النص المفهرس

صفحات 601-620

٦٠١
كتاب الوقف
وبطل وقف راهن معسر ومريض مديون بمحيط، بخلاف صحيح لو قبل الحجر،
فإن شرط وفاء دينه من غلته صح،
البعض وردّ البعض جاز على المجيز بقدر حصته، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
قوله: (وبطل وقف راهن معسر) فيه مسامحة والمراد أنه سيبطل ففي الإسعاف وغيره: لو
وقف المرهون بعد تسليمه صح، وأجبره القاضي على دفع ما عليه إن كان موسراً، وإن
كان معسراً أبطل الوقف وباعه فيما عليه اهـ. وكذا لو مات: فإن عن وفاء عاد إلى
الجهة، وإلا بيع وبطل الوقف كما في الفتح. قوله: (ومريض مديون بمحيط) أي بدين
محيط بماله فإنه يباع وينقض الوقف. بحر. ويأتي محترز المحيط. وفي ط عن الفواكه
البدرية: الدين المحيط بالتركة مانع من نفوذ الإعتاق والإيقاف والوصية بالمال والمحاباة
في عقود العوض في مرض الموت إلا بإجازة الدائنين، وكذا يمنع من انتقال الملك
إلى الورثة فيمنع تصرفهم إلا بالإجازة اهـ. قوله: (بخلاف صحيح) أي وقف مديون
صحيح فإنه يصح ولو قصد به المماطلة، لأنه صادف ملكه كما في أنفع الوسائل عن
الذخيرة. قال في الفتح: وهو لازم لا ينقضه أرباب الديون إذا كان قبل الحجر بالاتفاق
لأنه لم يتعلق حقهم في حال صحته اهـ. وبه أفتى في الخيرية من البيوع، وذكر أنه
أفتى به ابن نجيم، وسيأتي فيه كلام عن المعروضات. قوله: (لو قبل الحجر) أما بعده
فلا يصح، وقدمنا أول الباب عند قوله: ((وشرطه شرط سائر التبرعات)) عن الفتح أنه لو
وقفه على نفسه، ثم على جهة لا تنقطع ينبغي أن يصح على قول أبي يوسف
المصحح: وعند الكل إذا حكم به حاكم اهـ. ونقدم هناك الكلام عليه.
وحاصله: أن وقفه على نفسه ليس تبرّعاً(١) بقي أن عدم صحة وقف المحجور
إنما يظهر على قولهما بصحة حجر السفيه. أما على قوله: ((فلا)) لأنه لا يرى صحة
حجره فيبقى تصرفه نافذاً، وعن هذا حكم بعض القضاة بصحة وقفه، لأن القضاء
بحجره لا يرفع الخلاف لوقوع الخلاف في نفس القضاء كما صرح به في الهداية،
فيصح الحكم بصحة تصرفه عند الإمام، فيصح وقفه، لكن الحكم بلزومه مشكل لأن
الإمام وإن قال بصحة تصرفه لكنه لا يقول بلزوم الوقف، والقائل بلزومه لا يقول بصحة
تصرف المحجور فيصير الحكم بلزوم وقفه مركباً من مذهبين. هذا حاصل ما ذكره في
أنفع الوسائل، وأجاب عنه بأنه في منية المفتي جوز الحكم الملفق، وقدمنا ما فيه عند
الكلام على وقف المشاع(٢). قوله: (فإن شرط وفاء دينه) أي وقفه على نفسه وشرط
(١) في ط (قوله ليس متبرعاً) أي وهو إنما يحجر عن التبرع. قال شيخنا: وفيه نظر فإنه وإن لم يكن متبرعاً
بالغلة لكنه تبرع بما هو أعظم منها وهو العين، فحينئذٍ يكون وقفه باطلًا على رأي مصحح الحجر.
(٢) في ط (قوله على وقف المشاع) حاصل ما تقدم إن التلفيق الممنوع إنما هو التلفيق بين مذهبين أجنبيين، فحينئذ
لا يكون هذا الحكم باطلًا خصوصاً وقد قيل إن كل قول للصاحبين مروي عن الإمام. وعلى هذا ما في الميتة.

٦٠٢
كتاب الوقف
وإن لم يشرط يوفي من الفاضل عن كفايته بلا سرف، ولو وقفه على غيره فغلته
لمن جعله له خاصة. فتاوى ابن نجيم.
قلت: قيد بمحيط لأن غير المحيط يجوز في ثلث ما بقي بعد الدين لو له
ورثة، وإلا ففي كله؛ فلو باعها القاضي ثم ظهر مال شرى به أرض بدلها، وتمامه
في الإسعاف في باب وقف المريض وفي الوهبانية: [الطويل]
وَإِنْ وَقَفَ الْمَرْهُونُ فَاقْتَكَّهُ يَجِزْ فَإِنَ مَاتَ عَنْ عَيْن تَفِي لَا يُغَير
أي وإلا فيبطل أو للعلة يمهل فليتأمل.
وفاء دينه منه كما في فتاوى ابن نجيم، وحذفه الشارح استغناء بالمقابل وهو قوله: ((ولو
وقفه على غيره)) اهـح. قوله: (يوفى من الفاضل عن كفايته) أي إذا فضل من غلة
الوقف شيء عن قوته فللغرماء أن يأخذوا منه، لأن الغلة بقيت على ملكه. ذخيرة.
قوله: (لو له ورثة) أي ولم يجيزوا، فقوله: ((وإلا)) أي وإن لم يكن له ورثة أو كان
وأجازوا اهـ ح. قوله: (فلو باعها القاضي) أي في صورة المحيط اهـح. قوله: (أي
وإلا فيبطل) بالبناء للمجهول، وهذا تصريح بالمفهوم: أي وإن لم يمت عن مال يفي
بما عليه من الدين، فإن الوقف يغير: أي يبطله القاضي ويبيعه للدين. قال الشرنبلالي
في شرح الوهبانية: وهذا يخالف عتق العبد الرهن لا يباع، ويسعى في الدين إن لم يزد
على قيمته، ولا يبطل العتق. وبحث فاضل فقال: ينبغي أن لا يبطل الوقف ويؤخذ من
غلته لوفاء الدين كسعاية العبد إذا لم يقدر بزمن. والجامع بينهما التحرير، فإن الوقف
تحرير عن البيع وتعلق حق الغير يقضى من ريعه كسعاية العبد، بل إنه أمكن إذ قد يموت
العبد قبل أداء السعاية والعقار باق رعاية للمصلحة، فليتأمل اهـ. ما في شرح الوهبانية.
قلت: وفيه نظر لظهور الفرق بين الوقف والعبد، فإن العتق عقد لازم واستهلاك
للرهن من كل وجه، بخلاف الوقف، فإنه حبس العين على ملك الواقف والتصدق
بالمنفعة عند الإمام، ولهذا يدوم الثواب بدوامه لبقائه على ملكه، وقد وقع الخلاف في
عوده إلى ملك الواقف بعد خرابه. وفي جواز بيعه إذا أطلقه القاضي للواقف أو وارثه
كما مر، بخلاف العبد بعد العتق، فإنه لا خلاف في عدم عوده إلى الملك، فلذا كان
الوقف موقوفاً على الفكاك، فإذا افتكه نفذ، وإن لم يفتكه حتى مات وترك مالاً فإنه
يفتك منه، وإن لم يترك ما لا يبطل لتعذر الفكاك من العين بدونه، والمنفعة كالكسب
خارجة عن الرهن، فإن الذي كان للمرتهن فيه حق الحبس إنما هو العين، وأما العبد
فلا يمكن ردّه بعد العتق إلى الملك بوجه فلذا يستسعى، ولأن العتق من أول الأمر
صدر منجزاً غير موقوف، بخلاف الوقف، هذا ما ظهر لي. قوله: (أو للغلة يمهل)
حكاية قول آخر فليست ((أو)) فيه للتخيير، لكن علمت أن هذا القول بحث غير منقول،

٦٠٣
كتاب الوقف
قلت: لكن في معروضات المفتي أبي السعود: سئل عمن وقف على
أولاده وهرب من الديون هل يصح؟ فأجاب: لا يصح، ولا يلزم والقضاة
ممنوعون من الحكم وتسجيل الوقف بمقدار ما شغل بالدين انتهى، فليحفظ
(الوقف) على ثلاثة أوجه (إما للفقراء أو للأغنياء ثم الفقراء أو يستوي فيه
الفريقان كرباط وخان ومقابر وسقايات وقناطر ونحو ذلك) كمساجد وطواحين
وطست لاحتياج الكل لذلك، بخلاف الأدوية فلم يجز لغني بلا تعميم أو تنصيص
فيدخل الأغنياء تبعاً للفقراء. قنية.
فرع: أقر بوقف صحيح(١) وبأنه أخرجه من يده
وأنه قياس مع الفارق فهو غير مقبول. قوله: (قلت لكن الخ) استدراك على قوله
صحح اهـح. والأقرب أنه استدراك على ما في الوهبانية فإنه في معناه أيضاً.
مَطْلَبٌ فِي وَقْفِ الرَّامِنِ وَالَمَرِيضِ المَذْيُونِ
قوله: (فأجاب لا يصح ولا يلزم الخ) هذا مخالف لصريح المنقول كما قدمناه عن
الذخيرة والفتح، إلا أن يخصص بالمريض المديون. وعبارة الفتاوى الإسماعيلية: لا
ينفذ القاضي هذا الوقف ويجبر الواقف على بيعه ووفاء دينه، والقضاة ممنوعون عن
تنفيذه كما أفاده المولى أبو السعود اهـ. وهذا التعبير أظهر، وحاصله أن القاضي إذا
منعه السلطان عن الحكم به كان حكمه باطلًا لأنه وكيل عنه، وقد نهاه الموكل صيانة
لأموال الناس، ويكون جبره على بيعه من قبيل إطلاق القاضي بيع وقف لم يسجل،
وقد مر الكلام فيه، وينبغي ترجيح بطلان الوقف بذلك للضرورة. قوله: (أو للأغنياء
ثم الفقراء) أما للأغنياء فقط فلم يجز، لأنه ليس بقربة كما مر أول الباب. قوله:
(كمساجد الخ) وكذا مصاحف مساجد وكتب مدارس كما هو ظاهر ما مر عند قوله:
((ومنقول فيه تعامل)). قوله: (لاحتياج الكل لذلك) أي للنزول في الخان والشرب من
السقاية الخ. زاد في الهداية أن الفارق بين الموقوف للغلة، وبين هذا هو العرف، فإن
أهل العرف يريدون بذلك في الغلة للفقراء، وفي غيرها التسوية بينهم وبين الأغنياء.
قوله: (بخلاف الأدوية) أي الموقوفة في التيمار خانة، فإن الحاجة إليها دون الحاجة إلى
السقاية، فإن العطشان لو ترك شرب الماء يأثم، ولو ترك المريض التداوي لا يأثم.
أفاده ح عن المنح. قوله: (فيدخل الأغنياء تبعاً) هذا في التعميم، أما في التنصيص
فهم مقصودون اهـح. قوله: (وبأنه أخرجه من يده) أي سلمه إلى المتولي على قول
(١) في ط (قوله الشارح أقر بوقف صحيح) برفع ((صحيح)) فاعل ((أقتر) لإخراج المريض، فإن وقفه إنما ينقذ
من الثلث.

٦٠٤
كتاب الوقف
ووارثه يعلم خلافه جاز الوقف ولا تسمع دعوى وارثه قضاء درر وفي الوهبانية:
وتبطل أوقاف امرىء بارتداده فحال ارتداد منه لا وقف أجدر
محمد بأن ذلك شرط، وقوله: ((صحيح)) يغني عنه، لأن صحة الوقف باستيفاء شروطه.
قوله: (ووارثه يعلم خلافه) أي أنه لم يقفه ولم يخرجه من يده. درر. قوله: (قضاء) أما
في الديانة فتسمع دعواه: يعني يسوغ له السعي في إبطاله وأخذه لنفسه حيث علم أن
إقرار مورثه كاذب في نفس الأمر وأنه باق على ملكه، لأن الحكم بجوازه إنما هو بناء
على ما أقرّ به لا على نفس الأمر.
مَطْلَبٌ فِي وَقْفِ المُرْتَدُ
قوله: (وتبطل أوقاف امرئ بارتداده الخ) لا محل لذكره هنا، ومحله أول الباب،
وقد ذكره هناك عن الفتح.
وحاصله مسألتان: إحداهما: لو وقف، ثم ارتد والعياذ بالله تعالى بطل وقفه، وإن
عاد إلى الإسلام ما لم يعد وقفه بعد عوده لحبوط عمله بالردة، ونظر فيه ابن الشحنة
في شرحه بأن الحبوط في إبطال الثواب، لا فيما تعلق به حق الفقراء، وأجاب
الشرنبلالي في شرحه بما في الإسعاف، من أنه لما جعل آخره للمساكين وذلك قربة
فبطل اهـ.
قلت: وهذا الجواب غير ملاق للسؤال، وإنما ذكره في الإسعاف جواباً عن
سؤال آخر، وهو أنه إذا وقفه على قوم بأعيانهم لم يكن قربة فأجاب بما ذكر.
فالجواب الصحيح: أن الوقف على الفقراء قربة باقية إلى حال الردة، والردة
تبطل القربة التي قارنتها، كما لو ارتد في حال صلاته أو صومه، بخلاف ما إذا ارتد بعد
صلاته أو صيامه، فإنه لا يبطل نفس الفعل، بل ثوابه فقط، وأما حق الفقراء فإنما هو
في الصدقة فقط، فإذا بطل التصدق الذي هو معنى الوقف بطل حقهم ضمناً وإن كان لا
: يمكن إبطاله قصداً كما يبطل في خراب الوقف وخروجه عن المنفعة، هذا ما ظهر لي
فافهم.
الثانية: لو وقف في حال ردته فهو موقوف عند الإمام، فإن عاد إلى الإسلام
صح، وإلا بأن مات أو قتل على ردته أو حكم بلحاقه بطل، ولا رواية فيه عن أبي
يوسف. وعند محمد: يجوز منه ما يجوز من القوم الذين انتقل إلى دينهم، ويصح وقف
المرتدة لأنها لا تقتل إلا أن يكون على حج أو عمرة ونحو ذلك، فلا يجوز كما في
شرح الوهبانية ملخصاً. قوله: (فحال ارتداد) منصوب على الظرفية متعلق باسم ((لا))
و ((أجدر)) أي أحق خبرها، والمعنى لا يكون الوقف حال الردة أحق بالبطلان من الوقف
قبلها، بل ذاك أحق بالبطلان لعدم توقفه، هذا ما ظهر لي فافهم، والله سبحانه أعلم.

٦٠٥
كتاب الوقف
فَضْلٌ: يُرَاعَى شَرْطُ الْوَاقِفِ فِي إِجَارَتِهِ
فلم يزد القيم بل القاضي لأن له ولاية النظر لفقير وغائب وميت ( فلو أهمل
الواقف مدتها قبل تطلق ) الزيادة القيم (وقيل تقيد بسنة )
مطلقاً (وبها) أي بالسنة (يفتى في الدار وبثلاث سنين في الأرض)
فَضْلٌ
هذا الفصل مشتمل على بيان أحكام إجارة الوقف وغصبه والشهادة عليه
والدعوى به، والمتولي عليه وما يتبع ذلك، وزاد فيه الشارح فروعاً مهمة وفوائد جمة.
قوله: (يراعى شرط الوقف في إجارته) أي وغيرها لما سيأتي في الفروع من أن شرط
الواقف كنص الشارح كما سيأتي بيانه، إلا في مسائل تقدمت. قوله: (فلم يزد القيم
الخ) يعني إذا شرط الواقف أن لا يؤجر أكثر من سنة، والناس لا يرغبون في استئجارها
وكانت إجارتها أكثر من سنة أنفع للفقراء، فليس للقيم أن يؤجرها أكثر من سنة، بل
يرفع الأمر للقاضي حتى يؤجرها، لأن له ولاية النظر للفقراء والغائب والميت، وإن لم
يشترط الواقف فللقيم ذلك بلا إذن القاضي كما في المنح عن الخانية، ولو استثنى فقال
لا تؤجر أكثر من سنة إلا إذا كان أنفع للفقراء فللقيم ذلك إذا رآه خيراً بلا إذن القاضي.
إسعاف. قوله: (لفقير) أي فيما إذا كان الوقف على الفقراء، ومثله الوقف على
المسجد، وكذا الوقف على أولاد الواقف، لأن منهم الفقير والغائب، بل ومن لم يخلق
عند الإجارة. قوله: (وغائب وميت) فإنه يحفظ اللقطة ومال المفقود ومال الميت إلى
أن يظهر له وارث أو وصيّ. قوله: (وقيل تقيد بسنة) لأن المدة إذا طالت تؤدي إلى
إيطال الوقف، فإن من رآه يتصرف بها تصرف الملاك على طول الزمان يظنه مالكاً.
إسعاف. قوله: (مطلقاً) أي في الدار والأرض ح. قوله: (وبثلاث سنين في الأرض)
أي إذا كان لا يتمكن المستأجر من الزراعة فيها إلا في الثلاث كما قيده المصنف تبعاً
للدرر حيث قال: يعني أن الأرض إن كانت مما تزرع في كل سنتين مرة، أو في كل
ثلاث كان له أن يؤجرها مدة يتمكن فيها من الزراعة اهـ. ومثله في الإسعاف، وكذا في
الخانية، لكن ذكر فيها بعد ذلك قوله: وعن الإمام أبي حفص البخاري أنه كان يجيز
إجارة الضياع ثلاث سنين، فإن آجر أكثر اختلفوا فيه، وأكثر مشايخ بلخ لا يجوز. وقال
غيرهم: يرفع الأمر إلى القاضي حتى يبطله، وبه أخذ الفقيه أبو الليث اهـ. وظاهره
جواز الثلاث بلا تفصيل. تأمل. وأن مختار الفقيه جواز الأكثر، ولكن للقاضي إبطالها:
أي إذا كان أنفع للوقف، ثم رأيت الشرنبلالي اعترض على الدرر بأنه أخرج المتن عن
ظاهره، والفتوى على إطلاق المتن كما أطلقه شارح المجمع، وهو قول الإمام أبي
حفص الكبير اهـ.

٦٠٦
كتاب الوقف
إلا إذا كانت المصلحة بخلاف ذلك، وهذا مما يختلف زماناً وموضعاً. وفي
البزازية: لو احتيج لذلك يعقد عقوداً فيكون العقد الأول لازماً لأنه ناجز،
واعلم أن المسألة فيها ثمانية أقوال ذكرها العلامة قنالي زاده في رسالته: أحدها:
قول المتقدمين عدم تقدير الإجارة بمدة، ورجحه في أنفع الوسائل، والمفتى به ما ذكره
المصنف خوفاً من ضياع الوقت كما علمت. قوله: (إلا إذا كانت المصلحة بخلاف
ذلك) هذا أحد الأقوال الثمانية، وهو ما ذكره الصدر الشهيد من أن المختار أنه لا يجوز
في الدور أكثر من سنة، إلا إذا كانت المصلحة في الجواز؛ وفي الضياع يجوز إلى
ثلاث سنين، إلا إذا كانت المصلحة في عدم الجواز، وهذا أمر يختلف باختلاف
المواضع واختلاف الزمان اهـ. وعزاه المصنف إلى أنفع الوسائل، وأشار الشارح إلى أنه
لا يخالف ما في المتن، لأن أصل عدول المتأخرين عن قول المتقدمين بعدم التوقيت
إلى التوقيت إنما هو بسبب الخوف على الوقف، فإذا كانت المصلحة الزيادة أو النقص
اتبعت، وهو توفيق حسن.
ومن فروع ذلك ما في الإسعاف: دار لرجل فيها موضع وقف بمقدار بيت
واحد، وليس في يد المتولي شيء من غلة الوقف وأراد صاحب الدار استئجارها مدة
طويلة: قالوا: إن كان لذلك الموضع مسلك إلى الطريق الأعظم لا يجوز له أن يؤجره
مدة طويلة، لأن فيه إبطال الوقف، وإن لم يكن له مسلك جازاهـ. وفي فتاوى قارئ
الهداية: إذا لم تحصل عمارة الوقف إلا بذلك يرفع الأمر للحاكم ليؤجره أكثر اهـ. أي
إذا احتيج إلى عمارته من أجرته يؤجره الحاكم مدة طويلة بقدر ما يعمر به.
تنبيه: محل ما ذكر من التقييد ما إذا كان المؤجر غير الواقف لما في القنية: آجر
الواقف عشر سنين ثم مات بعد خمس وانتقل إلى مصرف آخر انتقضت الإجارة(١)
ويرجع بما بقي في تركة الميت اهـ. تأمل.
مَطْلَبْ: أَرْضُ الْيَتِيمِ وَأَرْضُ بَيْتِ المَالِ فِي حُكْمٍ أَرْضِ الوَقْفِ
ثم إن أرض اليتيم في حكم أرض الوقف كما ذكرَه في الجوهرة، وأفتى به
صاحب البحر والمصنف، كذا أرض بيت المال كما أفتى به في الخيرية، وقال من
كتاب الدعوى: إن أراضي بيت المال جرت على رقبتها أحكام الوقوف المؤبدة. قوله:
(لو احتيج لذلك) أي للإيجار إلى مدة زائدة عن التقدير المذكور: أي بأن لم تحصل
عمارة الوقف إلا بذلك كما ذكرناه آنفاً عن قارئ الهداية .. قوله: (بعقد عقوداً) أي
عقوداً مترادفة، كل عقد سنة بكذا. خانية. والظاهر أن هذا في الدار، أما في الأرض
(١) في ط (قوله انتفضت الإجارة الخ) هذا خلاف المعتمد، والأصح عدم انتقاضها في الوقت بموت المؤجر
ولو هو الموافق.

٦٠٧
كتاب الوقف
والثاني لا لأنه مضاف.
قلت: لكن قال أبو جعفر: الفتوى على إبطال الإجارة الطويلة ولو بعقود.
فيصح كل عقد ثلاث سنين. وصورة ذلك أن يقول: آجرتك الدار الفلانية سنة تسع
وأربعين بكذا وآجرتك إياها سنة خمسين بكذا وآجرتك إياها سنة إحدى وخمسين بكذا،
وهكذا إلى تمام المدة.
مَطْلَبٌ فِي لُزُومِ الأَجْرَةِ المُضَافَةِ تَصْحِيحَانِ
قوله: (والثاني لا) أي لا يكون لازماً، وأراد بالثاني ما عدا العقد الأول، لأن
جميع ما عداه مضاف، لكن قال قاضيخان وذكر شمس الأئمة السرخسي: أن الإجارة
المضافة تكون لازمة في إحدى الروايتين وهو الصحيح، وأيضاً اعترض قاضيخان
قولهم: إن احتاج القيم إلى تعجيل الأجرة يعقد عقوداً مترادفة، بأنهم أجمعوا على أن
الأجرة لا تملك في الإجارة المضافة باشتراط التعجيل: أي فيكون للمستأجر الرجوع
بما عجله من الأجرة، فلا يكون هذا العقد مفيداً، لكن أجاب العلامة قنالي زادة بأن
رواية عدم لزوم الإجارة المضافة مصححة أيضاً، وبأن قاضيخان نفسه أجاب في كتاب
الإجارات عن الثاني بقوله: لكن يجاب عنه بأن ملك الأجرة عند التعجيل فيه روايتان:
فيؤخذ برواية الملك هنا للحاجة، وهذا ينافي دعواه الإجماع هنا.
قلت: وقد ذكر الشارح في أواخر كتاب الإجارة أن رواية عدم اللزوم تأيدت بأن
عليها الفتوى، أي فتكون أصح التصحيحين، لأن لفظ الفتوى في التصحيح أقوى،
لكن أنت خبير بأن رواية عدم اللزوم هنا لا تنفع لأنه يثبت للمستأجر الفسخ فيرجع بما
عجله من الأجرة، وإن قلنا إنها تملك بالتعجيل فينبغي (١) هنا ترجيح رواية اللزوم
للحاجة نظير ما قاله قاضيخان في رواية الملك.
مَطْلَبٌ فِي الإِجَارَةِ الطَّوِيلَةِ بِعُقُودٍ
٠
قوله: (الفتوى على إيطال الإجارة الطويلة ولو بعقود) أي لتحقق المحذور المارّ
فيها، وهو أن طول المدة يؤدي إلى إبطال الوقف كما في الذخيرة.
قلت: لكن الكلام هنا عند الحاجة، فإذا اضطر إلى ذلك لحاجة عمارة الوقف
بتعجيل أجرة سنين مستقبلة يزول المحذور الموهوم عند وجود الضرر المتحقق،
فالظاهر تخصيص بطلان هذه الإجارة بما عدا هذه الصورة، وهو جعلها حيلة لتطويل
(١) في ط (قوله فينبغي الخ) فيه أنه لا حاجة حينئذ لتعداد العقود، بل يكفي عقد فقد وجد المحظور في كل
من الروايتين. قال شيخنا: ويمكن أن نختار رواية عدم اللزوم، ولا نسلم قول المحشي إنها لا تنفع، لأنه
إذا فسخ المستأجر بعد صرف الناظر ما أخذه منه يكون ماله ديناً على الوقف يأخذه عند حصول غلة، فهنا
قد وجد الفسخ ومع ذلك قد حصلت المنفعة للوقف في الجملة.

٦٠٨
كتاب الوقف
ذكره الكرماني في الباب التاسع عشر، وأقره قدري أفندي، وسيجيء في الإجارة
(ويؤجر) بأجر (المثل) فـ (لا) يجوز (بالأقل) ولو هو المستحق. قارىء الهداية.
إلا بنقصان يسير أو إذا لم يرغب فيه إلا بأقل أشباه (فلو رخص أجره) بعد العقد
المدة، فتدبر. ثم رأيت ط نقل عن الهندية أن بعض الصكاكين أرادوا بهذه الإجارة إبقاء
الوقف في يد المستأجر أكثر من سنة، فقال الفقيه أبو جعفر: إنا نبطلها صيانة للوقف
وعليه الفتوى، كذا في المضمرات اهـ ملخصاً. وأنت خبير بأن هذا دليل على ما قلنا
من أن إبطالها عند عدم الحاجة فلا يناسب ذكره هنا، فافهم.
مَطْلَبُ: لَا يَصِحُّ إيجارُ الوَقْفِ بِأَقَلَّ مِنْ أُجْرَةِ المِثْلِ إِلَّ عَنْ ضَرُورَةِ
قوله: (فلا يجوز بالأقل) أي لا يصح إذا كان بغبن فاحش كما يأتي. قال في
جامع الفصولين: إلا عن ضرورة. وفي فتاوى الحانوتي: شرط إجارة الوقف بدون
أجرة المثل إذا نابته نائبة أو کان دین اهـ.
مَطْلَبٌ فِي أسْشِجَارِ الدَّارِ لِمَرْصَدٍ بِدُونِ أُجْرَةِ اٌلِمِثْلِ
قلت: ويؤخذ منه ومما عزاه للأشباه جواز إجارة الدار التي عليها مرصد بدون أجرة
المثل، ووجه ذلك: أن المرصد دين على الوقف ينفقه المستأجر لعمارة الدار لعدم مال
حاصل في الوقف، فإذا زادت أجرة مثلها بعد العمارة التي صارت للوقف لا تلزمه
الزيادة، لأنه إذا أراد الناظر إيجار هذه الدار لمن يدفع ذلك المرصد لصاحبه لا يرضى
باستئجارها بأجرة مثلها الآن، لكن أفتى في الخيرية بلزوم الأجرة الزائدة، ولعله محمول
على ما إذا كان في الوقف مال وأراد الناظر دفع المرصد منه، فحينئذ لا شك في لزوم
الزيادة، فتأمل. قوله: (ولو هو المستحق) الضمير راجع للمؤجر. وعبارة قارئ الهداية:
سئل عن مستحق لوقف عليه هو ناظره آجره بدون أجرة المثل هل يصح ذلك؟ فأجاب:
لا يجوز ذلك، وإن كان هو المستحق لما يصل إليه (١) من الضرر للوقف بالأجرة اهـ: أي
لاحتمال موته، فيضر بمن بعده من المستحقين، وربما يتضرّر الوقف أيضاً الآن إذا كان
محتاجاً للتعمير. وأما ما يوجد في بعض نسخ الشرح من قوله: لجواز أن يموت قبل
انقضاء المدة وتفسخ هذه الإجارة اهـ. فهو غير ظاهر، لأنها لا تفسخ بموت الناظر، على
أن الضرر إنما هو في إبقائها بالأجرة القليلة لا في فسخها، لأنها إذا فسخت تؤجر بأجر
المثل فلا يتضرر أحد. تأمل. ولا يجوز إرجاع الضمير في قوله: ((ولو هو المستحق)) إلى
المستأجر، إذ الظاهر أنه لا ضرر فيه على أحد بعده لانفساخها بموته، فافهم. قوله: (إلا
بنقصان يسير) هو ما يتغابن الناس فيه. إسعاف: أي ما يقبلونه ولا يعدونه غبناً.
(١) في ط (قوله لما يصل إليه الخ) أي إلى المستحق، لكن لا بالمعنى الأول: يعني المؤجر، بل بمعنى
المستحق الآتي، ففيه استخدام.

٦٠٩
كتاب الوقف
(لا يفسخ العقد) للزوم الضرر (ولو زاد) أجره (على أجر مثله قيل يعقد ثانياً به
مَطْلَبٌ: لَيْسَ لِلنَّاظِرِ الإِقَالَةُ
قوله: (لا يفسخ العقد) أي لو طلب المستأجر فسخه لا يجيبه الناظر للزوم الضرر
على الوقف. قال في الفتح: وليس له الإقالة إلا إن كانت أصلح للوقف.
مَطْلَبٌ فِيمَا زَادَ أَجْرُ المِثْلِ بَعْدَ الْعَقْدِ
قوله: (ولو زاد أجره) أي بعد العقد على أجر مثله: أي الذي كان وقت العقد،
وقيد في الحاوي القدسي الزيادة بالفاحشة. قال في البحر: وهو يدل على عدم نقضها
باليسيرة، ولعل المراد بالفاحشة ما لا يتغابن الناس فيها كما مر في طرف النقصان،
والواحد في العشرة يتغابن الناس فيه كما ذكروه في كتاب الوكالة، وهذا قيد حسن يجب
حفظه، فإذا كانت أجرة دار عشرة مثلاً وزاد أجر مثلها واحداً فإنها لا تنقض، كما لو
آجرها المتولي بتسعة فإنها لا تنقض، بخلاف الدرهمين في الطرفين اهـ.
قلت: لكن نقل البيري وغيره عن الحاوي الحصيري أن الزيادة الفاحشة مقدارها
نصف ما آجر به أو لا اهـ. وأنت خبير بأن هذا يرد ما بحثه في البحر. نعم في إجارات
الخيرية ما يفيد أن المراد بها قدر الخمس، وهو عين ما بحثه في البحر. وفي
الخلاصة: إن آجره المتولي بأجر مثله أو بقدر ما يتغابن الناس فيه فإنه لا تنفسخ
الإجارة، وإن جاء آخر وزاد في الأجرة درهمين في عشرة فهو يسير حتى لو آجر بثمانية
وأجر مثله عشرة لا تنفسخ اهـ. فهذا صريح في أن الخمس قليل في طرفي الزيادة
والنقصان، فلا تنفسخ به الإجارة. لكن في وكالة البحر عن السراج أن ما يتغابن الناس
فيه نصف العشر أو أقل، فلو أكثر فلا. ثم نقل بعده تفصيلاً، وهو أن ما يتغابن الناس
فيه في العروض نصف العشر وفي الحيوان العشر وفي العقار الخمس، وما خرج عنه
فهو مما لا يتغابن فيه، ووجهه كثرة التصرف في العروض وقلته في العقار وتوسطه في
الحيوان وكثرة الغبن لقلة التصرف، فهذا يؤيد بحث البحر هنا، وعليه عمل الناس
اليوم. وانظر ما في جامع الفصولين آخر الفصل السابع والعشرين، فإنه نقل التفصيل ثم
قال: وقيل ما لا يدخل تحت تقويم المقومين مما ليس له قيمة معلومة، فلو علمت
كفحم شراه بيسير الغبن لا ينفذ على الموكل، وبه يفتى. ونقل الخير الرملي في
حاشيته عليه عن البحر والمنح وغيرهما أن الأخير هو الصحيح.
قلت: والظاهر أن القول بالتفصيل بيان لهذا القول. تأمل.
تنبيه: حرّر في البحر أن طريق علم القاضي بالزيادة أن يجتمع رجلان من أهل
البصر والأمانة فيؤخذ بقولهما معاً عند محمد، وعندهما قول الواحد يكفي اهـ. قوله:
(قيل بعقد ثانياً) أي مع المستأجر الأول كما نبه عليه بعده، وقوله: ((به)) أي بأجر

٦١٠
كتاب الوقف
على الأصح) في الأشباه، ولو زاد أجر مثله في نفسه بلا زيادة أحد فللمتولي
فسخها، به يفتى. وما لم يفسخ فله المسمى (وقيل لا) يعقد به ثانياً (كزيادة)
واحد (تعنتاً) فإنها لا تعتبر، وسيجيء في الإجارة (والمستأجر الأول أولى من
المثل، والمراد أنه يجدد العقد بالأجرة الزائدة، والظاهر أن قبول المستأجر الزيادة يكفي
عن تجديد العقد. قوله: (في الأشباه الخ) هو عين ما في المتن، لكنه نقله لأمور سكت
عنها المتن. أولها: أنه ليس المراد بالزيادة ما يشمل زيادة تعنت: أي إضرار من واحد
أو اثنين فإنها غير مقبولة، بل المراد أن تزيد في نفسها عند الكل كما صرح به
الإسبيجابي، وأفاد أن الزيادة من نفس الوقف لا من عمارة المستأجر بماله لنفسه كما
في الأرض المحتكرة لأجل العمارة كما مرّ قبل الفصل. ثانيها: التصحيح بأنه به يفتى
فإنه أقوى. ثالثها: أنه لا ينفسخ العقد بمجرد الزيادة بل يفسخه المتولي كما حرره في
أنفع الوسائل وقال: فإن امتنع يفسخه القاضي. رابعها: أنه قبل الفسخ لا يجب إلا
المسمى وإنما تجب الزيادة بعده. قوله: (وقيل لا يعقد به ثانياً) أي لا يفسخ ولا يعقد
بناء على أن أجر المثل يعتبر وقت العقد، وهذا رواية فتاوى سمرقند، وعليها مشى في
التجنيس لصاحب الهداية والإسعاف، والأولى رواية شرح الطحاوي بناء على أن
الإجارة تنعقد شيئاً فشيئاً والوقف يجب له النظر. قوله: (والمستأجر الأول أولى الخ)
تقييد لقوله: ((يعقد ثانياً)) والمراد إذا كان مستأجراً إجارة صحيحة، وإلا فلا حق له،
وتقبل الزيادة ويخرج كما في البحر. وقوله: ((إذا قبل الزيادة)) أي الزيادة المعتبرة عند
الكل كما مر بيانها: فإن قبلها فهو الأحق، وإلا آجرها من الثاني إذا كانت الأرض خالية
من الزراعة، وإلا وجبت الزيادة على المستأجر الأول من وقتها إلى أن يستحصد
الزرع، لأن شغلها بملكه يمنع من صحة إيجارها لغيره، فإذا استحصد فسخ وأجر من
غيره، وكذا لو كان بنى فيها أو غرس، لكن هنا يبقى إلى انتهاء العقد لأنه لا نهاية
معلومة للبناء والغراس، بخلاف الزرع، فإذا انتهى العقد فقد مر بيانه قبل الفصل في
قوله: ((وأما حكم الزيادة في الأرض المحتكرة الخ)) وقدمنا أن المناسب ذكرها هنا.
مَطْلَبٌ مُهِمٌّ فِي مَعْنَى قَوْلِهِمْ المُسْتَأْجِرُ الأَوَّلُ أَوْلَى
تنبيه: قد علم مما قررناه أن قولهم إن المستأجر الأول أولى إنما هو فيما إذا
زادت أجرة المثل في أثناء المدة قبل فراغ أجرته وقد قبل الزيادة، أما إذا فرغت مدته،
فليس بأولى، إلا إذا كان له فيها حقّ القرار، وهو المسمى بالكردار على ما قدمناه
مبسوطاً في مسألة الأرض المحتكرة من أن له الاستبقاء بأجرة المثل دفعاً للضرر عنه.
مع عدم الضرر على الوقف، وأن هذا مستثنى من إطلاق عبارات المتون والشروح
المفيدة لوجوب القلع والتسليم بعد مضيّ مدة الإجارة، فهذا وجه كونه أحق بالاستئجار

٦١١
كتاب الوقف
غيره إذا قبل الزيادة والموقوف عليه الغلة) أو السكنى (لا يملك الإجارة) ولا
الدعوى لو غصب منه الوقف
من غيره، وأما وجهه في مسألة زيادة أجرة المثل في أثناء المدة، فهو أن مدة إجارته
قائمة لم تنقض، وقد عرض في أثنائها ما يسوغ الفسخ وهو الزيادة العارضة، فإذا قبلها
ورضي بدفعها كان أولى من غيره لزوال ذلك المسوغ في أثناء مدته، فلا يسوغ فسخها
وإيجارها لغيره، بل تؤجر منه بالزيادة المذكورة إلى تمام مدته، ثم يؤجرها ناظر الوقف
لمن أراد، وإن قبل المستأجر الأول الزيادة لزوال علة الأحقية وهي بقاء مدة إجارته إلا
إذا كان له فيها حق القرار فهو أحق من غيره، ولو بعد تمام المدة لهذه العلة الأخرى
كما علمت. وبهذا ظهر أن المستأجر الأرض الوقف ونحوها من حانوت أو دار، إذا لم
يكن له فيها حق القرار المسمى بالكردار لا يكون أحق بالاستئجار بعد فراغ مدة
استئجاره، سواء زادت أجرة المثل أو لا، وسواء قبل الزيادة أو لا خلافاً لما يفهمه أهل
زماننا من أنه أحق من غيره مطلقاً، ويسمونه ذا اليد، ويقولون: إنه متى قبل الزيادة
العارضة لا تؤجر لغيره ویحکمون بذلك ویفتون به مع كونه مخالفاً لما أطبقت عليه کتب
المذهب من متون وشروح وفتاوى، بل مستندهم إطلاق عبارة المصنف هنا، وهو باطل
قطعاً لما علمت من أنه مصوّر في زيادة أجرة المثل قبل انتهاء مدة(١) الإجارة كما هو
صريح عباراتهم، ولم يقل أحد بإطلاقه ولا يخفى مع ذلك ما فيه من الفساد وضياع
الأوقاف حيث لزم من إبقاء أرض الوقف بيد مستأجر واحد مدة مديدة تؤديه إلى دعوى
تملكها، مع أنهم منعوا من تطويل مدة الإجارة خوفاً من ذلك كما علمته، وهذا خلاصة
ما ذكرته في رسالتي المسماة بتحرير العبارة فيمن هو أولى بالإجارة، وبمراجعتها يظهر
لك العجب العجاب وتقف على حقيقة الصواب، والحمد لله المنعم الوهاب.
مَطْلَبٌ: المَوْقُوفُ عَلَيْهِ لَا يَمْلِكُ الإِجَارَةَ
قوله: (لا يملك الإجارة) لأنه يملك المنافع بلا بدل فلم يملك تمليكها ببدل
وهو الإجارة، وإلا لملك أكثر مما يملك(٢) بخلاف الإعارة ط. قوله: (ولا الدعوى لو
غصب منه الوقف) ظاهره أنه لا يملك دعوى العين فقط، مع أن دعوى الغلة كذلك.
ففي جامع الفصولين: ادعى الموقوف عليه أنه وقف عليه: لو ادعاه بإذن القاضي يصح
(١) في ط (قوله في زيادة أجرة المثل قبل انتهاء مدة الخ) قال شيخنا: لكن رأيت في بعض شروح الأشباه ما
نصه: يعرض المؤجر الزيادة بعد تمام المدة على المستأجر الأول، فإن قبلها وإلا أجر من غيره، ومع ذلك
لو أجر لغيره بدون عرض صح. فهذا يؤيد ما عليه العمل اليوم.
(٢) في ط (قوله وإلا لملك أكثر مما يملك الخ) أي وهذا ممنوع حيث لم تملك العين من كل وجه، بخلاف ما
إذا ملكت من كل وجه، ألا ترى الموهوب له بدون عوض أو الوارث مثلاً حيث يملك البيع والهبة
بعوض.

٦١٢
كتاب الوقف
وفاقاً، وبغير إذنه ففيه روايتان، والأصح أنه لا يصح، لأن له حقاً في الغلة لا غير، فلا
يكون خصماً في شيء آخر، ولو كان الموقوف عليه جماعة فادعى أحدهم أنه وقف بغير
إذن القاضي لا يصح رواية واحدة، ومستحق غلة الوقف لا يملك دعوى غلة الوقف
وإنما يملكه المتولي اهـ.
مَطْلَبٌ فِي دَعْوَى المَوْقُوفِ عَلَيْهِ
فأفاد أن دعوى الموقوف عليه في الغلة كدعوى عين الوقف، لكن تعليله للأصح
بأن له حقاً في الغلة لا غير يفيد صحة دعواه بها، وقد يجاب بأن عدم سماع دعواه في
الغلة إذا كان الموقوف عليهم جماعة بخلاف ما إذا كان واحداً، وادعى بها لأنه يريد
إثبات حقه فقط، ويؤيده قوله بعد ما مر. ولو كان الوقف على رجل معين قيل يجوز أن
يكون هو المتولي بغير إطلاق القاضي إذ الحق لا يعدوه، ويفتى بأنه لا يصح، لأن حقه
أخذ الغلة لا التصرف في الوقف اهـ. فإذا كان حقه أخذ الغلة وغصبها غاصب، ينبغي
أن لا يتردد في سماع دعواه عليه ليصل إلى حقه. وفي فتاوى الحانوتي: والحق أن
الوقف إذا كان على معين تصح الدعوى منه، وظاهر سماعها على عين الوقف أيضاً،
ولذا قال في نور العين: إن الغلة نماء الوقف فبزوال الوقف تزول الغلة فيصير كأن
الموقوف عليه ادعى شطر حقه فينبغي أن تكون رواية الصحة هي الأصح اهـ. واستشهد
في البزازية لهذه الرواية بعدة مسائل عن الخصاف.
قلت: وكذا في الإسعاف: ادعى أحد الموقوف عليهم على واحد منهم أنه باع
الوقف من الغاصب وسلمه إليه وبرهن، أو نكل الآخر: يقضى عليه بقيمته ويشتري بها
ضيعة توقف كالأول اهـ. وفي التاترخانية عن المحيط: أرض في يد رجل يزعم أنها
ملكه فادعى قوم أنه وقفها عليهم: قبلت بينتهم وحكمت عليه بالوقف وأخرجتها من
يده. قال: وهذه المسألة تصريح بأن الدعوى من الموقوف عليه صحيحة اهـ.
قلت: وبقي ما لو ادعى رجل على المتولي بأنه من الموقوف عليهم، وأن له
حقاً في غلة الوقف أو بأن حقه فيها كذا أكثر مما كان يعطيه، وينبغي عدم التردد أيضاً
في سماعها لأنه يزيد مجرد إثبات حقه، ويؤيده ما في الإسعاف: لو منع الواقف أهل
الوقف ما سمى لهم فطالبوه به ألزمه القاضي بدفع ما في يده من غلته اهـ. وكذا ما
سيذكره الشارح بعد صفحة عن المصنف والخانية، وذكر في البزازية في الفصل
السادس من الوقف عدة مسائل من هذا القبيل. منها: دعواه أنه من فقراء القرابة،
فراجعه. وسيذكر المصنف أن بعض المستحقين ينتصب خصماً عن الكل إذا كان أصل
الوقف ثابتاً، وهو صريح في صحة دعوى أحد الموقوف عليهم، ولم يقيدوه بإذن

٦١٣
كتاب الوقف
(إلا بتولية) أو إذن قاض، ولو الوقف على رجل معين على ما عليه الفتوى
عمادية، لأن حقه في الغلة لا العين، وهل يملك السكنى من يستحق الريع؟ في
الوهبانية لا، وفي شرحها للشرنبلالي والتحرير نعم (و) الموقوف (إذا آجره
المتولي بدون أجر المثل لزم المستأجر) لا المتولي كما غلط فيه بعضهم (تمامه)
القاضي فيحمل ما مر من عدم سماعها رواية واحدة على ما إذا لم يكن أصل الوقف
ثابتاً، وهذا مؤيد لما قلناه من صحة دعواه على المتولي بأنه من الموقوف عليهم أو
باستحقاقه، فتأمل هذا.
واعلم: أن عدم ملكه الدعوى في عين الوقف لا ينافي قبول الشهادة لأنها تقبل
حسبة وإن لم تصح الدعوى، كما سيذكره المصنف قريباً ويأتي بيانه، بل سيأتي متناً أنه
لو باع داراً ثم ادعى أني كنت وقفتها أو قال وقف عليّ لم يصح، ولو أقام بينة قبلت،
ويأتي تمام الكلام عليه.
مَطْلَبٌ: إِذَا كَانَ أَلَوَقْفُ عَلَى مُعَين قِيلَ يُجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ المُتَولّي
قوله: (إلا بتولية) أي بأن يكون متولياً من قبل أو ينصبه القاضي متولياً ليسمع
دعواه كما في البزازية، وفيها أيضاً أنه تصح دعوى الواقف. قوله: (أو إذن قاض)
بالدعوى والإيجار. قوله: (ولو وقف على رجل معين الخ) هذا في الدعوى، وقد
علمت بيانه، وأما في الإيجار فلم يذكره في العمادية على هذا الوجه، بل قال:
الموقوف عليهم لم يملكوا إجارة الوقف. وقال الفقيه أبو جعفر: لو كان الأجر كله
للموقوف عليه، بأن كان لا يحتاج إلى العمارة ولا شريك معه في الغلة، فحينئذ يجوز
في الدور والحوانيت، وأما الأراضي فإن شرط الواقف تقديم العشر والخراج وسائر
المؤن، وجعل للموقوف عليه الفاضل لم يكن له أن يؤجرها، لأنه لو جاز كان كل
الأجر له بحكم العقد، فيفوت شرط الواقف، ولو لم يشترط يجب أن يجوز ويكون
الخراج والمؤن عليه اهـ. ونحوه في الإسعاف.
مَطْلَبٌّ فِي إيجارِ الموقُوفِ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ مُعَيئاً
فقد علم صحة إيجار الموقوف عليه إذا كان معيناً بهذه الشروط، ويشترط أيضاً أن
يؤجر بأجرة المثل، وإلا لم يصح كما مر عن قارىء الهداية.
قلت: وينبغي عدم التردد في صحة إيجاره إذا شرط الواقف التولية، والنظر
للموقوف عليهم، أو للأرشد منهم وكان هو الأرشد، أو لم يوجد غيره لأنه حينئذ
يكون منصوب الواقف. قوله: (وهل يملك السكنى الخ) قدمنا بيان ذلك عند قول
المتن: ((ولو أبى أو عجز أمر الحاكم بأجرتها)). قوله: (كما غلط فيه بعضهم) منشأ
غلطه أنه وقع في عبارة الخلاصة لزمه فأرجع ذلك البعض الضمير للمتولي، مع أنه

٦١٤
كتاب الوقف
أي تمام أجر المثل (كأب) وكذا وصي. خانية (أجر منزل صغيره بدونه) فإنه يلزم
المستأجر تمامه إذ ليس لكل منهما ولاية الحط والإسقاط. وفي الأشباه عن
القنية: أن القاضي يأمره بالاستئجار بأجر المثل، وعليه تسليم زود السنين
الماضية، ولو كان القيم ساكناً مع قدرته على الرفع للقاضي لا غرامة عليه، وإنما
هي على المستأجر، وإذا ظفر الناظر بمال الساكن فله أخذ النقصان منه فيصرفه
في مصرفه قضاء وديانة اهـ. فليحفظ .
قلت: وقيد بإجارة المتولي لما في غصب الأشباه لو آجر الغاصب ما
منافعه مضمونة من مال وقف أو يتيم أو معد فعلى المستأجر المسمى لا أجر
للمستأجر كما نبه عليه العلامة قاسم في فتاواه مستنداً إلى النقول الصريحة.
مَطْلَبٌ: إِذَا آَجَرَ المُتَوّي بَغَبْنِ فَاحِشٍ كَانَ خِيَانَةً
لكن قال في البحر: ينبغي أن يكون ذلك خيانة من المتولي لو عالماً بذلك.
وذكر الخصاف أن الواقف أيضاً إذا آجر بالأقل مما لا يتغابن الناس فيه لم تجز، ويبطلها
القاضي؛ فإن كان الواقف مأموناً وفعل ذلك على طريق السهو والغفلة أقره القاضي في
يده، وأمره بإجارتها بالأصلح؛ وإن كان غير مأمون أخرجها من يده وجعلها في يد من
يثق بدينه؛ وكذا إذا آجرها الواقف سنين كثيرة ممن يخاف أن يتلف في يده يبطل القاضي
الإجارة ويخرجها من يد المستأجر اهـ. فإذا كان هذا في الواقف فالمتولي أولى اهـ.
قوله: (لكل منهما) الأولى ((منهم)) ليدخل المتولي ط. قوله: (وعليه تسليم زود
السنين(١) الماضية) لا ينافي هذا ما مر من أن الإجارة ما لم تفسخ، كان على المستأجر
المسمى لأن موضوعه فيما إذا آجر أو لا بأجرة المثل، ثم زاد الأجر في نفسه ط: أي
فالإجارة وقعت من ابتدائها صحيحة بخلاف ما هنا. قوله: (لا غرامة عليه) وعليه
الحرمة ولا يعذر، وكذا أهل المحلة. قال في الأشباه عن القنية: لا يعذر أهل المحلة
في الدور والحوانيت المسبلة إذا أمكنهم رفعه. قال في شرح الملتقى: فيأثم كلهم
بنفس السكوت، فما بالك بالمتولي، والجابي والكاتب إذا تركوها ولا سيما لأجل
الرشوة، نعوذ بالله تعالى اهـ ط. قوله: (بمال الساكن) يعني وكان من جنس حقه.
ط عن الحموي. قوله: (قضاء وديانة) مرتبط بقوله أخذ ط. قوله: (ما منافعه مضمونة)
أي على الغاصب ط. قوله: (أو معد) أي للاستغلال. قوله: (فعلى المستأجر المسمى)
يعني للغاصب كما يفيده ما بعده. قال العلامة البيري: الصواب أن هذا مفرّع على قول
المتقدمين، أما على ما عليه المتأخرون فعلى الغاصب أجر المثل اهـ: أي إن كان ما
(١) في ط (قوله زود السنين) فيه أن مصدر ((زاد)) الزيد بالياء.

٦١٥
كتاب الوقف
المثل، وعلى الغاصب ردّ ما قبضه لا غير لتأويل العقد انتهى فيحفظ (يفتى
بالضمان في غصب عقار الوقف وغصب منافعه) أو إتلافها كما لو سكن بلا إذن
أو أسكنه المتولي بلا أجر كان على الساكن أجر المثل، ولو غير معدّ
قبضه من المستأجر أجر المثل أو دونه، فلو أكثر يرد الزائد أيضاً لعدم طيبه له كما
حرره الحموي، وتبعه السيد أبو السعود.
قلت: وينبغي على قول المتأخرين المفتى به، وتضمين منافع مال الوقف
واليتيم والمعد أن له تضمين المستأجر أيضاً تمام أجر المثل، كما لو آجره المتولي
بدون أجر المثل كما مر. تأمل. قوله: (لتأويل العقد) ليس هذا في عبارة الأشباه ط.
قوله: (في غصب عقار الوقف) بأن كان أرضاً أجرى عليها الماء حتى صارت لا
تصلح للزراعة. قوله: (وغصب منافعه) يشمل ما لو عطله(١) ولم ينتفع به كما يدل
عليه قوله: ((أو إتلافها)) فإن الأصل في العطف المغايرة، فإن إتلافها بالاستعمال ولذا
قال: كما لو سكن الخ، ويدل عليه أيضاً ما سيأتي في الغصب من قول المصنف
تبعاً للدرر: لا تضمن منافع الغصب استوفاها أو عطلها إلا في ثلاث، فمقتضاه
ضمانها فيها بالاستيفاء، أو التعطيل، فقول الشرنبلالية هناك: وينظر ما لو عطل
المنفعة هل يضمن الأجرة كما لو سكن اهـ؟ لا محل له. نعم وقع في الخصاف: لو
قبض المستأجر الأرض في الإجارة الفاسدة، ولم يزرع لا أجر عليه، وكذلك الدار
إذا قبضها ولم يسكنها اهـ. لكنه مبني على قول المتقدمين كما صرح به في
الإسعاف، ومفاده لزوم الأجرة بالتمكن في الفاسدة على قول المتأخرين؛ وسيذكره
الشارح في أوائل الإجارات عن الأشباه (قوله أو أسكنه المتولي) أي أسكن فيه
غيره، إلا إذا كان موقوفاً للسكنى وانحصرت فيه، فإن له إعارته، ولو سكنه المتولي
بنفسه؛ ولم يكن للسكنى فإنه يلزمه أجر المثل، بل قدمنا عن خزانة المفتين أنه لو
زرع الوقف لنفسه يخرجه القاضي من يده.
مَطْلَبٌ: سَكَنَ الْمُشْتِي دَارَ اٌلْوَقْفِ
قوله: (كان على الساكن أجر المثل) حتى لو باع المتولي دار الوقف فسكنها
المشتري، ثم أبطل القاضي البيع كان على المشتري أجرة المثل. فتح. وبه أفتى
الرملي وغيره كما قدمناه، وما في الإسماعيلية من الإفتاء بخلافه تبعاً للقنية فهو ضعيف
كما صرح به في البحر، ودخل ما لو كان الوقف مسجداً أو مدرسة سكن فيه فتجب فيه
أجرة المثل، كما أفتى به في الحامدية. قال: وأفتى به الجد والعم والرملي
(١) في ط (قوله يشمل ما لو عطله الخ) هذا التعبير يقتضي أن للغصب صورة أخرى غير مسألة التعطيل، ولعل
صورة غصب العين بإجراء الماء عليها من صورة غصب المنافع أيضاً لما فيه من التعطيل ضمناً.

٦١٦
كتاب الوقف
للاستغلال، به يفتى صيانة للوقف، وكذا منافع مال اليتيم. درر (وكذا) يفتى
(بكل ما هو أنفع للوقف فيما اختلف العلماء فيه) حاوي القدسي، ومتى قضى
بالقيمة شرى بها عقاراً آخر فيكون وقفاً بدل الأول (و) الذي (تقبل فيه الشهادة)
حسبة (بدون الدعوى) أربعة عشر: منها الوقف على ما في الأشباه، لأن حكمه
التصدق بالغلة وهو حق الله تعالى. بقي لو الوقف على معينين هل تقبل بلا
دعوى؟ في الخانية ينبغي، لا اتفاقاً. وفي شرح الوهبانية للشيخ حسن: وهذا
التفصيل هو المختار.
والمقدسي، وكذا ما لو كان بعضه ملكاً وسكنه الشريك كما مر أول الشركة. قوله:
(وكذا منافع مال اليتيم) دخل فيه ما لو سكنته أمه مع زوجها فيلزم الزوج الأجرة،
وكذا شريك اليتيم، كما سيأتي تحريره في كتاب الغصب إن شاء الله تعالى؛ وكذا ما لو
شراها أحد ثم ظهر أنها ليتيم كما في جامع الفصولين. قوله: (فيما اختلف العلماء فيه)
حتى نقضوا الإجارة عند الزيادة الفاحشة، نظراً للوقف، وصيانة لحق الله تعالى كما في
الحاوي القدسي أيضاً: أي مع أن في المسألة قولين مصححين، وكذا أفتوا بالضمان في
غصب عقاره ومنافعه مع أن العقار لا يضمن بالغصب عندهما بل عند محمد وزفر
والشافعي، وكذا في مسائل كثيرة منها عدم استبدال ما قل ريعه، وكذا صحة الوقف
على النفس وعدم صحة الإجارة مدة طويلة كما مر، والتتبع ينفي الحصر، فافهم.
قوله: (ومتى قضى بالقيمة) أي بأن غصب أرضاً وأجرى عليها الماء، حتى صارت
بحراً لا تصلح للزراعة. إسعاف. وقدمنا عن جامع الفصولين: لو غصب وقفاً فنقص مما
يؤخذ بنقصه يصرف إلى مرمته لا إلى أهل الوقف لأنه بدل الرقبة، وحقهم في الغلة لا
في الرقبة اهـ. قوله: (فيكون وقفاً بدل الأول) أي بلا توقف على تلفظ بوقفه كما في
معين المفتي وغيره، كذا في شرح الملتقى ط. قوله: (حسبة) الحسبة: بالكسر الأجر
كما في القاموس: أي لقصد الأجر، لا الإجابة مدع. أفاده ط.
مَطْلَبٌ: المَوَاضِعُ الَّتِي تُقْبَلُ فِيهَا الشَّهَادَةُ حِسْبَةً بِلَا دَعْوَى
قوله: (أربعة عشر) وهي الوقف، وطلاق الزوجة، وتعليق طلاقها، وحرية الأمة
وتدبيرها، والخلع، وهلال رمضان، والنسب، لكن في البحر خلافه، وحد الزنا، وحد
الشرب، والإيلاء، والظهار، وحرمة المصاهرة، ودعوى المولى نسب العبد اهـ.
قلت: ويزاد الشهادة بالرضاع كما مشى عليه المصنف في بابه. قوله: (منها
الوقف) أي الشهادة بأصله لا بريعه أشباه، وأما الدعوى به أو بريعه فقد مر الكلام عليها
ويأتي قريباً، ويأتي بيان المراد بأصله. قوله: (وهذا التفصيل) أي بين ما إذا كان الوقف
على معينين فلا تقبل، وبين ما إذا قامت على أنه للفقراء أو للمسجد ونحوه فتقبل. قوله:

٦١٧
كتاب الوقف
وفي التاترخانية: إن هو حق الله تعالى تقبل، وإلا لا، إلا بالدعوى، فليحفظ.
قلت: لكن بحث فيه ابن الشحنة، ووفق المصنف بقبولها مطلقاً لثبوت
أصل الوقف لمآله للفقراء وباشتراط الدعوى، لثبوت الإستحقاق لما في الخانية
لو كان ثمة مستحق ولم يدع لم يدفع له شيء من الغلة وتصرف كلها للفقراء.
(وفي التاترخانية) هو عين التفصيل اهـح. قوله: (لكن بحث فيه ابن الشحنة الخ) أي
بحث في الإطلاق المذكور في المتن اهـح. والأصوب إبداله بابن وهبان، ويعود الضمير
إلى التفصيل. قال المصنف في المنح نقلاً عن الخانية: وينبغي أن يكون الجواب على
التفصيل إذا كان الوقف على قوم بأعيانهم، لا تقبل البينة علیه بدون الدعوی اهـ. قال ابن
وهبان: وهذا التفصيل غير محتاج إليه، لأن الوقف وإن كان على قوم بأعيانهم فآخره لا بد
وأن يكون لجهة برّ لا تنقطع كالفقراء وغيرهم، فالشهادة تقبل بحقهم إما حالاً أو مآلاً اهـ.
قال ابن الشحنة: التفصيل لا بد منه لأن البينة إذا قامت بأن هذا وقف يستحقه قوم
بأعيانهم لا بد فيه من الدعوى لثبوت استحقاقهم، وتناولهم وإن كان آخره ما ذكر،
بخلاف ما إذا قامت على أنه وقف على الفقراء أو المسجد أو نحو ذلك اهـ.
قال المصنف: أقول: ما ذكره ابن وهبان ظاهر جداً، وما ذكره ابن الشحنة لا
ينتهض حجة عليه، لأن كلام ابن وهبان في أن ثبوت أصل الوقف لا يحتاج إلى الدعوى
مطلقاً وإن كان المستحق لا يدفع له شيء على تقدير عدم دعواه، وكلام ابن الشحنة في
ثبوت الاستحقاق للموقوف عليه المعين، ولا شك في توقفه على الدعوى اهـ.
قلت: لكن في الحادي عشر من دعوى البزازية: باع أرضاً ثم ادعى أنه كان
وقفها أو قال: وقف عليّ، فإن لم تكن له بينة وأراد تحليف البائع(١) لا يحلف لعدم
صحة الدعوى للتناقض، وإن برهن: قال الفقيه أبو جعفر: يقبل ويبطل البيع لعدم
اشتراط الدعوى في الوقف كما عتق الأمة، وبه أخذ الصدر، والصحيح أن الإطلاق
غير مرضي، فإن الوقف لو حق الله تعالى فالجواب ما قاله، وإن حق العبد لا بد فيه
من الدعوى اهـ. وأنت خبير بأن الوقف لا بد أن يكون فيه حق الله تعالى إما حالاً أو
مآلاً، وهذا التصحيح للتفصيل المار عن الخانية يقتضي أن المنظور إليه الحال لا
المآل، وإلا لم يصح قوله وإن حق العبد الخ، وهذا خلاف ما قاله ابن وهبان حيث
جعل الوقف كله حقاً لله تعالى باعتبار المآل، ومؤيد لما قاله ابن الشحنة حيث اعتبر
فيه الحال، لكن قد يقال: التحقيق أن الوقف من حيث هو حق الله تعالى لأنه تصدق
بالمنفعة، فلا تشترط له الدعوى، لكن إذا كان أوله على معين وأريد إثبات استحقاقه
اشترط له الدعوى وإن ثبت أصل الوقف بدونها فثبت ما قاله المصنف، وهذا في
(١) في ط (قوله وأراد تحليف البائع) كذا عبارة البزازية، والظاهر أن صوابه ((المشتري)).

٦١٨
كتاب الوقف
قلت: ومفاده أنه لو ادعى استحق مع أنها لا تسمع منه على المفتى به إلا
بتولية كما مر، فتدبر. وفي الأشباه: لنا شاهد حسبة في أربعة عشر وليس لنا
مدع حسبة إلا في دعوى الموقوف عليه أصل الوقف فإنها تسمع عند البعض،
والمفتى به لا إلا التولية، فإذا لم تسمع دعواه فالأجنبي أولى انتهى.
الحقيقة تحقيق وتلفيق بين القولين وتوفيق بنظر دقيق، لكن لو كان المدعي هو البائع لا
يمكن إثبات استحقاقه لأنه متناقض فلا تصح دعواه وتبقى البينة مسموعة لإثبات أصل
الوقف، ويأتي له زيادة بيان عند قوله: ((باع داراً)). قوله: (إلا بتولية) أي أو بإذن
قاض. قوله: (كما مر) أي عن العمادية، لكن فيه أن ما مر في دعوى عين الوقف لو
غصبه غاصب، أما دعوى المستحق استحقاقه من غلة الوقف فلا شبهة في صحتها ولا
تحتاج إلى التدبر أفاده ح.
قلت: قدمنا التصریح بأن مستحق غلة الوقف لا يملك الدعوى بها وهو مشكل
يحتاج إلى التدبير، وقدمنا بيانه وقوله: ((فلا شبهة الخ)) مؤيد لما قدمناه. قوله: (لنا شاهد
حسبة في أربعة عشر) هذا مكرر بما تقدم، فالأولى الاقتصار على ما بعده. أفاده ط.
قوله: (وليس لنا مدع حسبة) بتنوين مدع ونصب حسبة على التمييز. وفي بعض النسخ
((مدعي) بالياء، فهو مضاف، وحسبة مجرور به. قوله (قوله والمفتي به لا) أي لاتسمع
دعواه فلا يحلف الخصم لو أنكر كما قدمناه آنفاً عن البزازية، لكن لو أقام بينة تقبل
بطريق الحسبة كما علمت تحريره قوله (فالأجنبي أولى) قال في الأشباه عقب هذا:
وظاهر كلامهم أنها لاتسمع من غير الموقوف عليه اتفاقاً اهـ : أي لأن الخلاف مذكور
في دعوى الموقوف عليه هل تسمع أم لا؟ والمفتى به لا، فظاهره أن الأجنبي لا تسمع
دعواه اتفاقاً اهـ. لكن قال العلامة البيري: بل الظاهر من كلامهم أن الخلاف فيه أيضاً،
لأن محل النزاع كون المحل قابلًا لدعوى الحسبة أم لا، فمن قال بأنه قابل جوّز ذلك
من الموقوف عليه كما لا يخفى اهـ. وحينئذ يتجه ما مر من التفصيل، فإذا كانت الدعوى
لإثبات عين الوقف يكون حق الله تعالى فتسمع فيه الدعوى حسبة من الموقوف عليه
وغيره، إلا إذا باع الوقف ثم ادعى فلا تسمع دعواه، وأما البينة فإنها تقبل مطلقاً إلا إذا
كانت لإثبات غلة الوقف فلا تقبل بلا دعوى صحيحة وتقدم الكلام فيه، ثم لا يخفى أن
شاهد الحسبة لا بد أن يدعي ما يشهد به إن لم يوجد مدع غيره، وعلى هذا فكل ما
تقبل فيه الشهادة حسبة يصدق عليه أنه تقبل فيه الدعوى حسبة، وهذا ينافي ما مر عن
الأشباه، إلا أن يكون مراده أنه لا يسمى مدعياً، أو أن مدعي الحسبة لا يحلف له
الخصم عند عدم البينة فلا يتحقق بدون الشهادة فلذا نفاه، فليتأمل. وفي الفصولين:
وفي عتق الأمة والطلاق قيل يحلف وقيل لا.

٦١٩
كتاب الوقف
وقد مر فتنبه .
(ويشترط) في دعوى الوقف (بيان الوقف) ولو الوقف قديماً (في الصحيح)
بزازية. لئلا يكون إثباتاً للمجهول. وفي العمادية: تقبل (و) تقبل فيه (الشهادة
على الشهادة وشهادة النساء مع الرجال والشهادة بالشهرة(١)) لإثبات أصله
تنبيه: شاهد الحسبة إذا أخرها لغير عذر لا تقبل لفسقه. أشباه عن القنية. وقال
ابن نجيم في رسالته المؤلفة فيما تسمع في الشهادة حسبة، ومقتضاه أن الشاهد في
الوقف كذلك. قوله: (وقد مر) أي عدم سماع الدعوى من الموقوف عليه لو غصب منه
الوقف إلا بتولية مع زيادة قوله ولو الوقف على معين. ولا يخفى أن الدعوى على
الغاصب دعوى أصل الوقف: أي لا دعوى الغلة، فافهم. قوله: (لئلا يكون إثباتاً
للمجهول) هذا بناء على قول الإمام: إن الوقف حبس أصل الملك على ملك الواقف،
فلا بد من ذكره. أفاده المصنف ط. قوله: (وفي العمادية تقبل) أي من غير بيان
الواقف، وهو قول أبي يوسف، وعليه مشايخ بلخ كأبي جعفر وغيرهم، وعليه اقتصر
الخصاف؛ ومقتضى كون الفتوى على قول أبي يوسف في الوقف أنه يفتى بقوله هنا.
أفاده في المنح ط. وفي الخيرية: وقف قديم مشهور لا يعرف واقفه استولى عليه ظالم
فادعى المتولي أنه وقف على كذا مشهور وشهدا بذلك فالمختار أنه يجوز اهـ. وعزاه
إلى جامع الفصولين. وفي الإسعاف عن الخانية: وتصح دعوى الوقف والشهادة به من
غير بيان الواقف.
مَطْلَبٌ فِي دَعْوَى الْوَقْفِ بِلاَ بَيَانِ الْوَاقِفِ وَبِلاَ بَيَانٍ أَنَّهِ وَقْفٌ وَهُوَ يَمْلِكُهُ
تنبيه: ذكر في الإسعاف لو ادعى أن هذه الأرض وقفها فلان عليّ وذو اليد يجحد
ويقول هي ملكي لا يصح، وإن شهدت البينة أنها كانت في يده يوم وقفها لأن الإنسان
قد يقف ما لا يملكه وهو بيده بإجارة أو إعارة اهـ. ملخصاً. ومفاده أنه يشترط بعد بيان
الواقف بيان أنه وقفه وهو يملكه، وهذا ظاهر في نحو هذه الدعوى، وكذا لو اختلفا
في أنه وقفه قبل أن يملكه أو بعد ما باعه، أما لو اختلفا في أن فلاناً وقفه أو لا، أو
كان وقفاً قديماً مشهوراً فباعه أحد أو استولى عليه ظالم، فهذا شرط للحكم بصحة
الوقف لا للحكم بنفس الوقف؛ ففي فتاوى قارىء الهداية سئل: هل يشترط في صحة
حكم الحاكم بوقف أو بيع أو إجارة ثبوت ملك الواقف أو البائع أو المؤجر وحيازته أم
لا؟ أجاب: إنما يحكم بالصحة إذا ثبت أنه مالك لما وقفه، أو أن له ولاية الإيجار أو
(١) في ط (قوله المصنف والشهادة بالشهرة الخ) ظاهره: ولو كانت في يد شخص يدعي الملك، لكن قيده
في شرح الملتقى بما إذا كان الوقف سائبة حتى لو كان في يد شخص يدعي الملك لا بد من شهادة
المعاينة، وقواه بنقول عديدة، نقله شيخنا ولم يرتضه.

٦٢٠
كتاب الوقف
وإن صرحوا به: أي بالسماع في المختار، ولو الوقف على معينين حفظاً للأوقاف
البيع لما باعه بملك أو نيابة، وكذا في الوقف وإن لم يثبت شيء من ذلك لا يحكم بالصحة
بل بنفس الوقف والإجارة والبيع أهـ قوله: (لإثبات أصله) متعلق بالشهادة بالشهرة فقط
ح. وفي المنح: كل ما يتعلق بصحة الوقف ويتوقف عليه فهو من أصله وما لا يتوقف
عليه فهو من الشرائط .
مَطْلَبٌ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الوَقْفِ بِالتَّسَامُعِ
قوله: (وإن صرحوا به) بأن قالوا عند القاضي نشهد بالتسامع درر. وفي شهادات
الخيرية: الشهادة على الوقف بالسماع أن يقول الشاهد أشهد به لأني سمعته من الناس
أو بسبب أني سمعته من الناس ونحوه قوله: (أي بالسماع) أشار به إلى تأويل الشهرة
بالسماع فساغ تذكير الضمير فأفاد أنهما شيء واحد ط. وفي حاشية نوح أفندي: الشهادة
بالشهرة أن يدعي المتولي أن هذه الضيعة وقف على كذا مشهور، ويشهد الشهود بذلك
والشهاة بالتسامع أن يقول الشاهد: أشهد بالتسامع اهـ. ولا يخفى أن المآل واحد وإن
اختلفت المادة، فافهم. قوله: (في المختار الخ) هذا مخالف لما في المتون من
الشهادات، ففي الكنز وغيره: ولا يشهد بما لم يعاين إلا النسب والموت والنكاح
والدخول وولاية القاضي وأصله الوقف، فله أن يشهد بها إذا أخبره بها من يثق به ومن
في يده شيء سوى الرقيق لك أن تشهد أنه له، وإن فسر للقاضي أنه يشهد بالتسامع أو
بمعاينة اليد لا تقبل. قال العيني: وإن فسر للقاضي أنه يشهد بالتسامع في موضع يجوز
بالتسامع، أو فسر أنه يشهد له بالملك بمعاينة اليد: يعني برؤيته في يده لا تقبل، لأن
القاضي لا يزيد علماً بذلك، فلا يجوز له أن يحكم الخ، ومثله في الزيلعي مبسوطاً.
وفي شهادات الخيرية: الشهادة على الوقف بالسماع فيها خلاف، والمتون قاطبة قد
أطلقت القول بأنه إذا فسر أنه يشهد بالسماع لا تقبل، وبه صرح قاضيخان وكثير من
أصحابنا اهـ. ومثله في فتاوي شيخ الإسلام علي أفندي مفتي الروم اهـ ملخصاً من
مجموعة شيخ مشايخنا منلا علي التركماني.
قلت: لكن تقدم أنه يفتى بكل ما هو أنفع للوقف فيما اختلف العلماء فيه، كما
أشار إلى وجهه تبعاً للدرر بقوله: حفظاً للأوقاف القديمة الخ، وذكر المصنف عن
فتاوى رشيد الدين أنه تقبل وإن صرحا بالتسامع، لأن الشاهد ربما يكون سنه عشرين
سنة وتاريخ الوقف مائة سنة، فيتيقن القاضي أنه يشهد بالتسامع لا بالعيان، فإذاً لا فرق
بين السكوت والإفصاح. أشار إليه ظهير الدين المرغيناني. وهذا بخلاف ما تجوز فيه
الشهادة بالتسامع فإنهما إذا صرحا به لا تقبل اهـ: أي بخلاف غير الوقف من الخمسة