النص المفهرس
صفحات 661-680
٦٦١ كتاب الوقف أو النظر أنه يستحقه فلان دونه صح، ولو جعله لغيره لا، وسيجيء آخر الإقرار، على أولاده وذريته ثم على الفقراء، ثم مات الرجل المقر له يرجع ما كان يأخذه إلى الفقراء لا إلى زيد لما قلنا، ولا إلى أولاده لأنهم لا يستحقون شيئاً إلا بعد موته، فصارت المسألة في حكم منقطع الوسط الذي بيناه قبيل الفروع كما حررناه في تنقيح الحامدية، فاغتنم هذه الفائدة السنية. مَطْلَبُ فِي الْمُصَادَقَةِ عَلَى النَّظَرِ قوله: (أو النظر) أفاد أن الإقرار بالنظر مثل الإقرار بريع الوقف: أي غلته، فلو أقر الناظر أن فلاناً يستحق معه نصف النظر مثلاً يؤاخذ بإقراره ويشاركه فلان في وظيفته ما داما حيين. بقي لو مات أحدهما: فإن كان هو المقر فالحكم ظاهر وهو بطلان الإقرار وانتقال النظر لمن شرطه له الواقف بعده، وأما لو مات المقر له فهي مسألة تقع كثيراً وقد سئلت عنها مراراً. والذي يقتضيه النظر بطلان الإقرار أيضاً، لكن لا تعود الحصة المقر بها إلى المقر لما مر، وإنما يوجهها القاضي للمقر أو لمن أراد من أهل الوقف، لأنا صححنا إقراره حملاً على أن الواقف هو الذي جعل ذلك للمقر له كما مر عن الخصاف، فيصير كأنه جعل النظر لاثنين. قال في الأشباه: وما شرطه لاثنين ليس لأحدهما الانفراد، وإذا مات أحدهما أقام القاضي غيره، وليس للحيّ الانفراد إلا إذا أقامه القاضي كما في الإسعاف اهـ. ولا يمكن هنا القول بانتقال ما أقرّ به إلى المساكين كما قلنا في الإقرار بالغلة، إذ لا حق لهم في النظر وإنما حقهم في الغلة فقط. هذا ما حررته في تنقيح الحامدية، ولم أر من نبه عليه فاغتنمه. قوله: (صح) أي الإقرار المذكور، والمراد أنه يؤاخذ بإقراره حيث أمكن تصحيحه، أما لو كان في نفس الأمر أقر كاذباً لا يحل للمقر له شيء مما أقر به كا صرحوا في غير هذا المحل، إذ الإقرار إخبار لا تمليك على أن التمليك هنا غير صحيح. مَطْلَبُ فِي جَعْلِ النَّظَرِ أَوِ الرِّبْعِ لِغَيْهِ قوله: (ولو جعله لغيره لا) أي لا يصير لغيره، لأن تصحيح الإقرار إنما هو معاملة له بإقراره على نفسه من حيث ظاهر الحال تصديقاً له في إخباره مع إمكان تصحيحه، حملًا على أن الواقف هو الذي جعل ذلك للمقر له كما مر. أما إذا قال المشروط له الغلة أو النظر: جعلت ذلك لفلان لا يصح، لأنه ليس له ولاية إنشاء ذلك من تلقاء نفسه، وفرق بين الإخبار والإنشاء. نعم لو جعل النظر لغيره في مرض موته يصح إن لم يخالف شرط الواقف، لأنه يصير وصياً عنه، وكذا لو فرغ عنه لغيره وقرر القاضي ذلك الغير يصح أيضاً، لأنه يملك عزل نفسه والفراغ عزل، ولا يصير المفروغ له ناظراً بمجرد الفراغ، بل لا بد من تقرير القاضي كما حررناه سابقاً، فإذا قرر القاضي ٦٦٢ كتاب الوقف ولا يكفي صرف الناظر لثبوت استحقاقه، بل لا بد من إثبات نسبه، المفروغ له صار ناظراً بالتقرير لا بمجرد الفراغ وهذا غير الجعل المذكور هنا، فافهم. وأما جعل الريع لغيره، فقال ط: إن كان الجعل بمعنى التبرّع بمعلومه لغيره، بأن يوكله ليقبضه له ثم يأخذه لنفسه فلا شبهة في صحة التبرع به؛ وإن كان بمعنى الإسقاط فقال في الخانية: إن الاستحقاق المشروط كإرث لا يسقط بالإسقاط اهـ. قلت: ما عزاه للخانية الله أعلم بثبوته، فراجعها. نعم المنقول في الخانية ما سيأتي، وقد فرق في الأشباه في بحث ما يقبل الإسقاط من الحقوق بين إسقاطه لمعين وغير معين، وذكر ذلك في جملة مسائل كثر السؤال عنها ولم يجد فيها نقلاً فقال: إذا أسقط لمشروط له الريع حقه لا لأحد لا يسقط كما فهمه الطرسوسي بخلاف ما إذا أسقط حقه لغيره اهـ: أي فإنه يسقط، لكنه ذكر أنه لا يسقط مطلقاً في رسالته المؤلفة في بيان ما يسقط من الحقوق وما لا يسقط، أخذاً مما في شهادات الخانية من كان فقيراً من أصحاب المدرسة يكون مستحقاً للوقف استحقاقاً لا يبطل بإبطاله، فلو قال أبطلت حقي كان له أن يأخذه اهـ. قلت: لكن لا يخفى أن ما في الخانية إسقاط لا لأحد. نعم ينبغي عدم الفرق إذ الموقوف عليه الريع إنما يستحقه بشرط الواقف، فإذا قال أسقطت حقي منه لفلان أو جعلته له يكون مخالفاً لشرط الواقف، حيث أدخل في وقفه ما لم يرضه الواقف، لأن هذا إنشاء استحقاق، بخلاف إقراره بأنه يستحقه فلان فإنه إخبار يمكن تصحيحه كما مر؛ ثم رأيت الخير الرملي أفتى بذلك وقال بعد نقل ما في شهادات الخانية: وهذا في وقف المدرسة، فكيف في الوقف على الذرية المستحقين بشرط الواقف من غير توقف على تقرير الحاكم. وقد صرحوا بأن شرط الواقف كنص الشارع فأشبه الإرث في عدم قبوله الإسقاط، وقد وقع لبعضهم في هذه المسألة كلام يجب أن يحذر اهـ. مَطْلَبُ: لَا يَكْفِي صَرْفُ النَّاظِرِ لِثُبُوتِ الاسْتِحْقَاقِ قوله: (ولا يكفي صرف الناظر الخ) أي لو ادعى رجل أنه من ذرية الواقف متمسكاً بأن الناظر كان يدفع له الاستحقاق لا يكفي، بل لا بد من إثبات نسبه. وفي الخيرية في جواب سؤال أن الشهادة بأنه هو وأبوه وجده متصرفون في أربعة قراريط: لا يثبت به المدعي كمن ادعى حق المرور أو رقبة الطريق على آخر وبرهن أنه كان يمر في هذه لا يستحق به شيئاً كما صرح به غالب علمائنا، والشاهد إذا فسر للقاضي أنه يشهد معاينة اليد لا تقبل شهادته. وأنواع التصرف كثيرة، فلا يحل الحكم بالاستحقاق في غلة الوقف بالشهادة بأنه هو وأبوه وجده متصرفون، فقد يكون تصرفهم بولاية أو وكالة أو غصب أو نحو ذلك، ومما صرحوا به أن دعوى بنوة العم تحتاج إلى ذكر نسبة ٦٦٣ كتاب الوقف وسيجيء في دعوى ثبوت النسب. متى ذكر الواقف شرطين متعارضين يعمل بالمتأخر منهما عندنا لأنه ناسخ للأول. الوصف بعد الجمل يرجع إلى الأخير عندنا، وإلى الجميع عند الشافعية، لو بالواو ولو بثم فإلى الأخير اتفاقاً. الكل من وقف الأشباه، وتمامه في القاعدة التاسعة . الأب والأم إلى الجد ليصير معلوماً، لأن انتسابه بهذه النسبة ليس بثابت عند القاضي، فيشترط البيان ليعلم، لأنه يحصل العلم للقاضي بدون ذكر الجد، والمقصود هنا العلم بالنسبة إلى الواقف، وكونه ابن عم فلان لا يتحقق به استحقاق من وقف الجد الأعلى لتحقق العمومة بأنواع منها العم للأم اهـ. قلت: هذا ظاهر فيما إذا أراد إثبات أنه من ذرية الواقف بمجرد كونه ابن عم فلان الذي هو من ذرية الواقف، فحينئذ لا بد من إثبات نسبه إلى الجد الجامع. وأما لو ادعى أنه من ذرية الواقف المستحقين للوقف، فالظاهر أنه یکفي إثبات ذلك بدون ذكر النسب إذا كان الوقف على الذرية، لأنه يحصل المقصود بذلك، لأنه لا يختلف ذلك، بخلاف بنوة العم، لأنه قد يكون ابن عم للمتوفى ولا يكون من ذرية الواقف لكونه ابن عم لأم. تأمل. وسيأتي أنه لو وقف على فقراء قرابته لا بد من إثبات القرابة وبيان جهتها. قوله: (وسيجيء في دعوى ثبوت النسب) أي في الفروع حيث قال الشارح: ولو أحضر رجلًا ليدعي عليه حقاً لأبيه وهو مقرّ به أو لا، فله إثبات نسبه عند القاضي بحضرة ذلك الرجل ط . مَطْلَبٌ: مَتَّى ذَكَرَ أَلْوَاقِفُ شَرْطَيْنْ مُتَعَارِضَيْنْ يُعْمَلُ بِالمُتَأْخِّرِ قوله: (متى ذكر الواقف شرطين متعارضين الخ) في الإسعاف: لو كتب أول كتاب الوقف لا يباع ولا يوهب ولا يملك. ثم قال في آخره: على أن لفلان بيعه والاستبدال بثمنه ما يكون وقفاً مكانه جاز بيعه ويكون الثاني ناسخاً للأول: ولو عكس بأن قال على أن لفلان بيعه والاستبدال به ثم قال آخره لا يباع ولا يوهب لا يجوز بيعه، لأنه رجوع عما شرطه أولًا، وهذا إذا تعارض الشرطان. أما إذا لم يتعارضا وأمكن العمل بهما وجب كما ذكره البيري في القاعدة التاسعة من الأشباه، وما ذكروه داخل تحت قولهم شرط الواقف كنص الشارع، فإن النصين إذا تعارضا عمل بالمتأخر منهماط. قوله: (الوصف بعد الجمل الخ) سيذكر الشارح هذه المسألة عن نظم المحبية مع ما يناسبها، وسيأتي الكلام على ذلك. ٦٦٤ كتاب الوقف متى وقف حال صحته وقال على الفريضة الشرعية قسم على ذكورهم وإناثهم بالسوية هو المختار المنقول عن الأخيار، كما حققه مفتي دمشق يحيى بن مَطْلَبٌ مُهِمٌّ فِي قَوْلِ الْوَاقِفِ عَلَى الْفَرِيضَةِ الشَّرْعِيَّةِ قوله: (متى وقف) أي على أولاده، لأنه منشأ الجواب المذكور كما تعرفه، وبه يظهر فائدة التقیید بقوله حال صحته. قوله: (كما حققه مفتي دمشق الخ) أقول: حاصل ما ذكره في الرسالة المذكورة أنه ورد في الحديث أنه وَ ﴿ قال: ((سَوَّوْا بَيْن أَوْلَادِكُمْ فِي العَطِيَّةِ، وَلَوْ كُنْتُ مُؤْثِّراً أَحَداً لآثَرْتُ النِّسَاءَ عَلَى الرِّجَالِ(١) رواه سعيد في سننه. وفي صحيح مسلم(٢) من حديث النعمان بن بشير (اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ)) فالعدل من حقوق الأولاد في العطايا، والوقف عطية فيسوى بين الذكر والأنثى، لأنهم فسروا العدل في الأولاد بالتسوية في العطايا حال الحياة. وفي الخانية: ولو وهب شيئاً لأولاده في الصحة، وأراد تفضيل البعض على البعض: روى عن أبي حنيفة لا بأس به إذا كان التفضيل لزيادة فضل في الدين، وإن كانوا سواء يكره. وروى المعلى عن أبي يوسف أنه لا بأس به إذا لم يقصد الإضرار، وإلا سوى بينهم، وعليه الفتوى. وقال محمد: يعطى للذكر ضعف الأنثى، وفي التاتر خانية معزياً إلى تتمة الفتاوى قال: ذكر في الاستحسان في كتاب الوقف، وينبغي للرجل أن يعدل بين أولاده في العطايا، والعدل في ذلك التسوية بينهم في قول أبي يوسف، وقد أخذ أبو يوسف حكم وجوب التسوية من الحديث، وتبعه أعيان المجتهدين، وأوجبوا التسوية بينهم وقالوا: يكون آئماً في التخصيص وفي التفضيل. وليس عند المحققين من أهل المذهب فريضة شرعية في باب الوقف إلا هذه بموجب الحديث المذكور، والظاهر من حال المسلم اجتناب المكروه، فلا تنصرف الفريضة الشرعية في باب الوقف إلا إلى التسوية، والعرف لا يعارض النص. هذا خلاصة ما في هذه الرسالة، وذكر فيها أنه أفتى بذلك شيخ الإسلام محمد الحجازي الشافعي، والشيخ سالم السنهوري المالكي، والقاضي تاج الدين الحنفي وغيرهم اهـ. قلت: وقد كنت قديماً جمعت في هذه المسألة رسالة سميتها [العقود الدرية في قول الواقف على الفرضية الشرعية] حققت فيها المقام وكشفت عن مخدراته اللئام بما حاصله: أنه صرح في الظهيرية بأنه لو أراد أن يبرّ أولاده فالأفضل عند محمد أن يجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وعند أبي يوسف: يجعلهما سواء وهو المختار، ثم قال في الظهيرية قبيل المحاضر والسجلات عند الكلام على كتابة صك الوقف: إن أراد الوقف (١) أخرجه البيهقي ١٧٧/٦ والطبراني ٣٥٤/١١ والطحاوي في المعاني ٨٦/٤. (٢) أخرجه مسلم ١٢٤٢/٣ (١٦٢٣/١٣) وهو عند البخاري ٢١١/٥ (٢٥٨٧). ٦٦٥ کتاب الوقف على أولاده، يقول: للذكر مثل حظ الأنثيين، وإن شاء يقول: الذكر والأنثى على السواء، ولكن الأول أقرب إلى الصواب وأجلب للثواب. مَطْلَبْ: مُرَاعَاةُ غَرَضِ الوَاقِفِينَ وَاجِبَةٌ وَالْعُرْفُ يَضْلُحُ مُخُصّصاً وهكذا رأيته في نسخة أخرى بلفظ الأول أقرب إلى الصواب، فهذا نص صريح في التفرقة بين الهبة والوقف، فتكون الفريضة الشرعية في الوقف هي المفاضلة، فإذا أطلقها الواقف انصرفت إليها، لأنها هي الكاملة المعهودة في باب الوقف، وإن كان الكامل عكسها في باب الصدقة فالتسوية بينهما غير صحيحة، على أنهم صرحوا بأن مراعاة غرض الواقفين واجبة، وصرح الأصوليون بأن العرف يصلح مخصصاً، والعرف العام بين الخواص والعوام أن الفريضة الشرعية يراد بها المفاضلة: وهي إعطاء الذكر مثل حظ الأنثيين، ولذا يقع التصريح بذلك لزيادة التأكيد في غالب كتب الأوقاف، بأن يقول: يقسم بينهم على الفريضة الشرعية للذكر مثل حظ الأنثيين، ولا تكاد تسمع أحداً يقول على الفريضة الشرعية: للذكر مثل حظ الأنثى، لأنه غير المتعارف بينهم في هذا اللفظ . وفي الأشباه في قاعدة العادة محكمة، أن ألفاظ الواقفين تبنى على عرفهم كما في وقف فتح القدير، ومثله في فتاوى ابن حجر، ونقل التصريح بذلك عن جماعة من أهل مذهبه، وفي جامع الفصولين مطلق الكلام فيما بين الناس ينصرف إلى المتعارف، وقدمنا نحوه عن العلامة قاسم، وقد مر وجوب العمل بشرط الواقف، فحيث شرط القسمة كذلك، وكان عرفه بهذا اللفظ المفاضلة وجب العمل بما أراده، ولا يجوز صرف اللفظ عن مدلوله العرفي لأنه صار حقيقة عرفية في هذا المعنى، والألفاظ تحمل على معانيها الحقيقية اللغوية إن لم يعارضها نقل في العرف إلى معنى آخر، فلفظ الفريضة الشرعية إذا كان معناه لغة أو شرعاً التسوية، وكان معناه في العرف المفاضلة، وجب حمله على المعنى العرفي كما علمت؛ ولو ثبت أن المفاضلة في الوقف مكروهة كما في الهبة وأن النص الوارد في الهبة وارد في الوقف أيضاً نقول: إن هذا الواقف أراد المفاضلة، وارتكب المكروه، فلا يكون في ذلك تقديم العرف على النص، بل فيه إعمال النص بإثبات الكرامة فيما فعله، وإعمال لفظه بحمله على مدلوله العرفي، فإن النص لا يغير الألفاظ عن معانيها المرادة، بل يبقي اللفظ على مدلوله العرفي، وهو المفاضلة لأنه صار علماً عليها، وهي فريضة شرعية في ميراث الأولاد، فإذا ذكرها في وقفه على أولاده وجب العمل بمراده، وهذا كله بعد تسليم أن المفاضلة في الوقف مكروهة كما في الهبة، وقد سمعت التصريح بخلافه عن الظهيرية. ٦٦٦ كتاب الوقف المنقار في الرسالة المرضية على الفريضة الشرعية ونحوه في فتاوى المصنف، وقد وقع سؤال في أواخر كتاب الوقف من الفتاوى الخيرية فيه ذكر الفريضة الشرعية مع عدم التصريح، بأن للذكر مثل حظ الأنثيين. فأجاب فيه بالقسمة بالمفاضلة. وأجاب في الخيرية قبله في سؤال آخر بذلك أيضاً، وبه أفتى مفتي دمشق المرحوم الشيخ إسماعيل تلميذ الشارح، وكذا شيخ مشايخنا السائحاني ورأيت مثل ذلك في فتاوى الشهاب أحمد بن الشلبي الحنفي شيخ صاحب البحر، ووافقه عليه الشهاب أحمد الرملي الشافعي في فتاويه، ورأيت مثل ذلك أيضاً في فتاوى شيخ الإسلام محقق الشافعية السراج البلقيني، ومثله في فتاوى المصنف، وعزاه أيضاً إلى المقدسي والطبلاوي كما يأتي قريباً. فكل هؤلاء الأعلام أفتوا بما هو المتعارف من معنى هذا اللفظ وكفى بهم قدوة. وهذا خلاصة ما ذكرته في الرسالة المذكورة، ومن أراد زيادة على ذلك فليرجع إليها وليعتمد عليها ففيها المقنع لمن يتدبر ما يسمع، ولله الحمد. قوله: (ونحوه في فتاوى المصنف) هذا عجيب، بل الذي فيها خلافه وهو انصراف الفريضة الشرعية إلى القسمة بالمفاضلة حيث وجد ذكور وإناث. نعم وقع في السؤال الذي سئل عنه المصنف أنه آل الوقف إلى أخي الميت لأمه وأخيه الشقيق. فأجاب بأنها تقسم الغلة بينهما نصفين لا قسمة الميراث: أي لا يعطى للأخ للأم السدس، والباقي للشقيق، وقال: إن هذا هو الموافق لغالب أحوال الواقفين، وهو قصد التفاوت بين الذكر والأنثى، فإذا قال على حكم الفريضة ينزل على الغالب المذكور؛ ثم قال: وقد أجاب بهذا الجواب شيخ الإسلام عمدة الأنام مفتي الوقت بالقاهرة المحروسة هو الشيخ نور الدين المقدسي وشيخ الإسلام محمد الطبلاوي الشافعي مفتي الديار المصرية اهـ. وحاصل كلامه: أنه حيث وجد ذكور فقط كما في واقعة السؤال من أخوين أحدهما لأم والآخر شقيق يحمل لفظ الفريضة الشرعية على القسمة بالسوية لا على قسمة الميراث بينهما، لأن الغالب من أحوال الواقفين إرادة التفاوت بين الذكر والأنثى، فيحمل هذا اللفظ على الغالب إذا وجد ذكر وأنثى، لا إذا كانا ذكرين. قلت: وهذا لا شك فيه، وهو صريح فيما قلنا من حمل اللفظ المذكور على معناه العرفي، وكأن الشارح نظر إلى قوله في صدر الجواب ((تقسم الغلة بينهما نصفين)) ولم ينظر إلى باقيه، مع أن الضمير في بينهما راجع للأخوين لا إلى ذكر وأنثى، وقد وقع لابن المنقار في رسالته نظير ما وقع للشارح، فإنه نقل عن الحافظ السيوطي فتوى استدل بها على كلامه مع أنها دالة على خلاف مرامه. فإن حاصلها أن واقفاً شرط انتقال نصيب من مات من غير ولد إلى أقرب الطبقات ٦٦٧ كتاب الوقف وفيها متى ثبت بطريق شرعي وقفية مكان وجب نقض البيع، ولا إثم على البائع مع عدم علمه، وللمتولي أجر مثله، ولو بنى المشتري أو غرس فذلك لهما إليه، فمات شخص عن ابن عم وبنتي عم. فأجاب: بانتقال النصيب إلى الثلاثة، وأن قوله بالفريضة الشرعية محمول على تفضيل الذكر على الأنثى فقط، فلا يختص به ابن العم وإن كان عصبة. وحاصله: حمل الفريضة الشرعية على المفاضلة لا على التسوية ولا على قسمة الميراث من كل وجه، وهذا عين ما أجاب به المصنف والله الموفق، فافهم. قوله: (وللمتولي أجر مثله) أي أجر مثل المكان المذكور في مدة وضع المشتري يده على القول المختار كما في البزازية وغيرها فتاوى المصنف. مَطْلَبٌ فِيمَا لَوِ اشْتَرَى دَارَ الْوَقْفِ وَعَمَّرَ أَوْ غَرَسَ فِيهَا قوله: (فذلك لهما) هكذا عبارة فتاوى المصنف ونصها: وإذا زاد المشتري في المكان المذكور زيادة هي مال متقوم كالبناء والغرس فذلك لهما ولهما المطالبة به فيسلك معهما فيه طريقاً يظهر نفعها لجهة الوقف ويعظم وقعها اهـ. والظاهر أن يقول: فذلك له: أي للمشتري، والمراد بالأنفع للوقف أنه إن كان القلع والتسليم للمشتري أنفع للوقف يفعل، وإلا بأن كان القلع يضرّ بالوقف يتملكه الناظر للوقف كما مر في بناء المستأجر. تأمل. مَطْلَبُ: إِذَا هَدَمَ المُشْتِي أَوِ المُسْتَأْجِرُ دَارَ الوَقْفِ ضَمِنَ قلت: وهذا إذا كان النقض ملك المشتري، فلو بناه بنقض الوقف فهو للوقف وبقي لو هدمه. ففي البحر عن المحيط: لو هدم المشتري البناء إن شاء القاضي ضمن البائع قيمة البناء فينفذ بيعه أو ضمن المشتري، ولا ينفذ البيع، ويملك المشتري البناء بالضمان، ويكون الضمان للوقف لا للموقوف عليهم اهـ. والمراد بالبناء نقضه، وهذا إذا لم تمكن إعادته، وإلا أمر كما سنذكره في الغصب، وبقي أيضاً لو هدمه وبناه على غير صفته، ففي الحامدية عن فتاوى المفتي أبي السعود: يلزم المشتري قلع ما بناه وقيمة ما قلعه اهـ. قلت: هذا إن لم يكن البناء الثاني أنفع للوقف، ففي فتاوى قارىء الهداية سئل إذا استأجر شخص داراً وقفاً ثم إنه هدمها وجعلها طاحوناً أو فرناً أو غيره ما يلزمه؟ أجاب: ينظر القاضي إن كان ما غيرها إليه أنفع لجهة الوقف أخذ منه الأجرة وبقي ما عمر لجهة الوقف وهو متبّع بما أنفقه في العمارة ولا يجب له من الأجرة، وإن لم يكن أنفع ولا أكثر ريعاً ألزم بهدم ما صنع وإعادة الوقف إلى الصفة التي كان عليها بعد تعزيره بما يليق ٦٦٨ كتاب الوقف فيسلك معهما بالأنفع للوقف. وفي البزازية معزياً للجامع: إنما يرجع بقيمة البناء بعد نقضه إن سلمه المشتري للبائع، وإن أمسكه لم يرجع بشيء؛ بخلاف ما لو استحق المبيع لو انقطع ثبوته: فما كان في دواوين القضاء اتبع، وإلا فمن برهن على شيء حكم له به، وإلا صرف للفقراء ما لم يظهر وجه بطلانه بطريق شرعي فيعود لملك واقفه أو وارثه أو لبيت المال، فلو أوقفه السلطان بحاله اهـ. قوله: (وفي البزازية الخ) الذي في فتاوى المصنف: وكذا له الرجوع بقيمة البناء على البائع إذا نقض المستحق البناء بلا قيد، كما في البزازية نقلاً عن الذخيرة، وفيها نقلاً عن الجامع أنه إنما يرجع على البائع بقيمته مبنياً إذا كان المشتري سلم النقض إلى البائع، وأما إذا أمسك النقض لا يرجع على البائع بشيء اهـ. ما في فتاوى المصنف. وقوله بلا قيد: أي قيد التسليم المقيد به في العبارة الثانية، ومثله ما سيذكره الشارح في باب الاستحقاق عن المنية شرى داراً وبنى فيها فاستحقت: رجع بالثمن وقيمة البناء مبنياً على البائع إذا سلم النقض إليه يوم تسليمه، وإن لم يسلم فبالثمن لا غير اهـ. وقوله يوم تسليمه متعلق بالقيمة، حتى لو أنفق في البناء عشرة آلاف وسكن في الدار حتى تغير البناء وتهدم بعضه لم يرجع إلا بقيمته يوم يسلم البناء للبائع، ولو غلا حتى صار بعشرين ألفاً يرجع بقيمته يوم يسلم، ولا ينظر إلى ما أنفق، كذا في الخانية. وبه ظهر أن قول الشارح: ((بعد نقضه)) متعلق بيرجع لا ((بقيمة)) وأشار به إلى أنه إنما يرجع بقيمة ما يمكن نقضه وتسليمه إلى البائع فلا يرجع بقيمة جص وطين كما سيذكره في باب الاستحقاق، فافهم. قوله: (بخلاف ما لو استحق المبيع) هذا لم يذكر في فتاوى المصنف ولا في البزازية كما سمعت، والصواب إسقاطه، لأن ما نحن فيه من استحقاق المبيع، وهذا يوهم الفرق بين ما لو استحق الوقف وما لو استحقه مالك ولم نر من فرق بينهما، والمصنف لم يفرق بينهما كما علمت من عبارته في الفتاوى، فافهم. مَطْلَبٌ فِي الْوَقْفِ إِذَا أَنْقَطَعَ ثُبُوتُهُ قوله: (لو انقطع ثبوته الخ) المراد علم أنه وقف بالشهرة ولكن جهلت شرائطه ومصارفه بأن لم يعلم حاله، ولا تصرف قوّامه السابقين كيف كانوا يعملون وإلى من يصرفونه، فحينئذ ينظر إلى ما في دواوين القضاة، فإن لم يوجد فيها لا يعطى أحد ممن يدعي فيه حقاً ما لم يبرهن، فإن لم يبرهن يصرف للفقراء، لأن الوقف في الأصل لهم وقد علم مجرد كونه وقفاً ولم يثبت فيه حق لغيرهم فيصرف إليهم فقط، وهذا معنى قولهم: يجعلها القاضي موقوفة إلى أن يظهر الحال، وقدمنا تمام تحقيق هذه المسألة عند قوله: ((وبيان المصرف من أصله)) فافهم. قوله: (أو وارثه) أي إن مات مالكه أو لبيت المال إن لم يكن له وارث. قوله: (فلو وقفه السلطان) أي بعد ما ٦٦٩ كتاب الوقف عاماً جاز، ولو لجهة خاصة فظاهر كلامهم لا يصح. لو شهد المتولي مع آخر بوقف مكان كذا على المسجد فظاهر كلامهم قبولها . لا تلزم المحاسبة في كل عام، ويكتفي القاضي منه بالإجمال لو معروفاً بالأمانة، ولو متهماً يجبره على التعيين شيئاً فشيئاً ولا يحبسه بل يهدده، ولو اتهمه يحلفه. قنية. قلت: وقدمنا في الشركة أن الشريك والمضارب والوصيّ والمتولي لا يلزم بالتفصيل، وأن غرض قضاتنا ليس إلا الوصول لسحت المحصول. صار لبيت المال بموت أربابه، وقدمنا أن هذا إرصاد لا وقف حقيقي. قوله: (عاماً) كالمسجد والمقبرة والسقاية، ومثله ما وظفه في مسجد ونحوه للعلماء ونحوهم ممن له حق في بيت المال، فلا يجوز لأحد إبطاله. نعم للسلطان مخالفة شرط واقفه بزيادة ونقص ونحو ذلك، لا بصرفه عن جهته إلى غير جهته كما مر عند قوله: ((ونقل عن المبسوط)). قوله: (ولو لجهة خاصة) كذريته أو عتقائه. قوله: (لا يصح) لأن فيه تعطيل حق بقية المسلمين، وقد بسط المقام في شرح الوهبانية فراجعه. قوله: (فظاهر کلامهم قبولها) کما لو شهد بوقف مدرسة وهو صاحب وظيفة بها فتاوى المصنف، وكذا شهادة أهل المحلة بوقف عليها، وأبناء السبيل بوقف على أبناء السبيل، وهذا في الشهادة بأصل الوقف لا فيما يرجع إلى الغلة كشهادة بإجارة ونحوها فلا تقبل لأن له حقاً فيها فكان متهماً، كما في شهادات البحر، وسيأتي تمامه إن شاء الله تعالى قبيل قوله: ((والأجير الخاص)) ووجه القبول أن الشهادة تقبل في الوقف حسبة بدون الدعوى كما مر. قوله: (بل يهدده) يومين أو ثلاثة فإن فعل وإلا يكتفي منه باليمين. بحر . مَطْلَبٌ فِي مُحاسَبَةِ الْمُتَولِّي وَتحلِيفِهِ قوله: (ولو اتهمه يحلفه) أي وإن كان أميناً كالمودع يدعي هلاك الوديعة أو ردها، قيل: إنما يستحلف إذا ادعى عليه شيئاً معلوماً، وقيل يحلف على كل حال. بحر عن القنية. قلت: وسيأتي قبيل كتاب الإقرار أنه لا تحليف على حق مجهول إلا في ست: إذا اتهم القاضي وصيّ يتيم ومتولي وقف وفي رهن مجهول ودعوى سرقة وغصب وخيانة مودع اهـ. قوله: (قلت وقدمنا الخ) استدراك على قوله: ولو متهماً يجبره على التعيين، وقد يجاب بحمل ما قدمه على ما إذا كان معروفاً بالأمانة. ٦٧٠ كتاب الوقف لو ادعى المتولي الدفع قبل قوله بلا يمين، لكن أفتى المنلا أبو السعود أنه إن ادعى الدفع من غلة الوقف لمن نص عليه الواقف في وقفه كأولاده وأولاد أولاده قبل قوله، وإن ادعى الدفع إلى الإمام بالجامع والبواب ونحوهما، لا يقبل قوله، كما لو استأجر شخصاً للبناء في الجامع بأجرة معلومة ثم ادعى تسليم الأجرة إليه لم يقبل قوله. قال المصنف: وهو تفصيل في غاية الحسن فيعمل به، واعتمده ابنه في حاشية الأشباه. مَطْلَبٌ فِي قُبُولِ قَوْلِ الْمُتَوِّي فِي ضَيَاعِ الْغَلَّةِ وَتَفْرِيقِهَا قوله: (بلا يمين) مخالف لما في البحر عن وقف الناصحي: إذا آجر الواقف أو قيمه أو وصيه أو أمينه ثم قال قبضت الغلة فضاعت أو فرقتها على الموقوف عليهم وأنكروا فالقول له مع يمينه اهـ. ومثله في الإسعاف وكذا في شرح الملتقى عن شروط الظهيرية، ثم قال: وسيجيء في العارية أنه لا يضمن ما أنكروه بل يدفعه ثانياً من مال الوقف اهـ. وفي حاشية الخير الرملي الفتوى على أنه يحلف في هذا الزمان اهـ. مَطْلَبٌ: إِذَا كَانَ النَّاظِرُ مُفْسِدَاً لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ قلت: بل نقل في الحامدية عن المفتي أبي السعود أنه أفتى بأنه إن كان مفسداً مبذراً لا يقبل قوله بصرف مال الوقف بيمينه، وفيها القول في الأمانة قول الأمين مع يمينه إلا أن يدعي أمراً يكذبه الظاهر، فحينئذ تزول الأمانة وتظهر الخيانة، فلا يصدق بيري عن أحكام الأوصياء، وعلى هذا لو ظهرت خيانة ناظر لا يصدق قوله ولو بيمينه، وهي كثيرة الوقوع اهـ. وفيها عن فتاوى الشلبي بعد كلام: ومن اتصف بهذه الصفات المخالفة للشرع التي صار بها فاسقاً لا يقبل قوله فيما صرفه إلا ببينة اهـ. وبقي هل يقبل قول الناظر الثقة بعد العزل أيضاً؟ ذكر الحموي في حاشية الأشباه من كتاب الأمانات أن ظاهر كلامهم القبول، لأن العزل لا يخرجه عن كونه أميناً، وأطال فيه فراجعه، وبه أفتى المصنف قياساً على الوصيّ لو ادعى بعد بلوغ اليتيم أنه أنفق كذا فإنه يقبل، وعللوه بأنه أسنده إلى حالة منافية للضمان. قوله: (في وقفه) أي وقف الواقف المعلوم من المقام. قوله: (قبل قوله) أي ولو بعد موتهم كما في شرحه على الملتقى. قوله: (لا يقبل قوله) لأن ما يأخذه الإمام ونحوه، ليس مجرد صلة، بل فيه شوب الأجرة كما مر. قوله: (قال المصنف) أي في فتاواه، لكن قال في كتابه [تحفة الأقران] غير أن العلماء على الإفتاء بخلافه اهـ. وفي حاشية الخير الرملي: والجواب عما قاله أبو السعود: أنها ليس لها حكم الأجرة من كل وجه، ومقتضى ما قاله أبو السعود أنه يقبل قوله في حق براءة نفسه لا في حق صاحب الوظيفة لأنه أمين فيما في يده فيلزم الضمان في الوقف، ٦٧١ كتاب الواقف قلت: وسيجيء في العارية معزياً لأخي زاده: لو آجر القيم ثم عزل فقبض الأجرة للمنصوب في الأصح، وهل يملك المعزول مصادقة المستأجر على التعمير؟ قيل نعم. قال المصنف: والذي ترجح عندي لا. لأنه عامل له وفيه ضرر بالوقف، فالإفتاء بما قاله العلماء متعين، وقوله يعني: ((المصنف هو تفصيل في غاية الحسن)) في غير محله إذ يلزم منه تضمين الناظر إذا دفع لهم بلا بينة لتعدیه اهـ. قلت: وفيه نظر بل الضمان على الوقف، لأنه عامل له ولا تعدي منه أصلاً لأنه دفع حقاً لمن يستحقه، فأين التعدي إذا لم يشهد، وإلا لزم أنه يضمن أيضاً في مسألة استئجاره شخصاً للبناء إذا دفع له الأجرة بلا بينة، ولذا قال في الحامدية بعد نقله كلام الخير الرملي: قلت: تفصيل أبي السعود في غاية الحسن باعتبار التمثيل بالأجرة فهي مثلها، وقول العلماء يقبل قوله في الدفع إلى الموقوف عليهم محمول على غير أرباب الوظائف المشروط عليهم العمل؛ ألا ترى أنهم إذا لم يعملوا لا يستحقون الوظيفة، فهي كالأجرة لا محالة، وهو كأنه أجير فإذا اكتفينا بيمين الناظر يضيع عليه الأجر لا سيما نظار هذا الزمان. وقال المولى عطاء الله أفندي في مجموعته: سئل شيخ الإسلام زكريا أفندي عن هذه المسألة. فأجاب: بأنه إن كانت الوظيفة في مقابلة الخدمة، فهي أجرة لا بد للمتولي من إثبات الأداء بالبيئة، وإلا فهي صلة وعطية يقبل في أدائه قول المتولي مع يمينه، وإفتاء من بعده من المشايخ الإسلامية إلى هذا الزمان على هذا متمسكين بتجويز المتأخرين الأجرة في مقابلة الطاعات اهـ. قوله: (قلت وسيجيء الخ) حيث قال: وأما إذا ادعى الصرف إلى وظائف المرتزقة فلا يقبل قوله في حقهم، لكن لا يضمن ما أنكروه له، بل يدفعه ثانياً من مال الوقف، كما بسط في حاشية أخي زادة اهـ. قلت: وسيجيء قبله في الوديعة حكم ما لو مات الناظر مجهلاً غلات الوقف فراجعه. قوله: (في الأصح) ذكر مثله في البحر عن القنية معللاً(١) بأن المعزول آجرها للوقف لا لنفسه، خلافاً لما أفتى به في فتاواه كما نبه عليه الرملي. قوله: (قال المصنف: والذي ترجح عندي لا) أي لا تصح مصادقته، وأخذ المصنف ذلك من قوله في الولوالجية: من حكى أمراً لا يملك استئنافه إن كان فيه إيجاب الضمان على الغير لا يصدق، وإن كان فيه نفي الضمان عن نفسه صدق. قال: وحكاية المتولي ذلك فيه (١) في ط (قوله معللاً الخ) فيه أن هذا التعليل لا يتيح ما إذا القبض من حقوق الوقف وهي ترجع للعقد، ألا ترى الوكيل لو عقد ثم مات قالوا وصيه أولى بالقبض وكذا لو عزل تكون ولاية القبض له لأن العهدة عليه. قال شيخنا: ورأيت في الفتاوى تعليلاً منتجاً ونصه: لأنه ربما يتقاعد المعزول عن تحصيل الأجرة فيضيع مال الوقف. ٦٧٢ كتاب الوقف ليس للمتولي أخذ زيادة على ما قرّر له الواقف أصلاً، ويجب صرف جميع إيجاب الضمان على جهة الوقف فينبغي عدم تصديقه، وهذا ما ترجح عندي في الجواب اهـ. قلت: وهذا يشمل المعزول والمنصوب، فذكر المعزول غير قيد، وأصرح مما ذكره المصنف ما في دعوى البزازية لا ينفذ إقرار المتولي على الوقف، ومثله في السابع من العمادية، وفي فتاوى الحانوتي من الإجارة: التصادق غير صحيح، لأنه إقرار منه على الوقف، وإقرار الناظر على الوقف غير صحيح. قوله: (ليس للمتولي الخ) فیه كلام يأتي قريباً. مَطْلَبٌ فِيمَا يَأْخُذُهُ المُتَوِلّي مِنَ العَوَائِدِ الْعُرْفِيَّةِ قوله: (ويجب صرف الخ) حاصل ما ذكره المصنف أنه سئل عن قرية موقوفة يريد المتولي أن يأخذ من أهاليها ما يدفعونه بسبب الوقف من العوائد العرفية من سمن ودجاج وغلال يأخذونها(١) لمن يحفظ الزرع ولمن يحضر تذريته، فيدفع المتولي لهما منها يسيراً ويأخذ الباقي مع ما ذكر لنفسه زيادة على معلومه. فأجاب: جميع ما تحصل من الوقف من نماء وغيره مما هو من تعلقات الوقف يصرف في مصارفه الشرعية كعمارته ومستحقيه اهـ ملخصاً. لكن أفتى في الخيرية بأنه إذا كان في ريع الوقف عوائد قديمة معهودة يتناولها الناظر بسعيه له طلبها لقول الأشباه عن إجارات الظهيرية، والمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً فهو صريح في استحقاقه ما جرت به العادة اهـ ملخصاً. مَطْلَبٌ فِي تحرِيرٍ حُكْم مَا يَأْخُذُهُ الْمُتَوِّي مِنْ عَوَائِدَ قلت: ويؤيده ما في البحر من جواز أخذ الإمام فاضل الشمع في رمضان إذا جرت به العادة، وقد ظهر لي أنه لا ينافي ما ذكره المصنف، لأن هذا في المتعارف أخذه من ربع الوقف بأن تعورف مثلاً أن هذا الوقف یأخذه متولیه عشر ریعه فحیث کان قديماً يجعل كأن الواقف شرطه له، وما ذكره المصنف فيما يأخذه المتولي من أهل القرية كالذي يهدى له من دجاج وسمن، فإن ذلك رشوة، وكالذي يأخذه من الغلال المذكورة التي جعلت للحافظ، فافهم. لكن الذي يظهر أن الغلال إذا كانت من ربع الوقف، يجب صرفها في مصارف الوقف. وأما مثل الدجاج فيجب رده على أصحابه، وهو ما أشار إليه بقوله: ويجب على الحاكم أمر المرتشي بردّ الرشوة على الراشي. مَطْلَبٌ فِيمَا يُسَمَّ خِذْمَةً وَتَصْدِيقاً فِي زَمَانِتَا نعم إن كان ما يأخذه منهم تكملة أجر المثل يجب صرفه في مصارف الوقف، (١) في ط (قوله وغلال يأخذونها الخ) عبارة الفتاوي ((يأخذها)). ٦٧٣ كتاب الوقف ما يحصل من نماء وعوائد شرعية وعرفية لمصارف الوقف الشرعية، ويجب على الحاكم أمر المرتشي بردّ الرشوة على الراشي غبّ الدعوى الشرعية. الكل من فتاوى المصنف. قلت: لكن سيجيء في الوصايا ومر أيضاً: أن للمتولي أجر مثل عمله، فتنبه . وذلك كما يقع في زماننا كثيراً أن المستأجر إذا كان له كدك أو كردار في دكان أو عقار لا يستأجر إلا بدون أجر المثل، ويدفع للناظر دراهم تسمى خدمة، لأجل أن يرضى الناظر بالإجارة المذكورة، فهي في الحقيقة من أجرة المثل، فلو قلنا يردها على المستأجر يلزم ضرر الوقف، ولا تحل للناظر لأنه عامل للوقف بما شرطه له الواقف أو القاضي، وقد صرحوا أيضاً بأن الناظر إذا لم يمكنه أخذ الأجرة من المستأجر وظفر بمال المستأجر فله أخذ قدر الأجرة منه، فهذه الخدمة إن كانت رشوة لا يجب ردها على الراشي حيث لم يمكنه أخذ أجرة المثل منه، بل عليه صرفها في مصارف الوقف؛ وبهذا علم حكم ما يفعله النظار في زماننا من أخذهم ما يسمونه تصديقاً فيما إذا مات صاحب الكدك أو الكردار فيأخذ الناظر من ورثته دراهم ليصدق لهم على انتقال ذلك إليهم، وكذا إذا اشترى أحد ذلك يأخذ من المشتري درهم، فإن كان ذلك تكملة أجر المثل، فأخذه جائز إن صرفه في مصارفه، وإلا فلا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. قوله: (ويجب على الحاكم الخ) لم أجده في نسختي من فتاوى المصنف. قوله: (غبّ الدعوى الشرعية) الغب بالكسر: عاقبة الشيء كما في القاموس ط، وهو متعلق بقوله: ((يجب)) لأن وجوب الحكم على الحاكم بعد الدعوى الشرعية، فإذا ادعى الراشي على المرتشي بما دفعه إليه، وثبت ذلك وجب على الحاكم أمر المرتشي برد الرشوة، فافهم. قوله: (قلت لكن الخ) استدراك على قول المصنف في فتاواه ((ليس للمتولي أخذ زيادة على ما قرره له الواقف». قلت: والجواب أن كلام المصنف فيمن شرط له الواقف شيئاً معيناً: وما سيجيء في الوصايا ومر أيضاً عقب مسألة الجامكية فيمن نصبه القاضي، ولم يشرط له الواقف شيئاً كما قدمناه، لكن قدمنا أيضاً عن أنفع الوسائل بحثاً أن الأول لو عين له الواقف أقل من أجر المثل، فللقاضي أن يكمل له أجر المثل بطلبه، فهذا مقيد لإطلاق المصنف كما قدمناه هناك. ٦٧٤ كتاب الوقف لو وقف على فقراء قرابته لم يستحق مدعيها ولو ولياً (١) لصغير إلا ببينة على فقره وقرابته مع بيان جهتها، فإذا قضى له استحقه من حين الوقف عليه. مَطْلَبٌ فِي أَحْكَامِ الوَقْفِ عَلَى فُقَرَاءِ قَرَابَتَهِ قوله: (لو وقف على فقراء قرابته الخ) سيأتي تفسير القرابة والفقر في آخر الفصل الآتي. وفي البزازية: وقف على فقراء قرابته فجاء رجل وادعى أنه من أقرباء الواقف وهو فقير، كلف أن يبرهن على الفقر وأنه من أقارب الواقف وأنه لا أحد تجب عليه نفقته وينفق عليه، والفقر وإن كان أمراً أصلياً يثبت بظاهر الحال لكن الظاهر يكفي للدفع لا للاستحقاق، وإنما شرط عدم المنفق، لأنه بالإنفاق عليه يعدّ غنياً في باب الوقف، وشرط لزومه، لأنه لو لم يكن واجباً عليه فالظاهر ترك الإنفاق فيكون فقيراً. قال هلال: ولا بد أيضاً أن يسأل عنه في السر، ثم يستحلفه بالله ما لك مال ولا لك أحد تجب نفقتك عليه، وإن برهن على ما ذكرنا فأخبر عدلان بغناه فهما أولى، والخبر والشهادة هنا سواء لأنه ليس بشهادة حقيقة بل هو خبر، ولو قالا لا نعلم أحداً تجب نفقته عليه كفى، ولو زعم البعض أنه غنيّ إن ادعى أن له مالا يصير به غنياً له أن يحلفه على أنه ليس بغني، وليس له تحليف المتولي، لأنه لو أقرّ لا يلزم شيء، فإذا أنكر لا يحلف، والخصم في ذلك هو الواقف لو حياً، وإلا فمن الوقف في يده، ولو أحد الوصيين دون الوارث وأصحاب الوقف، فإن برهن على المتولي بأنه قريب الواقف لا يقبل، حتى يبرهن على نسب معلوم كالإخوة لأبوين أو لأب أو لأم لا على الأخوة المطلقة أو العمومة، وإن قالوا لا نعلم به وارثاً آخر أعطاه، وإلا يتأنى زماناً ثم يدفع إليه ويأخذ كفيلاً عندهما كما في الميراث؛ وإذا أراد الرجل إثبات قرابة ولده أو فقره فله ذلك لو صغيراً، بخلاف الكبار فإنهم يثبتون فقرهم بأنفسهم ووصيّ الأب مثله، فإن لم يكونا فللأم أو العم إثبات ذلك لو الصغير في حجرهما استحساناً، لأنه تمحض نفعاً له فأشبه قبول الهبة اهـ ملخصاً. وتمام الفروع فيها فراجعها، وسيأتي آخر الفصل الآتي ما له تعلق بما هنا. قوله: (من حين الوقف عليه) أي من حين وجود شرط كونه من أهل الوقف، وهو الفقر والقرابة لا من حين القضاء. قال في الإسعاف: فإن شهدا له بالفقر بعد مجيء الغلة لا يدخل فيها، وإنما يدخل فيما يحدث منها بعد الشهادة، إلا أن يشهدا له في وقف ويسند فقره إلى زمن سابق، فإنه يقضى له بالاستحقاق من مبدأ الزمن الأول وإن طال اهـ. (١) في ط (قول الشارح ولو ولياً) الأحسن جعل غير الولي والوصي غاية إذ المتوهم في الغير كالأم والعم وكذا الأجنبي إذا كان في حجرهم عدم سماع دعواه، وأما الولي والوصي فلا يتوهم فيهما ذلك. ٦٧٥ كتاب الوقف فتاوى ابن نجيم. وفيها سئل عمن شرط السكنى لزوجته فلانة بعد وفاته ما دامت عزباء فمات وتزوجت وطلقت، هل ينقطع حقها بالتزويج؟ أجاب: نعم. قلت: وكذا الوقف على أمهات أولاده إلا من تزوج، أو على بني فلان إلا من خرج من هذه البلدة فخرج بعضهم ثم عاد، أو على بني فلان ممن تعلم العلم(١) فترك بعضهم ثم اشتغل به، فلا شيء له إلا أن يشرط أنه لو عاد فله فليحفظ. خزانة المفتين. وفي الوهبانية: قضى بدخول ولد البنت بعد مضيّ السنين فله غلة الآتي لا الماضي لو مستهلكة. مَطْلَبٌ: إِذَا قَالَ مَا دَامَتْ عَزِباً فَتَزَوَّجَتْ وَطُلِّقَتْ يَنْقَطْعُ حَتُّهَا قوله: (أجاب نعم) أي ينقطع حقها بالتزوج، إلا أن يشترط أن من مات زوجها أو طلقها عاد حقها. إسعاف وفتح. وفي لسان الحكام لابن الشحنة أن جده أجاب كذلك، وأن الكافيجي خالفه، وقال: يعود الدوام كما كان بالفراق، ووقع النزاع بين يدي السلطان، وأن جده أخرج النقول فوافقه الحاضرون. قوله: (فلا شيء له إلا أن يشرط الخ) بخلاف ما لو وقف على من يسكن بغداد من فقراء قرابته فانتقل بعضهم وسكن الكوفة ثم عاد إليها وسكن فإنه يعود حقاً(٢) لأن النظر هاهنا إلى حالهم يوم قسمة غلة الوقف؛ ألا ترى أنه لو افتقر (٣) الأغنياء واستغنى الفقراء تكون الغلة لمن افتقر دون من استغنى ولو لم ينظر إلى حالهم يوم القسمة لربما لزم دفع الغلة إلى الأغنياء دون الفقراء. وتمامه في الإسعاف فافهم. مَطْلَبٌ فِيمَا إِذَا قُضِيَ بِدُخُولٍ وَلَدِ الِنْتِ قوله: (قضى بدخول ولد البنت) أي في صورة الوقف على أولاد أولاده. قوله: (لا الماضي لو مستهلكة) لأن الحكم وإن كان يستند إلى وقت الوقف، لكن في حق الموجود وقت الحكم وغلات تلك السنين معدومة كالحكم بفساد النكاح بغير ولي، لا يظهر في الوطآت الماضية. والمهر، حتى لو كان غلات السنين الماضية قائمة يستحق أولاد البنات حصتهم منها. شرح الوهبانية عن القنية ملخصاً. لكن تقدم آنفاً في الوقف (١) في ط قول الشارح ممن تعلم العلم الخ في نسخة يتعلم وهي الصواب إذ يمكن تفسيرها بيشتغل، وأما على ما في هذه النسخة فلا يظهر إذ معنى تعلم العلم اتصف به سواء ترك الاشتغال فيما بعد أولا . (٢) في ط قوله فإنه يعود حقاً الخ صرح في البحر بعدم العود فيما لو وقف على فقراء قرابته المقيمين ببلدة كذا فخرج بعضهم قال لا يعود حقه بالعود فلعله يفرق بين الفعل واسم الفاعل وقد أشكلت الفروع في هذا المحل وتضاربت تضارباً كلياً فليحرر. (٣) في ط قوله ألا ترى أنه لو افتقر الخ عبارة الإسعاف ألا ترى أنه لو وقف على فقراء قرابته وفيهم الغني والفقير تصرف الغلة للفقير، ثم إنه لو افتقر الأغنياء الخ. ٦٧٦ كتاب الوقف وقف على بنيه وله ولد واحد فله النصف والباقي للفقراء، أو على ولده له الكل لأنه مفرد مضاف فيعم لفقراء قرابته أنه من قضى له استحقه من حين الوقف عليه، وفي قضاء الخيرية: لو ثبت أن الوقف سوية بين زيد وعمرو، وكان زيد يتناول زيادة عما يخصه مدة سنين. أجاب: لعمرو الرجوع عليه بما تناوله زائداً عن حقه المدة الماضية، والقضاء هنا مظهر ومعين لكونه كاشفاً فيستند لا مثبت وعامل، حتى يقتصر كما قرره أصحاب الأصول والفروع أيضاً اهـ. مَطْلَبُ: أَثْبَتَ وَاحِدٌ أَنَّه مِنَ الذُّرِّيَّةِ يَرْجِعُ بِمَا يُخُصّهُ فِي المَاضِي وفي فتاوى ابن نجيم سئل عن واقف وقف على ذريته، ففرق الناظر الغلة سنين على جماعة منهم، ثم أثبت واحد أنه منهم وقضى به على الناظر فطالبه بما يخصه في الماضي، فهل له ذلك؟ أجاب: بأنه إن دفع إلى الجماعة بغير قضاء رجع بما يخصه على الناظر، وإلا رجع على الجماعة أخذاً من مسألة الوصيّ إذا قضى دين الميت بجمیع الترکة ثم ظهر دین آخر علیه، فإنهم قالوا: إن دفع بغیر قضاء رجع الدائن علیه، وإلا على القابضين. ولا يعارضه ما في القنية لو قضى بدخول أولاد البنات الخ، لأن دخولهم مختلف فيه بخلاف ما نحن فيه للاتفاق اهـ. وذكر ذلك بعينه في فتاوى الحانوتي، وحاصله: أن في دخول أولاد البنات في الوقف على أولاد أولاده خلافاً كما سيأتي تحريره، فإذا قضى بدخولهم فإنه وإن وقع دخولهم مستنداً إلى وقت الوقف لكن بسبب الاختلاف صار الحكم مثبتاً حقهم الآن في الغلة القائمة، فلهم غلة سنة الحكم وغلة السنين الماضية إذا كانت قائمة للاستناد دون المستهلكة لشبهة الاقتصار؛ بخلاف من لم يقع خلاف في دخوله، ثم أثبت دخوله فإن القضاء به مظهر أنه منهم لا مثبت فيستند ولا يقتصر كما مر، فتدبر. قوله: (لأنه مفرد مضاف فيعم) أي الواحد والأكثر، بخلاف بنيه. وعبارة الإسعاف: لأن أقل الجمع هنا اثنان، واسم الولد يصدق على الواحد فلهذا اختلفا في الحكم اهـ. مَطْلَبٌ مَنْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ هَلْ يَشْمَلُ الْوَاحِد أَو لَا؟ تنبيه: في البحر ولو وقف على أولاده وليس له إلا واحد وعلى بنيه وليس له إلا ابن واحد كان النصف له والنصف للفقراء. هكذا سوى بينهما في الخانية. وفرق بينهما في فتح القدير فقال في الأولاد: يستحق الواحد الكل، وفي البنين لا يستحق الكل، وقال: كأنه مبني على العرف، وقد علمت أن المنقول خلافه اهـ. قلت: والحاصل أنه لا فرق بين أولاده وبنيه في أن الواحد يستحق النصف فقط، لأن اللفظ جمع أقله في الوقف اثنان كالوصية؛ بخلاف ولده، فإن الواحد يستحق الكل ٦٧٧ كتاب الوقف للمتولي الإقالة لو خيراً. أجر بعرض معين صح وخصاه بالنقود لما مر، وما ذكره في الفتح مشى عليه في أيمان الأشباه حيث قال: الجمع لا يكون للواحد إلا في مسائل وقف على أولاده، وليس له إلا واحد فله كل الغلة، بخلاف بنيه الخ. وقال في الدر المنتقى آخر الوقف: وأما ما في الأشباه فقد عزاه للعمدة، وكذا ذكره في التاتر خانية وغيرها، فلم يبق الكلام إلا في التوفيق. فأقول وبالله التوفيق: قد لاح لي أنه لا يبعد أن يحمل كلام الخانية على ما إذا وقف على أولاده وله ولدان ثم على الفقراء فمات واحد وبقي واحد وقت وجود الغلة كما يفيده قوله، وله ولد وقت وجود الغلة فيندفع عن الأشباه الاشتباه، فتدبر ولا قوة إلا بالله اهـ. قلت: ويكفي في التوفيق ما مر عن الفتح من ابتنائه على العرف، إذ لا شك أن من وقف على أولاده وأولادهم يريد أنه لو بقي منهم واحد، يأخذ الوقف كله، وبما تقرر علمت أن ما في الفتح منقول أيضاً. مَطْلَبٌ فِي إِقَالَةِ الْمُتَولّي عَقْدَ الإِجَارَةِ قوله: (للمتولي الإقالة لو خيراً) كذا في البحر عن جامع الفصولين. وقال في الأشباه: إقالة الناظر عقد الإجارة جائزة إلا في مسألتين الأولى: إذا كان العاقد ناظراً قبله كما فهم من تعليلهم. الثانية: إذا كان الناظر تعجل الأجرة كما في القنية، ومشى عليه ابن وهبان اهـ. لكن في شرح الوهبانية للشرنبلالي أقول: هذا ليس فيه تحرير، فإن قبض الأجرة وعدمه ليس فيه نظر للخير وعدمه، بل النظر إنما هو لما فيه مصلحة وهو الذي في البحر عن جامع الفصولين المتولي يملك الإقالة لو خيراً وإطلاقه يشمل القبض وعدمه، ويشمل إقالة عقد ناظر قبله، ويؤيده مسألة هي لو باع القيم داراً اشتراها بمال الوقف فله أن يقبل البيع مع المشتري إذا لم يكن البيع بأكثر من ثمن المثل، وكذا إذا عزل ونصب غيره، فللمنصوب إقالته بلا خلاف، كذا في البحر. وفي الأشباه: المتولي على الوقف لو آجر الوقف ثم أقال ولا مصلحة لم يجز على الوقف، فالمنظور إليه المصلحة وعدمها، ولذا قال في الدرر: إذا باع المتولي أو الوصي شيئاً بأكثر من قيمته لا تجوز إقالته اهـ. مع أن المبيع إذا عاد ترجع ماليته على ما كانت عليه، والعين المؤجرة لا تبقى الأجرة بمضيّ الزمن إلا بالاستئجار، فيفوت النفع الذي لزم بالاستئجار، فكان عدم صحة الإقالة مع فوات النفع ألزم من إقالة البيع، خصوصاً وقد تربو المضرة باحتياج العين التي كانت مؤجرة لمؤنة كطعام ومرمة بها اهـ. قوله: (وخصاه بالنقود) بناء على أن الناظر وكيل يتصرف بالعرض وبالنقد وبالنسيئة عنده ٦٧٨ كتاب الوقف للمستأجر غرس الشجر بلا إذن الناظر إذا لم يضرّ بالأرض، وليس له الحفر إلا بإذن، ويأذن لو خيراً وإلا لا. وما بناه مستأجر أو غرسه، فله ما لم ينوه للوقف، وعندهما بالنقود، كما سيأتي في كتاب الوكالة، كذا قيل والمسألة نظمها في الوهبانية. مَطْلَبُ: لِلْمُسْتَأْجِرٍ غَرْسُ الشَّجَرِ قوله: (للمستأجر غرس الشجر الخ) كذا في الوهبانية، وأصله في القنية: يجوز للمستأجر غرس الأشجار والكروم في الأراضي الموقوفة، إذا لم يضرّ بالأرض بدون صريح الإذن من المتولي، دون حفر الحياض. مَطْلَبُ: إِنَّمَا بِلُّ لِلْمُتَوَّلّي الإِذْنُ فِيمَا يَزِيدُ الوَقْفُ بِهِ خَيراً وإنما يحل للمتولي الإذن فيما يزيد الوقف به خيراً، ثم قال: قلت: وهذا إذا لم يكن لهم حق قرار العمارة فيها، أما إذا كان يجوز الحفر والغرس والحائط من ترابها لوجود الإذن في مثلها دلالة اهـ. ولا يخفى أن قوله: ((قلت الخ)) محله عند عدم الضرر بالأرض، كما يعلم بالأولى من قوله: ((وإنما يحل الخ)) ثم اعلم أن العادة في زماننا أن الناظر لا يمكن المستأجر من الغراس إلا بإذنه إذا لم يكن له في الأرض حق القرار المسمى بمشد المسكة، فينبغي أنه لا يملك ذلك بدون إذنه، ولا سيما وفيه ضرر على الوقف، لأن الأنفع أن يغرس الناظر للوقف أو يأذن للمستأجر بالمناصبة: وهي أن يغرس على أن الغراس بينه وبين الوقف كما هو العادة، ولا شك أنه أنفع من غرسه لنفسه فقط. مَطْلَبٌ فِي حُكْمٍ بِنَاءِ المُسْتَأْجِرِ فِي الوَقِْ بِلَ إِذْنٍ قوله: (وما بناء مستأجر أو غرسه فله) أي إذا بناه من ماله بلا إذن الناظر، ثم إذا لم يضرّ رفعه بالبناء القديم رفعه، وإن ضرّ فهو المضيع ماله فليتربص، إلى أن يتخلص من تحت البناء ثم يأخذه ولا يكون بناؤه مانعاً من صحة الإجارة من غيره إذ لا يد له عليه حيث لا يملك رفعه، ولو اصطلحوا على أن يجعله للوقف بثمن لا يجاوز أقل القيمتين منزوعاً فيه أو مبنياً صح. جامع الفصولين. وفي حاشيته للخير الرملي أقول: ظاهره اشتراط الرضا، إذ الصلح لا يكون إلا عنه، مع أنهم صرحوا في الإجارة إذا مضت المدة، وكان القلع يضرّ بالأرض، يتملكه المؤجر بأقل القيمتين جبراً، وإطلاقه يقتضي عدم الفرق بين الوقف والملك، إذ لا وجه للفرق بينهما في ذلك، فيحمل الصلح في كلامه على مجرد الإخبار بالصحة لا على أنه شرط متعين في ذلك اهـ. وفي الخانية: طرح فيها السرقين وغرس الأشجار ثم مات، فالأشجار لورثته ويؤمرون بقلعها، ولا رجوع لهم بما زاد السرقين في الأرض عندنا اهـ. وقدمنا مسألة استبقاء المستأجر العمارة في الأرض المحتكرة قبل الفصل عند ٦٧٩ كتاب الوقف والمتولي بناؤه وغرسه للوقف ما لم يشهد أنه لنفسه قبله. ولو آجر لابنه لم يجز خلافاً لهما قول الشارح: ((وأما الزيادة في الأرض المحتكرة)) قدمنا مسألة العمارة بإذن الناظر عند مسألة الاستبدال. مَطْلَبٌ فِي حُكْمٍ بِنَاءِ المُتَوَلّي وَغَيرِهِ فِي أَرْضِ الوَقْفِ قوله: (والمتولي بناؤه الخ) اعلم أن البناء في أرض الوقف فيه تفصيل، فإن كان الباني المتولي عليه: فإن كان بمال الوقف فهو وقف سواء بناه للوقف أو لنفسه أو أطلق، وإن من ماله للوقف أو أطلق فهو وقف، إلا إذا كان هو الواقف وأطلق فهو له، كما في الذخيرة، وإن بناه من ماله لنفسه، وأشهد أنه له فهو له كما في القنية والمجتبى؛ وإن لم يكن متولياً: فإن بنى بإذن المتولي ليرجع فهو وقف، وإلا فإن بنى للوقف فوقف، وإن لنفسه أو أطلق فله رفعه إن لم يضرّ. وتمامه في ط عن الأشباه وحواشيها. وفي الخانية: ولو غرس في المسجد يكون للمسجد، لأنه لا يغرس فيه لنفسه. قوله: (ما لم يشهد أنه لنفسه قبله) أي قبل البناء، وهو متعلق بيشهد، وهذا إذا بناه من ماله كما علم مما مر قبله، وقيد بالإشهاد تبعاً لجامع الفصولين وغيره، لكن صرح الخصاف بأن القول قوله: إذا اختلف هو وأهل الوقف بأن قال زرعتها لنفسي ببذري ونفقتي، وقالوا بل لنا لأن البذر له، فما حدث منه فهو له بمنزلة الواقف فيما يزرع له. قال الخصاف: وأرى إخراجه من يده بما فعل، ويضمن نقصان الأرض اهـ. ومثله في الخانية، وهو صريح أيضاً بأنه يكون خيانة منه يستحق بها العزل، وكأنه في البحر لم يره حيث قال: وينبغي أن يكون خيانة، وقدمنا عند قوله: وينزع وجوباً لو خائناً عن شرح الأشباه للبيري: أنه يؤخذ مما ذكرناه أن الناظر لو سكن دار الوقف ولو بأجر المثل للقاضي عزله، لأنه نص في خزانة الأكمل أنه لا يجوز له السكنى ولو بأجر المثل. مَطْلَبٌ: لَوْ آجَرَ المُتَولّي لِبْنِهِ أَوْ أَبِيهِ لَمْ يجزْ إِلَّ بِأَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ الْمِثْلِ قوله: (ولو آجر لابنه) أي الكبير إذ الصغير تبع له. شرح الوهبانية. وفي جامع الفصولين: لو باع القيم مال الوقف أو آجر ممن لا تقبل شهادة له لم يجز عند أبي حنيفة، وكذا الوصي. وقيل الوصي كمضارب، وفيه المتولي إذا آجر دار الوقف من ابنه البالغ أو أبيه لم يجز عند أبي حنيفة إلا بأكثر من أجر المثل كبيع الوصي لو بمثل قيمته، صح عندهما، ولو خيراً لليتيم صح عند أبي حنيفة، وكذا متول آجر من نفسه لو خيراً صح، وإلا لا، ومعنى الخير مرّ في بيع الوصي من نفسه، وبه يفتى اهـ. والذي مر ٦٨٠ كتاب الوقف كعبده اتفاقاً. هذا لو باشر بنفسه، فلو القاضي صح، وكذا الوصيّ بخلاف الو کیل. وقف على أصحاب الحديث لا يدخل فيه الشافعي إذا لم يكن في طلب الحديث ويدخل الحنفي كان في طلبه أولا. بزازية: أي لكونه يعمل بالمرسل ويقدم خبر الواحد على القياس، وجاز على حفر القبور والأكفان هو قوله في شراء مال الصغير جاز للوصي ذلك لو خيراً، وتفسيره أن يأخذ بخمسة عشر ما يساوي عشرة أو يبيع منه بعشرة ما يساوي خمسة عشر، وبه يفتى اهـ. قوله: (كعبده اتفاقاً) وكذا لو لنفسه. قوله: (هذا لو باشر بنفسه) أما لو ذهب إلى القاضي فآجره صح. شرح الوهبانية عن الخانية. قلت: ويشكل عليه ما مر عند قوله: ((ولاية نصب القيم إلى الواقف ثم لوصيه ثم للقاضي)) من أن القاضي لا يملك التصرف مع وجود المتولي. والجواب أنه لا يملك ذلك على ما فيه من النزاع عند صحة تصرف المتولي بنفسه، وهنا لا يصح، وقدمنا عند الكلام على قطع الجهات للتعمير أن المتولي لو عمل كالفاعل والبناء، فله قدر أجرته لو أمره الحاكم، وإلا فلا إذ لايصلح مؤجراً ومستأجراً، وهذه العلة جارية هنا. وقدمنا أيضاً أول الفصل: إذا شرط الواقف أن لا تؤجر الأرض أكثر من سنة، وكانت إجارتها أكثر أنفع للفقراء فليس للقيم أن يؤجرها أكثر، بل يرفع الأمر للقاضي ليؤجرها لأن له ولاية النظر للفقراء، فافهم. قوله: (وكذا الوصي) أي من قبل الأب، بخلاف وصي القاضي؛ فإنه لا يصح بيعه ولا شراؤه مال اليتيم ولو خيراً كما سيأتي في بابه والإجارة بيع المنافع. أفاده ط. قوله: (بخلاف الوكيل) فإنه لا يعقد مع من ترد شهادته له للتهمة عند الإمام، إلا إذا أطلق له الموكل كما سيأتي في بابها. أفاده ط. قوله: (أي لكونه يعمل بالمرسل) هو من سقط منه (١) الصحابي ط. وهذا التعليل ذكره في شرح الوهبانية بقوله: وفي حفظي تعليله بكونه يعمل الخ، ولكني لم أظفر به الآن اهـ. قلت: ووجهه أنه عمل بكل الأحاديث حيث لم يترك العمل بهذين، فصار أحق بإطلاق هذا اللفظ عليه، والظاهر أن هذا عند عدم العرف. أما إذا تعورف إطلاقه على من غلب عليه هذا العلم حتى اشتهر به وصار يطلق عليه أنه من أهل الحديث، تعين حمله على عرف الواقف كما قدمناه في مسألة ابن المنقار. قوله: (وجاز على حفر القبور والأكفان) هو المفتى به كما في البحر عن الفتاوى، وفي شرح الوهبانية أن الصحة أظهر. (١) في ط قوله هو من سقط الخ هكذا بخطه والذي في حاشية ط هو ما سقط الخ وهي أولى. مصححه.