النص المفهرس

صفحات 1-20

زَنّ المُخََ
الدر المختار شَرِح تَوير الأَبْصَار
لَخَا تِمَةِ المحقّقِينُ
محمد أمين الشهير بابن عابدين
مَعَ تكْمِلَة ابن عَابْدين بنجل المؤلف
دَرَاسَة وتحقيق وتعليق
الشيخ على محمّد موض
الشيخ عادل أحمد عبدالموجود
قدَّم له وَقَّظه
الأستاذ الدكتور محمد بكر إسماعيل
كلية الدراسات من جامعة الأزهر
الجُزء التَّاسع
يحتوي على الكتب التالية
تتمة كتاب الإجارة - المكاتب - الولاء - الإكراه - الحجر
المأذون - الغصب - الشفعة - القسمة - المزارعة
المساقاة - الذبائح - الأضحية - الحظر والإباحة
دَارُ غَالِ الكتب
للطباعة والنشر وَالتوزيع
الرّيَاضُ.

حِقُوق الطَّبِعْ تَحِفُوظَة
طبْعَة خاصَّة
١٤٢٣ ھـ - ٢٠٠٣م
دَارُ عَالمِ الكِبِ
للطباعة والنشر والتوزيع
العُليا - غربْ مؤسَسَة التحلية
ت : ٤٦٥١٦٨٩ - ٤٦٣١٧٢٢
ص .ب: ٦٤٦٠ - الهاضْ: ١١٤٤٢
تليفاكس: ٤٦٣١٣٣٦
المملكة العَربيّة السّعوديّة
طبعَت هذه الطبقة بموافقة خَاصّة مِّن
دار الكتب العلمية.
· رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت - هاتف وفاكس: ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ - ٣٧٨٥٤٢ (١ ٩٦١)
صندوق بريد : ٩٤٢٤-١١ بيروت - لبنان

٣
كباب الإجارة
(مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيراً يُقَقِّهْهُ فِي الدِّينِ)).
(حديث شريف)
بسم اللّهِ الرَّخمنِ الرّحِيمِ
كِتَابُ الإجازةِ
قدم الهبة لكونها تمليك عين وهذه تمليك منفعة.
كِتَابُ الإجازةِ(١)
أقول: الإجارة بكسر الهمزة هو المشهور، وحكى الرافعي ضمها. وقال صاحب
المحكم: هي بالضم اسم للمأخوذ، مشتقة من الأجر وهو عوض العمل. ونقل عن
ثعلب الفتح فهي مثلثة الهمزة. وفي تكملة البحر للعلامة عبد القادر الطوري: لو قال
الإيجار لكان أولى، لأن الذي يعرف هو الإيجار الذي هو بيع المنافع، لا الإجارة التي هي
الأجرة. قال قاضي زاده: ولم يسمع في اللغة أن الإجارة مصدر. ويقال أجره: إذا أعطاه.
أجرته، وهي ما يستحق على عمل الخير، وفي الأساس: آجرني داره واستأجرتها وهو
مؤجر، ولا تقل مؤاجر فإنه خطأ وقبيح. قال: وليس آجر هذا فاعل بل هو أفعل اهـ.
قلت: لكن نقل الرملي في حاشية البحر: قال الواحدي عن المبرد: يقال: أجرت
داري ومملوكي غير ممدود وممدوداً والأول أكثر إجاراً وإجارة، وعليه فلا اعتراض. تدبر
قوله: (لكونها تمليك عين) أي والأعيان مقدمة على المنافع، ولأنها بلا عوض وهذه به
والعدم مقدم، ثم للإجارة مناسبة خاصة لفصل الصدقة من حيث إنهما يقعان لازمين فلذا
(١) الإجارة لغة بكسر الهمزة مصدر أجره أجراً وإجارة، فهو مأجور، هذا المشهور. وحكي عن الأخفش
والمبرد: آجره بالمد فهو مؤجر، فأما اسم الأجرة نفسها، فإجارة بكسر الهمزة وضمها وفتحها، حكى الثلاثة
ابن سيده في ((المحكم)) واشتقاق الإجارة من الأجر، وهو: العوض، ومنه سمي الثواب أجراً، لأن الله تعالى
يعوض العبد على طاعته ويصيره على معصيته. ويقال: أجرت الأجير وآجرته بالقصر والمد: أعطيته أجرته،
وكذا أجره الله تعالى، وآجره: إذا أثابه. انظر الصحاح: ٥٧٢/٢، المصباح المنير: ١١/١، لسان العرب:/
المغرب: ٢٨/١، المطلع: / واصطلاحاً: عرفها الحنفية: بأنها عقد على المنافع بعوض. وعرفها الشافعية:
بأنها تمليك منفعة بعوض بشروط معلومة وعرفها المالكية: بأنها تمليك منفعة غير معلومة زمناً معلوماً بعوض
معلوم. وعرفها الحنابلة: بأنها عقد على منفعة مباحة معلومة تؤخذ شيئاً فشيئاً مدة معلومة من عين معلومة أو
موصوفة في الذمة أو عمل معلوم بعوض معلوم. انظر: فتح القدير: ٧/ ١٤٥، المبسوط السرخسي: ١٥/
٧٤، مجمع الأنهر: ٣٦٨/٢، الإقناع: ٧٠/٢، مواهب الجليل: ٣٨٩/٥، شرح الخرشي: ٢/٧، أسهل
المدارج: ٣٢١/٢٠، كشف القناع: ٥٤٦/٣، الإنصاف: ٣/٦.

٤
كتاب الإجازة
(هي) لغة: اسم للأجرة، وهو ما يستحق على عمل الخير ولذا يدعى به،
يقال: أعظم الله أجرك، وشرعاً: (تمليك نفع).
عقبها بها. أفاده الطوري قوله: (اسم للأجرة) قال الزيلعي: وفي اللغة: الإجارة فعالة اسم
للأجرة، وهي ما يعطى من كراء الأجير، وقد أجره: إذا أعطاه أجرته اهـ. وفي العيني:
فعالة أو إعالة بحذف فاء الفعل اهـ. وقدمنا أنها تكون مصدراً قوله: (وهو ما يستحق) ذکر
الضمير لعوده على الأجر المفهوم من ذكر مقابله وهي الأجرة، والأوضح الإظهار فلا خلل
في كلامه، فافهم قوله: (تمليك) جنس يشمل بيع العين والمنفعة، وهو وإن كان جنساً كما
يكون مدخلاً يكون مخرجاً، فدخل به العارية لأنها تمليك المنافع والنكاح لأنه تمليك البضع
وليس بمنفعة، ويقوله نفع(١) تمليك العين، وقوله بعوض تمام التعريف. طوري(٢).
قال في المنح: وهو أولى بالقبول، من قولهم تمليك نفع معلوم بعوض كذلك، لأنه
إن كان تعريفاً للإجارة الصحيحة لم يكن مانعاً لتناوله الفاسدة بالشرط الفاسد وبالشيوع
الأصلي، وإن كان تعريفاً للأعم لم يكن تقييد النفع والعوض بالمعلوم صحيحاً، وما اختير
في هذا المختصر تبعاً للدرر تعريفاً للأعم اهـ. وفيه نظر، لأن التي عرّفها أئمة المذهب
الإجارة الشرعية وهي الصحيحة(٣)، والفاسدة ضدها فلا يشملها التعريف. قال في
(١) في ط (قوله بقوله نفع الخ) لا یظهر عطفه على قوله «فدخل به)) على ما لا يخفى ولعل الصواب فدخل به سائر التمليكات
وخرج بقوله ((نفع النكاح لأنه الخ)) وتمليك العين (وبقوله عوض)) العارية لأنها تمليك النفع إلا أنها بدون عوض.
(٢) الإجارة جائزة عند الجمهور بالكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿إني أريد أن أنكحك إحدى
ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج﴾ أي على أن تكون أجيراً لي أو على أن تجعل عوضي من إنكاح ابنتي
إياك رعي غنمي ثماني حجج يقال آجره الله تعالى أي عوضه وأنابه وقوله تعالى: ﴿قالت إحدهما يا أبت
استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾ وما قضى الله علينا وشرائع من قبلنا من غير نسخ يصير شريعة
لنا مبتدأة، ويلزمنا على أنه شريعتنا لا على أنه شريعة من قبلنا لما عرف في الأصول، وقوله عز وجل: ﴿فإذا
قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله﴾ والإجارة ابتغاء الفضل وقوله عز وجل في استئجار
الظئر: ﴿وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم﴾ نفى سبحانه وتعالى الجناح عمن يسترضع
ولده، والمراد منه الاسترضاع بالأجرة وإليك قوله تعالى: ﴿إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف﴾ قيل: أي الأجر
الذي قبلتم، وقوله تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم فأتوهن أجورهن﴾. وأما السنة فما روي عن أبي هريرة رضي
الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من استأجر أجيراً فليعلمه أجره)) وهذا منه صلى الله عليه
وسلم تعليم شرط جواز الإجارة وهو إعلام الأجر فدل على الجواز. وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قال: ((أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه)) أمر صلى الله عليه وسلم بالمبادرة إلى إعطاء أجر الأجير قبل
فراغه من العمل من غير فصل، فيدل على جواز الإجارة أيضاً، وكذا ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها
قالت: استأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه رجلاً من بني الديل هادياً خريتاً، وهو
علی دین کفار قریش فأمناه فدفعا إلیه راحلتيهما، ووعداه غار ثور بعد ثلاث ليال فأتاهما براحليتهما صبيحة
ليال ثلاث فارتحلا وانطلق معهما عامر بن فهيرة، والدليل الديلي فأخذ بهم طريق الساحل: وأقل ما يدل عليه
فعله صلى الله عليه وسلم الجواز. وأما الإجماع فاتفاق الأمة على جوازها، وقد كان الناس يتعاملون بها في عهد
الصحابة رضوان الله عليهم، واستمر ذلك إلى يومنا هذا.
(٣) حكي عن الأصم وابن علية وغيرهما القول بعدم جواز الإجارة قالوا: هي على خلاف القياس، لأن المنافع =

٥
كتاب الإجارة
مقصود من العين (بعوض) حتى لو استأجر ثياباً أو أواني ليتجمل بها أو دابة
لیجنبها بین یدیه أو داراً لا لیسکنها أو عبداً أو دراهم أو غير ذلك لا ليستعمله بل
ليظن الناس أنه له فالإجارة فاسدة في الكل، ولا أجر له لأنها منفعة غير مقصودة
من العين. بزازية. وسيجيء (وكل ما صلح ثمناً) أي بدلًا في البيع (صلح أجرة)
المبسوط: لا بد من إعلام ما يرد عليه عقد الإجارة على وجه ينقطع به المنازعة ببيان المدة
والمسافة والعمل، ولا بد من إعلام البدل اهـ. وإلا كان العقد عبثاً كما في البدائع، على
أنه لا تمليك بعوض غير معلوم فعاد إلى كلامهم. وتمامه في الشرنبلالية قوله: (مقصودة
من العين) أي في الشرع ونظر العقلاء، بخلاف ما سيذكره، فإنه وإن كان مقصوداً
للمستأجر لكنه لا نفع فيه وليس من المقاصد الشرعية، وشمل ما يقصد، ولو لغيره لما
سيأتي عن البحر من جواز استئجار الأرض مقيلاً ومراحاً، فإن مقصوده الاستئجار
للزراعة مثلاً، ويذكر ذلك حيلة للزومها إذا لم يمكن زرعها. تأمل قوله: (أو أواني)
منصوب بفتحة ظاهرة على الياء، وفي بعض النسخ بحذفها، وكأنه من تحريف النساخ.
قوله: (أنه له) أي الدار أو العبد وما بعده، وأفرد الضمير لعطف المذكورات بأو، وهذه
المسائل ستأتي متناً في الباب الآتي قوله: (ولا أجر له) أي ولو استعملها فيما ذكره،
وقولهم إن الأجرة تجب في الفاسدة بالانتفاع محله فيما إذا كان النفع مقصوداً ط. وقيد في
الخلاصة عدم الأجر في جنس هذه المسائل بقوله: إلا إذا كان الذي يستأجر قد يكون
يستأجر لينتفع به اهـ. وسيأتي تمام الكلام فيه قوله: (وسيجيء) أي في باب ما يجوز من
= معدومة حين العقد، وبيع المعدوم لا يجوز ثم لما رأوا الكتاب قد دل على جواز إجارة الظئر للرضاع بقوله
تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ قالوا: إنها على خلاف القياس من وجهين. أحدهما: كونها إجارة.
والثاني: أن الإجارة: عقد على هذه المنافع، عقد على الأعيان، ومن العجب، أنه ليس في القرآن ذكر إجارة
جائزة إلا هذه، وقالوا: هي على خلاف القياس، والحكم إنما يكون على خلاف القياس إذا كان النص قد جاء في
موضع يشابهه بنقيض ذلك الحكم، فيقال: هذا على خلاف قياس ذلك النص، وليس في القرآن ولا في السنة ذكر
فساد إجارة تشبه هذه الإجارة. ومنشأ وهمهم ظنهم أن مورد عقد الإجارة لا يكون إلا منافع هي أعراض قائمة
بغيرها لا أعيان قائمة بنفسها ثم افترق هؤلاء فرقتين فقالت فرقة: إنما احتملناها على خلاف القياس لورود
النص فلا تتعدى محله، وقالت فرقة: بل نحيلها على ما يوافق القياس، وهو كون المعقود عليه أمراً غير اللبن،
وهو إلقام الصبي الثدي، ووضعه في حجر المرضعة ونحو ذلك من المنافع التي هي مقدمات الرضاع، واللبن
يدخل تبعاً غير مقصود بالعقد ثم طردوا ذلك في مثل ماء البئر والعيون التي في الأرض المستأجرة، وقالوا:
تدخل ضمناً وتبعاً، فإذا وقعت الإجارة على نفس العين والبئر لسقي الزرع والبستان قالوا: إنما وردت الإجارة
على نفس إدلاء الدلو في البئر وإخراجه وعلى مجرد إجراء العين في أرضه من هو قلب الحقائق وجعل المقصود
ووسيلة، والوسيلة مقصودة، إذ من المعلوم أن هذه الأعمال إنما هي وسيلة إلى المقصود بعقد الإجارة وإلا فهي
بمجردها ليست مقصودة ولا معقوداً عليها ولا قيمة لها، وإنما هي كفتح الباب وكقود الدابة لمن أكترى داراً أو
دابة. وقد أبطل بعض العلماء الأجلاء ما استدل به الأصم ومتابعوه على عدم جواز الإجارة، ومنع قول بعضهم
إن إجارة الظئر على خلاف القياس، وجعلها على مقتضاه.

٦
كتاب الإجارة
لأنها ثمن المنفعة ولا ينعكس كلياً، فلا يقال: ما لا يجوز ثمناً لا يجوز أجرة لجواز
إجارة المنفعة بالمنفعة إذا اختلفا كما سيجيء.
(وتنعقد بأعرتك هذه الدار شهراً بكذا) لأن العارية بعوض إجارة، بخلاف
العكس (أو وهبتك) أو أجرتك (منافعها) شهراً بكذا؛ أفاد أن ركنها الإيجاب
والقبول.
الإجارة قوله: (أي بدلًا في البيع) فدخل فيه الأعيان، فإنها تصلح بدلاً في المقايضة فتصلح
أجرة قوله: (لأنها ثمن المنفعة) أي وهي تابعة للعين، وما صلح بدلاً عن الأصل صلح
بدلاً عن التبع قوله: (ولا ينعكس كلياً) قيد به ليفهم أن المراد به العكس اللغوي لا
المنطقي، وهو عكس الموجبة الكلية بالموجبة الجزئية، إذ يصح بعض ما صلح أجرة صلح
ثمناً قوله: (كما سيجيء) أي في آخر باب الإجارة الفاسدة قوله: (وتنعقد بأعرتك الخ)
وبلفظ الصلح كما ذكره الحلواني. والأظهر أنها تنعقد بلفظ البيع إذا وجد التوقيت، وإليه
رجع الكرخي كما في البحر، لكن في الشرنبلالية جزم في البرهان بعدم الانعقاد فقال: لا
تنعقد ببعت منفعتها لأن بيع المعدوم باطل، فلا يصح تمليكاً بلفظ البيع والشراء اهـ. ونقل
مثله عن الخانية قوله: (بخلاف العكس) يعني أن الإجارة بلا عوض (١) لا تنعقد إعارة.
قال في البزازية: لو قال آجرتك منافعها سنة بلا عوض تكون إجارة فاسدة لا عارية اهـ.
وفي المنح عن الخانية: لو قال آجرتك هذه الدار بغير عوض كانت إجارة فاسدة ولا
تكون عارية، كما لو قال: بعتك هذه العين بغير عوض كان باطلاً أو فاسداً لا هبة،
ويخالفه ما في عارية البحر عن الخانية: آجرتك هذه الدار شهراً بلا عوض كانت إعارة،
ولو لم يقل شهراً لا تكون إعارة اهـ. قال في التاتر خانية: بل إجارة فاسدة، وقد قيل
بخلافه اهـ. وانظر ما قدمنا في العارية قوله: (منافعها شهراً بكذا) تنازع في هذه المعمولات
الثلاث الفعلان قبلها، وما في المتن ذكره في البحر، لكن ذكر بعده: لو أضاف العقد إلى
إلى المنافع لا يجوز، بأن قال: آجرتك منافع هذه الدار شهراً بكذا، وإنما يصح بإضافته إلى
العين اهـ. وبينهما تناف. لكن قال الرملي: ذكر في البزازية وكثير من الكتب قولين في
المسألة اهـ. وفي الشرنبلالية عن البرهان: لا تنعقد بأجرت منفعتها لأنها معدومة، وإنما
تجوز بإيراد العقد على العين ولم يوجد. وقيل تنعقد به لأنه أتى بالمقصود من إضافة
الإجارة إلى العين اهـ. وظاهره ترجيح خلاف ما مشى عليه المصنف والشارح، ولذا
اقتصر عليه الزيلعي قوله: (أفاد أن ركنها الإيجاب والقبول) أي بقوله هي تمليك أو بقوله
(١). (قوله يعني أن الإجارة بلا عوض الخ) قال شيخنا: والفرق أن الإعارة من التعاور وهو التناوب قد يكون بأجر
وقد يكون بدونه، فإذا ذكر البدل في الإعارة يكون المراد أحد ما يتناوله اللفظ. بخلاف الإجارة فإنها اسم للانتفاع
بعوض فإذا ذكر فيها نفي العوض لا نستطيع صرفه للإعارة لما علمت من أن الإجارة خاصة بانتفاع فيه عوض
وبين أن الكلام وآخره تناف فإن لفظ الإجارة يقتضي عوضاً وقد صرح بنفيه فتعين أن يكون إجارة فاسدة.

٧
كتاب الإجارة
وشرطها: كون الأجرة والمنفعة معلومتين لأن جهالتهما تفضي إلى المنازعة.
وحكمها: وقوع الملك في البدلين ساعة فساعة، وهل تنعقد بالتعاطي؟
وتنعقد. تأمل. ثم الكلام فيهما وفي صفتهما كالكلام فيهما في البيع. بدائع. وفي تكملة
الطوري عن التاترخانية: وتنعقد أيضاً بغير لفظ، كما لو استأجر داراً سنة فلما انقضت
المدة قال ربها للمستأجر: فرّغها لي اليوم، وإلا فعليك كل شهر بألف فجعل بقدر ما ينقل
متاعه بأجرة المثل، فإن سكن شهراً فهي بما قال اهـ. قوله: (وشرطها الخ) هذا على
أنواع: بعضها شرط الانعقاد، وبعضها شرط النفاذ، وبعضها شرط الصحة، وبعضها
شرط اللزوم، وتفصيلها مستوفى في البدائع، ولخصه ط عن الهندية قوله: (كون الأجرة
والمنفعة معلومتين) أما الأول فكقوله بكذا دراهم أو دنانير وينصرف إلى غالب نقد البلد،
فلو الغلبة مختلفة فسدت الإجارة ما لم يبين نقداً منها، فلو كانت كيلياً أو وزنياً أو عددياً
متقارباً فالشرط بيان القدر والصفة، وكذا مكان الإيفاء لو له حمل ومؤنة عنده، وإلا فلا
يحتاج إليه كبيان الأجل، ولو كانت ثياباً أو عروضاً فالشرط بيان الأجل والقدر والصفة
لو غير مشاراً إليها، ولو كانت حيواناً فلا يجوز إلا أن يكون معيناً. بحر ملخصاً. وأما
الثاني فيأتي في المتن قريباً قوله: (ساعة فساعة) لأن المنفعة عرض لا تبقى زمانين، فإذا
كان حدوثه كذلك فيملك بدله کذلك قصداً للتعادل، لكن ليس له المطالبة بالبدل إلا
بمضيّ منفعة مقصودة كاليوم في الدار والأرض والمرحلة في الدابة كما سيأتي قوله: (وهل
تنعقد بالتعاطي) قال في الوهبانية: [الطويل]
* وَقَدْ جَوَّزُوهَا في القُدُورِ تَعَاطِيَا»
قال الشرنبلالي: المسألة من الظهيرية: استأجر من آخر قدوراً بغير أعيانها لا يجوز
للتفاوت بينها صغراً وكبراً، فلو قبلها المستأجر على الكراء الأول جاز، وتكون هذه إجارة
مبتدأة بالتعاطي، وتخصيصه في النظم بالقدور اتباع للنقل، وإلا فهو مطرد في غيرها.
ففي البزازية: غير الإجارة الطويلة ينعقد بالتعاطي لا الطويلة، لأن الأجرة غير
معلومة لأنها تكون في سنة دانقاً أو أقل أو أكثر اهـ. وفي التاتر خانية عن التتمة: سألت أبا
يوسف رحمه الله تعالى عن الرجل يدخل السفينة أو يحتجم أو يفتصد أو يدخل الحمام أو
يشرب الماء من السقاء ثم يدفع الأجرة وثمن الماء. قال: يجوز استحساناً ولا يحتاج إلى
العقد قبل ذلك اهـ.
قلت: ومنه ما قدمناه عنها من انعقادها بغير لفظ، وسيأتي في المتفرقات عن الأشباه
السكوت في الإجارة رضا وقبول. وفي حاوي الزاهدي رامزاً: استأجر من القيم داراً
وسكن فيها ثم بقي ساكناً في السنة الثانية بغير عقد وأخذ القيم شيئاً من الأجرة فإنه ينعقد
به في كل السنة لا في حصة ما أخذ فقط اهـ. ومثله في القنية في باب انقضاء الإجارة بعد

٨
كتاب الإجارة
ظاهر الخلاصة: نعم إن علمت المدة. وفي البزازية: إن قصرت نعم، وإلا لا
(ويعلم النفع ببيان المدة كالسكنى والزراعة مدة كذا) أيّ مدة كانت وإن طالت، ولو
مضافة كآجرتكها غداً، وللمؤجر بيعها اليوم، وتبطل الإجارة، به يفتى. خانية (ولم
تزد في الأوقاف على ثلاث سنين) في الضياع وعلى سنة
انقضاء مدتها ووجوب الأجر بغير عقد. حامدية قوله: (ظاهر الخلاصة نعم) عبارتها
كعبارة البزازية المذكورة آنفاً قوله: (إن علمت المدة) صوابه ((الأجرة)). قال في المنح بعد
نقل ما في الخلاصة: ومفاده أن الأجرة إذا كانت معلومة في الإجارة الطويلة تنعقد
بالتعاطي، لأنه جعل العلة في عدم انعقادها كون الأجرة فيها غير معلومة، والله تعالى
أعلم. اهـ قوله: (وفي البزازية) يوهم أنه غير في الخلاصة مع أن عبارتهما واحدة، ثم إن
الإجارة الطويلة على ما سيأتي بيانها الأجرة فيها معلومة، لكنها فيما عدا السنة الأخيرة
تكون بشيء يسير، فتأمل قوله: (ببيان المدة) لأنها إذا كانت معلومة كان قدر المنفعة
معلوماً قوله: (وإن طالت) أي ولو كانت لا يعيشان إلى مثلها عادة، واختاره الخصاف،
ومنعه بعضهم. بحر. وظاهر إطلاق المتون ترجيح الأول قوله: (وللمؤجر بيعها اليوم)
أي قبل مجيء وقتها بناء على أن المضافة تنعقد ولكنها غير لازمة، وهو أحد تصحيحين.
وأيد عدم اللزوم بأن عليه الفتوى كما سيأتي في المتفرقات. وفي البزازية: فإن جاء غد
والمؤجر عاد إلى ملكه بسبب مستقبل لا تعود الإجارة، وإن رد بعيب بقضاء أو رجع في
الهبة عادت إن قبل مجيء الغد قوله: (في الأوقاف) وكذا أرض اليتيم كما في الجوهرة
وأفتى به صاحب البحر والمصنف، وأكثر كلامهم على أنه المختار المفتى به لوجود العلة
فيهما وهي صونهما عن دعوى الملكية بطول المدة، بل هذا أولى (١). رملي. وسيأتي عن
الخانية أيضاً.
وفي فتاوى الكازروني عن شيخه حنيف الدين المرشدي: وأما أراضي بيت المال
فإطلاقهم يقتضي جوازها مطلقاً. وأيضاً اتساعهم في جواز تصرّف الإمام فيها بيعاً
وإقطاعاً يفيده اهـ ملخصاً. لكن في حاشية الرملي أنها مثل عقار اليتيم. قال في الحامدية:
والوجه ما قاله اهـ. وفي الخيرية من الدعوى: أراضي بيت المال جرت على رقبتها أحكام
الوقوف المؤبدة اهـ قوله: (على ثلاث سنين) محله ما إذا آجره غير الواقف وإلا فله ذلك.
وفي القنية: آجر الواقف عشر سنين ثم مات بعد خمس وانتقل إلى مصرف آخر انتقضت
الإجارة ويرجع بما بقي في ترکة الميت. ط عن سري الدين.
(١) قوله بل هذا أولى لعل وجهه أن الوقف غالباً يكون مشهوراً فلو ادعى المستأجر الملكية يمكن أن تقام عليه
الشهرة حجة وأيضاً مال اليتيم ليس به إلا خصم واحد بخلاف الوقف فإنه تصح دعوى كل أحد أنه وقف
لأنه حق الله ولو مالاً.

٩
كتاب الإجارة
في غيرها كما مر في بابه. والحيلة أن يعقد عقوداً متفرقة كل عقد سنة بكذا، فيلزم
العقد الأول لأنه ناجز، لا الباقي لأنه مضاف، وللمتولي فسخه. خانية. وفيها: لو
شرط الواقف مدة يتبع إلا إذا كانت إجارتها أكبر نفعاً فيؤجرها القاضي لا المتولي
لأن ولايته عامة.
قلت: وقدمنا في الوقف أن الفتوى على إبطال الإجارة الطويلة ولو بعقود،
وسيجيء متناً فليراجع وليحفظ (فلو آجرها المتولي أكثر لم تصح) الإجارة وتفسخ في
كل المدة، لأن العقد إذا فسد في بعضه فسد في كله. فتاوى قارىء الهداية.
قلت: وفيه كلام سيذكره الشارح آخر باب الفسخ قوله: (في غيرها) کالدار
والحانوت قوله: (كما مر في بابه) أي في كتاب الوقف متناً. قال الشارح هناك: إلا إذا
كانت المصلحة بخلاف ذلك، وهذا مما يختلف زمناً وموضعاً اهـ. وما مشى عليه المصنف
هنا من الإطلاق تبعاً للمتون. قال في الهداية: هو المختار، وما حمله عليه الشارح موافقاً
لما قدمه في الوقف هو ما أفتى به الصدر الشهيد. قال في المحيط: وهو المختار للفتوى كما
في البحر قوله: (والحيلة) أي إذا احتاج القيم أن يؤجر الوقف إجارة طويلة قوله:
(متفرقة) عبارة الخانية ((مترادفة)) قال: ويكتب في الصك استأجر فلان بن فلان أرض كذا
أو دار كذا ثلاثين سنة بثلاثين عقداً كل عقد سنة بكذا من غير أن يكون بعضها شرطاً في
بعض اهـ. ولينظر هل يشترط أن يعقد على كل سنة بعقد مستقل أو يكفي قوله استأجرت
ثلاثين سنة بثلاثين عقداً فينوب عن تكرار العقود؟ والظاهر الأول لقوله: والحيلة أن يعقد
عقوداً مترادفة. تأمل قوله: (كل عقد سنة) أقول: قيد بالسنة ليصح في الضياع وغيرها لا
لأنه لازم مطلقاً، لأنه لو جعله في الضياع كل عقد ثلاث سنين صح، بخلاف الأربع
فأكثر فيها والزائد على السنة في غيرها، فإن الحيلة حينئذ لا تجدي نفعاً قوله: (لا الباقي
الخ) مبني على المفتى به من عدم لزوم المضافة كما قدمه ويأتي قوله: (يتبع) أي شرطه،
لأن اتباع شرطه لازم قوله: (إلا إذا كانت الخ) بأن كان الناس لا يرغبون في استئجارها
سنة وإيجارها أكثر من سنة أدرّ على الوقف وأنفع للفقراء. إسعاف قوله: (فيؤجرها
القاضي) قال في الإسعاف: ولو استثنى في كتاب وقفه فقال لا تؤجر أكثر من سنة إلا إذا
كان أنفع للفقراء فحينئذ يجوز إيجارها إذا رأى ذلك خيراً من غير رفع إلى القاضي للإذن
له منه فيه قوله: (لأن ولايته عامة) لأن له ولاية النظر للفقراء والغائبين والموتى. إسعاف.
والظاهر أنه لو أذن في ذلك للمتولي صح، فافهم قوله: (قلت الخ) فالحيلة حينئذ أن
يحكم بها حنبلي كما يفعل في زماننا قوله: (وسيجيء متناً) لم أره، نعم سيجيء شرحاً بعد
صفحة قوله: (وتفسخ في كل المدة) أي لا في الزائدة فقط قوله: (لأن العقد الخ) هذا ما
استظهره في الخانية.

١٠
كتاب الإجارة
ورجحه المصنف على ما في أنفع الوسائل. وأفاد فساد ما يقع كثيراً من أخذ كرم
الوقف أو اليتيم مساقاة، فيستأجر أرضه الخالية من الأشجار بمبلغ كثير، ويساقي
على أشجارها
قال في المنح: وفي فتاوى قاضيخان: الوصيّ إذا آجر أرض اليتيم أو استأجر لليتيم
أرضاً بمال اليتيم إجارة طويلة رسمية(١) ثلاث سنين لا يجوز ذلك، وكذلك أبو الصغير
ومتولي الوقف، لأن الرسم فيها أن يجعَلَ شيء يسير من مال الإجارة بمقابلة السنين الأولى
ومعظم المال بمقابلة السنة الأخيرة، فإن كانت الإجارة الأرض اليتيم أو الوقف لا تصح في
السنين الأولى لأنها بأقل من أجر المثل، فإن استأجر أرضاً لليتيم أو للوقف ففي السنة
الأخيرة يكون الاستئجار بأكثر من أجر المثل فلا يصح، وإذا فسدت في البعض في الوجهين
هل يصح فيما كان خيراً لليتيم؟ والوقف على قول من يجعل الإجارة الطويلة عقداً واحداً
لا يصح. وعلى قول من يجعلها عقوداً يصح فيما كان خيراً لليتيم ولا يصح فيما كان شراً
له، والظاهر هو الفساد في الكل اهـ. وقوله: ((ثلاث سنين)) الظاهر أن المراد عقود كل عقد
ثلاث سنين يدل عليه أول كلامه وآخره، فتأمل قوله: (ورجحه المصنف على ما في أنفع
الوسائل) أي من أنه يفسخ الزائد على الثلاث في الضياع وعلى السنة في غيرها، سواء كانت
عقداً واحداً زائداً على ما ذكر أو عقوداً متفرقة، حتى لو عقد في الضياع على أربع سنين
مثلاً بعقد أو أكثر يصح في ثلاث ويفسخ في الباقي. وهل يحتاج ذلك الفسخ إلى طلب
الناظر أم ينفسخ بدخول المدة الزائدة؟ الظاهر الأول، وتمامه في أنفع الوسائل.
قلت: لكن في شرح البيري عن خزانة الأكمل: استأجر حجرة موقوفة ثلاثين سنة
بقفيز حنطة فهي باطلة، إلا في السنة الأولى اهـ. ومثله في تلخيص الكبرى معزياً إلى أبي
جعفر اهـ. ومقتضاه البطلان بلا طلب قوله: (وأفاد) أي المصنف حيث قال بعد عبارة
الخانية: قلت يستفاد من هذا فساد ما يقع الخ قوله: (فيستأجر أرضه الخالية) أي بياضها
بدون الأشجار، وإنما لا يصح استئجار الأشجار أيضاً لما مر أنها تمليك منفعة، فلو وقعت
على استهلاك العين قصداً فهي باطلة. قال الرملي: وسيأتي في إجارة الظئر أن عقد الإجارة
على استهلاك الأعيان مقصوداً، كمن استأجر بقرة ليشرب لبنها لا يصح، وكذا لو استأجر
بستاناً ليأكل ثمره. قال: وبه علم حكم إجارات الأراضي والقرى التي في يد المزارعين
لأكل خراج المقاسمة منها، ولا شك في بطلانها والحال هذه، وقد أفتيت بذلك مراراً اهـ
قوله: (بمبلغ كثير) أي بمقدار ما يساوي أجرة الأرض وثمن الثمار قوله: (ويساقي على
أشجارها) يعني قبل عقد الإجارة، وإلا كانت إجارة الأرض مشغولة فلا تصح كما سيأتي.
(١) (قوله رسمية الخ) قال شيخنا: عبارة المخ وقاضيخان ((رسمت)) بصيغة الفعل قال: وحينئذ تكون العبارة
ظاهرة في أنها عقود كثيرة رسم کل عقد ثلاث سنین.

١١
كتاب الإجارة
بسهم من ألف سهم، فالحظ ظاهر في الإجارة لا في المساقاة، فمفاده فساد المساقاة
بالأولى لأن كلَّ منهما عقد على حدة.
قلت: وقيدوا سراية الفساد في باب البيع الفاسد بالفاسد القوي المجمع عليه
فيسري كجمع بين حرّ وعبد، بخلاف الضعيف فيقتصر على محله ولا يتعداه كجمع
بين عبد ومدبر، فتدبر. وجعلوه أيضاً من الفساد الطارىء،
وفي مسائل الشيوع من البزازية: استأجر أرضاً فيها أشجار أو أخذها زراعة وفيها
أشجار: إن كان في وسطها لا يجوز إلا إذا كان في الوسط شجرتان صغيرتان مضى عليهما
حول أو حولان لا كبيرتان، لأن ورقهما وظلهما يأخذ الأرض والصغار لا عروق لها،
وإن كان في جانب من الأرض كالمسناة والجداول يجوز لعدم الإخلال اهـ قوله: (بسهم)
أي بإعطاء سهم واحد لليتيم أو الوقف والباقي للعامل قوله: (فمفاده) أي مفاد ما تقدم
من قوله: ((فتفسخ(١) في كل المدة الخ)) وقدمنا أن المصنف استفاده من كلام الخانية، وهو
بمعنى ما استفاده منه الشارح(٢) فافهم قوله: (بالأولى) وجه الأولوية أنه إذا فسد العقد في
كل المدة مع اشتماله على ما هو خير لليتيم وشرّ له ففساد عقد مستقل هو شرّ محض لليتيم
أولى بالفساد.
ثم اعلم أنه حيث فسدت المساقاة بقيت الأرض مشغولة فيلزم فساد الإجارة أيضاً
كما قدمناه وإن كان الحظ والمصلحة فيها ظاهرين، فتنبه لهذه الدقيقة. وفي فتاوى الحانوتي:
التنصيص في الإجارة على بياض الأرض لا يفيد الصحة، حيث تقدم عقد الإجارة على عقد
المساقاة، أما إذا تقدم عقد المساقاة بشروطه كانت الإجارة صحيحة كما صرح به في
البزازية، وإذا فسدت صارت الأجرة غير مستحقة لجهة الوقف والمستحق إنما هو الثمرة
فقط، وحيث فسدت المساقاة لكونها بجزء يسير لجهة الوقف كان للعامل أجر مثل عمله،
وهذا بالنسبة إلى الوقف. وأما مساقاة المالك فلا ينظر فيها إلى المصلحة كما لو أجر بدون
أجر المثل اهـ ملخصاً. وفيه تصريح بما استفاده المصنف وبما نبهنا عليه، فليحفظ. قوله:
(قلت الخ) هو تأييد لما في أنفع الوسائل ح قوله: (فتدبر) أشار إلى أن مقتضى هذا أن تفسد
في القدر الزائد فقط، لأنه قد جمع بين جائز وفاسد في عقد واحد، والفساد غير قويّ لعدم
الاتفاق عليه فلا يسري، لأن المتقدمين لم يقدروها بمدة قوله: (وجعلوه أيضاً من الفساد
(١) قوله من قوله فتفسخ الخ الذي تقدم وتفسخ بالواو كما هو في الشارح.
(٢) قوله ما استفاده منه الشارح هو قوله فلو أجر المتولي أكثر لم تصح وتفسخ الإجارة. ووجه الإفادة أنه حيث
قلنا بعدم صحة الإجارة الطويلة لعدم تمحضها للخيرية بل هي بالنسبة لآخر المدة تقع للوقف أو اليتيم،
وبالنسبة لأولها ضر وعليهما فالأولى أن تقول بفساد ما هو ضرر محض وعقد واحد وذلك عقد المساقاة ويتبعه
عقد الإجارة على ما يذكره المحشي.

١٢
كتاب الإجارة
فتنبه .
ومن حوادث الروم: وصي زيد باع ضيعة من تركته لدين على أنها ملكه ثم
ظهر أن بعضها وقف مسجد هل يصح البيع في الباقي؟ أجاب فريق بنعم وفريق
بلا، وألف بعضهم رسالة ملخصها ترجيح الأول، فتأمل.
وفي جواهر الفتاوى: آجر ضيعة وقفاً ثلاث سنين وكتب في الصك أنه أجر
ثلاثين عقداً كل عقد عقيب الآخر لا تصح الإجارة، وهو الصحيح وعليه الفتوى
صيانة للأوقاف. ثم قال: ولو قضى قاض بصحتها تجوز ويرتفع الخلاف اهـ.
قلت: وسيجيء أن المتولي والوصيّ لو آجر بدون أجرة يلزم المستأجر تمام
أجر المثل وأنه يعمل بالأنفع للوقف.
الطارىء) هذه تقوية أخرى: أي فلا يسري وفي كونه طارئاً. تأمل ط.
قلت: لعل وجه طريانه كونها تنعقد ساعة فساعة قوله: (فتنبه) لعله أشار به إلى ما
قلنا قوله: (ومن حوادث الروم الخ) تقوية أخرى، فإن البيع أقوى من الإجارة، وقد
صدر في الملك والوقف بعقد واحد وصح في الملك ط قوله: (لدين) أي على زيد الميت
قوله: (على أنها ملكه) أي بناء على أنها كلها كانت ملك زيد الميت قوله: (ملخصها
ترجيح الأول) قدمنا عن النهر في باب البيع الفاسد عند قوله: ((بخلاف بيع قنّ ضم إلى
مدبر)) ما يؤيده قوله: (فتأمل) أشار به إلى أن الإجارة تصح فيما عدا الزائد كذلك، بل
أولى لما مر قوله: (وفي جواهر الفتاوى الخ) يحتمل أن يكون تأييداً رابعاً بقوله: ((ولو
قضى قاض بصحتها يجوز)) فإنه يفيد أنه مثل الجمع بين العبد والمدبر لا الحرّ والعبد،
فيكون تأييداً للتأييد الأول. والظاهر أنه شروع في تأييد ما اختاره المصنف حيث أطلق
عدم الصحة فشملت العقود كلها، مع أن العقد الأول ناجز، وظاهر كلام عدم صحته
أيضاً. ووجهه كما في الولوالجية أن هذا العقد عقد واحد صورة، وإن كان عقوداً من
حيث المعنى بعضها ينعقد في الحال وبعضها مضاف إلى الزمان المستقبل اهـ قوله: (ثلاث
سنين) صوابه ((ثلاثين سنة)) كما هو في المنح وغيرها، ووجدته كذلك في بعض النسخ
مصلحاً قوله: (صيانة للأوقاف) أي من أن يدعي المستأجر ملكيتها لطول المدة، وإلا
فالوجه يقتضي صحة العقد الأول لأنه ناجز وما بعده مضاف، وفي لزومه تصحيحان كما
قدمناه، ولكن اعتبر عقداً واحداً كما مر لأجل ذلك، ولهذا قدرها المتأخرون بالسنة أو
الثلاث مخالفين لمذهب المتقدمين قوله: (ولو قضى قاض الخ) أي مستوفياً شرائط القضاء،
ولكن هذا في غير القاضي الحنفي، أما قضاة زماننا الحنفية المأمورون بالحكم بمعتمد
المذهب فلا تصح قوله: (قلت وسيجيء) أي في أواخر هذا الباب هذا تأييد أيضاً لما
رجحه المصنف. ووجهه أنه حيث اختلفت الآراء في سراية الفساد وعدمها يرجح ما هو

١٣
كتاب الإجارة
وفي صلح الخانية: متى فسد العقد في البعض بمفسد مقلون يفسد في الكل.
(و) يعلم النفع أيضاً ببيان (العمل كالضيافة والصبغ والخياطة) بما يرفع
الجهالة، فيشترط في استئجار الدابة للركوب بيان الوقت أو الموضع، فلو خلا .
عنهما فهي فاسدة. بزازية.
(و) يعلم أيضاً (بالإشارة كنقل هذا الطعام إلى كذا. و) اعلم أن (الأجر لا
يلزم بالعقد فلا يجب تسليمه) به (بل بتعجيله أو شرطه في الإجارة) المنجزة،
الأنفع للوقف وهو السريان لئلا يقدم مرة أخرى على هذا العقد قوله: (وفي صلح الخانية)
١
ذكره المصنف في المنح تأييداً لما رجحه، ولكن ما في الخانية ذكره في صلح الزوجة عن
نصيبها على أن يكون نصيبها من الدين للورثة وفي شمول ذلك لمسألتنا. تأمل. إذ قد مر
أنهم جعلوها من الفساد الطارىء، وما في الخانية في الفساد المقارن. نعم ما نقلناه سابقاً
عن الخانية من قوله والظاهر هو الفساد في الكل يفيد ترجيحه، وحيث علمت ما مر عن
جواهر الفتاوى أنها لا تصح الإجارة الطويلة إذا كانت عقوداً مع أن العقد الأول ناجز،
فما ظنك فيما إذا كانت بعقد واحد لفظاً ومعنى. فالظاهر اعتماد ما رجحه المصنف من
كلام قارىء الهداية، فإن له سنداً قوياً وهو ما في الخانية وجواهر الفتاوى، هذا ما ظهر
للفهم القاصر، والله تعالى أعلم قوله: (بما يرفع الجهالة) فلا بد أن يعين الثوب الذي
يصبغ ولون الصبغ أحمر أو نحوه وقدر الصبغ إذا كان يختلف. وفي المحيط: لو استأجره
لقصر عشرة أثواب ولم يرها فالإجارة فاسدة لأنه يختلف بغلظه ورقته. ذكره في البحر
قوله: (بيان الوقت أو الموضع) قال في البزازية: استأجر دابة ليشيع عليها أو يستقبل الحاج
لا يصح بلا ذكر وقت أو موضع. وفيها: استأجرها من الكوفة إلى الحيرة يبلغ عليها إلى
منزله ويركبها من منزله، وكذا في حمل المتاع. وفيها: استأجر أجيراً ليعمل له يوماً فمن
طلوع الشمس بحكم العادة قوله: (فهي فاسدة)، أي فلا يجب أجر المثل إلا بحقيقة الانتفاع
ط قوله: (بالإشارة الخ) لأنه إذا علم المنقول والمكان المنقول إليه صارت المنفعة معلومة،
وهذا النوع قريب من النوع الأول. زيلعي. وحاصله أن الإشارة أغنت عن بيان المقدار
فقط قوله: (لا يلزم بالعقد) أي لا يملك به كما عبر في الكنز، لأن العقد وقع على المنفعة
وهي تحدث شيئاً فشيئاً، وشأن البدل أن يكون مقابلاً للمبدل، وحيث لا يمكن استيفاؤها
حالاً لا يلزم بدلها حالًا إلا إذا شرطه ولو حكماً بأن عجله لأنه صار ملتزماً له بنفسه
حينئذ وأبطل المساواة التي اقتضاها العقد فصح قوله: (بل بتعجيله) في العتابية: إذا عجل
الأجرة لا يملك الاسترداد، ولو كانت عيناً فأعارها أو أودعها رب الدار فهو كالتعجيل.
وفي المحيط: لو باعه بالأجرة عيناً وقبض جاز لتضمنه تعجيل الأجرة. طوري قوله: (أو
شرطه) فله المطالبة بها وحبس المستأجر عليها وحبس العين المؤجرة عنه، وله حق الفسخ

١٤٠
كتاب الإجارة
أما المضافة فلا تملكٍ فيها الأجرة بشرط التعجيل إجماعاً.
وقيل: تجعل عقوداً في كل الأحكام فيفي برواية تملكها بشرط التعجيل
للحاجة. شرح وهبانية للشرنبلالي (أو الاستيفاء) للمنفعة (أو تمكنه منه) إلا في ثلاث
إن لم يعجل له المستأجر. كذا في المحيط. لكن ليس له بيعها قبل قبضها. بحر. وانظر
كيف جاز هذا الشرط مع أنه مخالف لمقتضى العقد وفيه نفع أحدهما ط.
قلت: هو في الحقيقة إسقاط لما استحقه من المساواة التي اقتضاها العقد، فهو
كإسقاط المشتري حقه في وصف السلامة في المبيع، وإسقاط البائع تعجيل الثمن بتأخيره
عن المشتري مع أن العقد اقتضى السلامة وقبض الثمن قبل قبض المبيع. تأمل قوله: (أما
المضافة الخ) أي فيكون الشرط باطلاً ولا يلزمه للحال شيء، لأن امتناع وجوب الأجرة
فيها بالتصريح بالإضافة إلى المستقبل والمضاف إلى وقت لا يكون موجوداً قبله فلا يتغير
عن هذا المعنى بالشرط، بخلاف المنجزة لأن العقد اقتضى المساواة وليس بمضاف صريحاً
فيبطل ما اقتضاه بالتصريح بخلافه. زيلعي ملخصاً قوله: (وقيل تجعل عقوداً الخ) هذا
الكلام في المضافة الطويلة، وهي ما قدمه الشارح عن جواهر الفتاوى. ولها صورة
أخرى، وهي أن يؤجرها ثلاثين سنة عقوداً متوالية غير ثلاثة أيام من آخر كل سنة ويجعل
معظم الأجرة للسنة الأخيرة والباقي لما قبلها، أما استثناء الأيام فيكون كل منهما قادراً
على الفسخ، وأما جعل الأجرة القليلة لما عدا الأخيرة فلئلا يفسخ المؤجر الإجارة في تلك
الأيام، فلو أمنا الفسخ لا تلزم تلك القيود، وهذا بناء على أن المضافة لازمة، فإذا احتاج
الناظر إلى تعجيل الأجرة يعقد كذلك، ولكن أورد أنه إن اعتبرت عقداً واحداً يلزم ثبوت
الخيار في عقد واحد أكثر من ثلاثة أيام، وإن عقوداً فلا تملك بالتعجيل ولا باشتراطه لأنها
مضافة فيفوت الغرض. وأجيب: إنما اختاره الصدر الشهيد من أنها تجعل عقداً واحداً في
حق ملك الأجرة بالتعجيل أو اشتراطه وعقوداً في حق سائر الأحكام، وبأنا لم نجعل تلك
الأيام مدة خيار بل خارجة عن العقد، وبهذا تعلم أن كلام الشارح غير محرر قوله: (أو
تمكنه منه) في الهداية: وإذا قبض المستأجر الدار فعليه الأجرة وإن لم يسكن.
قال في النهاية: وهذه مقيدة بقيود: أحدها: التمكن، فإن منعه المالك أو الأجنبي
أو سلم الدار مشغولة بمتاعه لا تجب الأجرة. الثاني: أن تكون صحيحة، فلو فاسدة فلا
بد من حقيقة الانتفاع. الثالث: أن التمكن يجب أن يكون في محل العقد، حتى لو
استأجرها للكوفة فأسلمها في بغداد بعد المدة فلا أجر. الرابع: أن يكون متمكناً في المدة،
فلو استأجرها إلى الكوفة في هذا اليوم وذهب بعد مضيّ اليوم بالدابة ولم يركب لم يجب
الأجر، لأنه إنما تمكن بعد مضيّ المدة. طوري. وبه علم أن الأولى ذكر القيود فيستغنى
عن قوله: ((إلا في ثلاث)) كما سيظهر لك قوله: (إلا في ثلاث) الأولى: إذا كانت الإجارة

١٥
كتاب الإجارة
مذكورة في الأشباه. ثم فرع على هذا بقوله (فيجب الأجر لدار قبضت ولم تسكن)
لوجود تمكنه من الانتفاع، وهذا (إذا كانت الإجارة صحيحة، أما في الفاسدة فلا)
يجب الأجر (إلا بحقيقة الانتفاع) كما بسط في العمادية، وظاهر ما في الإسعاف
إخراج الوقف فتجب أجرته في الفاسد بالتمكن. كذا في الأشباه.
قلت: وهل مال اليتيم والمعدّ للاستغلال والمستأجر في البيع وفاء على ما أفتى
فاسدة. الثانية: إذا استأجر دابة للركوب خارج المصر فحبسها عنده ولم يركبها. الثالثة:
استأجر ثوباً كل يوم بدانق فأمسكه سنين من غير لبس لم يجب أجر ما بعد المدة التي لو
لبسه فيها لتخرق، وفي هذا الاستثناء نظر، لأن الكلام في الصحيحة كما هو صريح المتن
على أن الفاسدة سيذكرها، ولأن الثانية والثالثة يستغنى عنهما بذكر القيود السابقة
للمسألة، فإن الثانية خارجة بالقيد الثالث لعدم التمكن في المكان المضاف إليه العقد،
بخلاف ما لو استأجرها للركوب في المصر لتمكنه منه إتقاني. والثالثة لم يوجد فيها التمكن
في المدة التي سقط أجرها فهي خارجة بالرابع قوله: (ثم فرّع على هذا) أي الأخير وهو
التمكن من الانتفاع ط قوله: (لدار قبضت) أي خالية من الموانع قوله: (إلا بحقيقة
الانتفاع) أي إذا وجد التسليم إلى المستأجر من جهة الآجر، أما إذا لم يوجد من جهته فلا
أجر وإن استوفى المنفعة. إتقاني.
واعلم أن الأجر الواجب في الفاسدة مختلف، تارة يكون المسمى، وتارة یکون أجر
المثل بالغاً ما بلغ، وتارة لا يتجاوز المسمى، وسيأتي بيانه في بابها قوله: (وظاهر ما في
الإسعاف) حيث قال: ولو استأجر أرضاً أو داراً وقفاً إجارة فاسدة فزرعها أو سكنها
يلزمه أجرة مثلها، وإلا لا، على قول المتقدمين. قال في المنح: فأخذ مولانا صاحب
البحر، من مفهومه ما ذكره فإنه يفيد لزوم الأجر على قول المتأخرين، وهذا ظاهر.
إذا علمت ذلك ظهر لك أن منلا خسرو أطلق في محل التقييد اهـ. ولا يخفى عليك
أنه وارد على متنه أيضاً. وتعقبه العلامة البيري فقال: لم نر في المسألة للمتأخرين كلاماً.
والذي رأيناه في وقف الناصحي: وإن كانت الإجارة فاسدة فقبضها المستأجر فلم يزرع
الأرض أو لم يسكن الدار فلا شيء عليه، ثم قال: فيؤخذ من هذا أن المستأجر للوقف
فاسداً لا يعد غاصباً ولا يجب عليه الأجر إن لم ينتفع به، ثم نقل عن الأجناس التصريح
بأنها لا تجب إلا بحقيقة الاستيفاء. قال: ولا تزاد على ما رضي به المؤجر اهـ.
أقول: عدم الوقوف على التصريح بذلك في كلام المتأخرين لا ينافيه أبو السعود في
حواشي الأشباه: أي الاحتمال أن ما في وقف الناصحي والأجناس على مذهب المتقدمين
فلا ينافي مفهوم الإسعاف، والله تعالى أعلم قوله: (والمستأجر في البيع وفاء) بفتح الجيم:
يعني إذا استأجر من المشتري ما باعه منه وفاء بعد قبض المبيع صح كما مر قبيل الكفالة.

١٦
كتاب الإجارة
به علماء الروم كذلك؟ محل تردد فليراجع، وبقوله (ويسقط الأجر بالغصب) أي
بالحيلولة بين المستأجر والعين، لأن حقيقة الغصب لا تجري في العقار. وهل تنفسخ
بالغصب؟ قال في الهداية: نعم خلافاً لقاضيخان، ولو غصب في بعض المدة
فبحسابه (إلا إذا أمكن إخراج الغاصب) من الدار مثلاً (بشفاعة أو حماية) أشباه (ولو
أنكر ذلك) أي الغصب (المؤجر) وادعاه المستأجر (ولا بينة له بحكم الحال)
قال الشارح هناك: قلت: وعليه فلو مضت المدة وبقي في يده، فأفتى علماء الروم
بلزوم أجر المثل. واعترضه شيخ مشايخنا السائحاني بأن الأملاك الحقيقية لم تجب الأجرة
بالتمكن في فاسد إجارتها فكيف هذا اهـ. وقال ط: وفيه أنه لا إجارة أصلاً بعد انقضاء
المدة، فتدبر اهـ.
أقول: ولا سيما على المعتمد من أنه في حكم الرهن فإنه لا يلزمه الأجر، ولو
استوفى المنفعة في المدة ولو بعد القبض كما في النهاية. وأفتى به في الخيرية والحامدية من
كتاب الرهن، خلافاً لما قدمه الشارح عن الجلبي قبيل الكفالة. وقال في البزازية: من
جعله فاسداً قال: لا تصح الإجارة ولا يجب شيء، وكذا من جعله رهناً. ومن جوّزه
جوز الإجارة من البائع وغيره وأوجب الأجر اهـ قوله: (محل تردد) أقول: لا تردد في مال
اليتيم، لأن منافعه تضمن بالغصب وهذا من قبيله. سائحاني. وينافيه ما قدمناه آنفاً عن
البيري من أن المستأجر للوقف فاسداً لا يعدّ غاصباً إلخ قوله: (بالغصب) لأن تسليم
المحل إنما أقيم مقام تسليم المنفعة للتمكن من الانتفاع، فإذا فات التمكن فات التسليم.
منحٍ. قال الرملي: فلو لم تفت المنفعة بالغصب كغصب الأرض المقررة للغرس والبناء مع
الغرس والبناء لا تسقط لوجوده معه وهي كثيرة الوقوع، فتأمل قوله: (لا تجري في
العقار) أي خلافاً لمحمد قوله: (وهل تنفسخ بالغصب الخ) ثمرة الخلاف تظهر فيما إذا
زال الغصب قبل انقضاء المدة، فعلى القول بعدم الفسخ يستوفي ما بقي من المدة وعليه
الأجر بحسابه. أبو السعود. وكلام المصنف مفرّع عليه قوله: (ولو غصب في بعض المدة
فيحسابه) وكذا لو سلمه الدار إلا بيتاً أو سكن معه فيها كما في البحر. وفي الشرنبلالية
عن البرهان: ويسقط الأجر بغرق الأرض قبل زرعها، وإن اصطلمه آفة سماوية لزمه
الأجر تاماً في رواية عن محمد لأنه قد زرعها، والفتوى على أنه يلزمه أجر ما مضى فقط
إن لم يتمكن من زرع مثله في الضرر اهـ. وسيذكره الشارح قبيل فسخ الإجارة، ويذكر أنه
اعتمده في الولوالجية، وأنه في الخانية جزم بالأول قوله: (بشفاعة) أي باستعطاف خاطر
الغاصب أو حماية: أي دفع ذي شوكة، فإن أمكن ذلك لا تسقط وإن لم يخرجه لأنه
مقصر. وأما لو لم يمكن إخراجه إلا بإنفاق مال فلا يلزمه كما في القنية وغيرها. ذكره أبو
السعود في حاشية الأشباه قوله: (بحكم الحال) فإن كان فيها غير المستأجر فالقول

١٧
كتاب الإجارة
كمسألة الطاحونة، ولا يقبل قول الساكن لأنه فرد. ذخيرة. وبقوله (ولا يعتق
قريب المؤجر لو كان أجرة) لأنه لم يملكه بالعقد، والمراد من تمكنه من الاستيفاء
تسليم المحل إلى المستأجر بحيث لا مانع من الانتفاع (فلو سلمه) العين المؤجرة (بعد
مضيّ بعض المدة) المؤجرة (فليس لأحدهما الامتناع) من التسليم والتسلم في باقي
المدة (إذا لم يكن في مدة الإجارة وقت يرغب فيها لأجله، فإن كان فيها) أي في
العين المؤجرة (وقت كذلك) كبيوت مكة ومنى وحوانيتهما زمن الموسم فإنه لا
للمستأجر ولا أجر عليه. بحر قوله: (كمسألة الطاحونة) يعني لو وقع الاختلاف بينهما
بعد انقضاء المدة في أصل انقطاع الماء عنها.
وفي الخامس والعشرين في الاختلاف من التاترخانية: الاختلاف هنا على وجهين:
إما في مقدار المدة بأن قال المؤجر انقطع الماء خمسة أيام والمستأجر عشرة، وإما في أصل
الانقطاع بأن قال المستأجر انقطع عشرة أيام وأنكره المؤجر، ففي أول القول للمستأجر مع
يمينه، وفي الثاني يحكم الحال: إن كان الماء جارياً وقت الخصومة فالقول للمؤجر مع
يمينه، وإن منقطعاً وقتها فللمستأجر اهـ ملخصاً. ولا يخفى أن هذا حيث لا بينة كما ذكره
المصنف، ولذا قال في الذخيرة: ولو أقام المستأجر البينة أن الماء كان منقطعاً فيما مضى
يقضى بها وإن كان جارياً للحال اهـ. وسيذكر المصنف المسألة آخر باب ضمان الأجير
قوله: (ولا يقبل قول الساكن الخ) أي في مسألة الغصب: يعني لو آجره الدار وفيها
شخص ساكن وخلى بينه وبينها فقال بعد المدة منعني الساكن ولا بينة له والساكن مقر أو
جاحد لا يلتفت إلى قول الساكن لأنه شاهد على الغير أو مقر، وشهادة الفرد والإقرار على
الغير لا يقبل، فبقي الاختلاف بينهما: فينظر إن كان المستأجر هو الساكن حال المنازعة
فالقول للمؤجر، وإن كان الساكن غيره فللمستأجر. ذخيرة قوله: (وبقوله) عطف على
(بقوله) السابق، فيفيد أنه مفرّع على التمكن أيضاً مع أنه من فروع قوله: ((ولا يلزم
بالعقد) فكان عليه إبقاء المتن على حاله وجعلها مسألة مستقلة قوله: (لأنه لم يملكه
بالعقد) فإن قيل يشكل عليه صحة الإبراء عن الأجرة والكفالة والرهن بها.
قلت: لا إذ ذلك بناء على وجود السبب فصار كالعفو عن القصاص بعد الجرح.
إتقاني قوله: (والمراد من تمكنه الخ) أشار إلى أن ما في المتن تفريع على مقدر قوله: (إلى
المستأجر) يشمل الوكيل بالاستئجار، لكن لو سكنها الوكيل بنفسه قال الثاني لا أجر.
وقال محمد: على الموكل، لأن قبض الوكيل كقبضه فوقع القبض أولاً للموكل وصار
الوكيل بالسكنى غاصباً فلا يجب عليه الأجر، وفيه نظر، لأن الغصب من المستأجر
يسقط الأجر. بزازية قوله: (فلو سلمه) أي أراد تسليمه، فافهم قوله: (المؤجرة) من
باب الحذف والإيصال ح: أي المؤجر فيها، بخلاف المؤجر الأول كما هو ظاهر قوله:
١٠١١٠٠ / ٢٠/٩٠

١٨
كتاب الإجارة
يرغب فيها بعد الموسم، فلو لم يسلم في الوقت الذي يرغب لأجله (خير في قبض
الباقي) كما في البيع، كذا في البحر. ولو سلمه المفتاح فلم يقدر على الفتح
لضياعه، وإن أمكنه الفتح بلا كلفة وجب الأجر، وإلا لا. أشباه.
قلت: وكذا لو عجز المستأجر عن الفتح بهذا المفتاح لم يكن تسليماً، لأن
التخلية لم تصح. صيرفية. ولو اختلفا بحكم الحال، ولو برهنا فبينة المؤجر.
ذخيرة. وكذا البيع. وقيل إن قال له اقبض المفتاح وافتح الباب فهو تسليم، وإلا لا
كما بسطه المصنف
(كما في البيع) أي إذا اشترى نحو بيوت مكة قبل زمن الموسم فلم يقع التسليم إلا بعد
فوته فإن المشتري يخير لفوات الرغبة ط. ولم يعزه لأحد فليراجع. وقال ح: يعني إذا
استحق بعض المبيع فإن المشتري يتخير لتفرق الصفقة اهـ. قال شيخ مشايخنا الرحمتي:
وهذا يقتضي أن يكون للمستأجر الخيار مطلقاً سواء كان وقتاً يرغب فيه أو لا لتفرق
الصفقة، ولأنه حيث منعه من التسليم في أول المدة ربما يكون مضطراً إلى العين المؤجرة
فيستأجر غيرها، فإذا ألزمها بعد مضيّ بعض المدة ربما يتضرّر بذلك، فليتأمل اهـ.
والأظهر ما قاله أبو الطيب: أي إذا لم يوجد في البيع الصفة التي اشتراها للرغبة فيها
كالخياطة والكتابة خير المشتري قوله: (لضياعه) علة لعدم القدرة. وعبارة الذخيرة: وفي
الجامع الأصغر: آجر من آخر حانوتاً ودفع إليه المفتاح ولم يقدر على فتحه وضلّ المفتاح
أياماً ثم وجده: فإن كان يمكن فتحه به فعليه أجر ما مضى، وإلا فلا. وفي البزازية: إن
قدر على الفتح بلا مؤنة لزم الأجر، وإلا فلا، وليس له أن يحتج ويقول: هلا كسرت
الغلق ودخلت قوله: (ولو اختلفا) أي في العجز وعدمه يحكم الحال.
قال في الذخيرة: ولو اختلفا ولا بينة لهما ينظر إلى المفتاح الذي دفع إليه للحال:
إن لاءم هذا الغلق وأمكن فتحه به فالقول للمؤجر، وإلا فللمستأجر قوله: (ولو برهنا
فبيئة المؤجر) أي وإن كان المفتاح لا يلائم لأنه لا عبرة لتحكيم الحال متى جاءت البينة
بخلافه كمسألة الطاحونة، وإنما تقبل إذا كان المؤجر يدعي أنه كان يلائم الغلق ولكن
غيره والمستأجر يقول لا، بل لم يكن ملائماً من الأصل. ذخيرة قوله: (وكذا البيع) أي
إذا اشترى داراً وقبض مفتاحها ولم يذهب إليها: فإن كان المفتاح بحالة يتهيأ له أن يفتحه
من غير كلفة يكون قابضاً، وإلا فلا. منح. وقد ظهر مما تقرّر أن تسليم المفتاح مع
التخلية بين المستأجر والدار وإمكان الفتح به بلا كلفة تسليم للدار فيجب الأجر بمضي
المدة وإن لم يسكن، وقيده في القنية بأن يكون في المصر حيث قال: وتسليم المفتاح في
السواد ليس بتسليم للدار وإن حصر في المصر والمفتاح في يده، وأقره في البحر والمنح،
لكنه بخلاف ما أفتى به قارىء الهداية وأقرّه محشو الأشباه كما سيأتي قبيل مسائل شتی

١
١٩
كتاب الإجارة
(وللمؤجر طلب الأجر للدار والأرض) كل يوم (والدابة كل مرحلة) إذا أطلقه،
ولو بين تعين وللخياطة (ونحوها) من الصنائع (إذا فرغ وسلمه) فهلكه قبل تسليمه
يسقط الأجر، وكذا كل من لعمله أثر، وما لا أثر له كجمال له الأجر كما فرغ
قوله: (للدار والأرض الخ) المراد كل ما تقع الإجارة فيه على المنفعة أو على قطع المسافة
أو على العمل قوله: (ولو بين تعين) أي لو بين وقت الاستحقاق في العقد تعين، ولذا
قال في العزمية: هذا إذا لم تكن الأجرة معجلة أو مؤجلة أو منجمة، وهذا قولهم جميعاً
على ما قرر في الخلاصة اهـ. فالمراد فيما ذكره المصنف ما إذا سكت عن البيان قوله: (إذا
فرغ وسلمه) اعلم أن أبا حنيفة كان أولًا يقول: لا يجب شيء من الأجرة ما لم يستوف
جميع المنفعة والعمل؛ لأنه المعقود عليه فلا يتوزّع الأجر على الأجزاء كالثمن في المبيع، ثم
رجع فقال: إن وقعت الإجارة على المدة كما في إجارة الدار والأرض أو قطع المسافة كما
في الدابة وجب بحصة ما استوفى لو له أجرة معلومة بلا مشقة ففي الدار لكل يوم وفي
المسافة لكل مرحلة. والقياس أن يجب في كل ساعة بحسابه تحقيقاً للمساواة، لكن فيه
حرج؛ وإن وقعت على العمل كالخياطة والقصارة فلا يجب الأجر ما لم يفرغ منه فيستحق
الكل لأن العمل في البعض غير منتفع به، وكذا إذا عمل في بيت المستأجر ولم يفرغ لا
يستحق شيئاً من الأجرة على ما ذكره صاحب الهداية والتجريد.
وذكر في المبسوط والفوائد الظهيرية والذخيرة ومبسوط شيخ الإسلام وشرح الجامع
لفخر الإسلام وقاضيخان والتمرتاشي أنه إذا خاط البعض في بيت المستأجر يجب الأجر
بحسابه، حتى إذا سرق الثوب بعد ما خاط بعضه استحق ذلك. فهذا يدل على أنه
يستحق الأجر ببعض العمل في كل ما مر، لكن بشرط التسليم إلى المستأجر، ففي سكنى
الدار وقطع المسافة صار مسلماً بمجرد تسليم الدار وقطع المسافة في الخياطة بالتسليم
حقيقة أو حكماً كأن خاطه في منزل المستأجر لأن منزله في يده. زيلعي ملخصاً.
وحاصله: أنهم اتفقوا على قول أبي حنيفة أنه لا يجب الأجر على البعض بلا تسليم
أصلاً، وأما مع التسليم فيجب الأجر على البعض في سكنى الدار وقطع المسافة.
واختلفوا على قوله في الاستئجار على العمل کالخياطة، فالأکثرون على أنه يجب
أيضاً بالتسليم، ولو حكماً، وخالفهم صاحباً الهداية والتجريد فقالا: لا يجب. قال
الزيلعي: وهو الأقرب إلى المروي عن أبي حنيفة من الفرق بينهما في القول المرجوع إليه،
وعلى ما ذكروه لا فرق بين الكل اهـ. وبه ظهر أن تقييد المصنف بالفراغ والتسليم مبني
على ما في الهداية، والتسليم يشمل الحقيقي والحكمي وهو ما عبر عنه بقوله: ((وإن عمل
في بيت المستأجر)) فلو قال: ولو حكماً لكان أخصر وأظهر، ولا معنى لقول من قال: لا
معنى له، فافهم قوله: (وكذا كل من لعمله أثر) أي في أنه لو هلك في يده لا أجر له،

٢٠
كتاب الإجارة
وإن لم يسلم. بحر (وإن) وصلية (عمل في بيت المستأجر نعم لو سرق) بعد ما خاط
بعضه أو انهدم ما بناه فله الأجر بحسابه على المذهب. بحر وابن كمال (ثوب خاطه
الخياط بأجر ففتقه رجل قبل أن يقبضه رب الثوب فلا أجر له) بل له تضمين الفاتق
(ولا يجبر على الإعادة، وإن كان الخياط هو الفاتق فعليه الإعادة) كأنه لم يعمل،
بخلاف فتق الأجنبي، وهل للخياط أجر التفصيل بلا خياطة؟ الأصح لا. أشباه.
لكن حاشيتها معزياً للمضمرات، المفتى به نعم. وقال المصنف: ينبغي أن يحكم
العرف اهـ.
وسيذكر الشارح بعد ورقة المراد بالأثر قوله: (نعم لو سرق الخ) هذا مبني على قول
الأكثرين من وجوب الأجر على بعض العمل بالتسليم ولو حكماً، وأراد به الاستدراك
على المصنف بما ذكره في البحر، حيث قال: وتبعه العلامة الطوري وتلميذه المصنف في
شرحه مسألة البناء منصوص عليها في الأصل أنه يجب الأجر بالبعض لكونه مسلماً إلى
المستأجر، ونقله الكرخي عن أصحابنا، وجزم به في غاية البيان راداً على الهداية فكان هو
المذهب ولذا اختاره المصنف: أي صاحب الكنز في المستصفى وإن كانت عبارته هنا مطلقة
اهـ. فلکلام الشارح وجه وجیه کما علمت وإن کان فيه خفاء، فافهم. لکن في کون ما
في الهداية خلاف المذهب تأمل يظهر مما مر عن الزيلعي، فلو جعله خلاف الأصح لكان
أنسب. تأمل قوله: (بعد ما خاط بعضه) يعني في بيت المستأجر، فلو في بيت الأجير لا
أجر له اتفاقاً لعدم التسليم أصلاً قوله: (أو انهدم ما بناء) أي قبل الفراغ منه قوله: (قبل
أن يقبضه رب الثوب) قد علمت أن العمل في بيت المستأجر تسليم قوله: (فلا أجر له)
لأن الخياطة مما له أثر فلا أجر قبل التسليم كما في المبيع قوله: (بل له) أي للخياط لأنه
بدل ما أتلفه عليه حتى سقطت أجرته. بحر قوله: (تضمين الفاتق) أي قيمة خياطته لا
المسمى، لأنه إنما لزم بالعقد ولا عقد بينه وبين الفاتق. رحمتي قوله: (ولا يجبر الخ) لأنه
التزم العمل ووفّ به. رحمتي قوله: (كأنه لم يعمل) فلم يوف ما التزمه من العمل فيجبر
عليه، لأن عقد الإجارة لازم. رحمتي قوله: (بخلاف فتق الأجنبي) لا حاجة إليه ط
قوله: (الأصح لا) كذا صححه في الخلاصة والبزازية، وفرضوا المسألة بما إذا دفع إليه
الثوب فقطعه ومات من غير خياطة وعللوها بأن الأجر في العادة للخياطة لا للقطع.
قلت: فلو بقي حياً لا تظهر الثمرة لأنه يجبر على الخياطة، لكن لو تفاسخا العقد
بعد القطع فالظاهر أن حكمه كالموت. تأمل ويظهر من التعليل أنه لو دفعه للتفصيل فقط
يلزم أجره، وهو ظاهر لأن العقد ورد عليه فقط قوله: (لكن في حاشيتها) أي للشيخ
شرف الدين الغزي حيث قال: قلت: وفي فتاوى قاضيخان والظهيرية قطع الخياط الثوب
ومات قبل الخياطة له أجر القطع هو الصحيح، وفي جامع المضمرات والمشكلات عن