النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢١ كتاب الوقف الله تعالى وصرف منفعتها على من أحب) ولو غنياً فيلزم، فلا يجوز له إبطاله ولا يورث عنه، وعليه الفتوى. ابن الكمال وابن الشحنة (وسببه إرادة محبوب النفس) في الدنيا ببرّ الأحباب وفي الآخرة بالثواب: يعني بالنية من أهلها، لأنه مباح بدليل صحته من الكافر؛ وقد يكون واجباً بالنذر فيتصدق بها أو بثمنها، ولو لفظ حكم ليفيد أن المراد أنه لم يبق على ملك الواقف ولا انتقل إلى ملك غيره، بل صار على حكم ملك الله تعالى الذي لا ملك فيه لأحد سواه، وإلا فالكل ملك لله تعالى. واستحسن في الفتح قول مالك رحمه الله أنه حبس العين على ملك الواقف فلا يزول عنه ملكه، لكن لا يباع ولا يورث ولا يوهب مثل أم الولد والمدبر وحققه بما لا مزيد عليه. قلت: والظاهر أن هذا مراد شمس الأئمة السرخسي حيث عرّفه بأنه حبس المملوك عن التمليك من الغير، فإن الحبس يفيد أنه باق على ملكه كما كان وأنه لا يباع ولا يوهب. قوله: (وصرف منفعتها على من أحب) عبر به بدل قوله: ((والتصدق بالمنفعة)) لأنه أعم، وإلى التعميم أشار بقوله: ((ولو غنياً)) أفاده ح، لكن علمت أن الوقف على الأغنياء وحدهم لا يجوز، فالمناسب التعبير بالتصدق بالمنفعة لا أن يراد صرف منفعتها على وجه التصدق. قوله: (فيلزم) تفريع على ما أفاده التعريف من خروج العين عن ملك الواقف لثبوت التلازم بين اللزوم والخروج عن ملكه باتفاق أئمتنا الثلاثة، كما ذكره في الفتح. قوله: (وعليه الفتوى) أي على قولهما يلزمه. قال في الفتح: والحق ترجيح قول عامة العلماء بلزومه، لأن الأحاديث والآثار متظافرة على ذلك، واستمر عمل الصحابة والتابعين ومن بعدهم على ذلك فلذا ترجح خلاف، قوله اهـ. ملخصاً. قوله: (بيّ الأحباب) أي من يجب برّهم ونفعهم من قريب أو فقير أجنبي؟. قوله: (يعني بالنية) قيد للثواب، إذ لا ثواب إلا بالنية. قوله: (من أهلها) وهو المسلم العاقل. وأما البلوغ فليس بشرط لصحة النية والثواب بها، بل هو شرط هنا لصحة التبرع. قوله: (لأنه مباح الخ) يعني قد يكون مباحاً كما عبر في البحر: والمراد أنه ليس موضوعاً للتعبد به كالصلاة والحج بحيث لا يصح من الكافر أصلاً بل التقرب به موقوف على نية القربة، فهو بدونها مباح حتى يصح من الكافر كالعتق والنكاح، لكن العتق أنفذ منه حتى صح مع كونه حراماً كالعتق للصنم، بخلاف الوقف فإنه لا بد فيه من أن يكون في صورة القربة، وهو معنى ما يأتي في قوله: ((ويشترط أن يكون قربة في ذاته)) إذ لو اشترط كونه قربة حقيقة لم يصح من الكافر هذا ما ظهر لي، فتأمل. قوله: (فيتصدق بها أو بثمنها) خلط الشارح مسألة النذر بالوقف بمسألة ما لو كانت صيغة الوقف نذراً مع أن حكمهما مختلف، فأما النذر به فقال في البحر: والثالث المنذور كما ٥٢٢ كتاب الوقف وقفها على من لا تجوز له الزكاة جاز في الحكم وبقي نذره، وبهذا عرف صفته وحكمه ما مر في تعريفه (ومحله المال المتقوم وركنه الألفاظ الخاصمة كـ) أرضي لو قال إن قدم ولدي فعلي أن أقف هذه الدار على ابن السبيل فقدم فهو نذر يجب الوفاء به، فإن وقفه علی ولده وغیرہ ممن لا يجوز دفع زکاته إلیھم جاز في الحكم ونذره باق، وإن وقفه على غيرهم سقط، وإنما صح النذر لأن من جنسه واجباً، فإنه يجب أن يتخذ الإمام للمسلمين مسجداً من بيت المال، أو من مالهم إن لم يكن لهم بيت مال، كذا في فتح القدير. وأما مسألة ما لو كانت صيغة الوقف نذراً فقال في البحر قبل هذا: التاسع لو قال: هي للسبيل إن تعارفوه وقفاً مؤبداً للفقراء كان كذلك، وإلا سئل، فإن قال أردت الوقف صار وقفاً لأنه محتمل لفظه، أو قال أردت معنى صدقة فهو نذر فيتصدق بها أو بثمنها، وإن لم ينو كانت ميراثاً. ذكره في النوازل اهـ ح. قلت: صيغة النذر بالوقف التي ذكرها في البحر غير متعينة فليكن الشارح أشار إلى صيغة غيرها تشمل المسألتين كأن قال إن قدم ولدي فعليّ أن أجعل هذه الدار للسبيل، وحينئذ فإن أراد بالسبيل الصدقة كانت كذلك، وقد ذكر حكمها بقوله: ((فيتصدق بها أو بثمنها))، وإن أراد الوقف أو كان متعارفاً كانت وقفاً وقد أفاد حكمها بقوله: ((ولو وقفها الخ)) ودقة نظر الشارح وإيجازه في التعبير يفوق ذلك كما لا يخفى على من مارس كتابه، فافهم. قوله: (جاز في الحكم) أي صح الوقف في حكم الشرع لصدوره من أهله في محله، وصح تعيينه الموقوف عليه، لكنه لا يسقط به النذر، لأن الصدقة الواجبة لا بد أن تكون الله تعالى على الخلوص، وصرفها إلى من لا تجوز شهادته له فيه نفع له فلم تخلص لله تعالى، كما لو صرف إليه الكفارة أو الزكاة وقعت صدقة وبقيت في ذمته. قوله: (وبهذا) أي بما ذكر من أنه يكون قربة بالنية ومباحاً بدونها وواجباً بالنذر. قوله: (وحكمه) أي الأثر المترتب عليه. قوله: (ما مر في تعريفه) أي من أنه تصدق بالمنفعة. قوله: (ومحله المال المتقوم) أي بشرط أن يكون عقاراً أو منقولاً فيه تعامل كما سيأتي بيانه، ثم رأيت هذا مسطوراً في الإسعاف. مَطْلَبٌ: قَدْ يَثْبُتُ الوَقْفُ بِالضَّرُورَةِ قوله: (وركنه الألفاظ الخاصة) وهي ستة وعشرون لفظاً على ما بسطه في البحر، ومنها ما في الفتح حيث قال: فرع يثبت الوقف بالضرورة وصورته أن يوصي بغلة هذه الدار للمساكين أبداً أو لفلان وبعده للمساكين أبداً فإن الدار تصير وقفاً بالضرورة. والوجه أنها كقوله إذا متّ فقد وقفت داري على كذا اهـ: أي فهو من المعلق بالموت، وسيأتي الكلام عليه وأنه كوصية من الثلث وذكر في البحر منها لو قال اشتروا من غلة داري هذه كل شهر بعشرة دراهم خبزاً وفرّقوه على المساكين صارت الدار وقفاً اهـ. ٥٢٣ كتاب الوقف هذه (صدقة موقوفة مؤبدة على المساكين ونحوه) من الألفاظ كموقوفة لله تعالى أو على وجه الخير أو البرّ، واكتفى أبو يوسف بلفظ موقوفة فقط. قال الشهيد: ونحن نفتي به للعرب (وشرطه شرط سائر التبرعات) كحرية وتكليف وعزاه للذخيرة وبسط الكلام عليه في أنفع الوسائل، وقال: لا أعلم في المسألة خلافاً بين الأصحاب. قلت: ومقتضاه أن الدار كلها تصير وقفاً من ثلث ماله ويصرف منها الخبز إلى ما عينه الواقف، والباقي إلى الفقراء لأنهم مصرف الوقف في الأصل، ما لم ينص على غيرهم. ونظيره ما قدمناه لو وقف على أولاده وليس له إلا ولد واحد فله النصف والباقي للفقراء. وقد سألت عن نظير هذه المسألة في رجل أوصى بأن يؤخذ من غلة داره كل سنة كذا دراهم يشتري بها زيت لمسجد كذا، ثم باع الورثة الدار وشرطوا على المشتري دفع ذلك المبلغ في كل سنة للمسجد، فأفتيت بعدم صحة البيع، وبأنها صارت وقفاً حيث كانت تخرج من الثلث. قوله: (واكتفى أبو يوسف بلفظ موقوفة الخ) أي بدون ذكر تأبيد أو ما يدل عليه كلفظ صدقة، أو لفظ المساكين ونحوه كالمسجد، وهذا إذا لم يكن وقفاً على معين كزيد أو أولاد فلان، فإنه لا يصح بلفظ موقوفة لمنافاة التعيين للتأبيد، ولذا فرق بين موقوفة وبين موقوفة على زيد حيث أجار الأول دون الثاني؛ نعم تعيين المسجد لا يضرّ لأنه مؤبد، وسيأتي تمامه. قال في البحر: لا يصح: أي موقوفة فقط إلا عند أبي يوسف، فإنه يجعلها بمجرد هذا اللفظ موقوفة على الفقراء، وإذا كان مفيداً لخصوص المصرف: أعني الفقراء لزم كونه مؤبداً لأن جهة الفقراء لا تنقطع. قال الصدر الشهيد: ومشايخ بلخ يفتون بقول أبي يوسف، ونحن نفتي به أيضاً لمكان العرف، لأن العرف إذا كان يصرفه إلى الفقراء كان كالتنصيص عليهم اهـ. قلت: وهذا بناء على أن ذكر التأبيد أو ما يدل عليه غير شرط عنده كما سيأتي بيانه. قوله: (وشرطه شرط سائر التبرعات) أفاد أن الواقف لا بد أن يكون مالكه وقت الوقف ملكاً باتاً ولو بسبب فاسد، وأن لا يكون محجوراً عن التصرف، حتى لو وقف الغاصب المغصوب لم يصح، وإن ملکه بعد بشراء أو صلح، ولو أجاز المالك وقف فضولي جاز وصح وقف ما شراه فاسداً بعد القبض وعليه القيمة للبائع، وكالشراء الهبة الفاسدة بعد القبض، بخلاف ما لو اشتراه بخيار البائع فوقفها وإن أجاز البائع بعده وينقض وقف استحق بملك أو شفعة، وإن جعله مسجداً ووقف مریض أحاط دينه بماله بخلاف صحيح، وسيأتي تمامه مع حكم وقف المرهون قبيل الفصل، وكذا وقف محجور لسفه أو دين كذا أطلقه الخصاف. قال في الفتح: وينبغي أنه إذا وقفها المحجور لسفه على نفسه ثم على جهة لا تنقطع أن يصح على 1 ٥٢٤ كتاب الوقف (وأن يكون) قربة في ذاته معلوماً (منجزاً) لا معلقاً إلا بكائن، ولا مضافاً، قول أبي يوسف، وهو الصحيح عند المحققين وعند الكل إذا حكم به الحاكم اهـ. قال في البحر: وهو مدفوع بأن الوقف تبرع وهو ليس من أهله. وفي النهر: يمكن أن يجاب بأن الممنوع التبرع على غيره لا على نفسه كما هنا واستحقاق الغير له إنما هو بعد موته. قوله: (وإن يكون قربة في ذاته) أي بأن يكون من حيث النظر إلى ذاته وصورته قربة، والمراد أن يحكم الشرع بأنه لو صدر من مسلم يكون قربة حملاً على أنه قصد القربة، لكنه يدخل فيه ما لو وقف الذمي على حج أو عمرة مع أنه لا يصح، ولو أجرى الكلام على ظاهره لا يدخل فيه وقف الذمي على الفقراء لأنه لا قربة من الذمي، ولو حمل على أن المراد ما كان قربة في اعتقاد الواقف يدخل فيه وقف الذمي على بيعة مع أنه لا يصح، فتعين أن هذا شرط في وقف المسلم فقط؛ بخلاف الذمي لما في البحر وغيره أن شرط وقف الذمي أن يكون قربة عندنا وعندهم كالوقف على الفقراء أو على مسجد القدس، بخلاف الوقف على بيعة فإنه قربة عندهم فقط أو على حج أو عمرة فإنه قربة عندنا فقط، فأفاد أن هذا شرط لوقف الذمي فقط، لأن وقف المسلم لا يشترط كونه قربة عندهم بل عندنا كوقفنا على حج وعمرة، بخلافه على بيعة فإنه غير قربة عندنا بل عندهم. قوله: (معلوماً) حتى لو وقف شيئاً من أرضه ولم يسمه لا يصح ولو بين بعد ذلك، وكذا لو قال وقفت هذه الأرض أو هذه؛ نعم لو وقف جميع حصته من هذه الأرض ولم يسم السهام جاز استحساناً، ولو قال: وهو ثلث جميع الدار فإذا هو النصف كان الكل وقفاً كما في الخانية: نهر: أي كل النصف. وفي البحر عن المحيط: وقف أرضاً فيها أشجار واستثناها لا يصح، لأنه صار مستثنياً الأشجار بمواضعها فيصير الداخل تحت الوقف مجهولاً. قوله: (منجزاً) مقابله المعلق والمضاف. قوله: (لا معلقاً) كقوله: إذا جاء غد أو إذا جاء رأس الشهر، أو إذا كلمت فلاناً فأرضى هذه صدقة موقوفة، أو إن شئت أو أحببت يكون الوقف باطلا، لأن الوقف لا يحتمل التعليق بالخطر لكونه مما لا يحلف به كما لا يصح تعليق الهبة، بخلاف النذر لأنه يحتمله ويحلف به، فلو قال إن كلمت فلاناً إذا قدم أو إن برئت من مرضي هذا فأرضى صدقة موقوفة يلزمه التصدق بعينها إذا وجد الشرط، لأن هذا بمنزلة النذر واليمين إسعاف. قوله: (إلا بكائن) أو موجود للحال فلا ينافي عدم صحته معلقاً بالموت. قال في الإسعاف: ولو قال إن كانت هذه الأرض في ملكي فهو صدقة موقوفة، فإن كانت في ملكه وقت التكلم صح الوقف، وإلا فلا، لأن التعليق بالشرط الكائن تنجيز. قوله: (ولا مضافاً) يعني إلى ما بعد الموت. فقد نقل في البحر أن محمداً نص في السير الكبير أنه إذا أضيف إلى ما بعد الموت يكون باطلاً عند أبي حنيفة اهـ. نعم سيأتي في الشرح أنه يكون وصية لازمة من الثلث بالموت لا قبله، أما لو قال داري صدقة موقوفة غداً فإنه صحيح كما جزم به في جامع الفصولين، وأقره في البحر والنهر ٥٢٥ كتاب الوقف ولا موقتاً ولا بخيار شرط، ولا ذكر معه اشتراط بيعه وصرف ثمنه لحاجته، فإن ذكره بطل وقفه. بزازية. وفي الفتح: لو وقف المرتدّ فقتل أو مات أو ارتد المسلم بطل وقفه، وسيذكره المصنف قبيل باب الصرف، فمراد الشارح بالمضاف الأول فلا غلط في كلامه، فافهم. قوله: (ولا مؤقتاً) كما إذا وقف داره يوماً أو شهراً. قاله الخصاف: وفصل هلال بين أن يشترط رجوعها إليه بعد الوقت فيبطل، وإلا فلا. وظاهر الخانية اعتماده. بحر ونهر. ويأتي تمامه عند قول المصنف: ((وإذا وقته بطل)). قوله: (ولا بخيار شرط) معلوماً كان أو مجهولاً عند محمد، وصححه هلال. إسعاف. وفي ط عن الهندية: وصح اشتراطه ثلاثة أيام عند الثاني، ومحل الخلاف في غير وقف المسجد حتى لو اتخذ مسجداً على أنه بالخيار جاز والشرط باطل اهـ. قوله: (ولا ذكر معه اشتراط بيعه الخ) في الخصاف لو قال: على أن لي إخراجها من الوقف إلى غيره أو على أن أهبها وأتصدّق بثمنها، أو على أن أهبها لمن شئت أو على أن أرهنها متى بدا لي وأخرجها عن الوقف بطل الوقف، ثم ذكر أن هذا في غير المسجد، أما المسجد لو اشترط إيطاله أو بيعه صح وبطل الشرط. قلت: ولو اشترط في الوقف استبداله صح، وسيأتي بيانه. تتمة: لا يشترط قبول الموقوف عليه لو غير معين كالفقراء، فلو لشخص بعينه وآخره للفقراء اشترط قبوله في حقه، فإن قبله فالغلة له، وإن رده فللفقراء، ومن قبل ليس له الردّ بعده، ومن رده أول الأمر ليس له القبول بعده، وتمام الفروع في الإسعاف والبحر، ولا يشترط أيضاً وجود الموقوف عليه حين الوقف، حتى لو وقف على مسجد هيأ مكانه قبل أن يبنيه، فالصحيح الجواز كما سيأتي ولا تحديد العقار، بل الشرط كونه معلوماً خلافاً لما يوهمه كلام القنية والفتح؛ نعم هو شرط الشهادة، وسنذكر تمامه عند قوله: ((ولو وقف العقار ببقرة)). قوله: (بطل وقفه) هو المختار جامع الفصولين وغيره. مَطْلَبٌ فِي وَثْفِ المُرْتَدِّ وَالْكَافِ قوله: (فقتل أو مات) أما إن أسلم صح كما في البحر. قوله: (أو ارتد المسلم بطل وقفه (١)) ويصير ميراثاً سواء قتل على ردته أو مات أو عاد إلى الإسلام، إلا إن أعاد (١) لا نعلم خلافاً في صحة الوقف للكافر غير الحربي من المسلم لكن شرط الشافعية عدم ظهور قصد معصية من الواقف كأن يكون الموقوف عليه الذمي خادم كنيسة أو بيعة، كما اشترطوا أيضاً أن يكون الشيء الموقوف مما يصح للكافر تملكه، فلم يصححوا وقف المصحف والعبد المسلم عليه من المسلم. كذا قيد المالكية جواز وقف المسلم للذمي والمستأمن بالكراهة فقد نقل ذلك عن ابن القاسم، وصرح الخرشي بأن الوقف على أغنياء أهل الذمة، وليس هناك صلة رحم مكروه. أما على فقرائهم أو على رحم غني فجائز. ٥٢٦ كتاب الوقف ولا يصح وقف مسلم أو ذميّ على بيعة أو حربي، قيل أو مجوسي، وجاز على ذميّ لأنه قربة، حتى لو قال على أن من أسلم من ولده أو انتقل إلى غير الوقف بعد عوده إلى الإسلام، ويصح وقف المرتدة لأنها لا تقتل. بحر. وفي هذه المسألة الاغتفار في الابتداء لا في البقاء عكس القاعدة، فإن الردة المقارنة للوقف لا تبطله بل يتوقف، بخلاف الطارئة فإنه تبطله بتاً اهـ ط. وسيأتي تمام الكلام على ذلك قبيل الفصل الآتي. قوله: (ولا يصح وقف مسلم أو ذمي على بيعة) أما في المسلم فلعدم كونه قربة في ذاته وأما في الذمي فلعدم كونه قربة عندنا وعنده كما مر. أفاده ح. لكن هذا إذا لم يجعل آخره للفقراء لما في الفتح: لو وقف أي الذمي على بيعة مثلاً فإذا خربت يكون للفقراء كان للفقراء ابتداء، ولو لم يجعل آخره للفقراء كان ميراثاً عنه نص عليه الخصاف في وقفه ولم يحك فيه خلافاً اهـ. ومثله في الإسعاف، ويظهر منه أن في عبارة البحر سقطاً حيث قال: ولو وقف على بيعة فإذا خربت كان للفقراء لم يصح وکان میراثاً لأنه ليس بقربة عندنا اهـ. قلت: وينبغي أن يصح وقفاً على الفقراء مطلقاً على قول أبي يوسف المفتى به، وهو عدم اشتراط التصريح بالتأبيد كما مر ويأتي، إلا أن يجاب بأن التقييد بالبيعة ينافي التأبيد كما قدمناه قريباً، فتأمل. قوله: (أو حربي) لأنا قد نهينا عن برّهم ط. قوله: (قيل أو مجوسي) أشار إلى أن الصحيح صحة الوقف عليه ابتداء، كما اختاره في القنية. وفي الإسعاف: لو وقف نصرانيّ مثلاً على مساكين أهل الذمة جاز صرفها لمساكين اليهود والمجوس لكونهم من أهل الذمة، ولو عين مساكين أهل دينه تعينوا، ولو صرفها القيم إلى غيرهم ضمن وإن كان أهل الذمة ملة واحدة لتعين الوقف بمن يعينه الواقف. = أما أدلة الجواز فهي: أولاً: أن الوقف على الكافر في معنى الصدقة، والصدقة جائزة عليه بدليل قوله تعالى: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً﴾ قالوا: والأسير لا يكون إلا كافراً غالباً فَمْدحُ الله المتصدق عليه دليل جواز الصدقة عليه، والوقف في معناها فيجوز أيضاً. وثانياً: ما روي أن صفية بنت حيي زوج رسول الله وَل﴿ وقفت على أخ لها يهودي، فلو كان غير جائز ذلك لأبظله الرسول، وأنكره عليها ولم يفعل. وثالثاً: صح وقف الذمي على المسلم فيصح وقف المسلم عليه، لأن من جاز أن يقف غير المسلم عليه شرعاً يجوز أن يقف المسلم عليه إذ لا يصح أن يكون المسلم أدنى حالاً من الكافر. أما مستند المالكية على القول بالكراهة مع الجواز، فهو أن الأولى أن يقف المسلم على مسلم مثله، فإذا خالف ووقف على غيره كيهودي أو نصراني فقد فعل خلاف الأولى، ومثله يكون مكروهاً، ولما كان المستأمن كالذمي مدة أمانه صح وقف المسلم عليه كما صح على الذمي. ٥٢٧ كتاب الوقف النصرانية فلا شيء له لزم شرطه على المذهب (والملك يزول)، عن الموقوف بأربعة بإفراز مسجد كما سيجيء و (بقضاء القاضي) مَطْلَبٌ: شَرَائِطُ الوَاقِفِ مُعْتَبرَةٌ إِذَا لَمْ تُخَالِفِ الشَّرْعِ قوله: (على المذهب) فيه رد على الطرسوسي، حيث شنع على الخصاف، بأنه جعل الكفر سبب الاستحقاق والإسلام سبب الحرمان. قال في الفتح: ولا نعلم أحداً من أهل المذهب تعقب الخصاف غيره، وهذه للبعد من الفقه، فإن شرائط الواقف معتبرة إذا لم تخالف الشرع وهو مالك، فله أن يجعل ماله حيث شاء ما لم يكن معصية، وله أن يخص صنفاً من الفقراء ولو كان الوضع في كلهم قربة، ولا شك أن التصدق على أهل الذمة قربة حتى جاز أن يدفع إليهم صدقة الفطر والكفارات عندنا، فكيف لا يعتبر شرطه في صنف دون صنف من الفقراء؟ أرأيت لو وقف على فقراء أهل الذمة ولم يذكر غيرهم أليس يحرم منه فقراء المسلمين، ولو دفع المتولي إلى المسلمين ضمن فهذا مثله، والإسلام ليس سبباً للحرمان، بل الحرمان لعدم تحقق سبب تملكه لهذا المال وهو إعطاء الواقف المالك اهـ. قوله: (والملك يزول) أي ملك الواقف فيصير الوقف لازماً للاتفاق على التلازم بين اللزوم والخروج عن ملكه كما قدمناه عن الفتح. قوله: (بأربعة) هذا على قول الإمام، لكن فيه أنه بالثاني والثالث لا يزول الملك فيه عند الإمام، حتى كان له الرجوع عنه ما دام حياً كما سينبه عليه الشارح. قوله: (بإفراز مسجد) عبر بالإفراز لأنه لو كان مشاعاً لا يصح إجماعاً، وأفاد أنه يلزم بلا قضاء. قوله: (وبقضاء القاضي) أي قضائه بلزومه كما في الفتح، وعبر في موضع آخر قبله بقوله: «أي بخروجه عن ملكه» وكل صحيح لما قدمناه عنه آنفاً من التلازم بين الخروج واللزوم. تنبيه: قال العلامة ابن الغرس في الفواكه البدرية قالوا: القضاء بصحة الوقف لا يكون قضاء بلزومه. وتوجيهه أن الوقف جائز غير لازم عند الإمام لازم عندهما، فإذا قضى القاضي بصحته احتمل أن يكون قضى بذلك على مذهبه، ولا معنى للجواز هاهنا إلا الصحة، ولا يلزمها اللزوم فيحتاج في لزوم الوقف إلى التصريح بذلك، وفيه نظر وجهه أن الإمام لم يقل بكون الوقف جائزاً غير لازم مطلقاً، بل هو عنده لازم إذا علقه الواقف بالموت أو قضى به القاضي، ولا شك أن القضاء بصحة الوقف قضاء بالوقف، فيكون القضاء بصحته مقتضياً للزومه، فلا يحتاج إلى التصريح باللزوم وفي القضاء به، فليتأمل اهـ. كلام ابن الغرس. وحاضله: أن القضاء بصحته كالقضاء بلزومه أو بخروجه عن ملكه، وفيه نظر، لأنهم اتفقوا على صحة الوقف بمجرد القول، وإنما الخلاف في اللزوم فالإمام لا يقول به، وقد تقرر أن کل مجتهد فیه إذا حکم یه حاکم یراه نفذ حکمه وصار مجمعاً علیه، ٥٢٨ كتاب الوقف لأنه مجتهد فيه، وصورته: أن يسلمه إلى المتولي ثم يظهر الرجوع. معين المفتي معزياً للفتح (المولى من قبل السلطان) لا المحكم، وسيجيء أن البينة تقبل بلا دعوى، ثم هل القضاء بالوقف فليس لحاكم غيره نقضه والوقف من هذا القبيل، فإذا حكم بلزومه حاكم يراه لزم اتفاقاً وارتفع الخلاف، أما لو حكم بأصل الصحة فلا لأنها ليست محل الخلاف ولا نسلم أنها تستلزم اللزوم وإلا لم يكن خلاف فيه مع أنه ثابت، فقولهم يلزم عند الإمام بالقضاء معناه بالقضاء بلزومه أو بخروجه عن ملكه كما مر، أما لو حكم بالصحة بأن وقع النزاع فيها فقط بأن ادعى عبده تعليق عتقه على وقفه أرضه فأنكر المولى صحة الوقف لكونه علقه بشرط مثلاً فأثبت العبد أنه علقه بكائن فحكم الحاكم بصحته فهو صحيح، ولا يستلزم اللزوم لأنه ليس محل النزاع، هذا ما يظهر للفكر الفاتر، فتدبره. قوله: (لأنه مجتهد فيه) أي أنه يسوغ فيه الاجتهاد، والاختلاف بين الأئمة فيكون الحكم فيه رافعاً للخلاف كما قلنا، وهذا تعليل لزوال الملك ولزومه عند الإمام القائل بعدم ذلك، فافهم. قوله: (وصورته) أي صورة قضاء القاضي بلزومه. قوله: (إن يسلمه) أي يسلم الواقف وقفه بعد أن نصب له متولياً. قوله: (ثم يظهر الرجوع) أي يدعي عند القاضي أنه رجع عن وقفه، ويطلب رده إليه لعدم لزومه ويمتنع المتولي من رده إليه فيحكم القاضي بلزومه، فيلزم عند الإمام أيضاً لارتفاع الخلاف بالقضاء. قوله: (لا المحكم) فإن الصحيح أن بحكمه لا يرتفع الخلاف، وللقاضي أن يبطله. بحر عن الخانية. ومثله في الإسعاف خلافاً لما صححه في الجوهرة. تنبيه: قال في الإسعاف: ولو كان الواقف مجتهداً يرى لزوم الوقف فأمضى رأيه فيه وعزم على زوال ملكه عنه أو مقلداً فسأل فأفتى بالجواز فقبله وعزم على ذلك لزم الوقف، ولا يصح الرجوع فيه وإن تبدل رأي المجتهد وأفتى المقلد بعدم اللزوم بعد ذلك اهـ. فهذا مما يزاد على ما يلزم به الوقف، لكن قال في النهر بعد نقله له: الظاهر ضعفه اهـ: أي لمخالفته لقول المتون يزول بقضاء القاضي؛ وأيضاً فإن العبرة لرأي الحاكم، فإذا رفع إليه حكم يحكم فيه برأيه لا برأي الخصم، والظاهر أن ما في الإسعاف صحيح بالنسبة إلى الديانة لأن المجتهد إذا تغير رأيه لا ينقض ما أمضاه أولا، وكذا المقلد في حادثة ليس له الرجوع فيها بتقليده مجتهداً آخر، أما لو رفعت حادثة ذلك المجتهد أو المقلد إلى حاكم آخر فإنه يحكم برأي نفسه كما قلنا، ولذا قال: ولا يصح الرجوع فيه، ولم يقل: ولا يصح الحكم بخلافه، فاغتنم هذا التحرير. قوله: (وسيجيء) أي في أول الفصل الآتي. قوله: (إن البيئة تقبل بلا دعوى) أي في الوقف، لأن حكمه هو التصدق بالغلة وهو حق الله تعالى، وفي حقوق الله تعالى يصح القضاء ٥٢٩ كتاب الوقف قضاء على الكافة، فلا تسمع فيه دعوى ملك آخر ووقف آخر، أم لا فتسمع؟ أفتى أبو السعود مفتي الروم بالأول، وبه جزم في المنظومة المحبية ورجحه المصنف صوناً عن الحيل لإبطاله، لكنه نقل بعده عن البحر أن المعتمد الثاني، وصححه في الفواكه البدرية، وبه أفتى المصنف (أو بالموت إذا علق به) أي بالشهادة من غير دعوى. بحر عن المحيط. وأشار بهذا إلى أن ما مر من تصويره بالدعوى غير لازم، لكن قال الخير الرملي: والكلام في الحكم الرافع للخلاف لا الحكم بثبوت أصله فإنه غير محتاج إلى الدعوى عند البعض، وأما الحكم باللزوم عند دعوى عدمه فلا يرفع الخلاف إلا بعد تمام الدعوى فيه ليصير في حادثة، إذ المتنازع فيه حينئذ اللزوم وعدمه فيرفع الخلاف اهـ. قوله: (قضاء على الكافة الخ) أي لا على المقضى عليه فقط كما في دعوى الملك، فإنه لو ادعى على ذي اليد أن هذا ملكه وحكم به القاضي تسمع دعوى رجل آخر على المدعي بأنه ملكه، بخلاف ما إذا حكم الإنسان بالحرية ولو عارضة، أو بنكاح امرأة أو بنسب أو بولاء عتاقة فإنه لا يسمع دعوى آخر عليه، فإنه في هذه الأربعة قضاء على كافة الناس كما أفاده في البحر، وسيجيء في باب الاستحقاق. قوله: (ورجحه المصنف) حيث قال: وينبغي أنه يفتى به ويعوّل عليه لما فيه من صون الوقف عن التعرّض إليه بالحيل والتلابيس والدعاوى المفتعلة قصداً لإبطاله، ولما فيه من النفع للوقف؛ وقد صرح صاحب الحاوي القدسي بأنه يفتي بكل ما هو أنفع للوقف فيما اختلف العلماء فيه، حتى نقضت الإجارة عند الزيادة الفاحشة نظراً للوقف وصيانة لحق الله تعالى وإبقاء للخيرات اهـ ط. قوله: (إن المعتمد الثاني) قال شيخنا حفظه الله تعالى: ينبغي الإفتاء بهذا إن عرف الواقف بالحيل، لأنه قد يقف عقار غيره، ويقضي القاضي بلزومه لدفع دعوى مالكه، وإلا فيفتى بالأول اهـ. وهو حسن وفيه جمع بين القولين. قوله: (أو بالموت الخ) معطوف على قوله: ((بقضاء)) ومقتضاه أنه يزول الملك به، وهو ضعيف كما أشار إليه الشارح. قال في الهداية: وهذا أي زوال الملك في حكم الحاكم صحيح، لأنه قضاء في فصل مجتهد فيه أما في تعليقه بالموت فالصحيح أنه لا يزول ملكه، إلا أنه تصدق بمنافعه مؤبداً فيصير بمنزلة الوصية بالمنافع مؤبداً فيلزمه اهـ. والحاصل: أنه إذا علقه بموته فالصحيح أنه وصية لازمة لكن لم يخرج عن ملكه، فلا يتصوّر التصرف فيه ببيع ونحوه بعد موته لما يلزم من إبطال الوصية، وله أن يرجع قبل موته كسائر الوصايا، وإنما يلزم بعد موته. بحر. ومثله في الفتح. ومحصل هذا: أن المعلق بالموت لا يكون وقفاً في الصحيح فلا يزول به الملك قبل الموت، ولا بعده بل يكون وصية لازمة بعده حتى لا يجوز التصري به لا قبله، حتى جاز له الرجوع عنه، وهذا معنى قول الشارح: ((فالصحيح أنه كوصية الخ)) فإنه ٥٣٠ کتاب اللوقف بموته كإذا متّ فقد وقفت داري على كذا، فالصحيح أنه كوصية تلزم من الثلث بالموت لا قبله. قلت: ولو لوارثه وإن ردوه لكنه يقسم كالثلثين قصد به تحويل كلام المصنف، لأن كلامه فيما يزول به الملك لا فيما يلزم، ولا ينافي هذا ما قدمناه من الاتفاق على التلازم بين اللزوم والخروج عن الملك، لأن ذاك في الوقف، وأما المعلق بالموت فليس وقفاً كما علمت فلا يلزم من لزومه وصية أن يخرج عن الملك. قوله: (فالصحيح أنه كوصية) قد علمت أنه تحويل لكلام المصنف لا تفريع. قال في الفتح: وإنما كان هذا هو الصحيح لما يلزم على مقابله من جواز تعليق الوقف، والوقف لا يقبل التعليق بالشرط اهـ. واعترضه الحموي بأنه تعليق بكائن وهو كالمنجز. قلت: قدمنا أن المراد بالكائن المحقق وجوده للحال، فافهم. قوله: (ولو لوارثه الخ) أي يلزم من الثلث ولو كان وقفاً على وارثه وإن ردوه: أي الورثة الموقوف عليهم أو وارث آخر. مَطْلَبٌ فِي وَقْفِ المَرِيضِ وفي البحر عن الظهيرية: امرأة وقفت منزلًا في مرضها على بناتها، ثم على أولادهن وأولاد أولادهن أبداً ما تناسلوا فإذا انقرضوا فللفقراء، ثم ماتت في مرضها وخلفت بنتين وأختاً لأب والأخت لا ترضى بما صنعت، ولا مال لها سوى المنزل جاز الوقف في الثلث ولم يجز في الثلثين، فيقسم الثلثان بين الورثة على قدر سهامهم، ويوقف الثلث، فما خرج من غلته قسم بين الورثة كلهم على قدر سهامهم ما عاشت البنتان، فإذا ماتتا صرفت الغلة إلى أولادهما وأولاد أولادهما كما شرطت الواقفة لا حق للورثة في ذلك. رجل وقف داراً له في مرضه على ثلاث بنات له، وليس له وارث غيرهن، قال: الثلث من الدار وقف(١) والثلثان مطلق يصنعن بهما ما شئن. قال الفقيه أبو الليث: هذا إذا لم يجزن، أما إذا أجزن صار الكل وقفاً عليهن اهـ. وهذا عند أبي يوسف خلافاً لمحمد. إسعاف: أي لأنه مشاع حيث وقفه على الثلاثة ولم يقسمه كما يفهم من كلام الإسعاف. قوله: (لكنه يقسم) أي إذا ردوه يقسم الثلث الذي صار وقفاً: أي تقسم غلته (١) في ط (قوله قال الثلث من الدار وقف الخ) أي لأن الوقف في المرض وصية تنفذ في الثلث فقط إلا بإجازة لكن صرحوا بأن الوصية للوارث لا تجوز، ولعل مرادهم إن وجد المنازع وهو للوارث الآخر لتعلق حقه، فإن لم يوجد تجوز بلا إجازة لكن قد يقال إذا لم يوجد غيره فلم لا يجوز في الكل بل توقف جوازها في الثلثين على الإجازة؟ وقد يجاب بأن الشارع لم يجعل للموصي حظاً فيما زاد على الثلث فلم تجز في الزائد، وإن كانت للوارث بلا منازع إلا إذا أجازها هذا ما ظهر لي. ٥٣١ كتاب الوقف فقول البزازية: إنه إرث: أي حكماً فلا خلل في عبارته، كالثلثين فتصرف مصرف الثلثين على الورثة كلهم ما دام الموقوف عليه حياً، أما إذا مات تقسم غلة الثلث الموقوف على من يصير له الوقف كما علمت. وبقي ما لو مات بعض الموقوف عليهم، فإنه ينتقل سهمه إلى ورثته ما بقي أحد من الموقوف عليه حيّاً كما في الإسعاف. قوله: (فقول البزازية) عبارتها أرضي هذه موقوفة على ابني فلان فإن مات فعلى ولدي وولد ولدي ونسلي، ولم تجز الورثة فهي إرث بين كل الورثة ما دام الابن الموقوف عليه حيّاً فإذا مات صار كلها للنسل اهـ. قوله: (أي حكماً) اعلم أن خبر المبتدأ، وهو قول مدلول: أي التفسيرية، فكأنه قال مفسر بالإرث حكماً، وحكماً تمييز عن الإرث المقدر. وحاصله: أن المراد أنه إرث من جهة الحكم: أي من حيث إنه يقسم كالإرث على الفريضة الشرعية: ما دام الموقوف عليه حيّاً، وإلا ففي الحقيقة الثلث وقف والباقي مالك. قوله: (فلا خلل في عبارته) أي عبارة البزازي، وهذا جواب عن قول البحر هي عبارة غير صحيحة لما مر عن الظهيرية أن الثلثين ملك والثلث وقف، وأن غلة الثلث تقسم على الورثة ما دام الموقوف عليه حيّاً أهـ. قلت: والظاهر أن الاعتراض على عبارة البزازي من وجهين: الأول ما مرّ من قوله: ((فهي إرث)) وجوابه ما علمت من أنها إرث حكماً: أي حصة الوقف فقط. والثاني قوله فإذا مات صار كلها للنسل، فإنه غير صحيح أيضاً لأن الذي يصير للنسل هو الثلث الموقوف، أما الثلثان فهما ملك للورثة حيث لم يجيزوا. والذي يظهر في الجواب عن الوجهين أن الضمير في قوله: ((فهي إرث)) راجع إلى غلة الثلث الموقوف، وكذا ضمير قوله: ((صار كلها للنسل)) أو يقال: مراده ما إذا كانت الأرض كلها تخرج من الثلث فإنها حينئذ تصير كلها وقفاً وحيث لم يجيزوا تقسم غلتها كالإرث ثم بعد موت الابن تصير كلها للنسل، يؤيد ما قلنا ما في البزازية أيضاً: وقف أرضه في مرضه على بعض ورثته فإن أجاز الورثة فهو كما قالوا في الوصية لبعض ورثته، وإلا فإن كانت تخرج من الثلث صارت الأرض وقفاً وإلا فمقدار ما خرج من الثلث يصير وقفاً ثم تقسم جميع غلة الوقف ما جاز فيه الوقف، وما لم يجز على فرائض الله تعالى ما دام الموقوف عليه أو أحدهم في الإحياء، فإذا انقرضوا كلهم تصرف غلة الأرض إلى الفقراء إن لم يوص الواقف إلى واحد من ورثته، ولو مات أحد من الموقوف عليهم من الورثة وبقي الآخرون، فإن الميت في قسمة الغلة ما دام الموقوف عليهم أحياء كأنه حيّ، فيقسم ثم يجعل سهمه ميراثاً لورثته الذين لا حصة لهم من الوقف اهـ. بقي لو وقفها في مرضه ثم مات عن زوجة ولم تجز ففي البحر: ينبغي أن يكون لها السدس والباقي وقف، لما في ٥٣٢ كتاب الوقف فاعتبروا الوارث بالنظر للغلة والوصية، وإن ردوا بالنظر للغير وإن لم تنفذ لوارثه لأنها لم تتمحض له بل لغيره بعده، فافهم وصايا البزازية لو مات عن زوجة وأوصى بكل ماله لرجل، فإن أجازت فالكل له وإلا فالسدس لها وخمسة الأسداس له لأن الموصى له يأخذ الثلث أو لا بقي أربعة تأخذ الربع والثلاثة الباقية له، فحصل له خمسة من ستة اهـ. ولا شك أن الوقف في مرض الموت وصية اهـ. قوله: (فاعتبروا الوارث الخ) قال في البحر: والحاصل أن المريض إذا وقف على بعض ورثته ثم على أولادهن ثم على الفقراء: فإن أجاز الوارث الآخر كان الكل وقفاً واتبع الشرط، وإلا كان الثلثان ملكاً بين الورثة والثلث وقفاً مع أن الوصية للبعض لا تنفذ في شيء، لأنه لم يتمحض للوارث لأنه بعده لغيره، فاعتبر الغير بالنظر إلى الثلث واعتبر الوارث بالنظر إلى غلة الثلث الذي صار وقفاً، فلا يتبع الشرط ما دام الوارث حياً وإنما تقسم غلة هذا الثلث على فرائض الله تعالى، فإذا انقرض الوارث الموقوف عليه اعتبر شرطه في غلة الثلث اهـ. قوله: (بالنظر للغلة) ولهذا الاعتبار قسموها كالثلثين اهـح. قوله: (والوصية) بالنصب عطفاً على قوله: ((الوارث)) أي واعتبروا الوصية بالنظر للغير، وكان حق العبارة أن يقول: واعتبروا الغير بالنظر إلى الوصية: أي إلى لزومها ط. قوله: (وإن ردوا) أي الورثة أي بقيتهم ط، وكذا لو رد كلهم كما قدمناه عن الظهيرية. قوله: (وإن لم تنفذ لوارثه) الأوضح أن يقول: لعدم نفاذها للوارث، ويكون علة لقوله: ((والوصية بالنظر للغير)) يعني إنما اعتبر الغير في لزوم الوصية لعدم نفاذها للوارث ط. قوله: (لأنها لم تتمحض له) علة لقوله: ((واعتبروا الوصية) ح. قوله: (فافهم) أمر بالفهم لدقة المقام. ثم اعلم أن ما ذكره الشارح من قوله: ((قلت)) إلى هنا ليس هذا محله، لأن خروج الملك بالقضاء أو بالتعليق بالموت تفريع على قول الإمام أو بيان لمسألة إجماعية كما يأتي عن النهر، وما ذكره هنا مصوّر في مسألة الوقف في المرض، فكان عليه أن يذكره آخر الباب عند الكلام على وقف المريض، لأن ذكره هنا يوهم أن الوقف في المرض يلزم عند الإمام نظير التعليق بالموت وليس كذلك. ففي البحر عن الهداية: ولو وقف في مرض موته قال الطحاوي: هو بمنزلة الوصية بعد الموت، والصحيح أنه لا يلزم عند أبي حنيفة، وعندهما يلزم إلا أنه يعتبر من الثلث والوقف في الصحة من جميع المال اهـ. والحاصل: أن ما ذكره الشارح صحيح من حيث الحكم، لكنه على قولهما وظاهر كلامهم اعتماده؛ أما على قول الإمام الذي الكلام فيه فلا في الصحيح كما علمته من عبارة البحر. والعجب ممن نقل صدر عبارة البحر المذكورة ولم ينظر تمامها فافهم، ثم هذا بخلاف ما إذا أوصى أن تكون وقفاً بعد وفاته فإن له الرجوع لأنه وصية ٥٣٣ كتاب الوقف (أو بقوله وقفتها في حياتي وبعد وفاتي مؤبداً) فإنه جائز عندهم، لكن عند الإمام ما دام حياً هو نذر بالتصدق بالغلة فعليه الوفاء وله الرجوع، ولو لم يرجع حتى مات جاز من الثلث. قلت: ففي هذين الأمرين له الرجوع ما دام حياً، غنياً أو فقيراً، بأمر قاض أو غيره. شرنبلالية. فقول الدرر: لو افتقر يفسخه القاضي لو غير مسجل منظور بعد الموت، والذي نجزه في مرضه يصير وقف الصحة إذا برئ من مرضه فافترقا كما في الخصاف. قوله: (أو بقوله الخ) ذكر الحياة والموت غير قيد لإغناء التأبيد عنه. قال في الإسعاف: لو قال أرضي هذه صدقة موقوفة مؤبدة جاز عند عامة العلماء، إلا أن محمد اشترط التسليم إلى المتولي واختاره جماعة. وعند الإمام يكون نذراً بالصدقة بغلة الأرض، ويبقى ملكه على جاله فإذا مات تورث عنه اهـ. قوله: (فإنه جائز عندهم) أي عند أئمتنا الثلاثة، وهذا أيضاً تحويل لكلام المصنف عن ظاهره اصطلاحاً له، لأن كلامه فيما يزول به الملك عند الإمام. قوله: (لكن الخ) أفاد أنه عند الصاحبين جائز لازم. تأمل. قوله: (وله الرجوع) أي مع الكراهة كما قدمناه عن الإسعاف. قوله: (جاز من الثلث) ويكون كالعبد الموصي بخدمته لإنسان، فالخدمة له والرقبة على ملك مالكها، فلو مات الموصى له يصير العبد ميراثاً لورثة المالك، إلا أن في الوقف لا يتوهم انقطاع الموصى لهم وهم الفقراء فتتأبد هذه الوصية. إسعاف ودرر. قوله: (ففي هذين الأمرين) أي فيما إذا علقه بالموت، وفيما إذا قال: وقفتها في حياتي وبعد مماتي، وقد استوى الأمران من حيث إنهما يفيدان الخروج واللزوم بموت الواقف، بخلاف الأمر الأول والرابع، وهما ما إذا حكم به حاكم أو أفرزه مسجداً فإنهما يفيدان الخروج واللزوم في حياته بلا توقف على موته كما في الشرنبلالية، فاللزوم فيهما حالي وفي الآخرين مآكي. قوله: (له الرجوع) الظاهر أن هذا على قوله، أما على قولهما فالظاهر أنه وقف لازم، لكن ينافيه ما قدمناه في تعليقه بالموت من أنه لا يكون وقفاً في الصحيح، بل هو وصية لازمة بعد الموت لا قبله، فله الرجوع قبله لما يلزم على جعله وقفاً من جواز تعليقه والوقف لا يقبل التعليق. تأمل. نعم لا تعليق في المسألة الثانية فاللزوم فيها ظاهر عندهما. قوله: (لو غير مسجل) أي محكوم به فأطلق التسجيل، وهو الكتابة في السجل وأراد ملزومه وهو الحكم لأنه في العرف إذا حكم بشيء كتب في السجل ط. قوله: (منظور فيه) لأن في هذين الأمرين له الرجوع بلا اشتراط فقر ولا فسخ قاض على قول الإمام كما علمته، وسيأتي تمام الكلام على ذلك قبيل الفصل عند قول المصنف: ((أطلق القاضي بيع الوقف غير المسجل لوارث الواقف فباع صح ولو لغيره لا)). ٥٣٤ كتاب الوقف فيه (ولا يتم) الوقف (حتى يقبض) لم يقل للمتولي، لأن تسليم كل شيء بما يليق به، ففي المسجد بالإفراز وفي غيره بنصب المتولي وبتسليمه إياه. ابن كمال (ويفرز) فلا يجوز وقف مشاع يقسم خلافاً للثاني مَطْلَبٌ: شُرُوطُ الوَقْفِ عَلَى قَوْلِهِمَا قوله: (ولا يتم الوقف الخ) شروع في شروطه على القول بلزومه كما أشار إليه الشارح بعد. قوله: (لأن تسليم الخ) وليشمل تسليمه إلى الموقوف عليهم كما في العزمية عن الخانية. قوله: (ففي المسجد بالإفراز) أي والصلاة فيه وسيأتي، وفي المقبرة بدفن واحد فصاعداً بإذنه، وفي السقاية بشرب واحد، وفي الخان بنزول واحد من المارة، لكن السقاية التي تحتاج إلى صبّ الماء فيها، والخان الذي ينزله الحاج بمكة والغزاة بالثغر لا بد فيهما من التسليم إلى المتولي، لأن نزولهم يكون في السنة مرة، فيحتاج إلى من يقوم بمصالحه وإلى من يصب الماء فيها. إسعاف. قوله: (وفي غيره) أي غير المسجد ونحوه مما ذكرناه. وفي القهستاني: أن التسليم ليس بشرط إذا جعل الواقف نفسه قيماً، ولا يعتبر التسليم للمشرف، لأنه حافظ لا غير اهـ. لكن نبه أن من شرط التسليم وهو محمد لم يصحح تولية الواقف نفسه ومن صححها وهو أبو يوسف لم يشترطه. تأمل(١). قوله: (ويفرز) أي بالقسمة، وهذا الشرط وإن كان مفرعاً على اشتراط القبض لأن القسمة من تمامه إلا أنه نص عليه إيضاحاً، وأبو يوسف لما لم يشترط التسليم أجاز وقف المشاع، والخلاف فيما يقبل القسمة، أما ما لا يقبلها كالحمام والبئر والرحى فيجوز اتفاقاً، إلا في المسجد والمقبرة لأن بقاء الشركة يمنع الخلوص لله تعالى. نهر وفتح. قوله: (فلا يجوز وقف مشاع يقسم الخ) شمل ما لو استحق جزء من الأرض شائع فيبطل في الباقي، لأن الشيوع مقارن كما في الهبة، بخلاف ما لو رجع الوارث في الثلثين بعد موت الواقف في مرضه وفي المال ضيق، لأنه شيوع طارئ، ولو استحق جزء معين لم يبطل في الباقي لعدم الشيوع. بحر عن الهداية. ولو بينهما أرض وقفاها ودفعاها معاً إلى قيم واحد جاز اتفاقاً، لأن المانع من الجواز عند محمد هو الشيوع وقت القبض لا وقت العقد، ولم يوجد هاهنا لوجودهما معاً منهما، وكذا لو وقف كل منهما نصيبه على جهة وسلماه معاً لقيم واحد لعدم الشيوع وقت القبض، وكذا لو اختلفا في وقفيهما جهة وقيماً واتحد زمان تسليمهما حسـ (١) في ط (قوله وهو أبو يوسف لم يشترطه تأمل) قال شيخنا: لكن يأتي في الشارح نقل الإجماع من الزيلعي على صحة جعل الواقف نفسه قيماً ، لكن ناقش الزيلعي العلامة قاسم في حكاية الإجماع، ونقل المحشي انتصار صاحب النهر للزيلعي بأن عن محمد في هذه المسألة روايتين، فحكاية الإجماع صحيحة على إحداهما هو على هذه الرواية يحمل كلام القهستاني. ٥٣٥ كتاب الوقف (ويجعل آخره لجهة) قربة (لا تنقطع) هذا بيان شرائطه الخاصة على قول محمد، لأنه کالصدقة، وجعله أبو يوسف كالإعتاق. مالهما أو قال كل منهما لقيمه اقبض نصيبي مع نصيب صاحبي لأنهما صارا كمتول واحد، بخلاف ما لو وقف كل واحد وحده وسلم لقيمه وحده، فلا يصح عند محمد لوجود الشيوع وقت العقد وتمكنه وقت القبض. إسعاف. وفيه أيضاً: وقفت دارها على بناتها الثلاث ثم على الفقراء ولا مال لها غيرها ولا وارث غيرهن فالثلث وقف والثلثان ميراث لهن، وهذا عند أبي يوسف خلافاً لمحمد اهـ: أي لأنه مشاع(١) حيث لم تقسمه بینهن. مَطْلَبٌ فِي الْكَلَامِ عَلَى أَشْتِاطِ التَّبِيدِ قوله: (ويجعل آخره لجهة قربة لا تنقطع) يعني لا بد أن ينص على التأبيد عند محمد، خلافاً لأبي يوسف اهـح. ويأتي بيانه. وهذا في غير المسجد إذ لا مخالفة لمحمد في لزومه، بل هو موافق للإمام فيه، وتمامه في الشرنبلالية. قوله: (هذا بيان) أي ما ذكره المصنف تبعاً للكنز وغيره من قوله: ((ولا يتم حتى يقبض)) وأشار إلى ما في النهر حيث قال: فإن قلت: هذا مناف لقوله أو لا ((والملك يزول بالقضاء)» إذ مفاده أنه لا يزول بغيره ولو توفرت هذه الشروط. قلت: الأولى أن يحمل ما قاله أولا على مسألة إجماعية هي أن الملك بالقضاء يزول، أما إذا خلا عن القضاء فلا يزول إلا بعد هذه الشروط عند محمد(٢)، واختاره المصنف تبعاً لعامة المشايخ وعليه الفتوى، وكثير من المشايخ أخذوا بقول أبي يوسف وقالوا: إن عليه الفتوى، ولم يرجح أحد قول الإمام: وبهذا التقرير اندفع ما في البحر كيف مشى أولًا على قول الإمام وثانياً على قول غيره، وهذا مما لا ينبغي: يعني في المتون الموضوعة للتعليم اهـ. قوله: (لأنه كالصدقة) أي فلا بد من القبض والإفراز اهـح: قوله: (وجعله أبو يوسف كالإعتاق) فلذلك لم يشترط القبض والإفراز اهـ ح، أي فيلزم عنده بمجرد القول كالإعتاق بجامع إسقاط الملك. قال في الدرر: والصحيح أن التأبيد شرط اتفاقاً، لكن ذكره ليس بشرط عند أبي يوسف، وعند محمد لا بد أن ينص عليه اهـ. وصححه في الهداية أيضاً. وقال في الإسعاف: لو قال وقفت أرضي هذه على ولد زيد وذكر جماعة بأعيانهم لم يصح عند أبي يوسف أيضاً، لأن (١) في ط (قوله أي لأنه مشاع الخ) فيه أن هذا الشيوع طارء وهو لا يقتضي بطلان الوقف عند محمد، فهذا التعليل غير مستقيم. (٢) في ط، قال شيخنا: والظاهر أن علة بطلان هذا الوقف عند محمد عدم التسليم إلى المتولي: حيث لم يقسمه الخ، غير ظاهر فليتأمل فيه، فإنه لم يقل أحد باشتراط القسمة بين الموقوف عليهم. ٥٣٦ كتاب الوقف تعيين الموقوف عليه يمنع إرادة غير، بخلاف ما إذا لم يعين لجعله إياه على الفقراء؛ ألا ترى أنه فرق بين قوله: ((موقوفة)) وبين قوله: ((موقوفة على ولدي)) فصحح الأول دون الثاني، لأن مطلق قوله: ((موقوفة)) يصرف إلى الفقراء عرفاً، فإذا ذكر الولد صار مقيداً، فلا يبقى العرف، فظهر بهذا أن الخلاف بينهما في اشتراط ذكر التأبيد وعدمه إنما هو في التنصيص عليه أو على ما يقوم مقامه كالفقراء ونحوهم. مَطْلَبٌ: التَّْبِيْدُ مَعْنِىَ شَرْطُهُ اتَّفَاقاً وأما التأبيد معنى فشرط اتفاقاً على الصحيح، وقد نص عليه محققو المشايخ اهـ. قلت: ومقتضاه أن المقيد باطل اتفاقاً، لكن ذكر في البزازية أن عن أبي يوسف في التأبيد روايتين الأولى: أنه غير شرط حتى لو قال: وقفت على أولادي، ولم يزد جاز الوقف، وإذا انقرضوا عاد إلى ملكه لو حيّاً، وإلا فإلى ملك الوارث. والثانية: أنه شرط لكن ذكره غير شرط حتى تصرف الغلة بعد الأولاد إلى الفقراء اهـ. ومقتضاه أنه على الرواية الأولى يصح كل من الوقف والتقييد، وعلى الثانية يصح الوقف ويبطل التقييد. لكن ذكر في البحر أن ظاهر المجتبى والخلاصة أن الروايتين عنه فيما إذا ذكر لفظ الصدقة، أما إذا ذكر لفظ الوقف فقط لا يجوز اتفاقاً إذا كان الموقوف عليه معيناً اهـ. مَطْلَبٌ مُهِمٌّ: فَرَّقَ أَبُو يُوسُفَ بَيْن قَوْلِهِ (مَوْقُوفَة)) وَقَوْلِهِ ((فَمَوْقُوقَةٌ عَلَى فُلَاٍ» قلت: ويشهد له ما في الذخيرة لو قال: أرضي هذه صدقة موقوفة فهي وقف بلا خلاف إذا لم يعين إنساناً، فلو عين وذكر مع لفظ الوقف لفظ صدقة بأن قال صدقة موقوفة على فلان جاز، ويصرف بعده إلى الفقراء، ثم ذكر بعده عن المنتقى أنه يجوز ما دام فلان حياً، وبعده يرجع إلى ملك الواقف أو إلى ورثته بعده اهـ. وفيها أيضاً: لو عين كوقفتها على فلان لا يجوز اهـ. فهذا يدل على أن الروايتين عن أبي يوسف فيما إذا ذكر لفظ صدقة مع موقوفة وعين الموقوف عليه، أما إذا لم يعينه يجوز بلا خلاف، وإذا أفرد موقوفة وعين لا يجوز بلا خلاف، خلافاً لما في البزازية حيث جعل الروايتين فيه، فإنه يقتضي صحة الوقف، ويخالفه أيضاً كلام الإسعاف وقوله في الهداية: وقيل إن التأبيد شرط الإجماع، إلا أن عند أبي يوسف لا يشترط ذكره، لأن لفظ الوقف والصدقة منبئَّ عنه، ولهذا قال في الكتاب: وصار بعدها للفقراء وإن لم يسمهم، وهذا هو الصحيح. وعند محمد ذكره شرط الخ، فقوله لأن لفظ الوقف والصدقة يفيد أن الكلام في ذكرهما معاً لا في ذكر لفظ الوقف فقط، ويوضحه ما في الخانية لو قال: صدقة موقوفة على فلان صح، ويصير تقديره صدقة موقوفة على الفقراء، لأن محل الصدقة ٥٣٧ كتاب الوقف الفقراء إلا أن غلتها تكون لفلان ما دام حياً، ولو قال موقوفة على فقراء قرابتي وعلى ولدي لا يصح لأنهم ينقطعون، فلا يتأبد الوقف، وبدون التأبيد لا يصح إلا أن يجعل آخره للفقراء، فرق أبو يوسف بين قوله: ((موقوفة)) وبين قوله: ((موقوفة على ولدي) فيصح الأول لا الثاني اهـ: أي لأن الثاني ذكر مقيداً بالموقوف عليه المعين وذلك ينافي التأبيد حيث لم يصرح به ولا بما في معناه، بخلاف ما إذا قال: ((موقوفة)) فقط لانصرافه إلى الفقراء عرفاً فهو مؤبد، وكذا صدقة موقوفة على فلان فإنه وإن قيد بمعين لكنه مطلق، لأن الصدقة للفقراء، فكأنه قال: وبعد فلان فعلى الفقراء فيكون مؤبداً، لكن إذا لم يقيد بمعين فهو مؤبد بلا خلاف فيصح عند محمد أيضاً كما مر لعدم منافي التأبيد أصلاً، ولذا قال في الخانية: لو قال موقوفة ولم يزد لا يجوز، إلا عند أبي يوسف ويكون وقفاً على المساكين؛ ولو قال: موقوفة صدقة أو صدقة موقوفة ولم يزد جاز عند أبي يوسف ومحمد وهلال، وقيل لا ما لم يقل وآخرها للمساكين أبداً، والصحيح الجواز، لأن محل الصدقة في الأصل الفقراء فلا يحتاج إلى ذكرهم ولا انقطاع لهم فلا يحتاج إلى ذكر الأبد أيضاً اهـ. فهذا صريح في أن التصريح بالصدقة تصريح بالتأبيد، فيجوز عندهما بلا خلاف إن لم يعين، فلو عين لم يجز عند محمد وجاز عند أبي يوسف، ثم بعد انقطاعه يعود إلى الفقراء كما صححه في الهداية، وعليه المتون كالقدوري والملتقى والنقاية وغيرها أو يعود إلى ملك الواقف أو ورثته. وسيذكر الشارح تصحيحه، لكن نقل في الذخيرة أن هذا القول مذكور في شرح الطحاوي وشرح السرخسي، وأن بعض المشايخ قالوا: إنه خطأ . قلت: ويؤيده ما مر عن الإسعاف من أن التأبيد معنى شرط اتفاقاً، وإذا عاد إلى الملك لم يكن مؤبداً إلا لفظاً ومعنى. والحاصل: أنه لا خلاف عندهما في صحة الوقف مع عدم تعيين الموقوف عليه إذا ذكر لفظ التأبيد، وأما في معناه كالفقراء وكلفظ صدقته موقوفة وكموقوفة لله تعالى وكموقوفة على وجوه البر، لأنه عبارة عن الصدقة، وكذا موقوفة على الجهاد أو على أكفان الموتى، أو حفر القبور كما في الخانية وغيرها، وأنه لا خلاف في بطلانه لو اقتصر على لفظ موقوفة مع التعيين كموقوفة على زيد، خلافاً لما في البزازية وإنما الخلاف بينهما لو اقتصر بلا تعيين أو جمع مع التعيين كصدقة موقوفة على فلان، فعند أبي يوسف: يصح ثم يعود إلى الفقراء وهو المعتمد. وقيل يعود إلى الملك والمراد بالمعين ما يحتمل الانقطاع كأولاد زيد، أو فقراء قرابة فلان وهم يحصون. وفي الذخيرة عن وقف الخصاف قال: جعلت هذه الأرض صدقة موقوفة على فلان وولده وولد ولده ٥٣٨ كتاب الوقف واختلف الترجيح والأخذ بقول الثاني أحوط وأسهل. بحر. وفي الدرر وصدر الشريعة: وبه يفتى، وأقرّه المصنف (وإذا وقته) بشهر أو سنة (بطل) اتفاقاً. درر. وعليه فلو وقف على رجل بعينه عاد بعد موته لورثة الواقف، به يفتى. فتح. وأولاد أولادهم، فإذا سمى من ذلك ثلاث بطون فهي وقف مؤبد(١) إلى يوم القيامة. وبقي ما إذا وقف على عمارة مسجد معين فقيل يصح عند أبي يوسف لتأبده مسجد إلا عند محمد(٢) وقيل يصح اتفاقاً. وفي البحر عن المحيط أنه المختار، فاغتنم تحرير هذا المحل فإنك لا تجده في غير هذا الكتاب والحمد لله تعالى ملهم الصواب. قوله: (واختلف الترجيح) مع التصريح في كلٍّ منهما بأن الفتوى عليه، لكن في الفتح أن قول أبي يوسف أوجه عند المحققين. قوله: (بطل اتفاقاً) هذا إذا شرط رجوعه بعد الوقت، وإلا فهو باطل أيضاً عند الخصاف، صحيح مؤبد عند هلال كما في الإسعاف؛ وظاهر ما في الخانية اعتماده كما في البحر، ووجهه أنه إذا قال: صدقة موقوفة يوماً أو شهراً فهو مثل ما لو وقفه على معين فينبغي أن يجري فيه الخلاف المارّ بين محمد وأبي يوسف، فيصح عند الثاني، لأن لفظ صدقة يفيد التأبيد فيلغو التوقيت، أما إذا شرط رجوعه إليه بعد مضيّ الوقت، فقد أبطل التأبيد فيبطل الوقف؛ نعم ذكر في الإسعاف عن هلال أنه لو قال: صدقة موقوفة بعد موتي سنة يصح مؤبداً، إلا إذا قال فإذا مضت السنة فالوقف باطل فهو كما شرط، فتصير الغلة للمساكين سنة والأرض ملك لورثته، لأنه باشتراط البطلان خرجت من الوقف المضاف اللازم بعد الموت إلى الوصية المحضة. قوله: (وعليه فلو وقف على رجل) أي مقروناً بلفظ صدقة، وإلا لم يجز اتفاقاً كما حققناه قريباً، ثم إن هذا لا يصح بناؤه على بطلان الوقف الموقت، بل هو مبني على صحته فكان عليه أن يذكره بعد كلام الخانية، بل الأولى ذكره قبل قوله: (وإذا وقته)) ليكون تفريعاً على قول أبي يوسف، لكنه على إحدى الروايتين عنه، وقد علمت أنه خلاف المعتمد لمخالفته لما نص عليه محققو المشايخ، ولما في المتون من أنه بعد موت الموقوف عليه يعود للفقراء، لأنه لو عاد للملك لم يكن موقتاً لا لفظاً ولا (١) في ط (قوله فهي وقف مؤبد الخ) فيه أن هذا وقف ما يحتمل الانقطاع فكيف يكون مؤبداً، لكن قال شيخنا: سيأتي أنه لو قال وقف داري على أولادي اقتصر على البطن الأول، وإذا قال على أولاد أولادي اقتصر على البطن الثاني، وإذا ذكر الثالث تناول جميع البطون إلى يوم القيامة. فلعل مراده بقوله ((مؤبد)) يعني على أولاده، وليس المراد أنه بعد انقراضهم يتنقل مؤبداً على الفقراء، وهو كلام. (٢) في ط (قوله إلا عند محمد الخ) أي يعود المسجد إلى ملك الواقف بعد الانهدام وقوله وقيل يصح اتفاقاً. قال شيخنا هذا هو الصحيح لأن عود المسجد إلى ملك الواقف عند محمد مقيد بعدم وجود ريع يعمر به وقد وجد الربع الموقوف. ٥٣٩ كتاب الوقف قلت: وجزم في الخانية بصحة الموقوف مطلقاً فتنبه، وأقره الشرنبلالي (فإذا تم ولزم لا يملك ولا يعار ولا يرهن) فبطل شرط واقف الكتب الرهن شرط معنى، والتأبيد معنى متفق عليه في الصحيح كما مر، فلذا أفاد في النهر ضعف ما هنا، وإن نقل في الفتح عن الأجناس أنه به يفتى. قوله: (قلت وجزم في الخانية الخ) استدراك على قول الدر بطل اتفاقاً، وعبارة الشرنبلالي أقول: يرد عليه: أي على الدرر ما في الخانية: رجل وقف داره يوماً أو شهراً أو وقتاً معلوماً ولم يزد على ذلك، جاز الوقف ويكون وقفاً أبداً اهـ. قلت: وعلى ما حملنا عليه كلام الدرر لا يرد ما في الخانية، لأن المراد به ما إذا لم يشترط رجوعه إليه بقرينة قوله: ولم يزد على ذلك، وبه تعلم أنه لا محل لقول الشارح مطلقاً، لأنه ليس في كلامه ما يفسر الإطلاق بل ربما يفيد أنه يجوز وإن شرط رجوعه إليه مع أنه يبطل اتفاقاً كما علمت، وقد قال في الخانية عقب عبارته المذكورة: ولو قال أرضي هذه صدقة موقوفة شهراً، فإذا مضى شهر فالوقف باطل كان الوقف باطلاً في قول هلال، لأن الوقف لا يجوز إلا مؤبداً، فإذا كان التأبيد شرطاً لا يجوز مؤقتاً اهـ. وإنما قيد بقوله في قول هلال، لأنه على قول الخصاف باطل مطلقاً كما علمت آنفاً، وقيد الصيغة بقوله صدقة موقوفة لأنه بدون لفظ صدقة أو ما يقوم مقامها لا يصح كما مر، وبه يظهر أن قوله وقف داره يوماً ليس صيغة الوقف، بل حكاية عنه صيغته قول الواقف أرضي صدقة موقوفة ونحوه. قوله: (فإذا تم ولزم) لزومه على قول الإمام بأحد الأمور الأربعة المارة عندهما بمجرد القول، ولكنه عند محمد: لا يتم إلا بالقبض والإفراز والتأبيد لفظاً، وعند أبي يوسف بالتأبيد فقط ولو معنى كما علم مما مر. قوله: (لا يملك) أي لا يكون مملوكاً لصاحبه ولا يملك: أي لا يقبل التمليك لغيره بالبيع ونحوه لاستحالة تمليك الخارج عن ملكه ولا يعار، ولا يرهن لاقتضائهما الملك. درر. ويستثنى من عدم تمليكه ما لو اشترط الواقف استبداله وسيأتي الكلام عليه، وعلى بيع الوقف إذا افتقر الواقف، لم يكن مسجلاً، ويستثنى من عدم الإعارة مالو كان دارا موقوفة للسكنى، لأن من له السكنى له الإعارة كما صرح به في البحر وغيره. بخلاف الموقوف للاستغلال. قال في الإسعاف: ومن وقف دوره للاستغلال ليس له أن يسكنها أحد بلا أجر اهـ. وفي شرح الملتقى: وجاز بيع المصحف المخرق وشراء آخر بثمنه. قوله: (فبطل الخ) لا يصح تفريعه عليقوله: ((ولا يرهن)) لأنه في رهن الوقف لا في الرهن به، بل هو تفريع على قوله: ((ولا يملك)) فافهم، ووجهه أن الرهن حبس شيء مالي بحق يمكن استيفاؤه منه کالدين والأعيان المضمونة بالمثل والقيمة، حتى لو هلك الرهن صار المرتهن مستوفياً حقه لو مساوياً للرهن، ولا يخفى أن الاستيفاء إنما یتأتی فیما یمکن تملیکه، والوقف لا يمكن تمليكه فلا يصح الرهن به، ولأنه أمانة عند المستعير وهو غير مضمون. ٥٤٠ كتاب الوقف كما في التدبير، ولو سكنه المشتري أو المرتهن ثم بان أنه وقف أو الصغير لزم أجر المثل قنية (ولا يقسم) مَطْلَبٌ فِي شَرْطِ وَاقِفِ أَلَكُتُبٍ أَنْ لَا تُعَارَ إِلَّا بِرَهْنٍ قال في الأشباه في القول في الدين معزياً إلى السبكي: فرع: حدث في الأعصار القريبة وقف كتب شرط الواقف أن لا تعار إلا برهن أو لا تخرج أصلاً، والذي أقول في هذا: إن الرهن لا يصح بها لأنها غير مضمونة في يد الموقوف عليه، ولا يقال لها عارية أيضاً، بل الآخذ لها إن كان من أهل الوقف استحق الانتفاع: ويده عليها يد أمانة فشرط أخذ الرهن عليها فاسد، وإن أعطى كان رهناً فاسداً، ويكون في يد خازن الكتب أمانة هذا إن أريد الرهن الشرعي، وإن أريد مدلوله لغة وأن يكون تذكرة فيصح الشرط، لأنه غرض صحيح، وإذا لم يعلم مراد الواقف، فالأقرب الحمل على اللغوي تصحيحاً لكلامه، وفي بعض الأوقاف يقول: لا تخرج إلا بتذكرة، فيصح ويكون المقصود أن تجويز الواقف الانتفاع مشروط بذلك، ولا نقول إنها تبقى رهناً، بل له أخذها فيطالبه الخازن برد الكتاب، وعلى كل فلا تثبت له أحكام الرهن ولا بيعه، ولا بدل الكتاب الموقوف بتلفه إن لم يفرط اهـ. ملخصاً. قال في الأشباه بعد نقله: وقول أصحابنا لا يصح الرهن بالأمانات شامل للكتب الموقوفة، والرهن بالأمانات باطل، فإذا هلك لم يجب شيء، بخلاف الرهن الفاسد فإنه مضمون كالصحيح، وأما وجوب اتباع شرطه وحمله على المعنى اللغوي فغير بعيد اهـ. وسيأتي تمام الكلام على جواز نقل الكتب قبیل قوله: ((ويبدأ من غلته بعمارته)). مَطْلَبُ: سَكَنَ دَاراً ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّا وَقْفٌ يَلْزَمُهُ أُجْرَةُ مَا سَكَنَ قوله: (لزم أجر المثل) بناء على المفتى به عند المتأخرين من أن منافع العقار تضمن إذا كان وقفاً أو ليتيم أو معدّاً للاستغلال كما سيأتي في الفصل عند قول المصنف: ((يفتى بالضمان الخ)) وبه أفتى الرملي وغيره، وجزم به في الفتح آخر الباب، وعلى هذا فما ذكره في القنية أيضاً من أنه لو سكن الدار سنين يدعي الملك ثم استحقت للوقف لا تلزمه أجرة ما مضى اهـ. ضعيف، كما جزم به في البحر، لأنه مبني على قول المتقدمين ووجوب الأجرة قول المتأخرين كما نص عليه في الإسعاف. أفاده الخير الرملي. ولو بنى المشتري أو غرس فسيأتي حكمه عند مسألة ابن النقار في سوادة الفصل الآتي. قوله: (ولا يقسم إلا عندهما الخ) أي إذا قضى قاض بجواز وقف المشاع ونفذ قضاؤه وصار متفقاً عليه كسائر المختلفات، فإن طلب بعضهم القسمة فعنده لا يقسم ويتهايؤون، وعندهما يقسم إلا إذا كانت بين الواقف والمالك، وأجمعوا أن الكل لو كان موقوفاً على الأرباب فأرادوا القسمة لا يقسم، كذا في المحيط. درر.