النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
كتاب القضاء
إلا في مسألتين: إذا أذن الوليّ للقاضي بتزويجها كان وكيلاً، وإذا أعطى فقيراً من
وقف الفقراء كان له إعطاء غيره.
أمر القاضي حكم إلا في مسألة الوقف المذكورة فأمره فتوى، فلو صرف
بغيره صح.
القاضي يحلف غريم الميت
زوجة فلان و کلت زوجها فلاناً في کذا علی خصم منکر وقضی بتوکیلھا کان قضاء
بالزوجية بينهما، وهي حادثة الفتوى، ونظيره ما في الخلاصة من طريق الحكم بثبوت
الرمضانية أن يعلق رجل وكالة فلان بدخول رمضان ويدعي بحق على آخر ويتنازعا في
دخوله فتقام البينة على رؤياه فيثبت رمضان ضمن ثبوت التوكيل، وأصل القضاء الضمني
ما ذكره أصحاب المتون من أنه لو ادعى كفالة على رجل بمال بإذنه فأقربها وأنكر الدين
فبرهن على الكفيل بالدين وقضى عليه بها كان قضاء عليه قصداً وعلى الأصيل الغائب
ضمناً. وله فروع وتفاصيل ذكرناها في الشرح اهـ. قوله: (إلا في مسألتين الخ) استثناء من
قوله فعل القاضي حكم، ووجه الأولى أن فعله بطريق الوكالة، ووجه الثانية أن فعله
كفعل الواقف فلقاض آخر نقضه كما في منتخب المحيط الرضوي، وقید ذلك فیه بقیدین
عن بعض المشايخ فإنه قال: وإن أعطى القاضي بعض القرابة أي فقيراً من قرابة الواقف
ولم يقض له بذلك ولم يجعله راتبة في الوقف كان لقاض آخر نقضه، لكن ذكر في الأشباه
من القاعدة الخامسة أن تقرير القاضي المرتبات غير لازم، إلا إذا حكم بعدم تقرير غيره
فحينئذ يلزم، وهي في الخصاف. أفاده البيري.
مَطْلَبْ: أَمْرُ الْقَاضِي حُكْمٌ
قوله: (أمر القاضي حكم) قدمنا أول القضاء أنهم اتفقوا على أن أمره بحبس المدعى
عليه بالحق كأمره بالآخذ منه، وعلى أن أمره بصرف كذا من وقف الفقراء إلى فقير من
قرابة الواقف ليس بحكم حتى لو صرفه إلى فقير آخر صح. واختلفوا في قولهم سلم
الدار، وتمام الكلام عليه في البحر والنهر هناك.
مَطْلَبٌ: يُلِّفُ القَاضِي غَرِيْمَ أَلْمَيِّتِ
قوله: (القاضي يحلف غريم الميت) لم يبين أن هذا التحليف واحب أم لا، وتوقف
فيه المقدسي، لكن قال في الخلاصة عن أدب القاضي للخصاف: وأجمعوا على أن من
ادعى ديناً على الميت يحلف من غير طلب الوصي والوارث بالله ما استوفيت دينك من
المديون ولا من أحد أداه إليك عنه ولا قبضه قابض ولا أبرأته ولا شيئاً منه ولا أحلت
بذلك ولا بشيء منه على أحد ولا عندك به ولا بشيء منه رهن اهـ. وعلله الصدر الشهيد

١٢٢
كتاب القضاء
ولو أقرّ به المريض لا يقبل قول أمين القاضي إنه حلف المخدرة إلا بشاهدين.
من اعتمد على أمر القاضي الذي ليس بشرعي لم يخرج عن العهدة اهـ.
وقدمنا في الوقف عن المنظومة المحبية معزياً للمبسوط أن للسلطان مخالفة شرط
الواقف لو غالبه قرى ومزارع وأنه يعمل بأمره وإن غاير الشرط، فليحفظ.
بأن اليمين ليست للوارث ها هنا، وإنما هي للتركة، لأنه قد يكون له غريم آخر أو
موصى له فالحق في هذا في تركة الميت، فعلى القاضي الاحتياط في ذلك، وقال قبله: ولا
يدفع له شيئاً حتى يستحلفه اهـ. فحيث أجمعوا على تحليفه وذكروا أنه لا يدفع إليه المال
حتى يستحلف ولو لم يفعل ذلك لم تستوف الدعوى شرطها فلا ينفذ حكمه بالدفع
والقبض والقاضي مأمور بالحكم بأصح أقوال الإمام، فإذا حكم بغيره لم يصح، فكيف
وقد أجمعوا على التحليف؟ وتمامه في الحامدية. قال في البحر من الدعوى: ولا خصوصية
للدين بل في كل موضع يدعى حقاً في التركة، وأثبته بالبيئة وعزاه إلى الولوالجية، ثم قال:
ولم أر حكم من ادعى أنه دفع للميت دينه وبرهن هل يحلف وينبغي أن يحلف احتياطاً
أهـ. قال محشيه الرملي: قد يقال إنما يحلف في مسألة مدعي الدين على الميت احتياطاً
لاحتمال أنهم شهدوا باستصحاب الحال وقد استوفاه في باطن الأمر، وأما في مسألة دفع
الدين شهدوا على حقيقة الدفع فانتفى الاحتمال المذكور اهـ. وهذا وجيه كما لا يخفى.
تنبيه: قيد بالقاضي لأن للوصيّ أن يدفع ذلك للمقر له إذا أقرّ به الميت عنده كما
نصوا عليه، وتمامه في البيري. قوله: (ولو أقر به المريض) أي في مرض موته. قال في
التاتر خانية: وقال القاضي الإمام أبو علي النسفي: عرفنا أن الدين إذا تقادم وجوبه حتى
يتوهم سقوطه بهذه الأسباب فغريم الميت يستحلف، وكنا نظن أن الدين إذا ثبت بإقرار
المريض في مرض موته أن الغريم لا يستحلف، لأنه ذكر في المبسوط في مواضع أن
المريض إذا أقرّ في مرضه بالديون للغرماء فإنهم يعطون ذلك ولم يشترط اليمين، والخصاف .
ذكر اليمين هنا، وهذا الشيء استفيد من جهته اهـ يبري. قوله: (إنه حلف المخدرة) هي
التي لا تخالط الرجال وإن خرجت لحاجة وحمام، كذا ذكره الشارح عن القنية في باب
الشهادة على الشهادة. قوله: (إلا بشاهدين) هذه عبارة الأشباه، وظاهرها أنه لا بد من
شاهدين غير الأمين، وقدم عن الصغرى أنه يقبل قول شاهد معه، قال شيخ صالح:
ولعل ذلك لاختلاف الروايتين ط. قوله: (وقدمنا في الوقف الخ) كان الأولى ذكره عند
قوله: ((أمر السلطان إنما ينفذ الخ)). قوله: (أن للسلطان مخالفة شرط الواقف) فيجوز له
إحداث وظيفة أو مرتب إذا كان المقرر في ذلك من مصارف بيت المال ط. قوله: (لو
غالبه قرى ومزارع) بأن كان الواقف له سلطاناً أو واحداً من الأمراء ولم يعلم تملكه لها
بوجه شرعي، ولذا علله الشارح هنا بقوله: ((لأن أصلها لبيت المال)) وأفتى المفتي أبو

١٢٣
كتاب القضاء
قلت: وأجاب صنعي أفندي بأنه متى كان في الوقف سعة ولم يقصر في أداء
خدمته لا يمنع، فتنبه. وفي الوهبانية: يحبس الوليّ بدين الصغير حتى يوفيه أو
يظهر فقر الصغير.
قلت: لكن قدم شارحها عن قاضيخان أن الحرّ والعبد والبالغ والصبيّ في
الحبس سواء، فيتأمل نفيه هنا، قاله الشرنبلالي. قال: وليس للقاضي البيع مع
وجود أب أو وصي، وهي فائدة حسنة.
قلت: وفي القنية: ومتى باعها فللقاضي نقضه لو أصلح كما نظمه الشارح
فضممته للمتن مغيراً لبعضه، فقلت: [الطويل]
وَيُنْقَضُ بَيْعٌ مِنْ أَبِ أَوْ وَصِيَّة وَلَوْ مُصْلِحاً وَالأَصْلَحُ النَّقْضُ يُسْطَرُ
السعود أفندي بأن أوقاف الملوك والأمراء لا يراعى شروطها، لأنها من بيت المال أو
ترجع إليه اهـ. وقدمنا تمام الكلام على ذلك في الوقف. قوله: (وأجاب صنعي أفندي) أي
عن سؤال سئل عنه. قوله: (متى كان في الوقف سعة) بفتح السين والعين المهملتين: أي
بأن كانت غلته وافرة. قوله: (ولم يقصر) أي ذو الوظيفة التي أحدثها السلطان. قوله:
(لا یمنع) أي من تناول ما قرره له.
مَطْلَبٌ فِي حَبْسٍ الصَّبِيِّ
قوله: (يحبس الولي الخ) في البحر: لا يحبس صبيّ على دين الاستهلاك ولو له
مال من عروض وعقار إذا لم يكن له أب أو وصي، والرأي فيه للقاضي، فيأذن في بيع
بعض ماله للإيفاء؛ ولو له أب أو وصي يحبس إن امتنع من قضاء دينه من ماله: أي
مال الصبي، ولا يحبس الصبي إلا بطريق التأديب لئلا يتجاسر إلى مثله إذا باشر شيئاً
من أسباب التعدي قصداً، فلو خطأ فلا، كذا في كفالة المبسوط. وفي المحيط للقاضي،
حبس الصبي التاجر تأديباً لا عقوبة لئلا يماطل حقوق العباد، فإن الصبي يؤدب
لينزجر عن الأفعال الذميمة اهـ. قوله: (فيتأمل نفيه هنا) قد علمت من عبارتي المبسوط
والمحيط أن نفيه على وجه العقوبة وإثباته على وجه التأديب، وهو شامل أيضاً للمأذون
والمحجور فافهم. قوله: (قال) أي الشرنبلالي، وقد عزاه في النهر للطرسوسي أخذاً من
قول المبسوط: ولو له أب أو وصي الخ. قوله: (فللقاضي نقضه) أي نقض بيع الأب
والوصي لو النقض أصلح للصغير. قوله: (كما نظمه الشارح) أي شارح الوهبانية
القاضي عبد البر بن الشحنة. قوله: (ولو مصلحاً) إنما ذكره لأنهم صرحوا بأن شرط
بيع الأب عقار الصغير بمثل القيمة كونه محموداً أو مستوراً، فلو كان مفسداً لا يجوز
إلا بضعف القيمة. قوله: (والأصلح النقض) الواو للحال، وقوله: ((يسطر)) بسكون

١٢٤
كتاب القضاء
وَيُحبَسُ فِي دَيْنٍ عَلَى الطُّفْلِ وَالِدِّ وَصِيٍّ وَلِلتَّأُدِيبِ بَعْضٌ يُصَوِّرُ
وَفِي الدَّيْنِ لَمْ يُحِبَسْ أَبٌّ وَمُكَّاتِبٌ وَعَبْدٌ لِمَوْلاهُ كَعَكْسٍ وَمُعْسِرُ
نعم لو العبد مديوناً يحبس المولى بدينه لأنه للغرماء، وكذا يحبس بدين مكاتبه
إلا فيما كان من جنس الكتابة، ففي عتاق الوهبانية: [الطويل]
وَفِي غَير جِئْسِ الحَقِّ يحبِسُ سَيِّداً مُكَاتِبُهُ وَالعَبْدُ فيها مُخير
وفي حجرها : [الطويل]
السين جملة استئنافية. قوله: (ويحبس الخ) أي يحبس الوالد والوصي في دين على الطفل
لأجنبي إذا كان للطفل مال وامتنعا من أدائه كما علم مما مر. قوله: (وصي) على تقدير
الواو العاطفة. قوله: (وللتأديب الخ) أي وحبس الصبي للتأديب بعض المشايخ
تصوروا. قوله: (وفي الدين لم يحبس أب) تقدمت هذه المسألة في قوله: ((لا يحبس أصل
وإن علا في دين فرعه بل يقضي القاضي دينه من عين ماله أو قيمته الخ)) واحترز
بالدين عن النفقة فإنه يجبس بها كما مر هناك. قوله: (ومكاتب) بفتح التاء: أي لا
يحبس المكاتب بدين الكتابة، فإن كان ديناً آخر يحبس به للمولى ومنهم من منعه لأنه
يتمكن من إسقاط بالتعجيز، وصححه في المبسوط وعليه الفتوى. بحر عن أنفع
الوسائل. قوله: (وعبد لمولاه) أي لدين مولاه، أطلقه الزيلعي، فظاهره ولو كان
مديوناً. بحر. قوله: (كعكس) أي عكس المكاتب والعبد فلا يحبس المولى بدين مكاتبه
إن كان من جنس بدل الكتابة لوقوع المقاصة، وإلا يحبس لتوقفها على الرضا، ولا
يحبس المولى بدين عبده المأذون غير المديون، وإن مديوناً يحبس لحق الغرماء. بحر.
وذکره الشارح بعد.
مَطْلَبٌ: جْلَةُ مَنْ لا يحبَسُ عَشْرَةٌ
قوله: (ومعسر) أي من ظهر إعساره بعد حبسه المدة التي يراها القاضي فلا يحبس
بعدها، وبهذا بلغ عدد من لا يحبس سبعة: أولها الصبي، أو كلها في النظم قد عدها
في البحر كذلك، لكنه أسقط المعسر وذكر بدله العاقلة إن كان لهم عطاء فلا يحبسون في
دية وأرش، ويؤخذ من العطاء، وإن لم يكن عطاء يحبسون. ثم قال: ويزاد مسألتان لا
يحبس المديون إذا علم القاضي أن له مالاً غائباً، أو محبوساً موسراً فصارت تسعاً اهـ.
قلت: وبالمعسر صارت عشراً. قوله: (نعم الخ) تقييد لقوله كعكس. قوله: (إلا
فيما كان من جنس الكتابة) الأولى أن يقول: إن لم يكن من جنس الكتابة، فإنه تقييد
أيضاً لقوله: ((كعكس)) كما علم من عبارة البحر المارّة آنفاً. قوله: (سيداً) مفعول مقدم
على فاعله وهو ((مكاتبه)). قوله: (العبد فيها) أي في الكتابة مخير، لأنها عقد غير لازم في

١٢٥
كتاب القضاء / باب التحكيم
ويحبِسُ ذُو الكُتْبِ الصِّحَاحِ المُحَرِّرُ عَلَى الدّيْنِ إِذْ بِالكُتْبِ مَا هُوَ مُعْسِرُ
باب التّخكِيمِ
(هو) لغة: جعل الحكم فيما لك لغيرك. وعرفاً: (تولية الخصمين حاكماً
يحكم بينهما. وركنه لفظه الدالّ عليه
جانبه فله فسخها. قوله: (المحرّر) اسم فاعل: أي الذي حرّر الكتب وصححها واحتاج
إليها لاعتماده عليها. قوله: (إذ بالكتب ما هو معسر (١)) إذ قضاء الدين مقدم على
حاجته إليها وإن كان فقيراً في حق أخذ الصدقة وعدم وجوب الزكاة كما لو كان له
قوت شهر فإنه يباع عليه وهو موسر، ولا يباع عليه قوت يومه كما في القنية، والله
سبحانه أعلم.
بَابُ التَّخكِيمِ
لما كان من فروع القضاء وكان أحط رتبة من القضاء أخره، ولهذا قال أبو يوسف:
لا يجوز تعليقه بالشرط وإضافته إلى وقت، بخلاف القضاء لكونه صلحاً من وجه. بحر.
قوله: (هو لغة الخ) في الصحاح: ويقال حكمته في مالي إذا جعلت إليه الحكم فيه اهـ.
وهذه العبارة لا تدل على أن التحكيم لغة خاص بالمال خلافاً لما توهمه عبارة الشارح،
ولذا قال في المصباح: حكمت الرجل بالتشديد: فوّضت الحكم إليه. قوله: (وعرفا تولية
الخصمين) أي الفريقين المتخاصمين، فيشمل ما لو تعدد الفريقان، ولذا أعيد عليهما
ضمير الجماعة في قوله تعالى: ﴿هذان خصمان اختصموا﴾ وفي المصباح: الخصم يقع على
المفرد وغيره والذكر والأنثى) بلفظ واحد، وفي لغة: يطابق في التثنية والجمع فيجمع على
خصوم وخصام اهـ فافهم. قوله: (حاكماً) المراد به ما يعم الواحد والمتعدد.
تنبيه: في البحر عن البزازية: قال بعض علمائنا: أكثر قضاة عهدنا في بلادنا
مصالحون، لأنهم تقلدوا القضاء بالرشوة، ويجوز أن يجعل حاكماً بترافع القضية؛
واعترض بأن الرفع ليس على وجه التحكيم بل على اعتقاد أنه ماضي الحكم، وحضور
المدعى عليه قد يكون بالأشخاص والجبر فلا يكون حكماً؛ ألا ترى أن البيع قد ينعقد
ابتداء بالتعاطي، لكن إذا تقدمه بيع باطل أو فاسد وترتب عليه التعاطي لا ينعقد البيع
لكونه ترتب على سبب آخر فكذا هنا، ولهذا قال السلف: القاضي النافذ حكمه أعزّ من
الكبريت الأحمر اهـ. قال ط: وبعض الشافعية يعبر عنه بأنه قاضي ضرورة، إذ لا يوجد
قاض فيما علمناه من البلاد إلا وهو راش ومرتش اهـ. وانظر ما قدمناه أول القضاء.
قوله: (وركنه لفظه الخ) أي ركن التحكيم لفظه الدال عليه: أي اللفظ الدال على
(١) في ط: قوله (إذ هو بالكتب الخ) هكذا بخط، والذي في نسخ الشارح ((إذا بالكتب الخ)) وهو الموافق للوزن.

١٢٦
كتاب القضاء / باب التحكيم
مع قبول الآخر) ذلك (وشرطه من جهة المحكم) بالكسر (العقل لا الحرية والإسلام)
فصح تحكيم ذمي ذمياً (و) شرطه (من جهة المحكم) بالفتح (صلاحيته للقضاء) كما
مر (ويشترط الأهلية) المذكورة (وقته) أي التحكيم (ووقت الحكم جميعاً، فلو حكما
عبداً فعتق أو صبياً فبلغ أو ذمياً فأسلم ثم حكم لا ينفذ كما) هو الحكم (في مقلد)
بفتح اللام مشددة، بخلاف الشهادة، وقدمنا أنه لو استقصى العبد ثم عتق فقضى
التحكيم كاحكم بيننا أو جعلناك حكماً أو حكمناك في كذا، فليس المراد خصوص لفظ
التحكيم. قوله: (مع قبول الآخر) أي المحكم بالفتح، فلو لم يقبل لا يجوز حكمه إلا
بتجديد التحكيم. بحر عن المحيط. قوله: (من جهة المحكم) أي جنسه الصادق
بالفريقين، وشمل ما لو كان أحدهما قاضياً كمافي القهستاني. قوله: (لا الحرية) فتحكيم
المكاتب والعبد والمأذون صحيح. بحر. قوله: (فصح تحكيم ذمي ذمياً) لأنه أهل للشهادة
بين أهل الذمة دون المسلمين، ويكون تراضيهما عليه في حقهما كتقليد السلطان إياه،
وتقليد الذمي ليحكم بين أهل الذمة صحيح لا بين المسلمين، وكذلك التحكيم. هندية
عن النهاية ط. وفي البحر عن المحيط: فلو أسلم أحد الخصمين قبل الحكم لم ينفذ حكم
الكافر على المسلم وينفذ للمسلم على الذمي، وقيل لا يجوز للمسلم أيضاً، وتحكيم المرتد
موقوف عنده، فإن حكم ثم قتل أو لحق بطل، وإن أسلم نفذ، وعندهما جائز بكل
حال. قوله: (كما مر) أي في الباب السابق في قوله: ((والمحكم كالقاضي)) وأفاد جواز
تحكيم المرأة والفاسق لصلاحيتهما للقضاء، والأولى أن لا يحكما فاسقاً. بحر. قوله:
(وقته ووقت الحكم جميعاً) وكذا فيما بينهما، بخلاف القاضي كما سيأتي في المسائل
المخالفة. بحر. قوله: (فلو حكما عبداً الخ) ولو حكما حراً وعبداً فحكم الحر وحده لم
يجز، وكذا إذا حكما. بحر عن المحيط. قوله: (في مقلد) بفتح اللام مبني للمجهول: أي
فيمن قلده الإمام القضاء. قوله: (بخلاف الشهادة) فإن اشتراط الأهلية فيها عند الأداء
فقط، وأشار بهذا إلى فائدة قول المصنف ((صلاحيته للقضاء)) حيث لم يقل للشهادة. قوله:
(وقدمنا) أي قبيل قوله: ((وإذا رفع إليه حكم قاض)) وأشار بهذا إلى أن قوله: ((كما في
مقلد)) ليس متفقاً عليه، وقدمنا أول القضاء عند قوله: ((وأهله أهل الشهادة)) أن فيه
روايتين، وأنه في الواقعات الحسامية قال: الفتوى على أنه لا ينعزل بالردة، لأن الكفر لا
ينافي ابتداء القضاء في إحدى الروايتين، وإن هذا يؤيد صحة تولية الكافر والعبد وصحة
حكمها بعد الإسلام والعتق بلا تجديد تولية، وبه جزم في البحر واقتصر عليه في الفتح،
خلافاً لما مشى عليه المصنف هنا، وأن هذا بخلاف الصبيّ إذا بلغ فإنه لا بد من تجديد
توليته، وقدمنا وجه الفرق هناك فافهم، وهل تجري هذه الرواية في المحكم؟ لم أره،
والظاهر لا .

١٢٧
كتاب القضاء / باب التحكيم
صح، وعزاه سعدي أفندي للمبتغى (حكماً رجلًا) معلوماً، إذ لو حكما أول من
يدخل المسجد لم يجز إجماعاً للجهالة (فحكم بينهما ببينة أو إقرار أو نكول) ورضيا
بحكمه (صح لو في غير حدّ وقود ودية على عاقلة) الأصل أن حكم المحكم بمنزلة
الصلح، وهذه لا تجوز بالصلح فلا تجوز بالتحكيم (وينفرد أحدهما بنقضه) أي
التحكيم بعد وقوعه (كما) ينفرد أحد العاقدين (في مضاربة وشركة ووكالة) بلا
التماس طالب (فإن حكم لزمهما) ولا يبطل حكمه بعزلهما لصدوره عن ولاية
مَطْلَبُ: حَكَمَ بَيْنهُمَا قَبْلَ تَحْكِيْمِهِ ثُمَّ أَجَازَاهُ جَازَ
قوله: (ورضيا بحكمه) أي إلى أن حكم، كذا في الفتح، فأفاد أنه احترز عما لو
رجعا عن تحكيمه قبل الحكم، أو عما لو رضي أحدهما فقط، لكن كان الأولى ذكره قبل
قوله: ((فحكم)) لئلا يوهم اشتراط الرضا بعد الحكم مع أنه إذا حكم لزمهما حكمه كما في
الكنز وغيره ويأتي متناً، أو يذكره هنا بأو ليدخل ما لو حكم بينهما قبل تحكيمه ثم قالا
رضينا بحكمه وأجزناه، فإنه جائز كما نقله ط عن الهندية. قوله: (صح لو في غير حد
وقود الخ) شمل سائر المجتهدات من حقوق العباد كما ذكره بعد، وما ذكره من منعه في
القصاص تبعاً للكنز وغيره، هو قول الخصاف وهو الصحيح كما في الفتح، وما في
المحيط من جوازه فيه، لأنه من حقوق العباد ضعيف رواية ودراية، لأن فيه حق الله تعالى
أيضاً، وإن كان الغالب حق العبد، وكذا ما اختاره السرخسي من جوازه في حق القذف
ضعيف بالأولى، لأن الغالب فيه حق الله تعالى على الأصح. بحر. قوله: (ودية على
عاقلة) خرج ما لو كانت على القائل بأن ثبت القتل بإقراره، أو ثبتت جراحة ببينة وأرشها
أقل مما تحمله العاقلة خطأ كانت الجراحة أو عمداً، أو كانت قدر ما تتحمله ولكن كانت
الجراحة عمداً لا توجب القصاص فينفذ حكمه، وتمامه في البحر. قوله: (بمنزلة الصلح)
لأنهما توافقا على الرضا بما يحكم به عليهما. قوله: (وهذه لا تجوز بالصلح) اعترض بأنه
سيأتي في الصلح جوازه في كل حق يجوز الاعتياض عنه، ومنه القصاص لا فيما لا يجوز،
ومنه الحدود.
أقول: منشأ الاعتراض عدم فهم المراد، فإن المراد أن هذه الثلاثة لا تثبت بالصلح:
أي بأن اصطلحا على لزوم الحد أو لزوم القصاص الخ. وما سيأتي في الصلح معناه أنه
يجوز الصلح عن القصاص بمال لأنه يجوز الاعتياض عنه، بخلاف الحد فالقصاص هنا
مصالح عنه، وفي الأول مصالح عليه، والفرق ظاهر كما لا يخفى. قوله: (بعد وقوعه)
الأولى أن يبدله بقوله: قبل الحكم. قوله: (كما ينفرد أحد العاقدين الخ) أي بنقض العقد
وفسخه إذا علم الآخر ولو بكتابة أو رسول على تفصيل مر من الشركة، ويأتي في الوكالة
والمضاربة إن شاء الله تعالى. قوله: (بلا التماس طالب) يعني أن الموكل ينفرد بعزل الوكيل

١٢٨
كتاب القضاء / باب التحكيم
شرعية و (لا) يتعدى حكمه إلى (غيرهما) إلا في مسألة ما لو حكم أحد الشريكين
وغريماً له رجلًا فحكم بينهما وألزم الشريك تعدى للشريك الغائب لأن حكمه
كالصلح. بحر (فلو حكماه في عيب مبيع فقضى برده ليس للبائع رده على بائعه إلا
برضا البائع الأول والثاني والمشتري) بتحكيمه. فتح. ثم استثناء الثلاثة يفيد صحة
التحكيم في كل المجتهدات كحكمه بكون الكنايات رواجع، وفسخ اليمين المضافة
إلى الملك وغير ذلك، لكن هذا مما يعلم ويكتم، وظاهر الهداية أنه يجيب بلا يحل،
ما لم يتعلق بالتوكيل (حق المدعي كما لو أراد خصمه لسفر فطلب منه أن يوكل وكيلاً
بالخصومة فليس له عزله كما سيأتي في بابه. قوله: (وغريماً له) منصوب على أنه مفعول
معه. قوله: (لأن حكمه كالصلح) والصلح من صنيع التجار، فكان كل واحد من
الشريكين راضياً بالصلح وما في معناه. بحر. قوله: (بتحكيمه) متعلق برضا. قوله: (ثم
استثناء الثلاثة) أي الحد والقود والدية على العاقلة، وكان الأولى ذكر هذا عقبها. قوله:
(في كل المجتهدات) أي المسائل التي يسوغ فيها الاجتهاد من حقوق العباد كالطلاق والعتاق
والكتابة والكفالة والشفعة والنفقة والديون والبيوع، بخلاف ما خالف كتاباً أو سنة
وإجماعاً. قوله: (كحكمه بكون الكنايات رواجع الخ) قال الصدر الشهيد في شرح أدب
القضاء: هو الظاهر عند أصحابنا وهو الصحيح، لكن مشايخنا امتنعوا عن هذه الفتوى
وقالوا: يحتاج إلى حكم الحاكم كما في الحدود والقصاص کي لا يتجاسر العوام فيه اهـ.
قال في الفتح: وفي الفتاوى الصغرى: حكم المحكم في الطلاق المضاف ينفذ لكن
لا يفتى به؛ وفيها روى عن أصحابنا ما هو أوسع من هذا، وهو أن صاحب الحادثة لو
استفتى فقيهاً عدلًا فأفتاه ببطلان اليمين وسعه اتباع فتواه وإمساك المرأة المحلوف بطلاقها.
وروى عنهم ما هو أوسع وهو إن تزوج أخرى وكان حلف بطلاق كل امرأة يتزوجها
فاستفتى فقيهاً آخر فأفتاه بصحة اليمين فإنه يفارق الأخرى ويمسك الأولى عملاً بفتواهما
اهـ. قوله: (وغير ذلك) كما إذا مس صهرته بشهوة وانتشر لها فحكم الزوجان حكماً
ليحكم لهما بالحل على مذهب الشافعي، فالأصح هو النفاذ إن كان المحكم يراه، وإلا
فالصحيح عدمه. أفاده في البحر عن القنية. قوله: (وظاهر الهداية الخ) حيث قال:
قالوا: وتخصيص الحدود والقصاص يدل على جواز التحكيم في سائر المجتهدات، وهو
الصحيح إلا أنه لا يفتى به، ويقال: يحتاج إلى حكم المولى دفعاً لتجاسر العوام اهـ: أي
تجاسرهم على هدم المذهب. فتح. ومثل عبارة الهداية عبارة شرح أدب القضاء المارة آنفاً،
وتقدم فيها أن الصحيح صحة التحكيم، وأنه الظاهر عن أصحابنا، وكان ما هنا ترجيح
للقول الآخر المقابل للصحيح، والمتبادر من عبارة الهداية: أنه لا يفتى بجوازه في سائر
المجتهدات. لكن ذكر في البحر عن الولوالجية، والقنية ما هو كالصريح في أن ذلك في

١٢٩
كتاب القضاء / باب التحكيم
فتأمل (وصح إخباره بإقرار أحد الخصمين وبعدالة الشاهد حال ولايته) أي بقاء
تحكيمهما (لا) يصح (إخباره بحكمه) لانقضاء ولايته (ولا يصح حكمه لأبويه
وولده وزوجته) كحكم القاضي (بخلاف حكمهما) أي القاضي والمحكم (عليهم)
حيث يصح كالشهادة (حكما رجلين فلا بد من اجتماعهما) على المحكوم به
(ويمضي) القاضي (حكمه إن وافق مذهبه وإلا أبطله)
اليمين المضافة ونحوها، ونحوه ما قدمناه آنفاً عن الفتح عن الفتاوى الصغرى: ويأتي
التصريح به في المخالفات، ولكن يتأمل في وجه المنع من عدم الإفتاء به، والتعليل بأن لا
يتجاسر العوام على هدم المذهب لا يظهر في خصوص اليمين المضافة ونحوها.
ثم رأيت المقدسي توقف في ذلك أيضاً وأجاب بما حاصله: أنهم منعوا من تولية
القضاء لغير الأهل لئلا يحكم بغير الحق، وكذلك منعوا من التحكيم هنا لئلا يتجاسر
العوام على الحكم بغير علم.
قلت: هذا يفيد منع التحكيم مطلقاً إلا لعالم. والأحسن في الجواب أن يقال: إن
الحالف في اليمين المضافة إذا كان يعتقد صحتها يلزمه العمل بما يعتقده، فإذا حكم بعدم
صحتها حاكم مولى من السلطان لزمه اتباع رأي الحاكم وارتفع بحكمه الخلاف، أما إذا
حكم رجلاً فلا يفيده شيئاً سوى هدم مذهبه، لأن حكم المحكم بمنزلة الصلح لا يرفع
خلافاً ولا يبطل العمل بما كان الحالف يعتقده، فلذا قالوا لا يفتى به، ولا بد من حكم
المولى، هذا ما ظهر لي والله سبحانه أعلم.
تنبيه: سيأتي في المخالفات أنه لا يصح حكمه بما فيه ضرر على الصغير بخلاف
القاضي. قوله: (وصح إخباره الخ) أي إذا قال لأحدهما أقررت عندي، أو قامت عندي
بينة عليك لهذا فعدلوا عندي، وقد ألزمتك بذلك وحكمت لهذا فأنكر المقضي عليه لا
يلتفت إلى إنكاره ومضى القضاء عليه ما دام المجلس باقياً، لأن المحكم ما دام تحكيمهما
قائماً كالقاضي المقلد إلا أن يخرجه المخاطب عن الحكم ويعزله قبل أن يقول حكمت
عليك، أو قاله المجلس لأنه بالقيام منه ينعزل كما ينعزل بعزل أحدهما قبل الحكم فصار
كالقاضي إذا قال بعد العزل قضيت بكذا لا يصدق. فتح. قوله: (لا يصح إخباره
بحكمه) أي بعد ما قام. قوله: (كحكم القاضي) فإنه لا يصح لمن لا تقبل شهادته له.
قوله: (فلا بد من اجتماعهما) فلو حكم أحدهما أو اختلفا لم يجز كما في البحر عن
الولوالجية، وفيه عن الخصاف: لو قال لامرأته أنت عليّ حرام ونوى الطلاق دون الثلاث
فحكما رجلين فحكم أحدهما بأنها بائن وحكم الآخر بأنها بائن بالثلاث لم يجز، لأنهما لم
يجتمعا على أمر واحد اهـ. قوله: (ويمضي حكمه) أي إذا رفع حكمه إلى القاضي إن وافق

١٣٠
كتاب القضاء / باب التحكيم
لأن حكمه لا يرفع خلافاً (وليس له) للمحكم (تفويض التحكيم إلى غيره، وحكمه
بالوقف لا يرفع خلافاً) على الصحيح. خانية (فلو رفع إلى موافق) لمذهبه (حكم)
ابتداء (بلزومه) بشرطه (ولا يمضيه) لأنه لم يقع معتبراً.
والحاصل: أنه كالقاضي إلا في مسائل عدّ منها في البحر سبعة عشر، منها:
مذهبه أمضاه وإلا أبطله، وفائدة إمضائه ها هنا أنه لو رفع إلى قاض آخر يخالف مذهبه
ليس لذلك القاضي ولاية النقض فيم أمضاه هذا القاضي. جوهرة. وفي البحر: ولو رفع
حكمه إلى حكم آخر حكماه بعد فالثاني كالقاضي يمضيه إن وافق رأيه وإلا أبطله. قوله:
(لأن حكمه لا يرفع خلافاً) لقصور ولايته عليهما، بخلاف القاضي العام. قوله:
(للمحكم) بدل من له. قوله: (تفويض التحكيم إلى غيره) فلو فوض وحكم الثاني بلا
رضاهما فأجازه القاضي لم يجز، إلا أن يجيزاه بعد الحكم؛ وقيل ينبغي أن يكون كالوكيل
الأول إذا أجاز فعل الوكيل الثاني. فتح. قوله: (وحكمه بالوقف) أي بلزومه لا يرفع
خلافاً: أي خلاف الإمام القائل بعدم لزومه، بل يبقى عنده غير لازم يصح رجوعه عنه.
قوله: (بشرطه) أي من كونه مفرزاً عقاراً ونحو ذلك ما مر في بابه. قوله: (ولا يمضيه)
عبارة البحر: لا أنه يمضيه. قوله: (عد منها في البحر سبعة عشر) أشار إلى أنها تزيد على
ذلك وهو كذلك، وتقدم كثير منها في الشرح والمتن، منها: أنه لو استقضى العبد ثم عتق
فقضى صح على أحد القولين، بخلاف المحكم كما مر، وأنه لا بد من تراضيهما عليه،
وأن التحكيم لا يصح في حد وقود ودية على العاقلة، وأن لكل منهما عزله قبل الحكم،
وأنه لا يتعدى حكمه في الرد بالعيب إلى بائع البائع، وأنه لا يفتى بحكمه في فسخ اليمين
المضافة ونحوها، وأنه لا يصح إخباره بحكمه بخلاف القاضي على ما سيأتي في آخر
المتفرقات، وأنه لو خالف حكمه رأي القاضي أبطله، وأنه ليس له التفويض إلى غيره وأن
الوقف لا يلزم بحكمه، فهذه عشرة مسائل مذكورة في البحر. وبقي أنه لا يجوز تعليقه
ولا إضافته عند أبي يوسف وأنه لا يتعدى حكمه إلى الغائب لو كان ما يدعي عليه سبباً لما
يدعي على الحاضر، وأنه لا يجوز كتابه إلى القاضي كعكسه، وأنه لا يحكم بكتاب قاض
إلا رضي الخصمان، وأنه لا يتعدى حكمه من وارث إلى الباقي والميت، وأنه لا يتعدى
حكمه على وكيل بعيب المبيع إلى موكله، وأنه لا يصح حكمه على وصي صغير بما فيه
ضرر على الصغير، وأنه لا يتقيد ببلد التحكيم بل له الحكم في البلاد كلها، وأنه لو
اختلف الشاهدان فشهد أحدهما أنه وكل زيداً بالخصومة إلى قاضي الكوفة والآخر إلى
قاضي البصرة تقبل، لا لو شهد أحدهما بذلك إلى الفقيه فلان والآخر إلى الفقيه فلان
آخر، لأن الحكم متوسط، وقد يكون أحد المحكمين أحذق من الآخر فلا يرضى الموكل
بالآخر بخلاف ما لو كان المطلوب نفس القضاء فإنه لا يختلف كما في شرح أدب القضاء.

١٣١
كتاب القضاء / باب كتاب القاضي الى القاضي وغيره
لو ارتد انعزل، فإذا أسلم احتاج لتحكيم جديد، بخلاف القاضي. ومنها لو ردّ
الشهادة لتهمة فلغيره قبولها، وينبغي أن لا يلي الحبس ولم أره، وكذا لم أر حكم
قبوله الهدية، وينبغي أن لا يجوز إن أهدى إليه وقت التحكيم.
بَابُ كِتَابٍ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي وَغَيْرِهِ
أراد بغيره قوله: ((والمرأة تقضي الخ)) (القاضي يكتب إلى القاضي في)
فهذه تسع مذكورة في البحر أيضاً، وذكر فيه أربع مسائل أخر ذكرها الشارح بعد، فهذه
ثلاث وعشرون مسألة، وزاد في البحر أخرى حيث قال: ثم اعلم أنهم قالوا: إن القضاء
يتعدى إلى الكافة في أربع: الحرية، والنسب، والنكاح، والولاء. ولم يصرحوا بحكمها
من المحكم، ويجب أن لا يتعدى، فتسمع دعوى الملك في المحكوم بعتقه من المحكم
بخلاف القاضي اهـ.
قلت: ويزاد أيضاً أنه ينعزل بقيامه من المجلس كما قدمناه عن الفتح، فهي أربعة
وعشرون. قوله: (بخلاف القاضي) فإن الفتوى على أنه لا ينعزل بالردة كما قدمناه، فإذا
أسلم لا يحتاج إلى تولية جديدة. قوله: (فلغيره قبولها) بخلاف ما لو ردّ قاض شهادة
للتهمة لا يقبلها قاض آخر، لأن القضاء بالرد نفذ على الكافة بحر عن المحيط. قوله:
(وينبغي أن لا يلي الحبس ولم أره) كذا في بعض نسخ البحر، وفي بعضها قبل قوله: ((ولم
أره)) ما نصه: وفي صدر الشريعة من باب التحكيم، قال: وفائدة إلزام الخصم أن
المتبايعين إن حكما حكماً فالحكم يجبر المشتري على تسليم الثمن والبائع على تسليم المبيع
ومن امتنع يحبسه اهـ. فهذا صريح في أن الحكم يحبس اهـ. قوله: (وكذا الخ) هذا من
البحر أيضاً حيث قال: وكذا لم أر حكم قبول الهدية وإجابة الدعوة، وينبغي أن يجوزا له
لانتهاء التحكيم بالفراغ إلا أن يهدى إليه وقته من أحدهما فينبغي أن لا يجوز اهـ. وذكر
الرحمتي أن الذي ينبغي الجواز، لأن من ارتاب فيه له عزله قبل الحكم، بخلاف القاضي
اهـ. وفيه نظر، والله سبحانه أعلم.
بَابُ كِتَابٍ أَلْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَغَيْرِهِ
هذا أيضاً من أحكام القضاء غيرأنه لا يتحقق في الوجود إلا بقاضيين، فهو كالمركب
بالنسبة لما قبله. فتح. وهذا أولى من قول الزيلعي: إنه ليس من كتاب القضاء، لأنه إما
نقل شهادة أو نقل حكم. نعم هو من عمل القضاة فكان ذكره فيه أنسب اهـ. وحيث
كان من عملهم فكيف ينفيه. بحر. وأجاب في النهر بأن المنفي كونه قضاء والمثبت كونه
من أحكامه. قوله: (وغيره) عطف على كتاب ط. قوله: (إلى القاضي) أي البعيد بمسافة
يأتي بيانها، وأفاد أن قاضي مصر يكتب إلى مثله وإلى قاضي الرستاق، بخلاف العكس،
وفيه خلاف يأتي. قال في الفتح: ولو كتب القاضي إلى الأمير الذي ولاه أصلح الله الأمير

١٣٢
كتاب القضاء / باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره
كل حق، به يفتى استحساناً (غير حد وقود) للشبهة (فإن شهدوا على خصم حاضر
ثم قص القصة وهو معه في المصر فجاء به ثقة يعرفه الأمير، ففي القياس لا يقبل لأن
إيجاب العمل بالبينة، ولأنه لم يذكر اسمه واسم أبيه. وفي الاستحسان: يقبل لأنه
متعارف، ولا يليق بالقاضي أن يأتي في كل حادثة إلى الأمير ليخبره، ولو أرسل رسولاً
ثقة كان كالمرسل في جواز العمل به، فكذا إذا أرسل كتابه ولم يجر الرسم في مثله من مصر
إلى مصر، فشرطنا هناك كتاب القاضي إلى القاضي اهـ: أي شرطنا ذلك فيما إذا كان
الأمير في مصر آخر، وقد أسقط في البحر والنهر من عبارة الفتح قوله: ولم يجر الرسم في
مثله من مصر إلى مصر، فاختل نظام الكلام فافهم. قوله: (كل حق) من نكاح وطلاق
وقتل موجبه مال وأعيان ولو منقولة وهو المرويّ عن محمد وعليه المتأخرون، وبه يفتى
للضرورة، وفي ظاهر الرواية لا يجوز في المنقول للحاجة إلى الإشارة إليه عند الدعوى
والشهادة، وعن الثاني تجويزه في العبد لغلبة الإباق فيه لا في الأمة، وعنه تجويزه في الكل.
قال في الإسبيجابي: وعليه الفتوى. بحر. قوله: (استحساناً) والقياس أن لا يجوز لأن
كتابته لا تكون أقوى من عبارته، وهو لو أخبر القاضي في محله لم يعلم بإخباره فكتابه
أولى، وإنما جوّزناه لأثر عليّ رضي الله تعالى عنه وللحاجة. بحر. قوله: (فإن شهدوا
على خصم حاضر الخ) قال في النهاية: المراد بالخصم هو الوكيل عن الغائب أو المسخر
الذي جعله: أي القاضي وكيلاً لإثبات الحق، ولو كان المراد بالخصم هو المدعى عليه لما
احتيج إلى قاض آخر، لأن حكم القاضي قد تم على الأول.
أقول: لا يخفى ما فيه من التكلف، والأحسن أن يقال ((إن قوله فإن شهدوا على
خصم)) ليس بمقصود بالذات في هذا الباب بل توطئة لقوله: ((وإن شهدوا بغير خصم لم
یحکم فیه» ونظائره كثيرة، كذا في الدرر.
قلت: وحاصله أنه ليس المراد في هذه المسألة من كتاب القاضي حكمه إلى قاض
آخر حتى يراد بالخصم فيها الوكيل أو المسخر، بل المراد أن الشهادة عند القاضي تارة
تكون على خصم حاضر، فيحكم بها عليه، ويكتب بحكمه كتاباً ليحفظ الواقعة لا ليبعثه
إلى قاض آخر لأن الحكم قد تم، وتارة تكون على خصم غائب وهي الآتية، فهذه ذكرت
توطئة لتلك، وإلى هذا أشار الشارح بقوله: ((ليحفظ)) أي ليحفظ الواقعة. وذكر في النهر
عن الزيلعي أنه إذا قدر أن الخصم غاب بعد الحكم عليه وجحد الحكم فحينئذ يكتب له
لیسلم آليه حقه أو لينفذ حكمه اهـ.
وحاصله: أنه قد يحتاج في المسألة الأولى إلى أن يبعث بكتاب حكمه على الخصم
الحاضر إلى قاض آخر فيكون ذكرها مقصوداً في هذا الباب. وأفاد القهستاني أن الكتاب
يكون إلى القاضي، ولو كان الخصم حاضراً وذلك لإمضاء قاض آخر، كما إذا ادعى على

١٣٣
كتاب القضاء / باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره
حكم بالشهادة وكتب بحكمه) ليحفظ (و) كتاب الحكم (هو السجل الحكمي) أي
الحجة التي فيها حكم القاضي هذا في عرفهم وفي عرفنا كتاب كبير تضبط فيه وقائع
الناس (وإن لم يكن الخصم حاضراً لم يحكم) لأنه حكم على الغائب (وكتب الشهادة)
إلى قاض يكون الخصم في ولايته (ليحكم) القاضي (المكتوب إليه بها على رأيه وإن
كان مخالفاً لرأي الكاتب) لأنه ابتداء حكم وهو نقل الشهادة حقيقة ويسمى
(الكتاب الحكمي) وليس بسجل (وقرأ) الكتاب (عليهم) أو أعلمهم بما فيه (وختم
عندهم) أي عند شهود الطريق (وسلم الكتاب إليهم بعد كتابة عنوانه في باطنه) وهو
آخر ألفاً وبرهن وحكم به ثم اصطلحا أن يأخذه منه في بلد وخاف أن ينكر فكتب به
لإمضاء قاضي البلد. قوله: (هو السجل) بكسر السين والجيم وتشديد اللام والضمتان
مع التشديد والفتح مع سكون الجيم والكسر لغات. قهستاني عن الكشاف. قوله: (التي
فيها حكم القاضي) بيان للنسبة في قوله: ((الحكمي)) وشمل ما إذا كان إلى قاض آخر أو
لا. قوله: (وكتب الشهادة) أي بعد ما سمعها وعدلت. نهر قوله: (وإن كان مخالفاً لرأي
الكتاب الخ) أي بخلاف السجل، فإنه ليس له أن يخالفه وينقض حكمه، لأن السجل
محكوم به دون الكتاب، ولهذا له أن لا يقبل الكتاب دون السجل كما في البحر عن منية
المفتي. وقوله في النهر: ولم أجده فيها، مبني على ما في نسخته وإلا فقد وجدته في
نسختي. وفي الفتح: والكتاب الحكمي لا يلزم العمل إذا كان يخالفه لأنه لم يقع حكم في
محل اجتهاد فله أن لا يقبله ولا يعمل به. قوله: (ويسمى الكتاب الحكمي) هذا في عرفهم
نسبوه إلى الحكم باعتبار ما يؤول. فتح. قوله: (وليس بسجل) لأن السجل محكوم به،
بخلاف الكتاب الحكمي. قوله: (وقرأ الكتاب عليهم) أي على شهود الطريق، ولو فسر
الضمير هنا وتركه في قوله: ((وختم عندهم)) ليعود على معلوم لكان أولى ط. قوله: (أو
أعلمهم بما فيه) أي بأخباره لأنه لا شهادة بلا علم المشهود به، كما لو شهدوا بأن هذا
الصك مكتوب على فلان لا يفيد ما لم يشهدوا بما تضمنه من الدين. فتح.
قال في البحر: ولا بد لهم من حفظ ما فيه، ولهذا قيل: ينبغي أن يكون معهم
نسخة أخرى مفتوحة، فيستعينوا منها على الحفظ، فإنه لا بد من التذكر وقت الشهادة إلى
وقت الأداء عندهما. قوله: (وختم عندهم) أي على الكتاب بعد طيه، ولا اعتبار للختم
في أسفله، فلو انكسر خاتم القاضي أو كان الكتاب منشوراً لم يقبل، وإن ختم في أسفله
كما في الذخيرة، وإنما قال: ((عندهم)) لأنه لا بد أن يشهدوا عنده أن الختم بحضرتهم
كما في المغني، واشتراط الختم ليس بشرط إلا إذا كان الكتاب في المدعي، وبه يفتى كما
ذكره المصنف. قهستاني. قوله: (وسلم الکتاب إليهم) أي في مجلس يصح حکمه فيه، فلو
سلم في غير ذلك المجلس لم يصح كما في الكرماني. قهستاني. قال في النهاية: وعمل

١٣٤
كتاب القضاء / باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره
أن يكتب فيه اسمه واسم المكتوب إليه وشهرتهما (فلو كان) العنوان (على ظاهره لم
يقبل) قيل هذا في عرفهم، وفي عرفنا يكون على الظاهر فيعمل به، واكتفى الثاني
بأن يشهدهم أنه كتابه، وعليه الفتوى كما في العزمية عن الكفاية. وفي الملتقى:
وليس الخبر كالعيان (فإذا وصل إلى المكتوب إليه نظر إلى ختمه) أولًا (ولا يقبله)
القضاة اليوم أنهم يسلمون المكتوب إلى المدعي، وهو قول أبي يوسف وهو اختيار الفتوى
على قول شمس الأئمة، وعلى قول أبي حنيفة: يسلم المكتوب إلى الشهود، كذا وجدت
بخط شيخي اهـ. ثم قال: وأجمعوا في الصك أن الإشهاد لا يصح ما لم يعلم الشاهد ما في
الكتاب، فاحفظ هذه المسألة فإن الناس اعتادوا خلاف ذلك اهـ سعیدیة. لکن ینافي دعوى
الإجماع ما سيأتي عن أبي يوسف وقدم المصنف في باب الاستحقاق: لا يحكم بسجل
الاستحقاق بشهادة أنه كتاب كذا بل لا بد من الشهادة على مضمونه، وكذا ما سوى نقل
الشهادة والوكالة اهـ. ومثله في الغرر، فهذا صريح في أن كتاب نقل الشهادة والوكالة لا
يحتاج للشهادة على مضمونه، ومقتضاه أنه لا حاجة لقراءته على الشهود أيضاً، والظاهر
أنه مبني على قول أبي يوسف الآتي. تأمل. قوله: (وشهرتهما) أفاد أن الاسم وحده لا
يكفي بلا شهرة بكنية ونحوها. قال في الفتح: ولو كان العنوان من فلان إلى فلان أو من
أبي فلان إلى أبي فلان لا يقبل، لأن مجرد الاسم أو الكنية لا يتعرف به، إلا أن تكون
الكنية مشهورة مثل أبي حنيفة وابن أبي ليلى، وكذلك النسبة إلى أبيه فقط كعمر بن
الخطاب وعليّ بن أبي طالب، وقيل هذا رواية، وفي سائر الروايات: لا تقبل الكنية
المشهورة لأن الناس يشتركون فيها ويشتهر بها بعضهم فلا يعلم أن المكتوب إليه هو
المشهور بها أو غيره، بخلاف ما لو كتب إلى قاضي بلدة كذا فإنه في الغالب يكون واحداً
فيحصل التعريف بالإضافة إلى محل ولايته اهـ ملخصاً.
قال في النهر: ويكتب فيه اسم المدعي والمدعى عليه وجدهما، ويذكر الحق
والشهود إن شاء، وإن شاء اكتفى بذكر شهادتهم، ومن الشروط أن يكتب فيه التاريخ،
فلو لم يكتبه لا يقبل اهـ: أي ليعلم أنه كان قاضياً حال الكتابة كما في الفتح. قوله:
(واكتفى الثاني الخ) الذي في العزمية عن الكفاية هو عبارة النهاية التي ذكرناها آنفاً،
وعبارة الملتقى هكذا، وأبو يوسف لم يشترط شيئاً من ذلك سوى شهادتهم أنه كتابه لما ابتلى
بالقضاء، واختار السرخسي قوله: ((وليس الخبر كالعيان)) اهـ: أي أن أبا يوسف باشر
القضاء مدة مديدة فاختار ذلك لما عاين المشقة في الشروط المارة، فلذا اختار السرخسي
قوله: وظاهره أن الختم ليس بشرط عنده، وظاهر الفتح أنه رواية عنه، قال: ولا شك
عندي في صحته، فإن الفرض عدالة حملة الكتاب فلا يضر عدم ختمه مع شهادتهم أنه
كتابه. نعم إذا كان الكتاب مع المدعي ينبغي اشتراط الختم لاحتمال التغيير إلا أن يشهدوا

١٣٥
كتاب القضاء / باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره
أي لا يقرؤه (إلا بحضور الخصم وشهوده) ولو كان لذمي على ذمي لشهادتهم على
فعل المسلم (إلا إذا أقرّ الخصم فلا حاجة إليهم) أي الشهود (بخلاف الكتاب
الأمان) في دار الحرب (حيث لا يحتاج إلى بيئة) لأنه ليس بمعلوم. وفي الأشباه: لا
يعمل بالخط إلا في مسألة كتاب الأمان ويلحق به البراءات
بما فيه حفظاً. قوله: (أي لا يقرؤه) أشار إلى ما في البحر عن الفتح من أن المراد من عدم
قبوله بلا خصم عدم قراءته لا مجرد قبوله، لأنه لا يتعلق به حكم اهـ. قوله: (إلا بحضور
الخصم وشهوده) أي شهود أنه كتاب فلان القاضي وأنه ختمه. نهر. وزاد بعد هذا في
الكنز: فإن شهدوا أنه كتاب فلان القاضي سلمه إلينا في مجلس حكمه وقرأه علينا وختمه
فتحه القاضي وقرأه على الخصم وألزمه بما فيه. قال في البحر: يعني إذا ثبتت عدالتهم
بأن كان يعرفهم بها أو وجد في الكتاب عدالتهم أو سأل من يعرفهم من الثقات فزكوا،
وأما قبل ظهور عدالتهم فلا يحكم به ولا يلزم الخصم. ثم ذكر قول أبي يوسف المار.
قوله: (لشهادتهم على فعل المسلم) وهو أنه كتب الكتاب وختمه وقرأه عليهم وسلمه
إليهم. قوله: (إلا إذا أقر الخصم) أي بأنه كتاب فلان القاضي. قوله: (بخلاف كتاب
الأمان) معناه: إذ جاء الكتاب من ملكهم بطلب الأمان. بحر عن العناية. قوله: (لأنه
ليس بملزم) لأن له أن لا يعطيهم الأمان، بخلاف كتاب القاضي، فإنه يجب على القاضي
المكتوب إليه أن ينظر فيه ويعمل به، ولا بد للملزم من الحجة وهي البينة. فتح.
فرع: لو مرض شهود الكتاب في الطريق أو الرجوع إلى بلدهم أو السفر إلى بلدة
أخرى فأشهدوا قوماً على شهادتهم جاز، وتمامه في الخانية.
مَطْلَبٌ: لَا يَعْمَلُ بِالخَطِّ
قوله: (لا يعمل بالخط) عبارة الأشباه: لا يعتمد على الخط، ولا يعمل بمكتوب
الوقف الذي عليه خطوط القضاة الماضين الخ. قال البيري: المراد من قوله لا يعتمد: أي
لا يقضي القاضي بذلك عند المنازعة، لأن الخط مما يزوّر ويفتعل كما في مختصر الظهيرية،
وليس منه ما في دواوين القضاة إلى آخر ما قدمناه أول القضاء عند قوله: ((فإذا تقلد طلب
ديوان قاض قبله)) فراجعه. قوله: (ويلحق به البراءات) عبارة الأشباه: ويمكن إلحاق
البراءات السلطانية المتعلقة بالوظائف إن كان العلة أنه يعني كتاب الأمان لا يزور، وإن
كانت العلة الاحتياط في الأمان حقن الدم فلا.
أقول: يجب المصير إلى الأخير. سائحاني: أي لإمكان التزوير، بل قد وقع كما
ذكره الحموي، وحينئذ فلا يصح الإلحاق، ولكن قد علمت أن العلة في كتاب الأمان أنه
غير ملزم، وقدمنا أول القضاء استظهار كون علة العمل بما له رسوم في دواوين القضاة
الماضين هي الضرورة وهنا كذلك، فإنه يتعذر إقامة البينة على ما يكتبه السلطان من

١٣٦
كتاب القضاء / باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره
ودفتر بياع وصراف وسمسار، وجوّزه محمد لراو وقاض وشاهد
البراءات لأصحاب الوظائف ونحوهم، وكذا منشور القاضي والوالي وعامة الأوامر
السلطانية مع جريان العرف والعادة بقبول ذلك بمجرد كتابته، وإمكان تزويرها على
السلطان لا يدفع ذلك، لأنه وإن وقع فهو أمر نادر قلما يقع، وهو أندر من إمكان تزوير
الشهود، وهو أولى بالقبول من دفتر الصراف ونحوه فإنهم علموا به للعرف کما یأتي.
مَطْلَبٌ: في العَمَلِ بِمَا فِي الدَّفَاتِرِ السُّلْطَانِيَّةِ
وذكر العلامة البعلي في شرحه على الأشباه أن للشارح العلامة الشيخ علاء الدين
رسالة حاصلها بعد نقله ما في الأشباه: وأن ابن الشحنة وابن وهبان جزما بالعمل بدفتر
الصراف ونحوه لعلة أمن التزوير، كما جزم به البزازي والسرخسي وقاضيخان. قال: إن
هذه العلة في الدفاتر السلطانية أولى، كما يعرفه من شاهد أحوال أهاليها حين نقلها، إذ لا
تحرر أولًا إلا بإذن السلطان، ثم بعد اتفاق الجم الغفير على نقل ما فيها من غير تساهل
بزيادة أو نقصان تعرض على المعين لذلك فيضع خطه عليها، ثم تعرض على المتولي
لحفظها المسمى بدفتر أميني فيكتب عليها، ثم تعاد أصولها إلى أمكنتها المحفوظة بالختم،
فالأمن من التزوير مقطوع به، وبذلك كله يعلم جميع أهل الدولة والكتبة، فلو وجد في
الدفاتر أن المكان الفلاني وقف على المدرسة الفلانية مثلاً يعمل به من غير بينة، وبذلك
يفتي مشايخ الإسلام كما هو مصرّح به في بهجة عبد الله أفندي وغيرها، فليحفظ اهـ.
قلت: ويؤيده العمل بما في دواوين القضاة الماضين، وكان مشايخ الإسلام المولين
في الدولة العثمانية أفتوا بما ذكر إلحاقاً للدفاتر السلطانية بدواوين القضاة المذكورة لاتحاد
العلة فيهما، والله سبحانه أعلم، لكن قدمنا في الوقف عن الخيرية أنه لا يثبت بمجرد
وجوده في الدفتر السلطاني.
مَطْلَبٌ: فِي دَفْتِ الْبَيَّعِ وَالصَّرَّافِ وَالسِّمْسَارِ
قوله: (ودفتر بياع وصراف وسمسار) عطف على كتاب الأمان، فإن هذا منصوص
عليه لا ملحق به، فقد قال في الفتح من الشهادات: إن خط السمسار والصراف حجة
للعرف الجاري به اهـ. قال البيري: هذا الذي في غالب الكتب حتى المجتبى فقال في
الإقرار: وأما خط البياع والصراف والسمسار فهو حجة، وإن لم يكن مصدراً معنوناً تعرف
ظاهراً بين الناس، وكذا ما يكتب الناس فيما بينهم يجب أن يكون حجة للعرف اهـ. وفي
خزانة الأكمل: صراف كتب على نفسه بمال معلوم وخطه معلوم بين التجار وأهل البلد ثم
مات فجاء غريم يطلب المال من الورثة وعرض خط الميت بحيث عرف الناس خطه يحكم
بذلك في تركته إن ثبت أنه خطه، وقد جرت العادة بين الناس بمثله حجة اهـ. قال العلامة
العيني: والبناء على العادة الظاهرة واجب، فعلى هذا إذا قال البياع وجدت في يادكاري

١٣٧
كتاب القضاء / باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره
بخطي أو كتبت في يادكاري بيدي أن لفلان عليّ ألف درهم كان هذا إقراراً ملزماً إياه.
أقول: ويزاد أن العمل في الحقيقة إنما هو لموجب العرف لا بمجرد الخط والله
أعلم، وبهذا عرف أن قولهم فيما إذا ادعى رجل مالاً وأخرج بمال خطا وادّعى أنه خط
المدعى عليه فأنكر كون الخط خطه فاستكتب فكتب وكان بين الخطين مشابهة ظاهرة تدل
على أنهما خط كاتب واحد: اختلف فيه المشايخ، والصحيح أنه لا يقضي بذلك، فإنه لو
قال هذا خطي وليس عليّ هذا المال كان القول قوله، يستثنى منه ما إذا كان الكاتب
سمساراً أو صرافاً أو نحو ذلك ممن يؤخذ بخطه، كذا في قاضيخان اهـ كلام البيري.
قلت: ويستثنى منه أيضاً ما قدمناه أول الباب من كتابة القاضي إلى الأمير الذي
ولّه، وكذا ما سيذكره الشارح عن شرح الوهبانية والملتقط، وهو ما إذا كان على وجه
الرسالة معنوناً اهـ. وهو أن يكتب في صدره من فلان إلى فلان على ما جرت به العادة، .
فهذا كالنطق فلزم حجة كما في الملتقى والزيلعي من مسائل شتى آخر الكتاب، ومثله في
الهداية والخانية، وهذا إذا اعترف أن الخط خطه فإنه يلزمه ما فيه وإن أنكر أن يكون في
ذمته ذلك المال، بخلاف ما إذا لم يكن مصدراً معنوناً كما هو صريح الخانية، وهذا ذكروه
في الأخرس. وذكر في الكفاية آخر الكتاب عن الشافي أن الصحيح مثل الأخرس، فإذا
كان مستبيناً مرسوماً وثبت ذلك بإقراره أو ببينة فهو كالخطاب اهـ. ومقتضى كلامهم
اختصاص ذلك بكونه على وجه الرسالة إلى الغائب، وهو أيضاً مفاد كلام الفتح في
الشهادات فراجعه، لكن في شهادات البحر عن البزازية ما يدل على أنه لا فرق في المعنون
بين كونه لغائب أو لحاضر، ومثله ما في فتاوى قارىء الهداية: إذا كتب على وجه
الصكوك يلزمه المال، وهو أن يكتب يقول فلان الفلاني إن في ذمتي لفلان الفلاني كذا
وكذا فهو إقرار يلزم، وإن لم يكتب على هذا الرسم فالقول مع يمينه اهـ.
قلت: والعادة اليوم في تصديرها بالعنوان أنه يقال فيها سبب تحريره، هو أنه ترتب
في ذمة فلان الفلاني الخ، وكذا الوصول الذي يقال فيه وصل إلينا من يد فلان الفلاني
كذا، ومثله ما يكتبه الرجل في دفتره مثل قوله: علم بيان الذي في ذمتنا لفلان الفلاني،
فهذا كله مصدر معنون جرت العادة بتصديره بذلك، وهو مفاد كلام قارىء الهداية
المذكور، فمقتضاه أن هذا كله إذا اعترف بأنه خطه يلزمه، وإن لم يكن مصدراً معنوناً لا
يلزمه إذا أنكر المال، وإن اعترف بكونه كتبه بخطه، إلا إذا كان بياعاً أو صرافاً أو
سمساراً لما في الخانية، وصكّ الصراف والسمسار حجة عرفاً اهـ. فشمل ما إذا لم يكن
مصدراً معنوناً، وهو صريح ما مر عن المجتبى، وما إذا لم يعترف بأنه خطه كما هو
صريح ما مر عن الخزانة.

١٣٨
كتاب القضاء / باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره
إن تیقن به، قیل وبه یفتی
ثم إن قول المجتبى: وكذا ما يكتب الناس فيما بينهم الخ، يفيد عدم الاقتصار على
الصراف والسمسار والبياع، بل مثله كل ما جرت العادة به فيدخل فيه ما يكتبه الأمراء
والأكابر ونحوهم ممن يتعذر الإشهاد عليهم، فإذا كتب وصولاً أو صكاً بدين عليه وختمه
بخاتمه المعروف، فإنه في العادة يكون حجة عليه بحيث لا يمكنه إنكاره، ولو أنكره يعدّ
بين الناس مكابراً، فإذا اعترف بكونه خطه وختمه، وكان مصدراً معنوناً فينبغي القول
بأنه يلزمه، وإنلم يعترف به أو وجد بعد موته فمقتضى ما في المجتبى أنه يلزمه أيضاً عملًاً
بالعرف كدفتر الصراف ونحوه، ومثله ماإذا وجد في صندوقه مثلاً صرّة دراهم مكتوب
عليها هذه أمانة فلان الفلاني، فإن العادة تشهد بأنه لا یکتب بخطه ذلك على دراهمه.
ثم اعلم أن هذا كله فيما يكتبه على نفسه كما قيده بعض المتأخرين، وهو ظاهر
بخلاف ما يكتبه لنفسه، فإنه لو ادعاه بلسانه صريحاً لا يؤخذ خصمه به، فكيف إذا كتبه؟
ولذا قيده في الخزانة بقوله: كتب على نفسه كما مر. وذكر في شرح الوهبانية: أئمة بلخ
قالوا: يادكار البياع حجة لازمة عليه، فإن قال البياع وجدت بخطي أن عليّ لفلان كذا
لزم. قال السرخسي: وكذا خط السمسار والصراف اهـ. فقوله: إن عليّ لفلان الخ
صريح في ذلك. وأما قول ابن وهبان في تعليل المسألة لأنه لا یکتب إلا ماله وعليه،
فمراده أن البياع ونحوه لا يكتب في دفتره شيئاً على سبيل التجربة للخط أو اللغو
واللعب، بل لا يكتب إلا ماله أو عليه، ولا يلزم من هذا أن يعمل بكتابته في الذي له
كما لا يخفى، خلافاً لمن فهم منه ذلك، ويجب تقييده أيضاً بما إذا كان دفتره محفوظاً
عنده. فلو كانت كتابته فيما عليه في دفتر خصمه فالظاهر أنه لا يعمل به خلافاً لما بحثه
ط، لأن الخط مما يزور؛ وكذا لو كان له كاتب والدفتر عند الكاتب، لاحتمال كون
الكاتب كتب ذلك عليه بلا علمه، فلا يكون حجة عليه إذا أنكره أو ظهر ذلك بعد موته
وأنكرته الورثة، خلافاً لمن حكم في عصرنا بذلك لذمي ادعى على ورثة تاجر له كاتب
ذمي ودفتر التاجر عند كاتبه الذمي فقد كنت أفتيت بأنه حكم باطل، وكون المدعي
والكاتب ذميين يقوّي شبهة التزوير، وإن الكتابة حصلت بعد موت التاجر، وتمام الكلام
في كتابنا [تنقيح الحامدية]. قوله: (إن تيقن به) أي بأنه خط من يروي عنه في الأول،
وبأنه خط نفسه في الأخيرين اهـ ح. قوله: (قيل وبه يفتى) قال في خزانة الأكمل: أجاز
أبو يوسف ومحمد العمل بالخط في الشاهد والقاضي والراوي إذا رأى خطه ولم يتذكر
الحادثة: قال في العيون: والفتوى على قولهما إذا تيقن أنه خطه، سواء كان في القضاء أو
الرواية أو الشهادة على الصك، وإن لم يكن الصك في يد الشاهد، لأن الغلط نادر، وأثر
التغيير يمكن الاطلاع عليه، وقلما يشتبه الخط من كل وجه، فإذا تيقن جاز الاعتماد عليه
توسعة على الناس اهـ حموي. لكن سيذكر الشارح في الشهادات قبيل باب القبول ما نصه:
7

١٣٩
كتاب القضاء / باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره
(ولا بد من مسافة ثلاثة أيام بين القاضيين كالشهادة على الشهادة) على الظاهر،
وجوزهما الثاني إن بحيث لا يعود في يومه، وعليه الفتوى. شرنبلالية وسراجية
(ويبطل) الكتاب (بموت الكاتب وعزله قبل وصول الكتاب إلى الثاني أو بعد وصوله
قبل القراءة) وأجازه الثاني (وأما بعدهما فلا) يبطل (و) يبطل (بجنون الكاتب وردته
وحده لقذف وعمائه وفسقه بعد عدالته) لخروجه عن الأهلية، وأجازه الثاني (و)
كذا (بموت المكتوب إليه) وخروجه عن الأهلية (إلا إذا عمم بعد تخصيص) اسم
وجوزاه لو في حوزه، وبه نأخذ. بحر عن المبتغى اهـ. وهذا ما اختاره المحقق ابن الهمام
هناك، وسيأتي تمامه إن شاء الله تعالى. قوله: (ولا بد من مسافة الخ) فلو أقل لا يقبل.
وفي نوادر هشام: إذا كان في مصر واحد قاضيخان جاز كتابة أحدهما إلى الآخر في
الأحكام. جوهرة عن الينابيع، وكذا كتابة القاضي إلى الأمير الذي ولاه وهو معه في
المصر كما مر أول الباب. قوله: (على الظاهر الخ) قال في المنح: هذا هو ظاهر الرواية،
وجوزّها محمد وإن كانا في مصر واحد. وعن أبي يوسف: إن كان في مكان لو عدا لأداء
الشهادة يستطيع أن يبيت في أهله صح الإشهاد والكتابة. وفي السراجية: وعليه الفتوى
اهـ. قوله: (ويبطل الكتاب الخ) هذا شرط آخر لقبول الكتاب والعمل به، وهو أن يكون
القاضي الكاتب على قضائه. نهر: أي لأنه بمنزلة الشهادة، فبموت الأصل قبل أداء
الفروع الشهادة تبطل شهادة الفروع، فكذا هذا. ط عن العيني. قوله: (قبل وصول
الكتاب الخ) لو اقتصر على قوله: ((قبل القراءة)) لأغناه، ولذا قال في الفتح: العبارة الجيدة
أن يقال: لو مات قبل قراءة الكتاب لا قبل وصوله، لأن وصوله قبل ثبوته عند المكتوب
إليه وقراءته لا يوجب شيئاً اهـ. قوله: (فلا يبطل) أي في ظاهر الرواية. بحر. قوله:
(ويبطل بجنون الكاتب الخ) في الخانية: وإن عزل القاضي الكاتب أو مات بعد ما وصل
الكتاب إلى الآخر فإنه يعمل به، لأن الموت والعزل ليس بمخرج، بخلاف ما إذا فسخ
الكاتب أو عمي أو صار بحال لا يجوز حكمه وشهادته فإن الآخر لا يقبل كتابه، لأن
كتاب القاضي بمنزلة الشهادة فما يمنع القضاء بشهادته يمنع القضاء بكتابه اهـ. وظاهره
أنه يبطل بذلك ولو بعد وصوله، مع أن الزيلعي صرح بأن ذلك كعزله. ثم رأيت في
البحر ذكر أن بين كلاميهما مخالفة، ولم يجب عنها. تأمل. ورأيت في البزازية مثل ما في
الخانية، وفي الدرر مثل ما هنا، فالظاهر أن في المسألة قولين. قوله: (وعمائه) الأنسب
(وعماه)) بدون همز، لأن العمى مقصور. قوله: (وفسقه) عبر عنه في النهر بقيل وقال:
إنه بناء على عزله بالفسق، ومثله في الفتح. قوله: (وكذا بموت المكتوب إليه) لأن
الكاتب لما خصه فقد اعتمد عدالته وأمانته والقضاة متفاوتون في ذلك فصح التعيين. نهر.
قوله: (إلا إذا عمم الخ) بأن قال: إلى فلان قاضي بلد كذا وإلى كل من يصل إليه من

١٤٠
كتاب القضاء / باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره
المكتوب إليه (بخلاف ما لو عمم ابتداء) وجوزه الثاني (و) عليه العمل. خلاصة
(لا) يبطل (بموت الخصم) أياً كان لقيام وارثه أو وصيه مقامه.
قلت: وكذا لا يبطل بموت شاهد الأصل كما سيأتي متناً في بابه. خلافاً لما
وقع في الخانية هنا، فهو مخالف لما ذكره بنفسه ثمة، فتنبه.
(و) اعلم أن (الكتابة بعلمه كالقضاء بعلمه) في الأصح. بحر. فمن جوّزه
جوزها ومن لا فلا، إلا أن المعتمد عدم حكمه بعلمه في زماننا. أشباه.
قضاة المسلمين، لأن غيره صار تبعاً له. فتح. قوله: (بخلاف ما لو عمم ابتداء) بأن
قال: إلى كل من يصل إليه كتابي هذا من قضاة المسلمين وحكامهم. قوله: (وجوزه الثاني)
وكذا الشافعي وأحمد، فتح. قوله: (وعليه العمل) قال الزيلعي واستحسنه كثير من
المشايخ في الفتح، وهو الأوجه لأن إعلام المكتوب إليه وإن كان شرطاً فبالعموم يعلم كما
يعلم بالخصوص، وليس العموم من قبيل الإجمال والتجهيل فصار قصديته وتبعيته سواء.
نهر. قوله: (أياً كان) أي مدعياً أو مدعى عليه. قوله: (في بابه) أي في باب الشهادة على
الشهادة ح. قوله: (خلافاً لما وقع في الخانية هنا) أي في هذا الباب حيث قال: لو مات
القاضي الكاتب أو عزل قبل وصول الكتاب بطل كتابه، كشاهد الأصل إذا مات قبل أن
يشهد الفرع على شهادة الأصل اهـ. قوله: (ثمة) أي هناك: أي في باب الشهادة على
الشهادة حيث قال: الشهادة على الشهادة لا تجوز إلا أن يكون المشهود على شهادته مريضاً
في المصر أو يكون ميتاً الخ، وهذا هو الموافق للمتون.
مَطْلَبٌ فِي قَضَاءِ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ
قوله: (فمن جوزه جوزها) وشرط جوازه عند الإمام أن يعلم في حال قضائه في
المصر الذي هو قاضيه بحق غير حد خالص لله تعالى من قرض أو بيع أو غصب أو
تطليق أو قتل عمداً أو حد قذف، فلو علم قبل القضاء في حقوق العباد ثم ولى فرفعت
إليه تلك الحادثة أو علمها في حال قضائه في غير مصره ثم دخله فرفعت لا يقضي عنده،
وقالا: يقضي، وكذا الخلاف لو علم بها وهو قاضٍ في مصره ثم عزل ثم أعيد. وأما في
حد الشرب والزنا فلا ينفذ قضاؤه بعلمه اتفاقاً. فتح ملخصاً. وبه علم أنه في الحدود
الخالصة لله تعالى لا ينفذ كما صرح به في شرح أدب القضاء معللاً بأن كل واحد من
المسلمين يساوي القاضي فيه وغير القاضي إذا علم لا يمكنه إقامة الحد، فكذا هو، ثم
قال: إلا في السكران أو من به أمارة السكر ينبغي له أن يعزّره للتهمة ولا يكون حداً اهـ.
قوله: (ومن لا فلا) قال في الفتح: إلا أن التفاوت هنا هو أن القاضي يكتب بالعلم
الحاصل قبل القضاء بالإجماع. قوله: (إلا أن المعتمد) أي عند المتأخرين لفساد قضاة
الزمان، وعبارة الأشباه: الفتوى اليوم على عدم العمل بعلم القاضي في زماننا كما في