النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
كتاب البيوع
الكرم. وفي النهر: كل ما دخل تبعاً لا يقابله شيء من الثمن لكونه كالوصف
وذكره المصنف في باب الاستحقاق قبيل السلم (ولا يدخل الزرع في بيع الأرض
بلا تسمية) إلا إذا نبت ولا قيمة له فيدخل في الأصح. شرح المجمع
مَطْلَبٌ: كُلُّ مَا دَخَلَ تَبَعَاً لَا يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنَ الثَّمَنِ
قوله: (وفي النهر الخ) قال فيه: ولذا قال في القنية: اشترى داراً فذهب بناؤها
لم يسقط شيء من الثمن، وإن استحق أخذ الدار بالحصة، ومنهم من سوى بينهما اهـ.
ونحو ذلك ثياب الجارية كما سلف ط. وفي الكافي: رجل له أرض بيضاء ولآخر فيها
نخل، فباعهما رب الأرض بإذن الآخر بألف وقيمة كل واحد خمسمائة، فالثمن بينهما
نصفان، فإن هلك النخل قبل القبض بآفة سماوية خير المشتري بين الترك وأخذ الأرض
بكل الثمن، لأن النخل كالوصف والثمن بمقابلة الأصل لا الوصف، فلذا لا يسقط
شيء من الثمن اهـ. وقيده في البحر بما إذا لم يفصل ثمن كل، فلو فصل سقط قسط
النخل بهلاكها كما في تلخيص الجامع.
تنبيه: في حاشية السيد أبي السعود: استفيد من كلامهم: أنه إذا كان لباب الدار
المبيعة كيلون من فضة لا يشترط أن ينقد من الثمن ما يقابله قبل الافتراق لدخوله في
البيع تبعاً، ولا يشكل بما سيأتي في الصرف من مسألة الأمة مع الطوق والسيف
المحلى، لأن دخول الطوق والحلية في البيع لم يكن على وجه التبعية، لكون الطوق
غير متصل بالأمة والحلية وإن اتصلت بالسيف، إلا أن السيف اسم للحلية أيضاً كما
سيأتي في الصرف، فكانت من مسمى السيف، إذا علم هذا ظهر أنه في بيع الشاش
ونحوه إذا كان فيه علم لا يشترط نقد ما قابل العلم من الثمن قبل الافتراق، خلافاً لمن
توهم ذلك من بعض أهل العصر، لأن العلم لم يكن من مسمى المبيع، فكان دخوله
على وجه التبعية، فلا يقابله حصة من الثمن اهـ.
قلت: وما ذكره في الكيلون غير مسلم، وسنذكر تحرير المسألة في باب الصرف
إن شاء الله تعالى. قوله: (ولا يدخل الزرع الخ) إطلاقه يعم ما إذا لم ينبت، لأنه حينئذ
يمكن أخذه بالغربال، وما إذا عفن واختار الفضلي وتبعه في الذخيرة أنه حينئذ يكون
للمشتري، لأنه لا يجوز بيعه على الإفراد، وبالإطلاق أخذ أبو الليث. نهر. وقال في
الفتح: واختار الفقيه أبو الليث أنه لا يدخل بكل حال كما هو إطلاق المصنف اهـ.
قوله: (إلا إذا نبت ولا قيمة له) ذكر في الهداية قولين في هذه المسألة بلا ترجيح، وذكر
في التجنيس: أن الصواب الدخول كما نص عليه القدوري والإسبيجابي، والخلاف
مبني على الاختلاف في جواز بيعه قبل أن تناله المشافر والمناجل(١). قال في الفتح:
(١) في ط (وقوله قبل أن تناله المشافر والمناجل) أي قبل أن يمكن أكل الدواب له وتناوله بمشافرها، وقبل أن
يمكن حصده بالمناجل، فإن مشفر البعير شفته، جمعها مشافر، والمنجل: ما يحصد به الزرع، جمعه مناجل.

٨٢
كتاب البيوع
(و) لا (الثمر في بيع الشجر بدون الشرط) عبر هنا بالشرط، وثمة بالتسمية ليفيد
أنه لا فرق، وأن هذا الشرط غير مفسد،
يعني أن من قال لا يجوز بيعه قال يدخل، ومن قال يجوز قال لا يدخل. ولا يخفى أن
كلَّا من الاختلافين مبني على سقوط تقومه وعدمه، فإن القبول بعدم جواز بيعه وبعدم
دخوله في البيع كلاهما مبني على سقوط تقومه، والأوجه جواز بيعه على رجاء تركه،
كما يجوز بيع الجحش كما ولد رجاء حياته فينتفع به في ثاني الحال إهـ. ما في الفتح.
وظاهره اختيار عدم الدخول، لاختياره جواز بيعه، وبه صرح في السراج حيث قال: لو
باعه بعد ما نبت ولم تنله المشافر والمناجل ففيه روايتان، والصحيح أنه لا يدخل إلا
بالتسمية، ومنشأ الخلاف هل يجوز بيعه أو لا؟ الصحيح الجواز اهـ.
والحاصل: أن الصور أربع، لأنه إما أن يكون بعد النبات أو قبله، وعلى كل إما
أن يكون له قيمة أو لا، ولا يدخل في الكل، لكن وقع الخلاف فيما ليس له قيمة قبل
النبات أو بعده. ففي الثانية الأصح الدخول كما ذكره الشارح بل علمت أنه الصواب،
وظاهر الفتح اختيار عدمه، وبه صرح في السراج، وكذا في الأولى اختلف الترجيع
فاختار الفضلي الدخول، واختار أبو الليث عدمه كما قدمناه عن النهر والفتح، واقتصار
الشارح على استثناء الثانية فقط يفيد ترجيح ما اختاره أبو الليث في الأولى، لكن قدمنا
عن الفتح أن اختيار أبي الليث إنه لا يدخل بكل حال كما هو إطلاق المصنف: يعني
صاحب الهداية، وظاهره عدم الدخول في الصور الأربع وقد وقع في البحر هاهنا خلل
في فهم كلام السراج المتقدم، وفي بيان الخلاف في الصور المذكورة، والصواب ما
ذكرناه كما أوضحته فيما علقته عليه، فافهم.
تنبيه: قيد بالبيع لأنه في رهن الأرض يدخل الشجر والثمر والزرع، وفي وقفها
يدخل البناء والشجر لا الزرع، وكذا لو أقرّ بأرض عليها زرع أو شجر دخل، ولا
يدخل الزرع في إقالة الأرض، وتمامه في البحر. قوله: (ولا الثمر في بيع الشجر)
الثمر بمثلثة: الحمل الذي تخرجه الشجرة وإن لم يؤكل، فيقال ثمر الأراك والعوسج
والعنب. مصباح. وفي الفتح: ويدخل في الثمرة الورد والياسمين ونحوهما من
المشمومات. نهر. وشمل ما إذا بيع الشجر مع الأرض أو وحده كان له قيمة أو لا.
بحر. قوله: (ليفيد أنه لا فرق) أي بين أن يسمى الزرع والثمر بأن يقول بعتك الأرض
وزرعها أو بزرعها أو الشجر وثمره أو معه أو به، وبين أن يخرجه مخرج الشرط فيقول
بعتك الأرض على أن يكون زرعها لك أو بعتك الشجر على أن يكون الثمر لك، كذا
في المنح اهـح. ومثله في البحر.

٨٣
كتاب البيوع
وخصه بالثمر اتباعاً لقوله {وَ لتر ((الثمرة للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع)) (ويؤمر البائع
بقطعهما) الزرع والثمر (وتسليم المبيع) الأرض والشجر عند وجوب تسليمهما،
فلو لم ينقد الثمن لم يؤمر به. خانية (وإن لم يظهر) صلاحه
مَطْلَبٌ: المُجْتَهِدُ إِذَا اسْتَدِلَّ بِحَدِيثٍ كَانَ تَصْحِيحَاً لَهُ
قوله: (وخصه بالثمر) أي خص ذكر الشرط بمسألة الثمر دون مسألة الزرع مع
إمكان العكس اتباعاً للحديث المذكور الذي استدل به الإمام محمد، على أنه لا فرق بين
كون الثمر مؤبراً أو لا. التأبير: التلقيح، وهو أن يشق الكم ويذر فيه من طلع النخل
ليصلح إناثها، والكم بالكسر: وعاء الطلع. وأما حديث الكتب الستة: ((مَنْ بَاعَ نَخْلاً
مُؤَبَّراً فَالثَّمرَةُ لِلْبَائِعِ إِلَّ أَنْ يُشْتِطَ المُبْتَاعُ)) (١) فلا يعارضه، لأن مفهوم الصفة غير معتبر
عندنا، وما قیل من أن الحدیث الأول غریب ففیه أن المجتهد إذا استدل بحدیث کان
تصحيحاً له كما في التحرير وغيره. نعم، يرد ما في الفتح أن حمل المطلق على المقيد
هنا واجب، لأنه في حادثة واحدة في حكم واحد، ثم أجاب عنه بأنهم قاسوا الثمر
على الزرع، كما قال في الهداية: إنه متصل للقطع لا للبقاء، وهو قياس صحيح، وهم
يقدمون القياس على المفهوم إذا تعارضا.
مَطْلَبٌ فِي حملِ المُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ
واعترض في البحر قوله إن حمل المطلق على المقيد واجب الخ، بأنه ضعيف،
لما في النهاية من أن الأصح أنه لا يجوز لا في حادثة ولا في حادثتين، حتى جوّز أبو
حنيفة التيمم بجميع أجزاء الأرض بحديث ((جُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً)) ولم
يحمل هذا المطلق على المقيد، وهو حديث ((التراب طهور)) اهـ.
أقول: أجبت عنه فيما علقته على البحر بأن المقيد هنا لا ينفي الحكم عما
عداه، لأن التراب لقب، ومفهوم اللقب غير معتبر إلا عند فرقة شاذة ممن اعتبر
المفاهيم، فليس مما يجب فيه الحمل، فلا دلالة في ذلك على أنه لا يحمل في حادثة
عندنا، كيف وحمل المطلق على المقيد عند اتحاد الحكم والحادثة مشهور عندنا مصرح
به في متن المنار والتوضيح والتلويح وغيرها، فما استند إليه من كلام النهاية غير
مسلم، فافهم. قوله: (ويؤمر البائع بقطعهما) أي فيما إذا باع أرضاً فيها زرع لم يسمه
أو شجراً عليه ثم لم يشترطه حتى بقي الزرع والثمر على ملك البائع. قوله: (الزرع
والثمر) بدل من ضمير التثنية، وقوله: ((الأرض والشجر)) بدل من ((المبيع)). قوله: (عند
وجوب تسليمهما) أي تسليم الأرض والشجر وذلك عند نقد المشتري الثمن. قوله:
(لم يؤمر به) أي بالقطع لعدم وجوب التسليم. قوله: (وإن لم يظهر صلاحه) الأولى
(١) أخرجه البخاري ٤٩/٥ (٢٣٧٩) ومسلم ١١٧٣/٣٠ (١٥٤٣/٨٠).

٨٤
كتاب البيوع
لأن ملك المشتري مشغول بملك البائع فيجبر على تسليمه فارغاً (كما لو أوصى
بنخل لرجل وعليه بسر حيث يجبر الورثة على قطع البسر هو المختار) من الرواية
ولولوالجية، وما في الفصولين: باع أرضاً بدون الزرع فهو للبائع بأجر مثلها،
محمول على ما إذا رضي المشتري. نهر (ومن باع ثمرة بارزة)
صلاحهما أي الزرع والثمر وهو المناسب لقوله: ((بقطعهما)). قوله: (لأن ملك
المشتري مشغول الخ) علة لقوله: ((ويؤمر البائع بقطعهما الخ)). وفي النهر عن جامع
الفصولين: باع شجراً عليه ثمر أو كرماً عليه عنب لا يدخل الثمر، فلو استأجر
الشجرة(١) من المشتري ليترك عليه الثمر لم يجز، ولكن يعار إلى الإدراك، فلو أبى
المشتري يخير البائع إن شاء أبطل البيع أو قطع الثمر اهـ. وسيذكره الشارح آخر الباب
فتأمله مع قول المتون، ويؤمر البائع بالقطع فإنه ينافي التخيير المذكور، ولعله قول آخر
فليحرر. قوله: (وما في الفصولين) أي جامع الفصولين لابن قاضي سماوة جمع فيه بين
فصولي العمادي والأستروشني ط. قوله: (محمول على ما إذا رضي المشتري) أي رضي
بإبقاء الزرع بأجر مثل الأرض، وإلا أمر البائع بالقلع توفيقاً بين كلامهم، وأما إذا نقضت
المدة في الإجارة فللمستأجر أن يبقي الزرع بأجر المثل إلى انتهائه لأنها للانتفاع،
وذلك بالترك دون القلع، بخلاف الشراء لأنه لملك الرقبة فلا يراعي فيه إمكان الانتفاع.
بحر.
مَطْلَبٌ فِي بَيْعِ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ وَالشَّجَرِ مَقْصُوداً
قوله: (ومن باع ثمرة بارزة) لم فرغ من بيع الثمر تبعاً للشجر شرع في بيعه
مقصوداً، ولم يذكر حكم بيع الزرع والشجر مقصوداً. قال في الدرر: لا يصح بيع
الزرع قبل صيرورته بقلا لأنه ليس بمنتفع به وتابع للأرض، فيكون كالوصف، فلا يجوز
إيراد العقد عليه بانفراده. وإن باع على أن يتركه حتى يدرك لم يجز، وكذا الرطبة
والبقول، ويجوز بيع حصته من شريكه مطلقاً: أي سواء بلغ أوان الحصاد أو لا، ومن
غيره بغير إذنه إن لم يفسخ إلى الحصاد فإنه حينئذ ينقلب إلى الجواز، كما إذا باع
الجذع في السقف ولم يفسخ البيع حتى أخرجه وسلمه اهـ. ويأتي في المتن بيع البرّ
في سنبله. وفي البحر عن الظهيرية: اشترى شجرة للقلع يؤمر بقلعها بعروقها، وليس له
حفر الأرض إلى انتهاء العروق بل يقلعها على العادة، إلا أن شرط البائع القطع على
وجه الأرض، أو يكون في القلع من الأصل مضرة للبائع ككونها بقرب حائط أو بئر
فيقطعها على وجه الأرض، فإن قطعها أو قلعها فنبت مكانها أخرى، فالنابت للبائع، إلا
إذا قطع من أعلاها فهي للمشتري. سراج. ولو اشترى نخلة ولم يبين أنها للقلع أو
(١) في ط (قوله فلو استأجر الشجرة) هكذا بخطه، والأولى ((الشجر)) بلا تاء ليناسب سابقه ولاحقه.

٨٥
كتاب البيوع
أما قبل الظهر فلا يصح اتفاقاً (ظهر صلاحها أو لا صح) في الأصح (ولو برز
بعضها دون بعض لا) يصح (في ظاهر المذهب) وصححه السرخسي، وأفتى
الحلواني بالجواز
للقرار، قال أبو يوسف: لا يملك أرضها وأدخل محمد ما تحتها وهو المختار، وإن
اشتراها للقطع لا تدخل الأرض اتفاقاً، وإن للقرار تدخل اتفاقاً وإن باع نصيباً له من
شجرة بلا إذن الشريك جاز إن بلغت أوان قطعها وإلا فلا اهـ. وقدمنا في الشركة حكم
بيع الحصة الشائعة من ثمر أو زرع أو شجر مفصلاً موضحاً، فراجعه. قوله: (أما قبل
الظهور) أشار إلى أن البروز بمعنى الظهور، والمراد به انفراك الزهر عنها وانعقادها ثمرة
وإن صغرت. قوله: (ظهر صلاحها أو لا) قال في الفتح: لا خلاف في عدم جواز بيع
الثمار قبل أن تظهر، ولا في عدم جوازه بعد الظهور قبل بدوّ الصلاح بشرط الترك، ولا
في جوازه قبل بدوّ الصلاح بشرط القطع فيما ينتفع به، ولا في الجواز بعد بدوّ
الصلاح، لكن بدوّ الصلاح عندنا أن تؤمن العاهة والفساد. وعند الشافعي: هو ظهور
النضج وبدوّ الحلاوة، والخلاف إنما هو في بيعها قبل بدوّ الصلاح على الخلاف في
معناه، لا بشرط القطع؛ فعند الشافعي ومالك وأحمد: لا يجوز، وعندنا: إن كان بحال
لا ينتفع به في الأكل ولا في علف الدوابّ فيه خلاف بين المشايخ. قيل: لا يجوز،
ونسبه قاضيخان لعامة مشايخنا، والصحيح أنه يجوز لأنه مال منتفع به في ثاني الحال إن
لم يكن منتفعاً به في الحال، والحيلة في جوازه باتفاق المشايخ أن يبيع الكمثري أول
ما تخرج مع أوراق الشجر فيجوز فيها تبعاً للأوراق كأنه ورق كله، وإن كان بحيث ينتفع
به ولو علفاً للدواب فالبيع جائز باتفاق أهل المذهب إذا باع بشرط القطع أو مطلقاً اهـ.
قوله: (لا يصح في ظاهر المذهب) قال في الفتح: ولو اشتراها مطلقاً: أي بلا شرط
قطع أو ترك فأثمرت ثمراً آخر قبل القبض فسد البيع، لأنه لا يمكنه تسليم المبيع لتعذر
التمييز فأشبه هلاكه قبل التسليم، ولو أثمرت بعد القبض يشتركان فيه للاختلاط،
والقول قول المشتري في مقداره مع يمينه، لأنه في يده، وكذا في بيع الباذنجان
والبطيخ إذا حدث بعد القبض خروج بعضها اشتركا كما ذكرنا اهـ. ومقتضاه أنها لو
أثمرت بعد القبض يصح البيع في الموجود وقت البيع، فإطلاق المصنف تبعاً للزيلعي
محمول على ما إذا باع الموجود والمعدوم كما يفيده ما يأتي عن الحلواني، وما ذكره
في الفتح من التفصيل محمول على ما إذا باع الموجود فقط، وعلى هذا فقول الفتح
عقب ما قدمناه عنه: وكان الحلواني يفتي بجوازه في الكل الخ، لا يناسب التفصيل
الذي ذكره، لأنه لا وجه لجواز البيع في الكل إذا وقع البيع على الموجود فقط،
فاغتنم هذا التحرير. قوله: (وأفتى الحلواني بالجواز) وزعم أنه مرويّ عن أصحابنا،
وكذا حكي عن الإمام الفضلي، وقال: استحسن فيه لتعامل الناس وفي نزع الناس عن

٨٦
كتاب البيوع
لو الخارج أكثر. زيلعي (ويقطعها المشتري في الحال) جبراً عليه (وإن شرط
تركها على الأشجار فسد) البيع كشرط القطع على البائع. حاوي (وقيل) قائله
عادتهم حرج. قال في الفتح: وقد رأيت رواية في نحو هذا عن محمد في بيع الورد
على الأشجار، فإن الورد متلاحق، وجوز البيع في الكل وهو قول مالك اهـ. قال
الزيلعي: وقال شمس الأئمة السرخسي: والأصح أنه لا يجوز، لأن المصير إلى مثل
هذه الطريقة عند تحقق الضرورة ولا ضرورة هنا، لأنه يمكنه أن يبيع الأصول على ما
بينا، أو يشتري الموجود ببعض الثمن ويؤخر العقد في الباقي إلى وقت وجوده، أو
يشتري الموجود بجميع الثمن، ويبيح له الانتفاع بما يحدث منه، فیحصل مقصودهما
بهذا الطريق، فلا ضرورة إلى تجويز العقد في المعدوم مصادماً للنص. وهو ما روى ((أَنه
عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلَامُ نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الإِنْسَانِ وَرَخَّصَ فِي السَّلَمِ)) اهـ (١).
قلت: لكن لا يخفى تحقق الضرورة في زماننا، ولا سيما في مثل دمشق الشام
كثيرة الأشجار والثمار، فإنه لغلبة الجهل على الناس لا يمكن إلزامهم بالتخلص بأحد
الطرق المذكورة، وإن أمكن ذلك بالنسبة إلى بعض أفراد الناس لا يمكن بالنسبة إلى
عامتهم وفي نزعهم عن عادتهم حرج كما علمت، ويلزم تحريم أكل الثمار في هذه
البلدان إذ لا تباع إلا كذلك، والنبي # إنما رخص في السلم للضرورة مع أنه بيع
المعدوم، فحيث تحققت الضرورة هنا أيضاً أمكن إلحاقه بالسلم بطريق الدلالة، فلم
يكن مصادماً للنص، فلذا جعلوه من الاستحسان، لأن القياس عدم الجواز، وظاهر
كلام الفتح الميل إلى الجواز، ولذا أورد له الرواية عن محمد، بل تقدم أن الحلواني
رواه عن أصحابنا، وما ضاق الأمر إلا اتسع، ولا يخفى أن هذا مسوغ للعدول عن ظاهر
الرواية كما يعلم من رسالتنا المسماة [نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف]
فراجعها. قوله: (لو الخارج أكثر) ذكر في البحر عن الفتح أن ما نقله شمس الأئمة عن
الإمام الفضلي لم يقيده عنه بكون الموجود وقت العقد أكثر، بل قال عنه أجعل
الموجود أصلاً، وما يحدث بعد ذلك تبعاً. قوله: (ويقطعها المشتري) أي إذا طلب
البائع تفريغ ملكه، وهذا راجع لأصل المسألة. قوله: (جبراً عليه) مفاده أنه لا خيار
للمشتري في إبطال البيع إذا امتنع البائع عن إبقاء الثمار على الأشجار، وفيه بحث
لصاحب البحر والنهر سيذكره الشارح آخر الباب. قوله: (فسد) أي مطلقاً كما يرشد إليه
التفصيل في القول المقابل له، فافهم. وعلل في البحر الفساد بأنه شرط لا يقتضيه العقد
وهو شغل ملك الغير. قوله: (كشرط القطع على البائع) في البحر عن الولوالجية: باع
(١) قال الحافظ لم أجده بهذا اللفظ الدارية ١٥٩/٢.

٨٧
كتاب البيوع
محمد (لا) يفسد (إذا تناهت) الثمرة للتعارف فكان شرطاً يقتضيه العقد (وبه يفتى)
بحر عن الأسرار. لكن في القهستاني عن المضمرات أنه على قولهما الفتوى
فتنبه. قید باشتراط الترك لأنه لو شراها مطلقاً وتركها بإذن البائع طاب له الزيادة،
وإن بغير إذنه تصدق بما زاد في ذاتها، وإن بعد ما تناهت لم يتصدق بشيء، وإن
استأجر الشجر إلى وقت الإدراك بطلت الإجارة وطابت الزيادة لبقاء الإذن، ولو
عنباً جزافاً وكذا الثوم في الأرض والجزر والبصل فعلى المشتري قطعه إذا خلى بينه
وبين المشتري، لأن القطع إنما يجب على البائع إذا وجب عليه الكيل أو الوزن، ولم
يجب لأنه لم يبع مكايلة ولا موازنة. قوله: (وبه يفتى) قال في الفتح: ويجوز عند محمد
استحساناً، وهو قول الأئمة الثلاثة، واختاره الطحاوي لعموم البلوى. قوله: (بحر عن
الأسرار) عبارة البحر: وفي الأسرار الفتوى على قول محمد، وبه أخذ الطحاوي. وفي
المنتقى: ضم إليه أبا يوسف، وفي التحفة والصحيح: قولهما. قوله: (لكن في
القهستاني عن المضمرات) حقه أن يقول عن النهاية، لأن عبارة القهستاني مع المتن
وشرط تركها على الشجر والرضا به يفسد البيع عندهما، وعليه الفتوى كما في النهاية،
ولا يفسد عند محمد إن بدا صلاح بعض وقرب صلاح الباقي، وعليه الفتوى كما في
المضمرات اهـ. وما نقله القهستاني عن المضمرات مخالف لما في الهداية والفتح والبحر
وغيرها من حكاية الخلاف في الذي تناهى صلاحه، فإنه صريح في تناهي الصلاح لا
في بدوّه، وأيضاً المتبادر منه صلاح الكل. تأمل. قوله: (فتنبه) أشار به إلى اختلاف
التصحيح وتخيير المفتي في الإفتاء بأيهما شاء، لكن حيث كان قول محمد هو
الاستحسان يترجح على قولهما. تأمل. قوله: (قيد باشتراط الترك) أي قيد المصنف
الفساد به. قوله: (مطلقاً) أي بلا شرط ترك أو قطع، وظاهره ولو كان الترك متعارفاً،
مع أنهم قالوا المعروف عرفاً كالمشروط نصاً، ومقتضاه فساد البيع وعدم حل الزيادة.
تأمل. قوله: (طاب له الزيادة) هي ما زاد في ذات المبيع، فلا ينافي ما قدمناه من أنه لو
أثمرت ثمراً آخر، فإن قبل القبض فسد البيع أو بعده يشتركان فيه، لأن ذاك في الزيادة
على المبيع مما لم يقع عليه البيع، وهذا في زيادة ما وقع عليه البيع كما أفاده في
النهر. وحاصله: أن المراد هنا الزيادة المتصلة لا المنفصلة. قوله: (تصدق بما زاد في
ذاتها) لحصوله بجهة محظورة. بحر. وتعرف الزيادة بالتقويم يوم البيع والتقويم يوم
الإدراك، فالزيادة تفاوت ما بينهما. ط عن العيني. قوله: (لم يتصدق بشيء) نعم عليه
إثم غصب المنفعة. فتح. قوله: (بطلت الإجارة) وإن عين المدة. در منتقى. فإن أصل
الإجارة مقتضى القياس فيها البطلان، إلا أن الشرع أجازها للحاجة فيما فيه تعامل، ولا

٨٨
كتاب البيوع
استأجر الأرض لترك الزرع فسدت لجهالة المدة، ولم تطب الزيادة ملتقى الأبحر
لفساد الإذن بفساد الإجارة، بخلاف الباطل كما حررناه في شرحه. والحيلة أن
يأخذ الشجرة معاملة على أن له جزءاً من ألف جزء
تعامل في إجارة الأشجار المجردة فلا يجوز؛ وكذا لو استأجر أشجاراً ليجفف عليها
ثيابه لم يجز. ذكره الكرخي. فتح. قوله: (لترك الزرع) الأولى تعبير الهداية وغيرها
بقوله: إلى أن يدرك الزرع: أي إلى وقت إدراكه بلا ذكر مدة. قوله: (ولم تطب
الزيادة) أي الزيادة على الثمرة وعلى ما غرم من أجرة المثل. ط عن العيني.
مَطْلَبٌ: فَسَادُ المُتَضَمّنِ يُوجِبُ فَسَادَ المُتَضَمّنِ
قوله: (كما حررناه في شرحه) ونصه لفساد الإذن بفساد الإجارة، وفساد
المتضمن يوجب فساد المتضمن، بخلاف الباطل فإنه معدوم شرعاً أصلاً ووصفاً، فلا
يتضمن شيئاً فكانت مباشرته عبارة عن الإذن اه ح.
وحاصل الفرق كما في الفتح وغيره: أن الفاسد له وجود لأنه فائت الوصف دون
الأصل، فكان الإذن ثابتاً في ضمنه فيفسد، بخلاف الباطل فإنه لا وجود له أصلاً فلم
يوجد إلا الإذن، ولا يخفى أن هذا (١) الفرق ينافي ما مر أول البيوع من أن البيع بعد
عقد فاسد أو باطل لا ينعقد قبل متاركة العقد الأول، وينافي فروعاً أخر مذكورة في آخر
الفن الثالث من الأشباه عند قوله: ((فائدة إذا بطل الشيء بطل ما في ضمنه)) فراجعها
متأملاً. قوله: (والحيلة) في أن يطيب للمشتري ما زاد في ذات المبيع وما لم يكن
بارزاً وقت العقد. قوله: (أن يأخذ) أي المشتري. قوله: (معاملة) أي مساقاة لمدة
معلومة كما في القنية. قوله: (على أن له الخ) أي للبائع. قال في شرحه على
الملتقى: وينبغي أن يقول المشتري للبائع بعد ما دفع الثمن: أخذت منك هذا الشجر
معاملة على أن لك جزءاً من ألف جزء ولي ألف جزء إلا جزءاً: أي من الثمر. ذكره
الشمني، وفيه أن المشتري قد أخذ الثمر شراء فكيف يأخذه معاملة، إلا أن يقال: إنه
دفع له الثمن على وجه التبرّع ويكون الاعتبار على عقد المعاملة اهـ.
قلت: الشراء إنما وقع على البارز وقت العقد والمعاملة لأجل طيب ما لم يبرز
بعد وطيب ما زاد(٢) في ذات البارز؛ نعم هذه الحيلة إنما تتأتى إذا لم يكن الشجر وقفاً
(١) في ط (قوله ولا يخفى أن هذا الخ) قال شيخنا: لا منافاة أصلاً، فإن فساد البيع بالتعاطي بعد الباطل لا
يقتضي اعتباره، لأنه إنما حكمنا ببطلانه قبل المتاركة لإفهام حالهما أن هذا التسليم بحكم العقد السابق
زعماً منهما اعتباره وثبوت حكم له، وليس في هذا ما يدل على اعتبارنا له، وقوله ((وينافي فروعاً أخر الخ))
لتنظر تلك الفروع فلعلها من هذا القبيل فيتم ما قاله الشارح من التعليل.
(٢) في ط (قوله وطيب ما زاد الخ) حاصله أنه اشترى الثمر الذي تناهى بروزه ولم يتم صلاحه، فالحيلة=

٨٩
كتاب البيوع
أن يشتري أصول الرطبة كالباذنجان وأشجار البطيخ والخيار ليكون الحادث
للمشتري، وفي الزرع والحشيش يشتري الموجود ببعض الثمن ويستأجر الأرض
مدة معلومة يعلم فيها الإدراك بباقي الثمن، وفي الأشجار الموجود ويحل له البائع
ما يوجد، فإن خاف أن يرجع يقول: على أني متى رجعت في الإذن تكون
أو ليتيم لعدم الحظ والمصلحة في أخذه جزءاً من ألف جزء والباقي للمشتري، كما
ذكر الشارح نظيره في أول كتاب الإجارة. قوله: (وأن يشتري الخ) هذه حيلة ثانية،
وبيانها أن المشري إما أن يكون مما يوجد شيئاً فشيئاً وقد وجد بعضه، أو لم يوجد منه
شيء كالباذنجان والبطيخ والخيار، أو يوجد كله لكنه لم يدرك كالزرع والحشيش، أو
يكون وجد بعضه دون بعض كثمر الأشجار المختلفة الأنواع. ففي الأول يشتري
الأصول ببعض الثمن ويستأجر الأرض مدة معلومة بباقي الثمن، لئلا يأمره البائع بالقلع
قبل خروج الباقي أو قبل الإدراك. وفي الثاني يشتري الموجود من الحشيش والزرع،
ويستأجر الأرض كما قلنا. وفي الثالث يشتري الموجود من الثمر بكل الثمن، ويحل له
البائع ما سيوجد، لأن استئجار الأرض لا يتأتى هنا لأن الأشجار باقية على ملك البائع
وقيامها في الأرض مانع من صحة استئجار الأرض، إلا أن يأخذها أو لا معاملة كما
مر، لأنها تصير في تصرفه أو تكون الأشجار على المسناة فإنها حينئذ لا تمنع صحة
إجارة الأرض كما يعلم من بابها، ومسألة الإحلال تتأتى في الأول والثاني أيضاً. قوله:
(ببعض الثمن) تنازع فيه يشتري الأول ويشتري الثاني في المسألتين. وقوله: ((ويستأجر
الأرض)) راجع للمسألتين أيضاً كما علم مما قررناه. قوله: (وفي الأشجار الموجود) أي
وفي ثمار الأشجار يشتري الموجود منها. قوله: (فإن خاف الخ) قال في جامع
الفصولين: أقول: كتبت في لطائف الإشارات أنهم قالوا: قال وكلتك بكذا على أني
كلما عزلتك فأنت وكيلي صح، وقيل لا، فإذا صح يبطل العزل(١) عن المعلقة قبل
وجود الشرط عند أبي يوسف، وجوزه محمد فيقول في عزله: رجعت عن الوكالة
المعلقة وعزلتك عن الوكالة المنجزة اهـ. رملي.
وحاصله: أنه على قول محمد يمكن الرجوع هنا عن الإحلال بأن يقول: رجعت
عن الإحلال المعلق وعن المنجز، فيتعين حينئذ الاحتيال بالعاملة على الأشجار كما
= في إبقائها أخذ الأشجار مساقاة وفيه أن عقد المساقاة يكون وارداً على ما هو مملوك له فيحتاج حينئذ
لما أجاب به في شرح الملتقى في هذا دون ما لم يتناه بروزه.
(١) في ط (قوله يبطل العزل الخ) أي لأن المعلقة لا تتحقق إلا بوجود الشرط وهو العزل عن المنجزة، فقبل
وجود شرط المعلقة لا يصح العزل عنها، فقوله قبل ((وجود الشرط)) أي شرط المعلقة.

٩٠
كتاب البيوع
مأذوناً في الترك. شمني ملخصاً (ما جاز إيراد العقد عليه بانفراده صح استثناؤه
منه) إلا الوصية بالخدمة يصح إفرادها دون استثنائها أشباه فرع على هذه القاعدة
بقوله (فصح استثناء) قفيز من صبرة وشاة معينة من قطيع و (أرطال معلومة من بيع
مر. قوله: (في الترك) المناسب في الأكل، لأن فرض المسألة أنه أحلّ له ما يوجد في
المستقبل، والترك إنما يناسب الموجود، إلا أن يدعي أن المراد ما يوجد من الزيادة في
ذات المبيع الموجود.
تتمة: اشترى الثمار على رؤوس الأشجار، فرأى من كل شجرة بعضها يثبت له
خيار الرؤية. بحر. ثم ذكر حكم بيع المغيب في الأرض، وسيأتي الكلام عليه إن شاء
الله تعالى في أول البيع الفاسد. قوله: (ما جاز إيراد العقد عليه الخ) هذه قاعدة مذكورة
في عامة المعتبرات مفرع عليها مسائل منها ما ذكر هنا. منح. قوله: (صح استثناؤه منه)
أي من العقد كما هو مصرح به في عبارة الفتح، وهذا أولى من جعل الضمير في منه
راجعاً للمبيع المعلوم من المقام فافهم، ولا ينصح إرجاعه إلى ما لأنها واقعة على
المستثنى، فيلزم استثناء الشيء من نفسه كما لا يخفى. قال في الفتح: وبيع قفيز من
صبرة جائز فكذا استثناؤه، بخلاف استثناء الحمل من الجارية أو الشاة وأطراف الحيوان
لا يجوز، كما لو باع هذه الشاة إلا أليتها أو هذا العبد إلا يده، فيصير مشتركاً متميزاً،
بخلاف ما لو كان مشتركاً على الشيوع فإنه جائز اهـ: أي كبيع العبد إلا نصفه مثلاً، لأنه
غير متميز في جزء بعينه بل شائع في جميع أجزائه فيجوز. قوله: (يصح إفرادها) بأن
يوصي بها وحدها بدون الرقبة اهـ ح. قوله: (دون الاستثناء(١)) بأن یوصی له بعبد دون
خدمته اهـح. وقيد بالخدمة لأن الحمل يصح استثناؤه في الوصية، حتى يكون الحمل
ميراثاً والجارية وصية، والفرق أن الوصية أخت الميراث، والميراث يجري فيما في
البطن، بخلاف الخدمة والغلة كالخدمة. بحر من البيع الفاسد. قوله: (وشاة معينة من
قطيع) أما لو غير معينة فلا يجوز كثوب غير معين من عدل. أفاده في البحر. قوله:
(وأرطال معلومة) أفاد أن محل الاختلاف الآتي ما إذا استثنى معيناً، فإن استثنى جزءاً
كربع وثلث فإنه صحيح اتفاقاً كما في البحر عن البدائع.
قلت: وجهه أن ما يقدر بالرطل شيء معين، بخلاف الربع مثلاً فإنه غير معين،
بل هو جزء شائع كما قلنا آنفاً، ونظيره ما قدمناه عند قوله: ((وفسد بيع عشرة أذرع من
مائة ذراع من دار لا أسهم)) وقيد بالأرطال، لأنه لو استثنى رطلاً واحداً جاز اتفاقاً لأنه
استثناء القليل من الكثير، بخلاف الأرطال لجواز أن لا يكون إلا ذلك القدر فيكون
(١) في ط (قوله دون الاستثناء) هكذا بخطه، والذي في نسخ الشارح ((دون استثنائها)) ولعلها نسخة أخرى كتب
علیھا.

٩١
كتاب البيوع
تمر نخلة) لصحة إيراد العقد عليها ولو الثمر على رؤوس النخل على الظاهر (ك)
صحة (بيع برّ في سنبله) بغير سنبل البر لاحتمال الربا (وباقلاء وأرز وسمسم في
قشرها، وجوز ولوز وفستق في قشرها الأول) وهو الأعلى، وعلى البائع إخراجه
استثناء الكل من الكل. بحر عن البناية. ومقتضاه أنه لو علم أنه يبقى أكثر من المستثنى
يصح، ولو المستثنى أرطالًا على رواية الحسن الآتية وهو خلاف ما يدل عليه كلام
الفتح من تعليل هذه الرواية بأن الباقي بعد إخراج المستثنى ليس مشاراً إليه ولا معلوم
الكيل المخصوص فكان مجهولاً، وإن ظهر آخراً أنه بقي مقدار معين لأن المفسد هو
الجهالة القائمة اهـ. ومقتضاه الفساد باستثناء الرطل الواحد أيضاً على هذه الرواية.
تأمل. قوله: (لصحة إيراد العقد عليها) أي على القفيز والشاة المعينة والأرطال
المعلومة، وهو تعليل لقوله: ((فصح)) أفاد به دخول ما ذكر تحت القاعدة المذكورة.
قوله: (ولو الثمر على رؤوس النخل) فيصح إذا كان مجذوذاً بالأولى لأنه محل وفاق.
قوله: (على الظاهر) متعلق بقوله: ((فصح)) ومقابل ظاهر الرواية رواية الحسن عن الإمام
أنه لا يجوز، واختاره الطحاوي والقدوري، لأن الباقي بعد الاستثناء مجهول. وفي
الفتح: أنه أقيس بمذهب الإمام في مسألة بيع الصبرة، وأجاب عنه في النهر، فراجعه.
قوله: (بغير سنبل البر) متعلق ببيع، والباء فيه للبدل، قال الخير الرملي في حاشية
البحر: وسيأتي في الربا أن بيع الحنطة الخالصة بحنطة في سنبلها لا يجوز، ويجب
تقييده بما إذا لم تكن الحنطة الخالصة أكثر من التي في سنبلها، وقد صرح بذلك في
الخانية، ويعلم بذلك أنه يجوز بيع التي في سنبلها معه بالأخرى التي في سنبلها معه
صرفاً للجنس إلى خلافه اهـ. وبه ظهر أن قول المصنف كبيع برّ في سنبله إن أراد به
بيع الحب فقط كما يشعر به قول الشارح الآتي: ((وعلى البائع إخراجه))، فتقييده بقوله:
(بغير سنبل البر)) احتراز عما إذا باعه باعه بسنبل البر: أي بالبر مع سنبله، فإنه لا يجوز
إذا لم يكن الحب الخالص أكثر، أمّا إذا كان أكثر، يكون الزائد بمقابلة التبن فيجوز،
وإن أراد به بيع البر مع السنبل، فلا يصح تقييده بقوله: ((بغير سنبله)) لما علمت من
جواز بيعه بمثله بأن يجعل الحب في أحدهما بمقابلة التبن في الآخر. قوله: (لاحتمال
الربا) تعليل للمفهوم، وهو أنه لو بيع بسنبل البر لا يجوز لاحتمال أن يكون البرّ الذي
بيع وحده مساوياً للبر الذي بيع مع سنبله، أو أقل فيكون الفضل ربا إلا إذا علم أن ما
بيع وحده أكثر كما قلنا آنفاً. قوله: (وباقلاء) هو القول. بحر. على وزن فاعلاء يشدد
فيقصر، ويخفف فيمد الواحدة باقلاة في الوجهين. مصباح. قوله: (في قشرها الأول)
وكذا الثاني بالأولى، لأن الأول فيه خلاف الشافعي. قوله: (فعلى البائع إخراجه (١))
(١). في ط (قوله فعلى البائع المخ) هكذا بخطه، والذي في نسخ الشارح ((وعلى الخ)) بالواو.

٩٢
كتاب البيوع
إلا إذا باع بما فيه، وهل له خيار الرؤية؟ الوجه نعم. فتح. وإنما بطل بيع ما في
ثمر وقطن وضرع من نوی وحب ولبن لأنه معدوم عرفاً (وأجرة کیل ووزن وعدّ
وذرع على بائع) لأنه من تمام التسليم (وأجرة وزن ثمن ونقده) وقطع ثمر وإخراج
طعام من سفينة (على مشتر) إلا إذا قبض البائع الثمن ثم جاء يرده بعيب الزيافة .
في البزازية: لو باع حنطة في سنبلها لزم البائع الدوس والتذرية. بحر. وكذا الباقلاء وما
بعدها. قوله: (إلا إذا باع بما فيه) عبارته في الدر المنتقى: إلا إذا بيعت بما هي
فيه اهـ. وهي أوضح: يعني إذا باع الحنطة بالتبن لا يلزم البائع تخليصه ط. قوله:
(الوجه نعم) لأنه لم يره. فتح. وأقره في البحر والنهر. قوله: (وإنما بطل الخ) قال في
الفتح: وأورد المطالبة بالفرق بين ما إذا باع حبّ قطن في قطن بعينه، أو نوى تمر في
تمر بعينه: أي باع ما في هذا القطن من الحب، أو ما في هذا التمر من النوى فإنه لا
يجوز مع أنه أيضاً في غلافه أشار أبو يوسف إلى القرى بأن النوى هناك معتبر عدماً
هالكاً في العرف، فإنه يقال: هذا تمر وقطن. ولا يقال: هذا نوى في تمره، ولا حبّ
في قطنه. ويقال: هذه حنطة في سنبلها، وهذا لوز وفستق في قشره. ولا يقال: هذه
قشور فيها لوز، ولا يذهب إليه وهم. وبما ذكرنا يخرج الجواب عن امتناع بيع اللبن في
الضرع، واللحم والشحم في الشاة، والآلية والأكارع والجلد فيها، والدقيق في
الحنطة، والزيت في الزيتون، والعصير في العنب ونحو ذلك حيث لا يجوز، لأن كل
ذلك منعدم في العرف. لا يقال: هذا عصير وزيت في محله، وكذا الباقي اهـ. قوله:
(من نوى الخ) نشر مرتب ط. قوله: (لأنه من تمام التسليم) إذ لا يتحقق تسليم المبيع
إلا بكيله ووزنه ونحوه ومعلوم أن الحاجة إلى هذا إذا باع مكايلة أو موازنة، ونحوه إذ
لا يحتاج إلى ذلك في المجازفة، وكذا صبّ الحنطة في وعاء المشتري على البائع.
فتح. قوله: (وأجرة وزن ثمن ونقده) أما كون أجرة وزن الثمن على المشتري فهو باتفاق
الأئمة الأربعة، وأما الثاني فهو ظاهر الرواية، وبه كان يفتي الصدر الشهيد، وهو
الصحيح كما في الخلاصة، لأنه يحتاج إلى تسليم الجيد وتعرفه بالنقد كما يعرف
المقدار بالوزن، ولا فرق بين أن يقول دراهمي منقودة أو لا هو الصحيح، خلافاً لمن
فصل، وتمامه في النهر. قوله: (وقطع ثمر) في الفتح عن الخلاصة: وقطع العنب
المشري جزافاً على المشتري، وكذا كل شيء باعه جزافاً كالثوم والبصل والجزر إذا
خلى بينها وبين المشتري، وكذا قطع الثمر: يعني إذا خلى بينها وبين المشتري اهـ.
قوله: (إلا إذا قبض البائع الثمن الخ) أي فإن أجرة النقد على البائع لأنه من تمام
التسليم، وشرط لثبوت الرد، إذ لا تثبت زيافته إلا بنقده. قال في البحر: وأما أجرة نقد
الدين فعلى المديون إلا إذا قبض رب الدين، ثم ادعى عدم النقد فالأجرة على رب

٩٣
کتاب البيوع
فرع: ظهر بعد نقد الصراف أن الدراهم زيوف، ردّ الأجرة، وإن وجد البعض
فبقدره. نهر عن إجارة البزازية. وأما الدلال فإن باع العين بنفسه بإذن ربها فأجرته
على البائع وإن سعى بينهما وباع المالك بنفسه يعتبر العرف، وتمامه في شرح
الوهبانية (ويسلم الثمن أولاً في بيع سلعة بدنانير ودراهم) إن أحضر البائع السلعة
الدين لأنه بالقبض دخل في ضمانه. قوله: (فبقدره) أي فيرد من الأجرة بقدر ما ظهر
زيفاً، فيرد نصف الأجرة إن ظهر نصف الدراهم زيوفاً، وما عزاه إلى البزازية رأيته أيضاً
في الخانية والولوالجية، ورأيت منقولاً عن المحيط أنه لا أجر له بظهور البعض زيوفاً
لأنه لم يوف عمله ولا ضمان عليه. قوله: (فأجرته على البائع) وليس له أخذ شيء من
المشتري، لأنه هو العاقد حقيقة شرح الوهبانية، وظاهره أنه لا يعتبر العرف هنا لأنه لا
وجه له. قوله: (يعتبر العرف) فتجب الدلالة على البائع أو المشتري أو عليهما بحسب
العرف. جامع الفصولين. قوله: (إن أحضر البائع السلعة) شرط لإلزام المشتري بتسليم
الثمن أولًا، والشرط أيضاً كون الثمن حالاً، وأن لا يكون في البيع خيار للمشتري، فلا
يطالب بالثمن قبل حلول الأجل ولا قبل سقوط الخيار. وأفاد أن للبائع حبس المبيع
حتى يستوفي كل الثمن، فلو شرط دفع المبيع قبل نقد الثمن فسد البيع لأنه لا يقتضيه
العقد. وقال محمد: لجهالة الأجل، فلو سمى وقت تسليم المبيع جاز وله الحبس وإن
بقي منه درهم كما في البحر. وفي الفتح والدر المنتقى: لو هلك المبيع بفعل البائع أو
بفعل المبيع أو بأمر سماوي، بطل البيع ويرجع بالثمن لو مقبوضاً، وإن هلك بفعل
المشتري: فعليه ثمنه إن كان البيع مطلقاً أو بشرط الخيار له، وإن كان الخيار للبائع أو
كان البيع فاسداً لزمه ضمان مثله إن كان مثلياً وقيمته إن كان قيمياً، وإن هلك بفعل
أجنبي فالمشتري بالخيار: إن شاء فسخ البيع فيضمن الجاني للبائع ذلك، وإن شاء
أمضاه ودفع الثمن واتبع الجاني، ويطيب له الفضل إن كان الضمان من خلاف الثمن،
وإلا فلا اهـ.
مَطْلَبُ فِي حَبْسٍ المَبِيعِ لِقَبْضِ الثَّمَنِ وَفِي هَلَكِهِ وَمَا يَكُونُ قبضاً
تنبيه: للبائع حبس المبيع إلى قبض الثمن ولو بقي منه درهم، ولو المبيع شيئين
بصفقة واحدة وسمى لكل ثمناً فله حبسهما إلى استيفاء الكل، ولا يسقط حق الحبس
بالرهن ولا بالكفيل، ولا بإبرائه عن بعض الثمن حتى يستوفي الباقي، ويسقط بحوالة
البائع على المشتري بالثمن اتفاقاً، وكذا بحوالة المشتري البائع به على رجل عند أبي
يوسف، وعند محمد: فيه روايتان، وبتأجيل الثمن بعد البيع وبتسليم البائع المبيع قبل
قبض الثمن فليس له بعده رده إليه، بخلاف ما إذا قبضه المشتري بلا إذنه إلا إذا رآه ولم
يمنعه من القبض فهو إذن، وقد يكون القبض حكمياً. قال محمد: كل تصرف يجوز من

٩٤
كتاب البيوع
(وفي بيع سلعة بمثلها) أو ثمن بمثله (سلما معاً) ما لم يكن أحدهما ديناً كسلم
وثمن مؤجل، ثم التسليم يكون بالتخلية على وجه يتمكن من القبض
غير قبض إذا فعله المشتري قبل القبض لا يجوز، وكل ما لا يجوز إلا بالقبض كالهبة إذا
فعله المشتري قبل القبض جاز، ويصير المشتري قابضاً اهـ: أي لأن قبض الموهوب له
يقوم مقام قبض المشتري، ومن القبض ما لو أودعه المشتري عند أجنبي أو أعاره وأمر
البائع بالتسليم إليه لا لو أودعه أو أعاره أو آجره من البائع أو دفع إليه بعض الثمن وقال
تركته عندك رهناً على الباقي، ومنه ما لو قال للغلام: تعالى معي وامش فتخظى أو
أعتقه أو أتلف المبيع أو أحدث فيه عيباً أو أمر البائع بذلك ففعل أو أمره بطحن الحنطة
فطحن أو وطئ الأمة فحبلت، ومنه ما لو اشترى دهناً ودفع قارورة يزنه فيها فوزنه فيها
بحضرة المشتري فهو قبض، وكذا بغيبته في الأصح وكذا كل مكيل أو موزون إذا دفع
له الوعاء فکاله أو وزنه فيه بأمره، ومنه ما لو غصب شيئاً ثم اشتراه صار قابضاً،
بخلاف الوديعة والعارية إلا إذا وصل إليه بعد التخلية، ولو اشترى ثوباً أو حنطة فقال
للبائع بعه، قال الإمام الفضلي: إن كان قبل القبض والرؤية كان فسخاً وإن لم يقل
البائع نعم، لأن المشتري ينفرد بالفسخ في خيار الرؤية، وإن قال بعه لي: أي كن
وكيلاً في الفسخ فما لم يقبل البائع لا يكون فسخاً، وكذا لو بعد القبض والرؤية لكن
يكون وكيلاً بالبيع سواء قال بعه أو بعه لي، هذا كله ملخص ما في البحر. قوله: (أو
ثمن بمثله) المراد بالثمن النقود من الدراهم والدنانير لأنها خلقت أثماناً ولا تتعين
بالتعيين. قوله: (سلما معاً) لاستوائهما في التعيين في الأول وفي عدمه في الثاني، أما
في بيع سلعة بثمن فإنما تعين حق المشتري في المبيع، فلذا أمر بتسليم الثمن أولًا
ليتعين حق البائع أيضاً تحقيقاً للمساواة. قوله: (ما لم يكن الخ) الظرف الذي نابت عنه
ما المصدرية الظرفية متعلق بقوله: ((ويسلم الثمن)) فكان المناسب ذكره عقب قوله: ((إن
أحضر البائع السلعة)) بأن يقول: ولم يكن ديناً الخ. قوله: (كسلم وثمن مؤجل) تمثيل
لما إذا كان أحد العوضين ديناً، فالأول مثال المبيع لأن المراد بالسلم المسلم فيه،
والثاني مثال الثمن. قوله: (ثم التسليم) أي في المبيع والثمن ولو كان البيع فاسداً كما
في البحر ط.
مَطْلَبٌ فِيمَا يَكُونُ قبضاً لِلْمُبِيعِ(١)
قوله: (على وجه يتمكن من القبض) فلو اشترى حنطة في بيت ودفع البائع
(١) القبض شرعاً. يرجع فيه إلى الشرع والعرف وهو يختلف باختلاف المال، وتفصيله: أن المال إما أن يرهن
من غير اعتبار تقدير فيه أو يرهن معتبراً فيه تقدير فالحالة الأولى التي لم يعتبر فيها تقدير إما لعدم إمكانه أو
مع الإمكان، فينظر إن كان المرهون مما لا ينقل كالدور والأرضين والشجر الثابت والثمرة على الشجرة =

٩٥
كتاب البيوع
= قبل أوان الجداد فقبضه بالتخلية بينه وبين المرتهن، وتمكين من وضع يده بأن يفتح الدار أو يسلمه
مفتاحها، وإن کان من جملة المنقولات ففيه خلاف نبينه.
فرأى الشافعي في رواية راجحة، وأحمد وأبو يوسف أنه لا يكتفى بالتخلية بل لا بد من النقل والتحويل.
ومذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي في رواية مرجوحة الاكتفاء بالتخلية. برهن أصحاب المذهب الأول
بما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((كنا نشتري الطعام من الركبان جزافاً فنهانا رسول الله # أن
نبيعه حتى ننقله من مكانه)) متفق عليه بهذا اللفظ وغيره.
وجاء من طرق عدة: «من ابتاع طعاماً فلا یبعه حتی یستوفیه) وزاد ابن حبان (ونهی أن یبیعه حتى يحوله)
وللحاكم وابن حبان وأبي داود من حديث ابن عمر عن زيد بن ثابت بلفظ ((نهى أن تباع السلع بحيث تبتاع
حتى يجوزها التجار إلى رحالهم)).
وبالعرف إذ هو جار في فيض المنقول بالنقل كأن يسوق الدابة أو يقودها.
حجة أصحاب المذهب الثاني: أن الرهن وثيقة لجهة الاستيفاء، وحقيقة الاستيفاء تثبت بالتخلية بأن يخلي
بين المرتهن وبين دينه، فكذلك جهة إذ الحقيقة أقوى من الجهة، وما يثبت به الأقوى يثبت به الأدنى يرد
هذا الدليل بأنه لم لا يجوز أن يحتاج الأدنى إلى ما يقويه ويؤكده وبأنه لا يقادم النص والعرف المتقدمين إذ
لا فارق بين القبض في البيع وغيره، فالرأي الأول هو الأولى بالاعتبار.
الحالثة الثانية: أن يرهن الشيء مع اعتبار تقدير فيه كما إذا رهن ثوباً أو أرضاً مذارعة أو متاعاً موازنة أو
صبرة حنطة مكايلة أو معدوداً بالعدد، فلا يكفي للقبض ما مر بل لا بد مع ذلك من الذرع أو الوزن أو
الكيل أو العد، فلا يعتبر القبض جزافاً، ولا قبض المكيل بالوزن. والموزون بالكيل.
يؤيد هذا ما روى عن النبي## مرسلاً ومسنداً: ((أنه نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان: صاع
البائع وصاع المشتري)». ابن ماجه والدارقطني والبيهقي عن جابر، وفيه ابن أبي ليلى عن أبي الزبير قال
البيهقي: وروي من وجه آخر عن أبي هريرة، وهو في البزار من طريق مسلم الجرمي عن مخلد بن حسين
عن هشام بن حسان عن محمد عن أبي هريرة، وقال: لا نعلمه إلا من هذا الوجه، وفي الباب عن أنس وابن
عباس أخرجهما ابن عدي بإسنادين ضعيفين جداً، وروى عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبي كثير أن
عثمان وحكيم بن حزام ((كانا يبتاعان الثمر ويخلطانه في غرائر ثم يبيعانه بذلك الكيل فنهاهما النبي # عن
ذلك أن يبيعا حتى يكيلاه لمن ابتاعه منهما)) ورواه الشافعي وابن أبي شيبة والبيهقي عن الحسن عن
النبي # مرسلاً وقال في آخره: فيكون له زيادته وعليه نقصانه، قال البيهقي: روي موصولاً من أوجه إذا
ضم بعضهما إلى بعض قوي مع ما يثبت عن ابن عمر وابن عباس، والرهن كذلك لا يختلف عن البيع في
شيء، وروى عنه عليه الصلاة والسلام: ((إذا سميت الكيل فكل)). للمرهون حالتان: إحداهما أن يكون في
يد الراهن اتفقت المذاهب على اشتراط إذنه في القبض إذ إنه لا يلزمه تقبيضه فاعتبر إذنه كالواهب؛ ولأن له
فسخه قبل القبض فلا يملك المرتهن إسقاط حقه.
والحالة الثانية: أن يكون في يد المرتهن بوديعة أو إعارة أو غصب، ذهب الإمام أحمد إلى أنه يلزم بنفس
العقد من غير احتياج إلى أمر زائد، وهو وجه ضعيف عند الشافعية.
ورأى أصحاب الشافعي والقاضي من الحنابلة أن لا يصير رهناً حتى تمضي مدة يتأتى فيها قبضه، فإن كان
منقولًا فبمضي مدة يمكن نقله فيها، وإن كان مكيلاً فيمضي مدة يمكن اكتياله فيها أو معدوداً فبمضي مدة
يمكن عده فيها، وإن كان غير منقول فيمضي مدة التخلية، وإن كان غائباً عن المرتهن لم يصر مقبوضاً حتى
یوافيه هو أو وکیله ثم تمضي مدة یمکن قبضه فيها.
يدل على الرأي الأول: أن المدة ثابتة والقبض حاصل، وإنما يتغير الحكم لا غير، ويمكن تغير الحكم مع
استدامة القبض كما لو طولب بالوديعة فجمدها لتغير الحكم، وصادف مضمونة عليه من غير أمر زائد ولو
عاد الجاحد فأقر بها، وقال لصاحبها أخذ وديعتك فقال: دعها عندك وديعة كما كانت ولا ضمان عليك
لتغیر الحکم من غير حدوث أمر زائد.

٩٦
كتاب البيوع
بلا مانع
المفتاح إليه وقال خليت بينك وبينها فهو قبض، وإن دفعه ولم يقل شيئاً لا يكون
قبضاً، وإن باع داراً غائبة فقال سلمتها إليك فقال قبضتها لم يكن قبضاً، وإن كانت
قريبة كان قبضاً: وهي أن تكون بحال يقدر على إغلاقها وإلا فهي بعيدة وفي جمع
النوازل: دفع المفتاح في بيع الدار تسليم إذا تهيأ له فتحه بلا كلفة، وكذا لو اشترى بقراً
في السرح فقال البائع اذهب واقبض، إن كان يرى بحيث يمكنه الإشارة إليه یکون
قبضاً، ولو اشترى ثوباً فأمره البائع بقبضه فلم يقبضه حتى أخذه إنسان: إن كان حین
أمره بقبضه أمكنه من غير قيام صح التسليم، وإن كان لا يمكنه إلا بقيام لا يصح، ولو
اشترى طيراً أو فرساً في بيت وأمره البائع بقبضه ففتح الباب فذهب، إن أمكنه أخذه بلا
عون كان قبضاً، وتمامه في البحر.
مَطْلَبٌ فِي شُرُوطِ التَّخْلِيَةِ
وحاصله: أن التخلية قبض حكماً لو مع القدرة عليه بلا كلفة، لكن ذلك يختلف
بحسب حال المبيع، ففي نحو حنطة في بيت مثلاً فدفع المفتاح إذا أمكنه الفتح بلا
كلفة قبض، وفي نحو دار فالقدرة على إغلاقها قبض: أي بأن تكون في البلد فيما
یظهر، وفي نحو بقر في مرعی فکونه بحیث یری ویشار إليه قبض، وفي نحو ثوب،
فكونه بحيث لو مدّ يده تصل إليه قبض، وفي نحو فرس أو طير في بيت إمكان أخذه
منه بلا معين قبض. قوله: (بلا مانع) بأن يكون مفرزاً غير مشغول بحق غيره، فلو كان
المبيع شاغلاً كالحنطة في جوالق البائع لم يمنعه. بحر. وفي الملتقط: ولو باع داراً
وسلمها إلى المشتري وله فيها متاع قليل أو كثير لا يكون تسليماً حتى يسلمها فارغة،
وكذا لو باع أرضاً وفيها زرع اهـ. وفي البحر عن القنية: لو باع حنطة في سنبلها فسلمها
كذلك لم يصح كقطن في فراش، ويصح تسليم ثمار الأشجار وهي عليها بالتخلية وإن
كانت متصلة بملك البائع. وعن الوبري: المتاع لغير البائع لا يمنع، فلو أذن له بقبض
المتاع والبيت صح وصار المتاع وديعة عنده اهـ.
ويمنع حصول القبض المطلوب للزوم الرهن لتوقفه على الإذن والإمكان، وتغير حكم الوديعة إلى الغصب،
والغصب إلى الوديعة لا يستلزم التغير هنا للفارق.
وجهة الرأي: الثاني أن العقد يفتقر إلى القبض، والقبض يحصل بفعله أو بإمكانه، ويكفي ذلك ولا يحتاج
إلى وجود حقيقة القبض؛ لأنه مقبوض حقيقة.
وتظهر ثمرة الخلاف فيما إذا تلف المرهون قبل مضي مدة يتأتى قبضه فيها فعلى الأول يكون كتلف
المرهون بعد القبض، وعلى الثاني يكون كتلفه قبل لزومه، انظر الرهن لحسن مصطفى، المغني لابن قدامة
ص ٣٧١ حـ ٤، بدائع ص ٤٤١.

٩٧
كتاب البيوع
ولا حائل. وشرط في الأجناس شرطاً ثالثاً وهو أن يقول: خليت بينك وبين
المبيع، فلو لم يقله أو كان بعيداً لم يصر قابضاً والناس عنه غافلون، فإنهم
يشترون قرية ويقرون بالتسليم والقبض، وهو لا يصح به القبض على الصحيح
مَطْلَبٌ: اشْتَرَى دَاراً مَأْجُورَةَ لَا يُطَالَبُ بِالثَّمَنِ قَبْلَ قَبْضِهَا
قلت: ويدخل في الشغل بحق الغير ما لو كانت الدار مأجورة، فليس للبائع
مطالبة المشتري بالثمن، لعدم القبض وهي واقعة الفتوى، سئل عنها ورأيت نقلها في
الفصل الثاني والثلاثين من جامع الفصولين: باع المستأجر ورضي المشتري أن لا يفسخ
الشراء إلى مضيّ مدة الإجارة ثم يقبضه من البائع، فليس له مطالبة البائع بالتسليم قبل
مضيها ولا للبائع مطالبة المشتري بالثمن ما لم يجعل المبيع بمحل التسليم؛ وكذا لو
شرى غائباً لا يطالبه بثمنه ما لم يتهيأ المبيع للتسليم اهـ. قوله: (ولا حائل) بأن يكون
في حضرته اهـح. وقد علمت بيانه. قوله: (أن يقول خليت الخ) الظاهر أن المراد به
الإذن بالقبض لا خصوص لفظ التخلية، لما في البحر: ولو قال البائع للمشتري بعد
البيع خذ لا يكون قبضاً، ولو قال خذه يكون تخلية إذا كان يصل إلى أخذه اهـ. وفي
الفروع المارة ما يدل عليه أيضاً. قوله: (أو كان بعيداً) أي وإن قال خليت الخ كما
مر، والمراد بالبعيد مالا يقدر على قبضه، بلا كلفة ويختلف باختلاف المبيع كما قررناه،
أو المراد به حقيقته، ويقاس عليه ما شابهه. قوله: (وهو لا يصح به القبض) أي الإقرار
المذكور ولا يتحقق به القبض، وقيد بالقبض لأن العقد في ذاته صحيح، غير أنه لا
يجب على المشتري دفع الثمن لعدم القبض. قوله: (على الصحيح) وهو ظاهر الرواية،
ومقابله ما في المحيط وجامع شمس الأئمة أنه بالتخلية يصح القبض وإن كان العقار
بعيداً غائباً عنهما عند أبي حنيفة خلافاً لهما، وهو ضعيف كما في البحر. وفي
الخانية: والصحيح ما ذكر في ظاهر الرواية، لأنه إذا كان قريباً يتصوّر فيه القبض
الحقيقي في الحال، فتقام التخلية مقام القبض، أما إذا كان بعيداً لا يتصوّر القبض في
الحال فلا تقام التخلية مقام القبض اهـ. هذا ثم إن ما ذكره الشارح هنا نقل مثله في
أواخر الإجارات عن وقف الأشباه.
ثم قال: قلت: لكن نقل محشيها ابن المصنف في زواهر الجواهر عن بيوع فتاوى
قارئ الهداية أنه متى مضى مدة يتمكن من الذهاب إليها والدخول فيها كان قابضاً، وإلا
فلا، فتنبه اهـ.
قلت: لكن أنت خبير بأن هذا مخالف للروايتين، ولا يمكن التوفيق بحمل ظاهر
الرواية عليه، لأن المعتبر فيها القرب الذي يتصور معه حقيقة القبض كما علمته من

٩٨
كتاب البيوع
وكذا الهبة والصدقة. خانية. وتمامه،فيما علقناه على الملتقى (وجده) أي البائع
التمن (زيوفاً ليس له استرداد السلعة وحبسها به) لسقوط حقه بالتسليم. قال زفر:
له ذلك، كما لو وجدها رصاصاً أو ستوقة أو مستحقاً
كلام الخانية. قوله: (وكذا الهبة والصدقة) أي لا تكون تخلية البعيد فيهما قبضاً. قال
في البحر: وعلى هذا تخلية البعيد في الإجارة غير صحيحة فكذا الإقرار بتسلمها اهـ.
قلت: ومفاده أن تخلية القريب في الهبة قبض، لكن هذا في غير الفاسدة كما في
الخانية حيث قال: أجمعوا على أن التخلية في البيع الجائز تكون قبضاً، وفي البيع
الفاسد روايتان، والصحيح أنه قبض، وفي الهبة الفاسدة كالهبة في المشاع الذي يحتمل
القسمة لا تكون قبضاً باتفاق الروايات. واختلفوا في الهبة الجائزة: ذكر الفقيه أبو الليث
أنه لا يصير قابضاً في قول أبي يوسف، وذكر شمس الأئمة الحلواني أنه يصير قابضاً
ولم يذكر فيه خلافاً اهـ.
تتمة: في البزازية قبض المشتري المشري قبل نقده بلا إذن البائع فطلبه منه فخلى
بينه وبين البائع لا يكون قبضاً حتى يقبضه بيده، بخلاف ما إذا خلى البائع بينه وبين
المشتري: اشترى بقرة مريضة وخلاها في منزل البائع قائلاً إن هلكت فمني وماتت فمن
البائع لعدم القبض، وكذا لو قال للبائع سقها إلى منزلك فاذهب فتسلمها فهلکت حال
سوق البائع، فإن ادعى البائع التسليم فالقول للمشتري. قال المشتري للعبد اعمل كذا
أو قال للبائع مره يعمل كذا فعمل فعطب العبد هلك من المشتري لأنه قبض. قال
المشتري للبائع: لا أعتمدك على المبيع فسلمه إلى فلان يمسكه حتى أدفع لك الثمن،
ففعل البائع وهلك عند فلان هلك من البائع لأن الإمساك كان لأجله. اشترى وعاء لبن
خائر في السوق فأمر البائع بنقله إلى منزله فسقط في الطريق، فعلى البائع إن لم يقبضه
المشتري. اشترى في المصر حطباً فغصبه غاصب حال حمله إلى منزله فمن البائع، لأن
عليه التسليم في منزل الشاري بالعرف. قال للبائع زنه له وابعثه مع غلامك أو غلامي
ففعل وانكسر الوعاء في الطريق فالتلف من البائع، إلا أن يقول ادفعه إلى الغلام، لأنه
توكيل للغلام والدفع إليه كالدفع إلى المشتري اهـ. قوله: (لسقوط حقه بالتسليم) فيه أن
التسليم موجود أيضاً فيما لو وجده رصاصاً أو ستوقة، الأولى التعليل بما في المنح
بأنه استوفى أصل حقه فلا يكون له حق نقض التسليم اهـ: أي لأن الزيوف دراهم لكنها
معيبة، ومثلها النبهرجة كما في المنية، بخلاف الرصاص والستوقة فإنها ليست دراهم
فلم يوجد قبض الثمن أصلاً فله نقض التسليم، وأفاد أن هذا لو سلم المبيع؛ أما لو
قبضه المشتري بلا إذن البائع فله نقضه في الزيوف وغيرها كما في البزازية. قوله: (كما
لو وجدها) الأولى وجده: أي الثمن المحدث عنه. قوله: (أو مستحقاً) أي بأن أثبت

٩٩
كتاب البيوع
وكالمرتهن. منية.
(قبض) بدل دراهمه (الجياد) التي كانت له على زيد (زيوفاً) على ظن أنها
جياد (ثم علم) بأنها زيوف (يردها ويسترد الجياد) إن كانت (قائمة وإلا فلا) يرد
ولا يسترد، كما لو علم بذلك عند القبض وقال أبو يوسف: يردّ مثل الزيوف
ويرجع بالجياد، كما لو كانت رصاصاً أو ستوقة.
(اشترى شيئاً وقبضه ومات مفلساً قبل نقد الثمن فالبائع أسوة للغرماء. و)
عند الشافعي رضي الله عنه هو أحق به كما (لو لم يقبضه) المشتري (فإن البائع
أحق به) اتفاقاً.
رجل أن المقبوض حقه فيثبت للبائع استرداد السلعة لانتفاض الاستيفاء. قوله:
(وكالمرتهن) عبارة منية المفتي: والمرتهن يسترد في الوجوه كلها اهـ . : أي في الزيوف
والرصاص وغيرها: أي لو قبض دينه وسلم الرهن لراهنه ثم ظهر ما قبضه زيوفاً أو
رصاصاً أو ستوقة أو مستحقاً فإنه يسترد الرهن ..
تنبيه: لو تصرف المشتري في المبيع بعد قبضه بيعاً أو هبة ثم وجد البائع الثمن
كذلك لا ينقض التصرف لأن تصرف المشتري بعد القبض بإذن البائع كتصرفه، وإن كان
قبضه بعد نقد الثمن بلا إذن البائع وتصرف فيه ثم وجد الثمن كذلك ينقض من
التصرفات ما يحتمل النقض ولا ينقض ما لا يحتمل النقض. بزازية. وما يحتمل النقض
كالبيع والهبة، وما لا يحتمله كالعتق وفروعه. قوله: (وإلا) أي وإن لم تكن قائمة سواء
كانت هالكة أو مستهلكة. درر. قوله: (كما لو علم بذلك) أي بأنها زيوف لأنه يكون
راضياً بها فلا يكون له ردّ ولا استرداد. قوله: (وقال أبو يوسف يرد مثل الزيوف الخ)
لأن الرجوع بالنقصان باطل لاستلزامه الربا، ولا وجه لإبطال حقه في الجودة لعدم
رضاه. درر. قال في الحقائق نقلاً عن العيون: إن ما قاله أبو يوسف حسن وأدفع
للضرر، ولذا اخترناه للفتوى اهـ. وكذلك صرح في المجمع بأنه المفتى به. عزمية.
قوله: (كما لو كانت رصاصاً أو ستوقة) فإنها ترد اتفاقاً. درر. وظاهر إطلاقه أنها تردّ
ولو علم بها وقت القبض لأنها ليست من جنس الأثمان ط.
مَطْلَبُ: لَوِ اشْتَرَى شَيْئاً وَمَاتَ مُفْلِساً قَبْلَ قَبْضِهِ فَلْبَائِعُ أَحَقُّ
قوله: (ومات مفلساً) أي ليس له مال يفي بما عليه من الديون سواء فلسه القاضي
أو لا. قوله: (فالبائع أسوة للغرماء) أي یقتسمونه، ولا یکون البائع أحق به. درر.
قوله: (فإن البائع أحق به) الظاهر أن المراد أنه أحق بحبسه عنده حتى يستوفي الثمن من
مال الميت أو يبيعه القاضي ويدفع له الثمن، فإن وفى بجميع دين البائع فيها، وإن زاد

١٠٠
كتاب البيوع
ولنا قوله عليه الصلاة والسلام ((إِذَا مَاتَ المُشْتِرِي مُفْلِساً فَوَجَدَ البَائِعُ مَتَاعَهُ
بِعَيْنِهِ فَهُوَ أُسْوَةٌ لِلْغُرَمَاءِ»(١) شرح مجمع العيني.
فروع: باع نصف الزرع بلا أرض: إن باعه الأكار لرب الأرض جاز،
وبعكسه لا إلا إذا كان البذر من الأكار فينبغي أن يجوز. خانية.
باع شجراً كرماً مثمراً لا يدخل الثمر، وحينئذ فيعار الشجر إلى الإدراك،
فلو أبى المشتري إعارته خير البائع إن شاء أبطل البيع أو قطع الثمر. جامع
1
دفع الزائد لباقي الغرماء، وإن نقص فهو أسوة للغرماء فيما بقي له، وليس المراد بكونه
أحق به أنه يأخذه مطلقاً، إذ لا وجه لذلك، لأن المشتري ملكه وانتقل بعد موته إلى
ورثته وتعلق به حق غرمائه، وإنما كان أحق من باقي الغرماء لأنه كان له حق حبس
المبيع إلى قبض الثمن في حياة المشتري، فكذا بعد موته: وهذا نظير ما سيذكره
المصنف في الإجارات من أنه لو مات المؤجر وعليه ديون فالمستأجر أحق بالدار من
غرمائه: أي إذا كانت الدار بيده وكان قد دفع الأجرة وانفسخ عقد الإجارة بموت
المؤجر فله حبس الدار وهو أحق بثمنها، بخلاف ما إذا عجل الأجرة ولم يقبض الدار
حتى مات المؤجر فإنه يكون أسوة لسائر الغرماء، ولا یکون له حبس الدار كما في
جامع الفصولين: وكذا ما سيأتي في البيع الفاسد: لو مات بعد فسخه فالمشتري أحق
به من سائر الغرماء فله حبسه حتى يأخذ ماله، هكذا ينبغي حل هذا المحل، وبه ظهر
جواب حادثة الفتوى، سئلت عنها وهي: ما لو مات البائع مفلساً بعد قبض الثمن وقبل
تسليم المبيع للمشتري یکون المشتري أحق به، لأنه ليس للبائع حق حبسه في حياته،
بل للمشتري جبره على تسليمه ما دامت عينه باقية، فيكون له أخذه بعد موت البائع
أيضاً، إذ لا حق للغرماء فيه بوجه، لأنه أمانة عند البائع، وإن كان مضموناً بالثمن لو
هلك عنده؛ ومثله الراهن، فإن الراهن أحق به من غرماء المرتهن، والله سبحانه أعلم.
قوله: (باع نصف الزرع الخ) صورة المسألة: رجل له أرض دفعها لأكار: أي فلاح،
ودفع له البذر أيضاً على أن يعمل الأكار فيها ببقره بنصف الخارج فعمل وخرج الزرع
فباع الأكار نصفه لرب الأرض جاز البيع؛ أما لو ربّ الأرض باع نصفه للأكار فلا
يجوز لأنه يأمره بقلع ما باعه، ولا يمكن إلا بقلع الكل فيتضرر المشتري بقلع نصيبه
الذي كان له قبل الشراء مستحقاً للبقاء في الأرض إلى وقت الإدراك؛ نعم إذا كان
البذر من الأكار ويكون مستأجراً الأرض بنصف الخارج فليس لرب الأرض أمره بقلع
ما باعه، فينبغي أن يجوز البيع لعدم الضرر. وهذه من مسائل بيع الحصة الشائعة من
(١) أخرجه البخاري ٤/ ٤٧٧ (٢٢٩٨) ومسلم ١٢٣٧/٣ (١٦١٩/١٤).