النص المفهرس

صفحات 561-580

٥٦١
كتاب الوقف
بقدر كفايتهم ثم السراج والبساط كذلك إلى آخر المصالح، وتمامه في البحر
(وإن لم يشترط الوقف) لثبوته اقتضاء
الحصير، ويلحق بهما معلوم خادمهما وهو الوقاد والفراش فيقدمان، وقوله إلى آخر
المصالح: أي مصالح المسجد يدخل فيه المؤذن والناظر، ويدخل تحت الإمام
الخطيب لأنه إمام الجامع اهـ. ملخصاً. ثم لا يخفى أن تعبير الحاوي بثم يفيد تقديم
العمارة على الجميع كما هو إطلاق المتون فيصرف إليهم الفاضل عنها خلافاً لما يوهمه
كلام البحر؛ نعم كلام الفتح الآتي يفيد المشاركة ويأتي بيانه، فافهم. قوله: (بقدر
كفايتهم) أي لا بقدر استحقاقهم المشروط لهم والظاهر أن قول الحاوي: هذا إذا لم
يكن معيناً الخ، راجع إليه كما فهمه في شرح الملتقى، وقال: إن فرض المسألة فيما
إذا كان الوقف على جملة المستحقين بلا تعيين قدر لكل، فلو به فلا ينبغي جعل الحكم
كذلك اهـ: أي بل يصرف إلى كل منهم القدر الذي عينه الواقف، ثم قال في شرح
الملتقى: ويمكن أن يقال: لا فرق بين التعيين وعدمه، لأن الصرف إلى ما هو قريب
من العمارة كالعمارة وهي مقدمة مطلقاً، ويقوّيه تجويزهم مخالفة شرط الواقف في سبعة
مسائل منها: الإمام لو شرط له ما لا يكفيه يخالف شرطه اهـ.
قلت: وهذا مأخوذ من البحر حيث قال: والتسوية بالعمارة تقتضي تقديمهما: أي
الإمام والمدرس عند شرط الواقف إنه إذا ضاق ريع الوقف قسم الريع عليهم بالحصة،
وإن هذا الشرط لا يعتبر اهـ.
والحاصل: أن الوجه يقتضي أن ما كان قريباً من العمارة يلحق بها في التقديم
على بقية المستحقين، وإن شرط الواقف قسمة الريع على الجميع بالحصة أو جعل
لكل قدراً وكان ما قدره للإمام ونحوه لا يكفيه فيعطى قدر الكفاية لئلا يلزم تعطيل
المسجد، فيقدم أولًا العمارة الضرورية ثم الأهم فالأهم من المصالح والشعائر بقدر ما
يقوم به الحال، فإن فضل شيء يعطى لبقية المستحقين، إذ لا شك أن مراد الواقف
انتظام حال مسجده أو مدرسته لا مجرد انتفاع أهل الوقف، وإن لزم تعطيله خلافاً لما
يوهمه كلام الحاوي المذكور، ولكن يمكن إرجاع الإشارة في قول الحاوي: هذا إذا لم
يكن معيناً الخ إلى صدر عبارته: يعني أن الصرف إلى ما هو أقرب إلى العمارة كالإمام
ونحوه إنما هو فيما إذا لم يكن الوقف معيناً على جماعة معلومين كالمسجد والمدرسة،
أما لو كان معيناً كالدار الموقوفة على الذرية أو الفقراء فإنه بعد العمارة يصرف الريع إلى
ما عينه الواقف بلا تقديم لأحد على أحد، فاغتنم هذا التحرير. قوله: (كذلك) أي
بقدر الكفاية لا بقدر الشرط، وأما قوله الآتي: فيعطوا المشروط وقوله فلهم أجرة
عملهم، فيأتي الكلام فيه. قوله: (لثبوته اقتضاء) لأن قصد الواقف صرف الغلة مؤبداً

٥٦٢
كتاب الوقف
وتقطع الجهات للعمارة إن لم يخف ضرر بين. فتح. فإن خيف كإمام وخطيب
وفراش قدموا فيعطى المشروط لهم،
ولا تبقى دائمة إلا بالعمارة فيثبت شرط العمارة اقتضاء. بحر. ومثلها ما هو قريب منها
کما قررناه آنفاً .
مَطْلَبٌ فِي قَطْعِ الْجِهَاتِ لأَجْلِ الْعِمَارَةِ
قوله: (وتقطع الجهات) أي تمنع من الصرف إليها، وعبارة الفتح: وتقطع
الجهات الموقوف عليها للعمارة إن لم يخف ضرر بين فإن خيف قدم اهـ: أي إن لم
يخاف بقطعه ضرر بين كإمام ونحوه يقدم: أي على بقية المستحقين ممن ليس في قطعهم
ضرر بين لا على العمارة، فافهم، إلا أن يكون المراد العمارة الغير الضرورية، فإن
الإمام يقدم عليها ويحتمل أن المراد من قوله: ((قدم)) أنه لا يقطع بقرينة صدر العبارة،
لكن يصير مفاده أن من في قطعه ضرر بين يساوي العمارة فيصرف أولاً إليها وإليه،
وهو خلاف المفاد من التعبير بثم في عبارة الحاوي كما مر، فإما أن يراد بثم معنى الواو
كما هو مفاد كلام البحر، أو يراد بالعمارة فيما مر الضرورية كرفع سقف أو جدار،
فيصرف الريع إليها أولًا كما هو مفاد المتون، ثم الفاضل إلى الجهات الضرورية الأهم
فالأهم دون غيرها كالشاهد والجابي وخازن الكتب ونحوهم، ويراد بما في الفتح
العمارة الغير الضرورية فتقدم الجهات الضرورية عليها أو تشاركها إذا كان الريع يكفي
كلّ منهما، ثم لا يخفى أنه لو احتيج قطع الكل للعمارة الضرورية قدمت على جميع
الجهات، إذ ليس من النظر خراب المسجد لأجل إمام ومؤذن.
فالحاصل: أن الترتيب المستفاد من عبارة الحاوي بالنظر إلى تقديم العمارة
الضرورية على جميع الجهات والمشاركة المفادة من عبارة الفتح بالنظر إلى غير
الضرورية، أو إذا كان في الربع زيادة على الضرورية، ثم رأيت في حاشية الأشباه
التصريح بحمل ما في الحاوي على ما قلنا. قوله: (فيعطي المشروط لهم) برفع
المشروط نائب فاعل يعطي، وفي بعض النسخ ((فيعطوا)) بالجزم بحذف النون عطفاً
على قدموا ونصب المشروط مفعول ثان. واعترض بأن ما ذكره تابع فيه النهر وهو
خلاف ما مر من أنهم يعطون بقدر كفايتهم، وخلاف ما في البحر من أخذ قدر الأجرة.
قلت: لا يخفى عليك أن قول الفتح المار ((وتقطع الجهات الخ)) معناه: أن من
يخاف بقطعه ضرر بين لا يقطع معلومه المشروط له بل يقدم ويأخذه، بخلاف غيره من
المستحقين كالناظر والشاد والمباشر ونحو ذلك فإنه يقطع ولا يعطي شيئاً: أي إلا إذا
عمل زمن العمارة، فله قدر أجرته فقط لا المشروط، فإنه في الفتح قال بعد قوله:
((قدم)): وأما الناظر فإن كان المشروط له من الواقف فهو كأحد المستحقين، فإذا قطعوا

٥٦٣
کتاب الوقف
للعمارة قطع إلا أن يعمل كالفاعل والبناء ونحوهما فيأخذ قدر أجرته وإن لم يعمل لا
يأخذ شيئاً اهـ. ولهذا قال في النهر: وأفاد في البحر أن مما يخاف بقطعه الضرر البين
الإمام والخطيب، فيعطيان المشروط لهما، أما المباشر والشاد إذا عملا زمن العمارة
فإنما يستحقان بقدر أجرة عملهما لا المشروط اهـ. لكن الظاهر أن قوله: ((وأفاد في
البحر)) سبق قلم، وصوابه ((وأفاد في الفتح)) لأن ما ذكره هو مفاد كلام الفتح كما
علمته، وأما ما في البحر فإنه خلاف هذا لأنه بعد ما ذكر كلام الفتح قال: فظاهره أن
من عمل من المستحقين زمن العمارة يأخذ قدر أجرته، لكن إذا كان مما لا يمكن ترك
عمله إلا بضرر بين كالإمام والخطيب، ولا يراعى المعلوم المشروط زمن العمارة،
فعلى هذا إذا عمل المباشر والشاد زمن العمارة يعطيان بقدر أجرة عملهما فقط، وأما ما
ليس في قطعه ضرر بين فإنه لا يعطي شيئاً أصلاً زمن العمارة اهـ.
وأنت خبير بأن ما نسبه إلى ظاهر الفتح خلاف الظاهر، فإن ظاهر الفتح أن من لا
يقطع يعطى المشروط لا الأجر، ومن يقطع وهو من ليس في قطعه ضرر بين لا يعطى،
ثم ذكر أن الناظر ممن يقطع، وأنه إذا عمل فله قدر أجرته: أي لا ما شرطه له الواقف،
فأفاد أن من يقطع كالناظر لا يعطى شيئاً إلا إذا عمل، وهذا كله كما ترى مخالف لما
فهمه في البحر، من أن من لا يقطع كالإمام له الأجر إذا عمل، ومن يقطع لا يعطى
شيئاً أصلًا: أي لا أجراً ولا مشروطاً وإن عمل؛ وفيه أيضاً أنه جعل للشاد والمباشر
أجرة إذا عملا ومقتضاه أنهما من الشعائر التي لا تقطع، وهو خلاف ما صرح به نفسه
بعد نحو ثلاث أوراق؛ نعم هو موافق لما بحثه في الأشباه من أنه ينبغي أن يلحق
بهؤلاء: يعني الإمام والمدرس والخطيب والمؤذن والميقاتي والناظر؛ وكذا الشاد
والكاتب والجابي زمن العمارة اهـ. لكن ردّ في النهر ما في الأشباه بأنه مخالف لصريح
كلامهم كما مر، بل الناظر وغيره إذا عمل زمن العمارة، كان له أجر مثله كما جرى
عليه في البحر وهو الحق اهـ. ومراده بما جرى عليه في البحر، ما نقله عن الفتح،
ومراده بقوله: بل الناظر وغيره: أي من ليس في قطعه ضرر بين ووجه مخالفته للمنقول.
أن هؤلاء لهم أجرة عملهم إذا عملوا زمن العمارة، فإلحاقهم بالإمام وأخويه يقتضي أن
لهم المشروط، وليس كذلك كما دل عليه كلام الفتح، وبه ظهر خلل ما في البحر
وصحة ما ذكره الشارح تبعاً للنهر خلافاً لمن نسبهما إلى عدم الفهم، فافهم. نعم في
عبارة البحر والنهر خلل من وجه آخر، وهو أن كلامهما مبني على أن المراد بالعمل في
عبارة الفتح عمله في وظيفته، وهو بعيد لأنه إذا عمل في وظيفته وأعطى قدر أجرته لم
يقطع، بل صدق عليه أنه قدم كغيره ممن في قطعه ضرر كالإمام، وهذا خلاف ما مر من

٥٦٤
كتاب الوقف
تقديم الأهم فالأهم. وأيضاً من لم يعمل عمله المشروط لا يعطى شيئاً أصلًا ولو كان
في قطعه ضرر، فلا فرق بينه وبين غيره، فيتعين حمل العمل في كلام الفتح على العمل
في التعمير، وعبارة الفتح صريحة في ذلك فإنه قال: إلا أن يعمل كالفاعل والبناء
ونحوهما فيأخذ قدر أجرته اهـ: لكن هو مقيد بما إذا عمل بأمر القاضي لما في جامعٍ
الفصولين: لو عمل المتولي في الوقف بأجر جاز، ويفتي بعدمه إذ لا يصلح مؤجراً
ومستأجراً، وصح لو أمره الحاكم أن يعمل فيه اهـ. وعليه كما في القنية: إذا عمل
القيم في عمارة المسجد والوقف كعمل الأجير لا يستحق أجراً محمول على ما إذا كان
بلا أمر الحاكم، والظاهر أن الناظر غير قيد، بل كل من عمل في التعمير من
المستحقين له أجرة عمله؛ وإنما نصوا على الناظر لأنه لا يصلح مؤجراً ومستأجراً: أو
مستأجراً لنفسه، فإذا كان بأمر الحاكم كان الحاكم هو المستأجر له، بخلاف غيره من
المستحقين فإن المستأجر له هو الناظر، فلا شبهة في استحقاقه الأجرة كالأجنبي.
وحيث حملنا كلام الفتح على ما قلنا صار حاصله: أن من في قطعه ضرر بين لا
يقطع زمن التعمير: أي بل يبقى على ما شرط له الواقف، وأما غيره فيقطع ولا يعطى
شيئاً أصلاً وإن عمل في وظيفته. نعم يعطي لكل أجرة عمله إذا عمل في العمارة ولو
هو الناظر لكن لو بأمر الحاكم، وبهذا التقرير سقط ما قدمناه عن النهر في الرد على
الأشباه إذ لا أجرة على العمل في غير التعمير، ثم الظاهر أن المراد بالمشروط ما
يكفيه، لأن المشروط له من الواقف لو كان دون كفايته وكان لا يقوم بعمله إلا بها يزاد
عليه، ويؤيده ما سيأتي في فروع الفصل الأول أن للقاضي الزيادة على معلوم الإمام إذا
كان لا يكفيه، وكذا الخطيب.
قلت: بل الظاهر أن كل من في قطعه ضرر بين فهو كذلك، لأنه في حكم
العمارة، فهو مثل ما لو زادت أجرة الأجير في التعمير، وأما لو كان المشروط له أكثر
من قدر الكفاية فلا يعطى إلا الكفاية في زمن التعمير لأنه لا ضرورة إلى دفع الزائد
المؤدّي إلى قطع غيره فيصرف الزائد إلى من يليه من المستحقين، وعلى هذا يحصل
التوفيق بين ما مر عن الحاوي من أنهم يعطون بقدر كفايتهم، وبين ما استفيد من الفتح
من أنهم يعطون المشروط.
والحاصل مما تقرر وتحرر أنه يبدأ بالتعمير الضروري، حتى لو استغرق جميع الغلة
صرفت كلها إليه ولا يعطى أحد ولو إماماً أو مؤذناً، فإن فضل عن التعمير شيء يعطى
ما كان أقرب إليه مما في قطعه ضرر بين، وكذا لو كان التعمير غير ضروري بأن كان لا
يؤدي تركه إلى خراب العين، لو أخر إلى غلة السنة القابلة فيقدم الأهم فالأهم، ثم من

٥٦٥
كتاب الوقف
وأما الناظر والكاتب والجابي، فإن عملوا زمن العمارة، فلهم أجرة عملهم لا
المشروط. بحر. قال في النهر: وهو الحق خلافاً لما في الأشباه. وفيها عن
الذخيرة: لو صرف الناظر لهم مع الحاجة إلى التعمير ضمن، وهل يرجع عليهم؟
الظاهر لا لتعديه بالدفع، وما قطع للعمارة يسقط رأساً. وفيها لو شرط الواقف
تقديم العمارة ثم الفاضل للفقراء أو للمستحقين لزم الناظر إمساك قدر العمارة كل
لا يقطع يعطي المشروط له إذا كان قدر كفايته، وإلا يزاد أو ينقص؛ ومن لم يكن في
قطعه ضرر بين قدمت العمارة عليه، وإن أمكن تأخيرها إلى غلة العام القابل كما هو
مقتضى إطلاق المتون ولا يعطى شيئاً أصلاً وإن باشر وظيفته ما دام الوقف محتاجاً إلى
التعمير، وكل من عمل من المستحقين في العمارة فله أجرة عمله لا المشروط ولا قدر
الكفاية. فهذا غاية ما ظهر لي في تحرير هذا المقام الذي زلت فيه أقدام الأفهام. قوله:
(وأما الناظر والكاتب الخ) قد علمت ما في هذا الكلام وما ادعاه في النهر أنه الحق
مخلفاً لما في الأشباه بما حررناه آنفاً. قوله: (ضمن) هذا إذا كان في تأخير التعمير
خراب عين الوقف، وإلا فيجوز الصرف للمستحقين، وتأخير العمارة للغلة الثانية إذا لم
يخف ضرر بين، فإن خيف قدم كما في الزواهر عن البحر. در منتقى. قوله: (الظاهر
لا) قياساً على مودع الابن إذا أنفق على الأبوين بلا إذنه ولا إذن القاضي فإنه يضمن بلا
رجوع عليهما، لأنه بالضمان تبين أنه دفع مال نفسه وأنه متبرع. بحر. وفيه نظر بل له
الرجوع(١) ما دام المدفوع قائماً لو هلك لأنه هبة نهر.
أقول: لإ وجه لجعله هبة، بل هو دفع مال يستحقه غير المدفوع إليه على ظن
أنه يستحقه المدفوع إليه فينبغي الرجوع قائماً أو مستهلكاً كدفع الدين المظنون،
بخلاف مودع الابن فإنه مأمور بالحفظ. رملي ملخصاً، ونحوه في شرح المقدسي،
ونقل ط نحوه عن البيري. والحاصل: أن الظاهر الرجوع مطلقاً لا عدمه مطلقاً ولا
التفصيل. قوله: (وما قطع الخ) في الأشباه: إذا حصل تعمير الوقف في سنة وقطع
معلوم المستحقين كله، أو بعضه فما قطع لا يبقى ديناً لهم على الوقف، إذ لا حق لهم
في الغلة زمن التعمير؛ وفائدته لو جاءت الغلة في السنة الثانية وفاض شيء بعد صرف
معلومهم هذه السنة لا يعطيهم الفاضل عوضاً عما قطع اهـ. قوله: (قدر العمارة) أي
(١) في ط (قوله بل له الرجوع الخ) مقتضى هذا أن تكون مسألة الوديعة المقاس عليها كذلك، مع أن أحداً من
الفقهاء لم يفصل في عدم رجوع المودع. بل اتفقت كلمتهم على إطلاق عدم الرجوع، والفرق غير ظاهر.
قاله شيخنا. ثم قال: ويظهر لي أن مسألة الوديعة من قبيل قضاء الدين عن الأجنبي، لأن النفقة دين على
الابن المودع وقد يتبرع المودع بالدفع إلى الأبوين، وقضاء الدين عن المودع من مال نفسه لملكه
بالضمان.

٥٦٦
كتاب الوقف
سنة وإن لم يحتجه الآن لجواز أن يحدث حدث ولا غلة، بخلاف ما إذا لم
يشترطه فليحفظ الفرق بين الشرط وعدمه. وفي الوهبانية: لو زاد المتولي دانقاً
على أجر المثل ضمن الكل، لوقوع الإجارة له. وفي شرحها للشرنبلالي عند
قوله: [الطويل]
وَيَدْخُلُ فِي وَقْفِ المَصَالِحِ فَيِّمُ إمَامٌ خَطِيبٌ وَأَلْمُؤْذِّنُ يغْبُرُ
الشعائر التي تقدم شرط أم لم يشرط بعد العمارة هي إمام وخطيب ومدرس
ووقاد وفراش ومؤذن وناظر، وثمن زيت وقناديل وحصر وماء وضوء وكلفة نقله
للميضأة، فليس مباشر وشاهد وشاد وجاب وخازن كتب من الشعائر، فتقديمهم
القدر الذي يغلب على ظنه الحاجة إليه. حموي. ويصرف الزيادة على ما شرط
الواقف. أشباه. قوله: (ولا غلة) أي والحال أنه لا غلة للأرض حين يحدث حدث.
قوله: (فليحفظ الفرق الخ) قال في الأشباه: فيفرق بين اشتراط تقديم العمارة كل سنة
والسكوت عنه فإنه مع السكوت تقدم العمارة عند الحاجة إليها ولا يدخر لها عند عدم
الحاجة إليها، ومع الاشتراط تقدم عند الحاجة ويدخر لها عند عدمها ثم يفرق الباقي،
لأن الواقف إنما جعل الفاضل عنها للفقراء اهـ ط. قوله: (لو زاد المتولي دانقاً)
صورته: استأجر المتولي رجلاً في عمارة المسجد بدرهم ودانق، وأجرة مثله درهم
ضمن جميع الأجرة من ماله لأنه زاد في الأجر أكثر مما يتغابن فيه الناس، فيصير
مستأجراً لنفسه، فإذا نقض الأجر من مال المسجد كان ضامناً. بحر عن الخانية.
والدانق سدس الدرهم، والمدار على ما لا يتغابن فيه: أي ما لا يقبل الناس الغبن فيه
إذ ما دونه يسير لا يمكن الاحتراز عنه. قوله: (وفي شرحها) خبر مقدم وجملة قوله:
(الشعائر الخ)) قصد بها لفظها مبتدأ مؤخر. قوله: (في وقف المصالح) أي فيما لو
وقف على مصالح المسجد. قوله: (يعبر) من العبور بمعنى الدخول. قوله: (التي
تقدم) أي على بقية المستحقين بعد العمارة الضرورية. قوله: (إمام وخطيب الخ)
ظاهره أن جميع من ذكر يكون في قطعه ضرر بين، وخصه في النهر بالخطيب فقط
بشرط أن يتحد في البلد كمكة والمدينة، ولم يوجد من يخطب حسبة بإذن الإمام اهـ.
وفيه نظر كما في الحموي. قوله: (مباشر) انظر ما المراد به. قوله: (وشاهد) قيل
المراد به كاتب الغيبة المعروف بالنقطجي بعرف أهل الشام. قوله: (وشاد) هو الملازم
للمسجد مثلاً لتفقد حاله من تنظيف ونحوه ط. وقيل هو المسمى بالدعجي.
قلت: ويؤيده ما في القاموس الإشادة رفع الصوت بالشيء وتعريف الضالة

٥٦٧
كتاب الوقف
في دفتر المحاسبات ليس بشرعي، ويقع الاشتباه في بوّاب ومزملاتي. قاله في
البحر .
قلت: ولا تردد في تقديم بوّاب ومزملاتي وخادم مطهرة انتهى.
قلت: إنما يكون المدرس من الشعائر لو مدرس المدرسة كما مر، أما
مدرس الجامع فلا لأنه لا يتعطل لغيبته، بخلاف المدرسة حيث تقفل أصلاً.
وهل يأخذ أيام البطالة كعيد ورمضان؟ لم أره، وينبغي إلحاقه ببطالة القاضي.
والإهلال والشيادة الدعاء بالأيل وذلك الطيب بالجلد اهـ. قوله: (ومزملائي) هو
الشاوي بعرف أهل الشام. در منتقى. وقيل هو في عرف أهل مصر من ينقل الماء من
الصهريج إلى الجرار. وفي القاموس: مزملة كمعظمة: التي يبرد فيها الماء. قوله:
(قاله في البحر) أي قال ما مر من قوله. ((الشعائر إلى هنا)) قوله: (قلت ولا تردد) ردّ
على قول البحر: ويقع الاشتباه الخ قوله: (انتهى) أي كلام الشرنبلالي في شرح
الوهبانية. قوله: (لو مدرس المدرسة) ولا يكون مدرسها من الشعائر إلا إذا لازم
التدريس على حكم الشرط، أما مدرسو زماننا فلا أشباه، ولو أنكر الناظر ملازمة
المدرس فالقول للمدرس بيمينه، وكذا لورثته لقيامهم مقامه، وكذا كل ذي وظيفة
وتمامه في حاشية الرملي عند قول البحر: السادسة.
مَطْلَبٌ فِيْمَنْ لَمْ يُدَرِّسْ لِعَدَمِ وُجُودِ الطَّبَةِ
وفي الحموي سئل المصنف عمن لم يدرس لعدم وجود الطلبة، فهل يستحق
المعلوم؟ أجاب: إن فرغ نفسه للتدريس بأن حضر المدرسة المعينة لتدريسه استحق
المعلوم، لإمكان التدريس لغير الطلبة المشروطين قال في شرح المنظومة: المقصود
من المدرس يقوم بغير الطلبة، بخلاف الطالب فإن المقصود لا يقوم بغيره اهـ. وسيأتي
قبيل الفروع أنه لو درس في غيرها لتعذره فيها ينبغي أن يستحق العلوفة، وفي فتاوى
الحانوتي: يستحق المعلوم عند قيام المانع من العمل ولم يكن بتقصيره سواء كان ناظراً
أو غيره کالجابي.
مَطْلَبٌ فِي اسْتِحْقَاقِ الْقَاضِي وَالْمُدَرِّسِ الوَظِيْفَةَ فِي يَوْمِ الْبَطَالَّةِ
قوله: (وينبغي إلحاقه ببطالة القاضي الخ) قال في الأشباه: وقد اختلفوا في أخذ
القاضي ما رتب له في بيت المال في يوم بطالته، فقال في المحيط: إنه يأخذ لأنه
يستريح لليوم الثاني، وقيل لا اهـ. وفي المنية: القاضي يستحق الكفاية من بيت المال
في يوم البطالة في الأصح، وفي الوهبانية أنه أظهر فينبغي أن يكون كذلك في
المدرس، لأن يوم البطالة للاستراحة، وفي الحقيقة تكون للمطالعة والتحرير عند ذوي

٥٦٨
كتاب الوقف
واختلفوا فيها، والأصح أنه يأخذ، لأنها للاستراحة أشباه من قاعدة العادة محكمة،
وسيجيء ما لو غاب، فليحفظ (ولو) كان الموقوف (داراً فعمارته على من له
السكنى) ولو متعدداً من ماله
الهمة، ولكن تعارف الفقهاء في زماننا بطالة طويلة أدت إلى أن صار الغالب البطالة
وأيام التدريس قليلة اهـ. ورده البيري بما في القنية إن كان الواقف قدر للدرس لكل يوم
مبلغاً فلم يدرس يوم الجمعة أو الثلاثاء لا يحل له أن يأخذ ويصرف أجر هذين اليومين
إلى مصارف المدرسة من المرمة وغيرها، بخلاف ما إذا لم يقدر لكل يوم مبلغاً، فإنه
يحل له الأخذ وإن لم يدرس فيهما للعرف، بخلاف غيرهما من أيام الأسبوع حيث لا
يحل له أخذ الأجر عن يوم لم يدرس فيه مطلقاً سواء قدر له أجر كل يوم أو لا اهـ ط.
قلت: هذا ظاهر فيما إذا قدر لكل يوم درس فيه مبلغاً، أما لو قال يعطى
المدرس كل يوم كذا فينبغي أن يعطى ليوم البطالة المتعارفة بقرينة ما ذكره في مقابله من
البناء على العرف، فحيث كانت البطالة معروفة في يوم الثلاثاء والجمعة وفي رمضان
والعيدين يحل الأخذ، وكذا لو بطل في يوم غير معتاد لتحرير درس إلا إذا نص الواقف
على تقييد الدفع باليوم الذي يدرس فيه كما قلنا. وفي الفصل الثامن عشر من
التاتر خانية قال الفقيه أبو الليث: ومن يأخذ الأجر من طلبة العلم في يوم لا درس فيه
أرجو أن يكون جائزاً. وفي الحاوي: إذا كان مشغلاً بالكتابة والتدريس اهـ. قوله:
(وسيجيء) أي عن نظم الوهبانية بعد قوله: ((مات المؤذن والإمام)). قوله: (على من له
السكنى) أي على من يستحقها، ومفاده أنه لو كان بعض المستحقين غير ساكن فيها
يلزمه التعمير مع الساكنين، لأن تركه لحقه لا يسقط حق الوقف فيعمر معهم وإلا تؤجر
حصته كما يأتي. قوله: (من ماله) فإذا رم حيطانها بالآجر، أو أدخل فيها جذعاً ثم مات
ولا يمكن نزع ذلك فليس للورثة نزعه، بل يقال لمن له السكنى بعده: اضمن لورثته
قيمة البناء، فإن أبى أو جرت الدار وصرفت الغلة إليهم بقدر قيمة البناء، ثم أعيدت
السكنى إلى من له السكنى، وليس له أن يرضى بالهدم والقلع، وإن كان ما رمّ الأول
مثل تخصيص الحيطان، وتطيين السطوح وشبه ذلك لم يرجع الورثة بشيء. بحر عن
الظهيرية: أي لأن ما لا يمكن أخذ عينه، فهو في حكم الهالك، بخلاف الآجر
والجذع، ولو بنى الأول ما يمكن رفعه بلا ضرر أمر الورثة برفعه، وليس للثاني تملكه
بلا رضاهم كما في الإسعاف. وفي البحر عن القنية: لو بنى واحد من الموقوف عليهم
بعض الدار وطين البعض وجصص البعض وبسط فيه الآجر فطلب الآخر حصته ليسكن
فيها فمنعه حتى يدفع حصة ما أنفق ليس له ذلك، والطين والجص صارا تبعاً للوقف،
وله نقض الآجر إن لم يضر.

٥٦٩
كتاب الوقف
لا من الغلة إذ الغرم بالغنم. درر (ولم يزد في الأصح) يعني إنما تجب العمارة
عليه بقدر الصفة التي وقفها الواقف (ولو أبى) من له السكنى (أو عجز) لفقره
(عمر الحاكم) أي آجرها الحاكم منه أو من غيره وعمرها (بأجرتها) كعمارة
لواقف، ولم يزد في الأصح إلا برضا من له السكنى: زيلعي. ولا يجبر الآبي
على العمارة، ولا تصح إجارة من له السكنی
مَطْلَبٌ فِي عِمَارَةٍ مَنْ لَهُ السُّكْنَى
قوله: (لا من الغلة) لأن من له السكنى لا يملك الاستغلال بلا خلاف. واختلف
في عكسه، والراجح الجواز كما حرره الشرنبلالي في رسالة، ويأتي تمامه قريباً. قوله:
(إذ الغرم بالغنم) أي المضرّة بمقابلة المنفعة. قوله: (بقدر الصفة التي وقفها الواقف)
هذا موافق لما قدمناه عن الهداية عند قوله: يبدأ من غلته بعمارته، والظاهر أن المراد
منه منع الزيادة بلا رضاه كما يفيده تمام عبارة الهداية، وكذا ما يأتي عن الزيلعي، فلا
ينافي ما في الإسعاف من أنه يقال له: رمها مرمة لا غنى عنها، وهي ما يمنع من خرابها
ولا يلزمه أزيد من ذلك اهـ. فلا يلزمه إعادة البياض والحمرة ولا إعادة مثل ما خرب
في الحسن والنفاسة، هذا ما ظهر لي. قوله: (ولو أبى من له السكنى) أي كلهم أو
بعضهم فيؤجر حصته الآبي ثم يردها إليه كما في القهستاني والدر المنتقى والإسعاف.
قوله: (عمر الحاكم) أي أو المتولي. قهستاني. قال في البحر: ولو قالوا عمرها
المتولي أو القاضي لكان أولى. قوله: (كعمارة الواقف) أتى به مع علمه مما تقدم
للاستثناء ط. قوله: (ولم يزد في الأصح) يشير إلى أن فيه خلافاً، لكن هذا ذكره
الزيلعي في الموقوف على الفقراء، وقدمناه أيضاً عن الهداية، وكلامنا الآن في
الموقوف على معين: أي كذرية الواقف ونحوهم ممن عين لهم السكنى، وظاهر كلامهم
أنه لا خلاف في عدم الزيادة فيه.
مَطْلَبٌ فِيمَا لَوْ آجَرَ مَنْ لَهُ السُّكْنَى
قوله: (ولا تصح إجارة من له السكنى) أي إذا لم يكن متولياً ولو زادت على قدر
حاجته ولا مستحق غيره كما قدمناه عند قوله: ((ولا يقسم)) وقدمنا هناك ما لو ضاقت
على المستحقين، وكذا لا تصح إجارة من له الغلة كما في البحر، وسيأتي في قول
المصنف: والموقوف عليه الغلة لا يملك الإجارة. بقي لو آجر ولم تصح ينبغي أن
تكون للوقف. بحر. لكن قال الحانوتي: إنه غاصب، وصرحوا بأن الأجرة
للغاصب اهـ.
قلت: هذا مبني على مذهب المتقدمين، والمفتى به ضمان منافع الوقف كما
سيأتي قبيل قوله: ((يفتي بالضمان في غصب عقار الوقف)) فإذا كانت الغلة أو السكنى

٥٧٠
کتاب الوقف
بل المتولي أو القاضي (ثم ردها) بعد التعمير (إلى من له السكنى) رعاية للحقين،
فلا عمارة على من له الاستغلال لأنه لا سكنى له
له وحده ينبغي أن تكون الأجرة له، وإلا فللكل. تأمل.
مَطْلَبُ: لَا يَمْلِكُ القَاضِي التَّصَرُّفَ فِي الوَقْفِ مَعَ وُجُودٍ نَاظِرٍ وَلَوْ مِنْ قَبْلِهِ
قوله: (بل المتولي أو القاضي) ظاهره أن للقاضي الإجارة ولو أبى المتولي، إلا
أن يكون المراد التوزيع، فالقاضي يؤجرها إن لم يكن لها متولّ أو كان وأبى الأصلح،
وأما مع حضور المتولي فليس للقاضي ذلك بحر. وفي الأشباه في قاعدة الولاية
الخاصة أقوى من الولاية العامة بعد أن ذكر فروعاً، وعلى هذا لا يملك القاضي
التصرّف في الوقف مع وجود ناظر ولو من قبله اهـ. قال الرملي: وسيأتي أن ولاية
القاضي متأخرة عن المشروط له ووصيه تنبه اهـ. ومفاده أنه ليس له الإيجار مع حضور
المتولي، وأيده الرملي في محل آخر واستند له بالقاعدة المارة، لكنه نقل بعده عن
أوقاف هلال أن القاضي إذا آجر دار الوقف أو وكيله بأمره جاز. قال: وظاهره إطلاق
الجواز مع وجود المتولي ووجهه ظاهر اهـ. لكن في فتاوى الحانوتي أن تنصيصهم
على أن لقاضي محجور عن التصرف في مال اليتيم عند وصيّ الميت، أو القاضي
يقتضي بالقياس عليه أنه هنا كذلك، فلا يؤجر إلا إذا لم يكن متولّ أو كان وامتنع اهـ.
وعليه يحمل كلام هلال.
تنبيه: لم يذكر الشارحون حكم العمارة من المتولي أو القاضي، وفي المحيط
أنها لصاحب السكنى، لأن الأجرة بدل المنفعة وهي كانت له فكذا بدلها، والقيم إنما
آجر لأجله اهـ. ومقتضاه أنه لو مات تكون ميراثاً كما لو عمرها بنفسه. بحر. قوله:
(رعاية للحقين) حقّ الوقف وحق صاحب السكنى، لأنه لو لم يعمرها تفوت السكنى
أصلاً. بحر. قوله: (فلا عمارة على من له الاستغلال الخ) مفهوم قول المتن: ((فعمارة
على من له السكنى)) وهذا معلوم أيضاً من قوله: ((يبدأ من غلة الوقف بعمارته)) وعطف
عليه قوله: ((ولو داراً الخ)).
مَطْلَبٌ: مَنْ لَهُ السُّكْنَى لَا يَمْلِكُ الاسْتِغْلَالَ وَأَخْتُلِفَ فِي عَكْسِهِ
قوله: (لأنه لا سكنى له) قال في البحر: وظاهر كلام المصنف وغيره أن من له
الاستغلال لا يملك السكنى، ومن له السكنى لا يملك الاستغلال، كما صرح به في
البزازية والفتح أيضاً بقوله: وليس للموقوف عليهم الدار سكناها، بل الاستغلال كما
ليس للموقوف عليهم السكنى بل الاستغلال اهـ. وما في الظاهرية: من أن العمارة على
من يستحق الغلة محمول على أن العمارة في غلتها ولما كانت غلتها له صار كأن العمارة
علیه اهـ.

٥٧١
كتاب الوقف
فلو سكن هل تلزمه الأجرة؟ الظاهر لا لعدم الفائدة، إلا إذا احتيج للعمارة،
فيأخذها المتولي ليعمر بها، ولو هو المتولي ينبغي أن يجبره القاضي على عمارته
مما عليه من الأجرة فإن لم يفعل نصب متولياً ليعمرها، ولو شرط الواقف غلتها
له ومؤنتها عليه صحا، وهل يجبر على عمارتها؟
قلت: ويؤيده أن الخصاف سوى بين المسألتين، لكنه فرق بينهما في محل آخر
بأن من له الاستغلال له السكنی، لأن سكناه کسکنی غیره، بخلاف العکس لأنه یوجب
فيها حقاً لغيره، ومن له الاستغلال إذا سكن لا يوجب حقاً لغيره، وادعى الشرنبلالي في
رسالة أن الراجح هذا كما قدمته قريباً، وتمامه فيما علقته على البحر.
مَطْلَبُ: وَقْفُ الدَّارِ عِنْدَ الإِطْلَاقِ يحمَلُ عَلَى الاسْتِغْلَالِ لَا عَلَى السُّكْنَى
تنبيه: يفهم من كلام الفتح المذكور أن الواقف إذا أطلق ولم يقيد بكونها للسكنى
أو للاستغلال أنها تكون للاستغلال، وفي الفتاوى الخيرية المصرح بها في كتبنا أن
الواقف إذا أطلق الوقف فهو على الاستغلال لا السكنى. قال في النظم الوهباني:
[الطويل]
وَمَنْ وُقِفَتْ دَارٌ عَلَيْهِ فَمَالَهُ سِوَى الأَجْرِ وَالسُّكْنَى بِهِا لَا تُقَرَّرُ (١)
ثم ذكر عبارة شرحه لابن الشحنة، وأن المسألة من التجنيس وفتاوى الخاصي،
وذكر في الخيرية في محل آخر.
مَطْلَبْ: مَنْ لَهُ الاسْتِغْلَالُ لَا يَمْلِكُ السُّكْنَى وَبِالمَكْسِ
والحاصل: أن الواقف إذا أطلق أو عين الاستغلال كان للاستغلال، وإن قيد
بالسكنى تقيد بها، وإن صرح بهما كان لهما جريان على كون شرط الواقف كنص
الشارع، وهذا كما ترى خلاف ما رجحه الشرنبلالي، وسيذكر الشارح القولين عند قول
المصنف: ((والموقوف عليه الغلة لا يملك الإجارة)). قوله: (فلو سكن) أي من له الغلة
على القول بأنه لا سكنى له. قوله: (لعدم الفائدة) لأنها إذا أخذت منه دفعت إليه حيث
لم يكن له شريك في الغلة كما في البحر. قوله: (ولو هو المتولي) أي لو كان الساكن
في دار الغلة هو المتولي. قوله: (ينبغي الخ) البحث لصاحب النهر. قوله: (نصب
متولياً ليعمرها) الظاهر أنه لا حاجة لنصب متولّ لما مر من أنه لو أبى من له السكنى أو
عجز عمر الحاكم، إلا أن يراد أنه ينصب متولياً مطلقاً لا لخصوص التعمير لظهور خيانة
الأول بما فعل، فليتأمل. قوله: (ولو شرط الواقف غلتها له) أي للموقوف عليه الدار.
قوله: (صحا) أي الوقف والشرط المذكور، لكن أصل العبارة في التاترخانية: فالوقف
(١) من ط (قوله لا تتغرر) هكذا بخطه، ولعله (لا تغرر) بتاء واحدة ليصح الوزن.

٥٧٢
كتاب الوقف
الظاهر: لا. نهر. وفي الفتح: لو لم يجد القاضي من يستأجرها لم أره، وخطر
لي أنه يخيره بين أن يعمرها أو يردها لورثة الواقف.
قلت: فلو هو الوارث لم أره.
جائز مع هذا الشرط اهـ. وهذا يحتمل أن يكون المراد جواز الوقف مقترناً بهذا الشرط
ولا يلزم منه صحة هذا الشرط. تأمل. قوله: (الظاهر لا) هذا خلاف ما استظهره في
البحر حيث قال: وظاهره أنه يجبر على عمارتها، وقياسه أن الموقوف عليه السكنی
كذلك اهـ. واستوضح في النهر لما استظهره بقول الهداية فيما مر: ولا يجبر الممتنع
على العمارة لمافيه من إتلاف ماله، فأشبه امتناع صاحب البذر في المزارعة ولا يكون
امتناعه منه رضا ببطلان حقه لأنه في حيز التردد اهـ. قال في النهر: وأنت خبير بأن هذا
بإطلاقه يشمل ما لو شرط عليه الواقف المرمة، لأنها حيث كانت عليه كان في إجباره
إتلاف ماله اهـ. واعترض بأن الجبر فائدة صحة الشرط، وإلا فلا ثمرة له.
قلت: علمت أن صحة الشرط غير صريحة في عبارة التاترخانية، وتعليل الهداية
شامل للشرط وغيره فهو دليل على عدم صحته، فافهم؛ على أن هذا الشرط لا ثمرة له
لأن الغلة حيث كانت للموقوف عليه، فلا فرق بين تعميره منها أو من غيرها، فإذا امتنع
عن العمارة من ماله يؤجرها المتولي ويعمرها من غلتها لأنها موقوفة للغلة، ولو كان هو
المتولي وامتنع من عمارتها ينصب غيره ليعمرها أو يعمرها الحاكم كما مر. نعم قد
تظهر الثمرة فيما إذا كانت غلتها لا تفي بعمارتها، فإن قلنا بصحة الشرط لزمه أن يعمرها
من ماله وهو بعيد لما علمته من كلام الهداية، ولأن كلام الواقف لا يصلح ملزماً له
بتعميرها، إذ لا ولاية له على المستحق. قوله: (لم أره) قال في الفتح بعد هذا:
والحال فيها يؤدي إلى أن تصير نقصاً على الأرض كرماد تسفوه الرياح اهـ: أي لو
تركت بلا عمارة تصير هكذا. قوله: (أو يردها لورثة الواقف) قال في البحر: وهو
عجيب لأنهم صرحوا باستبدال الوقف إذا خرب وصار لا ينتفع به وهو شامل للأرض
والدار، قال في الذخيرة وفي المنتقى: قال هشام: سمعت محمداً يقول: الوقف إذا
صار بحيث لا ينتفع به المساكين فللقاضي أن يبيعه ويشتري بثمنه غيره، وليس ذلك إلا
للقاضي اهـ. وأما عود الوقف بعد خرابه إلى ملك الواقف أو ورثته فقد قدمنا ضعفه.
فالحاصل: أن الموقوف عليه السكنى إذا امتنع من العمارة ولم يوجد مستأجر
باعها القاضي واشترى بثمنها ما يكون وقفاً، لكن الظاهر كلام المشايخ أن محل
الاستبدال عند التعذر إنما هو الأرض لا البيت، وقد حققناه في رسالة الاستبدال اهـ.
كلام البحر. واعترضه الرملي بأن كلام المنتقى المذكور شامل للأرض والبيت، فالفرق
بينهما غير صحيح. قوله: (فلو هو الوارث لم أره) قيل هذا عجيب من الشارح بعدما

٥٧٣
كتاب الوقف
وفي فتاوى قارىء الهداية ما يفيد استبداله أو رد ثمنه للورثة أو للفقراء (وصرف)
الحاكم أو المتولي. حاوي (نقضه) أو ثمنه إن تعذر إعادة عينه (إلى عمارته إن
احتاج وإلا حفظه ليحتاج) إلا إذا خاف ضياعه فيبيعه ويمسك ثمنه ليحتاج. حاوي
رأى كلام البحر، خصوصاً وقد أقره في النهر من أن الحكم هو الاستبدال فقط، وهو لا
يختلف بالوارث وغيره، وبه ظهر ضعف ما في فتاوى قارئ الهداية اهـ.
قلت: بل هو عجيب من المعترض بعد قول البحر، لكن ظاهر كلام المشايخ
الخ. نعم يرد عليه ما قاله الرملي وكذا ما قدمنا عن الفتح عند قوله: وعاد إلى الملك
عند محمد من أن دار الغلة إذا خربت إنما يعود إلى الملك عنده نقضها دون ساحتها،
لأن ساحتها يمكن استغلالها ولو بشيء قليل، بخلاف غير المعد للغلة كرباط أو حوض
خرب فهذا يعود إلى الملك کله عند محمد.
مَطْلَبٌ فِي الوَقِْ إِذَا خَرِبَ وَلَمْ يُمْكِنْ عِمَارَتَهُ
قوله: (وفي فتاوى قارئ الهداية الخ) حيث قال: سئل عن وقف انهدم ولم يكن
له شيء يعمر منه، ولا أمكن إجارته ولا تعميره، هل تباع أنقاضه من حجر وطوب
وخشب؟ أجاب: إذا كان الأمر كذلك صح بيعه بأمر الحاكم، ويشتري بثمنه وقف
مكانه، فإذا لم يمكن رده إلى ورثة الواقف إن وجدوا ولا يصرف للفقراء اهـ.
قلت: الظاهر أن البيع مبني على قول أبي يوسف، والرد إلى الورثة أو إلى
الفقراء على قول محمد، وهو جمع حسن حاصله أنه يعمل بقول أبي يوسف، حيث
أمكن وإلا فبقول محمد. تأمل.
تتمة: قال في الدر المنتقى: في كلام المصنف إشارة إلى أن الخان لو احتاج إلى
المرمة آجر بيتاً أو بيتين وأنفق عليه، وفي رواية: يؤذن للناس بالنزول سنة، ويؤجر
سنة أخرى ويرم من أجرته. وقال الناطفي: القياس في المسجد أن يجوز إجارة سطحه
لمرمته محيط، وفي البرجندي: والظاهر أن حكم عمارة أوقاف المسجد والحوض والبئر
وأمثالها حكم الوقف على الفقراء اهـ.
قوله: (نقضه) بتثليث النون على ما ذكره البرجندي: أي المنقوض من خشب
وحجر وآجر وغيرها. شرح الملتقى. قوله: (إن احتاج) بأن أحضرت المؤن(١) أو كان
المنهدم لقلته لا يختل بالانتفاع، فيؤخره للاحتياج، وإلا فبالانهدام تتحقق الحاجة، فلا
معنى للشرط حينئذ. نبه عليه في الفتح وأغفله في البحر. نهر. قوله: (ليحتاج) الأولى
للاحتياج كما عبر في الكنز. قوله: (فيبيعه) فعلى هذا يباع النقض في موضعين: عند
تعذر عوده وعند خوف هلاكه. بحر. ويزاد ما في الفتح حيث قال: واعلم أن عدم
-
(١) في ط (قوله بأن أحضرت المؤن الخ) هذه صورة عدم الاحتياج لها صورة الاحتياج كما ضيع المحشي.

٥٧٤
كتاب الوقف
(ولا يقسم) النقض أو ثمنه (بين مستحق الوقف) لأن حقهم في المنافع لا العين
(جعل شيء) أي جعل الباني شيئاً (من الطريق مسجداً) لضيقه ولم يضر بالمارين
(جاز) لأنهما للمسلمين
جواز بيعه إلا إذا تعذر الانتفاع به إنما هو فيما إذا ورد عليه وقف الواقف، أما إذا اشتراه
المتولي من مستغلات الوقف فإنه يجوز بيعه بلا هذا الشرط، لأن في صيرورته وقفاً
خلافاً، والمختار أنه لايكون وقفاً فللقيم أن يبيعه متى شاء لمصلحة عرضت اهـ.
وستأتي المسألة في الفصل الآتي متناً. قوله: (لا العين) لأنها حق المالك أو حق الله
تعالى على الخلاف، ومنه يؤخذ عدم جواز قسمة حصر المسجد العتيقة بين
المستحقين، وكذا ما بقي من شمع رمضان وزيته للإمام والوقادين. حموي. إلا إذا كان
العرف في ذلك الموضع أن الإمام أو المؤذن يأخذه بلا صريح إذن الدافع، فله ذلك
كما في البحر عن القنية ط.
قلت: وشجر الوقف ليس له حكم العين لما في البحر عن الفتح. سأل أبو
القاسم الصفار عن شجرة وقف يبس بعضها وبقي بعضها قال: ما يبس منها فسبيله
سبيل غلتها(١) وما بقي متروك على حالها. وفي البزازية عن الفضلي: إن لم تكن مثمرة
يجوز بيعها قبل القلع لأنه غلتها، والمثمرة لا تباع إلا بعد القلع كبناء الوقف اهـ. وفي
جامع الفصولين: غصب وقفاً فنقص، فما يؤخذ بنقصه يصرف إلى مرمته لا إلى أهل
الوقف لأنه بدل الرقبة وحقهم في الغلة لا في الرقبة اهـ. قوله: (جعل شيء) بالبناء
للمفعول و((شيء)» نائب فاعل، والأصل ما فسر به الشارح، وكان المناسب ذكر هذه
المسائل فيما مر من الكلام على المسجد. قوله: (أي جعل الباني) ظاهره أن أهل
المحلة ليس لهم ذکر ذلك، وسنذكر ما يخالفه.
مَطْلَبٌ فِي جَعْلِ شَيْءٍ مِنَ المَسْجِدِ طَرِيْقاً
قوله: (من الطريق) أطلق في الطريق فعم(٢) النافذ وغيره، وفي عبارتهم ما
يؤيده. ط. وتمامه فيه. قوله: (لضيقه ولم يضر بالمارين) أفاد أن الجواز مقيد بهذين
الشرطين ط. قوله: (جاز) ظاهره أنه يصير له حكم المسجد، وقد قال في جامع
(١) في ط (قوله فسبيله غلتها الخ) نقل شيخنا عن وقت هلال من باب وقف الدار أو الأرض على معنيين أن ما
يبس من الشجر المثمر حكمه حكم النقض، ثم قال ويحمل كلام الصفار على شجرة غير مثمرة لأنها تزرع
للغلة ابتداء، بخلاف المثمرة فإنه يقصد الاستقلال بثمرها فلا مخالفة بين كلامي من هلال والصفار. ويوافق
ما هنا ما نقله البزازي عن الفضل.
(٢) (قوله أُطلق في الطريق فعم الخ) لكن التعليل بقوله: ((لأنهما للمسلمين)) يخص النافذ، فإن المراد به لعموم
المسلمين، وغير النافذ ليس كذلك، بل هو لأناس مخصوصين. فيكون حكمه حكم الأرض المملوكة
بجوار مسجد ضيق ویأتي حکمها.

٥٧٥
كتاب الوقف
(كعكسه) أي كجواز عكسه، وهو ما إذا جعل في المسجد ممر لتعارف أهل
الأمصار في الجوامع، وجاز لكل أحد أن يمرّ فيه حتى الكافر، إلا الجنب
والحائض والدواب. زيلعي (كما جاز جعل) الإمام (الطريق مسجداً لا عكسه)
الفصولين: المسجد الذي يتخذ من جانب الطريق لا يكون له حكم المسجد، بل هو
طريق بدليل أنه لو رفع حوائطه عاد طريقاً كما كان قبله اهـ. شرنبلالية.
قلت: الظاهر أن هذا في مسجد جعل كله من الطريق، والكلام فيما أدخل من
الطريق في المسجد، وهذا لا مانع من أخذه حكم المسجد حيث جعل منه كمسجد
مكة والمدينة، وقد مر قبيل الوتر والنوافل في بحث أحكام المسجد أن ما ألحق
بمسجد المدينة ملحق به في الفضيلة؛ نعم تحري الأول أولى اهـ. فافهم. قوله:
(كعكسه) فيه خلاف كما يأتي تحريره، وهذا عند الاحتياج كما قيده في الفتح، فافهم.
قوله: (التعارف أهل الأمصار في الجوامع) لا نعلم ذلك في جوامعنا. نعم تعارف الناس
المرور في مسجد له بابان، وقد قال في البحر: وكذا يكره أن يتخذ المسجد طريقاً،
وأن يدخله بلا طهارة اهـ. نعم يوجد في أطراف صحن الجوامع رواقات مسقوفة للمشي
فيها وقت المطر ونحوه لأجل الصلاة أو للخروج من الجامع لا لمرور المارّين مطلقاً
كالطريق العام، ولعل هذا هو المراد، فمن كان له حاجة إلى المرور في المسجد يمر
في ذلك الموضع فقط ليكون بعيداً عن المصلين، وليكون أعظم حرمة لمحل الصلاة،
فتأمل. قوله: (حتى الكافر) اعترض بأن الكافر لا يمنع من دخول المسجد حتى
المسجد الحرام، فلا وجه لجعله غاية هنا.
قلت: في البحر عن الحاوي: ولا بأس أن يدخل الكافر وأهل الذمة المسجد
الحرام وبيت المقدس وسائر المساجد لمصالح المسجد وغيرها من المهمات اهـ.
ومفهومه أن في دخوله لغير مهمة بأساً وبه يتجه ما هنا، فافهم. قوله: (كما جاز الخ)
قال في الشرنبلالية: فيه نوع استدراك بما تقدم، إلا أن يقال: ذاك في اتخاذ بعض
الطريق مسجداً، وهذا في اتخاذ جميعها، ولا بد من تقييده بما إذا لم يضر كما تقدم، ولا
شك أن الضرر ظاهر في اتخاذ جميع الطريق مسجداً لإبطال حق العامة من المرور المعتاد
لدوابهم وغيرها، فلا يقال به إلا بالتأويل بأن يراد بعض الطريق لا كله، فليتأمل اهـ.
وأجيب بأن صورته ما إذا كان لمقصد طريقان، واحتاج العامة إلى مسجد، فإنه يجوز
جعل أحدهم مسجداً وليس فيه إبطال حقهم بالكلية. قوله: (لا عكسه) يعني لا يجوز
أن يتخذ المسجد طريقاً وفيه نوع مدافعة لما تقدم إلا بالنظر للبعض والكل. شرنبلالية.
قلت: إن المصنف قد نابع صاحب الدرر، مع أنه في جامع الفصولين نقل أو لا
جعل شيئاً من المسجد طريقاً ومن الطريق مسجداً جاز، ثم رمز لكتاب آخر: لو جعل

٥٧٦
كتاب الوقف
لجواز الصلاة في الطريق لا المرور في المسجد (تؤخذ أرض) ودار وحانوت
الطريق مسجداً يجوز لا جعل المسجد طريقاً، لأنه لا تجوز الصلاة في الطريق فجاز
جعله مسجداً، ولا يجوز المرور في المسجد فلم يجز جعله طريقاً اهـ. ولا يخفى أن
المتبادر أنهما قولان في جعل المسجد طريقاً بقرينة التعليل المذكور، ويؤيده ما في
التاترخانية عن فتاوى أبي الليث، وإن أراد أهل المحلة أن يجعلوا شيئاً من المسجد
طريقاً للمسلمين فقد قيل ليس لهم ذلك وأنه صحيح، ثم نقل عن العتابية عن خواهر
زاده: إذا كان الطريق ضيقاً والمسجد واسعاً لا يحتاجون إلى بعضه تجوز الزيادة في
الطريق من المسجد لأن كلها للعامة اهـ. والمتون على الثاني، فكان هو المعتمد، لكن
كلام المتون في جعل شيء منه طريقاً، وأما جعل كل المسجد طريقاً فالظاهر أنه لا
يجوز قولاً واحداً؛ نعم في التاترخانية سئل أبو القاسم عن أهل مسجد أراد بعضهم أن
يجعلوا المسجد رحبة والرحبة مسجداً أو يتخذوا له باباً أو يحولوا بابه عن موضعه، وأبى
البعض ذلك، قال: إذا اجتمع أكثرهم وأفضلهم ليس للأقل منعهم اهـ.
قلت: ورحبة المسجد: ساحته؛ فهذا إن كان المراد به جعل بعضه رحبة فلا
إشكال فيه، وإن كان المراد جعل كله فليس فيه إبطاله من كل جهة، لأن المراد تحويله
بجعل الرحبة مسجداً بدله، بخلاف جعله طريقاً. تأمل، ثم ظاهر ما نقلناه أن تقييد
الشارح أولاً بالباني، وثانياً بالإمام غير قيد؛ نعم في التاترخانية: وعن محمد في مسجد
ضاق بأهله لا بأس بأن يلحق به من طريق العامة إذا كان واسعاً، وقيل يجب أن يكون
بأمر القاضي، وقيل إنما يجوز إذا فتحت البلدة عنوة لا لو صلحاً. قوله: (لجواز الصلاة
في الطريق) فيه أن الصلاة في الطريق مكروهة كالمرور في المسجد فالصواب لعدم
جواز(١) الصلاة في الطريق كما قدمناه عن جامع الفصولين: يعني أن فيه ضرورة، وهي
أنهم لو أرادوا الصلاة في الطريق لم يجز فكان في جعله مسجداً ضرورة، بخلاف جعل
المسجد طريقاً، لأن المسجد لا يخرج عن المسجدية أبداً فلم يجز لأنه يلزم المرور في
المسجد، ولا يخفى أن المتبادر من هذا كون المراد مرور أيّ مار ولو غير جنب، وهذا
يؤيد أن هذا قول آخر، وقد علمت ترجيح خلافه وهو جواز جعل شيء منه مسجداً
وتسقط حرمة المرور فيه للضرورة، لكن لا تسقط عنه جميع أحكام المسجد، فلذا لم يجز
المرور فيه لجنب ونحوه كما مر، فافهم. قوله: (وتؤخذ أرض) في الفتح: ولو ضاق
المسجد ويجنبه أرض وقف عليه أو حانوت جاز أن يؤخذ ويدخل فيه اهـ. زاد في البحر
(١) في ط (قوله فالصواب لعدم جواز الخ) رأيت بخط شيخنا على هامش نسخته ما نصه فيه: أن المراد
بالطريق الذي جازت الصلاة فيه الطريق الذي جعل مسجداً ومثل هذا يقال في قوله: ((المرور في
المسجد).

٥٧٧
كتاب الوقف
(بجنب مسجد ضاق على الناس بالقيمة كرهاً) درر وعمادية (جعل) الواقف
(الولاية لنفسه جاز) بالإجماع، وكذا لو لم يشترط لأحد فالولاية له عند الثاني،
وهو ظاهر المذهب. نهر. خلافاً لما نقله المصنف، ثم لوصيه إن كان، وإلا
فللحاكم. فتاوى ابن نجيم وقارىء الهداية وسيجيء
عن الخانية بأمر القاضي، وتقييده بقوله: وقف عليه: أي على المسجد يفيد أنها لو
كانت وقفاً على غيره لم يجز، لكن جواز أخذ المملوكة كرهاً يفيد الجواز بالأولى، لأن
المسجد لله تعالى، والوقف كذلك، ولذا ترك المصنف في شرحه هذا القيد، وكذا في
جامع الفصولين. تأمل. قوله: (بالقيمة كرهاً) لما روى عن الصحابة رضي الله تعالى
عنهم لما ضاق المسجد الحرام أخذوا أرضين بكره من أصحابها بالقيمة وزادوا في
المسجد الحرام. بحر عن الزيلعي. قال في نور العين: ولعل الأخذ كرهاً ليس في كل
مسجد ضاق، بل الظاهر أن يختص بما لم يكن في البلد مسجد آخر، إذ لو كان فيه
مسجد آخر يمكن دفع الضرورة بالذهاب إليه؛ نعم فيه حرج، لكن الأخذ كرهاً أشد
حرجاً منه، ويؤيد ما ذكرنا فعل الصحابة إذ لا مسجد في مكة سوى المسجد الحرام اهـ.
مَطْلَبٌ فِي أَشْتراطِ الْوَاِفِ الْوِلَايَةَ لِنَفْسِهِ
قوله: (جاز الإجماع) كذا ذكره الزيلعي وقال: لأن شرط الواقف معتبر فيراعى،
لكن الذي في القدوري أنه يجوز على قول أبي يوسف وهو قول هلال أيضاً، وفي
الهداية أنه ظاهر الرواية، وقد رد العلامة قاسم على الزيلعي دعواه الإجماع بأن المنقول
أن اشتراطها يفسد الوقف عند محمد كما في الذخيرة ونازعه في النهر وأطال وأطاب.
وحاصل: ما ذكره أن فيه اختلاف الرواية عن محمد، واختلاف المشايخ في تأويل
ما نقل عنه وإن هلالاً أدرك بعض أصحاب أبي حنيفة لأنه مات سنة خمس وأربعين
ومائتين، ولفظ المشايخ يقال على من دونه اهـ.
مَطْلَبٌ فِي تَرْجَةِ هِلَالِ الرَّائِيّ الْبَصْرِيّ
وفي الفتح هلال الرائي هو هلال بن يحيى بن مسلم البصري نسب إلى الرأي لأنه
كان على مذهب الكوفيين ورأيهم وهو من أصحاب يوسف بن خالد البصري، ويوسف
هذا من أصحاب أبي حنيفة، وقيل: إن هلالا أخذ العلم عن أبي يوسف وزفر، ووقع
في المبسوط والذخيرة وغيرهما الرازي، وفي المغرب: هو تحريف لأنه من البصرة لا
من الريّ، والرازي نسبة إلى الري، وهكذا في صحيح مسند أبي حنيفة وغيره اهـ.
قوله: (خلافاً لما نقله المصنف) أي عن السراجية من أنه لا يصح هذا الوقف عند
محمد، وبه يفتى. قوله: (وسيجيء) أي في الفصل الآتي وهو قول المتن ((ولاية نصب
القيم إلى الواقف ثم لوصيه ثم للقاضي».

٥٧٨
كتاب الوقف
(وينزع) وجوباً. بزازية (لو) الواقف. درر. فغيره بالأولى (غير مأمون) أو عاجزاً
مَطْلَبٌ: بَأْثَمُ بِتَوْلِيَةِ الْخَائِنِ
قوله: (وينزع وجوباً) مقتضاه إثم القاضي بتركه والإثم بتولية الخائن ولا شك
فيه. بحر. لكن ذكر في البحر أيضاً عن الخصاف أن له عزله أو إدخال غيره معه. وقد
يجاب بأن المقصود رفع ضرره عن الوقف، فإذا ارتفع بضم آخر إليه حصل المقصود.
قال في البحر: قدمنا أنه لا يعزله القاضي بمجرد الطعن في أمانته بل بخيانة ظاهرة
ببينة، وأنه إذا أخرجه وتاب وأناب أعاده، وأن امتناعه من التعمير خيانة؛ وكذا لو باع
الوقف أو بعضه أو تصرف تصرفاً جائزاً عالماً به اهـ. وقوله: ((لا يعزله القاضي بمجرد
الطعن الخ)) سيذكره الشارح في الفروع، ويأتي الكلام قريباً على حكم عزل القاضي بلا
حجة، وسيأتي في الفصل قبيل قوله: ((باع داراً)) حكم عزل الواقف للناظر.
مَطْلَبٌ فِيمَا يُعْزَلُ بِهِ النَّاظِرُ
تنبيه: إذا كان ناظراً على أوقاف متعددة وظهرت خيانته في بعضها أفتى المفتي
أبو السعود بأنه يعزل من الكل.
قلت: ويشهد قولهم في الشهادة أن الفسق لا يتجزى، وفي الجواهر: القيم إذا
لم يراع الوقف يعزله القاضي، وفي خزانة المفتين: إذا زرع القيم لنفسه يخرجه القاضي
من يده. قال البيري: يؤخذ من الأول أن الناظر إذا امتنع من إعارة الكتب الموقوفة كان
للقاضي عزله، ومن الثاني لو سكن الناظر دار الوقف ولو بأجر المثل له عزله، لأنه
نص في خزانة الأكمل أنه لا يجوز له السكنى ولو بأجر المثل اهـ. وفي الفتح أنه ينعزل
بالجنون المطبق سنة لا أقل، ولو برئ عاد إليه النظر. قال في النهر: والظاهر أن هذا
في المشروط له النظر، أما منصوب القاضي فلا. وفي البيري أيضاً عن أوقاف
الناصحي: الواقف على قوم ولا يوصل إليهم ما شرط لهم ينزعه القاضي من يده ويوليه
غيره اهـ. وينعزل المتولي من قبل الواقف بموت الواقف على قول أبي يوسف المفتى
به لأنه وكيل عنه، إلا إذا جعله قيماً في حياته وبعد موته كما في البحر. قوله: (لو
الواقف) أي لو كان المتولي هو الواقف. قوله: (فغيره بالأولى) قال في البحر:
واستفيد منه أن للقاضي عزل المتولي الخائن غير الواقف بالأولى.
مَطْلَبٌ فِي شُرُوطِ المُتَوَّي
قوله: (غير مأمون الخ) قال في الإسعاف: ولا يولى إلا أمين قادر بنفسه أو
بنائبه، لأن الولاية مقيدة بشرط النظر، وليس من النظر تولية الخائن لأنه يخل
بالمقصود، وكذا تولية العاجز لأن المقصود لا يحصل به ويستوي فيه الذكر والأنثى،
(

٥٧٩
كتاب الوقف
٠
وكذا الأعمى والبصير، وكذا المحدود في قذف إذا تاب لأنه أمين. وقالوا: من طلب
التولية على الوقف لا يعطى له، وهو كمن طلب القضاء لا يقلد اهـ. والظاهر أنها شرائط
الأولوية لا شرائط الصحة، وأن الناظر إذا فسق استحق العزل ولا ينعزل، كالقاضي إذا
فسق لا ينعزل على الصحيح المفتى به.
مَطْلَبٌ فِي تَوْلِيَةِ الصَّبِيِّ
ويشترط للصحة بلوغه وعقله لا حريته وإسلامه، لما في الإسعاف: لو أوصى
إلى الصبيّ تبطل في القياس مطلقاً، وفي الاستحسان: هي باطلة ما دام صغيراً، فإذا
كبر تكون الولاية له ولو كان عبداً يجوز قياساً واستحساناً لأهليته في ذاته بدليل أن
تصرفه الموقوف لحق المولى ينفذ عليه بعد العتق لزوال المانع بخلاف الصبي ثم
الذمي في الحكم كالعبد، فلو أخرجهما القاضي ثم عتق العبد وأسلم الذمي لا تعود
إليهما اهـ. بحر ملخصاً، ونحوه في النهر.
وفي فتاوى العلامة الشلبي: وأما الإسناد للصغير فلا يصح بحال لا على سبيل
الاستقلال بالنظر ولا على سبيل المشاركة لغيره، لأن النظر على الوقف من باب الولاية
والصغير يولى عليه لقصوره فلا يصح أن يولي على غيره اهـ. وفي أنفع الوسائل عن
وقف هلال: لو قال ولايتها إلى ولدي وفيهم الصغير والكبير يدخل القاضي مكان
الصغير رجلاً وإن شاء أقام الكبار مقامه، ثم نقل عنه ما مر عن الإسعاف بهذه النقول
صريحة بأن الصبيّ لا يصلح ناظراً. وأما ما في الأشباه في أحكام الصبيان، من أن
الصبي يصلح وصياً وناظراً ويقيم القاضي مكانه بالغاً إلى بلوغه كما في منظومة ابن
وهبان من الوصايا اهـ. ففيه أنه لم يذكر في المنظومة قوله وناظراً، ثم رأيت شارح
الأشباه نبه على ذلك أيضاً. وأما ما ذكره الشارح في باب الوصي عن المجتبى، من أنه
لو فوض ولاية الوقف للصبيّ صح استحساناً ففيه أن ما ذكره صاحب المجتبى صرح به
نفسه في الحاوي بقوله: ولو أوصى إلى صبي في وقفه فهو باطل في القياس، ولكن
استحسن أن تكون الولاية إليه إذا كبراهـ، وهذا هو ما مر عن الإسعاف. نعم رأيت في
أحكام الصغار للاستروشني عن فتاوى رشيد الدين قال القاضي: إذا فوّض التولية إلى
صبيّ يجوز إذا كان أهلًا للحفظ وتكون له ولاية التصرف، كما أن القاضي يملك الصبي
وإن كان الولي لا يأذن اهـ. وعليه فيمكن التوفيق بحمل ما في الإسعاف وغيره على
غير الأهل للحفظ بأن كان لا يقدر على التصرف، أما القادر عليه فتكون توليته من
القاضي إذناً له في التصرف، وللقاضي أن يأذن للصغير وإن لم يأذن له وليه.

٥٨٠
كتاب الوقف
أو ظهر به فسق كشرب خمر ونحوه. فتح أو كان يصرف ماله في الكيمياء. نهر
بحثاً (وإن شرط عدم نزعه) أو أن لا ينزعه قاض ولا سلطان لمخالفته لحكم
الشرع فيبطل كالوصيّ، فلو مأموناً لم تصح تولية غيره،
مَطْلَبٌ فِيمَا شَاعَ فِي زَمَانِنَا مِنْ تَقْوِيْضِ نَظَرِ الْأَوْقَافِ لِلصَّغِير
وبهذا نعلم أن ما شاع في زماننا من تفويض نظر الأوقاف لصغير لا يعقل وحكم
القاضي الحنفي بصحة ذلك خطأ محض، ولا سيما إذا شرط الواقف تولية النظر للأرشد
فالأرشد من أهل الوقف، فإنه حينئذ إذا ولى بالغ عاقل رشيد وكان في أهل الوقف
أرشد منه لا تصح توليته لمخالفتها شرط الواقف، فكيف إذا كان طفلاً لا يعقل، وثم
بالغ رشيد، إن هذا لهو الضلال البعيد، واعتقادهم أن خبز الأب لابنه لا يفيد لما فيه
من تغيير حكم الشرع ومخالفة شرط الواقف وإعطاء الوظائف من تدريس وإمامة وغيرها
إلى غير مستحقها كما أوضحت ذلك في الجهاد في آخر فصل الجزية، كيف ولو
أوصى الواقف بالتولية لابنه لا تصح ما دام صغيراً حتى يكبر فتكون الولاية له كما مر،
وكذلك اعتقادهم أن الأرشد إذا فوض، وأسند في مرض موته لمن أراد صح، لأن
مختار الأرشد أرشد فهو باطل، لأن الرشد في أمور الوقف صفة قائمة بالرشيد لا تحصل
له بمجرد اختيار غيره له، كما لا يصير الجاهل عالماً بمجرد اختيار الغير له في وظيفة
التدريس، وكل هذه أمور ناشئة عن الجهل واتباع العادة المخالفة لصريح الحق بمجرد
تحكيم العقل المختل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. قوله: (أو كان يصرف
ماله في الكيمياء) لأنه استقرئ من أحوال متعاطيها أنها تستجره إلى أن يخرج من جميع
ما في يده وقد ترتب عليه ديون بهذا السبب، فلا يبعد أن يجره الحال إلى إضاعة مال
الوقف ط. قوله: (وإن شرط عدم نزعه) هي من المسائل السبع التي يخالف فيها شرط
الواقف على ما في الأشباه، وستأتي ط. قوله: (كالوصي) فإنه ينزع وإن شرط الموصي
عدم نزعه وإن خان ط .
مَطْلَبٌ فِي عَزْلِ النَّاظِرِ
قوله: (فلو مأموناً تصح تولية غيره) قال في شرح الملتقى إلى الأشباه: لا يجوز
للقاضي عزل الناظر لمشروط له النظر بلا خيانة، ولو عزله لا يصير الثاني متولياً ويصح
عزل الناظر بلا خيانة لو منصوب القاضي: أي لا الواقف، وليس للقاضي الثاني أن
يعيده وإن عزله الأول بلا سبب لحمل أمره على السداد إلا أن تثبت أهليته اهـ. وأما
الواقف فله عزل الناظر مطلقاً، به يفتى. ولو لم يجعل ناظراً فنصبه القاضي لم يملك
الواقف إخراجه، كذا في فتاوى صاحب التنوير اهـ. بتصرف. والتفصيل المذكور في
عزل الناظر نقله في البحر عن القنية. وذكر المرحوم الشيخ شاهين عن الفصل الأخير