النص المفهرس

صفحات 1-20

رن المُختََّ
الدَّرِّ المُختَار شَرِح تَوير الأَبْصَار
٠٠٠ ..
لَخَاتِمَةِ المُحِقْقِينُ
محمّ أمين الشهير بابن عابدين
مَع تكْمِلَة ابن عَابْدين لنجل المؤلف
دَرَاسَة وتحقيق وتعليق
الشيخ علي محمّد موض
الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
قَدَّم له وَقَرّظه
الأستاذ الدكتور محمد بكرإسماعيل
حكلية الدراسات من جامعة الأزهر
الجُزء السََّابع
المحتوى
كتاب البيوع - كتاب الكفالة
دَارُ غَالِ البَحْبُ
للطباعة والنشر والتوزيع
الرّيَاضُ.

حِقُوق الطّبْع مَحِفُوظَة
طبْعَة خاصَّة
١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣م
حارعالم الكتبـ
دَارُ عَالمِ الكِب
للطباعة والنشر وَالتوزيع
العُليا - غربُ مؤسَسَة التحلية
ت : ٤٦٥١٦٨٩ - ٤٦٣١٧٢٢
ص.ب: ٦٤٦٠ - الهاض: ١١٤٤٢
تليفاكس : ٤٦٣١٣٣٦
المملكة العَربيّة السّعوديّة
طَبَعَت ◌َهذه الطّبعَة بموافقة خَاصّة ◌ِمِنْ
دار الكتب العلمية.
رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت - هاتف وفاكس: ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ - ٣٧٨٥٤٢ (١ ٩٦١)
صندوق بريد : ٩٤٢٤-١١ بيروت - لبنان

٣
كتاب البيوع
(مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيراً يُقَقِّهْهُ فِي الدِّينِ)).
(حديث شريف)
بِسمِ اللّهِ الرّخمْنِ الرَّحِيمِ
كِتَابُ الْبُيُوعِ(١)
لما فرغ من حقوق الله تعالى العبادات والعقوبات شرع في حقوق العباد
بِسْمِ اللّهِ الْرّخمْنِ الْرَحِيْمِ
الحمد لله وحده وصلى الله على من لا نبي بعده.
کتابُ البيُوعِ(٣)
قوله: (لما فرغ الخ) بيان للمناسبة بين جملة ما تقدم وجملة ما يأتي مع بيان
(١) البيع لغة: هو مصدر بعت، يقال: باع يبيع بمعنى ملك، وبمعنى اشترى، وكذلك شرى يكون للمعنيين،
وحكى الزجاج وغيره: باع، وأباع بمعنى واحد. وقال غير واحد من الفقهاء: واشتقاقه من الباع، لأن كل
واحد من المتعاقدين يمد باعه للأخذ والإعطاء، وهو ضعيف لوجهين، أحدهما: أنه مصدر، والصحيح: أن
المصادر غير مشتقة. والثاني: أن الباع عينه واو، والبيع عينه ياء، وشرط صحة الاشتقاق، موافقة الأصل
والفرع في جميع الأصول. قال أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم السامري في كتابه ((المستوعب)): البيع في
اللغة: عبارة عن الإيجاب والقبول، إذا تناول عينين، أو عيناً بثمن، ولهذا لم يسموا عقد النكاح والإجارة
بيعاً. انظر: لسان العرب: ٢٣/٨، الصحاح: ١١٨٩/٣، المغرب: ٩٦/١ المصباح المنير: ١١٠/١.
واصطلاحاً:
عرفه الحنفية بأنه: مبادلة المال بالمال بالتراضي.
عرفه الشافعية بأنه: عقد يتضمن مقابلة مال بمال بشرطه لاستفادة ملك عين أو منفعة مؤبدة.
عرفه المالكية: بأنه دفع عوض في معوض وبتعريف آخر: هو عقد معاوضة على غير منافع ولا متعة لذة.
عرفه الحنابلة بأنه: مبادلة المال بالمال تمليكاً وتملكاً. انظر: كشف القناع: ١٤٦/٣، فتح القدير: ٦/
٢٤٦، الاختيار: ٣، نهاية المحتاج: ٣٧٢/٣، مواهب الجليل: ٢٢٢/٤، شرح الخرشي: ٤/٥، الشرح
الكبير: ٢/٣، المغني: ٥٦٠/٣.
(٢) لا يخفى على المستبصر أن مشروعية البيع من أهم دواعي الحياة، وأسمى وسائل العمران، وأضل سبيل
الاستعمار؛ إذ عليه تدور رحى الحياة، وعلى قوائمه تحمل عروش الانتظامات والقوانين، وبه تبادل المنافع
بين المالكين؛ كيف لا ولولا البيع وما يتعلق به من الإجارة والقرض والرهن ما استقام نظام، ولا حصلت
راحة بين الأنام، ولولاه ما انشق الكون وانتظمت المعيشة الدنيوية وسهلت طرق المرافق الحيوية؛ =

٤
كتاب البيوع
المناسبة بين خصوص الوقف والبيع، والمراد بالعبادات: ما كان المقصود منها في
الأصل تقرّب العبد إلى الملك المعبود(١)، ونيل الثواب والجود، كالأركان الأربعة
= فبالبيع ظهرت مدينة الإنسان قال حكيم: ((الإنسان مدني بالطبع)) يعني كل فرد من أفراد المجموع
الإنساني محتاج إلى أفراده في ضرورة تبادل منافعه وضروريات حاجياته احتياج الكل إلى أجزائه، والعرش
إلى قوائمة والسقف إلى حائط، فتجد الزُّراع مثلً محتاجين إلى آلة بها الحرث، وهي بالضرورة مركبة من
الخشب والحديد، فتجدهم قد احتاجوا إلى الحداد والنجار، وعندما ننظر إليهم نجدهما قد احتاجا إلى
الأكل فيدفعان بضرورة الاحتياج إلى من احتاج إليهما أولًا وهو الزَّارع، وعندما تنظر نظرة بسيطة تجد الزَّارع
والنجار والحداد قد انصرفوا في ستر أجسامهم إلى الحائك، وهكذا كل محتاج إلى الآخر ((سنة الله في خلقه
ولن تجد لسنة الله تبديلًاً)).
ولما كان كثير من الناس يرغب في شيء وعن شيء فلا يجد من يعامله اضطروا إلى الاصطلاح على جواهر
معدنية تبقى زماناً طويلاً تكون المعاملة بها أمراً مسلماً عندهم:
ولما كان الذهب والفضة صغيري الحجم متماثلي الأفراد وعظيمي النفع يتأتى التحمل بهما كانا نقدين
بالطبع وغيرهما نقداً بالاصطلاح:
ثم من لطيف حكمة الباري جل شأنه أن جعل في كل مبادلة أشياء، عاقدين وعوضين وشيئاً يكون مظنة
ظاهرة لرضا العاقدين وشيئاً يكون قاطعاً تنازعهما موجباً للعقد بالنسبة إليهما، وشرط في كل واحد من هذه
الأشياء التي بها يتحقق العقد شروطاً وإلا كان العقد عبثاً أو مرعياً فيه فائدة ضمنية كالربا.
فإذا ما باع الإنسان واشترى على الطريقة التي بينها الشرع الشريف أفاد واستفاد، وأمكنه أن ينمي أمواله
التي هي زينة الحياة الدنيا كما قال: ﴿المال والبنون زينة الحياة الدنيا﴾.
كيف وأي بيان للبيع بعد بيان الله له بقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ فهو من الأمور الظاهرة
فوائدها، الباهرة آثارها، الساطعة أنوارها، الكثيرة منافعها، فلذا أحل الله البيع وحرم الربا، لسد باب
المفسدة على العباد، وعدم أكل الشخص مال أخيه ظلماً لأنه كلما تأخر الدين ربا ما عليه وزاد حتى
يستغرق جميع ما عنده من العروض وما يملك من المزارع فيستولي عليه المرابي ويأخذه بغير حق ظلماً
وطمعاً، نعم يأكل مال أخيه المسلم من غير فائدة عادت عليه، ولا ثمرة من المال ردت إليه، ولا انتفع إلا
بالخسارة وذهاب ما عنده من العروض والتجارة، وأنت تعلم ما دفعه إلا العوز، ولا دعاه إلا الاحتياج؛
لكن بالبيع أمكنه ويمكنه أن يتحاشى هذا الضرر، ويتجنب البؤس ويعيش عيشة راضية؛ ولذلك أحل الله
البيع وحرم الربا، وشدد النكير على فاعليه في كتابه الأقدس فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا
أضعافاً مضاعفة﴾. وقال تعالى: ﴿يمحق الله الربا ويربي الصدقات﴾ وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا
الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم
رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾ فقد شدد النكير على فاعله وهددهم بالحرب، إن لم ينتهوا؛
ولذلك قال رسول الله# (اثنان يحاربهما الله ورسوله آكل الربا وعاق والديه)) ثم من لطيف رفق الله
بالمتعاقدين أيضاً أن جعل لهما الخيار؛ لدفع المضرة وسهولة المعاملة، حتى لا يمحق أحد المتعاقدين؛ إذ
ربما يجد في البيع عيباً باطناً لا يتنبه له إلا بالرؤية والإمعان والفكرة، فجعل لهما الخيار لكي يتمكنا من
التنقيب والتفتيش. (وبالجملة): فالبيع عنوان الوفاق، ورائد الرشاد، والركن الركين الذي تنبني عليه
مصالح عزيزة تعود على الإنسان بالخير والفضل في الدنيا والسعادة في الآخرة.
(١) هل البيوع الجائزة من أجل المكاسب وأطيبها، أو غيرها من المكاسب أجل منها؟ ما اختلف الناس في
ذلك:
فقال قوم:

٥
كتاب البيوع
ونحوها؛ وبالمعاملات: ما كان المقصود منها في الأصل قضاء مصالح العباد كالبيع
والكفالة والحوالة ونحوها، وكون البيع أو الشراء قد يكون واجباً لعارض لا يخرجه عن
كونه من المعاملات، كما لا تخرج الصلاة مع الرياء عن كون أصل الصلاة عبادة.
ثم إن ما تقدم غير مختص بالعبادات بل هو حقوقه تعالى، وهي ثلاثة: عبادات،
وعقوبات، وكفارات؛ فالمعاملات في مقابلة حقوقه تعالى. وأورد في الفتح أنه لا
يخفى شروعه في المعاملات من زمان فإن ما تقدم من اللقطة واللقيط والمفقود من
= الزراعات أجل المكاسب كلها وأطيب من البيوع وغيرها؛ لأن الإنسان في الاكتساب بها أعظم توكلاً.
وأقوى إخلاصاً، وأكثر لأمر الله تفويضاً وتسليماً.
وقال آخرون:
إن الصناعات أجل كسباً منها وأطيب من البيوع وغيرها؛ لأنها اكتساب ينال بكد الجسم وإجهاد النفس،
وقد روي عن النبي ﴿ أنه قال: ((إن الله تعالى يحب العبد المحترف)) فظاهر الاحتراف بالنفس دون المال.
وقال آخرون:
البيوع أجلّ المكاسب كلها وأطيب من الزراعات وغيرها، وهو أشبه بمذهب الشافعي والعراقيين حتى أن
محمد بن الحسن قيل له: هلا صنعت كتاباً في الزهد، فقال: قد فعلت، قيل فما ذلك الكتاب؟ قال: هو
كتاب البيوع.
والدليل على أن البيوع أجل المكاسب كلها إذا وقعت على الوجه المأذون فيه، أن الله عز وجل صرح في
كتابه بإحلالها فقال: ﴿وأحل الله البيع﴾ ولم يصرح بإحلال غيرها، وردت عائشة فقالت: قال: رسول
الله ﴾: ((أطيب ما أكل الرجل من كسبه)) والكسب في كتاب الله التجارة، وروي رافع بن خذيج قال: قال
رجل: يا رسول الله أي العمل أطيب؟ فقال: ((عمل الرجل وكل بيع مبرور))؛ ولأن البيوع: أكثر مكاسب
الصحابة، وهي أظهر فيهم من الزراعة والصناعة؛ ولأن المنفعة بها أعم والحاجة إليها أكثر؛ لأن ليس أحد
يستغني عن ابتياع مأكول أو ملبوس، وقد يستغني عن صناعة وزراعة.
فإن قيل:
فقد روى سلمان فقال: ((لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها؛ فإن فيها باض الشيطان
وفرخ)) فاقتضى أن يكون مكروهاً.
نقول: هذا غلط: كيف يصح أن يكره ما صرح الله بإحلاله في كتابه، وإنما المراد بذلك أن لا يصرف أكثر
زمانه إلى الاكتساب، ويشتغل به عن العبادة، حتى يصير إليه منقطعاً، وبه متشاغلاً. كما روي عن علي بن
أبي طالب كرم الله وجهه، أن رسول الله وَلقر (نهى عن السوم قبل طلوع الشمس)) يريد أن الرجل لا يجعله
أکثر همه حتی ییتدي به في صدر يومه لا أنه حرام.
فإن قيل:
فقد روي عن النبي ◌َ﴿ أنه قال: ((يا تجار كلكم فجار إلا من أخذ الحق وأعطى الحق)) فجعل الفجور فيهم
عموماً ومعاطاة الحق خصوصاً، وليست هذه صفات أجل المكاسب.
قیل:
إنما قال ذلك لأن من البيوع ما يحل، ومنها ما يحرم، ومنها ما يكره. كما روي عنه أنه قال: ((لو اتجر أهل
الجنة ما اتجروا إلا في البر؛ ولو اتجر أهل النار في النار ما اتجروا إلا في الصرف» قال ذلك استحباباً في
التجارة في البر وكراهة التجارة في الصرف.

٦
كتاب البيوع
المعاملات. ومناسبته للوقف إزالة الملك لكن لا إلى مالك وهنا إليه،
المعاملات. قال في النهر: وكان النكاح أولى بالذكر من اللقيط ونحوه اهـ.
قلت: وفيه نظر ظاهر، فإن النكاح وإن كان من المعاملات لكنه من العبادات
أيضاً، بل المقصود الأصلي منه العبادة، وهي تحصين النفس عن المحرمات وتكثير
المسملين؛ بل قالوا: إن التخلي له أفضل من التخلي للنوافل.
وقد يقال: الأولى إيراد الشركة، لأن كلَّ من اللقطة واللقيط: أي التقاطهما
مندوب إليه من حيث هو، وقد يجب فلذا ذكر في حقوقه تعالى، وكذا ردّ الآبق وأما
المفقود فإنه ذكر فيها لمناسبة اقتضته، وكذا اللقطة ونحوها والشركة، كما ذكروا في
المعاملات بعض العبادات كالأضحية لمناسبتها للذبائح، والقرض لمناسبته للبيع(١).
تأمل. قوله: (لكن لا إلى مالك) أي الإزالة في الوقف لا تنتهي إلى مالك فهو في
(١) أما الكتاب فيستدل به أولًا: بقوله سبحانه وتعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلّ
أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ بيان جهة الدلالة من هذه الآية نقول في تفسيرها ليتضح ذلك أما قوله:
﴿لا تأكلوا﴾ فمعناه لا تأخذوا فعبر عن الأخذ بالأكل، لأنه معظم ما يقصد بالأخذ كما قال تعالى: ﴿إن
الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً﴾ أي يأخذون.
وأما قوله ﴿أموالكم﴾ ففیه تأويلان:
أحدهما: أنه أراد مال كل إنسان نفسه أي لا تأخذه فيصرفه في المحظورات.
والثاني: أن معناه لا يأخذ بعضكم مال بعض كما قال تعالى: ﴿لا تقتلوا أنفسكم أي لا يقتل بعضكم
بعضاً﴾.
وأما قوله ﴿بالباطل﴾ ففيه ثلاث تأويلات:
أحدها: أن لا يصرف في المحظورات.
والثاني: أنه لا يؤخذ بالانتهاب من الغارات على عادتهم في الجاهلية.
الثالث: أنه المراد بالباطل التجارات الفاسدة المألوفة عندهم في الجاهلية.
وأما قوله: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ فلفظ ((إلا) موضوع في اللغة للاستثناء لكن اختلف
العلماء في المراد في هذا الموضوع على أربعة أقاويل:
أحدها: أن ((إلا) في هذا الموضوع لم يرد بها الاستثناء، وإنما معناه معنى لكن، فيصير تقدير الآية لا
تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ولكن كلوها تجارة عن تراض منكم كقوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل
مؤمناً إلا خطأ﴾ معناه وما كان لمؤمن أن يقتل عمداً ولا خطأ لكن إن قتله خطأ فتحرير رقبة مؤمنة، وبهذا
قال أبو إسحاق المروزي.
الثاني: أن معنى ((إلا)) في هذا الموضوع معنى الواو، ويكون تقدير الآية لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل
وكلوها تجارة عن تراض كقوله تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ أي والله لفسدتا وكقول الشاعر:
وكل آخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان
أي والفرقدان أيضاً سيفترقان، ولو أراد الاستثناء لقاله إلا الفرقدين.
الثالث: أن معنى ((إلا)) في هذا الموضوع معنى الاستثناء، غير أنه من مضمر دل عليه مظهر ليصح أن يكون
الاستثناء من جنس المستثنى منه، فيكون تقدير الكلام ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ولا بالتجارة إلا أن
تكون تجارة عن تراض منكم﴾، وهذا قول من منع الاستثناء من غير جنسه، وجعلوا ذلك كقوله تعالى:
﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم﴾ فإنه معناه أحلت لكم =

٧
كتاب البيوع
= بهيمة الأنعام والصيد إلا وأنتم محرمون، فيحرم عليكم الصيد.
والرابع: أن ذلك استثناء من غير جنسه؛ والدليل على جواز الاستثناء من غير جنسه قوله تعالى: ﴿لا
يسمعون فيها لغواً إلا سلاماً﴾ وليس السلام من جنس اللغو. وقوله تعالى: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون
إلا إبليس﴾ وليس إبليس من جنس الملائكة، وقوله: ﴿فإنهم عدو لي إلا رب العالمين﴾ تعالى الله أن
يكون من جنس من استثني منهم وقال الشاعر:
وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس
الأنيس: الناس. واليعافير: حمير الوحش، والعيس: الإبل. فاستثنى اليعافير والعيس من جملة الناس.
ويستدل عليه ثانياً:
من الكتاب بقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ لبيان جهة الدلالة من هذه الآية نقول: إنها تحتمل
أربعة أقاويل:
أحدها: أنها عامة وأن لفظها لفظ عموم يتناول إباحة كل بيع إلا ما خصه الله بالدليل؛ ووجه ذلك هو أن
النبي # لما نهى عن ساعات كانوا يستعملونها، ولم يقصد إلی بیان الجائز بل قصد بیان فاسدها؛ دل ذلك
على أن الآية قد شملت إباحة الساعات كلها، فاستثنى منها ما لا يجوز منها؛ فعلى هذا هل هي عامة أريد
بها العموم. أو عامة أريد بها الخصوص؟ على قولين:
أحدها: أنها عامة أريد بها الصوم، وأنه دخله التخصيص.
والثاني: أنها عامة أريد بها الخصوص، والفرق بينهما من وجهين:
أحدها: أن العموم الذي يجري على العموم وإن دخله التخصيص ما يكون المراد باللفظ أكثر وما ليس مراداً
باللفظ أقل، والعموم الذي أريد الخصوص، ما يكون المراد باللفظ أقل، وما ليس مراداً باللفظ أكثر.
والثاني: أن البيان فيما أريد به الخصوص متقدم على اللفظ، وفيما أريد بها العموم متأخر عن اللفظ أو
مقترن، وعلى كلا القولين يجوز الاستدلال بها على إباحة البيوع المختلفة ما لم يقم دليل التخصيص على
إخراجها عن عمومها.
القول الثاني: أنها مجملة لا يفهم منها صحة بيع من فساده إلا ببيان من السنة، وجه ذلك أن من البيوع ما لا
يجوز ومنها ما يجوز وليس في الآية ما يميز الجائز من غير الجائز؛ فاقتضى أن تكون من المجمل الذي لا
يعقل المراد من ظاهره إلا ببيان يقترن به؛ فعلى هذا اختلف الأصحاب هل هي مجملة بنفسها للتعارض أو
بغيرها؟ على وجهين:
أحدها: أنها مجملة بنفسها للتعارض فيها؛ لأن قوله: ﴿وأحل الله البيع﴾ يقتضي جواز البيع متفاضلًا،
وقوله: ﴿وحرم الربا﴾ يقتضي تحريم البيع متفاضلاً، فصار أولها معارضاً لآخرها، فوقع الإجمال فيها بنفسها.
الوجه الثاني: أنها مجملة بغيرها، وذلك أنها تقتضي جواز كل بيع من غرر وغيره، وقد وردت السنة بالمنع
من الغرر من الملامسة والمنابذة وغير ذلك، فصارت السنة معارضة لها؛ موقع الإجمال فيها بغيرها.
القول الثالث: أنهما دخلا فيها جميعاً؛ فتكون عامة دخلها التخصيص ومجملة لحقها التفسير؛ لقيام الدلالة
عليهما. ثم اختلف الأصحاب في دخول ذلك فيها على ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن العموم في اللفظ والإجمال في المعنى فيكون اللفظ عموم دخله التخصيص؛ والمعنى مجملاً
دخله التفسير.
والوجه الثاني: أن العموم في أول الآية، وهو قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ والإجمال في آخرها، وهو
قوله تعالى: ﴿وحرم الربا﴾ فيكون أول الآية عاماً دخله التخصيص، وآخرها مجملًا دخله التفسير.
والوجه الثالث: أن اللفظ كان مجملاً، فلما بينه النبي وَ ﴿ صار عاماً؛ فتكون داخلة في المجمل قبل البيان.
وفي العموم بعد البيان، فعلى هذا الوجه يجوز الاستدلال بظاهرها في البيوع المختلف فيها كالقول التالي.
القول الرابع: أنها تناولت بيعاً معهوداً، ونزلت بعد أن أحل النبي # بيوعاً. وحرم بيوعاً، وكان قوله
تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ هو الذي بينه الرسول من قبل وعرفه المسلمون منه. فترتب الكتاب على =

٨
كتاب البيوع
= السنة، وتناولت بيعاً معهوداً هذه الآية، وإنما كان كذلك؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وأحل الله البيع}
فأدخل فيه الألف واللام، وذلك يدخل في الكلام لأمرين إما لجنس أو معهود، فلو لم يكن الجنس مراداً
لخروج بعضه منه ثبت أن المعهود مراد، فعلى هذا لا يجوز الاستدلال بظاهرها على صحة بيع ولا فساده.
بل يرجع في حكم ما اختلف فيه إلى الاستدلال بما تقدمها من السنة التي عرف بها البيوع الصحيحة من
الفاسدة، وإذا كان كذلك صار الفرق بينه وبين المجمل من وجه، وبينه وبين العموم من وجهين.
فأما الوجه الذي يقع به الفرق بينه وبين المجمل. فهو أن بيان النبي ﴿ فيما نهى عنه من البيوع وأمره يسابق
الآية، وبيان المجمل مقترن باللفظ أو متأخر عنه على مذهب من يجوز تأخير البيان فاقترنا من هذا الوجه.
وأما الوجهان اللذان يقع بهما الفرق بينه وبين العموم.
فأحدها: تقديم البيان في المعهود. واقتران التخصيص بالعموم.
وثانيهما: جواز الاستدلال بظاهر العموم فيما اختلف فيه من البيوع، وفساد الاستدلال بظاهر المعهود فيما
اختلف فيه من البيوع.
واستدل ثالثاً من الكتاب:
بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾، قال ابن عباس: نزلت في
السلم.
واستدل رابعاً منه:
بقوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم﴾؛ قال ابن عباس: نزلت في إباحة التجارة في
مواسم الحج.
عن رسوله إلا قولاً وفعلاً:
أما القول:
فأولاً: ما روى الأعمش عن أبي وائل عن قيس بن أبي عبيدة قال: ((كنا في عهد رسول ﴿ نسمى
السماسرة، فمر بنا النبي ﴿ فسمانا باسم هو أحسن منه، فقال: يا معاشر التجار إن البيع يحضره اللغو
والحلف فشربوه بالصدقة)).
وثانياً: ما روى عبد الرحمن بن عصمة بن حكيم بن حزام حدث أن قال: ((يا رسول الله إني أشتري بيوعاً
فما يحل لي منها وما يحرم؟ قال: إذا اشتريت بيعاً فلا تبعه حتى تقبضه، ولا تبع ما ليس عندك، فدل على
إباحة ما عدا ذلك.
وثالثاً: ما روى ابن كثير عن أبي راشد عن الرحمن بن شبل قال: قال رسول الله وَله: ((إن التجار هم
الفجار، قيل: يا رسول الله أليس قد أحل الله البيع؟ قال: بلى، ولكنهم يحدثون فيكذبون، ويحلفون
فیأثمون».
ورابعاً: ما روى يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال: رسول الله وَار: ((لا خير في
التجارة إلا لمن لم يمدح بيعاً ولم يذم شراء، وكسب حلالا فأعطاه في حقه، وعزل من ذلك الحلف)».
وأما الفعل:
فمن بيوعه التي عقدها بنفسه ما روى عطاء عن جابر قال: «كنت مع رسول الله على جمل إنما هو في آخر
القوم فمر بي رسول الله ﴿ وقال: أمعك قضيب؟ قلت: نعم فأعطيته فنخسه وزجره، فكان في أول القوم
قال: بغيه قلت: هو لك يا رسول الله، قال: بل بغيه، قال: قد أخذته بأربعة دنانير ولك ظهره حتى تأتي
المدينة، فلما قدمنا المدينة قال رسول الله وهو: يا بلال اقضه وزد فأعطاه أربعة دنانير وقيراطاً زاده، قال
جابر: لا تفارقني زيادة رسول الله ڑ.
أما الإجماع فمن الأمة فظاهرهم لا ينكرونه، وكذا الصحابة فقد أجمعوا على حله، فقد روي أن أبا بكر كان
تاجراً في البر، وروي عن عمر رضي الله عنه أنه كان تاجراً في الطعام والأقط، وروي عن عثمان أنه كان
تاجراً في البر والبحر، وروي عن العباس رضي الله عنه أنه كان تاجراً في العطر، وعلى ذلك جرت =

٩
كتاب البيوع
فكانا كبسيط ومركب وجمع، لكونه باعتبار كل من البيع والمبيع والثمن أنواعاً
أربعة: نافذ موقوف فاسد باطل، ومقايضة صرف سلم مطلق مرابحة تولية،
وضيعة مساومة.
حكم ملك الله تعالى وهذا قولهما. وقال الإمام: هو حبس العين على ملك الواقف
والتصدق بالمنفعة ط. قوله: (فكانا كبسيط ومركب) أي والبسيط مقدم على المركب
في الوجود فقدم عليه في الذكر. قال ط: وإنما لم يكن البيع مركباً حقيقة، لأن الإزالة
أمر اعتباري لا يتحقق منها (١) تركيب. قوله: (وجمع الخ) لما كان البيع في الأصل
مصدراً والمصدر لا يجمع لأنه اسم للحدث كالقيام والقعود وقد جمعه تبعاً للهداية أجابوا
عنه بأنه قد يراد به المفعول، فجمع باعتباره كما يجمع المبيع: أي فإن أنواع المبيعات
كثيرة مختلفة، أو أنه بقي على أصله مراداً به المعنى لكنه جمع باعتبار أنواعه، فإن البيع
الذي هو الحدث إن اعتبر من حيث هو فهو أربعة: نافذ إن أفاد الحكم للحال،
وموقوف إن أفاده عند الإجازة، وفاسد إن أفاده عند القبض، وباطل إن لم يفده أصلًا.
وإن اعتبر من حيث تعلقه بالمبيع فهو أربعة أيضاً، لأنه إما أن يقع على عين بعين، أو
ثمن بثمن: أي يكون المبيع فيه من الأثمان: أي النقود، أو ثمن بعين، أو عين بثمن.
ويسمى الأول مقايضة، والثاني صرفاً، والثالث سلماً، وليس للرابع اسم خاص، فهو
بيع مطلق. وإن اعتبر من حيث تعلقه بالثمن أو بمقداره فهو أربعة أيضاً، لأنه إن كان
بمثل الثمن الأول مع زيادة فمرابحة، أو بدون زيادة فتولية، أو أنقص من الثمن
فوضيعة، أو بدون زيادة ولا نقص فمساومة. وزاد في البحر خامساً وهو الإشراك: أي
أن يشرك غيره فيما اشتراه: أي بأن يبيعه نصفه مثلاً، وتركه الشارح لأنه غير خارج عن
الأربعة، وقد يعتبر من حيث تعلقه بوصف الثمن ككونه حالً أو مؤجلاً. وبما قررناه
ظهر لك أن قوله باعتبار كل من البيع والمبيع ليس المراد اعتبار المبيع وحده: أي
بدون تعلق بيع به، حتى يرد أنه إذا أريد كل منهما بانفراده يلزم الجمع بين الحقيقة
والمجاز، فإن جمع البيع باقياً على مصدريته نظراً إلى أنواعه حقيقة، بخلاف جمعه
منقولًا إلى اسم المفعول فإنه مجاز. ووجه عدم الورود أن المراد جمعه باعتبار حقيقته،
لكن نظراً إلى ذاته منفرداً أو متعلقاً بغيره لا منقولاً إلى اسم المفعول، فافهم. قوله:
(أنواعاً أربعة) خبر الكون، وقوله: ((نافذ الخ)) بيان للأنواع الأربعة في كل واحد من
الثلاثة على طريق اللف والنشر المرتب، وقد علمت بيانها. ثم إن تقسيم الأول إلى ما
= أحوال الصحابة قبل البعثة وبعدها، فمنهم من كان يفرد جنساً منها، ومنهم من كان يقلب في جميع
صنوفها كعثمان. إذاً تقرر حل البيع.
(١) ف ط (قوله منها) هكذا بخطه، ولعل الأصوب ((فيها)).

١٠
كتاب البيوع
(هو) لغة: مقابلة شيء بشيء مالاً أو لا
ذكر هو ما مشى عليه في الحاوي، وظاهره أن الموقوف من قسم الصحيح وهو أحد
طريقين للمشايخ، وهو الحق. ومنهم من جعله قسيماً للصحيح وعليه مشى الزيلعي،
فإنه قسمه إلى صحيح وباطل وفاسد وموقوف، وتمام تحقيقه في أول البيع الفاسد من
البحر ويأتي قريباً استثناء بيع المكره. قوله: (هو لغة مقابلة شيء بشيء) أي على وجه
المبادلة، ولو عبر بها بدل المقابلة لكان أولى كما فعل المصنف فيما بعد، وظاهره
شمول الإجارة، لأن المنفعة شيء باعتبار الشرع أنها موجودة حتى صح الاعتياض عنها
بالمال، وكذا باعتبار اللغة. تأمل.
مَطْلَبٌ فِي تَعْرِيفِ الْمَالِ وَاْلمِلْكِ وَالمُتَقَوّمِ
قوله: (مالاً أو لا) الخ، المراد بالمال ما يميل إليه الطبع ويمكن ادخاره لوقت
الحاجة، والمالية تثبت بتمول الناس كافة أو بعضهم، والتقوم يثبت بها وبإباحة الانتفاع
به شرعاً؛ فما يباح بلا تمول لا يكون مالًا كحبة حنطة وما يتمول بلا إباحة انتفاع لا
يكون متقوماً كالخمر، وإذا عدم الأمران لم يثبت واحد منهما كالدم. بحر ملخصاً عن
الكشف الكبير.
وحاصله أن المال أعم من المتمول(١)، لأن المال ما يمكن ادخاره ولو غير مباح
كالخمر، والمتقوّم ما يمكن ادخاره مع الإباحة، فالخمر مال لا متقوم، فلذا فسد البيع
بجعلها ثمناً، وإنما لم ينعقد أصلاً بجعلها مبيعاً لأن الثمن غير مقصود بل وسيلة إلى
المقصود، إذ الانتفاع بالأعيان لا بالأثمان، ولهذا اشترط وجود المبيع دون الثمن،
فبهذا الاعتبار صار الثمن من جملة الشروط بمنزلة آلات الصناع، وتمام تحقيقه في فصل
النهي من التلويح، ومن هذا قال في البحر: ثم اعلم أن البيع وإن كان مبناه على
البدلين لكن الأصل فيه المبيع دون الثمن، ولذا تشترط القدرة على المبيع دون الثمن
وينفسخ بهلاك المبيع دون الثمن اهـ. وفي التلويح أيضاً من بحث القضاء: والتحقيق أن
المنفعة ملك لا مال، لأن الملك ما من شأنه أن یتصرف فیہ بوصف الاختصاص،
والمال ما من شأنه أن يدخر للانتفاع وقت الحاجة، والتقويم يستلزم المالية عند الإمام
والملك عند الشافعي. وفي البحر عن الحاوي القدسي: المال اسم لغير الآدمي، خلق
لمصالح الآدمي وأمكن إحرازه والتصرف فيه على وجه الاختيار، والعبد وإن كان فيه
معنى المالية لكنه ليس بمال حقيقة حتى لا يجوز قتله وإهلاكه اهـ.
قلت: وفيه نظر، لأن المال المنتفع به في التصرف على الوجه الاختيار والقتل
والإهلاك ليس بانتفاع، ولأن الانتفاع بالمال يعتبر في كل شيء بما يصلح له، ولا يجوز
(١) في ط (قوله أعم من المتمول الخ) لعلى الصواب ((المتقوم)).

١١
كتاب البيوع
بدليل - وشروه بثمن بخس . وهو من الأضداد، ويستعمل متعدياً وبمن للتأكيد
وباللام، يقال بعتك الشيء وبعت لك فهي زائدة. قاله ابن القطاع. وباع عليه
القاضي: أي بلا رضاه. وشرعاً: (مبادلة شيء مرغوب فيه بمثله) خرج غير
إهلاك شيء من المال بلا انتفاع أصلاً كقتل الدابة بلا سبب موجب. قوله: (بدليل
وشروه بثمن بخس) أي باعوه: أي إخوة يوسف بثمن ناقص وقيل باعوه بعشرين درهماً،
فالآية دليل على أن البيع لا يلزم كون المبيع فيه مالاً، لأن الحرّ لا يملك.
قلت: وفيه أن أهل اللغة في الجاهلية كانوا يسترقون الأحرار ويبيعونهم، فلا تدل
الآية على أن البيع لغة لا يشترط فيه المالية، على أن الظاهر أن الحرّ يملك قبل
شرعنا، بدليل ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ [يوسف: ٧٥] ثم رأيت
ذلك في القهستاني من البيع الفاسد حيث قال: إن الحرّ كان مالاً في شريعة يعقوب
عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام حتى استرق السارق كما في شرح التأويلات، فلا ينبغي
أن يقال: إنه لم يكن مالاً عند أحد اهـ. فالأولى الاستدلال بمثل: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ
المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهِمْ. فَأَسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ﴾ [التوبة: ١١١] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلَالَةَ
بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦] ونحوه، ولا يخفى أن دعوى المجاز في ذلك خلاف الأصل،
فافهم. وبهذا ظهر أن تعريفه لغة بما ذكره الشارح تبعاً للمحيط أولى مما في الفتح عن
فخر الإسلام من أن البيع لغة مبادلة المال بالمال، لكن يرد على الأول أنه يدخل فيه
النكاح، إلا أن يراد بالمقابلة ما يكون على وجه التمليك حقيقة. تأمل. قوله: (وهو
من الأضداد) أي من الألفاظ التي تطلق على الشيء وعلى ضده، كما في قوله تعالى:
- وكان وراءهم ملك . أي قدامهم. قال في الفتح: يقال باعه إذا أخرج العين من ملكه
إليه، وباعه أي اشتراه اهـ. وكذا الشراء بدليل - وشروه بثمن بخس . فيطلق كل منهما
على الآخر. وفي المصباح: والبيع من الأضداد مثل الشراء، ويطلق على كل واحد من
المتعاقدين أنه بائع، لكن إذا أطلق البائع فالمتبادر إلى الذهن باذل السلعة. قوله:
(ويستعمل متعدياً) أي بنفسه إلى مفعولين. قوله: (وبمن للتأكيد) كبعت من زيد الدار،
وظاهر الفتح أنها للتعدية لأنه قال: ويتعدى بنفسه وبالحرف. قوله: (وباللام) أي قليلاً.
وعبارة ابن القطاع على ما في المصباح: وربما دخلت اللام مكان ((من))، تقول: بعتك
الشيء وبعت لك فهي زائدة اهـ. قوله: (يقال بعتك الشيء) مثال للمتعدي بنفسه وترك
مثال التعدي بمن. قوله: (وباع عليه القاضي) أفاد أنه يتعدى بعلى أيضاً في مقام
الإجبار والإلزام. قوله: (مبادلة شيء) مصدر مضاف إلى مفعوله الأول والفاعل
محذوف، والأصل أن يتبادل المتبايعان شيئاً مرغوباً فيه بمثله، فشيئاً مفعول أول وبمثله
مفعول ثان بواسطة الحرف، فافهم. قوله: (مرغوب فيه) أي ما من شأنه أن ترغب إليه

١٢
كتاب البيوع
النفس وهو المال، ولذا احترز به الشارح عن التراب والميتة والدم فإنها ليست بمال،
فرجع إلى قول الكنز والملتقى: مبادلة المال بالمال، ولذا فسر الشارح كلام الملتقى
في شرحه بقوله: أي تمليك شيء مرغوب فيه بشيء مرغوب فيه، فقد تساوى التعريفان
فافهم؛ نعم زاد في الكنز بالتراضي.
مَطْلَبٌ فِي بَيْعِ المُكْرَهِ وَأَلْمَوْقُوفِ
وأورد عليه أنه يخرج بيع المكره مع أنه منعقد. وأجاب في شرح النقاية بأن من
ذكره أراد تعريف البيع النافذ، ومن تركه أراد الأعم. واعترضه في البحر بأن بيع المكره
فاسد موقوف لا موقوف فقط كبيع الفضولي كما يفهم من كلام شارح النقاية.
قلت: لكن قدمنا أن الموقوف من قسم الصحيح، ومقتضاه أن بيع المكره
كذلك، لكن صرّحوا في كتاب الإكراه أنه يثبت به الملك عند القبض للفساد، فهو
صريح في أنه فاسد وإن خالف بقية العقود الفاسدة في أربعة صور(١) سيذكرها المصنف
هناك، وأفاد في المنار وشرحه أنه ينعقد فاسداً لعدم الرضا الذي هو شرط النفاذ، وأنه
بالإجازة يصح ويزول الفساد، وبه علم أن الموقوف على الإجازة صحته، فصح كونه
فاسداً موقوفاً، وظهر أن الموقوف منه فاسد کبیع المکره، ومنه صحیح کبیع عبد أو
صبيّ محجورين. وأمثلته كثيرة ستأتي في باب بيع الفضولي.
والحاصل أن الموقوف مطلقاً بيع حقيقة، والفاسد بيع أيضاً وإن توقف حكمه،
وهو الملك على القبض، فلا يناسب ذكر التراضي في التعريف، ولذا قال في الفتح:
إن التراضي ليس جزء مفهوم البيع الشرعي، بل شرط ثبوت حكمه شرعاً اهـ .: أي لأنه
لو کان جزء مفهومه شرعاً لزم أن یکون بيع المکره باطلا ولیس کذلك، بل هو فاسد
كما علمت. وأنت خبير بأن التعريف شامل للفاسد بسائر أنواعه كما ذكره في النهر لأنه
بيع حقيقة، وإن توقف حكمه على القبض، فالتقييد بالتراضي لإخراج بعض الفاسد
وهو بيع المكره غير مرضيّ، لأنه إذا كان المراد تعريف مطلق البيع يكون غير جامع
لخروج هذا منه، وإن أريد تعريف البيع الصحيح فليس بمانع لدخول أكثر البياعات
الفاسدة فيه.
ثم اعلم أن الخمر مال كما قدمناه عن الكشف والتلويح وإن كان غير متقوم مع
أن بيعه باطل في حق المسلم، بخلاف البيع به فإنه فاسد، ومرّ الفرق. وأما ما في
البحر عن المحيط من أنه غير مال فالظاهر أنه أراد بالمال المتقوم توفيقاً بين كلامهم،
(١) في ط (قوله في أربعة صور) هكذا بخطه، والأصوب تجريد العدد من التاء للقاعدة المعلومة.

١٣
كتاب البيوع
المرغوب كتراب وميتة ودم (على وجه) مفيد (مخصوص) أي بإيجاب أو تعاط،
فخرج التبرّع من الجانبين والهبة بشرط العوض، وخرج بمفيد ما لا يفيد، فلا
پصح بيع درهم بدرهم استويا وزناً وصفة،
وحينئذ فيرد على تعريف المصنف كالكنز، فافهم. ويرد على تعريف المصنف فقط
الإجارة والنكاح. قال ط: فإن فيهما مبادلة مال مرغوب فيه بمرغوب فيه، ولا يخرجان
بقوله على وجه مخصوص، لأن المراد به الإيجاب والقبول والتعاطي اهـ. إلا أن يجاب
بأن المراد بالمرغوب فيه المال كما قررناه أو لا، والمنفعة غير مال كما مر؛ أو يقال إن
المبادلة هي التمليك كما في النهر عن الدراية: أي التمليك المطلق، والمنفعة في
الإجارة والنكاح مملوكة ملكاً مقيداً، فافهم. قوله: (على وجه مفيد) هذا التقييد غير
مفید، إذ غايته أنه أخرج ما لا یفید کبیع درهم بدرهم اتحد وزناً وصفة وهو فاسد، وقد
علمت شمول التعريف لجميع أنواع الفاسد، فلا فائدة في إخراج نوع منه كما قلناه في
بيع المكره؛ نعم لو كان بيع الدرهم بالدرهم باطلاً فهو تقييد مفيد، لكن بطلانه بعيد
لوجود المبادلة بالمال، فتأمل. قوله: (أي بإيجاب أو تعاط) بیان للوجه المخصوص،
وأراد الإيجاب ما يكون بالقول بدليل المقابلة فيشمل القبول، وإلا لم يخرج التبرّع من
الجانبين على ما قاله ط، فتأمل. قوله: (فخرج التبرع من الجانبين الخ) قال المصنف
في المنح: ولما كان هذا يشمل مبادلة رجلين بمالهما بطريق التبرّع أو الهبة بشرط
العوض فإنه ليس ببيع ابتداء وإن كان في حكمه بقاء، أراد إخراج ذلك فقال: على وجه
مخصوص اهـ.
قلت: وهذا صريح في دخولهما تحت المبادلة على خلاف ما في النهر. ووجهه
أنه لو تبرع لرجل بشيء ثم الرجل عوض عليه بشيء آخر بلا شرط فهو تبرع من
الجانبين مع المبادلة لکن من جانب الثاني، وهذا یوجد کثیراً بین الزوجین یبعث إليها
متاعاً وتبعث له أيضاً وهو في الحقيقة هبة، حتى لو ادعى الزوج العارية رجع، ولها
أيضاً الرجوع لأنها قصدت التعويض عن الهبة، فلما لم توجد الهبة بدعوى العارية لم
يوجد التعويض عنها فلها الرجوع كما سيأتي في الهبة؛ وكذا لو وهبه شيئاً على أن
يعوضه عنه شيئاً معيباً فهو هبة ابتداء مع وجود المبادلة المشروطة، فافهم. قوله:
(استويا وزناً) أما إذا لم يستويا فيه فالبيع فاسد لربا الفضل لا لعدم الفائدة، وقوله:
(وصفة)) خرج ما اختلفا فيها مع اتحاد الوزن ككون أحدهما كبيراً والآخر صغيراً أو
أحدهما أسود والآخر أبيض.
قلت: والمسألة مذكورة في الفصل السادس من الذخيرة: باع درهماً كبيراً بدرهم
صغير أو درهماً جيداً بدرهم رديء جاز لأن لهما فيه غرضاً صحيحاً، أما إذا كانا

١٤
كتاب البيوع
ومقايضة أحد الشريكين حصة داره بحصة الآخر صيرفية ولا إجارة السكنى
بالسكنى أشباه (ويكون بقول أو فعل، أما القول فالإيجاب والقبول) وهما ركنه،
وشرطه أهلية المتعاقدين.
مستويين في القدر والصفة اختلفوا فيه. قال بعض المشايخ: لا يجوز، وإليه أشار محمد
في الكتاب، وبه كان يفتي الحاكم الإمام أبو أحمد اهـ. قوله: (ولا مقايضة أحد
الشريكين) أي المستويين: والمتبادر من التعبير بالشريكين أن الدار مشاعة بينهما، أما لو
كانت حصة كل منهما مفروزة عن الأخرى فالظاهر جواز المقايضة، لأنه قد يكون رغبة
كل منهما فيما في يد الآخر فهو بيع مفيد، بخلاف المشاعة، فافهم. قوله: (ولا إجارة
السكنى بالسكنى) لأن المنفعة معدومة فيكون بيع الجنس بالجنس نسيئة وهو لا
يجوز. ط عن حاشية الأشباه. قوله: (ويكون) أي البيع منح، والأظهر إرجاع الضمير
إلى قوله على وجه مخصوص، فهو بيان له وإلا كان تكراراً. تأمل. قوله: (وهما ركته)
ظاهره أن الضمير للإيجاب والقبول، ويحتمل إرجاعه للقول والفعل كما يفيده قول
البحر. وفي البدائع: ركنه المبادلة المذكورة، وهو معنى ما في الفتح من أن ركنه
الإيجاب والقبول الدالان على التبادل أو ما يقوم مقامهما من التعاطي، فركنه الفعل الدال
على الرضا بتبادل الملكين من قول أو فعل اهـ. وأراد بالفعل أولا ما يشمل فعل
اللسان، وبالفعل ثانياً غيره، وقوله الدالّ على الرضا: أي بالنظر إلى ذاته وإن كان ثم ما
ينافي الرضا كإكراه، وظاهر كلام المصنف أن الإيجاب والقبول غير البيع مع أن ركن
الشيء عينه، وإذا أرجعنا الضمير في قوله: ((ويكون)) إلى قوله على ((وجه مخصوص)) لا
يرد ذلك، وكذا إذا أريد بالبيع حكمه وهو الملك، وهاهنا أبحاث رائقة مذكورة في
النهر.
قوله: (وشرطه أهلية المتعاقدين) أي بكونهما عاقلين، ولا يشترط البلوغ
والحرية .
مَطْلَبٌ: شَرَائِطُ البَيْعِ أَنْوَاعٌ أَرْبَعَةٌ
وذكر في البحر أن شرائط البيع أربعة أنواع: شرط انعقاد، ونفاذ، وصحة،
ولزوم.
فالأول أربعة أنواع: في العاقد، وفي نفس العقد، وفي مكانه، وفي المعقود
عليه. فشرائط العاقد اثنان. العقل، والعدد، فلا ينعقد بيع مجنون وصبيّ لا يعقل، ولا
وكيل من الجانبين، إلا في الأب ووصيه والقاضي، وشراء العبد نفسه من مولاه بأمره،
والرسول من الجانبين. ولا يشترط فيه البلوغ ولا الحرية؛ فيصح بيع الصبي أو العبد
لنفسه موقوفاً ولغيره نافذاً، ولا الإسلام والنطق والصحو. وشرط العقد اثنان أيضاً:

١٥
كتاب البيوع
موافقة الإيجاب للقبول، فلو قبل غير ما أوجبه أو بعضه أو بغير ما أوجبه أو ببعضه لم
ينعقد إلا في الشفعة، بأن (١) باع عبداً وعقاراً فطلب الشفيع العقار وحده، وكونه بلفظ
الماضي، وشرط مكانه واحد، وهو اتحاد المجلس. وشرط المعقود عليه ستة: كونه
موجوداً مالاً متقوماً مملوكاً في نفسه، وكون الملك للبائع فيما يبيعه لنفسه، وكونه
مقدور التسليم فلم ينعقد بيع المعدوم وماله خطر العدم كالحمل واللبن في الضرع
والثمر قبل ظهوره، وهذا العبد فإذا هو جارية؛ ولا بيع الحر والمدبر وأم الولد
والمكاتب ومعتق البعض والميتة والدم، ولا بيع الخمر والخنزير في حق مسلم وكسرة
خبز، لأن أدنى القيمة التي تشترط لجواز البيع فلس؛ ولا بيع الكلأ ولو في أرض
مملوكة له، والماء في نهر أو بئر. والصيد والحطب والحشيش قبل الإحراز؛ ولا بيع ما
ليس مملوكاً له وإن ملكه بعده، إلا السلم والمغصوب لو باعه الغاصب ثم ضمن قيمته
وبيع الفضولي فإنه منعقد موقوف، وبيع الوكيل فإنه نافذ؛ ولا بيع معجوز التسليم
كالآبق والطير في الهواء والسمك في البحر بعد أن كان في يده، فصارت شرائط
الانعقاد أحد عشر. قلت: صوابه تسعة(٢).
وأما الثاني وهو شرائط النفاذ فاثنان: الملك أو الولاية، وأن لا يكون في البيع
حق لغير البائع فلم ينعقد بيع(٣) الفضولي عندنا. أما شراؤه فنافذ.
قلت: أي لم ينعقد إذا باعه لأجل نفسه لا لأجل مالكه، لكنه على الرواية
الضعيفة. والصحيح انعقاده موقوفاً كما سيأتي في بابه. والولاية إما بإنابة المالك
كالوكالة، والشارع كولاية الأب ثم وصيه ثم الجد ثم وصيه ثم القاضي ثم وصيه، ولا
ينفذ بيع مرهون ومستأجر، وللمشتري فسخه إن لم يعلم لا لمرتهن ومستأجر.
وأما الثالث، وهو شرائط الصحة فخمسة وعشرون: منها عامة ومنها خاصة؛
فالعامة لكل بيع شروط الانعقاد المارة؛ لأن ما لا ينعقد لا يصح، وعدم التوقيت،
ومعلومية المبيع، ومعلومية الثمن بما يرفع المنازعة فلا يصح بيع شاة من هذا القطيع
وبيع الشيء بقيمته أو بحكم فلان، وخلوه عن شرط مفسد كما سيأتي في البيع الفاسد
والرضا والفائدة، ففسد بيع المكره وشراؤه وبيع ما لا فائدة فيه وشراؤه كما مر،
(١) في ط (قوله لم ينعقد إلا في الشفعة بأن الخ) وذلك لأن العقد بالنسبة للعقار يتحول إلى الشفيع، ولذا لو
ظهر بالمبيع عيب يرجع به على البائع، فبهذا الاعتبار كان الشفيع قابلاً بعض ما أوجبه البائع.
(٢) في ط (قوله قلت صوابه تسعة) أي للاستغناء بذكر المال عن قيد الوجود، فإن المال اسم لما تميل إليه
النفس ويدخر للحاجة، وهو لا يكون إلا موجوداً، ولا غناء كون الملك للبائع عن كونه مملوكاً في نفسه.
(٣) في ط (قوله فلم ينعقد بيع الخ) عبارة البحر، فلم ينفذ؟ وهو المناسب للتفريع.

١٦
كتاب البيوع
ومحله المال. وحكمه ثبوت الملك. وحكمته نظام بقاء المعاش والعالم.
والخاصة معلومة الأجل في البيع المؤجل ثمنه، والقبض في بيع المشتري (١) المنقول،
وفي الدين، ففسد بيع الدين قبل قبضه كالمسلم فيه ورأس المال وبيع شيء بدين على
غير البائع وكون البدل مسمى في المبادلة القولية، فإن سكت عنه فسد وملك بالقبض
والمماثلة بين البدلين في أموال الربا، والخلوّ عن شبهة الربا، ووجود شرائط السلم
فيه، والقبض في الصرف قبل الافتراق، وعلم الثمن الأول في مرابحة، وتولية وإشراك
ووضيعة.
وأما الرابع، وهو شرائط اللزوم بعد الانعقاد والنفاذ فخلوّه من الخيارات الأربعة
المشهورة، وباقي الخيارات الآتية في أول باب خيار الشرط، فقد صارت جملة الشرائط ستة
وسبعين اهـ ملخصاً أي لأن شرائط الانعقاد أحد عشر على ما قاله أو لا، وشرائط النفاذ
اثنان، وشرائط الصحة خمسة وعشرون، صارت ثمانية وثلاثين، وهي كلها شرائط اللزوم مع
زيادة الخلوّ من الخيارات، لكن بذلك تصير الجملة سبعة وسبعين. نعم تنقص ثمانية على
ما قلنا من أن الصواب أن شرائط الانعقاد تسعة فيسقط منها اثنان، ومن شرائط الصحة اثنان،
ومن شرائط اللزوم أربعة فتصير الجملة تسعة وستين. نعم يزاد في شروط المعقود عليه إذا
لم يرياه الإشارة إليه أو إلى مكانه كما سيأتي في باب خيار الرؤية، وسيأتي تمام الكلام عليه
عند قوله: ((وشرط الصحة معرفة قدر مبيع وثمن)). قوله: (ومحله المال) فيه نظر، لما مر من
أن الخمر مال مع أن بيعه باطل في حق المسلم، فكان عليه إبداله بالمتقوم وهو أخص من
المال كما مربيانه، فيخرج ما ليس بمال أصلاً كالميتة والدم، وما كان مالاً غير متقوم
کالخمر فإن ذلك غیر محل للبيع. قوله: (وحکمه ثبوت الملك) أي في البدلین لكل منهما
في بدل، وهذا حكمه الأصلي، والتابع وجوب تسليم المبيع والثمن، ووجوب استبراء
الجارية على المشتري، وملك الاستمتاع بها، وثبوت الشفعة لو عقاراً، وعتق المبيع لو
محرماً من البائع. بحر. وصوابه من المشتري. قوله: (وحكمته نظام بقاء المعاش والعالم)
حقه أن يقول: بقاء نظام المعاش الخ، فإنه سبحانه وتعالى خلق العالم على أتم نظام
وأحكم أمر معاشه أحسن إحكام، ولا يتم ذلك إلا بالبيع والشراء إذ لا يقدر أحد أن يعمل
لنفسه كل ما يحتاجه، لأنه إذا اشتغل بحرث الأرض وبذر القمح وخدمته وحراسته وحصده
ودراسته وتذريته وتنظيفه وطحنه وعجنه لم يقدر على أن يشتغل بيده ما يحتاج ذلك من آلات
الحراثة والحصد ونحوه، فضلاً عن اشتغاله فيما يحتاجه من ملبس ومسكن فاضطر إلى شراء
ذلك، ولولا الشراء لكان يأخذه بالقهر أو بالسؤال إن أمكن، وإلا قاتل صاحبه عليه، ولا
(١) في ط (قوله والقبض في بيع المشتري الخ) أي يشترط قبض منقول اشتراه لصحة بيعه، فلو اشترى منقولاً
ولم يقبضه فباعه لا يصح بيعه.

١٧
كتاب البيوع
وصفته: مباح مكروه حرام واجب. وثبوته بالكتاب والسنة والإجماع والقياس
(فالإيجاب) هو (ما يذكر أولاً من كلام) أحد (المتعاقدين) والقبول ما يذكر ثانياً
من الآخر سواء كان بعت أو اشتريت
يتم مع ذلك بقاء العالم. قوله: (مباح) هو ما خلا عن أوصاف ما بعده. قوله: (مكروه)
كالبيع بعد النداء في الجمعة. قوله: (حرام) كبيع خمر لمن يشربها. قوله: (واجب) کبیع
شيء لمن يضطر إليه. قوله: (والسنة) فإنه عليه الصلاة والسلام باع واشترى وأقرّ أصحابه
على ذلك أيضاً. قوله: (والقياس) عبارة البحر: والمعقول اهـح. لأنه أمر ضروري يجزم
العقل بثبوته كباقي الأمور الضرورية المتوقف عليها انتظام معاشه وبقائه، فافهم. قوله:
(فالإيجاب الخ) هذه الفاء الفصيحة، وهي المفصحة عن شرط مقدر: أي إذا أردت معرفة
الإيجاب والقبول المذكورين. وفي الفتح: الإيجاب الإثبات لغة لأي شيء كان، والمراد هنا
إثبات الفعل الخاص الدال على الرضا الواقع أولا، سواء وقع من البائع أو من المشتري،
كأن يبتدئ المشتري فيقول اشتريت منك هذا بألف والقبول الفعل الثاني، وإلا فكل منهما
إيجاب أي إثبات فسمى الثاني بالقبول تمييزاً له عن الإثبات الأول ولأنه يقع قبولاً ورضا
بفعل الأول اهـ. قوله: (والقبول) في بعض النسخ ((فالقبول)) بالفاء، فهو تفريع على تعريف
الإيجاب، ولذا قال المصنف لما ذكر أن الإيجاب ما ذكر أو لا علم أن الإيجاب(١) هو ما ذكر
ثانياً من كلام أحدهما. أفاده ط. قوله: (ما يذكر ثانياً من الآخر) أي من العاقد الآخر
والتعبير بيذكر لا يشمل الفعل، وعرفه في الفتح بأنه الفعل الثاني كما مر، وقال: لأنه أعم
من اللفظ، فإن من الفروع ما لو قال كل هذا الطعام بدرهم فأكله، تم البيع وأكله حلال
والركوب واللبس بعد قول البائع: أركبها بمائة وألبسه بكذا رضا بالبيع.
مَطْلَبٌ: الْقَبُولُ قَدْ يَكُونُ بِالفِعْلِ وَلَيْسَ مِنْ صُوَرِ التَّعَاطِي(٢)
وكذا إذا قال بعتكه بألف فقبضه ولم يكن شيئاً كان قبضه قبولاً، بخلاف بيع
(١) في ط (قوله علم أن الإيجاب الخ) هكذا بخطه، وصوابه ((علم أن القبول الخ)) كما هو ظاهر.
(٢) المشهور من مذهب الشافعي أنه لا يصح البيع إلا بالإيجاب والقبول، ولا يصح بالمعاطاة لا في القليل ولا
في الكثير، وفيه وجه مشهور عن ابن سريج أنه يصح بالمعاطاة خرجه من مسألة المهدي إذا قلده، فهل
يصير بالتقليد هدياً منذوراً، فيه قولان مشهوران.
الجديد: وهو الصحيح أنه لا يصير.
القديم: أنه يصير، ويقوم الفعل مقام القول:
فخرج ابن سريج من ذلك القول وجهاً في صحة البيع.
ثم إن المتولي والغزالي وصاحب العدة والرافعي والجمهور نقلوا عن ابن سريج أنه تجوز في المحقرات،
وهذا مذهب أبي حنيفة، فإنه جوزها في المحقرات دون الأشياء النفيسة. ونقل إمام الحرمين هذا عن أبي
حنيفة ونقل عن ابن سريج أن يجوزها ولم يقيد الإمام في نقله عن ابن سريج بالمحقرات كما قيد في نقله
عن أبي حنيفة؛ ولعله أراد ذلك واكتفى بالتقيد عن أبي حنيفة. وقد أنكر الشيخ أبو عمر بن الصلاح =

١٨
كتاب البيوع
(الدالّ على التراضي) قيد به اقتداء بالآية وبياناً للبيع الشرعي، ولذا لم يلزم بيع
المكره وإن انعقد،
التعاطي فإنه ليس فيه إيجاب بل قبض بعد معرفة الثمن فقط، ففي جعل الأخيرة من
صور التعاطي كما فعل بعضهم نظر اهـ. وذكر في الخانية أن القبض يقوم مقام القبول،
وعليه فتعريف القبول بالقول لكونه الأصل. قوله: (الدال على التراضي) الأولى أن
يقول الرضا كما عبر به في الفتح والبحر، لأن التراضي من الجانبين لا يدل عليه
الإيجاب وحده، بل هو مع القبول. أفاده ح. قوله: (قيد به اقتداء بالآية) وهي قوله
تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. قوله: (وبياناً للبيع
الشرعي) استظهر في الفتح أن التراضي لا بد منه في البيع اللغوي أيضاً، فإنه لا يفهم
من باع زيد عبده لغة إلا أنه استبدله بالتراضي اهـ. ونقل مثله القهستاني عن إكراه الكفاية
والكرماني وقال: وعليه يدل كلام الراغب خلافاً لشيخ الإسلام. قوله: (ولذا لم يلزم
بيع المكره) قدمنا أن بيع المكره فاسد موقوف على إجازة البائع، وأن البيع المعرف
يشمل سائر أنواع البيع الفاسد، وأن قول الكنز: البيع مبادلة المال بالمال بالتراضي غير
مرضيّ لأنه يخرج بيع المكره مع أنه داخل. وأجيب عنه بما ذكره الشارح بأنه قيد به
اقتداء بالآية: أي لا للاحتراز، لكن قوله: ((وبياناً للبيع الشرعي)) إن أراد به البيع المقابل
= على الغزالي كونه حكى عن ابن سريج تجويزها في المحقرات وقال ليست مختصة عن ابن سريج
بالمحقرات .. وهذا الإنكار على الغزالي غير معقول؛ لأن المشهور عن ابن سريج التخصيص بالمحقرات.
واختار جماعات من العلماء جواز البيع بالمعاطاة فيما يُعد بيعاً.
وقال مالك في كل ما عده الناس بيعاً فهو بيع. ومن اختار من العلماء أن المعاطاة فيما بعد بيعاً صحيح
صاحب الشامل والمتولي والبغوي والروياني. وكان الروياني يفتي به وقال المتولي وهذا هو المختار
للفتوى وكذا قال آخرون. وهذا هو المختار لأن الله أحل البيع ولم يثبت في الشرع لفظ له فوجب الرجوع
إلى العرف فكل ما عده الناس بيعاً كان بيعاً كما في القبض والحرز وإحياء الموات وغير ذلك من الألفاظ
المطلعة فإنها كلها تحمل على العرف. ولفظة البيع مشهورة وقد اشتهرت الأحاديث بالبيع عن النبي ◌َّقير
وأصحابه ولم يثبت في شيء منها مع كثرتها اشتراط الإيجاب والقبول لا في زمنه ولا بعده.
وقد أوضح هذه المسألة المتولي فقال المعاطاة التي جرت بها العادة بأن يزن النقد ويأخذ المتاع من غير
إيجاب ولا قبول ليست بيعاً على المشهور من مذهبنا معاشر الشافعية. وقال ابن سريج كل ما جرت فيه
العادة بالمعاطاة وعده العرف بيعاً فهو بيع وما لم تجر فيه العادة بالمعاطاة كالدواب والجواري والعقار لا
يكون بيعاً قال وهذا هو المختار للفتوى وبه قال مالك. وقال أبو حنيفة المعاطاة في المحقرات فأما النفيس
فلا بد فيه من الإيجاب والقبول.
ووجه المشهور القياس على النكاح فإنه لا ينعقد إلا باللفظ.
ووجه ابن سريج أن البيع كان معهوداً قبل ورود الشرع فورد ولم يغير حقيقته، بل علق به أحكاماً، فوجب
الرجوع فيه إلى العرف وكل ما عدده بيعاً جعلناه بيعاً، كما يرجع في إحياء الموات والحرز والقبض إلى
الغرف. أركان البيع لفرج علوان.

١٩
كتاب البيوع
ولم ينعقد مع الهزل لعدم الرضا بحكمه معه.
للغوي. يرد عليه ما علمته من اعتبار التراضي في البيع اللغوي، وأنه لا يعتبر في البيع
الشرعي، إذ لو كان جزء مفهومه لزم أن يكون بيع المكره باطلاً لا فاسداً، بل التراضي
شرط لثبوت حكمه شرعاً وهو الملك كما قدمناه عن الفتح، وإن أراد بالشرعي الخالي
عن الفساد فالتقييد بالتراضي لا يخرج بقية البيوع الفاسدة، بل للتعريف شامل لها، ثم لا
يخفى أن هذا كله إنما يتأتى في عبارة الكنز حيث جعل فيها التراضي قيداً في التعريف.
أما قول المصنف الدال على التراضي فلا، لكونه ذكره صفة للإيجاب، فهو بيان للواقع،
فإن الأصل فيه أن يكون دليلاً على الرضا، ولكن لا يلزم منه وجود الرضا حقيقة فلا
يخرج به بيع المكره. تأمل.
مَطْلَبٌ فِي حُكْمٍ أَلْبَيْعِ مَعَ الْهَزْلِ
قوله: (ولم ينعقد مع الهزل الخ) الهزل في اللغة: اللعب. وفي الاصطلاح: هو
أن يراد بالشيء ما لم يوضع له، ولا ما صح له اللفظ استعارة، والهازل يتكلم بصيغة
العقد مثلاً باختياره ورضاه، لكن لا يختار ثبوته الحكم ولا يرضاه. والاختيار: هو
القصد إلى الشيء وإرادته. والرضا: هو إيثاره واستحسانه، فالمكره على الشيء يختاره
ولا يرضاه، ومن هنا قالوا: إن المعاصي والقبائح بإرادة الله تعالى لا يرضاه - إن الله لا
يرضى لعباده الكفر. كذا في التلويح. وشرطه: أي شرط تحقق الهزل واعتباره في
التصرفات أن يكون صريحاً باللسان مثل أن يقول: إني أبيع هازلاً، ولا يكتفي بدلالة
الحال، إلا أنه لا يشترط ذكره في العقد، فيكفي أن تكون المواضعة سابقة على العقد،
فإن تواضعا على الهزل بأصل البيع: أي توافقا على أنهما يتكلمان بلفظ البيع عند الناس
ولا يريدانه واتفقا على البناء: أي على أنهما لم يرفعا الهزل ولم يرجعا عنه، فالبيع
منعقد لصدوره من أهله في محله، لكن يفسد البيع لعدم الرضا بحكمه فصار كالبيع
بشرط الخيار أبداً، لكنه لا يملك بالقبض لعدم الرضا بالحكم؛ حتى لو أعتقه المشتري
لا ينفذ عتقه، هكذا ذكروا. وينبغي أن يكون البيع باطلًا لوجود حكمه، وهو أنه لا
يملك بالقبض. وأما الفاسد فحکمه أن يملك بالقبض حیث کان مختاراً راضياً بحكمه،
أما عند عدم الرضا به فلا اهـ. منار وشرحه لصاحب البحر. فقول الشارح: ((ولم ينعقد
مع الهزل)» الذي هو من مدخول العلة غير صحيح، لمنافاته ما تقدم من أنه منعقد
لصدوره من أهله في محله، لكنه يفسد البيع لعدم الرضا بالحكم، إلا أن يحمل على نفي
الانعقاد الصحيح أو يتمشى على البحث الذي ذكره بقوله وينبغي الخ اه ط.
قلت: قد صرح في الخانية والقنية بأنه بيع باطل، وبه يتأيد ما بحثه في شرح
المنار، وكثيراً ما يطلقون الفاسد على الباطل كما ستعرفه في بابه، لكن يرد على بطلانه

٢٠
كتاب البيوع
هذا ويرد على التعريفين ما في التاترخانية: لو خرجا معاً صح البيع، لكن
في القهستاني: لو كانا معاً لم ينعقد كما قالوا في السلام، وعلى الأول ما في
الأشباه تكرار الإيجاب مبطل للأول، إلا في عتق وطلاق على مال،
أنهما لو أجازه جاز، والباطل لا تلحقه الإجازة، وأن الباطل ما ليس منعقد أصلاً،
والفاسد ما كان منعقداً بأصله لا بوصفه، وهذا منعقد بأصله لأنه مبادلة مال بمال دون
وصفه، ولذلك أجاب بعض العلماء بحمل ما في الخانية على أن المراد بالبطلان
الفساد كما في حاشية الحموي وتمامه فيها.
قلت: وهذا أولى لموافقته لما في كتب الأصول من أنه فاسد. وأما عدم إفادته
الملك بالقبض فلكونه أشبه البيع بالخيار لهما، وليس كل فاسد يملك بالقبض، ولذا
قال في الأشباه: إذا قبض المشتري المبيع فاسداً ملكه إلا في مسائل: الأولى: لا
يملكه في بيع الهازل كما في الأصول. الثانية: لو اشتراه الأب من ماله لابنه الصغير أو
باعه له كذلك فاسداً لا يملكه بالقبض حتى يستعمله، كذا في المحيط. الثالثة: لو كان
مقبوضاً في يد المشتري أمانة لا يملكه به اهـ. وذكر الشارح مسألة بيع الهزل قبيل
الكفالة وذكرها المصنف متناً في الإكراه. قوله: (ويرد على التعريفين) أي تعريفي
الإيجاب والقبول، حيث قيد الإيجاب بكونه أولًا والقبول بكونه ثانياً ط. قوله: (لكن في
القهستاني الخ) ومثله في التجنيس لصاحب الهداية. قوله: (كما قالوا في السلام) أي
لو ردّ على المسلم مع السلام فلا بد من الإعادة (١). قوله: (وعلى الأول) أي ويرد
على التعريف الأول حيث قيد بكونه أولًا، والمعتبر في التكرار هو الثاني. والجواب
أن الإيجاب الأول لما بطل صار الثاني أولاً في التحقيق، على أن كلّ من الإيجابين أول
بالنسبة إلى القبول. أفاده ط. قوله: (تكرار الإيجاب) أي قبل القبول. قوله: (مبطل
للأول) وينصرف القبول إلى الإيجاب الثاني، ويكون بيعاً بالثمن الأول. بحر. وصوابه
بالثمن الثاني كما هو ظاهر، ويعلم مما يأتي. قوله: (إلا في عتق وطلاق على مال) لم
يذكر في الأشباه الطلاق بل ذكره في البحر. وقد اعترض البيري على الأشباه حيث
اقتصر على العتق مع أن الولوالجي ذكر الطلاق أيضاً، وذكر أنه روي عن أبي يوسف
أنهما کالبيع، وأن ما وري عن محمد أصح اهـ.
وفي البيري أيضاً عن الذخيرة قال لغيره بعتك هذا بألف درهم ثم قال بعتكه بمائة
دينار فقال المشتري قبلت، انصرف قبوله إلى الإيجاب الثاني ويكون بيعاً بمائة دينار،
بخلاف ما لو قال لعبده أنت حرّ على ألف درهم أنت حر على مائة دينار فقال العبد
(١) في ط (قوله فلا بد من الإعادة) أي إعادة الرد، وكأنه مأخوذ من الفاء في قوله تعالى. ﴿ فحيوا بأحسن
منها﴾. الخ.