفه والتبذير، فإذا تحقق وجود السفه فأولى أن يحجر عليه.
(الثالث)) أن كون السفيه لا بد أن يحصل له ضرب من الرشد إذا بلغ هذه السن هو أشبه أن يكون تحكماً.
(واستدل أبو حنيفة)) أيضاً بقول الله تعالى: ﴿ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا﴾ ووجه الدلالة: أن الله
تعالى نهى أولياء اليتامى عن أكل أموال اليتامى مبادرين كبرهم فإنهم إذا كبروا زالت ولايتهم عنهم فهو نص
على زوال الولاية بالكبر، وهو نص على زوال الحجر به. لأن الولاية إنما كانت للحاجة، وهي إنما تتقدم إذا
صار اليتيم مطلق التصرف بنفسه.
((مناقشة هذا الدليل)) وهذا الاستدلال عجيب، فإن الكبر غالباً يتبعه الرشد فكان ذكر الكبر ذكراً للازمه، وهو
الرشد، فيكون المعنى على هذا أن يكبروا راشدين، على أن هذا عجز آية صدرها: ﴿فإن آنستم منهم رشداً﴾
ولا أدري بعد هذا کیف یتم الاستدلال لأبي حنيفة.
(٢) واستدل أيضاً بعمومات الكتاب من نحو قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾. والوجه أنه تعالى
أحل البيع، وأطلق ذلك الحل ولم يشرط فيه رشداً والحل يفيد ترتب الثمرة عليه من ملك الثمن للبائع وملك
الثمن للمشتري.
(مناقشة الدليل)) وهذا الاستدلال عجيب أيضاً فإن الآية أحلت مبدأ عاماً من مبادىء المعاملات فارقة بحكم
المبدأ بينه وبين حكم الربا، سيقت لهذا فقط، أما أن البيع لا بد له من شروط تتعلق بطرفي التعاقد وبالثمن
والمثمن فذلك شيء آخر لم تسق له الآية، على أن الله تعالى كما أطلق في العاقد أطلق في المعقود عليه،
ومقتضى الاستدلال حل كل مبيع وإن لم يستوف شروطه الشرعية، وهو ما لم يقل به المستدل.
(٣). واستدل أيضاً بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ الآية، ووجه
الدلالة: أن الله تعالى أمر بكتابة الدين المؤجل الناشىء عن المعاملة، والخطاب في الآية عام ليس لواحد دون
الآخر فلا فرق بين رشيد وغير رشيد، فقد دلت الآية على نفاذ تصرف كل متداين، فالحجر على السفيه ينافي
ذلك.
ولكن هذا الاستدلال غير ناهض فإن في آخر الآية: ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً﴾ الخ الآية
وذلك مثبت للولاية عليه، وكيف يستقيم مع هذا الاستدلال؟! وأيضاً فإنها تشمل فيمن تشمل الصغير
والمجنون.
(٤) واستدل أيضاً بقول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة
عن تراض منكم) الآية ((ووجة الدلالة)): أن الله تعالى نهى المؤمنين عن أكل أموال الناس بالباطل، وجعل
ذلك عند انعدام الرضا، وأباح أكلها إذا وجد الرضا والأكل أريد به مطلق التعاطي، وإذا منع السفيه من
التصرف في ماله وتصرف عنه وليه من غير رضى منه كان منهياً عنه، ولا يكون المنهي عنه مشروعاً.
والاستدلال بالآية غير ناهض له، فإنها قد خص منها الصغير والمجنون قطعاً فيخص منها السفيه أيضاً. على
أن ذلك ليس تصرفاً يمنعه الله، فإنه لحفظ ماله وحسن القيام عليه فلم يكن أكل المال بالباطل.
(٥) بآيات الكفارات من الظهار والقتل الخطأ واليمين مثل قوله تعالى: ﴿والذي يظاهرون من نسائهم) الآية.
وقوله: ﴿ومن قتل مؤمناً خطأ) الآية. وقوله ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) الآية ((والوجه)) أن هذه
الآيات دلت على نفاذ العتق ممن وقع منه السبب كان سفيهاً أو غير سفيه ضرورة أن الخطاب عام فهي قد دلت
على نفاذ تصرف السفيه وإذا نفذ تصرفه فلا يكون محجوراً عليه وما من شك في أن التلفظ بالظهار اختياراً
والخطأ في القتل والحنث في اليمين نوع من السفه، فدل هذا كله على أنه مع السفه يتصور منه السبب الموجب
لاستحقاق المال، ومن ضرورته ألّ يمنع عن أداء ما لزمه شرعاً، فالحجر عليه لا يأتي بفائدة كثيرة؛ لأنه
يتمكن من إتلاف المال بهذه الأسباب والآيات مخصوصات بالصغير والمجنون اتفاقاً، فهي تخص أيضاً بالسفيه،
على أن هذا أيضاً مجرد احتمال. فمن هذا الذي يأتي على كل ماله بالظهار أو بالقتل الخطأ أو باليمين إنه =

٢١٢
كتاب الحجر
المساجد ونحو ذلك فیحجر علیه عندهما.
المغنين واللعابين وشراء الحمامة الطيارة بثمن غال والغبن في التجارات من غير محمدة.
وأصل المسامحات في التصرفات والبرّ والإحسان مشروع(١)، إلا أن الإسراف حرام
كالإسراف في الطعام والشراب، قال تعالى: ﴿إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُوا﴾ [الفرقان
٦٧] كفاية قوله: (فيحجر عليه عندهما) مستدرك مع ما يأتي مع عدم صحة التفريع أيضاً
= إن فعل ذلك مرة فقد لا يعود إليه أبداً، فهو عقلًا يمكنه الإتلاف بهذه الأسباب، ولكن العادة تمنع
ذلك وتحيله.
(٦) ويقول الرسول عليه الصلاة والسلام: ((لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيب من نفسه)) ووجه الدلالة: أن
الرسول نهى عن أخذ أموال الناس بدون رضا من أصحابها فشرط طيب النفس، ونفس السفيه لا تطيب
بالحجر عليه وتصرف الولي عنه، فيكون منهياً عنه، والمنهي عنه لا يكون مشروعاً.
وقد يقال في هذا ما قيل في الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ الآية.
(٧) أن السفیه حر مخاطب، فهو أهل لأحكام الله تعالی فیجب أن یکون أهلًا في المال حتى يكون مطلق
التصرف کالرشيد، وإذا كان حراً مخاطباً فهو أهل للتصرف، وإذ قد تصرف فهو إنما يتصرف في محل تصرفه.
وهو خالص ملكه، وذلك يثبت باعتبار حرية المالك، وبعد صدور التصرف من أهله في محله فلا يمنع نفاذه
إلا مانع، والسفه لا يصلح ذلك المانع وذلك لأنه بالسفه لا يظهر نقصان عقله، ولكن السفيه يكابر عقله
ويتابع هواه، وهذا لا يكون معارضاً في توجيه الخطاب إليه بحقوق التصرف كما لم يكن معارضاً في توجبه
الخطاب إليه بحقوق الشرع. ویمکن أن يقال:
(أولا)، إنه قیاس في الأسباب وأبو حنيفة لا يقول به.
(ثانياً) أن العلة غير متحققة في الفرع فإن علته في الأصل كونه مخاطباً بالغاً رشيداً فالرشد جزء علة، ولم يوجد
في السفيه.
(ثالثاً) هو قياس في مقابلة النصوص التي تدل على الحجر على السفيه، والقياس في مقابلة النص باطل.
(رابعاً) وينقضه العبد، فإنه مخاطب عاقل، وهو ممنوع من التصرف باتفاق، وقد أجاب صاحب نتائج الأفكار
عن الأخير بجوابين:
(الأول)) أنه ذكر المخاطب مطلقاً، وإنما ينصرف إلى الفرد الكامل والعبد ليس بكامل، لأنه تسقط عنه
الخطابات المالية كالزكاة وصدقة الفطر والأضحية، وقد يسقط عنه غير المالية كالجمعة والعيدين ((وقد يقال)) إنه
نخاطب كامل بمقتضى آدميته، غير أنه تخلف ذلك لمانع، إمّا لأنه لا يملك أصلاً، أو لا يملك ملكاً تاماً، لأن
العبد وما مكلت يداه لسيده، كما أنه إنما سقطت عنه الجمعة وما إليها إنما هو لحق السيد.
(الثاني)) أن المراد بالمخاطب إنما هو المخاطب بالتصرفات المالية بدلالة محل الكلام، لأن الكلام في الحجر على
التصرفات المالية كالبيع والشراء، والهبة، والصدقة، فهو على هذا لا يشمل الرقيق لأنه لا مال له فلا تصرف
له فيه، فلا خطاب. وفي الحق أنه تخريج غير ظاهر فإنه لا يكون محل الكلام دليلاً على أن الكلام في الحجر في
المال، وإنما الكلام عام.
(٨) أن الله تعالى خاطب العبد واعتبره لأن يكون مكلفاً بالعبادة، واعتبر إقراره بالعقوبات، ولم يهدر قوله
فيها، ولم يعتبر سفهه شبهة يندرى بها الحد، فإذا لم يهدر قوله فيها فأولى في غيرها. ثم إن في الحجر عليه
إهداراً لآدمیته، وإحاقاً له بالبهائم وذلك ضرر عظیم یکون في نفسه، والتبذير في المال ضرر يلحقه في ذات
يده ولا يدفع ضرر أقل بضرر أعظم، لأن النفس أسمى من المال وأجل. انظر المبسوط ــ ٢٤ ص ١٥٧،
وما بعدها المغني ٥١٢/٤، الهداية ١٩٤/٨، وابن الحاجب ٢٥٥/٢ .
(١) . ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن صرف المال في وجوه الخير وأنواع البر والقرب لا يعد سرفاً =

٢١٣
كتاب الحجر
= ولا تبذيراً.
وذلك كصرفه في سبيل الله وبناء المساجد وإصلاح الطرق وبناء القناطر وإقامة المعاقل والحصون، وبناء
المشافي، وما إلى ذلك من كل عمل يعود على الإسلام والمسلمين بالمصلحة. وذهب الحنفية إلى أن صرف المال
في وجوه البر یعد سرفاً مدفوعاً إن زاد عن حد التوسط فأنت ترى أن الحنفیة یرون كل تبذير سفهاً حتى لو
كان في القربات، وغيرهم يرى أن التبذير ليس سفهاً في القربات، فإنه لا سرف في الخير، كما لا خير في
السرف وقد استدل الحنفية بآيات من القرآن الکریم نذكر منها:
١. قوله تعالى: ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً﴾ ((والوجه)):
أن الله تعالى نهى عن التقتير والتبذير فأفاد الاعتدال وهو الوسط الذي لا إفراط فيه ولا تفريط، وكان ذلك نهياً
عاماً لم يشمل شيئاً دون شيء.
٢. قوله تعالى: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً﴾ (والوجه)) أنه تعالى أثنى على
عباده المؤمنين الذين هم عباد الرحمن بأنهم سلكوا في الاتفاق طريقاً وسطاً لا مسرفين ولا مقترين، ولو كان
صرف المال في القربات كذلك ما وسع الله إلا أن يثني به على عباده المؤمنين بل هو يكون أولى بالذكر.
وقد جعل الله في مال الإنسان حقوقاً لغیرہ لم تبلغ أكثر ما بلغت إلا نسبة قليلة قد لا تزيد عن ١٠٪ وقد
تنحط إلى ٢٥٪ ومعنى ذلك أن الأصل في المال أن يكون للإنسان فكل ما أخرجه عن ذلك وجب أن يكون
تبذيراً منهياً عنه.
وقد استدل الآخرون بالقرآن والسنة. أمّا القرآن: ((فأولاً)) قوله تعالى: ﴿مثل الذي ينفقون أموالهم في سبيل
الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة﴾ الآية ((والوجه)) أنه سبحانه وعد المؤمنين الذين
ينفقون أموالهم في سبيل الله ابتغاء مرضاته وطمعاً في ثوابه، إن الحسنة تضاعف إلى سبعمائة بل تزيد لمن شاء
الله، وهذا فضل عظيم يحمل العقلاء على صرف أموالهم في سبيل الله، وما من شك في أن مصالح المسلمين
هي سبیل من سبل الله.
((وثانياً) قوله تعالى: ﴿إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعف لهم ولهم أجر كريم﴾.
((وثالثاً) قوله تعالى: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ والعفو ما فضل من الحاجة.
وأما السنة فقد تصدق المسلمون الأولون وأنفقوا في أعمال الخير والبر والمعروف والجهاد في سبيل الله.
فهذا عثمان بن عفان رضي الله عنه اشترى بئر رومة بأربعين ألف درهم أو ثمانين وجعلها للمسلمين، وجهز
جيش العسرة من إبل وعتاد وزاد حتى قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: ((ما ضر عثمان ما فعل بعد
الیوم».
وخرج أبو بكر رضي الله عنه عن ماله أكثر من مرة . وعائشة أم المؤمنين همت ببيع رباعها في سبيل الله، ولم
بعد ذلك تبذيراً ولا إسرافاً.
وقد نوقشت أدلة المالکیة ومن نحا نحوهم بأن الآيات التي استدلوا بها عامة خصصتها الآيات التي استدل بها
الحنفية، وبيان ذلك أن القرآن الكريم يفسر بعضه بعضاً، وأما ما فعله عثمان وأبو بكر وعائشة وغيرهم من
المسلمين الأولين فلا يعدّ بالنسبة إليهم سرفاً وتبذيراً، وذلك لأن التبذير أمر يختلف باختلاف الأشخاص،
وبحسب المال قلة وكثرة. وعندي أن ما ذهب إليه الحنفية من التوسط والاعتدال في صرف المال في الوجوه
التي أباح الشارع صرفه فيها أولى بالاعتبار، لأننا إذا نظرنا إلى أن السفيه بعد الحجر عليه ممنوع من بذل المال
في القرب والمندوبات كالعتق والصدقة وغيرهما، لأن ذلك يتنافى مع حفظ ماله الذي من أجله شرع الحجر
عليه، وأن ذلك لا خلاف فيه بين القائلين بالحجر للسفيه، من بينهم المالكية والشافعية والحنابلة، ونحن إذا
نظرنا إلى كل ذلك لا يسعنا إلا أن نقول: إن مذهب الحنفية أرجح لأنهم طردوا الباب على وتيرة واحدة،
وجعلوا ما كان مضيعاً للمال بعد الحجر مضيعاً له قبله، وأن فاعله يستحق الحجر عليه.
أمّا المباحات فذهب الشافعية والحنابلة إلى أن صرف المال فيها لا يعدّ سرفاً ولا تبذيراً، وخالف في ذلك
المالكية والحنفية .
=

٢١٤
كتاب الحجر
وتمامه في فوائد شتی في الأشباه (وفسق ودين) وغفلة (بل) يمنع (مفت ماجن) يعلم
الحيل الباطلة كتعليم الردة لتبين من زوجها أو لتسقط عنها الزكاة (وطبيب جاهل
ومكار مفلس، وعندهما يحجر على الحرّ
--
ح قوله: (وتمامه الخ) هو ما ذكرناه آنفاً عن الكفاية قوله: (وفسق) أي من غير تبذير
مال، فإن الفاسق أهل للولاية على نفسه وأولاده عند جميع أصحابنا وإن لم يكن حافظاً
لماله. قهستاني قوله: (ودين) وإن زاد على ماله وطلب الغرماء من القاضي الحجر عليه،
قهستاني قوله: (وغفلة) أي لا يحجر على العاقل بسبب غفلة وهو ليس بمفسد ولا
يقصده، لكنه لا يهتدي إلى التصرفات الرائجة فيغبن في البياعات لسلامة قلبه: زيلعي
قوله: (بل يمنع) أشار به إلى أنه ليس المراد به حقيقة الحجر، وهو المنع الشرعي الذي
يمنع نفوذ التصرف، لأن المفتي لو أفتى بعد الحجر وأصاب جاز، وكذا الطبيب لو باع
الأدوية نفذ، فدل أن المراد المنع الحسي کما في الدرر عن البدائع قوله: (ماجن) قال في
الجمهرة: مجن الشيء يمجن مجوناً: إذا صلب وغلظ، وقولهم رجل ماجن كأنه مأخوذ
من غلظ الوجه وقلة الحياء وليس بعربي محض. ابن كمال قوله: (كتعليم الردة الخ)
وكالذي يفتي عن جهل. شرنبلالية عن الخانية قوله: (وطبيب جاهل) بأن يسقيهم دواء
مهلكاً، وإذا قوي عليهم لا يقدر على إزالة ضرره. زيلعي قوله: (ومكار مفلس) بأن
يكري إيلا وليس له إبل ولا مال ليشتريها به، وإذا جاء أوان الخروج يخفي نفسه.
جوهرة. فمنع هؤلاء المفسدين للأديان والأبدان والأموال دفع إضرار بالخاص والعام،
فهو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما في القهستاني وغيره، قيل وألحق بهذه الثلاثة
ثلاثة أخرى: المحتكر، وأرباب الطعام إذا تعدوا في البيع بالقيمة، وما لو أسلم عبداً
لذمي وامتنع من بيعه باعه القاضي اهـ.
قلت: وباب الأمر بالمعروف أوسع من هذا. تأمل. نعم، ينبغي ذكر المريض فإنه
ممنوع عن التصرف فيما فوق الثلث.
تنبيه: يعلم من هذا عدم جواز ما عليه أهل بعض الصنائع والحرف من منعهم من
أراد الاشتغال في حرفتهم وهو متقن لها أو أراد تعلمها فلا يحل التحجير كما أفتى به في
الحامدية قوله: (وعندهما يحجر على الحر) أي العاقل البالغ. قال في الجوهرة: ثم اختلفا
= احتج الشافعية ومن معهم بأن المال إنما خلق للتمتع والانتفاع به فيما لذ وطاب مما أذن فيه الشارع قال
تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾.
واحتج المالكية والحنفية بقوله تعالى: ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا﴾
الآية ووجه الدلالة من الآية: أن الله تعالى نهى عن الإسراف وذمه بقوله: ﴿إنه لا يحب المسرفين) ومن غير
شك أن صرف المال وإنفاقه زيادة على الوجه المعتاد يكون المنفق له مسرفاً، وأنه منهي عن ذلك.

٢١٥
كتاب الحجر
بالسفه و) الغفلة و (به) أي بقولهما (يقتى) صيانة لماله وعلى قولهما المفتى به
(فيكون في أحكامه كصغير) ثم هذا الخلاف في تصرفات تحتمل الفسخ ويبطلها
الهزل، وأما ما لا يحتمله ولا يبطله الهزل فلا يحجر عليه بالإجماع، فلذا قال (إلا في
نكاح وطلاق(١)
فيما بينهما: قال أبو يوسف: لا يحجر عليه إلا بحجر الحاكم، ولا ينفك حتى يطلقه.
وقال محمد: فساده في ماله يحجره وإصلاحه فيه يطلقه والثمرة فيما باعه قبل حجر
القاضي يجوز عند الأول لا الثاني قوله: (بالسفة والغفلة) أي والدين كما يأتي، وعبر
بعضهم عن الغفلة بالفساد ليس المراد به الفسق. فافهم. قال في الدر المنتقى: ويشترط
لصحة الحجر عندهما القضاء بالإفلاس ثم الحجر بناء عليه، ولا يشترط ذلك في الحجر
بالسفه مع كونه يعم جميع الأموال. وأما الحجر بالدين فيخص المال الموجود، حتى ينفذ
تصرفه في مال حدث بعده بالكسب كما يعلم من القهستاني والبرجندي، فليحفظ اهـ.
وفي التاترخانية: الحجر بالدين يفارق الحجر بالسفه من وجوه ثلاثة: أحدها، أن
حجر السفيه لمعنى فيه وهو سوء اختياره لا لحق الغرماء بخلافه بسبب الدين فيفتقر
للقضاء. الثاني: أن المحجور بالسفه إذا أعتق عبداً ووجبت عليه السعاية وأدى لا يرجع
بما سعى على المولى بعد زوال الحجر، بخلاف المحجور بالإفلاس الثالث: أن المحجور
بالدين لو أقرّ حالة الحجر ينفذ إقراره بعد زوال الحجر، وكذا حالة الحجر فیما سيحدث
له من المال حالة الحجر والمحجور بالسفه لا يجوز إقراره لا حال الحجر ولا بعده، ولا في
المال القائم ولا الحادث اهـ ملخصاً.
قلت: ويزاد ما مر من توقف الحجر بالدين على القضاء: أي على قول أبي يوسف
لكونه لحقّ الغرماء، بخلاف الحجر بالسفه لأنه لحقه فلا يتوقف كما أشير إليه فيما مر،
وظاهر كلامهم ترجيحه على قول محمد قوله: (به) أي بقولهما یفتی به، صرح قاضیخان
في كتاب الحيطان، وهو صريح فيكون أقوى من الالتزام. كذا قال الشيخ قاسم في
تصحيحه. ومراده أن ما وقع في المتون من القول بعدم الحجر على الحرّ مصحح بالالتزام،
وما وقع في قاضيخان من التصريح بأن الفتوى على قولهما تصريح بالتصحيح فيكون هو
المعتمد، وجعل عليه الفتوى مولانا في فوائده. منح. وفي حاشية الشيخ صالح: وقد
صرح في كثير من المعتبرات بأن الفتوى على قولهما. وفي القهستاني عن التوضيح أنه
المختار اهـ. وأفتى به البلخي وأبو القاسم كما ذكره في المنح عن الخانية قبيل قوله
الآتي: ((والقاضي يحبس الحرّ المديون)) قوله: (كصغير) أي يعقل ومثله البالغ المعتوه كما في
حواشي الأشباه قوله: (إلا في نكاح وطلاق) فإن سمى جاز منه مقدار مهر المثل وبطل
(١) . قال المالكية والشافعية والحنفية والحنابلة: إن طلاق السفيه يقع عليه وقال ابن أبي ليلى: لا يقع.
=

٢١٦
كتاب الحجر
وعتاق(١) واستيلاد
الفضل، وإن طلقها قبل الدخول وجب نصف المسمى، لأن التسمية صحيحة في مقدار
مهر المثل، وكذا لو تزوّج أربع نسوة أو تزوّج كل يوم واحدة فطلقها، لأن التزوّج من
حوائجه الأصلية، زيلعي قوله: (وعتاق) وعلى العبد أن يسعى في قيمته عند محمد وهو
الصحيح. طوري قوله: (واستيلاد) بأن ولدت جاريته فادعاه ثبت نسبه وصارت أم ولده
وتعتق من جميع ماله بموته، ولا تسعى هي ولا ولدها في شيء، لأن ثبوت نسب الولد
شاهد لها؛ ولو لم يكن معها ولد فقال: هذه أم ولدي لم تبع وسعت بموته في كل قيمتها
((واستدلّ الأولون)» بأنه مكلف طلق امرأته مختاراً فوقع منه كالعبد والمكاتب.
=
«وقال ابن أبي ليلى): لا يقع لأن البضع يجري مجرى المال بدليل أنه يملك بالمال، ويصح زوال ملكه عنه به
فيمنع من التصرف فيه كما يمنع من التصرف في المال.
ویمکن أن يقال في هذا الدلیل: إن البضع لا يجري مجرى المال بدلیل أنه لا يورث عنه، ولو كان مالًا لورث
عنه، وأمّا أنه لا يجري مجرى المال فلأنه يقع من العبد بغير إذن سيده، وهو ممنوع من التصرف في المال.
ومن هذا یتبین رجحان قول الجمهور.
(١) ذهب المالكية والشافعية وأحمد في رواية عنه أنه ليس له ذلك. وذهب أبو يوسف ومحمد إلى أن له ذلك،
والأصل عندهما أن كل تصرف يؤثر فيه الهزل يؤثر فيه الحجر، والعتق لا يؤثر فيه الهزل فلا يؤثر فيه الحجر
من حيث إن الهازل يخرج كلامه على نهج كلام العقلاء لاتباع الهوى ومكابرة العقل لا لنقصان في عقله،
فكذلك السفيه .
واستدلا على أن العتق لا يؤثر فيه الهزل بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاث جدهن جد وهزلهن
جد النكاح والطلاق والعتق)، فأنت ترى أن العتق لا يؤثر فيه الهزل كما ورد عن الرسول فلا يؤثر فيه الحجر.
وما ذهب إليه الصاحبان من أن العتق لا يؤثر فيه الهزل یشکل عليه:
ا. إذا حنت السفيه في يمين حلفها فكفر بالعتق أو نذر هدياً فمنعه القاضي من ذلك لم ينفذ عتقه، فهذا مما لم
يؤثر فيه الهزل، وقد أثر فيه الحجر.
ب . أن الهازل غير السفيه إذا أعتق عبده صح عتقه ونفذ ولا سعاية على العبد بخلاف السفيه فإنه إذا أعتق
عبده عتق ووجبت عليه السعاية، فاستبان بهذا أن الهزل لم يؤثر في وجوب السعاية وقد أثر في وجوب
الحجر.
واستدل المالكية ومن وافقهم على أن عتق السفيه غير نافذ بأن العتق تصرف مالي ومحض تبرع، فهو ممنوع منه
كالهبة والصدقة وما دام محجوراً عليه فهو لا يصح عتقه كالصبي والمجنون.
واستدل أبو يوسف ومحمد على نفاذ عتق السفيه، بأنه تصرف مالي صدر من مكلف مالك تام الملك فلا شيء
يمنع نفاذه كعتق الراهن والمفلس، وإذا صح منهما وقد حجر عليهما لحق الغير فأولى أن يصح من السفيه،
وقد حجر عليه حق نفسه.
ويمكن أن يقال فيه: إنه فارق المفلس والراهن فإن الراهن قد حجر عليه لحق المرتهن والمدين قد حجر عليه
لحق الغرماء بخلاف السفيه فإنه محجور عليه لحق نفسه صوناً لماله وحفظاً له من الضياع، والعتق مما يحقق
إتلاف المال وضياعه، فوجب عدم نفاذه من السفيه.
فاستبان بهذا رجحان مذهب المالكية ومن وافقهم لأنه يحقق الثمرة المرجوة من الحجر على السفيه وهي المحافظة
على ماله وصونه، على أنه ليس هناك فرق بين العتق والهبة والكل تبرع محض، فإن اعتلا بأن العتق ليس
كغيره فإن الشارع مرغب فيه متشوف إليه، قلت إن الصدقة قد حث الله عليها، ورغب فيها في كثير من آي
الذکر الحکیم فالفرق تحكم.

٢١٧
كتاب الحجر
وتدبير(١) ووجوب زكاة) وفطرة (وحج وعبادات
بمنزلة المريض. زيلعي. وهي ثلث قيمتها قناً. جوهرة قوله: (وتدبير) ويسعى بموت
المولى غير رشيد في قيمته مدبراً وقيمة المدبر ثلثا قيمته قناً، وقيل نصفها، وعليه الفتوى.
جوهرة. لكن سيأتي صحة وصاياه بالقرب من الثلث والتدبير منها. وفي الطوري عن
المحيط: قال مشايخنا: هذا: أي سعيه إذا كان أهل الصلاح يعدون هذه الوصية إسرافاً،
فإن كانوا لا يعدونها إسرافاً بل معهوداً حسناً لا يسعى في قيمته إذا كان يخرج من الثلث
قوله: (ووجوب زكاة) ويدفعها القاضي إليه ليفرقها لأنها عبادة لا بد فيها من نيته، ولكن
يبعث معه أميناً كي لا يصرفها في غير وجهها. هداية قوله: (وفطرة) فيه أنها تجب على
الصغير حتى لو لم يخرجها وليه وجب الأداء بعد البلوغ كما مر في بابها فليست مما خالف
فيها الصغير، وإلا أن يقال المخاطب بها وليه. تأمل قوله: (وحج) لأنه واجب بإيجاب الله
تعالى من غير صنعه، ولا يمنع من عمرة واحدة فيها استحساناً، ولا من القران لأنه لا
يمنع من إفراد السفر لكل واحدة منهما، فلا يمنع من الجمع بينهما للخلاف في وجوبها،
ويسلم النفقة إلى ثقة لئلا يتلفها، فإن جامع قبل الوقوف يدفع القاضي نفقة الرجوع، ولا
تلزمه الكفارة إلا بعد زوال الحجر؛ وإن أفسد العمرة يقضيها بعد زواله أيضاً. وتمامه في
الجوهرة. ولو أحرم بحجة تطوّع دفع إليه من النفقة مقدار ما لو كان في منزله، ويقال
له: إن شئت فاخرج ماشياً، إلا أن يكون القاضي وسع في النفقة فقال: أنا أكري بذلك
الفضل وأنفق على نفسي فلا يمنع من ذلك. طوري قوله: (وعبادات) أي بدلية لا مالية
ولا مركبة منهما أيضاً. ففي شرح المفتاح لابن السبكي: كل موضع يدعى فيه أنه من
عطف العام على الخاص، يراد بالعام ما عدا ذلك الخاص فيكون من عطف المباين. قال:
وهذا هو التحقيق. حموي. وبه صرح في السعدية أبو السعود.
قلت: فيكون من العام المخصوص أو المراد به الخصوص، وهل الأول حقيقة في
الباقي أو مجاز كالثاني؟ خلاف بينته في حاشية شرح المنار أول بحث العام، هذا وفي
استثناء الحج والعبادات نظر، فإنها تصح من الصغير أيضاً، إلا أن يقال: المراد صحتها
(١) ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن تدبير السفيه صحيح، لأنه إنما ينفذ من ماله بعد موته واستغنائه عن المال.
واختلفت كلمة المالكية فيه: فذهب عبد الملك إلى أن العبد المدبر إن كان كثير الثمن لم يجز تدبيره، وإن قل
جاز وإنما منع الأول لأن إتلاف المال متحقق وهو إنما حجر عليه للمحافظة عليه، ولكن القليل من ذلك غير
متلف فكان الأول ممنوعاً والثاني جائزاً.
وقال أشهب: كل ذلك لا يجوز كثر الثمن أو قل، والوجه في ذلك أن التدبير من العقود اللازمة كالبيع
والشراء.
وقال ابن القاسم: له التدبير في المرض فإذا صح من مرضه بطل وذلك أن ابن القاسم يرى أن له حكم
الوصية، فإن مات ووسعه الثلث نفذ، وإن صح من مرضه بطل لأنه عقد لازم ولا تلزمه هذه العقود.

٢١٨
كتاب الحجر
وزوال ولاية أبيه أو جدو في صحة إقراره بالعقوبات وفي الإنفاق وفي صحة وصاياه
بالقرب من الثلث فهو) أي في هذه (كبالغ) وفي كفارة كعبد. أشباه.
والحاصل: أن كل ما يستوي فيه الهزل والجد ينفذ من المحجور، وما لا فلا
إلا بإذن القاضي. خانية (فإن بلغ) الصبي (غير رشيد لم يسلم إليه ماله
على سبيل الوجوب. تأمل قوله: (وزوال ولاية أبيه أو جده) يعني عدم ولايتهما عليه،
بخلاف الصغير. حموي: أي فإن ولايتهما عليه ثابتة قوله: (وفي صحة إقراره بالعقوبات)
كما لو أقرّ على نفسه بوجوب القصاص في نفس أو فيما دونها، حموي قوله: (وفي
"الإنفاق) أي على نفسه وولده وزوجته ومن تجب عليه نفقته من ذوي أرحامه من ماله.
شرح تنوير الأذهان. وفي بعض النسخ: وفي الإيقاف من أوقف، ولكن في الأشباه: إن
وقفه باطل. واختلفوا فيما لو كان بإذن القاضي: فصححه البلخي، وأبطله أبو القاسم اهـ
قوله: (وفي صحة وصاياه بالقرب من الثلث)(١) يعني إذا كان له وارث، والقياس أن لا
تجوز وصيته كتبرّعاته. وجه الاستحسان أن الحجر عليه لمعنى النظر له كي لا يتلف ماله
ویبقی کلا على غيره، وذلك في حیاته لا فیما ینفذ من الثلث بعد وفاته حال استغنائه،
وذلك إذا وافق وصايا أهل الخير والصلاح كالوصية بالحج أو للمساكين أو بناء المساجد
والأوقاف والقناطر والجسور، وأما إذا أوصى بغير القرب لا تنفذ عندنا. طوري قوله:
(كبالغ) أي غير محجور وإلا فهو بالغ ح قوله: (وفي كفارة كعبد) فلو حلف وحنث أو
نذر نذراً من هدي أو صدقة أو ظاهر من امرأته لا يلزمه المال، ويكفر یمینه وغيرها
بالصوم. زيلعي قوله: (والحاصل الخ) مستغنى عنه بقوله (ثم هذا الخلاف الخ)) لكن
أعاده لقوله: ((إلا بإذن القاضي)) وإنما حصره به لما مر من زوال ولاية أبيه وجده قوله:
(لم يسلم إليه ماله الخ) هذا بالإجماع كما في الکفایة، وإنما الخلاف في تسلیمه له بعد خمس
وعشرين سنة كما يأتي، فلو بلغ مفسداً وحجر عليه أولاً فسلمه إليه فضاع ضمنه
الوصي، ولو دفعه إليه وهو صبي مصلح وأذن له في التجارة فضاع في يده لم يضمن كما
في المنح عن الخانية. وفي حاشية أبي السعود معزّاً للولوالجية: وكما يضمن بالدفع إليه
وهو مفسد فكذا قبل ظهور رشده بعد الإدراك اهـ.
(١) اتفق الفقهاء جميعاً على صحتها، غير أن المالكية شرطوا لصحتها ألّ يخلط فيها، وفسّر اللخمي عدم التخليط
بالإيصاء بما فيه قربة أو صلة رحم، وفسر أبو عمر التخليط بأن يذكر في كلامه ما يبين عدم معرفته بما ابتدأ
به، وقال المالكية: تصح من الصبي فتصح من السفيه بل هو أولى.
وقال الحنفية: القياس يقدح، والاستحسان يصحح، وذلك أن القياس يقضي بعدم الصحة؛ لأنها تبرع وهو
ممنوع منه، وأما الاستحسان فإنه يقتضي الصحة، فإن ما وافق الحق وما يتقرب به إلى الله تعالى ولم یکن في
ذلك سرف ولم يستقبحه المسلمون ينفذ ذلك كله من ثلث ماله؛ لأن الحجر عليه لمعنى النظر له حتى لا يتلف
ماله فيبتلى بالفقر، وهذا المعنى لا يوجد في وصاياه؛ لأن أوان وجوبها بعد موته وبعد الاستغناء عن المال في
أمر دنياه.

٢١٩
كتاب الحجر
حتى يبلغ خمساً وعشرين سنة فصح تصرفه قبله) أي قبل المقدار المذكور من المدة
وسئل العلامة الشلبي: عمن بلغت وعليها وصي، هل يثبت رشدها بمجرد البلوغ
أم لا بد من البينة(١)؟ فأجاب: بأنه لا يثبت إلا بحجة شرعية. ومثله في الخيرية. وفي
شرح البيري عن البدائع: لا بأس للولي أن يدفع إليه شيئاً من ماله ويأذن له بالتجارة
للاختبار، فإن آنس منه رشداً دفع إليه الباقي قوله: (حتى يبلغ خمساً وعشرين سنة) أي ما
لم يؤنس رشده قبلها قوله: (فصح تصرفه قبله) الأولى التعبير بالواو كما في الکنز، لکن لما
(١) اتفقت كلمة العلماء على أن المحجور عليه الصغير إذا بلغ وأونس منه الرشد فك عنه الحجر وسلم إليه ماله.
ولكنهم اختلفوا ھل یزول الحجر عنه بالبلوغ والرشد بدون مزيل أو لا بد مع ذلك من فك القاضي إن كان
الذي يلي أمر الصبي مقاماً من قبله، أو لا بد من فك الوصي إن كان هو الذي يلي أمر المحجور.
فقال الحنفية والشافعية والحنابلة والظاهرية: يزول الهجر بنفسه، ولا يحتاج إلى فك ولا إزالة متى بلغ الصبي
رشيداً سواء كانت الولاية للأب أم للوصي أم للمقدم من قبل القاضي.
وقال المالكية: إن كان ولي الصغير هو الأب ارتفع الحجر عنه بالبلوغ، وإيناس الرشد بدون حاجة إلى فك
منه، وإن كان غير الأب من وصي أو مقدم قاض فلا يرتفع عنه إلا بفك الوصي والمقدم.
وقد استدل الأولون:
١ - بقوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم﴾.
ووجه الدلالة: أن الآية أفادت أن دفع المال إليه مشروط بشرطين: البلوغ وإيناس الرشد، فإذا قلنا إنه لا بد
من فك وإزالة كان ذلك شرطاً زائداً عن النص، ومعناه حينئذ أن البالغ الرشيد يظل محجوراً عليه ما دام
الحاجر عليه لم يفك الحجر، ولم يأذن له في التصرف، وهذا غاية الفساد.
٢ - إن سبب الحجر هو عدم العقل أو نقصانه، وحيث إنه قد بلغ ورشد، فقد زال عنه الحجر، فإن الحكم
يدور مع علته وجوداً وعدماً.
٣ - أن الصغير منحجر لا محجور، ومعناه أن الحجر لم يكن بحكم قاضٍ، وشيء ثبت بدون مثبت وجب أن
يزول بدون مزيل. ولعل وجهة نظر المالكية في التفريق بين الأب وغيره أن حجر الأب على الصغير حجر
أصالة، وهو بذلك لا يحتاج إلى فك، وأما حجر الوصي والمقدم، فإنما كان بإدخال، وجعل، فاحتاج إلى فك
منهما. قال أبو حنيفة والشافعي والثوري وابن المنذر وأحمد في إحدى الروايتين عنه: متى بلغت الجارية راشدة
وجب دفع الحجر عنها وتسلیم مالها إلیھا کالذکر تزوجت أم لم تتزوج.
وقال مالك: يستمر الحجر عليها إلى أن يدخل بها الزوج، ويشهد العدول بصلاح حالها إن كانت من ذوات
الأب، وإلى فك الوصي والمقدم إن كان الذي يلي أمرها هو الوصي أو المقدم.
وقال أحمد في الرواية الأخرى: يستمر الحجر علیھا حتی تتزوج وتلد، أو تمکث سنة في بيت زوجها.
وقد استدل الأولون:
١ - بقول الله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح) الآية ووجه الدلالة: أن الآية علقت دفع المال
إليهم على شرطين بلوغ وإيناس رشد، ولم تشترط ثالثاً هو الذكورة أو دخول الزوج أو مضي سنة أو فك
وصي.
٢ - أنها صغير بلغ وأونس رشده، فوجب أن يزول عنها الحجر، ويدفع إليها المال كالذكر.
٣ - أنها بالغة رشيدة فيجوز لها التصرف في كل مالها كالتي دخل بها الزوج.
واستدل مالك بالقياس، وحاصله أن الأب له إجبارها على النكاح بدون إذنها فله الحجر عليها في مالها من
باب أولى؛ لأن النكاح يرجع إلى النفس، وذلك يرجع إلى المال.
وقد يرد بقيام الفارق، فإن المعنى الذي من أجله كان لأبيها حق الإجبار هو أنها لا تدري مصلحة =

٢٢٠
كتاب الحجر
(وبعده يسلم إليه) وجوباً: يعني لو منعه منه بعد طلبه ضمن وقبل طلبه لا ضمان
كما يفيده كلام المجتبى وغيره. قاله شيخنا (وإن لم يكن رشيداً) وقالا: لا يدفع
حتى يؤنس رشده ولا يجوز تصرفه فيه (والرشد) المذكور في قوله تعالى: ﴿فإن
آنستم منهم رشداً﴾ (هو کونه مصلحاً في ماله فقط) ولو فاسقاً. قاله ابن عباس
(والقاضي محبس الحرّ المديون ليبيع ماله لدينه وقضی دراهم دينه من دراهمه)
كان قوله: (لم يسلم إليه)) بمعنى المنع لأن العاقل البالغ لا يحجر عليه عند الإمام، وإنما
هذا منع للتأديب لا حجر صح التفريع، فافهم قوله: (ضمن) أي إذا هلك في يده لتعديه
في المنع، وأما إذا بلغ فمنعه فقبل أن ینکشف حاله ویعلم رشده وصلاحيته بالاختبار
فهلك لا يضمن. قال شهاب الدين الجلبي في فتاواه: والواجب على الوصي أن لا يدفع
إليه المال إلا بعد الاختبار، فإذا منعه لذلك كان منعاً لواجب فلا يكون متعدياً، وفي الخانية
ما يشهد له. رملي قوله: (قاله شيخنا) يعني الرملي في حاشية المنح قوله: (وإن لم يكن
رشيداً) لأنه قد بلغ سناً يتصور أن يصير جداً، ولأن منع المال عنه للتأديب، فإذا بلغ هذا
السن فقد انقطع رجاء التأدب. زيلعي ملخصاً قوله: (وقالا لا يدفع) أي وإن صار
شيخاً، وبه قالت الأئمة الثلاثة. معراج قوله: (ولا يجوز تصرفه فيه) أي ما لم يجزه
القاضي على ما مر، وهذه ثمرة الخلاف، وتظهر أيضاً في الضمان عندهما لو دفع إليه بعد
ما بلغ هذه المدة مفسداً إلا عنده قوله: (فإن آنستم) أي عرفتم أو أبصرتم ذكره البكري في
تفسيره ط قوله: (هو كونه مصلحاً في ماله) هو معنى ما في البيري عن النتف الرشيد
عندنا أن ينفق فيما يحل ويمسك عما يحرم ولا ينفقه في البطالة والمعصية ولا يعمل فيه
بالتبذير والإسراف قوله: (فقط) أي لا في دينه أيضاً، خلافاً للشافعي رحمه الله قوله:
(ولو فاسقاً) تأكيد لقوله: ((فقط)) وأطلقه فشمل الفسق الأصلي والطارىء كما في الهداية،
وهذا ما لم يكن مفسداً لماله قوله: (ليبيع ماله) أطلق المال فشمل المرهون والمؤجر والمعار،
وكل ما هو ملك له. رملي. ولا يكون ذلك إكراهاً لأنه بحق كما مر في محله إذ هو ظالم
= الزواج، ولا تعلم أي زوج هو أفضل، فربما نزت بها نزوة في شاب غرر بها وخدعها، فكانت نكبة إن
هي تخلصت منه فذلك شر ونحس، وإن هي لم تستطع الخلاص منه، فإما إلى حياة شقية تعسة، وإمّا إلى حياة
شريرة فاجرة، والوقائع في عصرنا شاهدة بذلك. وهذا المعنى غير متحقق في المال؛ لأنها يمكنها أن تدبر فيه
وجه المصلحة، وإنا لا نعقل علاقة بين المال والنكاح. واستدل أحمد بما روي عن شريح أنه قال: عهد إليّ
عمر بن الخطاب ألّ أجيز لجارية عطية حتى تحول في بيت زوجها حولًا، أو تلد ولداً. والوجه: أن عدم
الإجازة لیس إلا لكونها محجوراً عليها. وقد يقال: ١ - لا نسلم صحة الحديث، وإن سلمنا فهو لم يشتهر،
وأيّاً ما كان فمثله لا يترك به الكتاب، والكتاب لم يشرط لدفع المال إلاّ شرطين: البلوغ وإيناس الرشد.
٢- أنه يفيد منع العطية، والعطية تصرف بدون عوض فلا يستلزم منعها من جميع تصرفاتها. انظر نظام الحجر
للدكتور سلیمان.