النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ كتاب البيوع وسيجيء في الصلح، وفي المنظومة المحبية: [الرجز] وَكُلُّ عَقْدٍ بَعْدَ عَقْدٍ جُدِّدَا فِأَبْطِلِ الثَّانِي لأَنَّهُ سُدَى فَالصُّلْحُ بَعْدَ الصُّلْحِ أَضْحَى بَاطِلا كَذَا النَّكَاحُ مَا عَدَا مَسَائِلًا قبلت لزمه المالان. والفرق أن الإيجاب الثاني رجوع عن الإيجاب الأول ورجوع البائع قبل قبول المشتري عامل؛ ألا ترى أنه لو قال رجعت عن ذلك قبل قبول المشتري يعمل رجوعه، وإذا عمل رجوعه بطل الإيجاب الأول وانصرف القبول إلى الإيجاب الثاني. أما رجوع المولى عن إيجاب العتق ليس بعامل؛ ألا ترى أنه لو قال رجعت عن ذلك لا يعمل رجوعه، لأن إيجاب العتق بالمال تعليق بالقبول والرجوع في التعليقات لا يعمل، فبقي كل من الإيجاب الأول والثاني فانصرف القبول إليهما اهـ. قوله: (وسيجيء في الصلح) قال الشرح هناك: والأصل أن كل عقد أعيد فالثاني باطل، إلا في الكفالة والشراء والإجارة اهـ. وفيه أن هذا وما في النظم من تكرار العقد والكلام في تكرار الإيجاب كما لا يخفى اهـح: أي لأن العقد اسم لمجموع الإيجاب والقبول، وتكراره غير تكرار الإيجاب الذي كلامه فيه. قوله: (وكل عقد بعد عقد جدداً الخ) في التاتر خانية قال: بعتك عبدي هذا بألف درهم بعتكه بمائة دينار فقال المشتري: قبلت ينصرف إلى الإيجاب الثاني، ويكون بيعاً بمائة دينار ولو قال: بعتك هذا العبد بألف درهم وقبل المشتري ثم قال بعته منك بمائة دينار في المجلس أو في مجلس آخر وقال المشتري: اشتريت ينعقد الثاني وينفسخ الأول، وكذا لو باعه بجنس الثمن الأول بأقل أو بأكثر نحو أن يبيعه منه بعشرة ثم باعه بتسعة أو بأحد عشر، فإن باع بعشرة لا ينعقد الثاني ويبقى الأول بحاله اهـ. فهذا مثال لتكرار الإيجاب فقط ومثال التكرار العقد. قوله: (فأبطل الثاني) أي إذا كان بمثل الثمن الأول كما علمت لأنه سدى: أي لا فائدة فيه. قوله: (فالصلح بعد الصلح أضحى باطلاً) هذا إذا كان الصلح على سبيل الإسقاط، أما إذا كان الصلح على عوض ثم اصطلحا على عوض آخر، فالثاني هو الجائز، ويفسخ الأول كالبيع. بيري عن الخلاصة عن المنتقى. قلت: الظاهر أن الصلح على سبيل الإسقاط بمعنى الإبراء، وبطلان الثاني ظاهر، ولكنه بعيد الإرادة هنا، فالمناسب حمل الصلح على المتبادر منه، ويكون المراد به ما إذا كان بمثل العوض الأول بقرينة قوله كالبيع، وعليه فالظاهر أن حكمه كالبيع في التفصيل المارّ فيه. قوله: (كذا النكاح) أي فالثاني باطل، فلا يلزمه المهر المسمى فيه إلا إذا جدده للزيادة في المهر كما في القنية. بحر. قلت: لكن قدمنا في أوائل باب المهر عن البزازية أن عدم اللزوم إذا جدد العقد للاحتياط، وقدمنا أيضاً عن الكافي لو لزوجها في السرّ بألف ثم في العلانية بألفين ٢٢ كتاب البيوع مِنْهَا الشِّرَا بَعْدَ الشِّرَاءِ صَخَّحُوا كَذَا كَفَالَةٌ عَلَى مَا صَرَّحُوا ظاهر المنصوص في الأصل أنه يلزمه عنده الألفان ويكون زيادة في المهر؛ وعند أبي يوسف: المهر هو الأول، إذ العقد الثاني لغو فيلغو ما فيه؛ وعند الإمام أن الثاني وإن لغا لا يلغو ما فيه من الزيادة اهـ. وذكر في الفتح هناك أن هذا إذا لم يشهد على أن الثاني هزل، وإلا فلا خلاف في اعتبار الأول، ثم ذكر أن بعضهم اعتبر ما في العقد الثاني فقط، وبعضهم أوجب كلا المهرين، وأن قاضيخان أفتى بأنه لا يجب بالعقد الثاني شيء ما لم يقصد به الزيادة في المهر، ثم وفق بينه وبين إطلاق الجمهور اللزوم يحمل كلامه على أنه لا يلزمه ديانة في نفس الأمر إلا بقصد الزيادة، بل يلزمه قضاء، لأنه يؤاخذ بظاهر لفظه إلا أن يشهد على الهزل اهـ. والحاصل: اعتماد قول الإمام الذي هو ظاهر المنصوص من لزوم الزيادة، وحينئذ فمعنى كون الثاني لغواً أنه لا ينفسخ الأول به. قوله: (ما عدا مسائلًا) استثناء من قوله: ((فأبطل الثاني)). قوله: (منها الشرا بعد الشراء) بقصر الشرا الأول للنظم. قال في الأشباه: أطلقه في جامع الفصولين، وقيده في القنية بأن يكون الثاني أكثر ثمناً من الأول أو أقل أو بجنس آخر، وإلا فلا يصح اهـ. قلت: فعلى ما في القنية لا فرق بين الشراء والبيع، ولذا أطلق العقد في البحر حيث قال: وإذا تعدد الإيجاب والقبول انعقد الثاني وانفسخ الأول إن كان الثاني بأزيد من الأول أو أنقص، وإن كان مثله لم ينفسخ الأول. واختلفوا فيما إذا كان الثاني فاسداً هل يتضمن فسخ الأول اهـ. قال في النهر: ومقتضى النظر أن الأول لا ينفسخ اهـ. لكن جزم في جامع الفصولين والبزازية بأنه ينفسخ؛ وكذا قال في الذخيرة: إن الثاني وإن كان فاسداً فإنه يتضمن فسخ الأول، كما لو اشترى قلب فضة وزنه عشرة بعشرة وتقابضا ثم اشتراه منه بتسعة. وعلله البزازي بأن الفاسد ملحق بالصحيح(١) في كثير من الأحكام اهـ. رملي ملخصاً. قوله: (كذا كفالة) قال في الخانية: الكفيل بالنفس إذا أعطى الطالب كفيلاً بنفسه فمات الأصيل برىء الكفيلان، وكذا لو مات الكفيل الأول برىء الكفيل الثاني، كذا ذكره بعض الأفاضل. قال: وأشار بجواز تعددها إلى أن المكفول له لو أخذ من الأصيل كفيلاً آخر بعد الأول لم يبرأ الأول. كذا في حاشية السيد أبي السعود على الأشباه. تنبيه: زاد في الأشباه أن الإجارة بعد الإجارة من المستأجر الأول فسخ للأولى كما في البزازية. وقال البحر: وينبغي أن المدة إذا اتحدت فيهما واتحد الأجران لا تصح (١) في ط (قوله ملحق بالصحيح الخ) أي فيعمل عمله. فكما أن الصحيح يبطل العقد الأول كذلك ما أُلحق به وهو الفاسد. ٢٣ كتاب البيوع إذ المُرَادُ صَاحِ فِي المُحَفِّقِ مِنْهَا إِذَا زِيَادَةُ التَّوَثْقِ (وهما عبارة عن كل لفظين ينبئان(١) عن معنى التملك والتمليك ماضيين) الثانية كالبيع. قوله: (إذ المراد الخ) تعليل لعدم بطلان الكفالة الثانية بأن المراد منها في الحقيقة ((إذا)) أي حين كررت إنما هو زيادة التوثق بأخذ كفيل آخر، حتى يتمكن من مطالبة أيهما أراد. قوله: (وهما عبارة الخ) أي الإيجاب والقبول معبر بهما عن كل لفظين الخ. قال الزيلعي: وينعقد بكل لفظ ينبني عن التحقيق(٢) كبعت واشتريت ورضيت أو أعطيتك أو خذه بكذا اهـ. أو كل هذا الطعام بدرهم لي عليك فأكله ونحو ذلك من الأفعال كما قدمناه عن الفتح قبل ورقتين، وينعقد ببيع معلق بفعل قلب كإن أردت فقال أردت أو إن أعجبك أو وافقك فقال أعجبني أو وافقني؛ وأما إن أديت إلى الثمن فقد بعتك، فإن أدى في المجلس صح ويصح الإيجاب بلفظ الهبة وأشركتك فيه وأدخلتك فيه، وينعقد بلفظ الرد. بحر عن التاترخانية. قلت: وعبارتها: ولو قال أرد عليك هذه الأمة بخمسين ديناراً وقبل الآخر ثبت البيع اهـ. وفي البحر: ويصح الإيجاب بلفظ الجعل كقوله: جعلت لك هذا بألف، وتماسه قيه . قلت: وفي عرقنا يسمى بيع الثمار على الأشجار ضماناً، فإذا قال ضمنتك هذه الثمار بكذا وقبل الآخر ينبغي أن يصح، وكذا تعارفوا في بيع أحد الشريكين في الدواب لشريكه الآخر لفظ المقاصرة، فيقول قاصرتك بكذا ومراده بعتك حصتي من هذه الدابة بكذا، فإذا قيل الآخر صح لأنها من ألفاظ التمليك عرفاً. تنبيه: ظاهر قوله عن لفظين(٣) أنه لا ينعقد بالإشارة بالرأس، ويدل عليه ما، في الحاوي الزاهدي في فصل البيع الموقوف: فضولي باع مال غيره فبلغه فسكت متأملاً فقال ثالث هل أدنت لي في الإجازة؟ فقال نعم فأجازه ينفذ، ولو حرك رأسه بنعم فلا، لأن تحريك الرأس في حق الناطق لا يعتبراهـ. لكن قد يقال(٤) إذا قال له بعني كذا بكذا (١) في ط (قول المصنف عن كل لفظين ينبئان الخ) قال في البحر: لو قال بعني هذا بكذا فقال طابت نفسي لا ينعقد. ولعله لم يوجد فيه الإنباء. (٢) في ط (قوله وينعقد بكل لفظ ينبىء عن التحقيق أي فالبيع لا يختص بلفظ وإنما يثبت الحكم إذا وجد معنى التمليك والتملك، بخلاف الطلاق والعتاق فإنه لا يعتبر المعنى فيهما، وإنما تعتبر الألفاظ الموضوعة لهما صريحاً أو كناية، ولا يشترط: أي في البيع أن يشتمل القبول على الخطاب بعدما صدر الإيجاب بالخطاب فلو قال بعد قوله بعتك بكذا اشتريت ولم يقل منك صح. بحر عن الفتح أي يكفي وجود الخطاب في الإيجاب. (٣) في ط (قوله عن لفظين) هكذا بخطه، والذي في نسخ الشارح ((عن كل لفظين)). (٤) في ط (قوله لكن قد يقال الخ) فيه أن المعتبر إنما هو التسليم، ولها مدخل لتحريك الرأس فيه، ولذا لو لم يحصل التسليم لا يتم البيع كما ذكره بعد فلا يصلح للاستدراك. ٢٤ كتاب البيوع كبعت واشتريت (أو حالين) كمضارعين لم يقرنا بسوف والسين كأبيعك فيقول أشتريه، أو أحدهما ماض والآخر حال (و) لكن (لا يحتاج الأول إلى نية بخلاف الثاني) فإن نوى به الإيجاب للحال صح على الأصح، وإلا لا، إلا إذا استعملوه للحال كأهل خوارزم فكالماضي وكأبيعك الآن لمتمحضه للحال، وأما المتمحض للاستقبال فكالأمر لا يصح أصلاً، إلا الأمر إذا دل على الحال كخذه بكذا فقال أخذت أو رضيت صح بطريق الاقتضاء، فليحفظ (ويصح إضافته إلى عضو يصح إضافة العتق إليه) كوجه وفرج (وإلا لا) كظهر وبطن فأشار برأسه نعم، فقال الآخر اشتريت وحصل التسليم بالتراضي يكون بيعاً بالتعاطي، بخلاف ما إذا لم يحصل التسليم من أحد الجانبين على ما يأتي من بيع التعاطي أنه لا بد من وجوده ولو من أحدهما، هذا ما ظهر لي. وفي الأشباه من أحكام الإشارة: وإن لم يكن معتقل اللسان لم تعتبر إشارته إلا في أربع: الكفر، والإسلام، والنسب، والإفتاء الخ. قوله: (أو حالين) بتخفيف اللام. قوله: (لا يحتاج الأول) وهو الصادر بلفظين ماضيين. ط عن المنح. وكذا الماضي فيما لو كانا مختلفين. قوله: (بخلاف الثاني) فإنه يحتاج إليها وإن كان حقيقة للحال عندنا على الأصح(١) لغلبة استعماله في الاستقبال حقيقة أو مجازاً. بحر عن البدائع. قوله: (وإلا لا) صادق بما إذا نوى الاستقبال أو لم ينو شيئاً ط. قوله: (للحال) أي ولا يستعملونه للوعد والاستقبال ط. قوله: (فكالماضي) فلا يحتاج إلى النية. بحر ط. قوله: (وكأبيعك الآن) عطف على المستثنى اهـح. وهذا أولى بالحكم لأنه إذا علمت نية الحال فالتصريح به أولى ط. قوله: (وأما المتمحض للاستقبال) كالمقرون بالسين وسوف ط. قوله: (فكالأمر) بأن قال المشتري بعني هذا الثوب بكذا فيقول بعت، أو يقول البائع اشتره مني بكذا فيقول اشتريته. قوله: (لا يصح أصلا) أي سواء نوى بذلك الحال أو لا، لكون الأمر متمحضاً للاستقبال، وكذا المضارع المقرون بالسين أو سوف. قوله: (كخذه بكذا الخ) قال في الفتح: فإنه وإن كان مستقبلاً لكن خصوص مادته: أعني الأمر بالأخذ يستدعي سابقة البيع، فكان كالماضي، إلا أن استدعاء الماضي سبق البيع بحسب الوضع واستدعاء خذ سبقه بطريق الاقتضاء فهو كما إذا قال بعتك عبدي هذا بألف فقال فهو حر عتق، ويثبت باشتريت اقتضاء، بخلاف ما لو قال هو حر بلا فاء لا يعتق. قوله: (كوجه وفرج) بأن قال بعتك وجه هذا العبد أو فرج هذه الأمة، لأنه مما يعبر به عن الكل. (١) في ط (قوله على الأصح الخ) مقابله ما في المحيط وشرح القدوري والتحرير أنه لا يصح الحال. ٢٥ كتاب البيوع (و) كل ما دل على معنى بعت واشتريت نحو (قد فعلت ونعم وهات الثمن) وهو لك أو عبدك أو فداك أو خذه (قبول) لكن في الولوالجية: إن بدأ البائع فقبل المشتري بنعم لم ينعقد، لأنه ليس بتحقيق(١)، وبعكسه صح لأنه جواب. وفي القنية نعم بعد الاستفهام، كهل بعت مني بكذا بيع إن نقد الثمن (٢) لأن النقد دليل التحقيق، ولو قال بعته فبلغه يا فلان فبلغه غيره جاز، فليحفظ قوله: (وكل ما دل الخ) تفصيل لقوله وهما عبارتان (٣) عن كل لفظين الخ. قوله: (قبول) خبر قوله: ((وكل)) وظاهره أنه قبول سواء كان من البائع أو المشتري، وأنه لا يكون إيجاباً مع أنه يكون من البائع فقط كما نبه عليه بقوله، لكن في الولوالجية: ويكون إيجاباً أيضاً. قال في البحر: لو قال أتبيعني عبدك هذا بألف فقال نعم فقال أخذته فهو بيع لازم، فوقعت كلمة نعم إيجاباً، وكذا نقع قبولاً فيما لو قال اشتريت منك هذا بألف فقال نعم اهـ. ونحوه في الفتح. قوله: (لكن في الولوالجية الخ) ومثله ما في التاتر خانية بعت منك هذا بألف فقال المشتري قد فعلت، فهذا بيع، ولو قال نعم لا يكون بيعاً. وذكر في فتاوى سمرقندي أن من قال لغيره اشتريت عبدك هذا بألف درهم فقال البائع قد فعلت، أو قال نعم، أو قال هات الثمن صح البيع وهو الأصح اهـ. فهذا أيضاً صريح في أنه لا يكون قبولاً من المشتري. قوله: (لأنه ليس بتحقيق) لأن قول المشتري نعم تصديق لقول البائع بعتك، ولا يتحقق البيع بمجرد قوله بعتك، بخلاف قول البائع نعم بعد قول المشتري اشتريت، لأنه جواب له فكأنه قال نعم اشتريت مني، والشراء يتوقف على سبق البيع، هذا ما ظهر لي فتأمله. قوله: (وفي القنية الخ) استدراك أيضاً على المتن بأنه يكون إيجاباً أيضاً كما نبهنا عليه، وعبارتها كما في البحر: كهل بعت مني بكذا أو هل اشتريت مني بكذا الخ، وظاهره أن نقد الثمن قائم مقام القبول، لأن نعم بعد الاستفهام إيجاب فقط، فكان النقد بمنزلة قوله: أخذته أو رضيت، ولا يشترط في القبول أن يكون قولاً كما نقلناه سابقاً عن الفتح. قوله: (ولو قال بعته الخ) المناسب ذكر هذا الفرع عقب قوله الآتي: ((إلا إذا كان بكتابة أو رسالة)) ووجه الجواز ما نقل عن المحيط أنه حين قال بلغه فقد أظهر من نفسه الرضا بالتبليغ، فكل (١) في ط (قول الشارح ليس بتحقيق الخ) ألا ترى إذا قال لامرأته اختاري نفسك فقالت قد فعلت كان هذا اختياراً. ولو قالت نعم لا. (٢) في ط (قول الشارح إن نقد الثمن) يفهم من هذا أنه إذا قبل المشتري بنعم كما في مسألة الولوالجية ونقد الثمن ينعقد، بل هو أولى لعدم الاستفهام فيه. (٣) في ط (قوله وهما عبارتان الخ) هكذا بخطه بالتثنية، والذي تقدم وهما عبارة بالإفراد. ٢٦ كتاب البيوع (ولا يتوقف شطر العقد فيه) أي البيع (على قبول غائب) فلو قال بعت فلاناً الغائب فبلغه فقبل لم ينعقد (اتفاقاً) إلا إذا كان بكتابة أو رسالة فيعتبر مجلس بلوغها (كما) لا يتوقف (في النكاح على الأظهر) خلافاً للثاني، من بلغه كان التبليغ برضاه، فإن قبل صح البيع. قوله: (ولا يتوقف) أي بل يبطل ح. قوله: (شطر العقد) المراد به(١) الإيجاب الصادر أو لا. قوله: (فيه) أي البيع احتراز عن الخلع والعتق كما يأتي. قوله: (فبلغه) أي من غير أن يأمر أحداً بتبليغه كما في الخلاصة، أما لو أمر أحداً به فبلغه وقبل يصح، ولو كان المبلغ غير المأمور كما مر آنفاً. قوله: (إلا إذا كان بكتابة أو رسالة) صورة الكتابة أن يكتب: أما بعد، فقد بعت عبدي فلاناً منك بكذا، فلما بلغه الكتاب قال في مجلسه ذلك اشتريت تم البيع بينهما. وصورة الإرسال: أن يرسل رسولاً فيقول البائع بعت هذا من فلان الغائب بألف درهم فاذهب يا فلان وقل له، فذهب الرسول فأخبره بما قال فقبل المشتري في مجلسه ذلك. وفي النهاية: وكذا هذا في الإجارة والهبة والكتابة. بحر. قلت: ويكون بالكتابة من الجانبين، فإذا كتب اشتريت عبدك فلاناً بكذا فكتب إليه البائع قد بعت فهذا بيع كما في التاترخانية. قوله: (فيعتبر مجلس بلوغها) أي بلوغ الرسالة أو الكتابة. قال في الهداية: والكتابة كالخطاب، وكذا الإرسال حتى اعتبر مجلس بلوغ الكتابة وأداء الرسالة اهـ. وفي غاية البيان: وقال شمس الأئمة السرخسي في كتاب النكاح من مبسوطه: كما ينعقد النكاح بالكتابة ينعقد البيع وسائر التصرفات بالكتابة أيضاً. وذكر شيخ الإسلام خواهر زاده في مبسوطه: الكتاب والخطاب سواء إلا في فصل واحد، وهو أنه لو كان حاضراً فخاطبها بالنكاح فلم تجب في مجلس الخطاب ثم أجابت في مجلس آخر، فإن النكاح لا يصح. وفي الكتاب إذا بلغها وقرأت الكتاب ولم تزوج نفسها منه في المجلس الذي قرأت الكتاب فيه ثم زوجت نفسها في مجلس آخر بين يدي الشهود وقد سمعوا كلامها وما في الكتاب يصح النكاح، لأن الغائب إنما صار خاطباً لها بالكتاب، والكتاب باق في المجلس الثاني فصار بقاء الكتاب في مجلسه وقد سمع الشهود ما فيه في المجلس الثاني بمنزلة ما لو تكرّر الخطاب من الحاضر في مجلس آخر، فأما إذا كان حاضراً فإنما صار خاطباً لها بالكلام، وما وجد من الكلام لا يبقى إلى المجلس الثاني، وإنما سمع الشهود في المجلس الثاني أحد شطري العقد اهـ. وحاصله: أن قوله تزوجتك بكذا إذا لم يوجد قبول يكون مجرد خطبة منه لها، فإذا (١) في ط (قوله المراد به الخ) لأنه هو الذي يوصف بكونه يتوقف أو لا، لا القبول لوقوعه متمماً للعقد. ٢٧ كتاب البيوع فله الرجوع لأنه عقد معاوضة، بخلاف الخلع والعتق على مال حيث يتوقف اتفاقاً فلا رجوع لأنه يمين نهاية (وأما الفعل فالتعاطي) وهو التناول. قاموس (في خسیس ونفيس) خلافاً للكرخي قبلت في مجلس آخر لا يصح، بخلاف ما لو كتب ذلك إليها لأنها لما قرأت الكتاب ثانياً وفيه قوله تزوجتك بكذا وقبلت عند الشهود صح العقد، كما لو خاطبها به ثانياً. وظاهره أن البيع كذلك، وهو خلاف ظاهر الهداية، فتأمل. ثم لا يخفى أن قراءة الكتاب صارت بمنزلة الإيجاب من الكاتب، فإذا قبل المكتوب إليه في المجلس فقد صدر الإيجاب والقبول في مجلس واحد، فلا حاجة إلى قوله إلا إذا كان بكتابة أو رسالة؛ نعم بالنظر إلى مجلس الكتابة يصح، فإنه لما كتب بعتك لم يلغ بل توقف على القبول، وإن كان ذلك القبول متوقفاً على قراءة الكتاب، فافهم. قوله: (فله الرجوع) ليس المراد أن الموجب له الرجوع في هذه الصورة، فإن الإيجاب إذا كان باطلاً فلا معنى للرجوع عنه، بل المراد أن الموجب له الرجوع قبل قبول الحاضر. قال في المنح: ثم في كل موضع لا يتوقف شطر العقد، فإنه يجوز من العاقد الرجوع عنه، ولا يجوز تعليقه بالشرط لأنه عقد معاوضة، وفي كل موضع يتوقف كالخلع والعتق على مال لا يصح الرجوع، ويصح التعليق بالشرط لكونه يميناً من جانب الزوج والمولى معاوضة من جانب الزوجة والعبد اهـ ح. قوله: (لأنه يمين) أي من جانب الزوج والمولى، وذلك أن اليمين بغير الله تعالى ذكر الشرط والجزاء والخلع والعتق تعليق الطلاق والعتق بقبول المرأة والعبد، وهما من جانب المرأة والعبد معاوضة، فحيث كان يميناً من جانب الزوج والمولى امتنع الرجوع، وتمامه في العزمية. قوله: (وأما الفعل) عطف على قوله أما القول. قوله: (وهو التناول قاموس) قال في البحر: وهكذا في الصحاح والمصباح، وهو إنما يقتضي الإعطاء من جانب والأخذ من جانب لا الإعطاء من الجانبين كما فهم الطرسوسي: أي حيث قال: إن حقيقة التعاطي وضع الثمن، وأخذ المثمن عن تراض منهما من غير لفظ، وهو يفيد أنه لا بد من الإعطاء من الجانبين لأنه من المعاطاة وهي مفاعلة اهـ. قلت: وقوله من غير لفظ يفيد ما قدمناه عن الفتح من أنه لو قال بعتكه بألف فقبضه المشتري ولم يقل شيئاً كان قبضه قبولاً وليس من بيع التعاطي، خلافاً لمن جعله منه، فإن التعاطي ليس فيه إيجاب بل قبض بعد معرفة الثمن. قوله: (في خسيس ونفيس) النفيس ما كثر ثمنه كالعبد، والخسيس ما قل ثمنه كالخبز. ومنهم من حدّ النفيس بنصاب السرقة فأكثر، والخسيس بما دونه، والإطلاق هو المعتمد. ط عن البحر. قلت: ليس في البحر قوله: والإطلاق هو المعتمد. نعم ذكره في شمول التعاطي للخسيس والنفيس، فقال: وهو الصحيح المعتمد. قوله: (خلافاً للكرخي) فإنه قال: لا ٢٨ كتاب البيوع (ولو) التعاطي (من أحد الجانبين على الأصح) فتح، وبه يفتى فيض (إذا لم يصرح معه) مع التعاطي (بعدم الرضا) فلو دفع الدراهم وأخذ البطاطيخ والبائع يقول لا أعطيها بها لم ينعقد كما لو كان بعد عقد فاسد خلاصة وبزازية وصرح في البحر بأن الإيجاب والقبول بعد عقد فاسد لا ينعقد بهما البيع قبل متاركة الفاسد ينعقد إلا في الخسيس. ط عن القهستاني. وما في الحاوي القدسي من أن هذا هو المشهور فهو خلاف المشهور كما في البحر. قوله: (ولو التعاطي من أحد الجانبين) صورته أن يتفقا على الثمن ثم يأخذ المشتري المتاع، ويذهب برضا صاحبه من غير دفع الثمن، أو يدفع المشتري الثمن للبائع ثم يذهب من غير تسليم المبيع، فإن البيع لازم على الصحيح، حتى لو امتنع أحدهما بعده أجبره القاضي، وهذا فيما ثمنه غير معلوم. أما الخبز واللحم، فلا يحتاج فيه إلى بيان الثمن. ذكره في البحر. والمراد في صورة دفع الثمن فقط أن المبيع موجود معلوم، لكن المشتري دفع ثمنه ولم يقبضه ط. وفي القنية: دفع إلى بائع الحنطة خمسة دنانير ليأخذ منه حنطة وقال له بكم تبيعها؟ فقال مائة بدينار فسكت المشتري، ثم طلب منه الحنطة ليأخذها فقال البائع غداً أدفع لك ولم يجر بينهما بيع، وذهب المشتري فجاء غداً ليأخذ الحنطة وقد تغير السعر، فعلى البائع أن يدفعها بالسعر الأول. قال رضي الله عنه: وفي هذه الواقعة أربع مسائل: إحداها الانعقاد بالتعاطي: الثانية: الانعقاد في الخسيس والنفيس، وهو الصحيح. الثالثة: الانعقاد به من جانب واحد. الرابعة: كما ينعقد بإعطاء المبيع ينعقد بإعطاء الثمن اهـ. قلت: وفيها مسألة خامسة: أنه ينعقد به ولو تأخرت معرفة المثمن لكون دفع الثمن قبل معرفته. بحر. قوله: (لم ينعقد) أي وإن كان يعلم عادة السوقة أن البائع إذا لم يرض برد الثمن أو يسترد المتاع وإلا يكون راضياً به، ويصح خلفه لا أعطيها تطييباً لقلب المشتري فإنه مع هذا لا يصح البيع. قنية. مَطْلَبٌ: البيعُ بِالتعَاطِي قوله: (كما لو كان) أي البيع بالتعاطي بعد عقد فاسد، وعبارة الخلاصة: اشترى رجل من وسائدي وسائد ووجوه الطنافس، وهي غير منسوجة بعد ولم يضربا له أجلاً لم يجز، فلو نسج الوسائد ووجوه الطنافس وسلم إلى المشتري لا يصير هذا بيعاً بالتعاطي لأنهما يسلمان بحكم ذلك البيع السابق وأنه وقع باطلًا اهـ. وعبارة البزازية: والتعاطي إنما يكون بيعاً إذا لم يكن بناء على بيع فاسد أو باطل سابق، أما إذا كان بناء عليه فلا اهـ. قوله: (لا ينعقد بهما البيع قبل متاركة الفاسد) يتفرع عليه ما في الخانية: لو اشترى ثوباً شراء فاسداً ثم لقيه غداً فقال قد بعتني ثوبك هذا بألف درهم فقال بلى ٢٩ كتاب البيوع ففي بيع التعاطي(١) بالأولى، وعليه فيحمل ما في الخلاصة وغيرها على ذلك، وتمامه في الأشباه من الفوائد فقال قد أخذته فهو باطل، وهذا على ما كان قبله من البيع الفاسد، فإن كانا تتاركا البيع الفاسد فهو جائز اليوم اهـ. قلت: لكن في النهاية والفتح وغيرهما عند قول الهداية: ومن باع صبرة طعام كل قفيز بدرهم الخ: البيع بالرقم فاسد، لأن فيه زيادة جهالة تمكنت في صلب العقد وهي جهالة الثمن برقم لا يعلمه المشتري فصار بمنزلة القمار. وعن هذا قال شمس الأئمة الحلواني: وإن علم بالرقم في المجلس لا ينقلب ذلك العقد جائزاً. ولكن إن كان البائع دائماً على الرضا فرضي به المشتري ينعقد بينهما عقد بالتراضي اهـ. وعبر في الفتح بالتعاطي، والمراد واحد، وسيأتي أيضاً في باب البيع الفاسد أن بيع الآبق لا يصح، وأنه لو باعه ثم عاد وسلمه يتم البيع في رواية، وظاهر الرواية أنه لا يتم. قال في البحر هناك: وأولوا الرواية الأولى بأنه ينعقد بيعاً بالتعاطي اهـ. وظاهر هذا عدم اشتراط متاركة الفاسد، وقد يجاب على بعد بحمل الاشتراط على ما إذا كان التعاطي بعد المجلس أما فيه فلا يشترط كما هنا، والفرق أنه بعد المجلس يتقرّر الفساد من كل وجه فلا بد من المتاركة أما في المجلس، فلا يتقرر من كل وجه فتحصل المتاركة ضمناً. تأمل. ويحتمل وهو الظاهر أن يكون في المسألة قولان، وانظر ما يأتي عند قوله: ((وفسد في الكل في بيع ثلة الخ)) هذا، وما ذكره عن الحلواني في البيع بالرقم جزم بخلافه في الهندية آخر باب المرابحة، وذكر أن العلم في المجلس يجعل كابتداء العقد، ويصير كتأخير القبول إلى آخر المجلس، وبه جزم في الفتح هناك أيضاً. قوله: (ففي بيع التعاطي بالأولى الخ) مأخوذ عن البحر حيث قال: ففي بيع التعاطي بالأولى، وهو صريح الخلاصة. والبزازية: إن التعاطي بعد عقد فاسد أو باطل لا ينعقد به البيع، لأنه بناء على السابق وهو محمول على ما ذكرناه اهـ. وقوله على ما ذكرناه: أي من أن عدم الانعقاد قبل متاركة الأول وهو معنى قول الشارح، فيحمل ما في الخلاصة وغيرها على ذلك، ومراده بما في الخلاصة ما قدمه من قوله كما لو كان بعد عقد فاسد، ونقلنا عبارتها وعبارة البزازية، وليس فيها التقييد بما قبل متاركة الأول، فقيده الشارح به تبعاً للبحر لئلا يخالف كلام غيرها، فافهم. قوله: (وتمامه في الأشباه من الفوائد) أي في آخر الفن الثالث، وليس فيه زيادة على أصل المسألة، فلعله أراد ما كتب (١) في ط (قول الشارح ففي بيع التعاطي الخ) أي فعدم انعقاد بيع التعاطي بعد الفاسد قبل المتاركة بالأولى، لأن بعض المجتهدين يمنع بيع التعاطي، ونصوا على أن من شهد بيع التعاطي لا يسعه أن يشهد أنه باع، بل يشهد التعاطي. ٣٠ كتاب البيوع إذا بطل المتضمن بطل المتضمن، والمبني على الفاسد فاسد (وقيل لا بد) في التعاطي (من الإعطاء من الجانبين وعليه الأكثر) قاله الطرسوسي، واختاره البزازي، وأفتى به الحلواني، واكتفى الكرماني بتسليم البيع مع بيان الثمن، فتحرر ثلاثة أقوال، وقد علمت المفتى به، وحررنا في شرح الملتقى صحة الإقالة والإجارة والصرف بالتعاطي، فليحفظ. فروع: ما يستجره الإنسان من البياع إذا حاسبه على أثمانها بعد استهلاكها جاز استحساناً. على الأشباه في ذلك الموضع أو ما أشبه هذه المسألة مما تفرع على الأصل المذكور. قوله: (إذا بطل المتضمن) بالكسر بطل المتضمن بالفتح، فإنه لما بطل البيع الأول بطل ما تضمنه من القبض إذا كان قبل المتاركة. قال ح: وهو بدل من الفوائد بدل بعض من كل اهـ ط. وفي هذه القاعدة بحث سنذكره عند الكلام على بيع الثمرة البارزة. قوله :. (فتحرر ثلاثة أقوال) هذا الاختلاف نشأ من كلام الإمام محمد، فإنه ذكر بيع التعاطي في مواضع، فصوره في موضع بالإعطاء من الجانبين، ففهم منه البعض أنه شرط وصوره في موضع بالإعطاء من أحدهما، ففهم البعض أنه يكتفي به، وصوره في موضع بتسليم المبيع، ففهم البعض أن تسليم الثمن لا يكفي. بحر عن الذخيرة ط. قوله: (وحررنا في شرح الملتقى الخ) عبارته عن البزازية: الإقالة تنعقد بالتعاطي أيضاً من أحد الجانبين على الصحيح اهـ. وكذا الإجارة كما في العمادية، وكذا الصرف كما في النهر مستدلاً عليه بما في التاترخانية: اشترى عبداً بألف درهم على أن المشتري بالخيار، فأعطاه مائة دينار ثم فسخ البيع، فعلى قول الإمام: الصرف جائز ويرد الدراهم، وعلى قول أبي يوسف: الصرف باطل، وهي فائدة حسنة لم أر من نبه عليها اهـ. تتمة: طالب مديونه فبعث إليه شعيراً قدراً معلوماً وقال خذه بسعر البلد والسعر لهما معلوم كان بيعاً، وإن لم يعلماه فلا. ومن بيع التعاطي تسليم المشتري ما اشتراه إلى من يطلبه بالشفعة في موضع لا شفعة فيه، وكذا تسليم الوكيل بالشراء إلى الموكل بعد ما أنكر التوكيل. ومنه حكماً ما إذا جاء المودع بأمة غير المودعة، وحلف حل للمودع وطؤها وكان بيعاً بالتعاطي. وعن أبي يوسف: لو قال للخياط ليست هذه بطانتي فحلف الخياط أنها هي وسعه أخذها، وينبغي تقييده بما إذا كانت العين للدافع ومنه لو ردها بخیار عیب والبائع متیقن أنها ليست له فأخذها ورضي بها كما في الفتح، وعلى هذا فلا بد من الرضا في جارية الوديعة والبطانة، وتمامه في البحر. قوله: (ما يستجره الإنسان الخ) ذكر في البحر أن من شرائط المعقود عليه أن يكون موجوداً، فلم ينعقد بيع المعدوم. ثم قال: ومما تسامحوا فيه وأخرجوه عن هذه القاعدة ما في القنية: ٠٦٠ ٣١ كتاب البيوع الأشياء التي تؤخذ من البياع على وجه الخرج كما هو العادة من غير بيع كالعدس والملح والزيت ونحوها ثم اشتراها بعدما انعدمت صح اهـ. فيجوز بيع المعدوم هنا اهـ. وقال بعض الفضلاء: ليس هذا بيع معدوم، إنما هو من باب ضمان المتلفات بإذن مالكها عرفا تسهيلاً للأمر ودفعاً للحرج كما هو العادة، وفيه أن الضمان بالإذن مما لا يعرف في كلام الفقهاء. حموي. وفيه أيضاً أن ضمان المثليات بالمثل لا بالقيمة، والقيميات بالقيمة لا بالثمن ط. قلت: کل هذا قياس، وقد علمت أن المسألة استحسان ويمكن تخريجها على فرض الأعيان، ويكون ضمانها بالثمن استحساناً، وكذا حل الانتفاع في الأشياء القيمية، لأن قرضها فاسد لا يحل الانتفاع به وإن ملكت بالقبض وخرجها في النهر على كون المأخوذ من العدس ونحوه بيعاً بالتعاطي، وأنه لا يحتاج في مثله إلى بيان الثمن لأنه معلوم اهـ. واعترضه الحموي بأن أثمان هذه تختلف فيفضي إلى المنازعة اهـ. قلت: ما في النهر مبني على أن الثمن معلوم، لكنه على هذا لا يكون من بيع المعدوم، بل كلما أخذ شيئاً انعقد بيعاً بثمنه المعلوم. قال في الولوالجية: دفع دراهم إلى خباز فقال اشتريت منك مائة منّ من خبز وجعل يأخذ كل يوم خمسة أمناء فالبيع فاسد، وما أكل فهو مكروه، لأنه اشترى خبزاً غير مشار إليه، فكان المبيع مجهولًاً. ولو أعطاه الدراهم وجعل يأخذ منه كل يوم خمسة أمناء ولم يقل في الابتداء اشتريت منك يجوز، وهذا حلال، وإن كان نيته وقت الدفع الشراء، لأنه بمجرد النية لا ينعقد البيع، وإنما ينعقد البيع الآن بالتعاطي والآن المبيع معلوم فينعقد البيع صحيحاً اهـ. قلت: ووجهه أن ثمن الخبز معلوم، فإذا انعقد بيعاً بالتعاطي وقت الأخذ مع دفع الثمن قبله، فكذا إذا تأخر دفع الثمن بالأولى، وهذا ظاهر فيما كان ثمنه معلوماً وقت الأخذ مثل الخبز واللحم: أما إذا كان ثمنه مجهولً فإنه وقت الأخذ لا ينعقد بيعاً بالتعاطي لجهالة الثمن، فإذا تصرف فيه الآخذ وقد دفعه البياع برضاه بالدفع وبالتصرف فيه على وجه التعويض عنه لم ينعقد بيعاً، وإن كان على نية البيع لما علمت من أن البيع لا ينعقد بالنية، فيكون شبيه القرض المضمون بمثله أو بقيمته، فإذا توافقا على شيء بدل المثل أو القيمة برئت ذمة الآخذ، لكن يبقى الإشكال في جواز التصرف فيه إذا كان قيمياً، فإن قرض القيمي لا يصح فيكون تصحيحه هنا استحساناً كقرض الخبز والخميرة ويمكن تخريجه على الهبة بشرط العوض، أو على المقبوض على سوم الشراء. ثم رأيته في الأشباه في القول في ثمن المثل حيث قال: ومنها لو أخذ من الأرز والعدس وما أشبهه، وقد كان دفع إليه ديناراً مثلًا لينفق عليه ثم اختصما بعد ذلك ٣٢ كتاب البيوع بيع البراءات التي يكتبها الديوان على العمال لا يصح بخلاف بيع حظوظ الأئمة لأن مال الوقف قائم ثمة، ولا كذلك هنا. أشباه وقنة. ومفاده: أنه يجوز للمستحق بيع خبزه قبل قبضه من المشرف، بخلاف الجندي. بحر. وتعقبه في النهر. في قيمته هل تعتبر قيمته يوم الأخذ أو يوم الخصومة؟ قال في التتمة: تعتبر يوم الأخذ، قيل له لو لم يكن دفع إليه شيئاً بل كان يأخذ منه على أن يدفع إليه ثمن ما يجتمع عنده. قال: يعتبر وقت الأخذ لأنه سوم حين ذكر الثمن اهـ. قوله: (بيع البراءات) جمع براءة، وهي الأوراق التي يكتبها كتاب الديوان على العاملين على البلاد بحظ كعطاء أو على الأكارين بقدر ما عليهم، وسميت براءة لأنه يبرأ بدفع ما فيها ط. قوله: (بخلاف بيع حظوظ الأئمة) بالحاء المهملة والظاء المشالة جمع حظ، بمعنى: النصيب المرتب له من الوقف: أي فإنه يجوز بيعه، وهذا مخالف لما في الصيرفية فإن مؤلفها سئل عن بيع الحظ فأجاب: لا يجوز. ط عن حاشية الأشباه. قلت: وعبارة الصيرفية هكذا: سئل عن بيع الخط قال لا يجوز، لأنه لا يخلو إما إن باع ما فيه أو عين الخط. لا وجه للأول لأنه بيع ما ليس عنده، ولا وجه للثاني لأن هذا القدر من الكاغد ليس متقوماً، بخلاف البراءة، لأن هذه الكاغدة متقومة اهـ. قلت: ومقتضاه أن الخط بالخاء المعجمة والطاء المهملة، وهذا لا يخالف ما ذكره الشارح، لأن المراد بحظوظ الأئمة ما كان قائماً في يد المتولي من نحو خبز أو حنطة قد استحقه الإمام، وكلام الصيرفية فيما ليس بموجود. قوله: (ثمة) أي هناك: أي في مسألة بيع حظوظ الأئمة، وأشار إليها بالبعيد لأن الكلام كان في بيع البراءات، ولذا أشار إليها بلفظ هنا. قوله: (من المشرف) أي المباشر الذي يتولى قبض الخبز. قوله: (بخلاف الجندي) أي إذا باع الشعير المعين لعلف دابته من حاشية السيد أبي السعود. مَطْلَبٌ فِي بَيْعِ الاسْتِخْرَارِ قوله: (وتعقبه في النهر) أي تعقب ما ذكر من مسألة بيع الاستجرار وما بعده، حيث قال: أقول الظاهر أن ما في القنية ضعيف، لاتفاق كلمتهم على أن بيع المعدوم لا يصح، وكذا غير المملوك، وما المانع من أن يكون المأخوذ من العدس ونحوه بيعاً بالتعاطي، ولا يحتاج في مثله إلى بيان الثمن لأنه معلوم كما سيأتي. وحظ الإمام لا يملك قبل القبض، فأنى يصح بيعه، وكن على ذكر مما قاله ابن وهبان في كتاب الشرب ما في القنية: إذا كان مخالفاً للقواعد لا التفات إليه ما لم يعضده نقل من غيره اهـ. وقدمنا الكلام على بيع الاستجرار. وأما بيع حظ الإمام فالوجه ما ذكره من عدم صحة ٣٣ كتاب البيوع وأفتى المصنف ببطلان بيع الجامكية، لما في الأشباه: بيع الدين إنما يجوز من المديون، وفيها وفي الأشباه: لا يجوز الاعتياض عن الحقوق المجردة بيعه. ولا ينافي ذلك أنه لو مات يورث عنه لأنه أجرة استحقها، ولا يلزم من الاستحقاق الملك، كما قالوا في الغنيمة بعد إحرازها بدار الإسلام: فإنها حق تأكد بالإحراز، ولا يحصل الملك فيها للغانمين إلا بعد القسمة، والحق المتأكد يورث كحق الرهن والرد بالعيب، بخلاف الضعيف كالشفعة وخيار الشرط كما في الفتح. وعن هذا بحث في البحر هناك بأنه ينبغي التفصيل في معلوم المستحق بأنه إن مات بعد خروج الغلة وإحراز الناظر لها قبل القسمة يورث نصيبه لتأكد الحق فيه كالغنيمة بعد الإحراز، وإن مات قبل ذلك لا يورث، لكن قدمنا هناك أن معلوم الإمام له شبه الصلة وشبه الأجرة، والأرجح الثاني، وعليه يتحقق الإرث ولو قبل إحراز الناظر. ثم لا يخفى أنها لا تملك قبل قبضها فلا يصح بيعها. مَطْلَبٌ فِي بَيْعِ الجَامِكِيَّةِ قوله: (وأفتى المصنف الخ) تأييد لكلام النهر. وعبارة المصنف في فتاواه: سئل عن بيع الجامكية: وهو أن يكون لرجل جامكية في بيت المال ويحتاج إلى دراهم معجلة قبل أن تخرج الجامكية فيقول له رجل بعتني جامكيتك التي قدرها كذا بكذا أنقص من حقه في الجامكية فيقول له بعتك فهل البيع المذكور صحيح أم لا لكونه بيع الدين بنقد؟ أجاب إذا باع الدين من غير من هو عليه كما ذكر لا يصح. قال مولانا في فوائده: وبيع الدين لا يجوز، ولو باعه من المديون أو وهبه(١) اهـ. قوله: (وفيها) الظاهر أن الضمير للقنية، ويحتمل عوده لفتاوى المصنف المفهومة من أفتى، وأما ضمير ((وفيها)) الآتية فللأشباه اهح. مَطْلَبٌ: لَا يجوزُ الاعْتِيَاضُ عَنِ الْحُقُوقِ المُجَرَّدَةِ قوله: (لا يجوز الاعتياض عن الحقوق المجردة على الملك) قال في البدائع: الحقوق المفردة لا تحتمل التمليك ولا يجوز الصلح عنها. أقول: وكذا لا تضمن بالإتلاف. قال في شرح الزيادات السرخسي: وإتلاف مجرد الحق لا يوجب الضمان، لأن الاعتياض عن مجرد الحق باطل، إلا إذا فوت حقاً مؤكداً، فإنه يلحق بتفويت حقيقة الملك في حق الضمان كحق المرتهن، ولذا لا يضمن بإتلاف شيء من الغنيمة أو وطء جارية منها قبل الإحراز، لأن الفائت مجرد الحق وأنه (١) في ط (قوله ولو باعة من المديون أو وهبه الخ) قال ط: بقي ما إذا باعها من ملتزم عليه ميري للديوان، وقد وجه عليه، والظاهر أن هذا بمنزلة الحوالة، فإن حاصله: أن الإمام أو نائبه وجهه بما له على هذا الشخص، فإذا أخذ منه بقدره لا يقال إنه بيع. ٠٠ ٣٤ كتاب البيوع كحق الشفعة، وعلى هذا لا يجوز الاعتياض عن الوظائف بالأوقاف. وفيها في آخر بحث تعارض العرف مع اللغة، المذهب عدم اعتبار العرف الخاص، لكن غير مضمون وبعد الإحراز بدار الإسلام؛ ولو قبل القسمة يضمن لتفويت حقيقة الملك، ويجب عليه القيمة في قتله عبداً من الغنيمة بعد الإحراز في ثلاث سنين. بيري. وأراد بقوله لتفويت حقيقة الملك: الحق المؤكد، إذ لا تحصل حقيقة الملك إلا بعد القسمة كما مر. قوله: (كحق الشفعة) قال في الأشباه: فلو صالح عنها بمال بطلت ورجع، ولو صالح المخيرة بمال لتختاره بطل ولا شيء لها، ولو صالح إحدى زوجتيه بمال لتترك نوبتها لم يلزم ولا شيء لها، وعلى هذا لا يجوز الاعتياض عن الوظائف في الأوقاف وخرج عنها عن القصاص(١). وملك النكاح وحق الرق فإنه يجوز الاعتیاض عنها كما ذكره الزيلعي في الشفعة، والكفيل بالنفس إذا صالح المكفول له بمال لا يصح ولا يجب، وفي بطلانها روايتان، وفي بيع حق المرور في الطريق روايتان، وكذا بيع الشرب إلا تبعاً اهـ. مَطْلَبٌ فِي الاعْتِيَاضِ عَنِ الْوَظَائِفِ وَالنُّزْوُلِ عَنْهَا قوله: (وعلى هذا لا يجوز الاعتياض عن الوظائف بالأوقاف) من إمامة وخطابة وأذان وفراشة وبوابة، ولا على وجه البيع أيضاً، لأن بيع الحق لا يجوز كما في شرح الأدب وغيره. وفي الذخيرة: أن أخذ الدار بالشفعة أمر عرف، بخلاف القياس فلا يظهر ثبوته في حق جواز الاعتياض عنه اهـ. أقول: والحق في الوظيفة مثله والحكم واحد. بيري. قوله: (المذهب عدم اعتبار العرف الخاص) قال في المستصفى: التعامل (٢) العام: أي الشائع المستفيض، والعرف المشترك لا يصح الرجوع إليه مع التردد اهـ. وفي محل آخر منه. ولا يصلح مقيداً، لأنه لما كان مشتركاً كان متعارضاً اهـ. بيري. وفي الأشباه عن البزازية: وكذا أي تفسد الإجارة لو دفع إلى حائك غزلاً علي أن ينسجه بالثلث ومشايخ بلخ وخوارزم أفتوا بجواز إجارة الحائك للعرف، وبه أفتى أبو علي النسفي أيضاً، والفتوى على جواب الكتاب، لأنه منصوص عليه فيلزم إيطال النص اهـ. فأفاد أن عدم اعتباره بمعنى أنه إذا وجد النص، بخلافه لا يصلح ناسخاً للنص، ولا مقيداً له، وإلا فقد اعتبروه في (١) في ط (قوله وخرج عنها حق القصاص الخ) أي خرج عن القاعدة المذكورة التي هي قوله: لا يجوز الاعتياض عن الحقوق المجردة وليس المراد أنه خرج عن الحقوق المجردة القصاص الخ، بمعنى أنه خرج عن أحكامها لأن القصاص وما ذكر حقوق لا تضمن بالإتلاف، ألا ترى أنه لو قتل القاتل شخص لا يضمن لورثة مقتوله شيئاً. (٢) في ط (قوله قال في المستصفى التعامل الخ) عبارة ط: ونقل العلامة البيري عن المستصفى أن العبرة للتعامل العام، أي الشائع المستفيض. قال: والعرف المشترك لا يصح الرجوع إليه. ٣٥ كتاب البيوع أفتی کثیر باعتباره، وعليه فيفتى بجواز النزول عن الوظائف بمال، مواضع كثيرة منها مسائل الأيمان، وكلّ عاقد وواقف وحالف يحمل كلامه على عرفه، كما ذكره ابن الهمام. وأفاد ما مر أيضاً أن العرف العام يصلح مقيداً، ولذا نقل البيري في مسألة الحائك المذكورة: قال السيد الشهید: لا نأخذ باستحسان مشايخ بلخ، بل نأخذ بقول أصحابنا المتقدمين، لأن التعامل في بلد لا يدل على الجواز ما لم يكن على الاستمرار من الصدر الأول، فيكون ذلك دليلاً على تقرير النبي عليه الصلاة والسلام إياهم على ذلك، فيكون شرعاً منه، فإذا لم يكن كذلك لا يكون فعلهم حجة إلا إذا كان كذلك من الناس كافة في البلدان كلها فيكون إجماعاً، والإجماع حجة؛ ألا ترى أنهم لو تعاملوا على بيع الخمر والربا لا يفتى بالحل اهـ. قلت: وبه ظهر الفرق بين العرف الخاص والعام، وتمام الكلام على هذه المسألة مبسوط في رسالتنا المسماة: بنشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف. مَطْلَبٌ فِي التُّزُولِ عَنِ أَلَوَظَائِفِ بِمَالٍ قوله: (وعليه فيفتى بجواز النزول عن الوظائف بمال) قال العلامة العيني في فتاواه: ليس للنزول شيء يعتمد عليه، ولكن العلماء والحكام مشوا ذلك للضرورة، واشترطوا إمضاء الناظر لئلا يقع فيه نزاع اهـ. ملخصاً من حاشية الأشباه للسيد أبي السعود. وذكر الحموي أن العيني ذكر في شرح نظم درر البحار في باب القسم بين الزوجات: أنه سمع من بعض شيوخه الكبار أنه يمكن أن يحكم بصحة النزول عن الوظائف الدينية قياساً على ترك المرأة قسمها لصحبتها، لأن كلَّ منهما مجرد إسقاط اهـ. مَطْلَبُ فِي العُرْفِ الخَاصِّ وَأَلْعَامِّ قلت: وقدمنا في الوقف عن البحر أن للمتولي عزل نفسه عند القاضي، وأن من العزل الفراغ لغيره عن وظيفة النظر أو غيره، وأنه لا ينعزل بمجرد عزل نفسه، خلافاً للعلامة قاسم، بل لا بد من تقرير القاضي المفروغ له لو أهلاً، وأنه لا يلزم القاضي تقريره ولو أهلاً، وأنه جرى العرف بالفراغ بالدراهم، ولا يخفى ما فيه، فينبغي الإبراء العام بعده اهـ: أي لما فيه من شبهة الاعتياض عن مجرد الحق، وقد مر أنه لا يجوز، وليس فيما ذكر عن العيني جوازه. لكن قال الحموي: وقد استخرج شيخ مشايخنا نور الدين على المقدسي صحة الاعتياض عن ذلك في شرحه على نظم الكنز من فرع في مبسوط السرخسي، وهو أن العبد الموصى برقبته لشخص وبخدمته لآخر لو قطع طرفه أو شجّ موضحة فأدى الأرش، فإن كانت الجناية تنقص الخدمة يشتري به عبد آخر يخدمه، أو يضم إليه ثمن العبد بعد بيعه فيشتري به عبد يقوم مقام الأول، فإن اختلفا في بيعه لم يبع، وإن اصطلحا على قسمة الأرش بينهما نصفين فلهما ذلك، ولا ٣٦ كتاب البيوع يكون ما يستوفيه الموصى له بالخدمة من الأرض بدل الخدمة لأنه لا يملك الاعتیاض عنها، ولكنه إسقاط لحقه به، كما لو صالح موصى له بالرقبة على مال دفعه للموصى له بالخدمة ليسلم العبد له اهـ. قال: فربما يشهد هذا النزول عن الوظائف بمال اهـ. قال الحموي: فليحفظ هذا فإنه نفيس جداً اهـ. وذكر نحوه البيري عند قول الأشباه: وينبغي أنه لو نزل له وقبض المبلغ، ثم أراد الرجوع عليه لا يملك ذلك، فقال: أي على وجه إسقاط الحق إلحاقاً له بالوصية بالخدمة والصلح عن الألف على خمسمائة، فإنهم قالوا: يجوز أخذ العوض على وجه الإسقاط للحق، ولا ريب أن الفارغ يستحق المنزول به(١) استحقاقاً خاصاً بالتقرير ويؤيده ما في خزانة الأكمل: وإن مات العبد الموصى بخدمته بعد ما قبض الموصى له بدل الصلح فهو جائز اهـ. ففيه دلالة على أنه لا رجوع على النازل، وهذا الوجه هو الذي يطمئن به القلب لقربه اهـ. كلام البيري. ثم استشكل ذلك بما مر من عدم جواز الصلح عن حق الشفعة والقسم، فإنه يمنع جواز أخذ العوض هنا، ثم قال: ولقائل أن يقول هذا حق جعله الشرع لدفع الضرر، وذلك حق فيه صلة ولا جامع بينهما فافترقا، وهو الذي يظهر اهـ. وحاصله: أن ثبوت حق الشفعة للشفيع وحق القسم للزوجة وكذا حق الخيار في النكاح للمخيرة إنما هو لدفع الضرر عن الشفيع والمرأة، وما ثبت لذلك لا يصح الصلح عنه، لأن صاحب الحق لما رضي علم أنه لا يتضرر بذلك فلا يستحق شيئاً. أما حق الموصى له بالخدمة، فليس كذلك، بل ثبت له على وجه البرّ والصلة فيكون ثابتاً له أصالة فيصح الصلح عنه إذا نزل عنه لغيره، ومثله ما مر عن الأشباه من حق القصاص والنكاح والرق حيث صح الاعتياض عنه، لأنه ثابت لصاحبه أصالة لا على وجه رفع الضرر عن صاحبه، ولا يخفى أن صاحب الوظيفة ثبت له الحق فيه بتقرير القاضي على وجه الأصالة لا على وجه رفع الضرر، فإلحاقها بحق الموصى له بالخدمة، وحق القصاص وما بعده أولى من إلحاقها بحق الشفعة والقسم وهذا كلام وجيه لا يخفى على نبيه، وبه اندفع ما ذكره بعض محشي الأشباه من أن المال الذي يأخذه النازل عن الوظيفة رشوة، وهي حرام بالنص، والعرف لا يعارض النص. وجه الدفع ما علمت من أنه صلح عن حق كما في نظائره، والرشوة لا تكون بحق. واستدل بعضهم للجواز بنزول سيدنا الحسن ابن سيدنا علي رضي الله تعالى عنهما عن الخلافة لمعاوية على عوض، وهو ظاهر أيضاً، وهذا أولى مما قدمناه في الوقف عن الخيرية من عدم الجواز، ومن أن للمفروغ له الرجوع بالبدل، بناء على أن المذهب عدم اعتبار (١) في ط (قوله يستحق المنزول به) كذا رأيته، والظاهر أن يقال: ((المنزول عنه)) من خط المؤلف. ٣٧ كتاب البيوع وبلزوم خلو الحوانيت، فليس لرب الحانوت إخراجه ولا إجارتها لغيره ولو وقفاً انتهى ملخصاً. العرف الخاص، وأنه لا يجوز الاعتياض عن مجرد الحق لما علمت من أن الجواز ليس مبنياً على اعتبار العرف الخاص، بلى على ما ذكرنا من نظائره الدالة عليه، وأن عدم جواز الاعتياض عن الحق ليس على إطلاقه. ورأيت بخط بعض العلماء عن المفتي أبي السعود أنه أفتى بجواز أخذ العوض في حق القرار والتصرف، وعدم صحة الرجوع. وبالجملة فالمسألة ظنية، والنظائر المتشابهة للبحث فيها مجال وإن كان الأظهر فيها ما قلنا، فالأولى ما قاله في البحر من أنه ينبغي الإبراء العام بعده، والله سبحانه وتعالى أعلم. تنبيه: ما قلنا في الفراغ عن الوظيفة يقال مثله في الفراغ عن حق التصرف في مشد مسكة الأراضي ويأتي بيانها قريباً، وكذا في فراغ الزعيم عن تيماره(١)، ثم إذا فرغ عنه لغيره ولم يوجهه السلطان للمفروغ له بل أبقاه على الفارغ أو وجهه لغيرهما ينبغي أن يثبت الرجوع للمفروغ له على الفارغ ببدل الفراغ، لأنه لم يرض بدفعه إلا بمقابلة ثبوت ذلك الحق له، لا بمجرد الفراغ وإن حصل لغيره. وبهذا أفتى في الإسماعيلية والحامدية وغيرهما، خلافاً لما أفتى به بعضهم عن عدم الرجوع، لأن الفارغ فعل ما في وسعه وقدرته، إذ لا يخفى أنه غير مقصود من الطرفين، ولا سيما إذا أبقى السلطان والقاضي التيمار أو الوظيفة على الفارغ فإنه يلزم اجتماع العوضين في تصرفه وهو خلاف قواعد الشرع فافهم، والله سبحانه وتعالى أعلم. مَطْلَبٌ فِي خُلُوٌ أَلْحَوَانِيْتِ قوله: (وبلزوم خلوّ الحوانيت) عبارة الأشباه: أقول على اعتباره: أي اعتبار العرف الخاص ينبغي أن يفتي بأن ما يقع في بعض أسواق القاهرة من خلو الحوانيت لازم، ويصير الخلو في الحانوت حقاً له، فلا يملك صاحب الحانوت إخراجه منها ولا إجارتها لغيره ولو كانت وقفاً، وقد وقع في حوانيت الجملون في الغورية أن السلطان الغوري لما بناها أسكنها للتجار بالخلو، وجعل لكل حانوت قدراً أخذه منهم وكتب ذلك بمكتوب الوقف اهـ. وقد أعاد الشارح ذكر هذه المسألة قبيل كتاب الكفالة؛ ثم قال قلت: وأيده في زواهر الجواهر بما في واقعات الضريري: رجل في يده دکان فغاب فرفع المتولي أمره للقاضي، فأمره القاضي بفتحه وإجارته، ففعل المتولي ذلك وحضر الغائب فهو أولى بدكانه، وإن كان له خلو فهو أولى بخلوه أيضاً، وله الخيار (١) في ط (قوله وكذا في فراغ الزعيم عن الخ) المراد به كبير القرية، والتيمار: هو الاستحقاق في الأراضي الميرية . ٣٨ كتاب البيوع في ذلك، فإن شاء فسخ الإجارة وسكن في دكانه، وإن شاء أجازها ورجع بخلوه على المستأجر، ويؤمر المستأجر بأداء ذلك إن رضي به، وإلا يؤمر بالخروج من الدكان اهـ. بلفظه اهـ. لكن قال السيد الحموي أقول: ما نقل عن واقعات الضريري من ذكر لفظة الخلو فضلاً عن أن يكون المراد بها ما هو المتعارف كذب، فإن الإثبات من النقلة كصاحب جامع الفصولين نقل عبارة الضريري ولم يذكر فيها لفظ الخلو. هذا وقد اشتهر نسبة مسألة الخلو إلى مذهب الإمام مالك، والحال أنه ليس فيه نص عنه ولا عن أحد من أصحابه، حتى قال البدر القرافي من المالكية: إنه لم يقع في كلام الفقهاء التعرض لهذه المسألة، وإنما فيها فتياً للعلامة ناصر الدين اللقاني المالكي بناها على العرف وخرجها عليه، وهو من أهل الترجيح فيعتبر تخريجه وإن نوزع فيه، وقد انتشرت فتياه في المشارق والمغارب وتلقاها علماء عصره بالقبول اهـ. قلت: ورأيت في فتاوى الكازروني عن العلامة اللقاني: أنه لو مات صاحب الخلو یوفى منه ديونه ويورث عنه وينتقل لبيت المال عند فقد الوارث اهـ. هذا، وقد استدل بعضهم على لزومه وصحة بيعه عندنا بما في الخانية: رجل باع سكنى له في حانوت لغيره فأخبر المشتري أن أجرة الحانوت كذا فظهر أنها أكثر من ذلك، قالوا: ليس له أن يرد السكنى بهذا العيب اهـ. وللعلامة الشرنبلالي رسالة رد فيها على هذا المستدل بأنه لم يفهم معنى السكنى، لأن المراد بها عين مركبة في الحانوت وهي غير الخلو. ففي الخلاصة: اشترى سكنى حانوت في حانوت رجل مركباً وأخبره البائع أن أجرة الحانوت كذا فإذا هي أكثر ليس له أن يرد. وفي جامع الفصولين عن الذخيرة: شرى سكنى في دكان وقف فقال المتولي: ما أذنت له: أي للبائع بوضعها فأمره: أي أمر المشتري بالرفع، فلو شراه بشرط القرار يرجع على بائعه(١) وإلا فلا يرجع عليه بثمنه ولا بنقصانه اهـ. ثم نقل عن عدة كتب ما يدل على أن السكنى عين قائمة في الحانوت، ورد فيها أيضاً على الأشباه بأن الخلو لم يقل به إلا متأخر من المالكية، حتى أفتى بصحة وقفه، ولزم منه أن أوقاف المسلمين صارت للكافرين، بسبب وقف خلوها على كنائسهم، وبأن عدم إخراج صاحب الحانوت لصاحب الخلو يلزم منه حجر الحر المكلف عن ملكه وإتلاف ماله، مع أن صاحب الخلو لا يعطي أجر المثل، ويأخذ هو في نظير خلوه قدراً كثيراً، بل لا يجوز هذا في الوقف. وقد نصوا على أن (١) في ط (قوله يرجع على بائعه) أي لأن البيع إذا وقع بهذا الشرط يقع فاسداً، وإلا فهو صحيح فلا رجوع له على البائع بشيء. ٣٩ كتاب البيوع · من سكن الوقف يلزمه أجر المثل، وفي منع الناظر من إخراجه تفويت نفع الوقف وتعطيل ما شرطه الواقف من إقامة شعائر مسجد ونحوها اهـ ملخصاً. مَطْلَبٌ فِي الْكَدَكِ قلت: وما ذكره حق خصوصاً في زماننا هذا، وأما ما يتمسك به صاحب الخلو من أنه اشترى خلوه بمال كثير، وأنه بهذا الاعتبار تصير أجرة الوقف شيئاً قليلاً فهو تمسك باطل، لأن ما أخذه منه صاحب الخلو الأول لم يحصل منه نفع للوقف فيكون الدافع هو المضيع ماله، فكيف يحل له ظلم الوقف؟ بل يجب عليه دفع أجرة مثله؛ وإن كان له فيه شيء زائد على الخلو من بناء ونحوه مما يسمى في عرفنا بالكدك، وهو المراد من لفظ السكنى المار، فإذا لم يدفع أجرة مثله لم يؤمر برفعه، وإن كان موضوعاً بإذن الواقف أو أحد النظار، ويرجع هذا إلى مسألة الأرض المحتكرة المنقولة في أوقاف الخصاف حيث قال: حانوت أصله وقف وعمارته لرجل وهو لا يرضى أن يستأجر أرضه بأجر المثل، قالوا: إن كانت العمارة بحيث لو رفعت يستأجر الأصل بأكثر مما يستأجر صاحب البناء كلف رفعه ويؤجر من غيره، وإلا يترك في يده بذلك الأجراه. وقوله: وإلا يترك في يده يفيد أنه أحق من غيره، حيث كان ما يدفعه أجر المثل، فهنا يقال: ليس للمؤجر أن يخرجه ولا أن يأمره برفعه، إذ ليس في استبقائه ضرر على الوقف مع الرفق به بدفع الضرر عنه، كما أوضحناه في الوقف. وعن هذا قال في جامع الفصولين وغيره: بنى المستأجر أو غرس في أرض الوقف صار له فيها حق القرار، وهو المسمى بالكردار له الاستبقاء بأجر المثل اهـ. وفي الخيرية: وقد صرح علماؤنا بأن لصاحب الكردار حق القرار، وهو أن يحدث المزارع والمستأجر في الأرض بناء أو غرساً أو كبساً بالتراب بإذن الواقف أو الناظر فتبقى في يده اهـ. وقد يقال: إن الدراهم التى دفعها صاحب الخلو للواقف واستعان بها على بناء الوقف شبيهة بكبس الأرض بالتراب، فيصير له حق القرار فلا يخرج من يده إذا كان يدفع أجر المثل؛ ومثله ما لو كان يرم دكان الوقف، ويقوم بلوازمها من ماله بإذن الناظر، أما مجرد وضع اليد على الدكان ونحوها وكونه يستأجرها عدة سنين بدون شيء مما ذكر فهو غير معتبر، فللمؤاجر إخراجها من يده إذا مضت مدة إجارته وإيجارها لغيره، كما أوضحناه في رسالتنا [تحرير العبارة في بيان من هو أحق بالإجارة] وذكرنا حاصلها في الوقف، وعلى ما ذكرناه من أن صاحب الخلو المعتبر أحق من غيره، لو استأجر بأجر المثل يحمل ما ذكره في الخيرية من الوقف حيث سئل في الخلو الواقع في غالب الأوقاف المصرية والأوقاف الرومية في الحوانيت وغيرها، هل يصير حقاً لازماً لصاحب الخلو، ويجوز ٤٠ كتاب البيوع بيع سكناه وشراؤه، وإذا حكم به حاكم شرعي يمتنع على غيره من حكام الشرع الشريف نقضه؟ ثم ذكر في الجواب عبارة الأشباه وواقعات الضريري وما ذكرناه من مسألة الأرض المحتكرة ومسألة حق القرار ومسألة بيع السكنى. ثم قال: أقول: ليس الغرض بإيراد هذه الجمل القطع بالحكم، بل ليقع اليقين بارتفاع الخلاف بالحكم حيث استوفى شرائطه من مالكي يراه أو غيره صح ولزم وارتفع الخلاف خصوصاً فيما للناس إليه ضرورة، لا سيما في المدن المشهورة كمصر ومدينة الملك فإنهم يتعاطونه ولهم فيه نفع كلِّي ويضرّ بهم نقضه وإعدامه، فلربما بفعله تكثر الأوقاف، ألا ترى ما فعله الغوري كما مر. ومما بلغني أن بعض الملوك عمر مثل ذلك بأموال التجار ولم يصرف عليه من ماله الدرهم والدينار، وكان* يحب ما خفف عن أمته، والدين يسر ولا مفسدة في ذلك في الدين، ولا عار به على الموحدين، والله تعالى أعلم اهـ ملخصاً. وممن أفتى بلزوم الخُلو الذي يكون بمقابلة دراهم يدفعها للمتولي أو المالك العلامة المحقق عبد الرحمن أفندي العمادي صاحب هدية ابن العماد، وقال: فلا يملك صاحب الحانوت إخراجه ولا إجارتها لغيره ما لم يدفع له المبلغ المرقوم، فيفتى بجواز ذلك للضرورة قياساً على بيع الوفاء الذي تعارفه المتأخرون احتيالً على الربا الخ. قلت: وهو مقيد أيضاً بما قلنا بما إذا كان يدفع أجر المثل، وإلا كانت سكناه بمقابلة ما دفعه من الدراهم عين الربا، كما قالوا فيمن دفع للمقرض داراً ليسكنها أو حماراً ليركبه إلى أن يستوفي قرضه أنه يلزمه أجرة الدار أو الحمار على أن ما يأخذه المتولي من الدراهم ينتفع به لنفسه، فلو لم يلزم صاحب الخلو أجرة المثل للمستحقين في يلزم ضياع حقهم، اللهم إلا أن يكون ما قبضه المتولي صرفه في عمارة الوقف، حيث تعين ذلك طريقاً إلى عمارته ولم يوجد من يستأجره بأجرة المثل مع دفع ذلك المبلغ اللازم للعمارة فحينئذ قد يقال بجواز سكناه بدون أجرة المثل للضرورة، ومثل ذلك يسمى في زماننا مرصداً كما قدمناه في الوقف، والله سبحانه أعلم. بقي طريق معرفة أجر المثل، وينبغي أن يقال فيه: إنا ننظر إلى ما دفعه صاحب الخلو للواقف أو المتولي على الوجه الذي ذكرناه وإلى ما ينفقه في مرمة الدكان ونحوها، فإذا كان الناس يرغبون في دفع جميع ذلك لصاحب الخلو ومع ذلك يستأجرون الدكان بمائة مثلاً، فالمائة هي أجرة المثل ولا ينظر إلى ما دفعه هو إلى صاحب الخلو السابق من مال كثير طمعاً في أن أجرة هذه الدكان عشرة مثلاً كما هو الواقع في زماننا، لأن ما دفعه من المال الكثير لم يرجع منه نفع للوقف أصلاً، بل هو محض ضرر بالوقف، حيث لزم منه استئجار الدكان بدون أجرتها بغبن فاحش، وإنما