النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
کتاب البيوع / باب خيار العيب
(أبرأه من كل داء فهو على) المرض، وقيل على (ما في الباطن) واعتمده
المصنف تبعاً للاختيار والجوهرة، لأنه المعروف في العادة (وما سواه) في العرف
(مرض) ولو أبرأه من كل غائلة فهي السرقة والإباق والزنا.
(اشترى عبداً فقال لمن ساومه إياه اشتره فلا عيب به فلم يتفق بينهما البيع
فوجد) مشتريه (به عيباً) فله (رده على بائعه) بشرطه (ولأن يمنعه) من الرد عليه
(إقراره السابق) بعدم العيب، لأنه مجاز عن الترويج (ولو عينه) أي العيب فقال لا
عور به أو لا شلل (لا) يرده لإحاطة العلم به، إلا أن لا يحدث مثله كلا أصبع به
زائدة ثم وجدها فله رده للتیقن بکذبه.
(قال) لآخر (عبدي) هذا (آبق فاشتره مني فاشتراه وباع) من آخر
مقصوداً ويثبت تبعاً. أفاده في الفتح. ونقل ط عن الحموي عن شرح المجمع أن الأصح
وبه قطع الأكثرون أنه فاسد اهـ. فهذا تصحيح لرواية شرح الطحاوي، لكني لم أر ذلك
في شرح المجمع الملكي فلعله في شرح آخر، فليراجع؛ نعم في البحر عن البدائع أن البيع
بهذا الشرط فاسد عندنا، لأن الإبراء لا يحتمل الإضافة، وإن كان إسقاطاً ففيه معنى
التمليك، ولهذا لا يقبل الرد(١) فلا يحتمل الإضافة نصاً كالتعليق فكان شرطاً فاسداً
فأفسد البيع اهـ. وظاهر قوله عندنا أنه قول علمائنا الثلاثة موافقاً لما في شرح الطحاوي،
فقول النهر إنه مبني على قول محمد غير ظاهر. قوله: (وقيل على ما في الباطن) من طحال
أو فساد حيض. منح. قوله: (واعتمده المصنف) حيث قال: وهذا ما عولنا عليه في
المختصر اعتماداً على ما هو معروف في العادة، وإلا فالمشهور من المذهب الأول، وإنما
قيدنا بالعادة لأن الداء في اللغة هو المرض سواء كان بالجوف أو بغيره اهـ.
قلت لكن عرفنا الآن موافق في اللغة. قوله: (فهي السرقة والإباق والزنا) هكذا
روى عن أبي يوسف. فتح. وفي المصباح: غائلة العبد فجوره وإباقه ونحو ذلك. قوله:
(بشرطه) أي بالبيئة أو بإقرار البائع أو نكوله اهـ ح. ومن شروط الرد أن لا يزيد زيادة
مانعة من الرد، ولا يوجد ما هو دليل الرضا بالعيب مما مر ولا برىء البائع من عيوبه.
قوله: (لأنه مجاز عن الترويج) رواج المتاع نفاقه: أي أنه أراد رواجه ونفاقه عند المشتري.
قال في المنح: لظهور أنه لا يخلو عن عيب ما فيتيقن القاضي بأن ظاهره غير مراد له اهـ.
وفي الشرنبلالية عن المحيط: وهذا كمن قال لجاريته يازانية يا مجنونة فليس بإقرار بالعيب
ولكنه للشتيمة، حتی قیل لو قال ذلك في الثوب: أي قال لآخر اشتره فلا عيب به یکون
إقراراً بنفي العيب، لأن عيوب الثوب ظاهرة اهـ. قوله: (عبدي هذا آبق) أفاد باسم
(١) في ط (قوله ولهذا لا يقبل الرد) لعل الصواب إسقاط ((لا) كما لا يخفى.

٢٢٢
کتاب البيوع / باب خیار العيب
(فوجده) المشتري (الثاني آبقاً لا يرده بما سبق من إقرار البائع) الأول (ما لم يبرهن
أنه أبق عنده) لأن إقرار البائع الأول ليس بحجة على البائع الثاني الموجد منه
السكوت.
(اشترى جارية لها لبن فأرضعت صبياً له ثم وجد بها عيباً كان له أن يردها)
لأنه استخدام، بخلاف الشاة المصراة فلا يردها مع لبنها أو صاع تمر، بل يرجع
الإشارة أن العبد حاضر، وأن قوله آبق بمعنى الماضي، وهذا بخلاف ما إذا قال بعتك
على أنه آبق أو على أني بريء من إیاقه وقبله المشتري الأول فإن الثاني یرده عليه كما
سنوضحه عند قوله ((باع عبداً الخ)). قوله: (فوجده المشتري الثاني آبقا) بأن أبق عنده
أيضاً، لأن الإباق لا يكون عيباً إلا بتكرره. قوله: (لا يرده) أي على البائع الثاني. قوله:
(إنه أبق عنده) أي عند البائع الأول المقر. قوله: (الموجود منه السكوت) يعني والسكوت
ليس تصديقاً منه لبائعه فيما أقر به فأما إذا قال البائع الثاني وجدته آبقا الآن صار مصدقاً
للبائع في إقراره بكونه آبقا. شرنبلالية. قوله: (اشترى جارية الخ) قال في شرح الوهبانية:
وفي البزازية: اشترى مرضعاً ثم اطلع بها على عيب ثم أمرها بالإرضاع له الرد لأنه
استخدام، ولو حلب اللبن فأكله أو باعه لا يرد لأن اللبن جزء منها فاستيفاؤه دليل
الرضا: وفي الفتوى: الحلب بلا أكل أو بيع لا يكون رضا، وحلب لبن الشاة رضا شرب
أم لا. قوله: (لأنه استخدام) والاستخدام لا يكون رضا. خانية: أي في المرة الأولى
ويكون رضا في الثانية كما يأتي قريباً، ومقتضاه أنه لو أمرها به ثانياً كان رضا لا لو
أرضعته مرات بالأمر الأول. تأمل.
مَطْلَبٌ فِي مَسْأَلَةِ الْمَصَرَّاةِ
قوله: (بخلاف الشاة المصراة) روى أن النبي وَل﴿ قال: ((لا تُصرُّوا الإِبْلَ وَالغَنَمَ،
فَمَن أَبْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيرِ النَّظَرَينِ بَعْدَ أَنْ يحلِبَهَا، فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ
سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعاً مِنْ تَمْرِ))(١) متفق عليه. شرح التحرير. وتُصَرُّوا بضم التاء وفتح
الصاد من التصرية، وهي ربط ضرع الناقة أو الشاة وترك حلبها اليومين أو الثلاثة حتى
يجتمع اللبن. قال الشارح في شرحه على المنار: وهو مخالف للقياس الثابت بالكتاب
والسنة والإجماع من أن ضمان العدوان بالمثل أو القيمة والتمر ليس منهما فكان مخالفاً
للقياس، ومخالفته مخالفة للكتاب والسنة وإجماع المتقدمين فلم يعمل به لما مر، فيرد قيمة
اللبن عند أبي يوسف. وقال أبو حنيفة: ويرجع على البائع بأرشها اهـ.
وفي شرح التحرير: وقد اختلف العلماء في حكمها فذهب إلى القول بظاهر الحديث
(١) أخرجه البخاري ٣٤٩/٤ (٢١٣٥) ومسلم ١١٥٩/٣ (١٥٢٥/٣٠،٢٩).

٢٢٣
كتاب البيوع / باب خيار العيب
بالنقصان على المختار. شروح مجمع: وحررناه فيما علقناه على المنار (كما لو
استخدمها) في غير ذلك. ففي المبسوط الاستخدام بعد العلم بالعيب ليس برضا
استحساناً، لأن الناس يتوسعون فيه فهو للاختبار. وفي البزازية: الصحيح أنه رضا
الأئمة الثلاثة وأبو يوسف على ما في شرح الطحاوي للإسبيجابي نقلاً عن أصحاب الأمالي
عنه والمذكور عنه للخطابي وابن قديمة أنه يردها مع قيمة اللبن، ولم يأخذ أبو حنيفة
ومحمد به لأنه خبر مخالف للأصول اهـ.
والحاصل كما في الحقائق أنه إذا اشتراها فحلبها فوجدها قليلة اللبن ليس له أن
يردها عندنا. وعند الشافعي وغيره: له أن يردها مع اللبن لو قائماً ومع صاع تمر لو
مالكاً، وهل يرجع بالنقصان عندنا؟ فعلى رواية الإسرار لا، وعلى رواية الطحاوي نعم.
قال في شرح المجمع: وهو المختار؛ لأن البائع بفعل التصرية غرّ المشتري فصار كما إذا
غره بقوله إنها لبون(١). قوله: (في غير ذلك) أي في غير الإرضاع. قوله: (فهو للاختبار)
(١) قال أبو عبيد: المصراة هي الناقة أو البقرة أو الشاة يصرى اللبن في ضرعها أي يجمع ويحبس، ومنه يقال
صريت اللبن، وصريته بالتخفيف والتشديد. وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه: التصرية أن تربط أخلاف
الناقة أو الشاة وتترك من الحلب اليومين والثلاثة حتى يجتمع لها لبن فيراه مشتريها كثيراً فيزيد في ثمنها.
قالوا: فظاهر قول أبي عبيد أن المصراة مأخوذة من التصرية، وهي الجمع، وظاهر قول الشافعي أنها مأخوذة
من الصر، وهو الربط، ثم ضعفوا قول الشافعي بأنه لو كانت مأخوذة من الصر لكان يقال لها المصررة؛ لأن
لامها حينئذ راء لا یاء.
والذي يتراءى في نظري أن قول الشافعي لا يخالف قول أبي عبيد بدليل أنه قال: التصرية أن تربط أخلاف
الناقة حتى يجتمع لها لبن، فبين أن معنى التصرية هو الجمع، غاية ما في الأمر تكفل بزيادة بيان طريقهم في
هذا الجمع، وعادتهم السائدة فيه بينهم فقال: أن تربط الأخلاف اليومين والثلاثة، وفي معنى التصرية
التحفيل، وقد وردت بعض الروايات الصحيحة مصرحة بهذا اللفظ أيضاً، ومنه قيل لمجامع الناس محافل.
والفقهاء كلهم على أن التصرية للبيع حرام لأنها غش وخداع ومكر سيىء واحتيال على أكل أموال الناس
بالباطل، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: ((من غشنا فليس منا)).
وكلهم كذلك على أن بيع المصراة مع ذلك صحيح؛ لأن الرسول ولو لم يحكم ببطلان بيعها، وإنما جعل فقط
الخيار لمبتاعها، وهو لا يكون إلا في عقد صحيح.
وإنما اختلفوا في هل يثبت لمشتريها الخيار أم لا يثبت؟ فأبو حنيفة ومحمد بن الحسن وبقولهما يفتى في المذهب
الحنفي على أنه لا خيار للمشتري في شرائه المصراة بل البيع لازم له، وعليه الإمساك بالثمن المتفق عليه.
والشافعية والمالكية والحنابلة والظاهرية وزفر وأبو يوسف من الحنفية، وبعد ذلك جماهير العلماء على أن
للمشتري الخيار بين الرد وبين الإمساك بالثمن المتفق عليه إذا كانت المصراة من بهيمة الأنعام، ولم يكن
المشتري عالماً بالتصرية وقت الشراء.
حجة أبي حنيفة ومحمد. أن مطلق البيع يقتضي صفة السلامة، فيكون لازماً ما دام قد تحقق مقتضاه، وبانعدام
اللبن بالكلية لا تذهب صفة السلامة فبقلتها من باب أولى، فلا رد بالتصرية؛ لأنها عبارة عن ظهور قلة اللبن.
وقد اعترض الجمهور على ذلك بأن التصرية وإن لم تكن عيباً لكن فيها تدليس وتغرير بالمشتري، وهو يثبت له
حق الرد كمن اشترى قفة ثمار فوجد في أسفلها حشيشاً مثلاً حيث يكون له حق الرد للتغرير.
وقد أجاب الحنفية عن هذا الاعتراض بجوابين أولهما. بأن المشتري في المصراة مغتر لا مغرور، لأن =

٢٢٤
كتاب البيوع / باب خيار العيب
= كبر الضرع قد يكون لغزارة اللبن، وقد يكون لغزارة اللحم، فتكتمه على أمر كان يمكن أن يعلم من
البائع اغترار منه بكثرة اللبن، وهذا بخلاف قصة الثمار لا معنى لها إلا على أن كل ما فيها ثمر، فالمشتري
فيها مغرور لا مغتر، ومضلل عليه لا ضال.
وثانيهما . بالفرق على فرض أن المشتري هنا أيضاً مغرور بأن التغرير في قفة الثمار ينقص المقدار وهو عيب،
وهذا بخلاف التصرية.
وحجة الجمهور هي المنقول والمعقول.
أما المنقول. فما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي 9 قال ((لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها
ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر)). وهو حديث
متفق عليه.
وللبخاري وأبي داود: ((من اشترى غنماً مصراة فاحتلبها، فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها ففي حلبتها صاع
من تمر)) ولمسلم: ((إذا ما اشترى أحدكم لقمة مصراة أو شاة مصراة فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إما هي،
وإلا فليردها وصاعاً من تمر)).
وللجماعة إلا البخاري: ((من اشترى مصراة فهو منها بالخيار ثلاثة أيام إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها ومعها
صاعاً من تمر لا سمراء).
هذه الروايات كما ترى كلها صحيحة متفق على صحتها وكلها عن أبي هريرة رضي الله عنه، وهي صريحة،
ونص في ثبوت الخيار للمشتري إذا ما اشترى مصراة فاحتلبها، فإنه بخير النظرين إما أن يمسك بالثمن المتفق
عليه، وإما أن يرد لا تحتمل غير هذا البتة، ومن حملها غيره فقد تكلف مركباً صعباً.
وقد روي هذا الحديث بطرق غير هذه بعضها جيد، وبعضها ضعيف، وفي بعضها زيادة، وفي بعضها نقص،
وفي بعضها تغيير وتبديل، ففي بعضها صاع من تمر، وفي بعضها صاع فقط، وفي بعض آخر مثل أو مثلي لبنها
قمحاً، وهذه الروايات بعضها عن ابن عمر وبعضها عن أنس وبعضها عن ابن مسعود رضي الله عنهم، وإن
كان الصحيح عن ابن مسعود موقوفاً عليه، وبعضها عن رجل من الصحابة، وهي بسند جيد. وكلها قوية
وجيدة وضعيفة متظاهرة متضافرة في ثبوت الخيار للمشتري إذا ما اشترى مصراة فاحتلبها فظهر له أمرها
وافتضح له عوارها.
وأما المعقول : . فأثبتوا الرد بالتصرية قياساً على ما لو سود شعر الجارية الشمطاء فباعها فانكشف للمشتري
حالها حيث يكون له حق الرد للتضليل عليه، وعلى ما لو حبس البائع ماء الرحى ثم أرسله عند بيعها تغريراً
بالمشتري بجريان مائها على الدوام حيث يكون له الرد أيضاً، وذلك لوجود التدليس والتغرير في التصرية
أيضاً. إلا أن والحق يقال هذه قياسات مذهبية لا تلزم الحنفية، لأنهم ينازعون فيها أيضاً.
هذا فضلاً عن أن الحكم في هذه المسائل المقيس عليها إنما أخذ من حكم المصراة قياساً عليها، فقياس المصراة
عليها حينئذ دور وقلب للموضوع.
وقد دفع الحنفية في صدر هذه الأولة من المنقول وملخص اعتراضاتهم على هذه الأحاديث ينحصر في مقامين
المقام الأول مقام الرد والطعن، والمقام الثاني مقام التسليم مع التأويل.
المقام الأول. يشمل ثلاث أحوال. الحال الأولى رد هذه الأحاديث لمخالفتها القياس الصحيح والأصول
المعترف بها شرعاً. الحال الثانية: ردها لكونها منسوخة بأحاديث أخر. الحال الثالثة ردها لاضطرابها اضطراباً
لا تقوم معه حجة على إثبات الخيار.
الحال الأولى. أما مخالفتها للقياس وللأصول فمن وجوه أشهرها. أولًا: من المعلوم شرعاً أن لا تضمن عين
مع وجودها بل ترد هي بعينها، واللبن قد يكون موجوداً لدى المشتري فكيف يرد التمر عنه مع وجوده؟.
ثانياً: الأصل في ضمان المتلفات هو المثل إن كانت من المثليات، والقيمة إن كانت من القيميات فكيف يضمن
اللبن بالتمر، وهو لا مثل ولا قيمة؟ ثالثاً. الأصل في الضمان أن يزيد وينقص تبعاً لزيادة المضمون ونقصانه
ولبن المصراة يختلف قلة وكثرة تبعاً لاختلاف الجنس والنوع والجو والمرعى، وهكذا وضمانه دائماً هو =

٢٢٥
کتاب البيوع / باب خيار العيب
= صاع التمر لا يزاد عليه ولا ينقص منه . رابعاً. قالوا: إن ثبت حقاً خيار التصرية فهو ملحق ولا بد بخيار
العيب لشبهه به، وخيار العيب غير مؤقت على معنى لو اطلع المشتري على العيب في أي وقت ولو بعد سنة
من البيع ثبت له حق الرد بالعيب بينما نصت هذه الأحاديث على تأقيت خيار التصرية بثلاثة أيام، فلو مضت
الثلاثة ثم علم بالتصرية فلا خيار له فكان مخالفاً لخيار العيب من هذه الناحية.
وهذا الحديث لم يرو من طريق صحيح غير طريق أبي هريرة رضي الله عنه وأبو هريرة عندنا إذا ما خالفت
رواية القياس الصحيح قدم القياس عليها إذا كانت رواية في الفقه؛ لأنه لم يكن ذا بصر نافذ فيه، وقد ظهر
تساهله في بعض مسائله، وكان من أجل ذلك عرضة لإنكار بعض الصحابة عليه. فهذا ابن عباس رضي الله
عنه يرد عليه رواية الوضوء من حمل الجنازة قائلاً: ((أنتوضاً من حمل عيدان يابسة؟)) وحديث الوضوء مما مسته
النار قائلاً: ((لو توضأت بماء ساخن أكنت أتوضأ منه؟)).
الحال الثانية: وهي نسخ هذه الأحاديث، فإنهم اختلفوا في الناسخ لها فقيل: هو قوله #: ((الخراج
بالضمان))، لأن المصراة لو تلفت عند المشتري كانت من ضمانه، فتكون فضلاتها له، ومنها اللبن بموجب
هذا الحديث، وإذا كان اللبن له فهو لا يضمنه، وقيل: الناسخ نهيه عليه الصلاة والسلام(عن بيع الدين
بالدين))؛ لأن لبن المصراة قد صار ديناً في ذمة المشتري، فإذا ألزم في الذمة صاعاً بدله كان من قبيل بيع الدين
بالدين أو فسخ الدين في الدين، وقيل الناسخ غيره هذا مما هو أضعف شأناً ودلالة على النسخ مما ذكرنا
فضربنا صفحاً عن ذكره. وإذا ظهر أن أحاديث خيار التصرية منسوخة بما ذكرنا، فقد بطل التمسك بها
لثبوت الخيار لا سيما وغالفتها للأقيسة الصحيحة مما يقوي الظن بمنسوخيتها.
الحال الثالثة. وأما اضطرابها فهو ما تقدم من ذلك متعارضة يدفع بعضها في صدر بعض. نذكر منها: ((ردها
ورد معها صاعاً من تمر)) ((صاعاً من طعام)) ((صاعاً)) ((مثل أو مثلي لبنها قمحا)) ((صاعاً من تمر لا سمراء))
والسمراء هي القمح ((صاعاً من طعام لا سمراء)) واضطراب الحديث اضطراباً كهذا الاضطراب يسقط عن
درجة الحجية.
المقام الثاني: مقام التسليم مع التأويل أي التسليم بصحة الأحاديث، وكونها غير منسوخة، وتأويلها بما لا
يتعارض مع مذهب الحنفية من نفيهم خيار التصرية. فيقول فيه صاحب المبسوط ما معناه. ولهذا كله يحمل
الحديث على التأويل وإن بعد فهو خير من الرد، فيحمل على أن المشتري كان اشتراها على أنها غزيرة اللبن،
فكان شراء فاسداً لفساد هذا الشرط، والمبيع في الشراء الفاسد يرد مع زوائده، ولكن اللبن كان قد فقد عند
المشتري فدعاهما الرسول فصالحهما على أن يرد المشتري صاعاً من تمر مكان اللبن، وكان صاع التمر قيمة
اللبن في هذا الزمان . فظنه الراوي ضماناً عن اللبن على وجه الإلزام في جميع العصور والأزمان، فرواه بهذه
الصيغة العامة، ومثل هذا يقع كثيراً من بعض الرواة لغفلة أو قلة فهم. وقد أجاب الجمهور عن اعتراضات
الحنفية بأجوبة إجمالية، وأجوبة تفصيلية.
أما أجوبتهم الإجمالية فتتلخص في أن هذا الحديث حديث التصرية بجميع طرقه أصل برأسه يجب اتباعه
والعمل بموجبه كسائر نصوص الكتاب والسنة لا فرق بين نص ونص، ومحاولة إخضاع نص صريح صحيح
للقياس أو إبعاده بالكلية إذا كان يخالف هذه المحاولة هي قلب للوضع، ومخالفة للأصول المتفق عليها بين
الفقهاء من تقديم النصوص على الأقيسة، وأنه لا يصار إليها إلا بعد فقدان النصوص الصحيحة الثابتة، فكان
اعتذاركم عن عدم العمل بالحديث لمخالفة الأصول هو عين الخروج على الأصول، وكنتم كالمستجير من
الرمضاء بالنار.
وهذا خبر صحيح مشهور مستفيض صالح لتخصيص عمومات الكتاب والسنة حتى عند الحنفية أنفسهم الذي
يجوز له تخصيص العام بالمشهور؛ لأن الحديث وإن كان آحاد الأصل على فرض قصره على أبي هريرة رضي
الله عنه، فالرواة له عن أبي هريرة كثير، والحديث قد استفاض في القرن الثاني والثالث وما بعدهما، فأصبح
بمنزلة المتواتر المجمع على العمل به بل المشهور. لا سيما وقد كان يفتي به أبو هريرة نفسه وابن مسعود شيخ
الحنفية الأول وإمام طريقتهم، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة.
=

٢٢٦
کتاب البيوع / باب خيار العيب
في المرة الثانية، إلا إذا كان في نوع آخر. وفي الصغرى أنه مرة ليس برضا إلا على
كره من العبد. بحر (قال المشتري بلا يمين لما مر.
(باع عبداً وقال) للمشتري (برئت إليك من كل عيب به إلا الإباق فوجده آبقاً
فله الرد، ولو قال إلا إياقه لا) لأنه في الأول لم يضف الإباق للعبد ولا وصفه به
بالباء الموحدة: أي لأجل أن يختبره ويمتحنه ليعلم أنه مع العيب يصلح له أم لا. قوله:
(إلا على كره من العبد) مخالف لإطلاق ما مر أنه الاستحسان مع أن وجهه خفي. تأمل.
قوله: (لما مر) أي قريباً في قوله («للتيقن بكذبه)). قوله: (فله الرد الخ) كذا في الفتح.
واستشكله في الشرنبلالية بما في المحيط: لو قال على أني بريء من إباقه أو على أنه آبق
وقبله المشتري الأول على ذلك يرده الثاني عليه، لأنه ذكر هذا وصفاً للإيجاب أو شرطاً
ومحاولة الطعن في الحديث بكون راويه أبا هريرة، وقد ظهر تساهله في الرواية في مسائل الفقه محتجين بمثل ما
روي عن ابن عباس من رواة لبعض رواياته هي محاولة غير مجدية وغير سديدة أيضاً، فلعل ابن عباس رد
روايته لما ثبت عنده ما يخالفها من روايات أخر يراها أرجح وفي الوقت نفسه يعضدها القياس.
وقد فعل مثل فعل ابن عباس مع أبي هريرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب
مع غير أبي هريرة من أجلاء الصحابة، ولم نسمع عليهم مثل هذا الطعن الذي طعن به أبو هريرة رضي الله
عنه. ولو فرض أن ابن عباس رد رواية أبي هريرة بمحض الرأي والقياس فابن عباس محجوج بالحديث،
وليس رأيه حجة على الحديث.
وأبو هريرة قد كان عند ابن عباس نفسه بالمنزلة الرفيعة والمحل الملحوظ يفتي بحضرته، وابن عباس يثني
عليه، فقد روي أن رجلاً من مزينة طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها فأتى ابن عباس يسأله وعنده أبو هريرة
فقال ابن عباس: إحدى المعضلات يا أبا هريرة، فقال أبو هريرة: واحدة تبينها، وثلاث تحرمها، فقال ابن
عباس: زينتها ياأبا هريرة أو قال: نورتها أو كلمة تشبهها يعني أصاب.
فأبو هريرة كان أكرم على ابن عباس مما يظن القوم وأفضل عنده من عندهم، ولسنا بهذا نحاول الدفاع عن أبي
هريرة بعد ما دافع عنه الرسول و #، وزكاه، ودعا له بكثرة الحفظ فأبو هريرة فيه الكفاية بل هو فوق الكفاية
فضلاً عن أنه يفتح باباً للحنفية في الطعن والتجريح لا مخلص منه إلا بتزكية أبي هريرة آخرة الأمر ودعوى
الاكتفاء به.
هذا مع أن رد حديث أبي هريرة لمثل هذا الذي ذكره الحنفية يجرنا إلى مواقف محرجة، ويوقعنا في مسائل شائكة
ما كان أحرانا بالابتعاد عنها، فإنه أكثر الصحابة رواية للحديث، وشطر كبير من الدين يتوقف على حديثه
وحده، فاللهم لا حول ولا قوة إلا بالله.
ثم القول بأن الحديث منسوخ بما ذكروا من الأحاديث فهي على فرض أنها تعارض يتوقف القول بناسخيتها
على تأخرها، وهذا ما لا سبيل لهم إليه، فكيف مع هذا، وهذه الأحاديث لا تعارض حديث التصرية كما
سنذكره في الأجوبة التفصيلية.
وأما الاعتراض على الحديث بأنه مضطرب متناقض فجميع طرق الحديث صحيحة والحمد لله. لا اضطراب
فيها ولا تعارض. أما الروايات المضطربة فهي الروايات الضعيفة، وهذه نسقطها من حسابنا.
وتأويل الحديث على الوجه الذي ذكروا يكفينا في دفعه أنه بعيد بعداً لا يتصوره العقل، كيف وصاحب
المبسوط نفسه يعترف بأنه تأويل بعيد؟.
انظر المبسوط حـ ١٣ ص ٤٠، تكملة المجموع ح ١٢ ص ٢٦.

٢٢٧
کتاب البيوع / باب خیار العيب
فلم يكن إقراراً بإباقه للحال، وفي الثاني أضافه إليه فكان إخباراً بأنه آبق فيكون
راضياً به قبل الشراء. خانية. وفيها: لو برىء من كل حق له قبله داخل العيب لا
الدرك (مشتر) لعبد أو أمة (قال أعتق البائع) العبد (أو دبر أو استوجد) الأمة (أو هو
حر الأصل وأنكر البائع حلف) لعجز المشتري عن الإثبات (فإن حلف قضى على
فيه، والإيجاب يفتقر إلى الجواب، والجواب يتضمن إعادة ما في الخطاب، فإذا قال
المشتري قبلت ذلك صار كأنه قال اشتريت على أنه آبق فيكون اعترافاً بكونه آبقاً، بخلاف
قوله على أني بريء من الإباق لأنه لم يضف الإباق إلى العبد ولا وصفه به فلم يكن اعترافاً
بوجود الإباق للحال، لأن هذا الكلام كما يحتمل التبري عن إباق موجود من العبد يحتمل
التبري عن إباق سيحدث في المستقبل، فلا يصير مقراً بكونه آبقاً للحال بالشك فلا يثبت
حق الرد بالشك اهـ. وكتب الشرنبلالي في هامش الشرنبلالية أن حق العبارة في كلام الفتح
لو قال أنا بريء من کل عیب إلا إباقه لا یبرأ من إباقه فیرد به، ولو قال إلا الإباق فلیس
له الرد اهـ.
وحاصله: أن عبارة المصنف والفتح مقلوبة لمخالفتها لما في المحيط.
أقول: لا مخالفة ولا قلب أصلاً، وذلك أن ما في المحيط فيما إذا اشتراه كذلك ثم
باعه لآخر فللمشتري الآخر رده على الأول، بخلاف مسألة المصنف. وبيانه أنه إذا قال
البائع إلا إباقه بإضافة الإباق إليه يكون إخباراً بإباقه ويكون المشتري راضياً به قبل الشراء
فلا يرده بإباقه عنده، بخلاف إلا الإباق بلا إضافة ولا وصف، إذ ليس فيه إقرار بإباقة
للحال فلم يوجد رضا المشتري به فله رده، فلو فرض أن هذا المشتري باعه لآخر فللآخر
رده عليه في الصورة الأولى لا في الثانية، وهذا هو المذكور في المحيط، فتدبر. قوله: (لو
برىء من كل حق له قبله دخل العيب لا الدرك) لأن العيب حق له قبله للحال والدرك
لا، كذا في الذخيرة. وبيانه: لو قال المشتري للبائع أبرأتك من كل حق لي قبلك ثم ظهر
في المبيع عيب ليس له دعوى الرد به لأن الرد بالعيب من جملة الحقوق الثابتة له وقد أبرأه
منها، بخلاف ما لو اشترى رجل عبداً مثلاً فضمن له آخر الدرك: أي ضمن له الثمن إذا
ظهر العبد مستحقاً ثم قال المشتري للضامن أبرأتك من كل حق لي قبلك لا يدخل الدرك
فلو استحق العبد كان للمشتري الرجوع على الضامن بالثمن، لأنه لم يكن له وقت الإبراء
حق الرجوع بالثمن لأنه يتوقف على وجود الاستحقاق ثم على القضاء للمستحق على
البائع بالثمن، لأن بمجرد الاستحقاق لا ينتقض البيع في ظاهر الرواية ما لم يقض له
بالثمن على البائع فلم يجب على الأصيل رد الثمن فلا يجب على الكفيل كما في الهداية من
الكفالة، فحيث لم يثبت ذلك الحق في الحال لم يدخل في الإبراء المذكور. قوله: العجز
· المشتري عن الإثبات) اللام للتوقيت: أي حلف البائع وقت عجز المشتري، أما لو برهن

٢٢٨
كتاب البيوع / باب خيار العيب
المشتري بما قاله) من العتق ونحوه لإقراره بذلك (ورجع بالعيب إن علم به) لأن
المبطل للرجوع إزالته عن ملكه إلى غيره بإنشائه إو إقراره ولم يوجد (حتى لو قال
باعه وهو ملك فلان وصدقه) فلان (وأخذه لا) يرجع بالنقصان لإزالته بإقراره كأنه
وهبه (وجد المشتري الغنيمة محرزة) بدارنا أو غير محرزة لو البيع (من الإمام أو أمينه)
بحر. قال المصنف: فقيد محرزة غير لازم (عيباً لا يرد عليه) لأن الأمين لا ينتصب
خصماً (بل) ينصب له الإمام خصماً قيرد على (منصوب الإمام ولا يحلفه) لأن فائدة
المشتري فإنه برده على البائع. قوله: (إن علم به) أي علم أن به عيباً بعد قوله ما ذكر.
قوله: (لأن المبطل للرجوع إزالته عن ملكه إلى غيره بإنشائه) أي بأن باعه أو أعتقه على
مال أو كاتبه ثم اطلع على عيب لأنه صار حابساً له بحبس بدله، بخلاف ما إذا أعتقه بلا
مال أو دبره أو استولد الأمة ثم اطلع على عيبه فإنه لا يبطل الرجوع بالنقصان، لأن ذلك
إنهاء للملك كما مر تقرير ذلك، لكن قد ببطل الرجوع بدون إزالة عن ملکه إلى غيره كما
لو استهلكه فكلامه مبني على الغالب، فافهم. قوله: (أو إقراره) مثاله ما فرعه عليه
بقوله: ((حتی لو باع الخ)). قوله: (وصدقه فلان) فلو كذبه رده بالعيب لبطلان إقراره
بتكذيبه. عزمية عن الكافي. قوله: (كأنه وهبه) قال في الكافي: ولا نعني به أنه تمليك،
لكن التمليك يثبت مقتضى للإقرار ضرورة فجعل كأنه ملکه بعد الشراء ثم أقرَّ به اهـ.
عزمية. قوله: (قوله الغنيمة) أي لشيء مغنوم من الكفار. قوله: (بحر) ونصه ثم اعلم
أن الإمام يصح بيعه للغنائم ولو في دار الحرب كما في التلخيص وشرحه، وقولهم لا
يصح بيعها قبل القسمة وفي دار الحرب محمول على غير الإمام وأمينه اهـ.
قلت: لكن قيد في الذخيرة بيع الإمام بقوله لمصلحة رآها فأفاد قيد آخر، وهو أنه
لا يبيع لغير مصلحة. قوله: (قال المصنف الخ) رد على صاحب الدرر. قوله: (لأن
الأمين لا ينتصب خصماً) المراد بالأمين ما يعم الإمام ليوافق الدليل المدعي، لأن الإمام
نفسه أمين بيت المال. عزمية. وبين في الذخيرة وجه كونه لا ينتصب خصماً بأن بيع
الإمام خرج على وجه القضاء بالنظر للغانمين، فلو صار خصماً خرج بيعه عن أن
يكون قضاء لأن القاضي لا يصلح خصماً اهـ. قوله: (ولا يحلفه) أي لا يحلف منصوب
الإمام لو لم يكن عند المشتري بينة. قال في البحر: ولا يقبل إقراره بالعيب، ولا يمين
عليه لو أنكر، وإنما هو خصم لإثباته بالبينة كالأب ووصيه في مال الصغير، بخلاف
الوكيل بالخصومة إذا أقرّ على موكله في غير مجلس القضاء فإنه وإن لم يصح لكنه ينعزل
به اهـ.
قلت: لكن في الذخيرة: فلو أقرّ منصوب الإمام لم يصح إقراره، ويخرجه القاضي

٢٢٩
کتاب البيوع / باب خيار العيب
الحلف النكول ولا يصح نكوله وإقراره (فإذا رد عليه) المعيب (بعد ثبوته يباع
ويدفع(١) الثمن إليه ويرد النقص والفضل إلى محله) لأن الغرم بالغنم. درر.
(وجد) المشتري (بمشريه عيباً وأراد الرد به فاصطلحا على أن يدفع البائع
الدراهم إلى المشتري ولا يرد عليه جاز) ويجعل حطاً من الثمن (وعلى العكس) وهو
أن يصطلحا على أن يدفع المشتري الدراهم إلى البائع ويرد عليه (لا) يصح، لأنه لا
وجه له غير الرشوة فلا يجوز. وفي الصغرى: ادعى عيباً فصالحه على مال ثم برأ أو
ظهر أن لا عيب فللبائع أن يرجع بما أدى، ولو زال بمعالجة المشتري لا. قنية.
عن الخصومة وينصب للمشتري خصماً آخر اهـ. ومقتضاه(٢) أنه مثل الوكيل بالخصومة.
تأمل. قوله: (ولا يصح نكوله وإقراره) المناسب أن يقول: ولا يصح نكوله لأنه إما بذل
أو إقرار، ولا يصح بذله ولا إقراره اهـ ح. قوله: (ويرد النقص والفضل إلى محله) أي إن
نقص الثمن الآخر عن الأول، إن كان المبيع من الأربعة أخماس يعطى منها وإن كان من
الخمس يعطي منه، وكذا الزيادة توضع فيما كان المبيع منه. ح عن الدرر. قوله: (لأن
الغرم بالغنم) المراد به هنا أن الغرم وهو رد النقص إلى المشتري بسبب الغنم وهو رد
الفضل إلى محله. قوله: (الدراهم) الأولى دراهم بالتنكير ط. قوله: (لا يصح) إلا إذا
حدث به عيب عند المشتري كما بحثه الخير الرملي.
قلت: ويستثنى أيضاً ما إذا لم يقر البائع بالعيب، لما في جامع الفصولين شراه بمائة
وقبضه فطعن بعيب فتصالحا على أن يأخذه البائع ويرد مائة إلا واحداً، قال إن أقر البائع
أن العيب كان عنده فعليه رد باقي الثمن، وإلا ملك الباقي. وهو قول أبي يوسف اهـ.
قوله: (لأنه لا وجه له غير الرشوة) في جامع الفصولين: لأنه ربا، ولصاحب البحر رسالة
في الرشوة ذكر ط هنا حاصلها، ومحل الكلام عليها في القضاء، وسنذكره هناك إن شاء
الله تعالى. قوله: (ولو زال بمعالجة لا) أي لا يرجع، وعبر عنه في جامع الفصولين بقيلٍ،
حیث قال: ولو قبض بذل الصلح وزال ذلك العيب، يرد بدل الصلح، وقيل هذا لو زال
بلا علاجه، فإن زال بعلاجه لا یرد اهـ.
مَطْلَبٌ فِي الصُّلْحِ عَنِ الْعَنْبِ
فرع: لو شرياء فوجدا عيباً فصالح أحدهما البائع من حصته فليس للآخر أن
(١) في ط (قول الشارح: بعد ثبوته بياع الخ) أي بالبيئة، وقوله يباع: أي يبيعه الإمام المنصوب، لأنه إنما نصبه
الإمام ليرد عليه.
(١) في ط (قوله ومقتضاه الخ) لعل المماثلة في العزل بالإقرار لا في جميع أحكامه لأن الوكيل بالخصومة إذا أقر في
مجلس الحكم ينفذ إقراره على موكله، بخلاف المغصوب فإن ظاهر قول الذخيرة لم يصح إقراره ويخرجه القاضي
عن الخصومة أن الإقرار كان أمام القاضي.

٢٣٠
كتاب البيوع / باب خيار العيب
(رضي الوكيل بالعيب لزم الموكل إن كان المبيع مع العيب) الذي به (يساوي
الثمن) المسمى (وإلا) يساوه (لا) يلزم الموكل اهـ.
فروع: لا يحل كتمان العيب في مبيع أو ثمن لأن الغش حرام إلا في مسألتين:
الأولى: الأسير إذا شرى شيئاً ثمة ودفع الثمن مغشوشاً جاز إن كان حراً لا
عبداً.
يخاصم، وهذا فرع مسألة أن رجلين لو شربا فوجدا عيباً ليس لأحدهما الرد بدون الآخر
عنده وعندهما لكل منهما رد حصته. جامع الفصولين. قوله: (رضي الوكيل بالعيب) أي
الوكيل بالشراء. قوله: (يساوي الثمن المسمى) أي الذي اشتراه به كما في الخانية عن
المنتقى بعد ما ذكر قولًا آخر، وهو أنه إن كان قبل قبض المبيع لزم الموكل لو العيب يسيراً
وإلا فيلزم الوكيل، وأن اليسير مالا يفوت جنس المنفعة كقطع يد واحدة وفقء عين،
بخلاف قطع اليدين وفقء العينين فهو فاحش. وذكر أن السرخسي قال: إن مالا يدخل
تحت تقويم المقوّمين فاحش، بأن لا يقومه أحد من العيب بقيمة الصحيح، وأن ما في
المنتقى قريب من هذا. ثم قال: وفي الزيادات إن رضي قبل القبض لزم الموكل، وإن بعده
لزم الوكيل ولم يفصل بين اليسير والفاحش. والصحيح ما في المنتقى سواء كان قبل
القبض أو بعده، لأنه يصير كأنه اشتراه مع العلم بالعيب، فإن كان لا يساوي ذلك الثمن
لا يلزم الآمر اهـ فافهم.
مَطْلَبٌ في جمَلَةٍ مَا يَسْقُطُ بِهِ الخِيَارُ
تنبيه: قال في البحر: وإلى هنا ظهر أن خيار العيب يسقط بالعلم به وقت البيع، أو
وقت القبض أو الرضا به بعدهما أو اشتراط البراءة من كل عيب، أو الصلح على شيء أو
الإقرار بأن لا عيب به إذا عينه كقوله ليس بآبق فإنه إقرار بانتفاء الإباق، بخلاف قوله:
ليس به عيب كما مر اهـ ملخصاً. قوله: (لأن الغش حرام) ذكر في البحر أول الباب بعد
ذلك عن البزازية عن الفتاوى: إذا باع سلعة معيبة عليه البيان. وإن لم يبين، قال بعض
مشايخنا: يفسق وترد شهادته، قال الصدر: لا نأخذ به اهـ. قال في النهر أي لا نأخذ
بكونه يفسق بمجرد هذا لأنه صغيرة اهـ.
قلت: وفيه نظر لأن الغش من أكل أموال الناس بالباطل فكيف يكون صغيرة، بل
الظاهر في تعليل كلام الصدر أن فعل ذلك مرة بلا إعلان لا يصير به مردود الشهادة وإن
كان كبيرة كما في شرب المسكر. قوله: (الأولى الأسير إذا شرى شيئاً الخ) عبارة الأشباه
عن الولوالجية: اشترى الأسير المسلم من دار الحرب ودفع الثمن الخ، والمتبادر منه أن
الأسير فاعل الشراء كما هو صريح عبارة الشارح، وليس كذلك بل هو مفعوله، لأن

٢٣١
کتاب البيوع / باب خيار العيب
الثانية: يجوز إعطاء الزيوف والناقص في الجبايات. أشباه.
وفيها: رد البيع بعيب بقضاء فسخ في حق الكل إلا في مسألتين:
إحداهما: لو أحال البائع بالثمن
نص عبارة الولوالجية هكذا: رجل اشترى الأسير من أهل الحرب وأعطاهم الزيوف
والستوقة أو اشترى بعروض وأعطاهم العروض المغشوشة جاز، لأن شراء الأحرار ليس
بشراء ليجب عليه المال المسمى لكنه طريق لتخليصهم فكيفما استطاع تخليصهم له أن
يفعل. وعلى هذا قالوا: إذا اضطر المرء إلى إعطاء جعل العوان أجزأه أن يعطيه الزيوف
والستوقة وينقص الوزن بدليل مسألة الأسير وهذا إذا كان الأسراء أحراراً، فإن كانوا
عبيداً لا يسعه شيء من ذلك إذا دخل بأمان اهـ. ومثله في الخانية: رجل اشترى الأسراء
من أهل الحرب جاز له أن يعطيهم الزيوف والمغشوش لأن شراء الأحرار لا يكون شراء
حقيقة، وإن كان الأسراء عبيداً لا يسعه ذلك اهـ. قوله: (في الجبايات) جمع جباية بالباء
الموحدة قال في فتح القدير: الجبايات الموظفة على الناس ببلاد فارس على الضياع وغيرها
للسلطان في كل يوم أو شهر أو ثلاثة أشهر فإنها ظلم. بيري. ونقل قبله ما قدمناه آنفاً
عن الولوالجية عن مسألة جعل العوان. قوله: (فسخ في حق الكل) أي المتبايعين وغيرهما،
وقد ذكر ذلك في البحر عند قول الكنز: ولو باع المبيع فرد عليه الخ. ثم أورد على ذلك
مسائل منها: مسألة الحوالة المذكورة. ومنها أنه لو كان المبيع عقاراً فرد بعيب لم يبطل حق
الشفيع في الشفعة، ولو كان فسخاً لبطلت الحوالة والشفعة، ثم ذكر أنه أجاب في المعراج
بأنه فسخ فيما يستقبل، لا في الأحكام الماضية، بدليل أن زوائد المبيع للمشتري ولا يردها
مع الأصل.
قلت: وعليه فلا محل للاستثناء الذي ذكره الشارح. تأمل. قوله: (لو أحال البائع
بالثمن) صورة المسألة كما في الذخيرة: باع عبداً من رجل بألف درهم ثم إن البائع أحال
غريماً على المشتري حوالة مقيدة بالثمن فمات العبد قبل القبض حتى سقط الثمن أو رد
العبد بخيار رؤية أو بخيار شرط أو خيار عيب قبل القبض أو بعده لا تبطل الحوالة
استحساناً لأنها تعتبر متعلقة بمثل ما أضيفت الحوالة إليه من الدين فلا تكون متعلقة بعين
ذلك الدين وتعتبر مطلقة إذا ظهر أن الدين لم يكن واجباً وقت الحوالة، وقيد بما إذا
أحال البائع لأنه إذا أحال المشتري البائع ثم رد المشتري بالعيب بقضاء فإن القاضي يبطل
الحوالة. بيري.
قلت: ولم يذكر أن المشتري أحال البائع على آخر حوالة مقيدة، فظاهره أنها مطلقة،
مع أنه صرح في الجوهرة من الحوالة بأن المطلقة لا تبطل بحال ولا تنقطع فيها المطالبة، مع
أن المقيدة هنا بقيت والمطلقة بطلت، لكن بقاء المقيدة هنا استحسان كما علمت، والقياس

٢٣٢
كتاب البيوع / باب خيار العيب
ثم رد المبيع بقضاء لم تبطل الحوالة.
الثانية: لو باعه بعد الرد بعيب بقضاء من غير المشتري وكان منقولاً لم يجز
قبل قبضه، ولو كان فسخاً لجاز. وفي البزازية: شرى عبداً فضمن له رجل عيوبه
فاطلع على عيب ورده لم يضمن لأنه ضمان العهدة، وضمنه الثاني لأنه ضمان
العيوب، وإن ضمن السرقة أو الحرية أو الجنون أو العمى فوجده كذلك ضمن
الثمن. وفي جواهر الفتاوى: شرى ثمرة كرم ولا يمكن قطافها لغلبة الزنابير: إن
بعد القبض لم يرده، وإن قبله: فإن انتقص المبيع بتناول الزنابير فله الفسخ لتفرق
الصفقة عليه(١) .
بطلانها إذا ظهر بطلان المال الذي قيدت به وهو الثمن هنا، وإنما بطلت المطلقة هنا
لبطلان المال الذي كان للمحتال وهو البائع، وإنما لا تبطل المطلقة ببطلان وما على المحال
عليه. تأمل. قوله: (ثم رد المبيع) بالبناء للمجهول: أي رده المشتري على البائع. قوله:
(من غير المشتري) أما لو باعه منه ثانياً جاز ط. ولا يرد عليه ما سيذكره المصنف في فصل
التصرف في المبيع والثمن من أنه لو باع المنقول من بائعه قبل القبض لم يصح، لأن ذاك
فيما إذا كان العقد الأول باقياً بدليل ما ذكره في باب الإقالة من أنها فسخ في حقهما
فيجوز للبائع بيعه من المشتري قبل قبضه. قوله: (وكان منقولًا) احتراز عن العقار لجواز
بيعه قبل قبضه خلافاً لمحمد وزفر. أفاده ط. قوله: (لأنه ضمان العهدة) وهو باطل عند
الإمام للاشتباه كما سيأتي في الكفالة إن شاء الله تعالى، وهنا لما ضمن عيوبه يحتمل أن
المراد أنه يداويه منها، ويحتمل أن يضمن له النقصان، أو أنه يضمن له الرد على البائع من
غير منازعة، فلذا كان الضمان فاسداً ط. قوله: (لأنه ضمان العيوب) أي وهو عنده
ضمان الدرك كما في الهندية فهو كالمسألة المذكورة بعد ط. قوله: (ضمن الثمن) أي
للمشتري، ولو مات عنده قبل أن يرده وقضى على البائع بنقصان العيب كان للمشتري أن
يرجع على الضامن.
مَطْلَبٌ فِي ضَمَانِ المُيُوبِ
ولو ضمن له بحصة ما يجد من العيوب فيه من الثمن، فهو جائز في قول أبي حنيفة
وأبي يوسف، فإن رده المشتري رجع على الضامن بذلك كما يرجع على البائع. ذخيرة.
قوله: (لم يرده) لأنه عيب حدث عند المشتري ط. قوله: (وإن قبله) أي وإن حصلت
الغلبة قبل القبض ط. قوله: (لتفرق الصفقة عليه) أي بهلاك بعض المبيع قبل قبضه بآفة
(١) في ط (قول الشارح: لتفرق الصفقة عليه) قال ط: بذهاب ما تناوله الزنابير أو بالعجز عن جز ما غلبت
عليه .

٢٣٣
كتاب البيوع / باب البيع الفاسد
بَابُ البَيْعِ الفَاسِدِ
المراد بالفاسد: الممنوع مجازاً عرفياً (١) فيعم الباطل والمكروه، وقد يذكر فيه
سماوية، وقدمنا عن جامع الفصولين أنه يطرح عن المشتري حصة النقصان من الثمن،
وهو خير في الباقي بين أخذه بحصته أو تركه، والله سبحانه وتعالى أعلم.
بَابُ البَنعِ الفَاسِدِ
أخره عن الصحيح لكون عقداً مخالفاً للدين كما أوضحه في الفتح، وسيأتي أنه
معصية يجب رفعها، وسيأتي في باب الربا أن كل عقد فاسد فهو ربا: يعني إذا كان فساده
بالشرط الفاسد. وفي القاموس: فسد كنصر وقعد وكرم فساداً وفسوداً ضد صلح فهو
فاسد وفسيد، ولم يسمع انفسد اهـ. ونقل في الفتح أنه يقال للحم الذي لا ينتفع به لدود
ونحوه بطل، وإذا أنتن وهو بحيث ينتفع به فسد اللحم، وفيه مناسبة للمعنى الشرعي،
وهو ما كان مشروعاً بأصله لا بوصفه، ومرادهم من مشروعية أصله كونه ما لا متقوّماً لا
جوازه وصحته لأن فساده يمنع صحته، أو أطلقوا المشروعية عليه نظراً إلى أنه لو خلا عن
الوصف لكان مشروعاً. وأما الباطل، ففي المصباح بطل الشيء يبطل بطلاً وبطولًاً
وبطلاناً بضم الأوائل: فسد أو سقط حكمه فهو باطل، والجمع بواطل أو أباطيل اهـ.
وفيه مناسبة للمعنى الشرعي وهو ما لا يكون مشروعاً لا بأصله ولا بوصفه. وأما
المكروه، فهو لغة: خلاف المحبوب، واصطلاحاً: ما نهى عنه لمجاور كالبيع عند أذان
الجمعة. وعرفه في البناية بما كان مشروعاً بأصله ووصفه، لكن نهى عنه لمجاور، ويمكن
إدخاله تحت الفاسد أيضاً على إرادة الأعم وهو ما نهى عنه فيشمل الثلاثة كما في البحر.
قوله: (المراد بالفاسد الممنوع الخ) قد علمت أن الفاسد مباين للباطل، لأن ما كان
مشروعاً بأصله فقط يباين ما ليس بمشروع أصلاً. وأيضاً حكم الفاسد أنه يفيد الملك
بالقبض والباطل لا يفيده أصلاً، وتباين الحكمين دليل تباينهما، فإطلاق الفاسد في قولهم
باب البيع الفاسد على ما يشمل الباطل لا يصح على حقيقته. فأما أن يكون لفظ الفاسد
مشتركاً بين الأعم والأخص أو يجعل مجازاً عرفياً في الأعم لأنه خير من الاشتراك. وتمامه
في الفتح.
مَطْلَبٌ فِي أَنَوَاعِ البَيْعِ
ثم اعلم أن البیع جائز وقد مر بأقسامه. وغير جائز، وهو ثلاثة: باطل، وفاسد،
وموقوف. كذا في الفتح. وأراد بالجائز النافذ، وبمقابله غيره لا الحرام، إذ لو أريد ذلك
-
(١) في ط (قول الشارح: مجازاً عرفياً) أي باعتبار عرف الفقهاء فإنهم المفرقون بينهما ولم يكن لغوياً لعدم التفرقة
عند أهل اللغة.

٢٣٤
كتاب البيوع / باب البيع الفاسد
بعض الصحيح تبعاً، وكل ما أورث خللاً في ركن البيع فهو مبطل، وما أورثه في
غيره فمفسد
لخرج الموقوف لما قالوه من أن بيع مال الغير بلا إذنه بدون تسليم ليس بمعصية.
مَطْلَبْ لِيَبْعِ الْمَوْقُوفِ مِنْ قِسْمِ الصَّحِيْحِ
على أنه في المستصفى جعله من قسم الصحيح، حيث قال: البيع نوعان: صحيح،
وفاسد. والصحيح نوعان: لازم، وغير لازم. نهر. وذكر في البحر أن البيع المنهى عنه
ثلاثة: باطل، وفاسد، ومكروه تحريماً، وقد مرت. وما لا نهي فيه ثلاثة أيضاً: نافذ
لازم، ونافذ ليس بلازم، وموقوف. فالأول: ما كان مشروعاً بأصله ووصفه ولم يتعلق به
حق الغير ولا خيار فيه. والثاني: ما لم يتعلق به حق الغير، وفيه خيار. والموقوف: ما
تعلق به حق الغير، وحصره في الخلاصة في خمسة عشر.
قلت: بل أوصله في النهر إلی نیف وثلاثین کما سيأتي في باب بيع الفضولي. ثم قال
في البحر: والصحيح يشمل الثلاثة، لأنه ما كان مشروعاً بأصله ووصفه والموقوف كذلك
فهو قسم منه، وهو الحق لصدق التعريف وحكمه عليه، فإن حكمه إفادة الملك بلا توقف
على القبض، ولا يضر توقفه على الإجازة كتوقف ما فيه خيار على إسقاطه اهـ.
قلت: ينبغي استثناء بيع المكره فإنه موقوف على إجازته مع أنه فاسد كما حققناه
أول البيوع، وحررنا هناك أيضاً أن بيع الهزل فاسد لا باطل، وإن كان لا يفيد الملك
بالقبض لكونه أشبه البيع بالخيار، وليس كل فاسد يملك بالقبض كما سيأتي. قوله: (في
ركن البيع) هو الإيجاب والقبول، بأن كان من مجنون أو صبيّ لا يعقل، وكان عليه أن
يزيد أو في محله: أعني لمبيع، فإن الخلل فيه مبطل بأن كان البيع ميتة أو دماً أو حراً أو
خمراً، كما في ط عن البدائع. قوله: (وما أورثه في غيره) أي في غير الركن، وكذا في غير
المحل، وذلك بأن كل في الثمن بأن يكون خمراً مثلاً، أو بأن كان من جهة كونه غير
مقدور التسليم، أو فيه شرط مخالف لمقتضى العقد فيكون البيع بهذه الصفة فاسداً لا باطلاً
لسلامة ركنه ومحله عن الخلل، كما في ط عن البدائع. وبه ظهر أن الوصف ما كان
خارجاً عن الركن والمحل.
تنبيه: في شرح مسكين: ثم الضابط في تمييز الفاسد من الباطل أن أحد العوضين إذا
لم يكن مالاً في دين سماوي فالبيع باطل، سواء كان مبيعاً أو ثمناً، فبيع الميتة والدم والحر
باطل، وكذا البيع به، وإن كان في بعض الأديان مالاً دون البعض إن أمكن اعتباره ثمناً
فالبيع فاسد، فبيع العبد بالخمر أو الخمر بالعبد فاسد، وإن تعين كونه مبيعاً فالبيع باطل،
فبيع الخمر بالدراهم أو الدراهم بالخمر باطل اهـ.

٢٣٥
كتاب البيوع / باب البيع الفاسد
(بطل بيع ما ليس بمال) والمال ما يميل إليه الطبع ويجري فيه البذل والمنع. درر.
فخرج التراب ونحوه (كالدم) المسفوح فجاز بيع كبد وطحال (والميتة) سوى سمك
وجراد، ولا فرق في حق المسلم بين
قلت: وهذا الضابط يرجع إلى الفرق بينهما من حيث المحل فقط، وما مر من
حيث الركن والمحل فهو أعم، فافهم. قوله: (بطل بيع ما ليس بمال) أي ما ليس بمال
في سائر الأديان بقرينة قوله: ((والبيع به)) فإن ما يبطل سواء كان مبيعاً أو ثمناً ما ليس
بمال أصلًا، بخلاف نحو الخمر فإن بيعه باطل إذا تعين كونه مبيعاً، أما لو أمكن اعتباره
ثمناً فبيعه فاسد كما علمته من الضابط المذكور آنفاً، لأن البيع وإن كان مبناه على البدلين
لكن الأصل فيه المبيع دون الثمن، ولذا ينفسخ البيع بهلاك المبيع دون الثمن، ولأن الثمن
غير مقصود بل هو وسيلة إلى المقصود وهو الانتفاع بالأعيان.
مَطْلَبٌ فِي تَعْرِيفِ الْمَالِ
قوله: (والمال) أي من حيث هو، لا المذكور قبله، لأن التعريف المذكور يدخل فيه
الخمر فهي مال وإن لم تكن متقومة، ولذا قال بعده: وبطل بيع مال غير متقوم كخمر
وخنزير، فإن المتقوم هو المال المباح الانتفاع به شرعاً. وقدمنا أول البيوع تعريف المال بما
يميل إليه الطبع ويمكن ادخاره لوقت الحاجة، وأنه خرج بالادخار المنفعة، فهي ملك لا
مال، لأن الملك ما من شأنه أن يتصرف فيه بوصف الاختصاص كما في التلويح. فالأولى
ما في الدرر من قوله: المال موجود يميل إليه الطبع الخ، فإنه يخرج بالموجود المنفعة،
فافهم. ولا يرد أن المنفعة تملك بالإجارة، لأن ذلك تمليك لا بيع حقيقة ولذا قالوا: إن
الإجارة لا بيع المنافع حكماً: أي إن فيها حكم البيع وهو التمليك لا حقيقته، فاغتنم هذا
التحرير. قوله: (فخرج التراب) أي القليل ما دام في محله، وإلا فقد يعرض له بالنقل ما
يصير به مالاً معتبراً او مثله الماء، وخرج أيضاً نحو حبة من حنطة والعذرة الخالصة،
بخلاف المخلوطة بتراب، ولذا جاز بيعها كسرقين كما يأتي، وخرج أيضاً المنفعة على ما
ذكرنا آنفاً. قوله: (والميتة) بفتح الميم وسكون الياء: التي ماتت حتف أنفها لا بسبب،
وبتشديد الياء المكسورة: التي لم تمت حتف أنفها بل بسبب غير الذكاة كالمنخنقة
والموقوذة. نوح أفندي. ولم أر هذا الفرق في القاموس ولا في المصباح ولا غيرهما،
فراجعه. قوله: (ولا فرق في حق المسلم الخ) أما في حق الذمي فيراد بها الأول؛ وأما
الثاني فاختلفت عباراتهم فيه، ففي التجنيس جعله قسماً من الصحيح لأنهم يدينونه ولم
يحك خلافاً، وجعله في الإيضاح قول أبي يوسف، وعند محمد: لا يجوز، وجزم في
الذخيرة بفساده، وجعله في البحر من اختلاف الروايتين. نهر.
وعبارة البحر: وحاصله أن فيما لم يمت حتف أنفه بل بسبب غير الذكاة روايتين

٢٣٦
كتاب البيوع / باب البيع الفاسد
التي ماتت حتف أنفها أو بخنق ونحوه (والحر والبيع به) أي جعله ثمنا بإدخال الباء
عليه، لأن ركن البيع مبادلة المال بالمال ولم يوجد (والمعدوم كمبيع حق التعلي) أي
بالنسبة إلى الكافر في رواية الجواز، وفي رواية الفساد، وأما البطلان فلا، وأما في حقنا
فالكل سواء اهـ. وذكر ط أن عدم الفرق في حقنا في المنخنقة مثلاً إذا قوبلت بدراهم حتى
تعين كونها مبيعاً، أما إذا قوبلت بعين أمكن اعتبارها ثمناً فكان فاسداً بالنظر إلى العوض
الآخر (١) باطلاً بالنظر إليها، وهذا ما اقتضاه الضابط السابق اهـ. قوله: (التي ماتت حتف
أنفها) الحتف: الهلاك. يقال مات حتف أنفه: إذا مات بغير ضرب ولا قتل، ومعناه: أن
يموت على فراشه فيتنفس حتى ينقضي رمقه، ولهذا خص الأنف. مصباح. قوله: (أو
بخنق) مثل كتف ويسكن تخفيفاً. مصباح.
تنبيه: لم يذكروا حكم دودة القرمز، أما إذا كانت حية فينبغي جريان الخلاف الآتي في
دود القز ويزره وبيضه، وأما إذا كانت ميتة وهو الغالب فإنها على ما بلغنا تخنق في الكلس
أو الخل، فمتقضى ما مر بطلان بيعها بالدارهم لأنها ميتة. وقد ذكر سيدي عبد الغني
النابلسي في رسالة أن بيعها باطل، وأنه لا يضمن متلفها لأنها غير مال.
قلت: وفيه أنها من أعزّ الأموال اليوم، ويصدق عليها تعريف المال المتقدم، ويحتاج
إليها الناس كثيراً في الصباغ وغيره، فينبغي جواز بيعها كبيع السرقين والعذرة المختلطة
بالتراب كما يأتي، مع أن هذه الدودة إن لم يكن لها نفس سائلة تكون ميتتها ظاهرة
كالذباب والبعوض وإن لم يجز أكلها، وسيأتي أن جواز البيع يدور مع حل الانتفاع، وأنه
يجوز بيع العلق للحاجة مع أنه من الهوام، وبيعها باطل، وكذا بيع الحيات للتداوي. وفي
القنية: وبيع غير السمك من دوابّ البحر لو له ثمن كالسقنقور وجلود الخز ونحوها
يجوز، وإلا فلا. وجمل الماء: قيل يجوز حياً لا ميتاً، والحسن أطلق الجواز اهـ فتأمل،
ويأتي له مزيد بيان عند الكلام على بيع دود القز والعلق. قوله: (والبيع به) أي بما ليس
بمال. قوله: (والمعدوم كبيع حق التعلي) قال في الفتح: وإذا كان السفل لرجل وعلوه
لآخر فسقطا أو سقط العلو وحده فباع صاحب العلو علوه لم يجز، لأن المبيع حينئذ ليس
إلا حق التعلي، وحق التعلي ليس بمال، لأن المال عين يمكن إحرازها وإمساكها ولا هو
حق متعلق بالمال بل هو حق متعلق بالهواء، وليس الهواء مالاً يباع، والمبيع لا بد أن
(١) في ط (قوله فكان فاسداً بالنظر إلى العوض الآخر) أي العين التي هي مال عندنا وقوله ((باطلاً بالنظر إليها)) أي
المنخنقة ووجه ذلك أن المبيع والثمن إذا كان كل منهما عيناً يصح أن يكون كل منهما ثمناً ومبيعاً حتى يثبت
خيار الرجوع فيهما فباعتبار كون العين التي هي مال عندنا مبيعاً يكون البيع فاسداً لحصول الخلل في الثمن،
وباعتبار كون المنخثقة هي المبيع يكون البيع باطلًا لحصول الخلل في المحل. قال شيخنا: وإنما يتم ما قاله ط إذا
ثبت مالية المنخنقة في شرعهم بأن تدين ذلك نبي، ولا نظر لاعتقادهم أصلاً، لأنهم ربما يعتقدون غير دين
أنبيائهم، ألا ترى أنهم يعتقدون بنوة عيسى عليه الصلاة والسلام ولم يتدين ذلك نبي قط.

٢٣٧
كتاب البيوع / باب البيع الفاسد
علو سقط لأنه معدوم، ومنه بيع ما أصله غائب كجزر وفجل، أو بعضه معدوم
كورد وياسمين وورق فرصاد. وجوزه مالك لتعامل الناس، وبه أفتى بعض
مشايخنا عملاً بالاستحسان، هذا إذا نبت ولم يعلم وجوده، فإذا علم جاز وله خيار
الرؤية، وتكفي رؤية البعض عندهما، وعليه الفتوى شرح مجمع (والمضامين)
يكون أحدهما، بخلاف الشرب حیث يجوز بيعه تبعاً للأرض، فلو باعه قبل سقوطه جاز،
فإن سقط قبل القبض بطل البيع لهلاك المبيع قبل القبض اهـ.
والحاصل أن بيع العلو صحيح قبل سقوطه لا بعده، لأن بيعه بعد سقوطه بيع لحق
التعلي وهو ليس بمال، ولذا عبر في الكنز بقوله: وعلو سقط. وعبر في الدرر بحق التعلي
لأنه المراد من قول الكنز وعلو سقط، كما علمته من عبارة الفتح، فالمراد من العبارتين
واحد، فلذا فسر الشارح إحداهما بالأخرى دفعاً لما يتوهم من اختلاف المراد منهما،
فافهم.
تنبيه: لو كان العلو لصاحب السفل فقال بعتك علو هذا السفل بكذا صح ويكون
سطح السفل لصاحب السفل وللمشتري حق القرار، حتى لو انهدم العلو كان له أن يبني
عليه علواً آخر مثل الأول، لأن السفل اسم لمبنى مسقف فكان سطح السفل سقفاً
للسفل. خانية. قوله: (لأنه معدوم) يغني عنه قول المصنف ((والمعدوم)) أفاده ط. قوله:
(ومنه) أي من بيع المعدوم.
مطلبٌ في بيع المغيب في الأرض
قوله: (بيع ما أصله غائب) أي ما ينبت في باطن الأرض، وهذا إذا كان لم ينبت
أو نبت ولم يعلم وجوده وقت البيع، وإلا جاز بيعه كما يأتي قريباً. قوله: (وفجل) بضم
الفاء ويضمتين. قاموس. قوله: (كورد وياسمين) فإنه يخرج بالتدريج ط. قوله: (وورق
فرصاد) قيل هو التوت الأحمر. وقال أبو عبيد: هو التوت. وفي التهذيب: قال الليث:
الفرصاد شجر معروف. مصباح. قوله: (وبه أفتى بعض مشايخنا) بالياء في مشايخ لا
بالهمزة. قال القهستاني: وأفتى العقيلي وغيره بجوازه بتبعية الموجود إذا كان أكثر من
المعدوم اهـ ط.
قلت: وهو رواية عن محمد، وقدمنا الكلام عليه في فصل ما يدخل تبعاً. قوله:
(هذا إذا نبت الخ) الإشارة إلى قوله: ((ما أصله غائب)) وكان الأولى أن يقول: هذا إذا لم
ينبت أو نبت ولم يعلم وجوده فإنه لا يجوز بيعه فيهما، كما في ط عن الهندية. قوله:
(وله خيار الرؤية الخ) قال في الهندية: إن كان المبيع في الأرض مما يكال أو يوزن بعد
القلع كالثوم والجزر والبصل فقلع المشتري شيئاً بإذن البائع أو قلع البائع، إن كان المقلوع

٢٣٨
كتاب البيوع / باب البيع الفاسد
ما في ظهور الآباء من المنيّ. (والملاقيح) جمع ملقوحة: ما في البطن من الجنين
(والنتاج) بكسر النون: حبل الجلة: أي نتاج النتاج لدابة أو آدمي (وبيع أمة تبين
أنه) ذكر الضمير لتذكر الخبر (عبد وعكسه)
مما يدخل تحت الكيل أو الوزن إذا رأى المقلوع ورضي به لزم البيع في الكل وتكون رؤية
البعض كرؤية الكل إذا وجد الباقي كذلك، وإن كان المقلوع شيئاً يسيراً لا يدخل تحت
الوزن لا يبطل خياره. قال في البحر: وإن كان يباع بعد القلع عدداً كالفجل فقلع البائع
أو قلع المشتري بإذن البائع لا يلزمه الكل، لأنه من العدديات المتفاوتة بمنزلة الثياب
والعبيد، وإن قلعه بلا إذن البائع لزمه الكل إلا أن يكون ذلك شيئاً يسيراً، وإن أبى كل
القلع تبرع متبرع بالقلع أو فسخ القاضي العقد اهـ ط.
مَطْلَبٌ فِي بَيْعِ أَصْلِ الْفِصْفِصَةِ
قلت: بقي شيء لم أر من نبه عليه، وهو ما يكون أصله تحت الأرض ويبقى سنين
متعددة، مثل الفصفصة تزرع في أرض الوقف وتكون كالكردار للمستأجر في زماننا، فإذا
باع ذلك الأصل وعلم وجوده في الأرض صح بيعه، لكنه لا يرى ولا يقصد قلعه لأنه
أعد للبقاء، فهل للمشتري فسخ البيع بخيار الرؤية؟ الظاهر نعم، لأن خيار الرؤية يثبت
قبل الرؤية. تأمل. قوله: (ما في ظهور الآباء من الني) موافق لما في الدرر والمنح. وعبارة
البحر: المضامين جمع مضموته: ما في أصلاب الإبل، والملاقيح جمع ملقوح: ما في
بطونها، وقيل بالعكس. قوله: (والملاقيح الخ) يجب أن يحمل ها هنا على ما سيكون(١)
وإلا كان حملاً، وسيأتي أن بيع الحمل فاسد لا باطل. درر.
قلت: وفي فساده كلام سيأتي. قوله: (والنتاج بكسر النون) كذا ضبطه النووي،
واختاره المصنف: يعني صاحب الدرر، وضبطه الكاكي بفتح النون، وهو مصدر نتجت
الناقة على البناء للمفعول، والمراد به هنا المنتوج، وفسره الزيلعي والرازي ومسكين بحبل
الحبلة وتبعهم المصنف. نوح. قوله: (حبل الحبلة) بالفتحتين فيهما. قال في المغرب:
مصدر حبلت المرأة حبلاً فهي حبلى، سمي به المحمول كما سمي بالحمل، وإنما أدخل
عليه التاء للإشعار بمعنى الأنوثة، لأن معناه النهي عن بيع ما سوف يحمله الجنين إن كان
أنثى، ومن روى الحبلة بكسر الباء فقد أخطأ اهـ نوح. قوله: (وبيع أمة الخ) علله في
الدرر بأنه بيع معدوم، ومقتضاه أن يكون معطوفاً على قوله: ((حق التعلي)) أو قوله:
(والنتاج)) فكان الواجب إسقاط لفظ ((بيع)) نوح. قوله: (ذكر الضمير) أي أتى به مذكراً
مع أن الأمة مؤنثة مراعاة لتذكير الخبر وهو عبد أو باعتبار الواقع. قوله: (وعكسه)
(١) في ط (قوله على ما سيكون) أي ما سيكون من المني الواقع في الرحم قبل أن يكون علقة أو مضغة مما لا
يصدق عليه اسم الحمل، وإلا كان حملاً.

٢٣٩
كتاب البيوع / باب البيع الفاسد
بخلاف البهائم، والأصل أن الذكر والأنثى من بني آدم جنسان حكما فيبطل، وفي
سائر الحيونات جنس واحد فيصح ويتخير لفوات الوصف (ومتروك التسمية عمداً)
ولو من كافر. بزازية. وكذا ما ضم إليه لأن حرمته بالنص
بالرفع عطفاً على قوله: ((بيع)) وبالجر عطفاً على ((أمة)) ط. قوله: (بخلاف البهائم) كما إذا
باع كبشاً فإذا هو نعجة حيث ينعقد البيع ويتخير. بحر.
مَطْلَبٌ فِيْمَا إِذَا اجْتَمَعَتِ الإِشَارَةُ مَعَ التَّسْمِيّةِ
قوله: (والأصل الخ) قال في الهداية: والفرق يبتني على الأصل الذي ذكرناه في
النكاح لمحمد رحمه الله تعالى، وهو أن الإشارة مع التسمية إذا اجتمعتا: ففي مختلفي
الجنس يتعلق العقد بالمسمى ويبطل لانعدامه، وفي متحدي الجنس يتعلق بالمشار إليه
وينعقد لوجوده ويتخير لفوات الوصف، كمن اشترى عبداً على أنه خباز فإذا هو كاتب.
وفي مسألتنا الذكر والأنثى من بني آدم جنسان للتفاوت في الأغراض، وفي الحيوانات
جنس واحد للتقارب فيها اهـ. قال في البحر: والأصل المذكور متفق عليه هنا، ويجري في
سائر العقود من النكاح والإجازة والصلح عن دم العمد والخلع والعتق على مال، وبه
ظهر أن الذكر والأنثى في الآدمي جنسان في الفقه وإن اتحدا جنساً في المنطق لأنه الذاتي
المقول على كثيرين مختلفين بمميز داخل، وفي الفقه المقول على كثيرين لا يتفاوت الغرض
منها فاحشاً. قال في الفتح: ومن المختلفي الجنس ما إذا باع فصاً على أنه ياقوت فإذا هو
زجاج فالبيع باطل، ولو باعه ليلاً على أنه ياقوت أحمر فظهر أصفر صح البيع ويخير.
قوله: (ولو من كافر) نقله في البحر أيضاً عن البزازية وأقره.
قلت: وينبغي أن يجري فيه الخلاف المار فيما ماتت بسبب غير الذبح مما يدين به
أهل الذمة، بل هذا بالأولى لأنه مما يدين به بعض المجتهدين، وكون حرمته بالنص لا
يقتضي بطلان بيعه بين أهل الذمة لأن حرمة المنخنقة بالنص أيضاً، ولما اعتقدوا حلها لم
نحكم ببطلان بيعها بينهم؛ نعم لو باع متروك التسمية عمداً مسلم يقول بحله كشافعي
نحكم ببطلان بيعه لأنه ملتزم لأحكامنا ومعتقد لبطلان ما خالف النص فنلزمه ببطلان
البيع بالنص، بخلاف أهل الذمة لأنا أمرنا بتركهم وما يدينون، فيكون بيعه بينهم
صحيحاً أو فاسداً لا باطلاً كما مر، ويؤيده ما مر في شركة المفاوضة من عدم صحتها بين
مسلم وذمي لعدم التساوي في التصرف وتصح بين حنفي وشافعي وإن كان يتصرف في
متروك التسمية وعللوه بأن ولاية الإلزام قائمة، ومعناه ما ذكرنا، فتدبر. قوله: (وكذا ما
ضم إليه) قال في النهر: ومتروك التسمية عمداً كالذي مات حتف أنفه حتى يسري الفساد
إلى ما ضم إليه، وكان ينبغي أن لا يسري لأنه مجتهد فيه كالمدبر فينعقد فيه البيع بالقضاء
وأجاب في الكافي بأن حرمته منصوص عليها، فلا يعتبر خلافه ولا ينفذ بالقضاء. قوله:

٢٤٠
كتاب البيوع / باب البيع الفاسد
(وبيع الكراب وكري الأنهار) لأنه ليس بمال متقوم، بخلاف بناء وشجر فيصح إذا
لم يشترط تركها. ولولوالجية (وما في حكمه) أي حكم ما ليس بمال (كأم الولد
والمكاتب والمدبر المطلق) فإن بيع هؤلاء باطل: أي بقاء، فلم يملكوا بالقبض(١)
لابتداء فصح بیعھم من أنفسهم(٢) وبيع قنّ ضم إليهم. درر. وقول ابن الكمال:
بيع هؤلاء باطل موقوف، ضعفه في البحر بأن المرجح اشتراط رضا المكاتب
(وبيع الكراب وکری الأنهار) في المصباح: كريت الأرض من باب قتل كراباً بالكسر:
قلبتها للحرث، وفيه أيضاً: کرى النهر کریاً من باب رمي حفر فيه حفرة جديدة. قوله:
(ولولوالجیة) قال فيها: ولو کان لرجل عمارة في أرض رجل فباعها، إن كان بناء أو
أشجاراً جاز بیعه إذا لم يشترط ترکها، وإن کراباً أو کری الأنهار ونحوه فلم یکن ذلك
بمال ولا بمعنى مال لا يجوز اهـ: يعني يبطل، فإنه داخل تحت قولنا: بطل بيع ما ليس
بمال کما لا يخفى، وبعدم الجواز في الكراب وکری الأنهار، ونحو ذلك صرح في الخانية
معللاً بأنه ليس بمال متقوم منح، وتقدمت المسألة أول البيوع مع الكلام على مشد المسكة
وبيع البراءات والجامكية والنزول عن الوظائف، وأشبعنا الكلام على ذلك كله. قوله:
(فإن بيع هؤلاء باطل) كذا في الهداية، وأورد أنه لو كان باطلاً لسرى البطلان إلى ما ضم
إليهم كالمضموم إلى الحر، وسيأتي أنه لا يسري، وقال بعضهم: فاسد.
وأورد أنه يلزم أن يملكوا بالقبض مع أنهم لم يملكوا به اتفاقاً. وأجيب عنهما
بادعاء التخصيص، وهو أن من الباطل ما لا يسري حكمه إلى المضموم لضعفه، ومن
الفاسد ما لا يملك بالقبض. وذكر في الفتح أن الحق أنه باطل، ولا تخصيص لجواز تخلف
بعض الأفراد الخصوصية.
قلت: وما ذكره الشارح يصلح بياناً للخصوصية، وذلك أن بيع الحر باطل ابتداء
وبقاء لعدم محليته للبيع أصلاً بثبوت حقيقة الحرية، وبيع هؤلاء باطل بقاء لحق الحرية فلذا
لم يملكوا بالقبض، لا ابتداء لعدم حقيقتها فلذا جاز بيعهم من أنفسهم، ولا يلزم بطلان
بيع قن ضم إليهم، لأنهم دخلوا في البيع ابتداء لكونهم محلاله في الجملة ثم خرجوا منه
لتعلق حقهم، فيبقى القن بحصته من الثمن. وتمامه في الدرر. قوله: (وقول ابن الكمال)
عبارته: البيع في هؤلاء باطل موقوف ينقلب جائزاً بالرضا في المكاتب وبالقضاء في
(١) في ط (قول الشارح: فلم يملكوا بالقبض) أي لأن استحقاق العتق قد ثبت في حق أم الولد بقوله عليه الصلاة
والسلام ((أعتقها ولدها) وسبب الحرية انعقد في حق المدبر في الحال لبطلان الأهلية بعد الموت، والمكاتب
استحق يداً على نفسه لازمة في حق المولى ولو ثبت الملك بالبيع لبطل ذلك كله.
(٢) في ط (قول الشارح: فصح بيعهم من أنفسهم) قال البرجندي في شرح النقابة: ولا يرد على هذه بيع المدبر من
نفسه أو بيع أم الولد من نفسها، لأنه ليس بيعاً حقيقة بل إعتاق على مال فلا يرد نقضاً.