النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ كتاب القضاء ظن أنهم عبيد وقضى بجوازه ثم ظهر أنهم مدبرون كان قضاؤه بذلك باطلاً، وإن مضى في فصل مجتهد فيه وهو جواز بيع المدبر، لكن لما لم يعلم بذلك كان باطلاً اهـ. فعلم أن الضابط أخذ من فرع وقع فيه القضاء على خلاف رأيه السابق، وهو أن المدبر لا يباع، فلذا كان قضاؤه باطلًا، وعدم العلم دليل بقاء رأيه السابق؛ أما لو كان عالماً وقضى على خلاف رأيه السابق حمل على تبدل اجتهاده بدليل ما في السير الكبير في باب الفداء الذي يرجع إلى أهله حيث قال: مات وله رقيق وعليه دين كثير، فباع القاضي رقيقه وقضى دينه، ثم قامت البينة لبعضهم أن مولاه كان دبره، فإن بيع القاضي فيه يكون باطلًا؛ ولو كان القاضي عالماً بتدبيره واجتهد وأبطل تدبيره لكونه وصية وباعه في الدين ثم ولى قاض آخر يرى ذلك خطأ فإنه ينفذ قضاء الأول الخ، فعلم أن عدم الأخذ ليس هو لعدم العلم بل لكونه بيع الحر. وقال الحسام أيضاً: قال في كتاب الرجوع عن الشهادة: إذا قضی القاضي بشهادة محدودين في قذف وهو لا يعلم بذلك ثم ظهر لا ينفذ قضاؤه، وهو محمول على محدودين شهدا بعد التوبة كما في قضاء شرح الجامع، ومن المعلوم أن قضاء هذا على خلاف رأيه المقرر قبل ذلك فلذا لم ينفذ، فعدم النفاذ لعدم صحة الشهادة لا لعدم العلم، فإذا ظهر أن هذا في قضاء القاضي المجتهد، وأن اعتبار العلم وعدمه إنما هو للدلالة على البقاء على الاجتهاد الأول أو تبدله، وأنه لو كان على وفق رأيه نفذ، وإن لم يعلم بالخلاف ظهر لك أن اعتبار هذا في القاضي المقلد جهالة فاحشة، وخرق لما أجمعت عليه الأمة في أن المقلد إذا قضى بقول إمامه مستوفياً للشروط نفذ قضاؤه، سواء علم أن في المسألة خلافاً أو لا، وصار المختلف فيه بقاؤه متفقاً علیه کما صرحت به نصوص المختصرات والمطولات وامتنع نقضه بالإجماع. هذا خلاصة ما في تلك الرسالة. وحاصله: أن اشتراط كون القاضي المجتهد عالماً بالخلاف إنما هو لبيان أن الموضع المختلف فيه الذي لم يقصد الحكم به لعدم علمه به كصحة بيع المدبر، وقبول شهادة المحدود لا يصير محكوماً به في ضمن الحكم الذي قصده وهو بيع عبد المديون لقضاء دينه، وقبول شهادة العدل في الصورتين السابقتين ونحوهما، إذ لا وجه لصيرورته محكوماً به مع عدم علمه به وقصد له ومع كونه مخالفاً لرأيه، بخلاف ما إذا كان عالماً به وقصد الحكم به، فإنه وإن خالف رأيه يصح حكمه به، ويكون ذلك رجوعاً عن رأيه السابق لتغیر اجتهاده فينفذ، وإذا رفع إلى قاض آخر أمضاه، وهذا كلام في غاية التحقيق، وحيث كان هذا هو ظاهر الرواية فلا يعدل عنه، وكأن صاحب الخلاصة فهم أن المراد اشتراط علمه بالخلاف فيما قصد الحكم به أو لم يقصد فلذا قال: ويفتي بخلافه، ولا سيما إن كان فهم أيضاً أنه شرط في المجتهد وغيره، إذ لا شك في عسر ذلك ولا سيما على قضاة ٨٢ كتاب القضاء تيسيراً، فليحفظ بعد دعوى صحيحة من خصم على خصم حاضر، وإلا كان إفتاء فيحكم بمذهبه لا غير. بحر. وسيجيء آخر الكتاب. وأنه إذا ارتاب في حكم الأول له طلب شهود الأصل، قال: وبه عرف أن تنافيذ زماننا لا تعتبر لترك ما ذکر، زماننا فافهم، والله سبحانه أعلم. قوله: (بعد دعوى صحيحة الخ) الظرف متعلق بحكم في قوله: ((حكم قاض)) أو بمحذوف خبر أيضاً لكن المقدرة بعد ((لو)) في قوله: ((لو مجتهداً فيه)) قال في البحر أول كتاب القضاء: فإن فقد هذا الشرط لم يكن حكماً وإنما هو إفتاء، صرح به الإمام السرخسي؛ وبأنه شرط لنفاذ القضاء في المجتهدات. ونقل الشيخ قاسم في فتاواه الإجماع عليه. ثم قال هنا في البحر: فالحاصل أن الحكم المرفوع لا بد أن يكون في حادثة وخصومة صحيحة كما صرح به العمادي والبزازي، وقالا: حتى لو فات هذا الشرط لا ينفذ القضاء لأنه فتوى اهـ. فلو رفع إلى حنفيّ قضاء مالكيّ بلا دعوى لم يلتفت إليه ويحكم بمقتضى مذهبه، ولا بد في إمضاء الثاني لحكم الأول من الدعوى أيضاً كما سمعت اهـ: أي لا بد في حكم الثاني إذا رفع إليه حكم الأول من أن يكون أيضاً بعد دعوى صحيحة كما نقله قبله عن البزازية، وهذه الدعوى والخصومة تسمى الحادث لحدوثها عند القاضي ليحكم بها، بخلاف ما كان من لوازم تلك الحادثة فإنه لم يحدث بدون الخصومة فیه، فلذا لم يصح حکمه به قبلها كما يأتي بيانه في الموجب قريباً. ثم اعلم أن اشتراط تقدم الدعوى إنما هو في القضاء القصدي دون الضمني والفعلي كما سنحققه في الفروع، وكذا ما تسمع فيه الدعوى حسبة ومنه الوقف كما يأتي قريباً. قوله: (وإلا لا) أي وإن لم يكن حكم الأول بعد دعوى صحيحة لم يكن قضاء صحيحاً بل كان إفتاء: أي بياناً لحكم الحادثة، وإذا كان إفتاء لم يلزم القاضي الثاني تنفيذه، بل يحكم بمقتضى مذهبه وافق حكم الأول أو خالفه، فافهم. قوله: (وسيجيء آخر الكتاب) أي في مسائل شتى قبيل الفرائض، وحاصله ما قدمناه عن البحر. قوله: (وأنه إذا ارتاب الخ) عطف على الضمير المستتر في ((سيجيء)» فإن هذا الحكم مذكور هناك أيضاً اهـ ح. لكن هذا ذكره في البحر. وقال في النهر: ولم أجدہ لغيره، وتبعه الحموي ط. قوله: (قال) أي صاحب البحر، وسبقه إلى ذلك العلامة ابن الغرس. قوله: (وبه عرف) أي بما ذكر فإنه أفاد أن شرط صحة الحكم كونه بعد دعوى صحة الخ. قوله: (لترك ما ذكر) فمؤداها إحاطة القاضي الثاني علماً بحكم القاضي الأول على وجه التسليم له، وأنه غير معترض عنده ويسمى اتصالاً ويتجوز بذكر الثبوت والتنفيذ فيه اهـ ابن الغرس. قلت: وللعلامة ابن نجم صاحب البحر رسالة في الحكم بلا تقدم الدعوى، وقال في آخرها: واعلم أن هذا فيما تشترط فيه الدعوى، وأما الوقف فالصحيح عدم اشتراطها ٨٣ كتاب القضاء وقد تعارفوا في زماننا القضاء بالموجب، لكونه حق الله تعالى، فتقبل البينة بلا دعوى ويحكم به كما في البزازية والظهيرية والعمادية وغيرها، فعلى هذا لا إنكار على التنافيذ الواقعة في زماننا لكتب الأوقاف، لأن حاصلها إقامة البينة على حكم قاض بالوقف، فقولهم إن التنافيذ في زماننا ليست أحكاماً إنما هو في غير الوقف الخ اهـ ملخصاً. قلت: لكن هذا ظاهر في الوقف على الفقراء وفي إثبات مجرد كونه وقفاً، أما كونه موقوفاً على فلان أو فلان وأن الواقف شرط كذا أو كذا فهذا حق عبد فلا بد فيه من دعواه لإثبات حقه، وكذا في إثبات شروطه كما يعلم مما ذكرناه في كتاب الوقف، فتأمل. مَطْلَبٌ مُهِمٌّ في الحُكْمِ بِالمُؤْجِبِ قوله: (وقد تعارفوا الخ) هذا من متعلقات اشتراط صحة الدعوى من خصم على خصم حاضر لصحة القضاء، وبيانه أنه إذا وقع تنازع في موجب خاص من مواجب ذلك الشيء الثابت عند القاضي ووقعت الدعوى بشروطها كان حكماً بذلك الموجب فقط دون غيره، فلو أقرّ بوقف عقار عند القاضي، وشرط فيه شروطاً وسلمه إلى المتولي ثم تنازعا عند القاضي الحنفي في صحته ولزومه، فحكم بهما وبموجبه لا يكون حكماً بالشروط، فللشافعي أن يحكم فيها بمقتضى مذهبه، ولا يمنع حكم الحنفي السابق، وتمامه في الأشباه. وذكر في البحر: أن القاضي إذا قضى بشيء في حادثة بعد دعوى صحيحة لا يكون قضاء فيما هو من لوازمه، إلى أن قال: فقد علمت من ذلك كثيراً من المسائل، فإذا قضى شافعيّ بصحة بيع عقار وموجبه لا يكون حكماً منه بأنه لا شفعة للجار لعدم حادثتها، وكذا إذا قضى حنفيّ لا يكون حكماً بأن الشفعة للجار، وإن كانت الشفعة من مواجبه لأن حادثتها لم توجد وقت الحكم ولا شعور للقاضي بها، وكذا إذا قضى مالكيّ بصحة التعليق في اليمين المضافة لا يكون حكماً بأنه لا يصح نكاح الفضولي المجاز بالفعل لعدمه وقته فافهم، فإن أكثر أهل زماننا عنه غافلون اهـ. وكذا قال العلامة قاسم. أما كون الحكم حادثة فاحتراز عما لم يحدث بعد، كما لو حكم بموجب إجارة لا يكون حكماً بالفسخ بموت أحد المتاجرين لأنه لم توجد فيه خصومة اهـ. قلت: وقد ظهر من هذا أن المراد بالموجب هنا الذي لا يصح به الحكم هو ما ليس من مقتضيات العقد، فالبيع الصحيح مقتضاه خروج المبيع عن ملك البائع ودخوله في ملك المشتري، واستحقاق التسليم والتسلم في كل من الثمن والمثمن ونحو ذلك، فإن هذه وإن كانت من موجباته لكنها مقتضيات لازمة له، فیکون الحكم به حكماً بها، بخلاف ثبوت الشفعة فيه للخليط أو للجار مثلاً، فإن العقد لا يقتضي ذلك: أي لا يستلزمه، فكم من بيع لا تطلب فيه الشفعة، فهذا يسمى موجب البيع، ولا يسمى ٨٤ كتاب القضاء مقتضى، وهذا معنى قول بعض المحققين من الشافعية: إن الموجب عبارة عن الأثر المترتب على ذلك الشيء، وهو والمقتضى مختلفان، خلافاً لمن زعم اتحادهما، إذ المقتضى لا ينفك والموجب قد ينفك، فالأول كانتقال الملك للمشتري بعد لزوم البيع، والثاني كالرد بالعيب، والموجب أعم لأنه الأثر اللازم، سواء كان ينفك أو لا اهـ. وهذا أحسن مما قاله العلامة ابن الغرس من أن موجب الشيء ما أوجبه ذلك الشيء واقتضاه، فالموجب والمقتضى في الأصل واحد، ولكن يلزم من بعض الصور أن الموجب في باب الحكم أعم، وهو التحقيق إذ لو باع مدبرة ثم تنازعا عند القاضي الحنفي فحكم بموجب ذلك البيع صح الحكم، ومعناه الحكم ببطلان ذلك البيع، ومن المعلوم أن الشيء لا يقتضي بطلان نفسه فظهر أن الحكم في هذه الصورة لا يكون حكماً بالمقتضى وإلا كان باطلاً وكان للشافعي نقضه، والحكم بصحة البيع إذ لا مقتضى للبيع عند الحنفي لأنه باطل، ويصح عند الحنفي أن يقال: موجب هذا البيع البطلان اهـ ملخصاً. وإنما قلنا: إن ما مر أحسن لأنه يرد على ما قاله ابن الغرس أنه كما يقال إن الشيء لا يقتضي بطلان نفسه، فكذلك يقال إنه لا يوجب بطلان نفسه، فدعواه أنهما في الأصل بمعنى واحد، وأن هذا السبب هو الداعي إلى الفرق بينهما هنا غير مسلم، فالظاهر أن الفرق بينهما هو اشتراط عدم الانفكاك في المقتضى لا في الموجب فالموجب أعم، فالحكم بالموجب عندنا لا يصح، ما لم يكن حادثة بأن وقع فيه الترافع والتنازع عند الحاكم كما مر، فإذا وقع التنازع في صحة البيع ولزومه فحكم بموجب ذلك البيع كان حكماً بصحته، وبباقي مقتضياته الشرعية التي لا تنفك عنه كملك المشتري المبيع ولزوم دفعه الثمن ونحو ذلك، بخلاف موجبه المنفك عنه كاستحقاق الجار الأخذ بالشفعة لعدم الحادثة كما قلنا. مَطْلَبٌ: المُوجِبُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامِ ثم اعلم أن ابن الغرس ذكر أن الموجب على ثلاثة أقسام، لأنه إما أن يكون أمراً واحداً أو أموراً يستلزم بعضها بعضاً أو لا. فالأول: كالقضاء بالأملاك المرسلة والطلاق والعتاق، إذ لا موجب لها سوى ثبوت ملك الرقبة للعين والحرية وانحلال قيد العصمة. والثاني: كما إذا ادعى ربّ الدين على الكفيل بدين له على الغائب المكفول عنه وطالبه به فأنكر الدين فأثبته وحكم بموجب ذلك، فالموجب هنا أمران: لزوم الدين للغائب ولزوم أدائه على الكفيل، والثاني يستلزم الأول في الثبوت، والثالث: كما إذا حكم شافعيّ بموجب بيع عقار اقتصر الحكم على ما وقعت به الدعوى فلا يكون حكماً بأنه لا شفعة للجار، وهكذا في نظائره. هذا حاصل ما قرره ابن الغرس، وتبعه في النهر وزاد عليه قسماً رابعاً، لكنه يرجع إلى كونه شرطاً للقسم الثاني كما يظهر بالتأمل لمن راجعه. ٨٥ كتاب القضاء تنبيه: قدمنا آنفاً عن البحر عن فتاوى الشيخ قاسم أنه نقل الإجماع على أن تقدم الدعوى الصحيحة شرط لنفاذ الحكم، وأيد ذلك صاحب البحر في رسالة ألفها في ذلك؛ ثم قال: فقد استفيد مما في هذه الكتب المعتمدة أنه لا فرق بين ما إذا كان القاضي حنفياً أو غيره، إلى أن قال: ومما فرعته على أن قضاء المخالف إذا رفع إلينا فإنا نمضيه فيما وقع حکمه به لا في غيره ما لو قضى شافعي ببينة ذي اليد على خارج نازعه، ثم تنازع ذو اليد وخارج آخر عند حنفي فإنه يسمع الدعوى ولا يمنعه قضاء الشافعي من سماعها بناء على أن مذهبنا أن القضاء بالملك لا يكون قضاء على الكافة، بل يقتصر على المفضى عليه، وهو الخارج الأول، وإن كان مذهب الحاكم تعديه كما قدمناه من أن قضاء المالكي بغير دعوى غير صحيح عندنا وإن صح عنده، فإذا رفع إلينا لا ننفذه، وكذلك هنا لا نتعرض لحكمه على الخارج الأول، وأما الثاني فلم يقع حكمه عليه على مقتضى مذهبنا. ومما فرعته: لو حجر شافعيّ على سفیه بعد دعوى صحيحة ثم رفعت إلينا حادثة من تصرفاته، فإنا نحكم بمذهب أبي يوسف ومحمد للحجر على السفيه، فإنهما وإن وافقا الشافعي في أصل الحجر، لم يوافقاه في أنه يؤثر في كل شيء، وإنما يؤثر عندهما فيما يؤثر فيه الهزل، فإذا تزوجت السفيهة التي حجر عليها شافعي ولم يرفع نكاحها إليه ولم يبطله بل رفع إلى حنفي، فله أن يحكم بصحته لو الزوج كفؤاً على قولهما المفتى به، ولا يمنعه مذهب الحاجر، لعدم وجود حادثة التزوج وقت الحجر، ولم تكن لازمة للحجر حتى تدخل ضمناً لقبول الانفكاك، لجواز أن لا تتزوج المحجورة أصلاً، وقد توقف فيه بعض من لا اطلاع له على كلامهم اهـ. قلت: ويعلم منه ما يقع الآن من وقوع التنازع في صحة الإجارة الطويلة عند قاض شافعي فيحكم بصحتها وبعدم انفساخها بموت ولا غيره، فإن عدم الانفساخ بالموت لم يصر حادثة وقت الحكم، لأن الموت لم يوجد وقته، فللحنفي أن يحكم بالفسخ بالموت كما أفتى به في الخيرية. وذكر ابن الغرس من هذا القبيل: ما لو وهب ابنه وسلمه العين الموهوبة وقضى شافعيّ بالموجب ثم بعد مدة رجع الواهب في هبته وترافعا عند القاضي الحنفي فحكم ببطلان الرجوع. قال: وقد حصل التنازع في هذه المسألة بين أهل المذهبين: فقال القاضي الشافعي: حكم الحنفي باطل لأني حكمت قبله بموجب الهبة، ومن موجبها عندي أن الأب يملك الرجوع، والحكم في الخلافية يجعلها وفاقية، وقال القاضي الحنفي: الرجوع حادثة مستقلة وجدت بعد الحكم الأول بمدة طويلة، فكيف تدخل تحت حكمه؟ وأجيب فيها بأن الموجب هنا أمور: هي خروج العين من ملك الواجب ودخولها في ملك الموهوب له، وملك الواهب الرجوع إذا كان أباً عند الشافعي، وعدمه عند الحنفي؛ فإن كان التداعي عند القاضي ليس إلا في انتقال العين من ملك الواهب إلى ملك الموهوب له اقتصر القضاء بالموجب على ذلك، فإذا كان القاضي الأول ٨٦ كتاب القضاء وهو عبارة عن المعنى المتعلق بما أضيف إليه في ظن القاضي شرعاً من حيث إنه يقضي به، فإذا حكم حنفي بموجب بيع المدبر كان معناه الحكم ببطلان البيع، ولو قال الموثق وحكم بمقتضاه لا يصح، لأن الشيء لا يقتضي بطلان نفسه، شافعياً لا يصير كون الأب يملك الرجوع محكوماً به، وإذا كان حنفياً لا يصير عدم ملكه ذلك محكوماً به، فللقاضي الثاني أن يحكم بمذهبه: أي لأن الأمر الأول لا يستلزم الأمر الثاني في الثبوت. قال: فتبين أن القضاء في حقوق العباد يشترط له الدعوى الموصلة له شرعاً على وجه يحصل به المطابقة، إلا ما كان على سبيل الاستلزام الشرعي: أي كما في مسألة الكفالة المارة، وليس للقاضي أن يتبرّع بالقضاء بين اثنين فيما لم يتخاصما إليه فيه اهـ ملخصاً. فاغتفر التطويل في هذا المقام بما حواه من الفوائد العظام. قوله: (وهو عبارة عن المعنى) أي كخروج المبيع من ملك البائع، ودخوله في ملك المشتري، ووجوب التسلم والتسليم، ونحو ذلك من مقتضيات البيع ولوازمه، فذلك المعنى المحكوم به المضاف إلى المبيع المتعلق به في ظن القاضي شرعاً هو الموجوب ها هنا، وهو الذي اقتضاه عقد البيع. وأما الحكم بموجب بيع المدبر، فهو المعنى الذي أضيف إلى ذلك البيع في ظن القاضي شرعاً وهو كون ذلك البيع باطلاً، ولكن هذا المعنى ليس هو مقتضى ذلك البيع، إذ البيع لا يقتضي بطلان نفسه اهـ ابن الغرس. وظهر منه أن المراد بما في قوله: ((بما أضيف له)) هو البيع مثلًا، فإن دخول المبيع في ملك المشتري متعلق بذلك البيع ومضاف إليه شرعاً في ظن القاضي: أي في قصده من حيث إنه يقضي به: أي يقصد القضاء به وكذا غيره من مقتضيات البيع اللازمه له واحترز به عما لا يقصد القضاء به لعدم التنازع فيه كثبوت حق الشفعة، وأفاد أن الموجب قد يكون مقتضى كما مثلنا، وقد يكون غير مقتضى كبطلان بيع المدبر، فإنه موجب لا مقتضى على ما قررنا سابقاً، فافهم. ثم لا يخفى أن هذا التعريف مع ما فيه من التعقيد خاص بالموجب الذي وقع الحكم به صحيحاً مع أن الموجب أعم منه، فإن المعنى المتعلق بذلك البيع المضاف إليه يصدق على ثبوت حق الشفعة فيه وثبوت رده بخيار عيب ونحو ذلك مما ليس من مقتضياته اللازمة له، بدليل ما مر من أن الموجب قد يكون أموراً يستلزم بعضها بعضاً أو لا يستلزم، فالأظهر والأخصر تعريفه بما قدمناه من أنه الأثر المترتب على ذلك الشيء، وإن أراد تخصيصه بما يقع به الحكم صحيحاً عندنا يزيد على ذلك قولنا إذا صار حادثة، فيخرج ما لا حادثة فيه كما لو حكم شافعي بموجب بيع بعد إنكاره لا يكون حكماً بثبوت خيار المجلس مثلاً، مما ليس من لوازمه ومثله ما قدمناه من مسألة الهبة وغيرها هذا ما ظهر لي في هذا المحل، فتأمل. قوله: (فإذا قال (١) الموثق) هو كاتب القاضي الذي يكتب الوثيقة وهي المسماة حجة في (١) في ط قوله (فإذا قال الخ) هكذا بخطه، والذي في نسخ الشارح ((ولو قال الخ)) وهو الموافق لقول المحشي في القولة التي بعدها، والضمير في به عائد إلى قوله ((ولو قال الموثق الخ)). ٨٧ كتاب القضاء وبه ظهر أن الحكم بالموجب أعم. نهر (إلا ما) عري عن دليل مجمع أو (خالف كتاباً) لم يختلف في تأويله السلف كمتروك تسمية (أو سنة مشهورة) زماننا. قوله: (وبه ظهر أن الحكم بالموجب أعم) أي من المقتضى، فإن بطلان بيع المدبر موجب لا مقتضى لما ذكره فكل مقتضى موجب ولا عكس، والضمير في ((به)) عائد إلى قوله: ((ولو قال الموثق الخ)) فإن الشارح اقتصر على التمثيل ببيع المدبر الذي هو من أفراد الموجب لينبه على أن الموجب لا يلزم كونه مقتضى فلا يرد ما قيل: إن الذي ظهر من عبارته أن بينهما التباين لا العموم، فافهم. قوله: (مجمع) لم يمثل له في شرحه قال ط : والمراد به كما رأيته بهامشه نحو القضاء بسقوط الدين عن ترك المطالبة به سنين. قوله: (لم يختلف في تأويله السلف) الجملة صفة كتاباً، والمراد بالسلف الصحابة والتابعون رضي الله تعالى عنهم أجمعين، لقول الهداية: المعتبر الاختلاف في الصدر الأول وهم الصحابة والتابعون اهـ. وعليه فلا يعتبر اختلاف من بعدهم كمالك والشافعي، وسيأتي أنه خلاف الأصح. قوله: (كمتروك تسمية) أي عمداً فإنه مخالف لظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يُذْكَرِ اسْمُ الله عَليهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] بناء على أن الواو في قوله وإنه لفسق للعطف، والضمير راجع إلى مصدر الفعل الذي دخل عليه حرف النهي، أو إلى الموصول، واحتمال كونها حالية فتكون قيداً للنهي رد بأن التأكيد بإن واللام ينفيه، لأن الحال في النهي مبناه على التقدير، كأنه قيل لا تأكلوا منه إن كان فسقاً فلا يصلح وإنه الفسق، بل وهو فسق ولم سلم فلا نسلم أنه قيد للنهي، بل هو إشارة إلى المعنى الموجب له: كلاتهن زيداً وهو أخوك، ولا تشرب الخمر وهو حرام عليك. نهر موضحاً. وتمامه في رسالة ابن نجيم المؤلفة في هذه المسألة. مَطْلَبْ في الحُكْمِ بِمَا خَالَف الكِتَابَ أَوِ السُّنَّةَ أَوِ الإِجْمَاعَ قوله: (أو سنة مشهورة) قيد بالمشهورة احترازاً عن الغريب. زيلعي. ولا بد ها هنا من تقييد الكتاب بأن لا يكون قطعي الدلالة، وتقييد السنة بأن تكون مشهورة أو متواترة غير قطعية الدلالة، وإلا فمخالفة المتواتر من كتاب أو سنة إذا كان قطعي الدلالة كفر، كذا في التلويح. وأما إذا وقع الخلاف في أنه مؤول أو غير مؤول فلا بد أن يترجح أحد القولين بثبوت دليل التأويل، فيقع الاجتهاد في بعض أفراد هذا القسم أنه مما يسوغ فيه الاجتهاد أم لا، كذا في الفتح. وظاهر كلامهم يعطي أن آية التسمية على الذبيحة لا تقبل التأويل، بل هي نص في المدعي، وفيه نظر يظهر مما مر. نهر: أي ما مر من احتمال أوجه الإعراب، على أنه إذا كان المراد من النص ظني الدلالة كما مر، ففي عدم نفاذ الحكم بمعارضة نظر ظاهر كما قاله العلامة ابن أمير حاج في شرح التحرير. ثم قال: والذي يظهر أن القضاء بحل متروك التسمية عمداً ويشاهد ويمين ينفذ من غير توقف، ٨٨ كتاب القضاء كتحليل بلا وطء لمخالفته حديث العسيلة المشهور (أو إجماعاً) كحل المتعة لإجماع الصحابة على فساده وكبيع أم ولد على الأظهر، وقيل ينفذ على الأصح (و) من على إمضاء قاض آخر، وبيع أمهات الأولاد لا ينفذ ما لم يمضه قاض آخر اهـ. قلت: لكن قد علمت أن عدم النفاذ في متروك التسمية مبني على أنه لم يختلف فيه السلف، وأنه لا اعتبار بوجود الخلاف بعدهم، وحينئذ فلا يفيد احتمال الآية أوجهاً من الإعراب. نعم على ما يأتي من تصحيح اعتبار اختلاف من بعدهم، يقوي هذا البحث ويؤيده ما في الخلاصة من أن القضاء بحل متروك التسمية عمداً جائز عندهما لا عند أبي يوسف، وكذا ما في الفتح عن المنتقى، من أن العبرة في كون المحل مجتهداً فيه اشتباه الدليل لا حقيقة الخلاف، قال في الفتح: ولا يخفى أن كل خلاف بيننا وبين الشافعي أو غيره محل اشتباه الدليل، فلا يجوز نقضه بلا توقف على كونه بين الصدر الأول. والذي حققه في البحر أن صاحب الهداية أشار إلى القولين، فإنه ذكر أولاً عبارة القدوري، وهي: وإذا رفع إليه حكم حاكم أمضاه، إلا أن يخالف الكتاب أو السنة أو الإجماع وذكر ثانياً عبارة الجامع الصغير، وهي: وما اختلف فيه الفقهاء فقضى به القاضي ثم جاء قاض آخر يرى غير ذلك أمضاه، فما ذكره أصحاب الفتاوى من المسائل الآتية التي لا ينفذ فيها قضاء القاضي مبني على عبارة القدوري، لا على ما في الجامع. ومن قال: لا اعتبار بخلاف مالك والشافعي اعتمد قول القدوري. ومن قلا باعتباره اعتمد ما في الجامع. وفي الواقعات الحسامية عن الفقيه أبي الليث، وبه: أي بما في الجامع نأخذ، لكن في شرح أدب القضاء أن الفتوى على ما في القدوري اهـ ملخصاً. فقد ظهر قولان مصححان والمتون على ما في القدوري، والأوجه ما في الجامع ولذا رجحه في الفتح كما يأتي أيضاً. قوله: (كتحليل بلا وطء) أي تحليل المطلقة الثلاث بمجرد عقد المحلل بلا دخول عملاً بقول سعيد. بحر. قوله: (أو إجماعاً) المراد منه ما ليس فيه خلاف يستند إلى دليل شرعي. بحر. قوله: (كحل المتعة) أي كالقضاء بصحة نكاح المتعة، كقوله: متعيني بنفسك عشرة أيام فلا ينفذ، بخلاف القضاء بصحة النكاح المؤقت بأيام: أي بدون لفظ المتعة، فإنه ينفذ كما في الفتح، وقدمنا عنه في النكاح ترجيح قول زفر بصحة النكاح المؤقت بإلغاء التوقيت فينعقد مؤبداً. قوله: (وكبيع أم ولد الخ) قال شمس الأئمة السرخسي: هذه المسألة تبتني على أن الإجماع المتأخر يرفع الخلاف المتقدم عند محمد، وعندهما لا يرفع: يعني اختلفت الصحابة في جواز بيعها، ثم أجمع المتأخرون على عدمه، فكان القضاء به على خلاف الإجماع عند محمد فيبطله القاضي الثاني، وعندهما: لما لم يرفع خلاف الصحابة وقع في محل اجتهاد فلا ينقضه الثاني، لكن قال القاضي أبو زيد في التقويم: إن محمداً روى عنهم جميعاً أن القضاء ببيعها لا يجوز فتح. ٨٩ كتاب القضاء ذلك ما (لو قضى بشاهد ويمين) المدعي لمخالفته للحديث المشهور ((البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر)) (أو بقصاص بتعيين الوليّ واحداً من أهل المحلة أو بصحة نكاح المتعة أو الموقت أو بصحة بيع معتق البعض أو بسقوط الدين بمضيّ سنين أو بصحة) طلاق (الدور وبقاء النكاح) كما مر في بابه (وقضاء عبد وصبيّ وذكر في التحرير أن الأظهر من الروايات أنه لا ينفذ عندهم جميعاً، لكن ذكر أيضاً عن الجامع أنه يتوقف على قضاء قاض آخر، لأن الإجماع المسبوق بخلاف مختلف في كونه إجماعاً ففيه شبهة كخبر الواحد، فكذا في متعلقه وهو ذلك الحكم المجمع عليه، وقدمنا تمام الكلام على ذلك في باب الاستيلاد. قوله: (ومن ذلك ما لو قضى بشاهد ويمين) مقتضاه أنه لا ينفذ، وإذا رفع إلى قاض آخر أبطله، مع أنه قال في الفتح: فلو قضی بشاهد ويمين لا ينفذ، ويتوقف على إمضاء قاض آخر، ذكره في أقضية الجامع. وفي بعض المواضع ينفذ مطلقاً اهـ. وفي ط عن الهندية ذكر في كتاب الاستحسان أنه ينفذ على قول الإمام لا على قول الثاني اهـ. قوله: (لمخالفته الخ) الأولى ذكره عقب المسألة الثانية ليكون علة للمسألتين. قوله: (البينة على من ادعى) كذا في البحر، وفي الفتح، على المدعي. قوله: (أو بقصاص الخ) أي إذا قضى القاضي بالقصاص بيمين المدعي أن فلاناً قتله، وهناك لوث من عداوة ظاهرة كما هو قول مالك لا ينفذ لمخالفته السنة المشهورة ((البينة على المدعي، واليمين على من أنكر)) وتمامه في الفتح. قوله: (أو بصحة نكاح المتعة أو الموقت) لعل الصواب ((لا الموقت)) بلا النافية لما قدمناه قريباً من نفاذ القضاء بصحة الموقت، ونقل ط مثله عن الهندية، ولم أر من ذكر عدم نفاذه. قوله: (أو بصحة بيع معتق البعض) في الهندية عن الظهيرية: رجل أعتق نصف عبده أو كان العبد بين اثنين أعتقه أحدهما وهو معسر وقضی القاضي للآخر في بيع نصیبہ فباع ثم اختصما إلى قاضٍ آخر لا يرى ذلك، ذكر الخصاف أن القاضي يبطل البيع والقضاء. وحكى شمس الأئمة الحواني عن المشايخ أن ما ذكره الخصاف ليس فيه شيء عن أصحابنا، ولولا قول الخصاف لقلنا إنه ينفذ قضاؤه لأنه قضاء في فصل مجتهد فيه ط. قوله: (أو بسقوط الدين الخ) أي كما قال بعضهم: إذا لم يخاصم ثلاث سنين وهو في المصر بطل حقه، فلا ينفذ القضاء به لأنه قول مهجور، فإذا رفع إلى آخر أبطله وجعل المدعي على حقه كما في الخانية. قوله: (أو بصحة طلاق الدور وبقاء النكاح) أي صحة التعليق في طلاق الدور لا صحة نفس الطلاق، فإذا قال إن طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثاً، فإن القبلية تلغو وتطلق ثلاثاً لأن صحة تعليق الثلاث تؤدي إلى إبطاله، فلو قضى قاض بصحة التعليق وبطلان الطلاق وإبقاء النكاح لا ينفذ. قوله: (في بابه) أي في أول كتاب الطلاق وأوضحنا الكلام عليه هناك، فافهم. قوله: (وقضاء عبد) استشكل بأن العبد يصلح شاهداً عند مالك وشريح ٩٠ كتاب القضاء مطلقاً و) قضاء (كافر على مسلم أبداً ونحو ذلك) كالتفريق بين الزوجين بشهادة المرضعة (لا ينفذ) في الكل، وعدّ منها في الأشباه نيفاً وأربعين، وذكر في الدرر لما ينفذ سبع صور، منها لو قضت المرأة بحدّ وقود، فيصلح قاضياً، فإذا اتصل به إمضاء قاض آخر ينبغي أن ينفذ كما في المحدود في القذف ط عن الهندية. قوله: (مطلقاً) أي سواء قضيا على حرّ أو عبد بالغ أو صبيّ مسلم أو كافر اهـ ح. قوله: (أبداً) محل ذكره بعد قوله: ((لا ينفذ)) كما في عبارة الغرر. قوله: (وعد منها في الأشباه نيفاً وأربعين) نقدم الكلام عليها آخر كتاب الوقف فراجعه. قوله: (وذكر في الدرر لما ينفذ سبع صور) حيث قال: فإن أمضى قضاء من حدّ في قذف وتاب أو قضاء الأعمى أو قضاء امرأة بحد أو قود أو قضاء قاض لامرأته أو قاض بشهادة المحدود التائب وبشهادة الأعمى وقاض لامرأة بشهادة زوجها وقاض بحد أو قود بشهادتها نفذ، حتى لو أبطله ثان نفذه ثالث، لأن الاجتهاد الأول كالثاني، والأول تأبد باتصال القضاء فلا ينقض باجتهاد لم يتأبد به لأنه دونه اهـ. قلت: وفي هذه العبارة من الخفاء مالا يخفى، لأن القضاء في هذه السبع لا ينفذ ما لم يمضه قاض آخر، لأن المجتهد فيه نفس القضاء لا المقضى به، فهو القسم الثالث من الأقسام الثلاثة التي ذكرناها عند قول الشارح ((لو مجتهداً فيه)) فقول الدرر نفذ: أي إمضاء القاضي الثاني قضاء القاضي الأول المحدود في قذف الخ. وقوله: ((حتى لو أبطله ثان الخ)) صوابه: حتى لو أبطله ثالث لم يبطل، فتنبه لذلك فإني لم أر من نبه عليه، لكن ما ذكرنا من أنه لا ينفذ قضاء الأول موافق لما في الزيلعي، وهو ظاهر في الأربعة الأول دون الثلاثة الأخيرة، بل هو نافذ فيها فيصح أن يقال فيها: حتى لو أبطله ثان نفذه ثالث: أي نفذ الثالث قضاء الأول لأنه وقع نافذاً فلم يصح إبطال الثاني له، وهذا هو الموافق لما قدمناه في بيان الأقسام الثلاثة؛ ويوضحه ما في الخانية والبزازية وغيرهما إذا كان نفس القضاء مختلفاً فيه ورفع إلى قاض آخر لا يراه له إبطاله، وإذا رفع إلى من يراه ونفذه ثم رفع إلى ثالث لا يرى ذلك ليس له إبطاله، فلو كان القاضي هو المحدود في قذف فرفع حكمه إلى قاض آخر لا يرى جوازه أبطله الثاني، وكذا لو قضى لامرأته بشهادة رجلين لا يجوز، فلو رفع إلى آخر لا يراه جاز له إبطاله لأنه كما لا يصلح شاهداً لامرأته لا يصلح قاضياً لها، فإن رفع القضاء الأول إلى من يرى جوازه فأمضاه، ثم رفع إمضاء الثاني إلى الثالث لا يرى جوازه أمضى الثالث إمضاء الثاني ولا يبطله، وكذا قضاء الأعمى، وكذا قضاء المرأة في حد أو قصاص؛ وفيها أيضاً: لو قضى بشهادة محدود في قذف وهو يراه فرفع إلى من لا يراه لا يبطله، وكذا لو قضى بشهادة رجل وامرأتين في الحدود والقصاص اهـ. ٩١ كتاب القضاء وسيجيء متناً خلافاً لما ذكره المصنف شرحاً، والأصل أن القضاء يصح في موضع الاختلاف لا الخلاف، والفرق أن للأول دليلاً لا الثاني. وهل اختلاف الشافعي معتبر؟ الأصح نعم. صدر الشريعة (يوم الموت لا يدخل تحت القضاء، بخلاف يوم والحاصل: أن الخلاف إذا كان بعد القضاء بأن كان المجتهد فيه نفس القضاء الأول لا ينفذ ما لم ينفذه قاض ثان فيكون القضاء الثاني هو النافذ، فإذا رفع إلى ثالث وجب عليه تنفيذه ولا يصح إبطاله إياه، بخلاف ما إذا كان المجتهد فيه نفس المقضي به قبل القضاء. فإن القضاء به نافذ بدون تنفيذ وإذا رفع إلى آخر نفذه، وإن لم يكن مذهبه، وهذا ما مر في قوله: ((وإذا رفع إليه حكم قاض آخر نفذه)) وبخلاف ما خالف الدليل فإنه لا ينفذ وإن نفذ ألف قاض كما قاله الزيلعي، وهذا ما مر في قوله: ((إلا ما خالف كتاباً أو سنة مشهورة أو إجماعاً)) وبه تمت الأقسام الثلاثة فافهم، واغتنم تحرير هذا المقام. قوله: (وسيجيء متناً) أي في باب كتاب القاضي إلى القاضي ح. قوله: (خلافاً لما ذكره المصنف شرحاً) حيث عدّ هذه الصورة من جملة ما لا ينفذ لمخالفته الدليل، لكن نقل ط عن الهندية حكاية قولين. قوله: (والفرق الخ) هذه تفرقة عرفية، وإلا فقد قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فيهِ إِلَّ الَّذِينَ أُوْتُوهُ﴾ [البقرة: ٢١٣] ﴿وَمَا تَفرَّقَ الَّذِينَ أُوْتُوا الكِتَابَ إِلَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتُهُمُ البَينةُ﴾ [البينة: ٤] ولا دليل لهم، والمراد أنه خلاف لا دليل له بالنظر للمخالف، وإلا فالقائل اعتمد دليلاً، ثم مسائل الخلاف التي لا ينفذها هي ما تقدمت في قوله: ((إلا ما خالف كتاباً الخ)) ط. قوله: (الأصح نعم) وقيل إنما يعتبر الخلاف في الصدر الأول قال في الفتح: وعندي أن هذا لا يعوّل عليه، فإن صح أن مالكاً وأبا حنيفة والشافعي مجتهدون فلا شك في كون المحل اجتهادياً وإلا فلا، ولا شك أنهم أهل اجتهاد ورفعة، ويؤيده ما في الذخيرة: خالع الأب الصغير على صداقها ورآه خيراً لها صح عند مالك وبرىء الزوج عنه، فلو قضى به قاض نفذ. وسئل شيخ الإسلام عطاء بن حمزة عن أبي الصغيرة زوّجها من صغير وقبل أبوه وكبر الصغيران وبينهما غيبة منقطعة، وقد كان التزوج بشهادة الفسقة، هل يجوز للقاضي أن يبعث إلى شافعي المذهب ليبطل هذا النكاح بسبب أنه كان بشهادة الفسقة، قال نعم اهـ ط. قلت: والمسألة الثانية لم أرها في الفتح، بل ذكر مسألة غيرها وذكر عبارته في البحر. مَطْلَبٌ: يَوْمُ المَوْتِ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْقَضَاءِ قوله: (يوم الموت لا يدخل تحت القضاء) أي لا يقضي به قصداً بأن تنازع الخصمان في يوم موت آخر أنه كان في يوم كذا، بخلاف ما إذا كان المقصود غيره كتقديم ملك أحدهما، ولذا قال في البزازية: فإن ادعيا الميراث وكل منهما يقول هذا لي ورثته من ٩٢ كتاب القضاء القتل) فلو برهن على موت أبيه في يوم كذا ثم برهنت امرأة أن الميت نكحها بعد ذلك قضى بالنكاح، ولو برهن على قتله فيه فبرهنت أن المقتول نكحها بعده لا تقبل، أبي إن في يد ثالث ولم يؤرخا أو أرخا تاريخاً واحداً فأنصافاً، وإن أحدهما أسبق فهو له عند الإمامين، وليس فيه القول بدخول يوم الموت تحت القضاء، لأن النزاع وقع في تقديم الملك قصداً اهـ. وفيها ادعى على آخر ضيعة بأنها كانت لفلان وورثتها منه أخته فلانة فماتت وأنا وارثها وبرهن تسمع، ولو برهن المطلوب أن فلانة ماتت قبل فلان: يعني مورثها صح الدفع، وفيه نظر لما تقرر أن زمان الموت لا يدخل تحت القضاء. قيل النزاع لم يقع في الموت المجرد فصار كالورثة تنازعوا في تقديم موت المورث من المورث الآخر قبله وبعده كابن الابن مع الابن إذا تنازعا في تقديم موت أبيه قبل الجد أو بعده اهـ. قوله: (فلو برهن على موت أبيه) أي بأن ادعى شيئاً لأبيه وبرهن أن أباه مات وتركه ميراثاً وأنه مات يوم كذا. بيري عن شرح أدب القضاء. قوله: (قضى بالنكاح) أي فيجعل لها الصداق والميراث مع الابن، لأن يوم الموت لا يدخل تحت القضاء، لأنه لا يتعلق به حكم، لأن الميراث لا يستحق بالموت بل بسبب سابق على الموت والنكاح سبب سابق، وإذا لم يدخل يوم الموت تحت القضاء جعل وجود ذلك التاريخ وعدمه سواء، ولو عدم تقبل البينتان جميعاً ويقضي بحق كل واحد منهما لأن العمل بهما ممكن، فكذا هنا اهـ. بيري عن شرح أدب القضاء. وفيه عن الخانية: ويقضي لها القاضي بالمهر والميراث سواء قضى القاضي ببية الابن أو لا، لأن القضاء ببينة الابن بموت الأب لا يوقت موته لأن حكم الموت لا يتعلق بوقت الموت، بل في أي وقت يموت يكون ماله لورثته، فصار كأن الابن أقام البينة على موت الأب ولم يذكر الوقت، وذلك لا يمنع قبول بينة المرأة اهـ. تنبيه: ذكر الخير الرملي في حاشية البحر من باب دعوى الرجلين: إذا كان الموت مستفيضاً علم به كل كبير وصغير وعالم وجاهل لا يقضي للخصم، ولا يكون بطريق أن القاضي قبل البينة على ذلك الموت بل بطريق التيقن بكذب المدعي، وارجع إلى الخانية من كتاب الشهادة في الفصل الثامن عشر يظهر لك صحة ما قلته اهـ. ويأتي ما يؤيده. قوله: (لا تقبل) قال في الأجناس: وفرق محمد بينهما بأن القتل يتعلق به حق لازم والموت ليس فيه حق لازم. وبيانه أن القتل ظلماً لم يخل عن قصاص أودية، وفي قبول بينة المرأة على النكاح في زمان متأخر إسقاط أصل القتل لامتناع أن يكون مقتولاً في زمان ثم يبقى حياً فيتزوج فكان ثبوت القتل يتضمن حقاً لازماً، فلما تضمنت بينة المرأة إسقاط هذا الحق لم يعتد بها، ولا كذلك بينة الابن على الموت، لأن المرأة بينتها لا تتضمن إسقاط حق الابن، لأن الابن يرث مع المرأة كما يرث إذا انفرد فلم تتعارض البينتان في الإرث بين إسقاطه وإثباته فلذلك لم يمتنع قبول بينتها اهـ. وفي البزازية: وكذا لو برهن الوارث أنه قتل مورثه ٩٣ كتاب القضاء وكذا جميع العقود والمداينات إلا في مسألة الزوجة التي معها ولد فإنه تقبل بينتها . بتاريخ مناقض لما قضى القاضي به من يوم القتل. أشباه. واستثنى محشوها من الأول مسائل، منها: ادعياه ميراثاً فلأسبقهما تاريخاً. برهن الوكيل على وكالته وحكم بها فادعى المطلوب موت الطالب فبرهن المدعى عليه أنه قتله فلان قبل هذا اليوم بزمان يكون دفعاً لدخوله تحت القضاء اهـ بيري. قوله: (وكذا جميع العقود) كالبيع والهبة والنكاح، فإنها كالقتل تدخل تحت القضاء، فلو برهن أنه باعه كذا يوم كذا وبرهن آخر أنه باعه بعد ذلك لم تقبل، ولو برهن أنه باعه قبله يكون دفعاً. وفي الولوالجية: ولو أقامت امرأة البينة أنه تزوجها يوم النحر بمكة فقضى بشهودها ثم أقامت أخرى بينة أنه تزوجها يوم النحر بخراسان لا تقبل بينتها، لأن النكاح يدخل تحت القضاء فاعتبر ذلك التاريخ. قوله: (إلا في مسألة الزوجة الخ) أي فإن يوم القتل لا يدخل فيها تحت القضاء. وصورتها كما في البحر عن الظهيرية: ادعى على رجل أنه قتل أباه عمداً بالسيف منذ عشرين سنة وأنه وارثه لا وارث له سواه، وأقام البينة على ذلك، فجاءت امرأة ومعها ولد وأقامت البينة أن والد هذا تزوجها منذ خمس عشرة سنة، وأن هذا ولده منها ووارثه مع ابنه هذا، قال أبو حنيفة: أستحسن في هذا أن أجيز بينة المرأة وأثبت نسب الولد ولا أبطل بينة الابن على القتل، وكان هذا الاستحسان للاحتياط في أمر النسب بدليل أنها لو قامت البينة على النكاح ولم تأت بالولد فالبيئة بينة الابن وله الميراث دون المرأة، وهذا قول أبي يوسف ومحمد اهـ. لكن قوله: ولا أبطل بينة الابن على القتل ينافي دعوى الاستثناء، وعن هذا قال الخير الرملي في حاشية البحر في أول باب دعوى الرجلين: الظاهر أن حرف النفي زائد، ولم يذكره في التاترخانية حيث قال: وأبطل بينة الابن على القتل، والقياس أن يقضي ببينة القتل اهـ. قلت: ويستثنى أيضاً مسألة أخرى ذكرها في دعوى البحر عن خزانة الأكمل: برهن أنه قتل أبي منذ سنة، وبرهن المشهود عليه أن أباه صلى بالناس الجمعة الماضية، قال أبو حنيفة: الأخذ بالأحدث أولى إذا كان شيئاً مشهوراً اهـ. قال الرملي: وهذا يقيده به ما مضى أيضاً، وهو قيد لازم لا بد منه حتى لو اشتهر موت رجل عند الناس منذ عشرين سنة فادعى رجل أنه اشترى منه داره منذ سنة لا يقبل، ثم رأيت ما يشهد به صريحاً في التاترخانية في الفصل الثامن في التهاتر: لو ادعى المشهود عليه أن الشهود محدودون في قذف من قاضي بلد كذا فأقام الشهود أن القاضي مات في سنة كذا لا يقضي به إذا كان موت القاضي قبل تاريخ شهود المدعى عليه مستفيضاً اهـ مختصراً، فراجعه إن شئت اهـ. قوله: (من الأول) وهو أن يوم الموت لا يدخل تحت القضاء. قوله: (ادعياه ميراثاً الخ) قدمناه عن البزازية. قوله: (برهن الوكيل) أي بقبض المال. جامع الفصولين. قوله: ٩٤ كتاب القضاء صح الدفع. برهن أنه شراه من أبيه منذ سنة وبرهن ذو اليد على موته منذ سنتين لم تسمع، وقيل تسمع، وسرّه أن القضاء بالبينة عبارة عن رفع النزاع والموت من حيث إنه موت ليس محلًا للنزاع ليرتفع بإثباته، بخلاف القتل فإنه من حيث هو محل للنزاع كما لا يخفى (وينفذ القضاء بشهادة الزور ظاهراً وباطناً) حيث كان المحل قابلاً والقاضي غير عالم بزورهم (في العقود) کبيع ونكاح (صح الدفع) أي إذا برهن المطلوب على الموت لأنه ينعزل به الوكيل، فالحكم بالموت هنا لا لذاته لأجل العزل. قوله: (من أبيه) أي من أبي ذي اليد. قوله: (لم تسمع) هو الصواب، لأن يوم الموت لا يدخل تحت القضاء اهـ. قنية من باب دفع الدعاوى. قلت: ووجهه أنه قضاء بيوم الموت قصداً، لأن ما تضمنه وهو عدم الشراء لا تصح البينة عليه، لأنه نفى فتمحض قضاء بالموت فلا يصح. قوله: (وقيل تسمع) وعليه فهي من المستثنيات كما في البحر. قوله: (وسره الخ) مرتبط بالمتن والمراد بيان وجه الفرق، ولما كان خفياً عبر عنه بالسر. قوله: (من حيث إنه موت) أما إذا كان المقصود من ذكره غيره مما تقام عليه البينة فيكون هو محل النزاع فيدخل تحت القضاء كمسألة دعوى الميراث فإن المقصود من تاريخ الموت تقدم الملك، وكمسألة دعوى الوكالة فإن المقصود منه انعزال الوكيل. قوله: (فإنه من حيث هو) محل للنزاع قدمنا وجهه في عبارة الأجناس. مَطْلَبٌ فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الزُّورِ قوله: (وينفذ القضاء بشهادة الزور) قيد بها لأنه لو ظهر عبيداً أو كفاراً أو محدودين في قذف لم ينفذ إجماعاً، لأنها ليست بحجة أصلاً، بخلاف الفساق على ما عرف ولإمكان الوقوف عليهم فلم تكن شهادتهم حجة. بحر. ثم قال وفي القنية: ادعى عليه جارية أنه اشتراها بكذا فأنكر كحلف فنكل فقضى عليه بالنكول تحل الجارية للمدعي ديانة وقضاء كما في شهادة الزور اهـ. فعلى هذا القضاء بالنكول كالقضاء بشهادة الزور اهـ. قوله: (ظاهراً وباطناً) المراد بالنفاذ ظاهراً أن يسلم القاضي المرأة إلى الرجل، ويقول سلمي نفسك إليه فإنه زوجك ويقضي بالنفقة والقسم وبالنفاذ باطناً أن يحل له وطؤها ويحل لها التمكين فيما بينها وبين الله تعالى ط. قوله: (حيث كان المحل قابلًا الخ) شرطان للنفاذ، ويأتي في كلام الشارح محترزهما. قوله: (في العقود) أطلقها فشمل عقود التبرعات، قالوا: وفي الهبة والصدقة روايتان، وكذا في البيع بأقل من قيمته في رواية لا ينفذ باطناً، لأن القاضي لا يملك إنشاء التبرعات في ملك الغير، والبيع بأقل تبرع من وجه. بحر. قوله: (كبيع ونكاح) فلو قضى ببيع أمة بشهادة زور حل للمنكر وطؤها، وكذا لو ادعى على امرأة نكاحها وهي جاحدة أو بالعكس وقضى بالنكاح كذلك حل للمدعي الوطء، ولها ٩٥ كتاب القضاء (والفسوخ) كإقالة وطلاق لقول عليّ رضي الله عنه لتلك المرأة: شاهداك زوجاك. وقالا: وزفر والثلاثة ظاهراً فقط، وعليه الفتوى. شرنبلالية عن البرهان (بخلاف الأملاك المرسلة) أي المطلقة عن ذكر سبب الملك فظاهراً فقط إجماعاً لتزاحم التمكين عنده. بحر. قوله: (والفسوخ) أراد بها ما يرفع حكم العقد فيشمل الطلاق، ومن فروعها: ادعت أنه طلقها ثلاثاً وهو ينكر وأقامت بينة زور فقضى بالفرقة فتزوجت بآخر بعد العدة حل له وطؤها عند الله تعالى وإن علم بحقيقة الحال، وحل لأحد الشاهدين أن يتزوجها ويطأها ولا يحل للأول وطؤها ولا يحل لها تمكينه. بحر. قوله: (لقول على الخ) قال محمد رحمه الله تعالى في الأصل: بلغنا عن عليّ كرم الله وجهه أن رجلًا أقام عنده بينة على امرأة أنه تزوجها فأنكرت فقضى له بالمرأة، فقالت إنه لم يتزوجني فأما إذا قضيت علي فجدد نكاحي، فقال: لا أجدد نكاحك الشاهدان زوجاك. قال: وبهذا نأخذ. فلو لم ينعقد النكاح بينهما باطناً بالقضاء لما امتنع من تجديد العقد عند طلبها ورغبة الزوج فيها، وقد كان في ذلك تحصينها من الزنا وصيانة مائة اهـ من رسالة العلامة قاسم المؤلفة في هذه المسألة. قوله: وبهذا نأخذ، دليلاً لما حكاه الطحاوي من أن قول محمد كقول أبي حنيفة. قوله: (ظاهراً فقط) أي ينفذ ظاهراً لا باطناً، لأن شهادة الزور حجة ظاهراً لا باطناً فينفذ القضاء كذلك، لأن القضاء ينفذ بقدر الحجة. درر. قوله: (وعليه الفتوى) نقله أيضاً في القهستاني عن الحقائق وفي البحر عن أبي الليث، لكن قال: وفي الفتح من النكاح، وقول أبي حنيفة هو الوجه اهـ. قلت: وقد حقق العلامة قاسم في رسالته قول الإمام بما لا مزيد عليه، ثم أورد عليه إشكالاً، وأجاب عنه: وعليه المتون. قوله: (بخلاف الأملاك المرسلة) وهي التي لم يذكر لها سبب معين، فإنهم أجمعوا أنه ينفذ فيها ظاهراً لا باطناً، لأن الملك لا بد له من سبب، وليس بعض الأسباب بأولى من البعض لتزاحمها فلا يمكن إثبات السبب سابقاً على القضاء بطريق الاقتضاء، وفي النكاح والشراء يتقدم النكاح والشراء تصحيحاً للقضاء. درر. قال في البحر: ولو حذف الأملاك لكان أولى، ليشمل ما إذا شهدوا بزور بدين لم يبينوا سببه فإنه لا ينفذ. وفي حكم المرسلة الإرث كما يأتي: وظاهر اقتصاره عليها أنه لا ينفذ باطناً في النسب إجماعاً كما في المحيط عن بعض المشايخ، ونص الخصاف على أنه ينفذ عند أبي حنيفة، ففيه روايتان عنه؛ والشهادة بعتق الأمة كالشهادة بطلاق المرأة، وينبغي أن تكون بالوقف كالعتق، ولم أر نقلاً في الشهادة بأن الوقف ملك أو بتزوير شرائط الوقف أو أن الواقف أخرج فلاناً وأدخل فلاناً زوراً إذا اتصل به القضاء، وظاهر الهداية أن ما عدا الأملاك المرسلة ينفذ باطناً، وإذا قلنا بأن الوقف من قبيل الإسقاط فهو كالطلاق والعتاق اهـ ملخصاً. قوله: (فظاهراً فقط إجماعاً) فلا يحل للمقضي له الوطء والأكل ٩٦ كتاب القضاء الأسباب، حتى لو ذكرا سبباً معيناً فعلى الخلاف إن كان سبباً يمكن إنشاؤه، وإلا لا ينفذ اتفاقاً كالإرث، وكما لو كانت المرأة محرمة بنحو عدة أو ردة، وكما لو علم القاضي بكذب الشهود حيث لا ينفذ أصلاً كالقضاء باليمين الكاذبة. زيلعي. واللبس وحلّ للمقضي عليه، لكن يفعل ذلك سراً وإلا فسقه الناس. بحر. قوله: (إن كان سبباً يمكن إنشاؤه) كالبيع والنكاح والإجارة. قوله: (كالإرث) فإنه وإن كان ملكاً بسبب لكنه لا يمكن إنشاؤه فلا ينفذ القضاء بالشهود زوراً فيه باطناً اتفاقاً. بحر. قال: وسيأتي الاختلاف في باب اختلاف الشاهدين في أنه مطلق أو بسبب، والمشهور الأول، واختار في الكنز الثاني. قوله: (وكما لو كانت المرأة محرمة الخ) هذا محترز قوله: ((حيث كان المحل قابلًا)) اهـ ح. فإذا ادعى أنها زوجته وأثبت ذلك بشهادة الزور وهو يعلم أنها محرمة عليه بكونها منكوحة الغير أو معتدته أو بكونها مرتدة، فإنه لا ينفذ باطناً اتفاقاً، لأنه وإن کان الملك بسبب لکن لا یمکن إنشاؤه، وأما ظاهراً فلا شك في نفاذه کسائر الأحكام بشهادة الزور في غير العقود والفسوخ، وليس المراد بنفاذه ظاهراً حل الوطء له وحل تمكينها منه، بل أمر القاضي لها به، أما الحل فهو فرع نفاذه باطناً، وبما قررناه ظهر أنه كالإرث، فافهم. قوله: (وكما لو علم القاضي الخ) محترز قوله: والقاضي غير عالم بزورهم؛ والظاهر أنه هنا لا ينفذ ظاهراً كما لا ينفذ باطناً لعدم شرط القضاء، وهو الشهادة الصادقة في زعم القاضي. تأمل. قوله: (كالقضاء باليمين الكاذبة) محترز قول المتن ((بشهادة)) قالوا: لو ادعت أن زوجها أبانها بثلاث فأنكر فحلفه القاضي فحلف والمرأة تعلم أن الأمر كما قالت لا يسعها المقام معه ولا أن تأخذ من ميراثه شيئاً، وهذا لا يشكل إذا كان ثلاثاً لبطلان المحيلة للإنشاء قبل زوج آخر، وفيما دون الثلاث مشكل لأنه يقبل الإنشاء. وأجيب بأنه إنما يثبت إذا قضى القاضي بالنكاح وهنا لم يقض به لاعترافهما به وإنما ادعت الفرقة. زيلعي. وفي الخلاصة: ولا يحل وطؤها إجماعاً. بحر . قلت: والظاهر أن عدم النفاذ هنا في الباطن فقط. تأمل. مَطْلَبٌ مُهِمٌّ: المَقْضِيُّ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ يَتَّبِعُ رَأْيَ القَاضِي وَإِنْ خَالَفَ رَأْيُهُ تنبيه: أشار المصنف إلى أن قضاء القاضي يحل ما كان حراماً في معتقد المقضي له، ولذا قال في الولوالجية: ولو قال لها أنت طالق البتة فخاصمها إلى قاض يراها رجعية بعد الدخول فقضى بكونها رجعية والزوج يرى أنها بائنة أو ثلاث فإنه يتبع رأي القاضي عند محمد، فيحل له المقام معها، وقيل إنه قول أبي حنيفة، وعلى قول أبي يوسف لا يحل، وإن رفع إلى قاض آخر لا ينقضه، وإن كان خلاف رأيه؛ وهذا إذا قضى له، فإن قضى عليه ٩٧ كتاب القضاء ونكاح الفتح (قضى في مجتهد فيه بخلاف رأيه) أي مذهبه. مجمع وابن كمال بالبينونة أو الثلاث والزوج لا يراه يتبع رأي القاضي إجماعاً، وهذا كله إذا كان الزوج له رأي واجتهاد، فلو عامياً اتبع رأي القاضي، سواء قضى له أو عليه؛ هذا إذا قضى، أما إذا أفتى له فهو على الاختلاف السابق، لأن قول المفتي في حق الجاهل بمنزلة رأيه واجتهاده اهـ بحر. قلت: وقوله فلو عامياً المراد به غير المجتهد بدليل المقابلة فيشمل العالم والجاهل. تأمل. قال في الفتح: والوجه عندي قول محمد، لأن اتصال القضاء بالاجتهاد الكائن للقاضي يرجحه على اجتهاد الزوج، والأخذ بالراجح متعين، وكونه لا يراه حلالاً إنما يمنع من القربان قبل القضاء، أما بعده وبعد نفاذه باطناً فلا اهـ. مَطْلَبٌ فِي قَضَاءِ الْقَاضِي بِغَيرِ مَذْهَبِهِ قوله: (قضى في مجتهد فيه) أي في أمر يسوغ الاجتهاد فيه بأن لم يكن مخالفاً لدليل كما مر بيانه، وقوله: ((بخلاف رأيه)) متعلق بقضى. وحاصل هذه المسألة أنه يشترط لصحة القضاء أن يكون موافقاً لرأيه: أي لمذهبه مجتهداً كان أو مقلداً، فلو قضى بخلافه لا ينفذ. لكن في البدائع أنه إذا كان مجتهداً ينبغي أن يصح ويحمل على أنه اجتهد فأداه اجتهاده إلى مذهب الغير، ويؤيده ما قدمناه عن رسالة العلامة قاسم مستدلاً بما في السير الكبير فراجعه، وبه يندفع تعجب صاحب البحر من صاحب البدائع. واعلم أن هذه المسألة غير مسألة اشتراط كون القاضي عالماً بالخلاف كما نبهنا عليه سابقاً . مَطْلَبْ: حُكْمُ الحَفيّ بِمَذْهَبٍ أَبي يُوسُفَ أَو مُحَمَّدٍ حُكْمٌ بِمَذْهَبِهِ قوله: (أي مذهبه) أي أصل المذهب كالحنفي إذا حكم على مذهب الشافعي أو نحوه أو بالعكس، وأما إذا حكم الحنفي بمذهب أبي يوسف أو محمد أو نحوهما من أصحاب الإمام فليس حكماً بخلاف رأيه. درر: أي لأن أصحاب الإمام ما قالوا بقول إلا قد قال به الإمام، كما أوضحت ذلك في شرح منظومتي في رسم المفتي عند قولي فيها : [الرجز] وَاعْلَمْ بِأَنَّ عَنْ أَبي حَنِيفَهْ جَاءَتْ رِوَايَاتٌ غَدَتْ مُنِيفَه يُختَارُ مِنْهُ سَائِرُ الرِّفَاقِ اخْتَارَ مِنْهَا بَعْضَهَا وَالبَاقِي فَلَمْ يَكُنْ لِغَيرِهِ جَوَابُ كَمَا عَلَيْهِ أَقْسَمَ الأَصْحَابُ قوله: (وابن كمال) قال في شرحه: لم يقل بخلاف رأيه لإيهامه أن يكون الكلام في ٩٨ كتاب القضاء (لا ينفذ مطلقاً) ناسياً أو عامداً عندهما والأئمة الثلاثة (وبه يفتي) مجمع ووقاية وملتقي. وقيل بالنفاذ يفتى. وفي شرح الوهبانية للشرنبلالي: قضى من ليس مجتهداً كحنفية زماننا، بخلاف مذهبه عامداً لا ينفذ اتفاقاً، وكذا ناسياً عندهما، ولو قيده السلطان بصحیح مذهبه کزماننا تقید بلا خلاف لكونه معزولاً عنه انتهى. المجتهد خاصة، وليس كذلك. قوله: (لا ينفذ مطلقاً الخ) قال في الفتح: لو قضى في المجتهد فيه ناسياً لمذهبه مخالفاً لرأيه نفذ عند أبي حنيفة رواية واحدة، وإن كان عامداً ففيه روايتان، وعندهما لا ينفذ في الوجهين: أي وجهي النسيان والعمد، والفتوى على قولهما. وذكر في الفتاوى الصغرى أن الفتوى على قوله، فقد اختلف في الفتوى، والوجه في هذا الزمان أن يفتى بقولهما، لأن التارك لمذهبه عمداً لا يفعله إلا لهوى باطل لا لقصد جميل، وأما الناسي فلأن المقلد ما قلده إلا ليحكم بمذهبه لا بمذهب غيره، هذا كله في القاضي المجتهد؛ فأما المقلد فإنما ولاه ليحكم بمذهب أبي حنيفة فلا يملك المخالفة فيكون معزولاً بالنسبة إلى ذلك الحكم اهـ. قال في الشرنبلالية عن البرهان: وهذا صريح الحق الذي يعض عليه بالنواجذ اهـ. وقال في النهر: وادعى في البحر أن المقلد إذا قضى بمذهب غيره أو برواية ضعيفة أو بقول ضعيف نفذ. وأقوى ما تمسك به ما في البزازية إذا لم يكن القاضي مجتهداً وقضى بالفتوى على خلاف مذهبه نفذ، وليس لغيره نقضه، وله نقضه، كذا عن محمد. وقال الثاني: ليس له نقضه اهـ. وما في الفتح يجب أن يعوّل عليه في المذهب، وما في البزازية محمول على رواية عنهما، إذ قصارى الأمر أن هذا منزل منزلة الناسي لمذهبه، وقد مر عنهما في المجتهد أنه لا ينفذ فالمقلد أولى اهـ ما في النهر. ويأتي قريباً ما يؤيده. قوله: (من ليس مجتهداً) وكذا المجتهد كما مر في كلام الفتح. قوله: (لا ينفذ اتفاقاً) هذا مبني على إحدى الروايتين عن الإمام في العامد، أما على رواية النفاذ فلا تصح حكاية الاتفاق. قوله: (لكونه معزولًا عنه) أي عن غير ما قيد به. قال الشرنبلالي في شرح الوهبانية: محل الخلاف فيما إذا لم يقيد عليه السلطان القضاء بصحیح مذهبه، وإلا فلا خلاف في عدم صحة حکمه بخلافه لکونه معزولاً عنہ امح. مَطْلَبٌ: الحُكْمُ وَالْفَتْوَى بِمَا هُوَ مَرْجُوحٌ خِلافُ الإِجْمَاعِ قلت: وتقييد السلطان له بذلك غير قيد، لما قاله العلامة قاسم في تصحيحه من أن الحكم والفتوى بما هو مرجوح خلاف الإجماع اهـ. وقال العلامة قاسم في فتاواه: وليس للقاضي المقلد أن يحكم بالضعيف لأنه ليس من أهل الترجيح، فلا يعدل عن الصحيح إلا لقصد غير جميل، ولو حكم لا ينفذ لأن قضاءه قضاء بغير الحق، لأن الحق هو الصحيح، وما وقع من أن القول الضعيف يتقوّى بالقضاء المراد به قضاء المجتهد كما بين في موضعه اهـ. وقال ابن الغرس: وأما المقلد المحض فلا يقضي إلا بما عليه العمل والفتوى أهـ. كتاب القضاء وقد غيرت بيت الوهبانية فقلت: [الطويل] وَلَوْ حَكَمَ القَاضِي بِحُكْمٍ مُخالِفٍ لِمَذْهَبِهِ مَا صَحَّ أصلاً يُسَطَّرُ قلت: وأما الأمير فمتىّ صادف فصلاً مجتهداً فيه نفذ أمره كما قدمناه عن سير التاترخانية وغيرها، فليحفظ (ولا يقضي على غائب ولا له) وقال صاحب البحر في بعض رسائله: أما القاضي المقلد فليس له الحكم إلا بالصحيح المفتي به في مذهبه ولا ينفذ قضاؤه بالقول الضعيف اهـ. ومثله ما قدمه الشارح أول كتاب القضاء وقال: وهو المختار للفتوى كما بسطه المصنف في فتاويه وغيره، وكذا ما نقله بعد أسطر عن الملتقط. قوله: (وقد غيرت بيت الوهبانية) وهو : [الطويل] وَلَوْ حَكَمَ القَاضِي بِحُكْمٍ مُخالِفٍ مُقَلِّدُهُ مَا صَحَّ إِنْ كَانَ يُذْكَرُ وَبَعْضُهُمُ إِنْ كَانَ سَهْوَاً أَجَازَهُ عَنِ الصَّدْرِ لَا عَنْ صَاحِبَيْهِ يُضْدَّرُ وقد أفاد كلام الوهبانية الخلاف فيما إذا قضى به ساهياً: أي ناسياً مذهبه، وأنه لا خلاف فيما إذا كان ذاكراً، وهذا على إحدى الروايتين عن الإمام كما علمت، ولما كان المعتمد المفتى به ما ذكره المصنف في المتن من عدم النفاذ أصلاً: أي ذاكراً أو ناسياً غير الشارح عبارة النظم جازماً بما هو المعتمد، فافهم، لكن الأولى كما قال السائحاني تغيير الشطر الثاني هكذا: * لِمُعْتَمِدٍ فِي رَأْيِهِ فَهْوَ مُهْدَرُ * مَطْلَبٌ فِي أَمْرِ الأَمِير وَقَضَائِهِ قوله: (قلت وأما الأمير الخ) الذي رأيته في سير التاتر خانية: قال محمد: وإذا أمر الأمير العسكر بشيء كان على العسكر أن يطيعوه، إلا أن يكون المأمور به معصية اهـ. فقول الشارح ((نفذ أمره)) بمعنى وجب امتثاله. تأمل. وقدمنا أن السلطان لو حكم بين اثنين فالصحيح نفاذه؛ وفي البحر: إذا كان القضاء من الأصل ومات القاضي ليس للأمير أن ينصب قاضياً وإن ولي عشرها وخراجها، وإن حكم الأمير لم يجز حكمه الخ. في الأشباه: قضاء الأمير جائز مع وجود قاضي البلد إلا أن يكون القاضي مولى من الخليفة، كذا في الملتقط اهـ. والحاصل: أن السلطان إذا نصب في البلدة أميراً وفوّض إليه أمر الدين والدنيا صح قضاؤه، وأما إذا نصب معه قاضياً فلا، لأنه جعل الأحكام الشرعية للقاضي لا للأمير، وهذا هو الواقع في زماننا، ولذا قال في البحر أول كتاب القضاء: سئلت عن تولية الباشا بالقاهرة قاضياً ليحكم في حادثة خاصة مع وجود قاضيها المولى من السلطان، فأجبت بعدم الصحة لأنه لم يفوّض إليه تقليد القضاء، ولذا لو حكم بنفسه لم يصح اهـ. قوله: (كما قدمناه) أي في أول الكتاب في بحث رسم المفتي. قوله: (ولا يقضي على غائب) أي ١٠٠ كتاب القضاء أي لا يصح بل ولا ينفذ على المفتى به. بحر (إلا بحضور نائبه) أي من يقوم مقام الغائب (حقيقة كوكيله ووصيه ومتولي الوقف) أفاد بالاستثناء أن القاضي إنما يحكم على الغائب والميت لا على الوكيل والوصيّ فيكتب في السجل أنه حكم على الميت وعلى الغائب بحضرة وكيله وبحضرة وصيه. جامع الفصولين. وأفاد بالكاف عدم الحصر، فإن أحد الورثة كذلك ينتصب خصماً على الباقين، بالبينة، سواء كان غائباً وقت الشهادة أو بعدها، وبعد التزكية، وسواء كان غائباً عن المجلس أو عن البلد؛ وأما إذا أقرّ عند القاضي فيقضي عليه وهو غائب، لأن له أن يطعن في البينة دون الإقرار، ولأن القضاء بالإقرار قضاء إعانة، وإذا أنفذ القاضي إقراره سلم إلى المدعي حقه عيناً كان أو ديناً أو عقاراً، إلا أنه في الدين يسلم إليه جنس حقه إذا وجد في يد من يكون مقراً بأنه مال الغائب المقر، ولا يبيع في ذلك العرض والعقار لأن البيع قضاء على الغائب فلا يجوز. بحر عن شرح الزيادات للعتابي. لكن في الخامس من جامع الفصولين عن الخانية: غاب المدعى عليه بعد ما برهن عليه أو غاب الوكيل بعد قبول البينة قبل التعديل، أو مات الوكيل ثم عدلت تلك البينة لا يحكم بها. وقال أبو يوسف: يحكم وهذا أرفق بالناس. ولو برهن على الموكل فغاب ثم حضر وكيله أو على الوكيل ثم حضر موكله يقضي بتلك البينة، وكذا يقضي على الوارث ببينة قامت على مورثه. قوله: (أي لا يصح) لما في الفتح من أن حضرة الخصم ليتحقق إنكاره شرط لصحة الحكم. بحر. قوله: (بل ولا ينفذ) هذه العبارة غير محررة، لأن نفي الصحة يستلزم نفي النفاذ، وأيضاً فالحكم صحيح، وإنما الخلاف في نفاذه بدون تنفيذ قاض آخر كما أفاده ح. ولذا فسر في البحر كلام الكنز بعدم الصحة؛ ثم قال: والأولى أن يفسر بعدم النفاذ لقولهم إذا نفذه قاض آخر يراه فإنه ينفذ، ثم ذكر اختلاف التصحيح وسيأتي في كلام الشارح. قوله: (كوكيله) أطلقه فشمل ما إذا كان وكيلاً في الخصومة والدعوى أو وكيلاً للقضاء، كما إذا أقيمت البينة عليه ليقضي عليه ثم غاب كما في القنية. بحر. قوله: (ووصيه) أي وصيّ الميت، فإن الميت غائب ووصيه قائم مقامه حقيقة، ويجوز عود الضمير إلى الصغير المعلوم من المقام فإنه في حكم الغائب وشمل وصيّ الوصيّ، ولو قال كوليه لكان أولى ليشمل الأب والجد. مَطْلبٌ فِي الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ قوله: (إنما يحكم على الغائب والميت) ترك الوقف، ويظهر لي أنه يحكم على الواقف فيما يتعلق به وعلى الوقف فيما يتعلق به. سائحاني. قوله: (ينتصب خصماً عن الباقين) أي فيما للميت وعليه، لكن إذا كان في عين فلا بد من كونها في يده، فلو ادعى عيناً من التركة على وارث ليست في يده لم تسمع، وفي دعوى الدين ينتصب أحدهم خصماً، وإن