النص المفهرس

صفحات 621-640

٦٢١
كتاب الوقف
القديمة عن الاستهلاك بخلاف غيره (لا) تقبل بالشهرة (لـ) لإثبات (شرائطه في
الأصح) درر وغيرها. لكن في المجتبى: المختار قبولها على شرائطه أيضاً،
واعتمده في المعراج وأقره الشرنبلالي وقواه في الفتح بقولهم: يسلك بمنقطع
المارة فإنه لا يتيقن فيها(١) بأن الشهادة بالتسامع فيفرق فيها بين السكوت والإفصاح.
والحاصل: أن المشايخ رجحوا استثناء الوقف منها للضرورة: وهي حفظ
الأوقاف القديمة عن الضياع، ولأن التصريح بالتسامع فيه لا يزيد على الإفصاح به،
والله سبحانه أعلم. قوله: (لإثبات شرائطه) المراد من الشرائط أن يقولوا إن قدراً من
الغلة لكذا، ثم يصرف الفاضل إلى كذا بعد بيان الجهة. بحر من الشهادات. وقوله:
بعد بيان الجهة متعلق بقوله: ((أن يقولوا)) لأن بيان الجهة هو بيان المصرف، ويأتي أنه
من الأصل لا من الشرائط، فالمراد من الشرائط ما يشرطه الواقف في كتاب وقفه لا
الشرائط التي يتوقف عليها صحة الوقف كالملك والإفراز والتسليم عند القائل به ونحو
ذلك مما مر أول الباب. قوله: (في الأصح) وعليه الفتوى. هندية عن السراجية ط.
قوله: (وأقره الشرنبلالي) وعزاه إلى العلامة قاسم.
مَطْلَبٌ فِي حُكْمِ الوَقْفِ القَدِيمِ المَجْهُولَةِ شَرَائِطُهُ وَمَصَارِفُهُ
قوله: (وقواه في الفتح بقولهم الخ) حيث قال في كتاب الشهادات: وأنت إذا
عرفت قولهم ذلك لم تتوقف عن تحسين ما في المجتبى، لأن ذلك هو معنى الثبوت
بالتسامع اهـ: أي لأن الشهادة بالتسامع هي أن يشهد بما لم يعاينه، والعمل بما في
دواوين القضاة عمل بما لم يعاين؛ وأيضاً قولهم: ((المجهولة شرائطه ومصارفه)) يفهم
منه أن ما لم يجهل منها يعمل بما علم منها، وذلك العلم قد لا يكون بمشاهدة الواقف
بل بالتصرف القديم، وبه صرح في الذخيرة حيث قال: سئل شيخ الإسلام عن وقف
مشهور اشتبهت مصارفه وقدر ما يصرف إلى مستحقيه. قال: ينظر إلى المعهود من
حاله فيم سبق من الزمان من أن قوامه كيف يعملون فيه وإلى من يصرفونه، فيبني على
ذلك لأن الظاهر أنهم كانوا يفعلون ذلك على موافقة شرط الواقف وهو المظنون بحال
المسلمين فيعمل على ذلك اهـ. فهذا عين الثبوت بالتسامع. وفي الخيرية: إن كان
للوقف كتاب في ديوان القضاة المسمى في عرفنا بالسجل، وهو في أيديهم اتبع ما فيه
استحساناً إذا تنازع أهله فيه، وإلا ينظر إلى المعهود من حاله فيما سبق من الزمان
من أن قوامه كيف كانوا يعملون وإن لم يعلم الحال فيما سبق رجعنا إلى القياس
(١) في ط (قوله فإنه لا يتيقن فيها الخ) حتى لو يتقن أن الشهادة بالتسامح في غير الوقت لا يحكم بها القاضي.
أفاده شيخنا وقال: هكذا رأيته عن بعضهم.

٦٢٢
كتاب الوقف
الشرعي، وهو أن من أثبت بالبرهان حقاً حكم له به اهـ. لكن قولهم ((المجهولة شرائطه
الخ)» يقتضي أنها لو علمت ولو بالنظر إلى المعهود من حاله فيما سبق من تصرف القوام
لا يرجع إلى ما في سجل القضاة، وهذا عكس(١) ما في الخيرية فتنبه لذلك.
مَطْلَبُ: أَحْضَرَ صَكَّا فِيهِ خُطُوطُ الْعُدُولِ وَالْقُضَاةِ لَا يُقْضَى بِهِ
تنبيه: ذكر في الخانية والإسعاف ادعى على رجل في يده ضيعة أنها وقف
وأحضر صكاً فيه خطوط العدول والقضاة الماضين وطلب من القاضي القضاء بذلك
الصك، قالوا: ليس للقاضي ذلك، لأن القاضي إنما يقضي بالحجة والحجة إنما هي
البينة أو الإقرار، أما الصك فلا يصلح حجة لأن الخط يشبه الخط، وكذا لو كان على
باب الدار لوح مضروب ينطق بالوقف لا يجوز للقاضي أن يقضي ما لم تشهد الشهود اهـ.
قلت: وهذا بظاهره ينافي(٢) ما هنا من العمل بما في دواوين القضاة، والجواب:
أن العمل بما فيها استحسان كما في الإسعاف وغيره وما ذكرناه عن الخانية محله إذا لم
يكن للصك وجود في سجل القضاة، أما لو وجد فيه، فإنه يعمل به كما في حواشي
الأشباه، ومثله ما قدمناه من قول الخيرية إن كان للواقف كتاب الخ، ووجهه ظاهر لأنه
إذا كان له كتاب موافق لما في سجل القضاة يزداد به قوة، ولا سيما إذا كان الكتاب
عليه خطوط القضاة الماضين.
مَطْلَبٌ: لَا يُعْتَمَدُ عَلَى الخَطِّ إِلَّ فِي مَسَائِلَ
فعلى هذا فقول الأشباه في أول كتاب القضاء لا يعتمد على الخط ولا يعمل به
إلا في كتاب أهل الحرب بطلب الأمان إلى الإمام، وفي دفتر السمسار والصراف
والبياع يستثنى منه أيضاً هذه المسألة، كما أفاده البيري فتصير المسائل المستثناة ثلاثاً،
وتمام بيانها في كتابنا تنقيح الفتاوى الحامدية من كتاب الدعوى فراجعه فإنه مهم.
مَطْلَبٌ فِي البَرَاءَاتِ السُّلْطَانِيَّةِ وَالدَّفَاتِ الْخَاقَانِيَّةِ
ثم اعلم أنه ذكر في الأشباه أنه يمكن أن يلحق بكتاب أهل الحرب البراءات
(١) في ط (قوله وهذا عكس الخ) يمكن أن يدعي عدم حصول العكس بحمل ما في الخبرية على عدم وجود
کتاب لذلك الوقف.
(٢) في ط (قوله وهذا بظاهره ينافي الخ) فرق شيخنا بين هذه المسألة وبين مسألة العمل بما في الدواويين بأن
مهلة العمل. قد وجد بها التصادق على ثبوت أصل الوقف، فالعمل بالخط إنما هو في مجرد الشرائط،
بخلاف ما هنا فإنه لو فرض صحة الحكم بالصك يكون قد حكم بالخط في أصل الوقف، خصوصاً
والوقف في يد مدع للملك: أي فيلزم إيطال حق ذي اليد بمجرد الخط.

٦٢٣
كتاب الوقف
الثبوت المجهولة شرائطه ومصارفه ما كان عليه في دواوين القضاة انتهى. وجوابه
أن ذلك للضرورة والمدعى أعم. بحر (وبيان المصرف)، كقولهم على مسجد كذا
(من أصله) لتوقف صحة الوقف عليه فتقبل بالتسامع
السلطانية بالوظائف إن كانت العلة أنه لا يزوّر. قال العلامة البيري: والظاهر هذا،
ويشهد له ما في الزكاة إذا قال أعطيتها وأظهر البراءة يجوز العمل به، وعلل بأن الاحتيال
في الخط نادر كما في المصفى اهـ.
قلت: وهذا يؤيد ما ذكره الشارح في رسالة عملها في الدفتر الخاقاني المعنون
بالطرة السلطانية المأمونة من التزوير، إلى أن قال: فلو وجد في الدفاتر أن المكان
الفلاني وقف على المدرسة الفلانية مثلاً يعمل به من غير بينة قال: وبذلك يفتي مشايخ
الإسلام كما هو مصرح به في بهجة عبد الله أفندي وغيرها اهـ. لكن أفتى في الخيرية
بأنه لا يثبت الوقف بمجرد وجوده في الدفتر السلطاني. لعدم الاعتماد على الخط.
فتأمل. قوله: (والمدعى أعم) أي من كونه للضرورة أو غيرها، ولكن فيه نظر، فإن
الكلام في جهل الشرائط كما علمت، إذ عند علمها لا حاجة إلى إثباتها فالكلام عند
الضرورة لا أعم فكلام الكمال أتم، فافهم. قوله: (وبيان المصرف من أصله) مبتدأ
وخبر: أي فتقبل الشهادة على المصرف بالتسامع كالشهادة على أصله، لأن المراد
بأصله كل ما تتوقف عليه صحته وإلا فهو من الشرائط كما قدمناه، وكونه وقفاً على
الفقراء أو على مسجد كذا تتوقف عليه صحته؛ بخلاف اشتراط صرف غلته لزيد أو
للذرية فهو من الشرائط لا من الأصل، ولعل هذا مبني على قول محمد باشتراط التصريح
في الوقف بذكر جهة لا تنقطع، وتقدم ترجيح قول أبي يوسف بعدم اشتراط التصريح
به، فإذا كان ذلك غير لازم في كلام الواقف فينبغي أن لا يلزم في الشهادة بالأولى لعدم
توقف الصحة عليه عنده، ويؤيده هذا ما في الإسعاف والخانية: لا تجوز الشهادة على
الشرائط والجهات بالتسامع اهـ. ولا يخفى أن الجهات هي بيان المصارف، فقد ساوى
بينها وبين الشرائط إلا أن يراد بها الجهات التي لا يتوقف صحة الوقف عليها. وفي
التاترخانية، وعن أبي الليث: تجوز الشهادة في الوقف بالاستفاضة من غير الدعوى
وتقبل الشهادة بالوقف وإن لم يبينوا وجهاً ويكون للفقراء اهـ. وفي جامع الفصولين:
ولو ذكروا الواقف لا المصرف تقبل لو قديماً ويصرف إلى الفقراء اهـ. وهذا صريح فيما
قلنا من عدم لزومه في الشهادة، والظاهر أنه مبني على قول أبي يوسف وعليه فلا يكون
بيان المصرف من أصله فلا تقبل فيه الشهادة بالتسامع كما سمعت نقله عن الخانية
والإسعاف؛ والظاهر أن هذا إذا كان المصرف جهة مسجد أو مقبرة أو نحوهما، أما لو
كان للفقراء فلا يحتاج إلى إثباته بالتسامع لما علمت من أنه يثبت بالشهادة على مجرد

٦٢٤
كتاب الوقف
(وبعض مستحقيه) وكذا بعض الورثة ولا ثالث لهما كما في الأشباه.
قلت: وكذا لو ثبت إعساره في وجه أحد الغرماء كما سيجيء، فتأمل:
وقالوا: تقبل بينة الإفلاس لغيبة المدعي، وكذا بعض الأولياء المتساوين يثبت
الوقف، فإذا ثبت الوقف بالتسامع يصرف إلى الفقراء بدون ذكرهم كما علم من عبارة
التاترخانية والفصولين، هذا ما ظهر لي في هذا المحل، وقد ذكر الخير الرملي في حاشية
المنح توفيقاً آخر بين ما ذكره المصنف، وبين ما نقلناه عن الإسعاف والخانية بحمل جواز
الشهادة على ما إذا لم يكن الوقف ثابتاً على جهة بأن ادعى على ذي يد يتصرف بالملك بأنه
وقف على جهة كذا، فشهدوا بالسماع وحمل عدم الجواز على ما إذا كان أصله ثابتاً على
جهة فادعى جهة غيرها، وشهدوا عليها بالسماع للضرورة في الأول دون الثاني، لأن
أصل جواز الشهادة فيه بالسماع للضرورة والحكم يدور مع علته وجازت إذ قدم. قال:
وقد رأيت شيخنا الحانوتي أجاب بذلك اهـ ملخصاً.
مَطْلَبٌ فِيمَنْ يُنْتَصَبُ خَصْماً عَنْ غَيرِهِ
قوله: (وبعض مستحقيه) مبتدأ أو مضاف إليه، وقوله: ((ينتصب خصماً عن
الكل)» خبر المبتدأ ويأتي بيانه، وكذا بعض نظار الوقف لما في الحادي عشر من
التاترخانية وقف أرضه على قرابته، فادعى رجل أنه منهم والواقف حي فهو خصمه،
وإلا فالقيم ولو متعدداً، وإن ادعى على واحد جاز ولا يشترط اجتماعهم، ولا يكون
خصماً وارث الميت، ولا أحد أرباب الوقف. قوله: (وكذا بعض الورثة) أي يقوم مقام
جميعهم فيما للميت أو عليه، ويأتي تمامه قريباً. قوله: (قلت الخ) استدراك على قوله:
((ولا ثالث لهما)). قوله: (وكذا لو ثبت إعساره في وجه أحد الغرماء) فإنه ينصب خصماً
عن بقيتهم فلا يحبس لهم ط. قوله: (كما سيجيء) لم أره في فصل الحبس من كتاب
القضاة ولا في كتاب الحجر فلعله ذكره في غيرهما، فليراجع. قوله: (وقالوا تقبل بينة
الإفلاس بغيبة المدعي) هذا تأييد لقبولها في وجه أحد الغرماء لا بيان لموضع آخر مما
نحن فيه حتى يرد عليه أنه لا محل لذكره هنا لعدم انتصاب أحد عن أحد فيه، فافهم.
قوله: (وكذا بعض الأولياء المتساوين) ((كذا)) خبر مقدم و ((بعض الأولياء)) مبتدأ مؤخر،
وجملة ((يثبت الخ)) استئناف بياني: يعني أن رضا بعض الأولياء المتساوين بنكاح غير
الكفء قبل العقد أو بعده كرضا الكل، لأن حق الاعتراض ثبت لكل واحد من الأولياء
كملاً، وهذا على ظاهر الرواية؛ أما على المفتى به فالنكاح باطل من أصله لفساد الزمان
كما تقدم في باب الولي اهـح: أي أن تزويجها نفسها لغير كفء باطل إذا كان لها وليّ
لم يرض به قبل العقد ولا يفيد رضا بعده، وإن لم يكن لها ولي فهو صحيح كما مر

٦٢٥
كتاب الوقف
الاعتراض لكل كملاً، وكذا الأمان والقود وولاية المطالبة بإزالة الضرر العام عن
طريق المسلمين، والتتبع يقتضي عدم الحصر،
في بابه، ثم حيث ثبت الحق لكل من الأولياء كملاً، فإذا رضي أحدهم فكأنه قام مقام
غيره في الرضا حتى لا يثبت لغيره حق الاعتراض ولو قال يثبت الاعتراض، وكذا
الإنكاح في الصغير لكان أولى. قوله: (وكذا الأمان) يعني أمان واحد من المسلمين
لحربي كأمان جميعهم كما تقدم في السير اهـح. قوله: (والقود) يعني إذا عفا واحد من
أولياء المقتول سقط القود، كما إذا عفا جميعهم اهـ ح.
قلت: وكذا استيفاء(١) القود فسيأتي في الجنايات أن للكبار القود قبل كبر
الصغار خلافاً لهما، والأصل أن كل ما لا يتجزأ إذا وجد سببه كاملاً، يثبت لكل على
الكمال كولاية إنكاح وأمان، إلا إذا كان الكبير أجنبياً عن الصغير فلا يملك القود حتى
يبلغ الصغير إجماعاً. زيلعي. وذلك كابن للمتوفى صغير وامرأته وهي غير أم
الصغير اهـ ط. قوله: (وولاية المطالبة الخ) قال المصنف من باب ما يحدثه الرجل في
الطريق من نحو الكنيف والميزاب: ولكل واحد من أهل الخصومة ولو ذمياً منعه ابتداء
ومطالبته بنقضه ورفعه بعده: أي بعد البناء سواء كان فيه ضرر أو لا، إذا بنى لنفسه
بغير إذن الإمام ولم يكن للمطالب مثله اهـ. فقوله بإزالة الضرر ليس بقيد بل يقوم أحد
من له الخصومة بالمطالبة وإن لم يضر اهـ ط. قوله: (والتتبع يقتضي عدم الحصر)
يعني أنه زاد ما ذكر ولم يحصر المواضع بعدد، لأنه يمكن التتبع الزيادة عليها خلافاً
لما فعله في الأشباه، وقد زاد البيري مسألة وهي: قال محمد رحمه الله تعالى: لو قال
سالم وبزيغ وميمون أحرار وأقام واحد منهم البينة على ذلك ثم جاء غيره لا يعيد البيئة
لأنه إعتاق واحد اهـ.
قلت: ويزاد أيضاً ما في الفصل الرابع من جامع الفصولين برهن على رجل أنه
باعه، وفلاناً الغائب قناً بكذا يقضى على الحاضر بنصف ثمنه، لا على الغائب إلا أن
يحضر ويعيد البينة عليه، ولو كان قد ضمن كل منهما ما على الآخر من الثمن جاز
ويقضى عليهما فلا حاجة إلى إعادة البينة على الغائب اهـ. وسيأتي في كتاب القضاء
أنه لا يقضى على غائب، ولا له إلا في مواضع منها: أن يكون ما يدعى على الغائب
(١) في ط (قوله قلت وكذا استيفاء الخ) أي حيث كان بعض مستحقي القود صغيراً لا غائباً حتى لا ينافي قولهم
في الجنايات.
ولا يقود حاضر بحجته إذا أخوه غاب عن خصومته
وفرق شيخنا بين الغائب والحاضر بأن احتمال العفو من الغائب شبهة، بخلاف في الصغير فإنه شبهة
الشبهة، لأن احتمال العفو منه بعد احتمال البلوغ: أي وهي غير معتبرة في الدره.

٦٢٦
كتاب الوقف
ثم إنما ينتصب أحد الورثة خصماً عن الكل لو في دعوى دين لا عين ما لم تكن
بيده فليحفظ (ينتصب خصماً عن الكل) أي إذا كان وقف بين جماعة وواقفه
واحد، فلو أحد منهم أو وكيله الدعوى على واحد منهم أو وكيله (وقيل لا)
سبباً لما يدعى على الحاضر كما إذا برهن على ذي اليد أنه اشترى الدار من فلان
الغائب فحكم على الحاضر كان ذلك حكماً على الغائب أيضاً حتى لو حضر وأنكر
لم يعتبر. قال الشارح هناك: وله صور كثيرة ذكر منها في المجتبى تسعاً وعشرين.
مَطْلَبُ فِي أَنْتِصَابِ بَعْضِ أَلْوَرَةِ خَضْماً عَنِ الْكُلِّ
قوله: (ثم إنما ينتصب الخ) قال في جامع الفصولين: ادعى بيتاً إرثاً لنفسه
ولإخوته الغيب وسماهم وقال الشهود: لا نعلم له وارثاً غيرهم، تقبل البينة في ثبوت
البيت للميت إذ أحد الورثة خصم عن الميت فيما يستحق له، وعليه ألا ترى أنه لو
ادعى على الميت دين بحضرة أحدهم يثبت في حق الكل. وكذا لو ادعى أحدهم ديناً
على رجل للميت وبرهن ثبت في حق الكل. وأجمعوا على أنه لا يدفع إلى الحاضر إلا
نصيبه: يعني في البيت مشاعاً غير مقسوم ثم قالا: يؤخذ نصيب الغائب ويوضع عند
عدل، وقال أبو حنيفة: لا يؤخذ، وأجمعوا على أن ذا اليد لو مقرّاً لا يؤخذ منه نصيب
الغائب، هذا في العقار. أما في النقلي فعندهما يوضع عند عدل، وعنده قيل كذلك،
وقيل لا يؤخذ كما لو كان مقراً. ولو مات عن ثلاثة بنين فغاب اثنان وبقي ابن والدار
في يده غير مقسومة، فادعى رجل كلها ملكاً مرسلاً أو الشراء من أبيهم يحكم له بالكل،
ولو برهن على أحدهم أن الميت غصب شيئاً وبعضه بيد الحاضر وبعضه بيد وكيل
الغائب قضى على الحاضر بدفع ما بيده دون وكيل الغائب.
فالحاصل: أن أحد الورثة خصم عن الميت في عين هو في يد هذا الوارث لا
فيما ليس بيده، حتى لو ادعى عليه عيناً من التركة ليست في يده لا يسمع، وفي دعوى
الدين ينتصب أحدهم خصماً عن الميت ولو لم يكن بيده شيء من التركة اهـ. ملخصاً.
وتمام الكلام فيه من الفصل الرابع.
مَطْلَبٌ: بَعْضُ الْمُسْتَحِقّين يُنْتَصَبُ خَضْماً عَنِ الْكُلِّ
قوله: (وينتصب خصماً عن الكل) أي كل المستحقين وكذا بعض النظار كما
قدمناه، والمسألة في المحيط والقنية: وقف بين أخوين مات أحدهما وبقي في يد الحيّ
وأولاد الميت، فبرهن الحي على أحدهم أن الواقف بطناً بعد بطن والباقي غيب
والواقف واحد يقبل وينتصب خصماً عن الباقين، ولو برهن الأولاد أن الوقف مطلق

٦٢٧
كتاب الوقف
ينتصب فلا يصح القضاء إلا بقدر ما في يد الحاضرين (وهذا) أي انتصاب بعضهم
(إذا كان الأصل ثابتاً وإلا فلا) ينتصب أحد المستحقين خصماً، وتمامه في شرح
الوهبانية (اشترى المتولي بمال الوقف داراً) للوقف (لا تلحق بالمنازل الموقوفة،
ويجوز بيعها في الأصح) لأن للزومه كلاماً كثيراً ولم يوجد هاهنا (مات المؤذن
والإمام ولم يستوفيا وظيفتهما من الوقف سقط) لأنه كالصلة (كالقاضي وقيل لا)
يسقط لأنه كالأجرة، كذا في الدرر قبل باب المرتد وغيرها. قال المصنف ثمة:
وظاهره ترجيح الأول لحكاية الثاني بقيل.
قلت: قد جزم في البغية تلخيص القنية بأنه يورث، بخلاف رزق القاضي،
علينا وعليك فبينة الأول أولى. قوله: (وهذا الخ) وعليه فلا منافاة بين ما هنا، وما
قدمه من أن الموقوف عليه لا يملك الدعوى، لأن ذلك فيما إذا لم يكن الوقف ثابتاً
وأراد إثبات أنه وقف، ومر تقريره.
مَطْلَبٌ: اشْتَرَى بِمَالِ الوَقْفِ دَاراً لِلْوَقْفِ يجوزُ بَيْعُهَا
قوله: (اشترى بمال الوقف) أي بغلة الوقف كما عبر به في الخانية وهو أولى
احترازاً عما لو اشترى ببدل الوقف فإنه يصير وقفاً كالأول على شروطه وإن لم يذكر
شيئاً كما مر في بحث الاستبدال، وقيده في الفتح بما إذا لم يحتج الوقف إلى العمارة،
وهو ظاهر إذ ليس له الشراء، كما ليس له الصرف إلى المستحقين كما مر. وفي البحر
عن القنية: إنما يجوز الشراء بإذن القاضي، لأنه لا يستفاد الشراء من مجرد تفويض القوامة
إليه، فلو استدان في ثمنه وقع الشراء له اهـ.
قلت: لكن في التاترخانية: قال الفقيه: ينبغي أن يكون ذلك بأمر الحاكم احتياطاً
في موضع الخلاف. قوله: (ويجوز بيعها في الأصح) في البزازية بعد ذكر ما تقدم.
وذكر أبو الليث في الاستحسان: يصير وقفاً، وهذا صريح في أنه المختار اهـ رملي.
قلت: وفي التاترخانية: المختار أنه يجوز بيعها إن احتاجوا إليه.
مَطْلَبُ فِي الْإِمَامِ وَالمُؤَذِّنِ إِذَا مَاتَ فِي أَثْنَاءِ السَّنَّةِ
قوله: (كالقاضي) فإنه يسقط حقه، إلا إذا مات في آخر السنة فيستحب الصرف
لورثته كما في الهداية قبيل باب المرتد. قوله: (وقيل لا يسقط) أي بل يعطى بقدر ما
باشر ويصير ميراثاً عنه كما يأتي. قوله: (قلت قد جزم في البغية الخ) أي فجزمه به
يقتضي ترجيحه. قلت: ووجهه ما سيذكره في مسألة الجامكية أن لها شبه الأجرة وشبه
الصلة، ثم إن المتقدمين منعوا أخذ الأجرة على الطاعات، وأفتى المتأخرون بجوازه
على التعليم والأذان والإمامة، فالظاهر أن من نظر إلى مذهب المتقدمين رجح شبه

٦٢٨
كتاب الوقف
كذا في وقف الأشباه ومغنم النهر، ولو على الإمام دار وقف فلم يستوف الأجرة
حتى مات إن آجرها المتولي سقط وإن آجرها الإمام لا عمادية
الصلة فقال بسقوطها بالموت، لأن الصلة لا تملك قبل القبض، ومن نظر إلى مذهب
المتأخرين رجح شبه الأجرة فقال بعدم السقوط، وحيث كان مذهب المتأخرين هو
المفتى به جزم في البغية بالثاني، بخلاف رزق القاضي، فإنه ليس له شبه بالأجرة
أصلاً، إذ لا قائل بأخذ الأجرة على القضاء.
مَطْلَبٌ: إِذَا مَاتَ المُدَرِّسُ وَنَحْوُهُ يُعْطَى بِقَدْرِ مَا بَاشَرَ
بِخِلَافِ الوَقْفِ عَلَى الذُّرِّيَّةِ
وعلى هذا مشى الطرسوسي في أنفع الوسائل على أن المدرس ونحوه من
أصحاب الوظائف إذا مات في أثناء السنة يعطى بقدر ما باشر ويسقط الباقي، وقال
بخلاف الوقف على الأولاد والذرية، فإنه يعتبر فيهم وقت ظهور الغلة، فمن مات بعد
ظهورها ولو لم يبد صلاحها صار ما يستحقه لورثته وإلا سقط اهـ. وتبعه في الأشباه
وأفتى به في الخيرية، وهو الذي حرره المرحوم مفتي الروم أبو السعود العمادي، وهذا
خلاصة ما قدمناه في كتاب الجهاد قبيل فصل القسمة وقبيل باب المرتد. ولو كان الوقف
ينجر أقساطاً فتمام كل قسط بمنزلة طلوع الغلة، فمن وجد وقته استحق كما أفتى به
الحانوتي تبعاً للفتح. وبما قررناه ظهر سقوط ما نقله البيري عن شيخ الشيوخ الديري من
أنه ينبغي أن يعمل بهذا القول، وهو عدم السقوط بالموت في حق المدرس والطلبة لا
في حق المؤذن والإمام، لأن الأذان والإمامة من فروض الكفاية، فلا تكون بمقابلة
أجرة اهـ ملخصاً. فإن المتأخرين أفتوا بأخذ الأجرة على الثلاثة.
مَطْلَبُ: إِذَا مَاتَ مَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الصَّرِّ وَالحَبِّ يَسْتَحِقُّ نَصِيبَهُ
تنبيه: ذكر البيري أيضاً أنه سئل العلامة ابن ظهيرة القرشي الحنفي: إذا كان
للميت شيء من الصر والحب وورد ذلك عن السنين الماضية في حياته (١) وفي السنة
التي مات فيها هل يستحقه بقسطه؟ أجاب: نعم يستحق نصيبه منه، وإن كان مبرة من
السلطان صار نصيبه في حكم المحلول؛ وذكر الإمام أبو الليث في النوازل أنه يكون
لورثته اهـ. ويؤيده ما في البزازية عن محمد: قوم أمروا أن يكتبوا مساكين مسجدهم
فكتبوا ورفعوا أساميهم وأخرجوا الدراهم على عددهم فمات واحد من المساكين، قال:
يعطى وارثه إن مات بعد رفع اسمه اهـ. ومنه يعلم حكم الأمانات الواصلة لأهل مكة
المشرفة والمدينة المنوّرة على وجه الصلة والمبرة ثم يموت المرسل إليه، وقد أفتيت
بدفع ذلك لولده. بيري. قوله: (وإن آجرها الإمام لا) أي لا يسقط معلومه تنزيلاً لعقده
(١) في ط (قوله في حياته) متعلق بالماضية، وقوله: ((يستحق نصيبه منه)) أي من الوارد المفهوم من ((ورد)).

٦٢٩
كتاب الوقف
أخذ الإمام الغلة وقت الإدراك، وذهب قبل تمام السنة لا يسترد منه غلة باقي
السنة، فصار كالجزية وموت القاضي قبل الحول، ويحل للإمام غلة باقي السنة لو
فقيراً، وكذا الحكم في طلبة العلم في المدارس. درر. ونظم ابن الشحنة الغيبة
منزلة القبض. تأمل. لكن تقدم أن الموقوف عليه الغلة أو السكنى لا يملك الإجارة،
والظاهر أن هذا الفرع مبني على القول الأول بالسقوط.
مَطْلَبٌ فِيمَا إِذَا قَبَضَ المَعْلُومَ وَغَابَ قَبْلَ تَمَامِ السَّةِ
قوله: (أخذ الإمام الغلة) أي قبض معلوم السنة بتمامها كما في البحر. قال في
الهندية: إمام المسجد رفع الغلة وذهب قبل مضيّ السنة لا يسترد منه الصلة، والعبرة
بوقت الحصاد، فإن كان يؤم في المسجد وقت الحصاد يستحق، كذا في الوجيز. وهل
يحل للإمام أكل حصة ما بقي من السنة إن كان فقيراً؟ يحل وكذا الحكم في طلبة العلم
يعطون في كل سنة شيئاً مقدراً من الغلة وقت الإدراك، فأخذ واحد منهم قسطه وقت
الإدراك، فتحول عن تلك المدرسة كذا في المحيط اهـ. وقوله: والعبرة بوقت الحصاد
ظاهره المنافاة لما قدمناه عن الطرسوسي، لكن أجاب في البحر: بأن المراد أن العبرة
به فيما إذا قبض معلوم السنة قبل مضيها، لا لاستحقاقه بلا قبض. قال: مع أنه نقل في
القنية عن بعض الكتب أنه ينبغي أن يسترد من الإمام حصة ما لم يؤمّ فيه. قال ط :
قلت: وهو الأقرب لغرض الواقف اهـ.
قلت: وينبغي تقييد هذا بما إذا لم يكن ذلك مقدراً لكل يوم لما قدمنا عن القنية
إن كان الواقف قدر للمدرس لكل يوم مبلغاً فلم يدرس يوم الجمعة أو الثلاثاء، لا يحل
أجر هذين اليومين، وتقدم تمامه قبيل قوله: ولو داراً فعمارته على من له السكنى.
قوله: (فصار كالجزية) أي إذا مات الذمي في أثناء السنة لا يؤخذ منه الجزية لما مضى
من الحول، ويحتمل أن المراد أنه إذا عجلها أثناء السنة ثم أسلم أو مات لا تستردط.
قوله: (ونظم ابن شحنة الغيبة الخ) أقول: حاصل ما في شرحه تبعاً للبزازية أنه إذا غاب
عن المدرسة: فإما أن يخرج من المصر أو لا؛ فإن خرج مسيرة سفر ثم رجع ليس له
طلب ما مضى من معلومه بل يسقط، وكذا لو سافر لحج ونحوه؛ وإن لم يخرج لسفر
بأن خرج إلى الرستاق: فإن أقام خمسة عشر يوماً فأكثر: فإن بلا عذر كالخروج للتنزه
فكذلك، وإن لعذر كطلب المعاش فهو عفو، إلا أن تزيد غيبته على ثلاثة أشهر، فلغيره
أخذ حجرته ووظيفته: أي معلومه وإن لم يخرج من المصر؛ فإن اشتغل بكتابة علم
شرعي، فهو عفو، وإلا جاز عزله أيضاً. واختلف فيما إذا خرج للرستاق وأقام دون
خمسة عشر يوماً لغير عذر فقيل: يسقط، وقيل: لا، هذا حاصل ما ذكره ابن الشحنة في
شرحه .

٦٣٠
كتاب الوقف
المسقطة للمعلوم المقتضية للعزل. [الطويل]
ومنه :
وَمَا لَيْسَ بُدٍّ مِنْهُ إِنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثِ شُهُورٍ فَهْوَ يُعْفَى وَيُغْفَرُ
وَقَدْ أَطْبَقُوا لَا يَأْخُذُ السَّهْمَ مُطْلَقاً لِمَا قَدْ مَضَى وَالحُكْمُ فِي الشَّرْعِ يُسْفَرُ
وملخصه: أنه لا يسقط معلومه الماضي، ولا يعزل في الآتي إذا كان في المصر
مشتغلاً بعلم شرعي أو خرج لغير سفر، وأقام دون خمسة عشر يوماً بلا عذر على أحد
القولين أو خمسة عشر فأكثر، لكن لعذر شرعي كطلب المعاش، ولم يزد على ثلاثة
أشهر وأنه يسقط الماضي، ولا يعزل لو خرج مدة سفر ورجع أو سافر لحج ونحوه أو
خرج للرستاق لغير عذر ما لم يزد على ثلاثة أشهر، وأنه يسقط الماضي ويعزل لو كان
في المصر غير مشتغل بعلم شرعي أو خرج منه وأقام أكثر من ثلاثة أشهر ولو لعذر.
قال الخير الرملي: وكل هذا إذا لم ينصب نائباً عنه، وإلا فليس لغيره أخذ وظيفته اهـ.
ويأتي قريباً حكم النيابة. هذا وفي القنية من باب الإمامة: إمام يترك الإمامة لزيارة
أقربائه في الرساتيق أسبوعاً أو نحوه أو لمصيبة أو لاستراحة لا بأس به، ومثله عفو في
العادة والشرع اهـ. وهذا مبني على القول بأن خروجه أقل من خمسة عشر يوماً بلا عذر
شرعي، لا يسقط معلومه، وقد ذكر في الأشباه في قاعدة العادة محكمة عبارة القنية
هذه، وحملها على أنه يسامح أسبوعاً في كل شهر؛ واعترضه بعض محشيه بأن قوله في
كل شهر، ليس في عبارة القنية ما يدل عليه. قلت: والأظهر ما في آخر شرح منية
المصلي للحلبي أن الظاهر أن المراد في كل سنة.
تنبيه: ذكر الخصاف أنه لو أصاب القيم خرس أو عمى أو جنون أو فالج أو
نحوه من الآفات، فإن أمكنه الكلام والأمر والنهي والأخذ والإعطاء فله أخذ الأجر،
وإلا فلا. قال الطرسوسي: ومقتضاه أن المدرس ونحوه إذا أصابه عذر من مرض أو
حج بحيث لا يمكنه المباشرة لا يستحق المعلوم، لأنه أراد الحكم في المعلوم على
نفس المباشرة، فإن وجدت استحق المعلوم، وإلا فلا، وهذا هو الفقه اهـ ملخصاً.
قلت: ولا ينافي هذا ما مر من المسامحة بأسبوع ونحوه، لأن القليل مغتفر كما
سومح بالبطالة المعتادة على ما مر بيانه في محله. قوله: (ومنه) أي من النظم، لأن ابن
الشحنة نظم في هذه المسألة خمسة أبيات، فاقتصر الشارح على بيتين منها. قوله: (مطلقاً)
أي سواء كان له منه بد أو لا، لكن بعد كونه مسيرة سفر كما أفاده بقوله: ((والحكم في
الشرع يسفر) بفتح الياء من السفر. قال ناظمه: والمراد بقولنا في الشرع يسفر: أي من
يعد مسافراً شرعاً. لكن اعترضه ط بقول القاموس: السافر والمسافر لا فعل له.

٦٣١
كتاب الوقف
قلت: وهذا كله في سكان المدرسة، وفي غير فرض الحج وصلة الرحم،
أما فيهما فلا يستحق العزل، والمعلوم كما في شرح الوهبانية للشرنبلالي في
المنظومة المحبية: [الرجز]
لا تجز أَسْتنَابَةَ الفَقِيهِ لَا وَلَا المُدَرِّسِ لِعُذْرِ حَصَلَا
كَذَاكَ حُكْمُ سَائِرِ الأَرْبَابِ أَوْلَمْ يَكُنْ عُذْرٌ فَذَا مِنْ بَابٍ
مَطْلَبْ فِي الْغَيْبةِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بَهَا العَزْلَ عَنِ الْوَظِيفَةِ وَمَا لَا يَسْتَحِقُّ
قوله: (قلت وهذا) أي التفصيل المذكور في الغيبة إنما هو فيما إذا قال: وقفت
هذا على ساكني مدرستي، وأطلق. أما لو شرط شرطاً تبع كحضور الدرس أياماً معلومة
في كل جمعة فلا يستحق المعلوم إلا من باشر، خصوصاً إذا قال: من غاب عن الدرس
قطع معلومه فيجب اتباعه، وتمامه في البحر. قوله: (أما فيهما) أي في فرض الحج
وصلة الرحم. قوله: (والمعلوم) بالنصب عطفاً على العزل. قوله: (لا تجز استنابة
الفقيه) ((لا)) ناهية و((تجز)) مجزوم بها، وهو بضم أوله وكسر ثانيه، و((لا)) الثانية تأكيد
للأولى، وقوله: ((سائر الأرباب)) أي أصحاب الوظائف، وقوله: ((فذا من باب)) أي عدم
جواز الاستنابة إن لم يكن عذر من باب أولى، وقد تابع الناظم في هذا ما فهمه
الطرسوسي من كلام الخصاف المار آنفاً. قال: فإنه لم يجعل له الاستنابة مع قيام
الأعذار المذكورة، فإنها لو جازت لقال، ويجعل له من يقوم مقامه إلى زوال عذره.
واعترضه في البحر بأن الخصاف صرح بأن للقيم أن يوكل وكيلًا يقوم مقامه، وله أن
يجعل له من المعلوم شيئاً، وكذا في الإسعاف، وهذا كالتصريح بجواز الاستنابة، لأن
النائب وكيل بالأجرة. وفي القنية: استخلف الإمام خليفة في المسجد ليؤمّ فيه زمان
غيبته، لا يستحق الخليفة من أوقاف الإمامة شيئاً إن كان الإمام أمّ أكثر السنة اهـ. وفي
الخلاصة أن الإمام يجوز استخلافه بلا إذن، بخلاف القاضي، وعلى هذا لا تكون
وظيفته شاغرة، وتصح النيابة .
مَطْلَبٌ مُهِمٌّ فِ الاسْتِنَابَةِ فِي الْوَظَائِفِ
قال في البحر: وحاصل ما في القنية: أن النائب لا يستحق شيئاً من الوقف، لأن
الاستحقاق بالتقرير ولم يوجد، ويستحق الأصيل الكل إن عمل أكثر السنة وسكت عما
يعينه الأصيل للنائب كل شهر في مقابلة عمله، والظاهر أنه يستحق لأنها إجارة، وقد
وفى العمل بناء على قول المتأخرين المفتى به من جواز الاستئجار على الإمامة
والتدريس وتعليم القرآن، وعلى القول بعدم جواز الاستنابة إذا لم يعمل الأصيل وعمل
النائب كانت الوظيفة شاغرة، ولا يجوز للناظر الصرف إلى واحد منهما، ويجوز للقاضي

٦٣٢
كتاب الوقف
عزله وعمل الناس بالقاهرة على الجواز وعدم اعتبارها شاغرة مع وجود النيابة. ثم
قال: فالذي تحرر جواز الاستنابة في الوظائف اهـ. ويؤيده ما مر في الجمعة من ترجيح
جواز استنابة الخطيب. قال الخير الرملي في حاشيته: ما تقدم عن الخلاصة ذكره في
كتاب القضاء من الكنز والهداية وكثير من المتون والشروح والفتاوى، ويجب تقييد جواز
الاستنابة بوظيفة تقبل الإنابة كالتدريس، بخلاف التعلم، وحيث تحرّر الجواز فلا فرق
بين أن يكون المستناب مساوياً له في الفضيلة، أو فوقه أو دونه كما هو ظاهر؛ ورأيت
لمتأخري الشافعية من قيده بالمساوئ، وبما فوقه، وبعضهم قال: بجوازه مطلقاً ولو
دونه، وهو الظاهر والله تعالى أعلم. اهـ.
وقال في الخيرية: بعد نقل حاصل ما في البحر والمسألة وضع فيها رسائل،
ويجب العمل بما عليه الناس وخصوصاً مع العذر، وعلى ذلك جميع المعلوم للمستنيب
وليس للنائب إلا الأجرة التي استأجره بها اهـ.
قلت: وهذا اختيار لخلاف ما أفتى به علامة الوجود المفتي أبو السعود من
اشتراط العذر الشرعي وكون الوظيفة مما يقبل النيابة كالإفتاء والتدريس، وكون النائب
مثل الأصيل أو خيراً منه، وأن المعلوم بتمامه يكون للنائب ليس للأصيل منه شيء اهـ.
ونقله البيري وقال: إنه الحق، لكنه نقل عن الشيخ بدر الدين الشهاوي الحنفي مثل ما
في البحر، وعن شيخ مشايخه القاضي علي بن ظهيرة الحنفي اشتراط العذر.
مَطْلَبٌ فِيمَا إِذَا شُرِطَ المَعْلُومُ لِمُبَاشِرِ الإِمَامَةِ لَا يَسْتَحِقُّ الْمُسْتَنِيب
قلت: أما اشتراط العذر، فله وجه وأما كون النائب مثل الأصيل أو خيراً منه فهو بعيد
حيث وجدت في النائب أهلية تلك الوظيفة، إلا أن يراد مثله في الأهلية؛ ويشير إليه ما
في فتاوى ابن الشلبي حيث سئل عن الناظر إذا ضعفت قوته عن التحدث على الوقف
هل له أن يأذن لغيره فيه بقية حياته، وهل له النزول عن النظر؟ أجاب: نعم له استنابة
من فيه العدالة والكفاية، ولا يصح نزوله عن النظر المشروط له، ولو عزل نفسه لم
ينعزل اهـ. وأما كون المعلوم للنائب فينافيه ما مر عن البحر من أن الاستحقاق بالتقرير،
ولا سيما إذا باشر الأصيل أكثر السنة، فصريح ما مر عن القنية أنه لا يستحق النائب
شيئاً: أي إلا إذا شرط له الأصيل أجرة، أما إذا كان المباشر هو النائب وحده وشرط
الواقف المعلوم لمباشر الإمامة أو التدريس مثلاً فلا خفاء في اختصاصه بالمعلوم
بتمامه. وكتبت في تنقيح الحامدية عن المحقق الشيخ عبد الرحمن أفندي العمادي أنه
سئل فيما إذا كان لمؤذني جامع مرتبات في أوقات شرطها واقفوها لهم في مقابلة أدعية
يباشرونها للواقفين المذكورين وجعل جماعة من المؤذنين لهم نواباً عنهم في ذلك، فهل

٦٣٣
كتاب الوقف
وَالمُتَوَّلِّي لَوْ لِوَقْفِ أَجَّرَا لَكِنَّهُ فِي صَكِّهِ مَا ذَكَرَا
مِنْ أَيِّ جِهَةٍ تَوَلَّى الوَقْفَا مَا جَوَّزُوا ذَلِكَ حَيْثُ يُلْفَى
وَمِثْلُهُ الوَصِيُّ إِذْ يختَلِفُ حُكْمُهُمَا فِي ذَا عَلَى مَا يُعْرَفُ
بِحَسَبِ الثَّقْلِيدِ وَالنصبِ فَقِسْ كُلَّ التَّصَرُّفَاتِ كَيْ لَا تَلْتَبِس
قلت: لكن للسيوطي رسالة سماها [الضبابة في جواز الاستنابة] ونقل
الإجماع على ذلك فليحفظ (ولاية نصب القيم إلى الواقف
يستحق النواب المباشرون للأذان والأدعية المزبورة المرتبات المرقومة دون الجماعة
المذكورين؟ الجواب: نعم.
مَطْلَبٌ فِيمَا إِذَا أُجِرَ وَلَمْ يَذْكُرْ جِهَةَ تَوْلِيَتِهِ
قوله: (والمتولي لو وقف أجراً الخ) في الإسعاف الناظر إذا آجر أو تصرّف تصرفاً
آخر، وكتب في الصك آجر وهو متولي على هذا الوقف، ولم يذكر أنه متول من أيّ
جهة قالوا تكون فاسدة اهـ.
قلت: وهذا مشكل إذ لو كان متولياً في نفس الأمر من جهة الواقف أو القاضي
يصح إيجاره، والظاهر أن المراد فساد كتابة الصك، لأن الصكوك تبنى على زيادة
الإيضاح، ولأنه لا يمكن للحاكم أن يحكم بصحة إيجاره وباقي تصرفاته ما لم يصح
نصبه ممن له ولاية ذلك، يؤيده ما في السابع والعشرين من جامع الفصولين: لو كان
الوصي أو المتولي من جهة الحاكم فالأوثق أن يكتب في الصكوك والسجلات، وهو
الوصي من جهة حاكم له ولاية نصب الوصية والتولية، لأنه لو اقتصر على قوله وهو
الوصيّ من الحاكم، ربما يكون من حاكم ليس له ولاية نصب الوصي، فإن القاضي لا
يملك نصب الوصي والمتولي إلا إذا كان ذكر التصرف في الأوقاف والأيتام منصوصاً
عليه في منشوره، فصار كحكم نائب القاضي، فإنه لا بد أن يذكر وأن فلاناً القاضي
مأذون بالإنابة تحرزاً عن هذا الوهم اهـ. قال في البحر: ولا شك أن قول السلطان
جعلتك قاضي القضاة كالتنصيص على هذه الأشياء في المنشور كما صرح به في
الخلاصة في مسألة استخلاف القاضي اهـ. قوله: (بحسب التقليد) متعلق بقوله:
((يختلف)). قوله: (فقس كل التصرفات) أي على الإجارة وذلك كالبيع والشراء، وقوله:
((كي لا تلتبس)) أي الأحكام، وهو علة لقوله: «ما جوّزوا» ط. قوله: (سماها الضبابة)
اسمها كشف الضبابة. في القاموس: الضباب بالفتح: ندى كالغيم، أو سحاب رقيق
کالدخان ط .
مَطْلَبٌ: وِلَيَةُ نَصْبِ الْقَيِّمِ إِلَى الوَقْفِ ثُمَّ لِوَصِيِّهِ ثُمَّ لِلْقَاضِي
قوله: (ولاية نصب القيم إلى الواقف) قال في البحر: قدمنا أن الولاية للواقف

٦٣٤
كتاب الوقف
ثم لوصيه) لقيامه مقامه، ولو جعله على أمر الوقف فقط كان وصياً في كل شيء
خلافاً للثاني، ولو جعل النظر لرجل ثم جعل آخر وصياً كانا ناظرين ما لم
يخصص، وتمامه في الإسعاف،
ثابتة مدة حياته وإن لم يشترطها، وأن له عزل المتولي، وأن من ولاه لا يكون له النظر
بعد موته: أي موت الواقف إلا بالشرط على قول أبي يوسف.
مَطْلَبٌ: الأَفْضَلُ فِي زَمَانِتَا نَصْبُ المُتَوَّلِّي بِلَ إِعْلَامِ الْقَاضِي، وَكَذَا وَصِيّ أَلْيَنِيمِ
ثم ذكر عن التاترخانية ما حاصله أن أهل المسجد لو اتفقوا على نصب رجل
متولياً لمصالح المسجد، فعند المتقدمين يصح، ولكن الأفضل كونه بإذن القاضي، ثم
اتفق المتأخرون إن الأفضل أن لا يعلموا القاضي في زماننا لما عرف من طمع القضاة
في أموال الأوقاف، وكذلك إذا كان الواقف على أرباب معلومين يحصى عددهم إذا
نصبوا متولياً وهم من أهل الصلاح اهـ.
قلت: ذكروا مثل هذا في وصيّ اليتيم، وأنه لو تصرف في ماله أحد من أهل
السكة من بيع، أو شراء جاز في زماننا للضرورة. وفي الخانية: أنه استحسان، وبه
يفتى. وأما ولاية نصب الإمام والمؤذن فسيذكرها المصنف.
مَطْلَبٌ: الوَصِيُّ يَصِير مُتَوَلِّياً بِلَا نَصِّ
قوله: (ثم لوصيه) فلو نصب الواقف عند موته وصياً ولم يذكر من أمر الوقف
شيئاً تكون ولاية الوقف إلى الوصي. بحر. ومقتضى قولهم وصي القاضي كوصي
الميت، إلا في مسائل: إن وصي القاضي هنا كذلك لعدم استثنائه من الضابط
المذكور. أفاده الرملي.
قلت: ووصي الوصي كالوصي كما يأتي. قوله: (كان وصياً في كل شيء) هو
ظاهر الرواية، وهو الصحيح. تاترخانية. قوله: (خلافاً للثاني) فعنده إذا قال له أنت
وصيي في أمر الوقف فهو وصي في الوقف فقط، وهو قول هلال أيضاً، وجعل في
الخانية أبا يوسف مع أبي حنيفة فكان عنه روايتان. إسعاف. وفي التاترخانية إنه قول
محمد أيضاً، وجعل ما في الخانية ظاهر الرواية عن أبي يوسف، فكان الأولى أن يقول:
خلافاً لمحمد، وأن يحذف قوله: ((فقط)). قوله: (ما لم يخصص) بأن يقول: وقفت
أرضي على كذا وجعلت ولايتها لفلان، وجعلت فلاناً وصيي في تركاتي وجميع
أموري، فحينئذ ينفرد كل منهما بما فوّض إليه. إسعاف. ولعل وجهه(١) أن تخصيص
(١) في ط (قول ولعل وجهه الخ) لا حاجة إليه، بل هذا مفرع على قول محمد، ويصح تغريمه على قولهما،
وأيضاً هذا الفرع منقول من الإسعاف وليس فيه العزو إلى أحد من الأئمة.

٦٣٥
کتاب الوقف
فلو وجد كتاباً وقف في كل اسم متول وتاريخ الثاني متأخر اشتركا. بحر.
فرع: طالب التولية لا يولي إلا المشروط له النظر لأنه مولى فيريد التنفيذ.
كل منهما بشيء في مجلس واحد قرينة على عدم المشاركة، لكن في أنفع الوسائل عن
الذخيرة: ولو أوصى لرجل في الوقف وأوصى إلى آخر في ولده كانا وصيين فيهما
جميعاً عند أبي حنيفة وأبي يوسف اهـ. تأمل.
مَطْلَبٌ: نصب مُتَوَلِّباً ثُمَّ آخَرِ اشْتَرَكَا
قوله: (فلو وجد كتاباً وقف الخ) أي كتابان لوقف واحد، وهذا الجواب أخذه
في البحر من عبارة الإسعاف المذكورة. ثم قال: ولا يقال إن الثاني ناسخ كما تقدم عن
الخصاف في الشرائط: أي من أنه لو شرط أن لا تباع، ثم قال في آخره: على أن له
الاستبدال كان له لأن الثاني ناسخ للأول. لأنا نقول: إن التولية من الواقف خارجة عن
حكم سائر الشرائط، لأن له فيها التغيير والتبديل، كلما بدا له من غير شرط في عقدة
الوقف على قول أبي يوسف. وأما باقي الشرائط فلا بد من ذكرها في أصل الوقف اهـ.
وفيه نظر، بل تعليله يدل على خلافه، فتأمل. نعم ذكر في أنفع الوسائل عن الخصاف
إذا وقف أرضين كل أرض على قوم وجعل ولاية كل أرض إلى رجل، ثم أوصى بعد
ذلك إلى زيد فلزيد أن يتولى مع الرجلين، فإن أوصى زيد إلى عمرو فلعمرو مثل ما
كان لزيد. قال في أنفع الوسائل: فقد جعل وصي الوصي بمنزلة الواقف، حتى جعل
له أن يشارك من جعل الواقف النظر له اهـ. وفي أدب الأوصياء عن التاتر خانية: أوصى
إلى رجل ومكث زماناً فأوصى إلى آخر فهما وصيان في كل وصاياه، سواء تذكر إيصاءه
إلى الأول أو نسي، لأن الوصي عندنا لا ينعزل ما لم يعزله الموصي، حتى لو كان بين
وصيتيه مدة سنة أو أكثر لا ينعزل الأول عن الوصاية اهـ. وقد قالوا: إن الوقف يستقى
من الوصية. نعم في القنية: لو نصب القاضي قيماً آخر لا ينعزل الأول إن كان منصوباً
من الواقف، فلو من جهته ويعلمه وقت نصب الثاني ينعزل، ومفاده الفرق بين الواقف
والقاضي في نصب الثاني، ففي الواقف يشارك، وفي القاضي يختص الثاني وينعزل
الأول إن كان يعلمه وقت نصب الثاني، فاغتنم هذا التحرير.
مَطْلَبٌ: طَالِبُ التَّوْلِيَةِ لَا يُوَلّى
قوله: (طالب التولية لا يولى) كمن طلب القضاء لا يقلد. فتح. وهل المراد أنه لا
ينبغي أو لا يحل؟ استظهر في البحر الأول. تأمل. قوله: (إلا المشروط له النظر) بأن
قال: جعلت نظر وقفي لفلان، والظاهر أن مثله ما لو شرطه للذكور من الموقوف
عليهم ولم يوجد غير ذكر واحد، وأما لو انحصر الوقف في واحد لا يلزم أن يكون هو

٦٣٦
كتاب الوقف
نهر (ثم) إذا مات المشروط له بعد موت الواقف ولم يوص لأحد فولاية النصب
(للقاضي)
الناظر عليه بلا شرط الواقف، كما قدمناه عن جامع الفصولين عند قوله: ((الموقوف
عليه لا يملك الإيجار ولا الدعوى».
مَطْلَبٌ: التَّوْلِيَةُ خَارِجَةٌ عَنْ حُكْمٍ سَائِرِ الشَّرَائِطِ
قوله: (بعد موت الواقف الخ) قيد به، لأنه لو مات قبله قال في المجتبى: ولاية
النصب للواقف، وفي السير الكبير قال محمد: النصب للقاضي اهـ. وفي الفتاوى
الصغرى: الرأي للواقف لا للقاضي، فإن كان الواقف ميتاً فوصيه أولى من القاضي،
فإن لم يكن أوصى فالرأي للقاضي اهـ بحر. ومفاده أنه لا يملك التصرف في الوقف مع
وجود المتولي ومنه الإيجار، كما حررناه عند قول المصنف: ((ولو أبى أو عجز عمر
الحاكم بأجرتها الخ)» ويؤيده قوله في البحر بعد ما نقلناه عنه.
مَطْلَبٌ: وِلَآيَةُ الْقَاضِي مُتَأْخِرَةُ عَنِ المَشْرُوطِ لَهُ وَوَصِيِّهِ
فأفاد أن ولاية القاضي متأخرة عن المشروط له ووصيه، فيستفاد منه عدم صحة
تقرير القاضي في الوظائف في الأوقاف إذا كان الواقف شرط التقرير للمتولي، وهو
خلاف الواقع في القاهرة في زماننا وقبله بيسير اهـ. وأفتى في الخيرية بهذا المستفاد،
وقال: وبه أفتى العلامة قاسم كما قدمناه عند قول المصنف: ((وينزع لو غير مأمون)).
قوله: (ولم يوص) أي المشروطة له: قال في البحر: إذا مات المتولي المشروط له بعد
الواقف فالقاضي ينصب غيره، وشرط في المجتبى أن لا يكون المتولي أوصى به لآخر
عند موته، فإن أوصى لا ينصب القاضي اهـ.
قلت: وهذا إذا لم يكن الواقف شرط بعد المتولي المذكور إلى آخر لأنه يصير
مشروطاً أيضاً ويأتي بيانه قريباً.
مَطْلَبٌ: المُرادُ قَاضِي الْقُضَاةِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ ذَكَروا القَاضِي فِي أُمورِ الأَ وْقَافٍ
قوله: (للقاضي) قيده في البحر بقاضي القضاة أخذاً من عبارة جامع الفصولين التي
قدمناها قبل ورقة، ثم قال: وعلى هذا فقولهم في الاستدانة بأمر القاضي المراد به
قاضي القضاة، وفي كل موضع ذكروا القاضي في أمور الأوقاف، بخلاف قولهم: وإذا
رفع إليه حكم قاض أمضاه فإنه أعم كما لا يخفى اهـ.
مَطْلَبٌ: نَائِبُ القَاضِي لَا يَمْلِكُ إِنْطَالَ الوَقْفِ
قال في الخيرية وهو صريح في أن نائب القاضي لا يملك إبطال الوقف، وإنما
ذلك خاص بالأصل الذي ذكره له السلطان في منشوره نصب الولاة والأوصياء، وفوض

٦٣٧
كتاب الوقف
إذ لا ولاية لمستحق إلا بتولية كما مر (وما دام أحد يصلح للتولية من أقارب
له أمور الأوقاف، وينبغي الاعتماد عليه وإن بحث فيه شيخنا الشيخ محمد بن
سراج الدين الحانوتي لما في إطلاق مثله للنواب في هذا الزمان من الاختلال، والمسألة
لا نص فيها بخصوصها فيما اطلعنا عليه، وكذا فيما اطلع عليه شيخنا المذكور
وصاحب البحر، وإنما استخرجها تفقهاً اهـ. ونقل في حاشيته على البحر عبارة شيخه
الحانوتي بطولها وأقرها، ومن جملتها: ومما يدل على عدم اختصاص قاضي القضاة
باستبدال الوقف، بل يجوز من نائبه أيضاً أن نائبه قائم مقامه، ولذا كان المفهوم من
كلامهم أنه إذا شرط في منشوره تزويج الصغائر والصغار كان لمنصوبه ذلك. وعبارة
ابن الهمام في ترتيب الأولياء في النكاح، ثم السلطان ثم القاضي إذا شرط في عهده
ذلك ثم من نصبه القاضي اهـ. ملخصاً.
تنبيه: قدمنا عن البحر أن المتولي ينعزل بموت الواقف، إلا إذا جعله قيماً في
حياته وبعد موته. وذكر في القنية: إذا مات القاضي أو عزل يبقى ما نصه على حاله
قياساً على نائبه في القضاء اهـ. قال في أنفع الوسائل: وينبغي أن يحمل على ما إذا عمم
له الولاية في حياته وبعد وفاته، لأن القاضي بمنزلة الواقف، اللهم إلا أن يقال: إن
ولاية القاضي أعم وفعله حكم، وحكمه لا يبطل بموته ولا عزله، وتمامه فيه، لكنه
ذكر أن ولاية الوقف للقاضي وإن لم يشرطها السلطان في تقليده، ولم يعزه إلى أحد،
وهو خلاف المنقول في جامع الفصولين كما علمت. قوله: (إذ لا ولاية لمستحق)
تعليل لما فهم من حصر الولاية بمن ذكر. قوله: (كما مر) أي من قوله: ((والموقوف
عليه الغلة لا يملك الإجارة بتولية)) وقدمناه قريباً.
مَطْلَبُ: لَا يَجِعَلُ النَّاظِرُ مِنْ غَيرِ أَهْلِ الوَقْفِ
قوله: (وما دام أحد الخ) المسألة في كافي الحاكم ونصها: ولا يجعل القيم فيه من
الأجانب ما وجد في ولد الواقف، وأهل بيته من يصلح لذلك، فإن لم يجد فيهم من
يصلح لذلك، فجعله إلى أجنبي ثم صار فيهم من يصلح له صرفه إليه اهـ. ومفاده:
تقديم أولاد الواقف وإن لم يكن الوقف عليهم بأن كان على مسجد أو غيره، ويدل له
التعليل الآتي. وفي الهندية عن التهذيب: والأفضل أن ينصب من أولاد الموقوف
عليه، وأقاربه ما دام يوجد أحد منهم يصلح لذلك اهـ. والظاهر: أن مراده بالموقوف
عليه من كان من أولاد الواقف، فلا ينافي ما قبله ثم تعبيره بالأفضل يفيد أنه لو نصب
أجنبياً مع وجود من يصلح من أولاد الواقف يصح، فافهم. ولا ينافي ذلك ما في جامع
الفصولين من أنه لو شرط الواقف كون المتولي من أولاده وأولادهم ليس للقاضي أن
يولي غيرهم بلا خيانة، ولو فعل لا يصير متولياً اهـ. لأنه فيما إذا شرطه الواقف وكلامنا

٦٣٨
كتاب الوقف
الواقف لا يجعل المتولي من الأجانب) لأنه أشفق ومن قصده نسبة الوقف إليهم
(أراد المتولي إقامة غيره مقامه في حياته) وصحته (إن كان التفويض له) بالشرط
(عاماً صح) ولا يملك عزله إلا إذا كان الواقف جعل له التفويض والعزل
عند عدم الشرط، ووقع قريباً من أواخر كتاب الوقف من الخيرية ما يفيد أنه فهم عدم
الصحة مطلقاً كما هو المتبادر من لفظ لا يجعل. فتأمل. وأفتى أيضاً بأن من كان من
أهل الوقف لا يشترط كونه مستحقاً بالفعل، بل يكفي كونه مستحقاً بعد زوال المانع
وهو ظاهر، ثم لا يخفى أن تقديم من ذكر مشروط بقيام الأهلية فيه حتى لو كان خائناً
يولي أجنبي حيث لم يوجد فيهم أهل، لأنه إذا كان الواقف نفسه يعزل بالخيانة فغيره
بالأولى.
مَطْلَبُ: إِذَا قَبِلَ الأَجْنَبِيُّ النَّظَرَ مجاناً فِالْقَاضِي نَصْبُهُ
تنبيه: قدمنا عن البيري عن حاوي الحصيري عن وقف الأنصاري أنه إذا لم يكن
من يتولى الوقف من جيران الواقف وقرابته إلا برزق ويقبل واحد من غيرهم بلا رزق
فللقاضي أن ينظر الأصلح لأهل الوقف. قوله: (ومن قصده) أي قصد الواقف. وعبارة
الإسعاف: أو لأن من قصد الواقف نسبة الوقف إليه، وذلك فيما ذكرنا.
مَطْلَبْ: لِلنَّاظِرِ أَنْ يُوَكِّلَ غَيرُهُ
قوله: (أراد المتولي إقامة غيره مقامه) أي بطريق الاستقلال، أما بطريق التوكيل
فلا يتقيد بمرض الموت. وفي الفتح: للناظر أن يوكل من يقوم بما كان إليه من أمر
الوقف ويجعل له من جعله شيئاً، وله أن يعزله ويستبدل به أو لا يستبدل، ولو جنّ انعزل
وكيله ويرجع إلى القاضي في النصب اهـ. وشمل كلام المصنف المتولي من جهة
القاضي أو الواقف كما في أنفع الوسائل عن التتمة، وقال: وهو أعم من قوله في القنية
للمتولي أن يفوض فيما فوض إليه إن عمم القاضي التفويض إليه وإلا فلا اهـ. فإن
ظاهره أن هذا الحكم في المتولي من جهة القاضي فقط. قوله: (وصحته) عطف تفسير
أراد به بيان أن المراد بالحياة ما قابل المرض، وهو الصحة لا ما يشملهما، فافهم.
قوله: (إن كان التفويض له بالشرط عاماً صح) لم يظهر لي معنى قوله: ((بالشرط))
ولعل المراد به اشتراط الواقف أو القاضي ذلك له وقت النصب، ومعنى العموم كما في
أنفع الوسائل أنه ولاه وأقامه مقام نفسه وجعل له أن يسنده ويوصي به إلى من شاء،
ففي هذه الصورة يجوز التفويض منه في حال الحياة وفي حالة المرض المتصل
بالموت اهـ. قوله: (ولا يملك عزله الخ) هذا ذكره الطرطوسي بحثاً وقال: بخلاف
الواقف، فإن له عزل القيم وإن لم يشرطه، والقيم لا يملكه كالوكيل إذا أذن له الموكل
في أن يوكل فوكل حيث لم يملك العزل، وكالقاضي إذا أذن له السلطان في

٦٣٩
كتاب الوقف
(وإلا) فإن فوّض في صحته (لا) يصح، وإن في مرض موته صح، وينبغي أن
الاستخلاف فاستخلف شخصاً لا يملك عزله، إلا إن شرط له السلطان العزل وأطال في
ذلك، فراجعه إن شئت. قوله: (وإلا) أي وإن لم يكن التفويض له عاماً لا يصح،
وقوله: ((فإن فوض في صحته)) الأولى حذفه، لأن الكلام في الصحة، وحينئذ فقوله:
(وإن في مرض موته)) مقابل القوله: ((في حياته)) وإنما صح إذا فوض في مرض موته وإن
لم يكن التفويض له عاماً لما في الخانية من أنه بمنزلة الوصي(١) وللوصي أن يوصي
إلى غيره اهـ. وسيذكر الشارح في كتاب الإقرار عن الأشباه الفعل في المرض أحط رتبة
من الفعل في الصحة إلا في مسألة إسناد الناظر النظر لغيره بلا شرط، فإنه في مرض
الموت صحيح لا في الصحة كما في التتمة وغيرها اهـ. ووجهه ما علمته من أنه بمنزلة
الوصي. ولما كان الوصي له عزل من أوصى إليه ونصب غيره اتجه قوله: وينبغي أن
يكون له العزل والتفويض كالإيصاء، بخلاف الإسناد في حال الصحة، لأنه في حال
الصحة كالوكيل ولا يملك الوكيل العزل كما مر.
مَطْلَبٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنْ تَفْوِيضِ النَّاظِرِ النَّظَرَ فِي صِحَّتِهِ وَبَيْنِ فَرَاغِهِ عَنْهُ
تنبيه: صرحوا بصحة الفراغ عن النظر وغيره من الوظائف، وأفتى العلامة قاسم
بسقوط حق الفارغ بمجرد فراغه لكنه لم يتابع على ذلك، فلا بد من تقرير القاضي كما
قدمناه عند قوله: ((وينزع له غير مأمون)) وأنت خبير بأن هذا شامل للفراغ في حال
الصحة والمرض، فينافي ما هنا من عدم صحة التفويض في حال الصحة بلا تعميم،
وتوقفت في ذلك مدة وظهر لي الآن الجواب بأن الفراغ مع التقرير من القاضي عزل لا
تفويض، ويدل عليه قوله في البحر: إذا عزل نفسه عند القاضي فإنه ينصب غيره ولا
ينعزل بعزل نفسه ما لم يبلغ القاضي؛ ثم قال: ومن عزل نفسه الفراغ عن وظيفة النظر
لرجل عند القاضي الخ، فهذا صريح فيما قلناه ولله الحمد، وبه ظهر أن قولهم هنا لا
يصح إقامة المتولي غيره مقامه في حياته وصحته مقيد بما إذا لم يكن عند القاضي. أما
لو كان عند القاضي كان عزلًا لنفسه وتقرير القاضي للغير نصب جديد وهي مسألة الفراغ
بعينها، وبهذا يتجه عدم سقوط حق الفارغ قبل تقرير القاضي، خلافاً لما أفتى به العلامة
قاسم إذ لو سقط قبله انتقض(٢) قولهم لا تصح إقامته في صحته بخلافه بعد تقرير
(١) في ط (قوله لما في الخانية من أنه بمنزلة الوصي الخ) فيه أن هذا قياس مع الفارق، لأن كلَّ منا الآن في
تفويض المتولي بمعنى فراغه عن النظر ونزوله عند الآخر، لا من إيصاء بالنظر حتى يصح القياس على
الوصي: أي لأن الإيصاء جعل الغير وصياً بعد الموت والتفويض جعل الغير متولياً في الحال فافترقا.
(٢) في ط (قوله إذ لو سقط قبله انتقض الخ) لا انتقاض، لأن المنفى الإقامة بمعنى التولية، والذي أفتى به
العلامة قاسم إنما هو صحة الفراغ وعزل الفارغ، ولم يقع في كلامه التعرض لصحة التولية، ولا تلازم بين
صحة الفراغ والتولية: أي لا يلزم من صحة فراغة لغيره بمعنى عزله لنفسه صحة تولية المفروغ.

٦٤٠
كتاب الوقف
يكون له العزل والتفويض إلى غيره كالإيصاء. أشباه.
قال: وسئلت عن ناظر معين بالشرط ثم من بعده للحاكم فهل إذا فوّض
النظر لغيره ثم مات ينتقل للحاكم؟.
فأجبت: إن فوض في صحته فنعم، وإن في مرض موته لا ما دام المفوض
القاضي، لأنه بعده يصير عزلاً لنفسه عن الوظيفة. ولا يرد أن العزل يكفي فيه مجرد علم
القاضي كما مر فلا حاجة إلى التقرير، لأن الفراغ عزل خاص(١) مشروط، فإنه لم
يرض بعزل نفسه إلا لتصير الوظيفة لمن نزل له عنها، فإذا قرر القاضي المنزول له تحقق
الشرط فتحقق العزل وبهذا تجمع كلماتهم، فاغتنم هذا التحرير فإنه فريد. قوله: (قال)
أي صاحب الأشباه. قوله: (فأجبت إن فوض الخ) أي أخذاً مما مر آنفاً من الفرق بين
حال الصحة والمرض، لكن فيه أن مقتضى كلام الواقف عدم الإذن بإقامة غيره مقامه،
لا في الصحة ولا في المرض حيث شرط انتقاله من بعده للحاكم، وكذا نقل الحموي
أنه يجب انتقاله للحاكم ولو فوض في مرضه لأن في التفويض تفويت العمل بالشرط
المنصوص عليه من الواقف اهـ. ونقل السيد أبو السعود: أن هذه المسألة مما لم يطلع
على نص فيها اهـ.
مَطْلَبٌ: شَرَطَ الوَاقِفُ النَّظَرَ لِعَبْدِ اللَّهِ ثُمَّ لِزَيْدٍ لَيْسَ لِعَبْدِ اللَّهِ أَنْ يُفَوِّضَ لِرَجُلٍ آخَرَ
قلت: بل هي منصوصة في أنفع الوسائل عن أوقاف هلال، ونصه: إذا شرط
الواقف ولاية هذه الصدقة إلى عبد الله ومن بعد عبد الله إلى زيد، فمات عبد الله
وأوصى إلى رجل، أيكون للوصي ولاية مع زيد؟ قال: لا يجوز له ولاية مع زيد اهـ.
ولا يخفى أن قوله: فمات عبد الله وأوصى إلى رجل يقتضي أن ذلك في المرض، فما
قيل إنه محمول على حالة الصحة فلا ينافي ما في الأشباه مردود، بل العمل بالمتبادر من
المنقول ما لم يوجد نقل صريح بخلافه، ولم يستند في الأشباه إلى نقل حتى يعدل عن
هذا المنقول الواجب العمل به، لأنه مقتضى نص الواقف، وهذا ما حرره سيدي
عبد الغني النابلسي راداً على الأشباه، وبذلك أفتى العلامة الحانوتي أيضاً فيمن شرط
النظر للأرشد من ذريته، ففرغ الأرشد لزوج بنته ومات، فقال: ينتقل لمن بعده عملاً
بشرط الواقف، وتمامه في فتاواه. وفي فتاوى الشيخ إسماعيل: التفويض المخالف
لشرط الواقف لا يصح، فإذا شرط للإرشاد ففوض الأرشد في المرض لغير الأرشد
وظهرت خيانته يولي القاضي الأرشداهـ. وقوله: وظهرت خيانته: أي خيانة المفوض
(١) في ط (قوله لأن الفراغ عزل خاص الخ) هذا يفيد عدم صحة تولية غير المنزول له، لأن الفارغ لم يرض
لعزل نفسه إلا لتصير الوظيفة لمن تنزل له، لأن الفراغ عزل مشروط بالصيرورة المذكورة، مع أنه تقدم
للمحشي أنه يصح العزل، ولا يتعين على القاضي تولية المفروغ له، بل له أن يولي غيره.