النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ كتاب القضاء أو كانت التولية مشروطة له، أو ادعى أن العزل من القاضي الأول بغير جنحة. نهر. قال: واستحب الشافعية والمالكية طلب القضاء لخامل الذكر لنشر العلم (ويختار) المقلد (الأقدر والأولى به، ولا يكون فظاً غليظاً جباراً عنيداً) لأنه خليفة رسول الله وَ﴿، وفي إطلاق اسم خليفة الله خلاف تاتر خانية (وكره) تحريماً (التقلد) أي أخذ القضاء قلت: وأيضاً حيث تعين عليه يخرج عن عهدة الوجوب بالسؤال فإذا منعه السلطان أثم بالمنع، لأنه إذا منع الأولى وولى غيره يكون قد خان الله ورسوله وجماعة المسلمين كما مر في الحديث، وإذا منعه لم يبق واجباً عليه، فبأيّ وجه يحل له دفع الرشوة. وقد قال بعض علمائنا: إن فرضية الحج تسقط بدفع الرشوة إلى الأعراب كما قدمناه في بابه، فهذا أولى كما لا يخفى. وأما صحة عزله فظاهرة لأنه وكيل عن السلطان، وإثمه بعزله لا يلزم منه عدم صحة العزل كالوصي العدل المنصوب من جهة القاضي، وأما المنصوب من جهة الميت، فالمعتمد عدم صحة عزله، لكن الفرق بينه وبين ما نحن فيه أن الوصي خليفة الميت فليس للقاضي عزله، وأما القاضي فهو خليفة عن السلطان وولايته مستمدة منه فله عزله كوصي القاضي، هذا ما ظهر لي. قوله: (أو كانت التولية مشروطة له) ذكره في النهر بحثاً معللاً بأنه حينئذ يطلب تنفيذ شرط الواقف اهـ. قلت: وهذا في الحقيقة ليس طالباً من القاضي أن يوليه، لأنه متولّ بالشرط، بل يريد إثبات ذلك في وجه من يعارضه، ومثله وصيّ الميت إذا أراد إثبات وصايته، وبهذا سقط قوله في البحر: إن ظاهر كلامهم أنه لا تطلب التولية على الوقف ولو كانت بشرط الواقف له لإطلاقهم اهـ. قوله: (أو ادعى الخ) أي فإن له طلب العود من القاضي الجديد وحين ذلك يقول له القاضي اثبت إنك أهل للولاية ثم يوليه نص عليه الخصاف. نهر. قوله: (لخامل الذكر) هو بالخاء المعجمة غير المشهور. قوله: (ويختار المقلد) بصيغة اسم الفاعل، وقدمنا قبيل قوله: ((وشرط أهليتها)) عن الفتح من له ولاية التقليد، والظاهر أن هذا الاختيار واجب لئلا يكون خائناً لله ورسوله وعامة المؤمنين كما مر في الحديث. قوله: (ولا يكون فظاً الخ) الفظ: هو الجافي سيىء الخلق، والغليظ: قاسي القلب، والجبار: من جبره على الأمر، بمعنى أجبره: أي لا يجبر غيره على ما لا يريد، والعنيد: المعاند المجانب للحق المعادي لأهله. بحر عن مسكين. قوله: (لأنه خليفة رسول الله (*) أي في إمضاء الأحكام الشرعية. قوله: (أي أخذ القضاء) هذا يناسب كون العبارة التقلد. قال في البحر: وهما نسختان: أي في الكنز التقليد: أي النصب من السلطان، والتقلد: أي قبول تقلبد القضاء وهي الأولى اهـ. وهي التي شرح عليها المصنف وقال أيضاً إنها أولى. ٤٢ كتاب القضاء (لمن خاف الحيف) أي الظلم (أو العجز) يكفي أحدهما في الكراهة. ابن كمال (وإن تعين له أو أمنه لا) يكره. فتح. ثم إن انحصر فرض عيناً وإلا كفاية. بحر (والتقلد رخصة) أي مباح (والترك عزيمة عند العامة) بزازية. فالأولى عدمه قلت: ويمكن إرجاع الأولى إلى الثانية بتقدير مضاف: أي قبول التقليد، وهو معنى قول الشارح ((أي أخذ القضاء)). قوله: (لمن خاف الحيف) فلو كان غالب ظنه أنه يجور في الحكم ينبغي أن يكون حراماً. بحر. قوله: (أو العجز) يحتمل أن يراد به العجز عن سماع دعاوى كل الخصوم بأن قدر على البعض فقط، وأن يراد العجز عن القيام بواجباته من إظهار الحقّ وعدم أخذه الرشوة، فعلى الأول هو مباين، وعلى الثاني أعم. تأمل. قوله: (ابن كمال) أي نقلاً عن القدوري. قوله: (وإن تعين له) أي مع خوف الحيف. قال في الفتح: ومحل الكراهة ما إذا لم يتعين عليه، فإن انحصر صار فرض عين عليه، وعليه ضبط نفسه، إلا إذا كان السلطان يمكن أن يفصل الخصومات ويتفرع لذلك اهـ. مَطْلَبٌ: لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَقْضِي بَينِ اٌلْخَصْمَين وهذا صريح في أن للسلطان أن يقضي بين الخصمين، وقدمنا التصريح به عن ابن الغرس عند قوله: وحاكم. قال الرملي: وفي الخلاصة وفي النوازل: أنه لا ينفذ. وفي أدب القاضي للخصاف: ينفذ وهو الأصح. وقال القاضي الإمام: ينفذ، وهذا أصح، وبه یفتی اهـ. تنبيه: لو تعين عليه هل يجبر على القبول لو امتنع؟ قال في البحر: لم أره، والظاهر نعم، وكذا جواز جبر واحد من المتأهلين اهـ. لكن صرح في الاختيار بأن من تعين له يفترض عليه ولو امتنع لا يجبر عليه. قوله: (والتقلد) أي الدخول فيه عند الأمن وعدم التعين. مَطْلَبُ: مَا كَانَ فَرْضَ كَفِايةٌ يَكُونُ أَدْنَى فعلِهِ النَّذْبُ قوله: (والترك عزيمة الخ) هو الصحيح كما في النهر عن النهاية، وبه جزم في الفتح معللاً بأن الغالب خطأ ظن من ظن من نفسه الاعتدال، فيظهر منه خلافه؛ وقيل إن الدخول فيه عزيمة والامتناع رخصة، فالأولى الدخول فيه. قال في الكفالة: فإن قيل: إذا كان فرض كفاية كان الدخول فيه مندوباً لما أن أدنى درجات فرض الكفاية الندب كما في صلاة الجنازة ونحوها. قلنا: نعم كذلك، إلا أن فيه خطراً عظيماً وأمراً مخوفاً لا يسلم في بحره كل سابح، ولا ينجو منه كل طامح، إلا من عصمه الله تعالى وهو عزيز وجوده. مَطْلَبُ: أَبُو حَنِيفَةَ دُعِيَ إِلى اَلْقَضَاءِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ فَأَبَى ألا ترى أن أبا حنيفة دعي إلى القضاء ثلاث مرات فأبى، حتى ضرب في كل مرة ثلاثين سوطاً، فلما كان في المرة الثالثة قال: حتى أستشير أصحابي، فاستشار أبا يوسف ٤٣ كتاب القضاء (ويحرم على غير الأهل الدخول فيه قطعاً) من غير تردد في الحرمة، ففيه الأحكام الخمسة (ويجوز تقلد القضاء من السلطان العادل والجائر) ولو كافراً. ذكره مسكين فقال: لو تقلدت لنفعت الناس، فنظر إليه أبو حنيفة رحمه الله تعالى نظر المغضب وقال: أرأيت لو أمرت أن أعبر البحر سباحة أكنت أقدر عليه؟ وكأني بك قاضياً. وكذا دعي محمد رحمه الله إلى القضاء فأبى حتى قيد وحبس واضطر فتقلد اهـ. قوله: (ويحرم على غير الأهل) الظاهر أنه ليس المراد بالأهل هنا ما مر في قوله: ((وأهله أهل الشهادة)» لأن المراد به من تصح توليته ولو فاسقاً أو جائراً أو جاهلاً مع قطع النظر عن حله أو حرمته، بل المراد به هنا ما مر في قوله: ((وينبغي أن يكون موثوقاً به في عفافه وعقله الخ)) ويحتمل أن يراد به الجاهل. تأمل. وفي الفتح: وأخرج أبو داود عن بريدة عن أبيه قال: قال رسول اللهِ وَّ(القُضَاةُ ثَلاثَةُ: أَثْنَانِ فِي النَّارِ وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ: رَجل عَرَفَ الحَقَّ فَقَضَى بِهِ فَهُوَ في الجَنَّةِ، وَرَجُلٌ عَرفَ الحَقَّ فَلَمْ يَقْضٍ وَجَارَّ في الحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ لْ يَعْرِف الحَقَّ فَقَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِيَ النَّارِ))(١). قوله: (ويجوز تقلد القضاء من السلطان العادل والجائز) أي الظالم، وهذا ظاهر في اختصاص تولية القضاء بالسلطان ونحوه كالخليفة، حتى لو اجتمع أهل بلدة على تولية واحد القضاء لم يصح، بخلاف ما لو ولوا سلطاناً بعد موت سلطانهم كما في البزازية. نهر. وتمامه فيه. قلت: وهذا حيث لا ضرورة، وإلا فلهم تولية القاضي أيضاً كما يأتي بعده. قوله: (ولو كافراً) في التاترخانية: الإسلام ليس بشرط فيه: أي في السلطان الذي يقلد، وبلاد الإسلام التي في أيدي الكفرة لا شك أنها بلاد الإسلام لا بلاد الحرب، لأنهم لم يظهروا فيها حكم الكفر والقضاة مسلمون والملوك الذين يطيعونهم عن ضرورة مسلمون، ولو كان عن غير ضرورة منهم ففساق، وكل مصر فيه والٍ من جهتهم تجوز فيه إقامة الجمع والأعياد، وأخذ الخراج وتقليد القضاة وتزويج الأيامى لاستيلاء المسلم عليه، وأما إطاعة الكفر فذاك مخادعة. وأما بلاد عليها ولاة كفار فيجوز للمسلمين إقامة الجمع والأعياد، ويصير القاضي قاضياً بتراضي المسلمين، فيجب عليهم أن يلتمسوا والياً مسلماً منهم اهـ. وعزاه مسكين في شرحه إلى الأصل، ونحوه في جامع الفصولين. مَطْلَبٌ فِي حُكْمٍ تَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ في بِلَادَ تَغَلَّبَ عَلَيْهَا الْكُفَّارُ وفي الفتح: وإذا لم يكن سلطان ولا من يجوز التقلد منه كما هو في بعض بلاد المسلمين غلب عليهم الكفار كقرطبة الآن، يجب على المسلمين أن يتفقوا على واحد منهم يجعلونه والياً فيولي قاضياً، ويكون هو الذي يقضي بينهم، وكذا ينصبوا إماماً يصلي بهم (١) أخرجه أبو داود ٥/٤ (٣٥٧٣) والترمذي ٦١٣/٣ (١٣٢٢) والنسائي وابن ماجه ٧٧٦/٢ (٢٣١٥) والحاكم ٩٠/٤ والبيهقي ١٠/ ١١٧. ٤٤ كتاب القضاء وغيره. إلا إذا كان يمنعه عن القضاء بالحق فيحرم، ولو فقد وال لغلبة كفار وجب على المسلمين تعيين وال وإمام للجمعة. فتح (ومن) سلطان الخوارج و (أهل البغي) وإذا صحت التولية صح العزم، وإذا رفع قضاء الباغي إلى قاضي العدل نفذه. وقيل لا، وبه جزم الناصحي (فإذا تقلد طلب ديوان قاض قبله) يعني السجلات الجمعة اهـ. وهذا هو الذي تطمئن النفس إليه فليعتمد. نهر. والإشارة بقوله: ((وهذا)) إلى ما أفاده كلام الفتح من عدم صحة تقلد القضاء من كافر على خلاف ما مر عن التاترخانية، ولكن إذا ولى الكافر عليهم قاضياً ورضيه المسلمون صحت توليته بلا شبهة. تأمل. ثم إن الظاهر أن البلاد التي ليست تحت حكم سلطان، بل لهم أمير منهم مستقل بالحكم عليهم بالتغلب أو باتفاقهم عليه يكون ذلك الأمير في حكم السلطان فيصح منه تولية القاضي عليهم. قوله: (ومن سلطان الخوارج وأهل البغي) تقدم الفرق بينهما في باب البغاة. قوله: (صح العزل) فإذا ولى سلطان البغاة باغياً وعزل العدل ثم ظهرنا عليهم احتاج قاضي أهل العدل إلى تجديد التولية. نهر. قوله: (نفذه) أي حيث كان موافقاً أو مختلفاً فيه كما في سائر القضاة، وهو مصرح به في فصول العمادي، ويدل بمفهومه على أن القاضي لو كان من البغاة فإن قضاياه تنفذ كسائر فساق أهل العدل، لأن الفاسق يصلح قاضياً في الأصح، وذكر في الفصول ثلاثة أقوال فيه: الأول ما ذكرنا وهو المعتمد. الثاني عدم النفاذ، فإذا رفع إلى العادل لا يمضيه. الثالث حكمه حكم المحكم بمضيه لو وافق رأيه وإلا أبطله اهـ بحر. قوله: (وبه جزم الناصحي) لكن قد علمت ما هو المعتمد. مَطْلَبٌ في العَمَلِ بِالسُّجِلَّاتِ وَكُتُبِ الأَوْقَافِ اٌلْقَدِيمَةِ قوله: (فإذا تقلد طلب ديوان قاض قبله) في القاموس: الديوان ويفتح: مجتمع الصحف، والكتاب يكتب فيه أهل الجيش وأهل العطية، وأول من وضعه عمر رضي الله تعالى عنه، جمعه دواوين ودياوين اهـ. فقوله مجتمع الصحف بمعنى قول الكنز: وهو الخرائط التي فيها السجلات والمحاضر وغيرها. والخرائط جمع خريطة شبه الكيس، وقول الشارح ((يعني السجلات)) تفسير بالمعنى الثاني، وقول البحر تبعاً لمسكين إن ما في الكنز مجاز لأن الديوان نفس السجلات والمحاضر لا الكيس فيه نظر، فافهم. والسجل لغة: كتاب القاضي، والمحاضر جمع محضر. وفي الدرر: أن المحضر ما كتب فيه ما جرى بين الخصمين من إقرار أو إنكار والحكم ببينة أو نكول على وجه يرفع الاشتباه، وكذا السجل. والصك: ما كتب فيه البيع والرهن والإقرار وغيرها، والحجة والوثيقة يتناولان الثلاثة اهـ. والعرف الآن ما كتب في الواقعة وبقي عند القاضي وليس عليه خطه، والحجة ما عليه علامة القاضي أعلاه وخط الشاهدين أسفله وأعطى للخصم بحر ملخصاً. وإنما ٤٥ كتاب القضاء : (ونظر في حال المحبوسين) في سجن القاضي، وأما المحبوسون في سجن الوالي فعلى الإمام النظر في أحوالهم، فمن لزمه أدب أدّبه وإلا أطلقه، ولا يبيت أحداً في قيد يطلبه لأن الديوان وضع ليكون حجة عند الحاجة فيجعل في يده من له ولاية القضاء، وما في يد الخصم لا يؤمن عليه التغيير بزيادة أو نقصان، ثم إن كانت الأوراق من بيت المال فلا إشكال في وجوب تسليمها إلى الجديد، وكذا لو من مال الخصوم أو من مال القاضي في الصحيح لأنهم وضعوها في يد القاضي لعمله، وكذا القاضي يحمل على أنه عمل ذلك تديناً لا تموّلاً. وتمامه في الزيلعي. تنبيه: مفاد قول الزيلعي: ليكون حجة عند الحاجة، ومثله في الفتح: أنه يجوز للجديد الاعتماد على سجل المعزول مع أنه يأتي أنه لا يعمل بقول المعزول. وفي الأشباه: لا يعتمد على الخط ولا يعمل بمكتوب الوقف الذي عليه خطوط القضاة الماضين. لكن قال البيري: المراد من قوله لا يعتمد: أي لا يقضي القاضي بذلك عند المنازعة، لأن الخط مما يزور ويفتعل كما في مختصر الظهيرية، وليس منه ما في الأجناس بنص، وما وجده القاضي بأيدي القضاة الذين كانوا قبله لها رسوم في دواوين القضاة أجريت على الرسوم الموجودة في دواوينهم، وإن كان الشهود الذين شهدوا عليها قد ماتوا. قال الشيخ أبو العباس: يجوز الرجوع في الحكم إلى دواوين من كان قبله من الأمناء اهـ: أي لأن سجل القاضي لا يزوّر عادة، حيث كان محفوظاً عند الأمناء، بخلاف ما كان بيد الخصم. وقدمنا في الوقف عن الخيرية أنه إن كان للوقف كتاب في سجل القضاة وهو في أيديهم اتبع ما فيه استحساناً إذا تنازع أهله فيه، وصرح أيضاً في الإسعاف وغيره بأن العمل بما في دواوين القضاة استحسان، والظاهر أن وجه الاستحسان ضرورة إحياء الأوقاف ونحوها عند تقادم الزمان، بخلاف السجل الجديد لإمكان الوقوف على حقيقة ما فيه بإقرار الخصم أو البينة، فلذا لا يعتمد عليه. وعلى هذا فقول الزيلعي: ليكون حجة عند الحاجة معناه: عند تقادم الزمان، وبهذا يتأيد ما قاله المحقق هبة الله البعلي في شرحه على الأشباه بعد ما مر عن البيري من أن هذا صريح في جواز العمل بالحجة، وإن مات شهودها حيث كان مضمونها ثابتاً في السجل المحفوظ اهـ. لكن لا بد من تقييده بتقادم العهد كما قلنا توفيقاً بين كلامهم، ويأتي تمام الكلام على الخط في باب كتاب القاضي، وانظر ما كتبناه في دعوى تنقيح الفتاوى الحامدية. قوله: (ونظر في حال المحبوسين الخ) بأن يبعث إلى السجن من يعدهم بأسمائهم ثم يسأل عن سبب حبسهم، ولا بد أن يثبت عنده سبب وجوب حبسهم، وثبوته عند الأول لیس بحجة يعتمدها الثاني في حبسهم، لأن قوله لم يبق حجة، كذا في الفتح. نهر. قوله: (وإلا أطلقه) أي إن لم يكن له قضية، وعبارة النهر عن كتاب الخراج لأبي يوسف: فمن كان منهم من أهل الدعارة والتلصص ٤٦ كتاب القضاء إلا رجلاً مطلوباً بدم، ونفقة من ليس له مال في بيت المال. بحر (فمن أقرّ) منهم (بحق أو قامت عليه بينة ألزمه) الحبس. ذكره مسكين. وقيل الحق (وإلا نادى عليه) بقدر ما يرى ثم أطلقه بكفيل بنفسه، فإن أبى نادى عليه شهراً ثم أطلقه (وعمل في الودائع وغلات الوقف ببينة أو إقرار) ذي اليد (ولم يعمل) المولى (بقول المعزول) لالتحاقه بالرعايا وشهادة الفرد لا تقبل خصوصاً بفعل نفسه. درر. ومفاده ردها ولو مع آخر. نهر . قلت: لكن أفتى قارىء الهداية بقبولها، وتبعه ابن نجيم، فتنبه (إلا أن يقرّ والجنايات ولزمه أدب أدبه، ومن لم يكن له قضية خلي سبيله. قوله: (أو قامت عليه بينة) أعم من أن تشهد بأصل الحق أو بحكم القاضي عليه. بحر. قوله: (ألزمه الحبس) أي أدام حبسه. بحر. قوله: (وقبيل الحق) قائله في الفتح حيث قال: من اعترف بحق ألزمه إياه ورده إلى السجن، واعترضه في البحر بأنه لو اعترف بأنه أقرّ عند المعزول بالزنا لا يعتبر لأنه بطل، بل يستقبل الأمر فإن أقر أربعاً في أربعة مجالس حده اهـ. وفي أن المتبادر من الحق حق العبد. قوله: (وإلا) أي وإن لم يقر بشيء ولم تقم عليه بينة بل ادعى أنه حبس ظلماً. نهر. قوله: (نادى عليه) ويقول المنادي: من كان يطالب فلان بن فلان الفلاني بحق فليحضر. زيلعي. قوله: (فإن أبى) عن إعطاء الكفيل وقال: لا كفيل لي. بحر. قوله: (نادى عليه شهراً) أي يستأنفه بعد مدة المناداة الأولى. قوله: (في الودائع) أي ودائع اليتامى. نهر. قوله: (ببينة) أي يقيمها الوصي مثلًا على من هي تحت يده أنها ليتيم فلان أو ناظر الوقف أن هذه الغلة لوقف فلان، وكأنه مبني على عرفهم من أن الكل تحت يد أمين القاضي، وفي زماننا أموال الأوقاف تحت يد نظارها وودائع اليتامى تحت يد الأوصياء، ولو فرض أن المعزول وضع ذلك تحت يد أمين عمل القاضي بما ذكر. نهر. قوله: (المولى) بتشديد اللام المفتوحة: أي القاضي الجديد. قوله: (درر) ومثله في الهداية وغيرها. قوله: (ومفاده) أي مفاد قوله: ((خصوصاً بفعل نفسه)) وأصل البحث لصاحب البحر، وقد رأيته صريحاً في كافي الحاكم ونصه: وإذا عزل عن القضاء ثم قال كنت قضيت لهذا على هذا بكذا وكذا لم يقبل قوله فيه، وإن شهد مع آخر لم تقبل شهادته حتى يشهد شاهدان سواه اهـ. ومثله في القهستاني عن المبسوط. قوله: (وتبعه ابن نجيم) أي في فتاواه، وأما ما ذكره في بحره فقد علمت موافقته لما في النهر، وعبارة فتاواه التي رتبها له تليمذه المصنف هكذا: سئل عن الحاكم إذا أخبر حاكماً آخر بقضية هل يكتفي بإخباره، ويسوغ له الحكم بذلك أم لا بد من شاهد آخر معه؟ أجاب: لا يكتفي بإخباره ولا بد من شاهد آخر معه. قال المرتب لهذه الفتاوى: وقد تبع شيخنا في ذلك ما أفتى به الشيخ سراج الدين قارىء الهداية، ولا شك أن هذا قول محمد، وأن الشيخين قالا بقبول إخباره ٤٧ كتاب القضاء ذو اليد أنه) أي المعزول (سلمها) أي الودائع والغلات (إليه فيقبل قوله فيهما) أنها لزيد، إلا إذا بدأ ذو اليد بالإقرار للغير ثم أقر بتسليم القاضي إليه فأقر القاضي بأنها لآخر فيسلم للمقر له الأول ويضمن المقر قيمته أو مثله للقاضي بإقراره الثاني يسلمه لمن أقر له القاضي (ويقضي في المسجد) ويختار مسجداً في وسط البلد تيسيراً عن إقراره بشيء مطلقاً إذا كان لا يصح رجوعه عنه، ووافقهما محمد ثم رجع عنه وقال: لا يقبل إلا بضم رجل آخر عدل إليه، وهو المراد بقول من روى عنه أنه لا يقبل مطلقاً، ثم صح رجوعه قولهما كما في البحر، ثم قال: وأما إذا أخبر القاضي بإقراره عن شيء يصح رجوعه كالحد لم يقبل قوله بالإجماع، وإن أخبر عن ثبوت الحق بالبينة فقال قامت بذلك بينة وعدلوا وقبلت شهادتهم على ذلك يقبل في الوجهين جميعاً، انتهى كلامه. انتهى ما في الفتاوى. أقول: وحاصله أن القاضي لو أخبر عن إقرار رجل بما لا يصح رجوعه عنه كبيع أو قرض مثلاً يقبل عندهما مطلقاً، ووافقهما محمد أولاً ثم رجع وقال: لا يقبل ما لم يشهد معه آخر، ثم صح رجوعه إلى قولهما بالقبول مطلقاً كما لو أخبر عن حكمه بثبوت حق بالبينة، فعلى هذا لم يبق خلاف في قبول قول القاضي، ولا يخفى أن كلامنا في المعزول وهذا في المولى كما يعلم من شرح أدب القضاء وكذا مما سيأتي قبيل كتاب الشهادات عند قوله: ((ولو قال قاض عدل قضيت على هذا بالرجم الخ)) وبه يشعر أصل السؤال حيث عبر بالحاكم وعبارة قارىء الهداية كذلك، وبه علم أن الاستدراك على ما في النهر في غير محله. قوله: (فيقبل قوله) أي قول المعزول، وشمل ثلاث صور: ما إذا قال ذو اليد بعد إقرار بتسليم القاضي المعزول إليه إنها لزيد الذي أقر له المعزول، أو قال إنها لغيره، أو قال لا أدري. لأنه في هذه الثلاث ثبت بإقراره أنه مودع المعزول، ويد المودع كيده فصار كأنه في يد المعزول فيقبل إقراره به كما في الزيلعي، بخلاف ما إذا أنكر ذو اليد التسليم فإنه لا يقبل قول المعزول كما في البحر. قوله: (فيسلم للمقر له الأول) لأنه لما بدأ بالإقرار صح إقراره ولزم لأنه أقر بما هو في يده، فلما قال دفعه إلى القاضي فقد أقر أن اليد كانت للقاضي، والقاضي يقر به لآخر فيصير هو بإقراره متلفاً لذلك على من أقر له القاضي. فتح. ثم قال: فرع يناسب هذا: لو شهد شاهدان أن القاضي قضى لفلان على فلان بكذا قال القاضي لم أقض بشيء لا تجوز شهادتهما عندهما ويعتبر قول القاضي. وعند محمد: تقبل وينفذ ذلك اهـ. وقدمنا عن البحر أنه في جامع الفصولين رجح قول محمد لفساد الزمان. قوله: (ويقضي في المسجد) وبه قال أحمد ومالك في الصحيح عنه خلافاً للشافعي له أن القضاء بحضرة المشرك وهو نجس بالنص، وقد طال في الفتح في الاستدلال للمذهب ثم قال: وأما نجاسة المشرك ففي الاعتقاد على معنى التشبيه، ٤٨ كتاب القضاء للناس ويستدبر القبلة كخطيب ومدرس. خانية. وأجرة المحضر على المدعي هو الأصح. بحر عن البزازية. وفي الخانية: على المتمرد وهو الصحيح، وكذا السلطان والمفتي والفقيه (أو) في (داره) ويأذن عموماً (ويرد هدية) التنكير للتقليل. ابن والحائض يخرج إليها أو يرسل نائبه كما لو كانت الدعوى في دابة، وتمام الفروع فيه وفي البحر. قوله: (ويستدبر) أي ندباً كما في الذي قبله ط . مَطْلَبٌ فيِ أُجْرَةِ المُخْضِرِ قوله: (وأجرة المحضر الخ) بضم أوله وكسر ثالثه: هو من يحضر الخصم، وعبارة البحر هكذا. وفي البزازية: ويستعين بأعوان الوالي على الإحضار وأجرة الأشخاص في بيت المال، وقيل على المتمرد في المصر من نصف درهم إلى درهم، وفي خارجه لكل فرسخ ثلاثة دراهم أو أربعة، وأجرة الموكل على المدعي وهو الأصحّ. وفي الذخيرة: أنه المشخص وهو المأمور بملازمة المدعى عليه اهـ. والإشخاص بالكسر بمعنى الإحضار، فقد فرق بين المحضر وبين الملازم، وهذا غير ما نقله الشارح، فتأمل. وفي منية المفتي: مؤنة المشخص قيل في بيت المال، وفي الأصح على المتمرد اهـ. وهذا ما في الخانية. والحاصل: أن الصحيح أن أجرة المشخص بمعنى الملازم على المدعي، وبمعنى الرسول المحضر على المدعى عليه لو تمرد بمعنى امتنع عن الحضور، وإلا فعلى المدعي. هذا خلاصة ما في شرح الوهبانية. قوله: (أو في داره) لأن العبادة لا تتقيد بمكان، والأولى أن تكون الدار في وسط البلد کالمسجد. نهر. مَطْلَبٌ فِي هَدِيَّةِ الْقَاضِي قوله: (ويرد هدية) الأصل في ذلك ما في البخاري، عن أبي حميد الساعدي قال: ((استعمل النبي ◌َ﴿ رجلاً من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا لي، قال عليه الصلاة والسلام: هلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه فينظر أيهدى له أم لا؟)) قال عمر بن عبد العزيز: كانت الهدية على عهد رسول الله وَطفل هدية واليوم رشوة. ذكره البخاري. واستعمل عمر أبا هريرة فقدم بمال، فقال له من أين لك هذا، قال تلاحقت الهدايا، فقال له عمر: أي عدوّ الله هلا قعدت في بيتك فتنظر أيهدى لك أم لا؟ فأخذ ذلك منه، وجعله في بيت المال. وتعليل النبي وَّر دليل على تحريم الهدية التي سببها الولاية. فتح. قال في البحر: وذكر الهدية ليس احترازياً، إذ يحرم عليه الاستقراض والاستعارة ممن يحرم عليه قبول هديته كما في الخانية اهـ. قلت: ومقتضاه أنه يحرم عليه سائر التبرعات، فتحرم المحاباة أيضاً ولذا قالوا له: أخذ أجرة كتابة الصك بقدر أجر المثل، فإن مفاده أنه لا يحل له أخذ الزيادة لأنها محاباة، ٤٩ كتاب القضاء كمال. وهي ما يعطى بلا شرط إعانة، بخلاف الرشوة. ابن مالك. ولو تأذى المهدي بالرد يعطيه مثل قيمتها. خلاصة. ولو تعذر الرد لعدم معرفته أو بعد مكانه وضعها في بيت المال، ومن خصوصياته عليه الصلاة والسلام أن هداياه له. تاتر خانية. مفاده أنه ليس للإمام قبول الهدية وإلا لم تكن خصوصية، وفيها يجوز وعلى هذا فما يفعله بعضهم من شراء الهدية بشيء يسير أو بيع الصك بشيء كثير لا يحل، وكذا ما يفعله بعضهم حين أخذ المحصول من أنه يبيع به الدافع دواة أو سكيناً أو نحو ذلك لا يحل، لأنه إذا حرم الاستقراض والاستعارة فهذا أولى. قوله: (وهي الخ) عزاه في الفتح إلى شرح الأقطع. قوله: (وضعها في بيت المال) أي إلى أن يحضر صاحبها فتدفع له بمنزلة اللقطة كما في الفتح. قوله: (وفيها الخ) أي في التاتر خانية، وهذا مخالف لما ذكره أولاً فيها في حق الإمام، ويؤيد الأول ما مر عن الفتح من أن تعليل النبي القوم دليل على تحريم الهدية التي سببها الولاية، وكذا قوله: وكل من عمل للمسلمين عملاً حكمه في الهدية حكم القاضي اهـ. مَطْلَبٌ فِي حُكْمُ الهَدِيَّةِ لِلْمُفْتِي واعترضه في البحر بما ذكره الشارح عن التاترخانية وبما في الخانية من أنه يجوز للإمام والمفتي قبول الهدية وإجابة الدعوة الخاصة، ثم قال: إلا أن يراد بالإمام إمام الجامع: أي وأما الإمام بمعنى الوالي فلا تحل الهدية فلا منافاة، وهذا هو المناسب للأدلة ولأنه رأس العمال. قال في النهر: والظاهر أن المراد بالعمل ولاية ناشئة عن الإمام أو نائبه کالساعي والعاشر اهـ. قلت: ومثلهم مشایخ القری والحرف وغيرهم ممن لهم قهر وتسلط على من دونهم، فإنه يهدى إليهم خوفاً من شرهم أو ليروج عندهم، وظاهر قوله: ((ناشئة عن الإمام الخ)) دخول المفتي إذا كان منصوباً من طرف الإمام أو نائبه، لكنه مخالف لإطلاقهم جواز قبول الهدية له، وإلا لزم كون إمام الجامع والمدرس المنصوبين من طرف الإمام كذلك، إلا أن يفرق بأن المفتي يطلب منه المهدي المساعدة على دعواه ونصره على خصمه فيكون بمنزلة القاضي، لكن يلزم من هذا الفرق أن المفتي لو لم يكن منصوباً من الإمام يكون كذلك فيخالف ما صرحوا به من جوازها للمفتي، فإن الفرق بينه وبين القاضي واضح، فإن القاضي ملزم وخليفة عن رسول الله # في تنفيذ الأحكام، فأخذه الهدية يكون رشوة على الحکم الذي يؤمله المهدي ویلزم منه بطلان حکمه، والمفتي لیس کذلك، وقد يقال: إن مرادهم بجوازها للمفتي إذا كانت لعلمه لا لإعانته للمهدي بدليل التغفيل الذي نقله الشارح، فإذا كانت لإعانته صدق عليها حدّ الرشوة، لكن المذكور في حدها شرط الإعانة. وقدمنا عن الفتح عن الأقضية أنه لو أهداه ليعينه عند السلطان بلا شرط لكن ٥٠ كتاب القضاء للإمام والمفتي والواعظ قبول الهدية لأنه إنما يهدي إلى العالم لعلمه، بخلاف القاضي (إلا من) أربع: السلطان والباشا. أشباه وبحر. و (قريبه) المحرم (أو ممن جرت عادته بذلك) يعلم يقيناً أنه إنما يهدي ليعينه فمشايخنا على أنه لا بأس به الخ. وهذا يشمل ما إذا كان من العمال أو غيرهم. وعن هذا قال في جامع الفصولين: القاضي لا يقبل الهدية من رجل لو لم يكن قاضياً لا يهدى إليه ويكون ذلك بمنزلة الشرط، ثم قال أقول: يحالفه ما ذكر في الأقضية الخ. قلت: والظاهر عدم المخالفة، لأن القاضي منصوص على أنه لا يقبل الهدية على التفصيل الآتي، فما في الأقضية مفروض في غيره، فيحتمل أن يكون المفتي مثله في ذلك ويحتمل أن لا يكون، والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال. ولا شك أن عدم القبول هو المقبول. ورأيت في حاشية شرح المنهج للعلامة محمد الداودي الشافعي ما نصه: قال ع ش: ومن العمال مشايخ الأسواق والبلدان ومباشرو الأوقاف، وكل من يتعاطى أمراً يتعلق بالمسلمين انتهى. قال م ر في شرحه: ولا يلحق بالقاضي فيما ذكر المفتي والواعظ ومعلم القرآن والعلم، لأنهم ليس لهم أهلية الإلزام، والأولى في حقهم إن كانت الهدية لأجل ما يحصل منهم من الإفتاء والوعظ والتعليم عدم القبول ليكون علمهم خالصاً لله تعالى، وإن أهدى إليهم تحبباً وتودداً لعلمهم وصلاحهم فالأولى القبول. وأما إذا أخذ المفتي الهدية ليرخص في الفتوى: فإن كان بوجه باطل فهو رجل فاجر يبدل أحكام الله تعالى ويشتري بها ثمناً قليلاً، وإن كان بوجه صحيح فهو مكروه كراهة شديدة انتهى هذا كلامه وقواعدنا لا تأباه، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وأما إذا أخذ لا ليرخص له بل لبيان الحكم الشرعي، فهذا ما ذكره أولاً، وهذا إذا لم يكن بطريق الأجرة بل مجرد هدية، لأن أخذ الأجرة على بيان الحكم الشرعي لا يحل عندنا، وإنما يحل على الكتابة لأنها غير واجبة عليه، والله سبحانه أعلم. قوله: (السلطان والباشا) عزاه في الأشباه إلى تهذيب القلانسي. قال الحموي: وفيه فصول، إذ لا يشمل القاضي الذي يتولى منه، وهو قاضي العسكر لقضاة الأقطار. وعبارة القلانسي: ولا يقبل الهدية إلا من ذي رحم محرم أو والٍ يتولى الأمر منه أو وال مقدم الولاية على القضاء، ومعناه أنه يقبل الهدية من الوالي الذي تولى القضاء منه وكذا من وال مقدم عليه في الرتبة، فإنه يشمل القاضي الذي تولى منه والباشا، ووجهه أن منع قبولها إنما هو للخوف من مراعاته لأجلها، وهو إن راعى الملك ونائبه لم يراعه لأجلها. قوله: (المحرم) هذا القيد لا بد منه ليخرج ابن العم. نهر. قوله: (أو ممن جرت عادته بذلك) قال في الأشباه: ولم أر بماذا تثبت العادة ونقل الحموي عن ٥١ كتاب القضاء بقدر عادته ولا خصومة لهما. درر (و) يرد إجابة (دعوة خاصة وهي التي لا يتخذها صاحبها لولا حضور القاضي) ولو من محرم ومعتاد. وقيل هي كالهدية. وفي السراج وشرح المجمع: ولا يجيب دعوة خصم وغير معتاد ولو عامة للتهمة بعضهم: إنها تثبت بمرة، ثم إن ظاهر العطف أن قبولها من القريب غير مقيد بجري العادة منه، وهو ظاهر إطلاق القدوري والهداية. وفي النهاية عن شيخ الإسلام أنه قيد فيه أيضاً، وتمامه في النهر. قوله: (بقدر عادته) فلو زاد لا يقبل الزيادة. وذكر فخر الإسلام: إلا أن يكون مال المهدي قد زاد، فبقدر ما زاد ماله إذا زاد في الهدية لا بأس بقبولها. فتح. قال في الأشباه: وظاهر كلامه أنه زاد في القدر، فلو في المعنى كأن كانت عادته إهداء ثوب كتان فأهدى ثوباً حريراً لم أره لأصحابنا، وينبغي وجوب رد الكل لا بقدر ما زاد في قيمته لعدم تمييزها، ونظر فيه في حواشي الأشباه. تنبيه في الفتح: ويجب أن تكون هدية المستقرض للمقرض كالهدية للقاضي إن كان المستقرض له عادة قبل استقراضه فللمقرض أن يقبل منه قدر ما كان يهديه بلا زيادة اهـ. قال في البحر: وهو سهو، والمنقول كما قدمناه آخر الحوالة أنه يحل حيث لم يكن مشروطاً مطلقاً اهـ. وأجاب المقدسي بأن كلام المحقق في الفتح مبني على مقتضى الدليل. قوله: (ولا خصومة لهما) فإن قبلها بعد انقطاع الخصومة جاز. ابن ملك. وذكره في النهر بحثاً. وفي ط عن الحموي: إلا أن يكون ممن لا تتناهى خصوماته كنظار الأوقاف ومباشريها اهـ. قال في البحر: والحاصل أن من له خصومة لا يقبلها مطلقاً؛ ومن لا خصومة له: فإن كان له عادة قبل القضاء قبل المعتاد، وإلا فلا اهـ: أي سواء كان محرماً أو غيره على ما مر عن شيخ الإسلام. قوله: (دعوة خاصة) الدعوة إلى الطعام بفتح الدال عند أكثر العرب وبعضهم يكسرها كما في المصباح، فلو عامة له حضورها لولا خصومة لصاحبها كما في الفتح. قوله: (وهي الخ) هذا هو المصحح في تفسيرها، وقيل العامة دعوة العرس والختان وما سواهما خاصة. وقيل إن كانت لخمسة إلى عشرة فخاصة، وإن لأكثر فعامة، وتمامه في البحر والنهر. قوله: (وقيل هي كالهدية) ظاهر الفتح اعتماده، فإنه قال بعد الكلام: فقد آل الحال إلى أنه لا فرق بين القريب والغريب في الهدية والضيافة، وكذا قال في البحر: الأحسن أن يقال: ولا يقبل هدية ودعوة خاصة إلا من محرم أو ممن له عادة، فإن للقاضي أن يجيب الدعوة الخاصة من أجنبي له عادة باتخاذها كالهدية، فلو كان من عادته الدعوة له في كل شهر مرة فدعاه كل أسبوع بعد القضاء لا يجيبه، ولو اتخذ له طعاماً أكثر من الأول لا يجيبه إلا أن يكون ماله قد زاد، كذا في التاتر خانية. قوله: (ولا يجيب دعوة خصم) هو ما ذكره في شرح المجمع لابن ملك، وقدمناه عن الفتح، وقوله: ((وغير معتاد» هو ما ذكره ٥٢ كتاب القضاء (ويشهد الجنازة ويعود المريض) إن لم يكن لهما ولا عليهما دعوى. شرنبلالي عن البرهان (ويسوي) وجوباً (بين الخصمين جلوساً وإقبالاً وإشارة ونظراً، ويمتنع من مسارة أحدهما والإشارة إليه) ورفع صوته عليه (والضحك في وجهه) وكذا القيام له بالأولى (وضيافته) نعم لو فعل ذلك معهما معاً جاز. نهر (ولا يمزح) في مجلس الحكم (مطلقاً) ولو لغيرهما لذهابه بمهابته (ولا يلقنه حجته) وعن الثاني: لا بأس به. عيني في السراج كما عزاه إليه المصنف في المنح، وهذا لا يناسب القيل المذكور قبله، لأنه يلزم أن تكون العامة كالخاصة، وهو خلاف تقييدهم المنع بالخاصة فقط. تأمل. قوله: (ويعود المريض) إلا أنه لا يطيل المكث عنده. بحر. قوله: (إن لم يكن لهما ولا عليهما دعوى) الذي في الفتح وغيره الاقتصار على ذكر المريض. تأمل. قوله: (ويسوّي وجوباً بين الخصمين الخ) إطلاقه يعم الصغير والكبير والخليفة والرعية والدنيء والشريف والأب والابن والمسلم والكافر، إلا إذا كان المدعى عليه هو الخليفة ينبغي للقاضي أن يقوم من مقامه، وأن يجلسه مع خصمه، ويقعد هو على الأرض ثم يقضي بينهما، ولا ينبغي أن يجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، لأن لليمين فضلاً ولذا كان النبي وَّ يخص به الشيخين، بل المستحب باتفاق أهل العلم أن يجلسهما بين يديه كالمتعلم بين يدي معلمه، ويكون بعدهما عنه قدر ذراعين أو نحوهما، ولا يمكنهما من التربع ونحوه، ويكون أعوانه قائمة بين يديه. وأما قيام الأخصام بين يديه فليس معروفاً، وإنما حدث لما فيه من الحاجة إليه والناس مختلفو الأحوال والأدب، وقد حدث في هذا الزمان أمور وسفهاء، فيعمل القاضي بمقتضى الحال، كذا في الفتح: يعني فمنهم من لا يستحق الجلوس بين يديه ومنهم من يستحق، فيعطي كل إنسان ما يستحقه. بقي ما لو كان أحدهما يستحقه دون الآخر وأبى الآخر إلا القيام لم أر المسألة، وقياس ما في الفتح أن القاضي لا يلتفت إليه. نهر. قوله: (وإقبالاً) أي نظراً. قهستاني. والأولى تفسيره بالتوجيه إليه صورة أو معنى لئلا يتكرر بما بعده. قوله: (ويمتنع من مساواة أحدهما) أي يجتنب التكلم معه خفية، وكذا القائم بين يديه كما في الولوالجية، وهو الجلواز الذي يمنع الناس من التقدم إليه بل يقيمهم بين يديه على البعد ومعه سوط والشهود يقربون. نهر. قوله: (والإشارة إليه) مستدرك بما قبله ط. قوله: (ورفع صوته عليه) ينبغي أن يستثني ما لو كان بسبب كإساءة أدب ونحوه. قوله: (لو فعل ذلك) أي الضيافة. وقال في النهر أيضاً: وقياسه أنه لو سارهما أو أشار إليهما معاً جاز. قوله: (ولا يمزح) أي يداعب في الكلام من باب نفع. قوله: (في مجلس الحكم) أما في غيره فلا يكثر منه لأنه يذهب بالمهابة. بحر. قوله: (عيني) عبارته: وعن الثاني في رواية والشافعي في وجه: لا بأس بتلقين الحجة اهـ. وظاهره ضعفها. بل ظاهر الفتح أن هذا في تلقين ٥٣ كتاب القضاء (ولا) يلقن (الشاهد شهادته) واستحسنه أبو يوسف فيما لا يستفيد به زيادة علم، والفتوى على قوله فيما يتعلق بالقضاء لزيادة تجربته. بزازية. في الولوالجية: حكي أن أبا يوسف وقت موته قال: اللهم إنك تعلم أني لم أمل إلى أحد الخصمين حتى بالقلب إلا في خصومة نصراني مع الرشيد لم أسوّ بينهما وقضيت على الرشيد، ثم بكى. اهـ. قلت: ومفاده أن القاضي يقضي على من ولاه. وفي الملتقى: ويصح لمن ولاه وعليه، وسيجيء. فروع: في البدائع من جملة أدب القاضي أنه لا يكلم أحد الخصمين بلسان لا يعرفه الآخر. وفي التاترخانية: والأحوط أن يقول للخصمين أحكم بينكما، حتى إذا كان في التقليد خلل يصير حكماً بتحكيمهما. الشاهد لا الخصم كما يأتي. نعم في البحر عن الخانية: ولو أمر القاضي رجلين ليعلماه الدعوى والخصومة فلا بأس به خصوصاً على قول أبي يوسف. قوله: (واستحسنه أبو يوسف) قال في الفتح، وعن أبي يوسف وهو وجه للشافعي: لا بأس به لمن استولته الحيرة أو الهيبة فترك شيئاً من شرائط الشهادة فيعينه بقوله أتشهد بكذا وكذا بشرط كونه في غير موضع التهمة، أما فيها بأن ادعى المدعي ألفاً وخمسمائة والمدعى عليه ينكر الخمسمائة وشهد الشاهد بألف فيقول القاضي يحتمل أنه أبرأ من الخمسمائة واستفاد الشاهد بذلك علماً فوفق به في شهادته كما وفق القاضي، فهذا لا يجوز بالاتفاق كما في تلقين أحد الخصمين اهـ ثم ذكر أن ظاهر الهداية ترجيح قول أبي يوسف اهـ. وحكاية الرواية في تلقين الشاهد والاتفاق في تلقين أحد الخصمين ينفي ما مر عن العيني. تأمل. قوله: (لزيادة تجربته) قدمنا عن الكفاية أن محمداً تولى القضاء أيضاً، وذكر عبد القادر في طبقاته أن الرشيد ولاه قضاء الرقة ثم عزله وولاه قضاء الري اهـ. والظاهر أن مدته لم تطل، ولذا لم يشتهر بالقضاء كما اشتهر أبو يوسف، فلم يحصل له من التجربة ما حصل لأبي يوسف، لأنه كان قاضي المشرق والمغرب وزيادة التجربة تفيد زيادة علم. قال الحموي: قال مجد الأئمة الترجماني: والذي يؤيده ما ذكره في الفتاوى أن أبا حنيفة كان يقول: الصدقة أفضل من حجّ التطوع، فلما حج وعرف مشاقه رجع وقال: الحج أفضل اهـ. قوله: (حتى بالقلب) أي لم يحصل منه ميل قلبه إلى عدم التسوية بين الخصمين بقرينة الاستثناء. قوله: (قلت ومفاده الخ) قال في الفتح: والدليل عليه قضية شريح مع عليّ، فإنه قام وأجلس علياً مجلسه اهـ. قوله: (وسيجيء) أي في آخر باب كتاب القاضي. قوله: (بلسان لا يعرفه الآخر) لأنه كالمسارة. قوله: (أحكم بينكما) أي ٥٤ كتاب القضاء قضى بحق ثم أمره السلطان بالاستئناف بمحضر من العلماء لم يلزمه. بزازية. طلب المقضى عليه نسخة السجل من المقضى له ليعرضه على العلماء أهو صحيح أم لا؟ فامتنع، ألزمه القاضي بذلك. جواهر الفتاوى. وفي الفتح: متى أمكن إقامة الحق بلا إيغار صدور كان أولى. وهل يقبل قصص الخصوم إن جلس للقضاء؟ لا، وإلا أخذها، ولا يأخذ بما فيها إلا إذا أقرّ بلفظه صريحاً. فَضْلٌ فِي الحَبْسِ هو مشروع بقوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ وحبس عليه الصلاة ويقولان: نعم احكم بيننا. قوله: (لم يلزمه) أفاد أنه لو استأنف براءة لعرضه لا بأس به. قوله: (نسخة السجل) أي كتاب القاضي الذي فيه حكمه المسمى الآن بالحجة. قوله: (ألزمه القاضي بذلك) الظاهر أن الإشارة للعرض على العلماء، لأن السجل: أي الحجة لو كان ملكه لا يلزمه دفعه للمقضى عليه. تأمل. قوله: (وفي الفتح الخ) حيث قال: وفي المبسوط ما حاصله: أنه ينبغي للقاضي أن يعتذر للمقضی علیه ویبین له وجه قضائه ويبين له أنه فهم حجته، ولكن الحكم في الشرع كذا يقتضي القضاء عليه فلم يمكن غيره، ليكون ذلك أدفع لشكايته للناس، ونسبته إلى أنه جار عليه ومن يسمع يخل فربما تفسد العامة عرضه وهو بريء، وإذا أمكن إقامة الحق مع عدم إيغار الصدور كان أولى اهـ. وفي الصحاح: الوغر: شدة توقد الحر، ومنه: قيل في صدره عليّ وغر بالتسكين: أي ضغن وعداوة وتوقد من الغيظ. قوله: (قصص الخصوم) جمع قصة، وهي بالفتح: الحصة، والمراد بها هنا: ورقة يكتب فيها قضيته مع خصمه ويسمى الآن عرض الحال. قوله: (لا) أي لأن كلامه بلسانه أحسن من كتابته. قوله: (ولا يأخذ بما فيها) عبارة غيره. ولا يؤاخذ: أي لا يؤاخذ صاحبها بما كتبه فيها من إقرار ونحوه ما لم يقر بذلك صريحاً، لأنه لا عبرة بمجرد الخط فافهم، والله سبحانه أعلم. فَضْلٌ في الحَبْسِ هو من أحكام القضاء، إلا أنه لما اختص بأحكام كثيرة أفرده بفصل على حدة. نهر. وهو لغة: المنع مصدر حبس كضرب، ثم أطلق على الموضع وترجم المصنف له وزاد فيه مسائل أخر من أحكام القضاء ذكرها في الهداية في فصل على حدة، فكان الأولى أن يقول: ((في الحبس وغيره)) كما قال في باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره. قوله: (هو مشروع الخ) أراد أنه مشروع بالكتاب والسنة. زاد الزيلعي: والإجماع لأن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا عليه قوله: ﴿أَوْ يُنْفُوا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] فإن المراد بالنفي الحبس كما تقدم في قطاع الطريق اهـ ح. ٥٥ كتاب القضاء والسلام رجلاً بالتهمة في المسجد، وأحدث السجن علي رضي الله تعالى عنه، بناه من قصب وسماه نافعاً، فنقبه اللصوص فبنى غيره من مدر وسماه مخيساً بفتح الياء وتكسر: موضع التخييس وهو التذليل، وفيه يقول عليّ رضي الله عنه: [الرجز] أَلَا تَرَانِي كَيِّساً مُكَبَّساً بنيْتُ بَعْدَ نَافِع ◌ُخيَّسا حِصْناً حَصِيناً وَأَمِيناً كَيِّساً (صفته أن یکون بموضع ليس به فراش ولا وطاء) ليضجر فيوفي، ومفاده أنه لوجيء له به منع منه (ولا يمكن أحد أن يدخل عليه للاستئناس إلا أقاربه وجيرانه) لاحتياجه للمشاورة (ولا يمكثون عنده طويلًا) قوله: (وأحدث السجن عليّ) أي أحدث بناء سجن خاص فلا ينافي ما قالوا أيضاً من أنه لم يكن في عهده و * وأبي بكر سجن، إنما كان يحبس في المسجد أو الدهليز حتى اشترى عمر رضي الله تعالى عنه داراً بمكة بأربعة آلاف درهم واتخذه محبساً. قوله: (من مدر) بالتحريك: قطع الطين اليابس والحجارة كما في القاموس. قوله: (بفتح الياء) أي المثناة التحتية مشددة والعجب مما في البحر والنهر والمنح من ضبطه بالتاء المثناة الفوقية، وقد ذكره في القاموس في الأجوف اليائي فقال: المخيس كمعظم السجن، وسجن بناه عليّ رضي الله تعالى عنه. قوله: (كيساً) قال في المصباح: الكيس وزان فلس: الظرف والفطنة. وقال ابن الأعرابي: العقل، ويقال إنه مخفف من كيس مثل هين وهين، والأول أصح لأنه مصدر من كاس كيساً من باب باع، وأما المثقل فاسم فاعل، والجمع أكياس مثل جيد وأجياد اهـ. وفي الفتح: الكيس: أي مخففاً: حسن التأني في الأمور، والكيس المنسوب إليه الكيس اهـ. قوله: (وأميناً) أراد به السجان الذي نصبه فيه. فتح. وعليه فعطفه على ما قبله : * نظير علفتها تبناً وماءً بارداً * فيراد بقوله: اتخذت، وما قيل من أنه يصح كونه وصفاً لمخيساً كالذي قبله لا يناسبه قول كيساً، فافهم. قوله: (صفته) الضمير للحبس بالمعنى المصدري، فلذا قال: ((أن يكون بموضع)) أي في موضع، فافهم. قوله: (ولا وطاء) على وزن كتاب المهاد الوطيء. مصباح. وفيه: والمهد والمهاد: الفراش. وفي القاموس عن الكسائي: إن الوطاء خلاف الغطاء . قلت: فإن أريد به المهاد الوطيء: أي اللين السهل فهو أخص مما قبله، وكذا إن أريد به ما ينام عليه، وهو خلاف الغطاء. قوله: (ومفاده) أي مفاد قوله: ((ليضجر)). قوله: (ولا يمكن) بالبناء للمجهول مع التشديد. قوله: (ولا يمكثون عنده طويلًا) أي بحيث يحصل له الاستئناس بهم، بل بقدر ما يحصل به المقصود من المشاورة. ٥٦ كتاب القضاء ومفاده أن زوجته لا تحبس معه لو هي الحابسة له وهو الظاهر. وفي الملتقي: يمكن من وطء جاريته لو فيه خلوة (ولا يخرج لجمعة ولا جماعة ولا لحج فرض) فغيره أولى (ولا لحضور جنازة ولو) كان (بكفيل) زيلعي. وفي الخلاصة: يخرج بكفيل لجنازة أصوله وفروعه لا غيرهم، وعليه الفتوى مَطْلَبٌ: لَا تُحْبَسُ زَوْجَتُهُ مَعَهُ لو حَبَسَتْهُ قوله: (ومفاده) أي مفاد قوله: ((للاستئناس)). وفي النهر: إذا احتاج للجماع دخلت عليه زوجته أو أمته إن كان فيه موضع سترة. وفيه دليل على أن زوجته لا تحبس معه لو كانت هي الحابسة له، وهو الظاهر اهـ. وأنت خبير بأن الاستدلال على المسألة بما قاله الشارح أولى مما في النهر، لأن عدم دخول أحد عليه للاستئناس أصرح بعدم حبسها معه، إذ في حبسها معه غاية الاستئناس له مع كون المقصود من ذلك الضجر ليوفي دينه، وإذا كانت هي الحابسة له وقلنا بجواز حبسها معه لا يحصل المقصود، بل يحصل ضده وهو ضجرها لتخرجه من الحبس حتى تخرج معه، ففي ذلك أيضاً دليل على أنها لا تحبس معه لو هي الحابسة وليس فيما قاله في النهر ما يدل على ذلك أيضاً، فلذا عدل الشارح عن كلام النهر. فقد ظهر أنه ليس في عدوله عنه خلل، بل الخلل في متابعته له فافهم. ثم إن الظاهر أن المقصود بهذا الرد على من قال إنها تحبس معه. وفي البحر عن الخلاصة: فإذا حبست المرأة زوجها لا تحبس معه. وفيه عن البزازية وغيرها: إذا خيف عليها الفساد استحسن المتأخرون أن تحبس معه اهـ. وحاصله: أنها إذا حبسته وكانت من أهل الفساد ويخشى عليها فعل ذلك إذا لم يكن مراقباً لها يكون مظنة أن حبسها له لأجل ذلك لا لمجرد استيفاء حقها منه فله حبسها معه، أما إذا لم تكن كذلك فلا وجه لحبسها معه، وهذا محمل ما في الخلاصة. قوله: (من وطء جاريته) وكذا زوجته كما مر، وقيل يمنع من ذلك لأن الوطء ليس من الحوائج الأصلية. فتح. قوله: (وفي الخلاصة يخرج بكفيل) هذا هو الصواب في نقل عبارة الخلاصة، ونقل عنها في البحر: يخرج الكفيل، فكأنه سقطت الباء من نسخته كما نبه عليه في النهر وكذا الرملي. وقال أيضاً: والعجب أن البزازي وقع في ذلك فقال: وذكر القاضي أن الكفيل يخرج لجنازة الوالدين الخ. والذي في فتاوى القاضي: يعني قاضيخان: يخرج بالكفيل. قوله: (وعليه الفتوى) قال في الفتح: وفيه نظر لأنه إبطال حق آدمي بلا موجب. نعم إذا لم يكن له من يقوم بحقوق دفنه فعل ذلك. وسئل محمد عما إذا مات والده أيخرج؟ فقال لا اهـ. وحاصله: أن ما في الخلاصة مخالف لنص محمد رحمه الله تعالى. قال في البحر: وقد ٥٧ كتاب القضاء (ولو مرض مرضاً أضناه ولم يجد من يخدمه يخرج بكفيل وإلا لا) به يفتى، ولا يخرج لمعالجة وكسب. قيل ولا يتكسب فيه، ولو له ديون خرج ليخاصم ثم يحبس. خانية (ولا يضرب) المحبوس إلا في ثلاث: إذا امتنع عن كفارة ظهار والإنفاق على قريبه والقسم بين نسائه بعد وعظه، يدفع بأن نص محمد في المديون أصالة والكلام في الكفيل اهـ. وهذا بناء على ما وقع له في نسخة الخلاصة من التحريف على أنه لا يظهر الفرق بين المديون وكفيله كما قاله المصنف في المنح. قوله: (يخرج بكفيل) قال في الفتح: وإن لم يكن له خادم يخرج إن كان يموت بسبب عدم المرض، ولا يجوز أن يكون الدين مفضياً للتسبب في هلاكه اهـ. ومقتضى التعليل أنه لم يجد كفيلا يخرج، لكن في المنح عن الخلاصة: فإن لم يجد كفيلاً لا يطلقه. تأمل. قوله: (وإلا لا) أي وإن وجد من يخدمه لا يخرج، هكذا روي عن محمد، هذا إذا كان الغالب هو الهلاك؛ وعن أبي يوسف: لا يخرجه، والهلاك في السجن وغيره سواء. والفتوى على رواية محمد. منح عن الخلاصة. قوله: (لمعالجة) أي لمداواة مرضه لإمكان ذلك في السجن. قوله: (قيل ولا يتكسب فيه) كذا في بعض النسخ، وفي أكثرها: بل ولا يتكسب فيه، وهي الصواب لأن التعبير بقيل يفيد الضعف، وقد صرح في البحر وغيره بأن الأصح المنع، وفي شرح أدب القضاء عن السرخسي أنه الصحيح من المذهب، لأن الحبس مشروع ليضجر، ومتى تمكن من الاكتساب لا يضجر، فيكون السجن له بمنزلة الحانوت. قوله: (ولو له ديون خرج ليخاصم ثم يحبس) فيه إشارة إلى أنه إذا ادعى عليه آخر بدين يخرج لسماع الدعوى، فإن أثبته بالوجه الشرعي أعيد في الحبس لأجلهما. سائحاني عن الهندية. قوله: (إذا امتنع عن كفارة) لأن حق المرأة في الجماع يفوت بالتأخير. أشباه. واعترضه الحموي بأن حقها فيه قضاء في العمر مرة واحدة اهـ. قلت: هذه المرة لأجل انتفاء العنة والتفريق بها، وإلا فلها حق في الوطء بعدها، ولذا حرم الإيلاء منها، ويفرق بينهما بمضيّ مدته لأنه امتناع بسبب محظور، وكذا في الظهار لأنه منكر من القول فلذا ظهر فيه المطالبة بالعود إليها، ويضرب عند الامتناع، وإن كان لا يضرب عنه الامتناع عنها بغير سبب. تأمل. قوله: (والإنفاق على قريبه) بالجر عطفاً على كفارة، وكذا قوله والقسم كما هو ظاهر فافهم، وهذا مخالف لما قدمه في النفقة من أنه إذا امتنع من الإنفاق على القريب يضرب ولا يحبس، ومثله في القسم كما في بابه، لكن قدمنا في آخر النفقة أنه تابع البحر في نقل ذلك عن البدائع، وأن الذي في البدائع أنه يحبس سواء كان أباً أو غيره، بخلاف الممتنع من القسم فإنه يضرب ولا يحبس، وهو الموافق لما سيذكره المصنف متناً. وذكر في البحر أنهم صرحوا بأنه لو امتنع من التكفير مع قدرته يضرب وكذا لو امتنع من الإنفاق على قريبه، بخلاف سائر الديون ٥٨ كتاب القضاء والضابط ما يفوت بالتأخير لا إلى خلف. أشباه. قلت: ويزاد ما في الوهبانية: [الطويل] وإِنْ فَرَّ يَضْرِبُ دُونَ قَيْد تَأْذُّباً وَتطيينُ بَابِ الحَبْسِ فِي العَنْتِ يذكر (ولا يغل) إلا إذا خاف فراره فيقيد أو يحوّل لسجن اللصوص. وهل يطين الباب؟ الرأي فيه للقاضي. بزازية (ولا يجرد ولا يؤاجر) وعن الثاني: يؤجره لقضاء دينه (ولا يقام بين يدي صاحب الحق إهانة) له، ولو كان ببلد لا قاضي فيها لازمه ليلاً ونهاراً حتى يأخذ حقه. جواهر الفتاوى (وتعيين مكانه) أي مكان الحبس عند عدم إرادة صاحب الحق (للقاضي إلا إذا طلب المدعي مكاناً آخر) فيجيبه لذلك. قنية. وأفتى المصنف تبعاً لقارىء الهداية بأن العبرة في ذلك لصاحب الحق لا للقاضي اهـ. وفي النهر: ينبغي أن لا يجاب لو طلب حبسه في مكان اللصوص ونحوه. فرع: في البحر عن المحيط: ويجعل للنساء سجن على حدة نفياً للفتنة (وإذا ثبت الحق للمدعي) اهـ. قوله: (والضابط) أي لما يضرب فيه المحبوس، فإنه بالامتناع عما ذكر يفوت الواجب لا إلى خلف، فإن نفقة القريب تسقط بالمضيّ ولو مقضياً بها أو متراضى عليها وكذا الوطء والقسم يفوتان بالمضي. قوله: (ما في الوهبانية) الشطر الثاني لشارحها غير فيه نظم الأصل. قوله: (وإن فر) أي من الحبس. قوله: (في العنت يذكر) أي إذا كان متعنتاً لا يؤدي المال: قيل يطين عليه الباب ويترك له ثقبة يلقى له الخبز والماء، وقيل الرأي فيه للقاضي، وهو ما يذكره قريباً عن البزازية. قوله: (ولا يغل) أي لا يوضع له الغل بالضم وهو طوق من حديد يوضع في العنق جمعه أغلال كقفل وأقفال مصباح. وأما القيد فما يوضع في الرجل. قوله: (ولا يجرد) أي من ثيابه في الحبس. قوله: (وعن الثاني) عبارة النهر: ولا يؤجر خلافاً لما عن الثاني. قوله: (لا قاضي فيها) بأن مات أو عزل. منح عن الجواهر. قوله: (لازمه) ولا يمنعه عن الاكتساب والدخول إلى بيته لأنه لا ولاية له عليه، بخلاف القاضي لأن له ولاية المنع والحبس وغيره. منح عن الجواهر. قوله: (قنية) عبارتها: ادعى على بنته مالاً وأمر القاضي بحبسها فطلب الأب منه أن يحبسها في موضع آخر غير السجن حتى لا يضيع عرضه يجيبه القاضي إلى ذلك، وكذا في كل مدع مع المدعى عليه اهـ. قوله (وأفتى المصنف الخ) ذكر في المنح عبارة قارىء الهداية ثم قال: ولا منافاة بين هذا وبين ما ذكرناه، لأن القاضي يعين مكان الحبس عند عدم إرادة صاحب الحق أما لو طلب صاحب الحق مكاناً فالعبرة في ذلك اهـ. قوله: (وإذا ثبت الحق للمدعي) أي عند القاضي كما في الهداية وغيرها، وظاهره أن المحكم لا يحبس. قال في ٥٩ كتاب القضاء ولو دانقاً وهو سدس درهم (ببينة عجل حبسه بطلب المدعي) لظهور المطل بإنكاره (وإلا) يثبت ببينة بل بإقرار (لم يعجل) حبسه بل يأمره بالأداء فإن أبى حبسه، وعكسه السرخسي وسوّى بينهما في الكنز والدرر، واستحسنه الزيلعي. والأول مختار الهداية والوقاية والمجمع. قال في البحر: وهو المذهب عندنا اهـ. البحر: ولم أره. نهر. لكن نقل الحموي عن صدر الشريعة أن له الحبس. قوله: (ولو دانقاً) في كافي الحاكم: ويحبس في درهم وفي أقل منه اهـ. ومثله في الفتح معللاً بأن ظلمه يتحقق بمنع ذلك. قوله: (ببيئة) أو بنكول. بحر عن القلانسي. قوله: (عجل حبسه) إلا إذا ادعى الفقر فيما يقبل فيه دعواه ط. قوله: (بطلب المدعي) ذكره قاضيخان وهو قيد لازم. منح. قوله: (لم يعجل حبسه) لأن الحبس جزاء المماطلة، ولم يعرف كونه مماطلاً في أول الوهلة، فلعله طمع في الإمهال فلم يستصحب المال، فإذا امتنع بعد ذلك حبسه لظهور مطله. هداية. قوله: (بل يأمره بالأداء) ينبغي أن يقيد هذا بما إذا لم يتمكن القاضي من أداء ما عليه بنفسه، كما إذا ادعى عيناً في يد غيره أو وديعة له عنده وبرهن أنها هي التي في يده، أو دیناً له عليه وبرهن على ذلك فوجد معه ما هو من جنس حقه، كان للقاضي أن يأخذ العين منه وما هو من جنس حقه، ويدفعه إلى المالك غير محتاج إلى أمره بدفع ما عليه، وقد قالوا: إن ربّ الدين إذا ظفر بجنس حقه له أن يأخذ، وإن لم يعلم به المديون فالقاضي أولى. نهر وتبعه الحموي وغيره ط. قلت: لكن كونه غير محتاج إلى أمره بالدفع فيه نظر، لأن القاضي لا يتحقق له ولاية أخذ مال المديون، وقضاء دينه به إلا بعد الامتناع عن فعل المديون ذلك بنفسه، فكان المناسب ذكر هذا عند قوله: ((فإن أبى حبسه فيقال إنما يحبسه إذا لم يتمكن القاضي الخ)) فافهم. قوله: (فإن أبى حبسه) فلو قال أمهلني ثلاثة أيام لأدفعه إليك فإنه يمهل ولم يكن بهذا القول ممتنعاً من الأداء ولا يحبس. شرح الوهبانية عن شرح الهداية. ومثله قول المصنف الآتي ((ولو قال أبيع عرضي وأقضي ديني الخ)). قوله (وعكسه السرخسي) وهو أنه إذا ثبت بالبينة لا يحبسه لأول وهلة، لأنه يعتذر بأني ما كنت أعلم أن علي ديناً له بخلافه بالإقرار، لأنه كان عالماً بالدين ولم يقضه حتى أحوجه إلى شكواه. فتح. قوله: (وسوى بينهما في الكنز) حيث قال: وإذا ثبت الحق للمدعي أمره بدفع ما عليه؛ فإن أبى حبسه. وعبارة متن الدرر أصرح، وهي: وإذا ثبت الحق على الخصم بإقراره أو ببينة أمره بدفعه الخ. وفي كافي الحاكم: ولا يحبس الغريم في أول ما يقدمه إلى القاضي، ولكن يقول له قم فارضه، فإن عاد به إليه حبسه اهـ. قوله (واستحسنه الزيلعي) حيث قال: والأحسن ما ذكره هنا: أي في الكنز فإنه يؤمر بالإيفاء مطلقاً، لأنه يحتمل أن يوفي فلا يعجل بحبسه قبل أن يتبين له حاله بالأمر والمطالبة. قوله: (وهو المذهب عندنا) صرح بذلك في شرح أدب القضاء، وقال: التسوية بينهما رواية. ٦٠ كتاب القضاء قلت: وفي منية المفتي: لو ثبت ببينة يحبس في أول مرة، وبالإقرار يحبس في الثانية والثالثة دون الأولى فلیکن التوفیق (ويحبس) المدیون (في) کل دین هو بدل مال أو ملتزم بعقد. درر ومجمع وملتقى. قلت: لكن سمعت عبارة كافي الحاكم، وهو الجامع لكتب ظاهر الرواية، إلا أن عبارته ظاهرها التسوية، فيمكن إرجاعها إلى ما في الهداية فلا ينافي قوله: ((وهو المذهب)) تأمل. قوله: (فليكن التوفيق) لم يظهر لنا وجهه، على أن ما نقله عن منية المفتي لم أجده فيها، بل عبارتها هكذا: ولا يحبسه في أول ما يتقدم إليه ويقول له قم فارضه فإن عاد إليه حبسه اهـ. وهي عبارة الكافي المارة. ثم رأيت بعضهم نبه على ما ذكرته. قوله: (ويحبس المديون الخ) اعلم أن المدعي إذا ادعى ديناً وأثبته يؤمر المديون بدفعه، فإن أبى وطلب المدعي حبسه وهو غني يحبس، ثم إن كان الدين ثمناً ونحوه من الأربعة المذكورة في المتن وادعى المديون الفقر لا يصدق، لأن إقدامه على الشراء ونحوه مما ذكر دليل على عدم فقره، فيحبس إلا إذا كان فقره ظاهراً كما سيأتي. وإن كان الدين غير الأربعة المذكورة وادعى الفقر فالقول له ولا يحبس إلى آخر ما سيجيء. تنبيه: أطلق المديون فشمل المكاتب والعبد المأذون والصبيّ المحجور، فإنهم يحبسون، لكن الصبي لا يحبس بدين استهلاك بل يحبس والده أو وصيه، فإن لم يكونا أمر القاضي رجلاً ببيع ماله في دينه، كذا في البزازية. بحر. قلت: وحبس والده أو وصيه بدين الاستهلاك إنما هو حيث كان الصبي مال وامتنع الأب أو الوصي من بيعه، أما إذا لم يكن له مال فلا حبس كما يعلم من آخر العبارة، وهو ظاهر، والقول له إنه فقير لأن دين الاستهلاك مما لا يحبس به إذا ادعى الفقر كما يأتي، وسيذكر الشارح آخر الباب نظماً من لا يحبس وفيه تفصيل للثلاثة المذكورين. قوله: (في كل دين هو بدل مال) كثمن المبيع وبدل القرض، وقوله: ((أو ملتزم بعقد)» كالمهر والكفالة، وهو من عطف العام على الخاص، فلو اقتصر عليه كما وقع في بعض الكتب لا غناء عما قبله. زاد في البحر من القلانسي: وفي كل عين يقدر على تسليمها، وسيأتي في كلام الشارح. ثم اعلم أن هذه العبارة التي عزاها الشارح إلى الدرر والمجمع والملتقى أصلها للقدوري، عدل عنها صاحب الكنز إلى قوله: ((في الثمن والقرض والمهر المعجل)) وما التزمه بالكفالة وتبعه المصنف لوجهين نبه عليهما في النهر: الأول أن قوله: ((بدل مال)) يدخل فيه بدل المغصوب وضمان المتلفات، والثاني أن قوله: ((أو ملتزم بعقد» يدخل فيه أيضاً ما التزمه بعقد الصلح عن دم العمد والخلع مع أنه لا يحبس في هذه المواضع إذا ادعى الفقراهـ. وصرح الشارح بعد أيضاً بأنه لا يحبس فيها فكان عليه عدم ذكر هذه