النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية
خراج على أراضيها (وموات أحياه ذمي بإذن الإمام) أو رضخ له كما مر (خراجي
ولو أحياه مسلم اعتبر قربه) ما قارب الشيء يعطي حكمه (وكل منهما) أي
ينقض هذه الأوقاف لكونها أخذت من بيت المال، وعقد لذلك مجلساً حافلاً حضره
الشيخ سراج الدين البلقيني والبرهان ابن جماعة وشيخ الحنفية الشيخ أكمل الدين شارح
الهداية، فقال البلقيني: ما وقف على العلماء والطلبة لا سبيل إلى نقضه، لأن لهم في
الخمس أكثر من ذلك، وما وقف على فاطمة وخديجة وعائشة ينقض، ووافقه على ذلك
الحاضرون، كما ذكره السيوطي في ((النقل المستور(١) في جواز قبض معلوم الوظائف
بلا حضور)). ثم رأيت نحوه في شرح الملتقى، ففي هذا صريح بأن أوقاف السلاطين
من بيت المال إرصادات، لا أوقاف حقيقة، وأن ما كان منها على مصاريف بيت المال
لا ينقض، بخلاف ما وقفه السلطان على أولاده أو عتقائه مثلً، وأنه حيث كانت أرصاداً
لا يلزم مراعاة شروطها لعدم كونها وقفاً صحيحاً، فإن شرط صحته ملك الواقف،
والسلطان بدون الشراء من بيت المال لا يملكه. وقد علمت موافقة العلامة الأكمل
على ذلك، وهو موافق لما مر عن المبسوط، وعن المولى أبي السعود، ولما سيذكره
الشارح في الوقف عن النهر: من أن وقف الإقطاعات لا يجوز إلا إذا كانت أرضاً مواتاً،
أو ملكاً للإمام فأقطعها رجلاً، وهذا خلاف ما في ((التحفة المرضية)) عن العلامة قاسم
من أن وقف السلطان لأرض بيت المال صحيح.
قلت: ولعل مراده أنه لازم لا يغير إذا كان على مصلحة عامة، كما نقل
الطرسوسي عن قاضيخان من أن السلطان لو وقف أرضاً من بيت مال المسلمين على
مصلحة عامة للمسلمين جاز. قال ابن وهبان: ((لأنه إذا أبّده على مصرفه الشرعي فقد
منع من يصرفه من أمراء الجور في غير مصرفه)) اهـ. فقد أفاد أن المراد من هذا الوقف
تأبيد صرفه على هذه الجهة المعينة التي عينها السلطان مما هو مصلحة عامة، وهو معنى
الإرصاد السابق، فلا ينافي ما تقدم، والله سبحانه أعلم. قوله: (بإذن الإمام) قيد به لأن
الإحياء يتوقف على إذنه. ط عن المنح. قوله: (كما مر) أنه إذا قاتل مع المسلمين أو
دلهم على الطريق يرضخ له. ط. قوله: (خراجي) لأنه ابتداء وضع على الكافر وهو
أليق به كما مر. قوله: (اعتبر قربه) أي قرب ما أحياه إن كان إلى أرض الخراج أقرب
كانت خراجية، وإن كان إلى العشر أقرب فعشرية. نهر. وإن كانت بينهما فعشرية مراعاة
لجانب المسلم. ط. وعند أبي يوسف: واعتبر محمد الماء، فإن أحياها بماء الخراج
فخراجية، وإلا فعشرية. بحر. وبالأول يفتى. در. منتقى. قوله: (ما قارب الشيء
يعطى حكمه) استئناف قصد به التعليل كفناء الدار لصاحبها الانتفاع به، وإن لم يكن
ملكاً له، ولذا لا يجوز إحياء ما قرب من العامر. بحر. قوله: (وكل منهما الخ) تبع في
(١) في ط (قوله في النقل المستور) هكذا بالأصل المقابل على خطه ولعله المسطور. فليحرر.

٣٠٢
كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية
العشرية والخراجية (إن سقي بماء العشر أخذ منه العشر إلا أرض كافر تسقى بماء
العشر) إذ الكافر لا يبدأ بالعشر (وإن سقى بماء الخراج أخذ منه الخراج) لأن
النماء بالماء (وهو) أي الخراج (نوعان: خراج مقاسمة إن كان الواجب بعض
هذا صاحب الدرر، وهو مخالف لما في الهداية والتبيين والكافي وغيرها، من أن اعتبار
الماء فيما لو جعل المسلم داره بستاناً. قال في الكافي: لأن المؤنة في غير المنصوص
عليه تدور مع الماء فإن كانت تسقى بماء بئر أو عين فهي عشرية، وإن كانت تسقى
بأنهار الأعاجم فخراجية ولو بهذا مرة وبهذا مرة، فالعشر أحق بالمسلم اهـ. ومقتضاه أن
المنصوص على أنه عشري كأرض العرب ونحوها أو على أنه خراجي كأرض السواد
ونحوها: لا يعتبر فيه الماء، وعن هذا قال في الفتح بعد كلام:
والحاصل: أن التي فتحت عنوة إن أقرّ الكفار عليها لا يوظف عليهم إلا الخراج
ولو سقيت بماء المطر، وإن قسمت بين المسلمين لا يوظف إلا العشر، وإن سقيت
بماء الأنهر. وكل أرض لم تفتح عنوة بل أحياها مسلم: إن كان يصل إليها ماء الأنهار
فخراجية، أو ماء عين ونحوه فعشرية، وهذا قول محمد وهو قول أبي حنيفة اهـ.
فتحصل أن الماء يعتبر فيما لو أحيا مسلم أرضاً أو جعل داره بستاناً، بخلاف
المنصوص على أنه عشري أو خراجي، وقدمنا عن الدر المنتقى أن المفتى به قول أبي
يوسف: إنه يعتبر القرب، وهو ما مشى عليه المصنف أولاً كالكنز وغيره، وقدمه في
متن الملتقى، فأراد ترجيحه على قول محمد. وقال ح: وهو المختار كما في الحموي
على الكنز عن شرح ((قراحصاري)) وعليه المتون، واعتبار الماء قول محمد. قال في
الشرنبلالية: ((قوله وكل منهما الخ)) فيه مخالفة لقوله قبله: ((وما أحياه مسلم يعتبر بقربه)
لأنه اعتبر الحيز ثمة، وهنا اعتبر الماء، وعلمت أن ذاك قول أبي يوسف، وهذا قول
محمد اهـ. قوله: (بماء العشر) هو ماء السماء والبئر والعين والبحر الذي لا يدخل تحت
ولاية أحد، وماء الخراج هو ماء أنها حفرتها الأعاجم، وكذا سيحون، وجيحون،
ودجلة، والفرات، خلافاً لمحمد.
والحاصل أنه ما كان عليه يد الكفرة ثم حويناه قهراً وما سواه عشري، وتمامه
فيما قدمناه في باب العشر.
مَطْلَبٌ فِي خَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ
قوله: (خراج مقاسمة الخ) هذا إنما يوضع ابتداء على الكافر كالموظف، فإذا
فتح بلدة ومنّ على أهلها بأرضها له أن يضع الخراج عليها مقاسمة أو موظفاً، بخلاف
ما إذا قسمها بين الجيش فإنه يضع العشر. قال الخير الرملي: خراج المقاسمة
كالموظف مصرفاً وكالعشر ما أخذ إلا فرق فيه بين الرطاب والزرع والكرم والنخل

٣٠٣
كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية
الخارج كالخمس ونحوه، وخراج وظيفة إن كان الواجب شيئاً في الذمة يتعلق
بالتمكن من الانتفاع بالأرض، كما وضع عمر رضي الله عنه على السواد لكل
جريب) هو ستون ذراعاً في ستين بذراع كسرى [سبع قبضات]، وقيل المعتبر في
كل بلدة عرفهم، وعرف مصر التقدير بالفدان. فتح. وعلى الأول المعول. بحر
المتصل وغيره فيقسم الجميع على حسب ما تطيق الأرض من: النصف، أو الثلث، أو
الربع، أو الخمس، وقد تقرر أن خراج المقاسمة كالعشر لتعلقه بالخارج، ولذا يتكرر
بتكرر الخارج في السنة وإنما يفارقه في المصرف، فكل شيء يؤخذ منه العشر أو نصفه
يؤخذ منه خراج المقاسمة، وتجري الأحكام التي قررت في العشر وفاقاً وخلافاً؛ فإذا
علمت ذلك علمت ما يزرع في بلادنا وما يغرس، فإذا غرس رجل في أرضه زيتوناً أو
كرماً أو أشجاراً يقسم الخارج كالزرع ولا شيء عليه قبل أن يطعم، بخلاف ما إذا غرس
في الموظف، ولو أخذها مقاطعة على دراهم معينة بالتراضي ينبغي الجواز، وكذا لو
وقع على عداد الأشجار، لأن التقدير يجب أن يكون بقدر الطاقة من أي شيء كان،
ولأن تقدير خراج المقاسمة مفوّض لرأي الإمام، وكل من الأنواع الثلاثة يفعل في
بلادنا، فبعض الأرض تقسم ثمار أشجارها، ويأخذ مأذون السلطان منها ثلثاً أو ربعاً
ونحوه، وبعضها يقطع عليه دراهم معينة، وبعضها يعد أشجارها، ويأخذ على كل
شجرة قدراً معيناً، وكل ذلك جائز عند الطاقة والتراضي على أخذ شيء في مقابله
خراج المقاسمة لمن يستحقه، ولا شك أن أراضي بلادنا خراجية، وخراجها مقاسمة،
كما هو مشاهد، وتقديره مفوض إلى رأي الإمام اهـ. ويأتي تمام الكلام.
قلت: لكن مرّ أن المأخوذ الآن من أراضي مصر والشام: أجرة لا عشر ولا
خراج، والمراد الأراضي التي صارت لبيت المال لا المملوكة أو الموقوفة كما قدمناه،
لكن هذه الأجرة بدل الخراج كما مر ويأتي. قوله: (يتعلق بالتمكن من الانتفاع) بيان
لكونه واجباً في الذمة: أي أنه يجب في ذمته بمجرد تمكنه من الانتفاع بالأرض لا بعين
الخارج حتى لو تمكن من الزراعة وعطلها وجب، بخلاف ما لم يتمكن كما سيذكره
المصنف. قوله: (كما وضع الخ) تمثيل لخراج الوظيفة. قوله: (على السواد) أي قرى
العراق. قوله: (بذراع كسرى) احترز عن ذراع العامة وهو ست قبضات. فتح. والقبضة
أربع أصابع. قوله: (بالفدان) بالتثقيل آلة الحرث، ويطلق على الثورين يحرث عليهما
في قران، وجمعه فدادين، وقد يخفف فيجمع على أفدنة وفدن. مصباح. والمراد هنا
الأرض، وهو في عرف الشام نوعان: روماني، وخطاطي، ومساحة كل معروفة عند
الفلاحين. قوله: (وعلى الأول المعول بحر) وأصله في الفتح وقال: إن الثاني يقتضي
أن الجريب يختلف قدره في البلدان، ومقتضاه أن يتحد الواجب مع اختلاف المقادير،

٣٠٤
كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية
(يبلغه الماء صاعاً من برّ أو شعير ودرهماً) عطف على صاع من أجود النقود.
زيلعي (ولجريب الرطبة خمسة دراهم، ولجريب الكرم أو النخل متصلة) قيد فيهما
(ضعفها ولما سواه) مما ليس فيه توظيف عمر (كزعفران وبستان) هو كل أرض
يحوطها حائط وفيها أشجار متفرقة يمكن الزرع تحتها،
فإنه قد يكون عرف بلد فيه مائة ذراع وعرف أخرى فيبين خمسون ذراعاً. قوله: (يبلغه
الماء) صفة لجريب، قيد به لما يأتي من أنه لا خراج إن غلب الماء على أرضه أو
انقطع، وبه علم أن المراد الماء الذي تصير به الأرض صالحة للزراعة، فصار كقول
الكنز جريب صلح للزراعة. قوله: (صاعاً) مفعول وضع وهو القفيز الهاشمي الذي ورد
عن عمر رضي الله تعالى عنه، كما في الهداية وغيره، وهو ثمانية أرطال أربعة أمناء،
وهو صاع رسول الله وَ ير، وينسب إلى الحجاج فيقال صاع حجاجي، لأن الحجاج
أخرجه بعد ما فقد، كما في ط عن الشلبي. قوله: (من بر أو شعير) أي فهو بخير في
إعطاء الصاع من الشعير أو البر، كما في النهاية معزياً إلى فتاوى قاضيخان. والصحيح
أنه مما يزرع في تلك الأرض كما في الكافي. شرنبلالية، ومثله في البحر. وبقي ما إذا
عطلها، والظاهر أن الإمام يخير. تأمل. قوله: (ودرهماً) هو وزن سبعة كما في الزكاة.
بحر. وهو أن يكون وزنه أربعة عشر قيراطاً. جوهرة قوله: (الرطبة) بالفتح، والجمع
الرطاب: وهي القثاء والخيار والبطيخ والباذنجان، وما جرى مجراه، والبقول غير
الرطاب مثل الكراث. شرنبلالية. قوله: (متصلة) يعني أنه يشترط في تلك الأشجار
التي للعنب والتمر وغيرهما أن يكون متصلاً بعضها ببعض بحيث لا يمكن أن يزرع
بينها. أفاده في شرح الملتقى، فلو كانت متفرقة في جوانب الأرض ووسطها مزروع
فلا شيء فيها، كما لا شيء في غرس أشجار غير مثمرة. بحر ط. وقوله: فلا شيء
فيها: أي في الأشجار المتفرقة بل يجب في الأرض، لأنها إذا كانت متفرقة فهي بستان
فيجب بقدر الطاقة على ما يأتي، أو المراد لا شيء فيها مقدر. تأمل. وقوله كما لا
شيء في غرس الخ، هذا إذا لم يقصد شغل أرضه بها، فلو استنمى أرضه بقوائم
الخلاف وما أشبهه أو القصب أو الحشيش كان فيه العشر كما قدمناه في بابه عن البدائع
وغيرها. تأمل. قوله: (ضعفها) أي ضعف الخمسة وهو عشرة دراهم لما فيه من
الأثمار، فإن كانت لم تثمر بعد ففيها خراج الزرع كما في الخانية. در. منتقى. قوله:
(ولما سواء) أي سوى ما ذكر من الأشياء الثلاثة الموظف عليها. قوله: (مما ليس فيه
توظيف عمر) قصد به إصلاح المتن فإن ظاهره أن الزعفران والبستان فيه توظيف عمر
كما هو قضية العطف، مع أنه ليس كذلك. قوله: (يحوطها) أي يرعاها ويحفظها، أو هو
بتشديد الواو: أي دار عليها حائط. قال في المصباح: حاطه يحوطه حوطاً: رعاه،

٣٠٥
كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية
فلو ملتفة: أي متصلة لا يمكن زراعة أرضها، فهو كرم (طاقته و) غاية الطاقة
(نصف الخارج) لأن التنصيف عين الإنصاف (فلا يزد عليه) في إخراج المقاسمة
ولا في الموظف على مقدار ما وظفه عمر رضي الله تعالی عنه،
وحوّط حوله تحويطاً: أدار عليه نحو التراب حتى جعله محيطاً به اهـ. قوله: (فلو ملتفة
الخ) في المصباح: التف النبات بعضه ببعض: اختلط.
ثم اعلم أن حاصل ما ذكره من الفرق بين البستان والكرم، هو أن ما كانت
أشجاره ملتفة فهو كرم، وما كانت متفرقة فهو بستان، وقد عزاه في البحر إلى الظهيرية،
ومثله في كافي النسفي، ومقتضاه أن الكرم لا يختص بشجر العنب، مع أن ما في
المتون من عطف النخيل على الكرم يفيد أنه غيره. وفي الاختيار: والجريب الذي فيه
أشجار مثمرة ملتفة لا يمكن زراعتها. قال محمد: يوضع عليه بقدر ما يطيق، لأنه لم
يرد عن عمر رضي الله تعالى عنه في البستان تقدير فكان مفوضاً إلى أمر الإمام. وقال
أبو يوسف: لا يزاد على الكرم لأن البستان بمعنى الكرم، فالوارد في الكرم وارد فيه
دلالة، وإن كان فيه أشجار متفرقة فهي تابعة للأرض، اهـ. ومفاد هذا أيضاً أن الكرم
مختص بالعنب والبستان غيره بقرينة التعليل أولاً وثانياً وهذا أوفق بما في كتب اللغة.
ومفاده أيضاً أن الخلاف بين محمد وأبي يوسف في البستان إذا كانت أشجاره ملتفة، وأن
ما في المتن هو قول محمد وعليه جرى في الملتقى. وذكر في البدائع مثل ما في
الاختيار حيث قال: وفي جريب الكرم عشرة دراهم، وأما جريب الأرض التي فيها
أشجار مثمرة بحيث لا يمكن زراعتها لم يذكر في ظاهر الرواية. وروى عن أبي يوسف
أنه قال: إذا كان النخل ملتفاً جعلت عليه الخراج بقدر ما يطيق، ولا أزيد على جريب
الكرم عشرة دراهم. قوله: (لأن التنصيف الخ) علة لقوله: ((وغاية الطاقة نصف
الخارج)) فلا ينافي أنه يجوز النقص عنه، فافهم.
مَطْلَبٌ: لَا يحولُ خَرَاجُ المُوظّفِ إلى خَرَاجِ المُقَاسَمَةِ، وَبِآلمَكْسِ
قوله: (فلا يزاد عليه في خراج المقاسمة) ترك ما لم يوظف مع أن الكلام فيه،
فكان عليه أن يقول: فلا يزاد عليه فيه ولا في خراج المقاسمة ولا في الموظف الخ.
أفادہ ح.
قلت: وقد يجاب بأن قوله: ((والتنصيف الخ)» يفيد أنه يجوز وضع النصف أو الربع
أو الخمس فيصير خراج مقاسمة لأنه جزء من الخارج وهو غير الموظف، فقوله في
خراج مقاسمة: أراد به هذا النوع، وقوله: ((ولا في الموظف الخ)) أراد به النوع الأول،
فافهم. قوله: (ولا في الموظف على مقدار ما وظفه عمر) وكذا إذا فتحت بلدة بعد عمر
فأراد الإمام أن يضع على ما يزرع حنطة درهمين وقفيزاً وهي تطيقه ليس له ذلك عند

٣٠٦
كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية
وإن أطاقت على الصحيح. كافي (وينقص مما وظف) عليها (إن لم تطق) بأن لم
يبلغ الخارج ضعف الخراج الموظف فينقص إلى نصف الخارج وجوباً وجوازاً
عند الإطاقة،
أبي حنيفة، وهو الصحيح، لأن عمر رضي الله تعالى عنه لم يزد لما أخبر بزيادة
الطاقة. أفاده في البحر عن الكافي. قال ط: وهذا نص صريح في حرمة ما أحدثه
الظلمة على الأرض من الزيادة على الموظف، ولو سلم أن الأراضي آلت لبيت المال
وصارت مستأجرة اهـ: أي لما قدمناه عن التاترخانية من أن الإمام يدفعها للزرّاع بأحد
طريقين: إما بإقامتهم مقام الملاك في الزراعة وإعطاء الخراج، وإما بإجارتها لهم بقدر
الخراج، فقوله: بقدر الخراج يدل على عدم الزيادة.
قلت: لكن المأخوذ الآن من الأراضي الشامية التي آلت إلى بيت المال بموجب
البراءة والدفاتر السلطانية، وكذا من الأوقاف شيء كثير، فإن منها ما يؤخذ منه نصف
الخارج، ومنها الربع، ومنها العشر والظاهر أنه خراج مقاسمة في أصل الوضع فيؤخذ
بقدره إذا صار بدل أجرة، ولعل ما مر من التوظف كان على سواد العراق فقط،
والموضوع على الأراضي الشامية كان خراج مقاسمة فبقي المأخوذ قدره، وقدمنا
التصريح عن الخير الرملي بأنه خراج مقاسمة. قوله: (وإن أطاقت) تعمتم لقوله: ((ولا
يزاد عليه الخ)) فيشمل ما لم يوظف كما صرح في قوله: ((وغاية الطاقة نصف الخارج))
ويشمل خراج المقاسمة كما نص عليه في النهر، وكذا الموظف من عمر رضي الله
تعالى عنه كما في البحر. أو من إمام بعده كما مر، فافهم.
مَطْلَبُ: لَا يَلْزَمُ جَميْعُ خَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ إِذَا لَمْ تُطِقْ لِكَثْرَةِ الْمَظَالَمِ
قوله: (وجوازاً عند الإطاقة) اعلم أن قول المصنف وغيره: وينقص مما وظف إن
لم تطق: يفهم منه أنها إن أطاقت لا ينقص منه، وهو مخالف لما في الدراية من جواز
النقصان عند الإطاقة. قال في النهر: ولو قيل بوجوبه عند عدم الإطاقة وبجوازه عند
الإطاقة لكان حسناً، وعليه يحمل ما في الدراية، فتدبره اهـ. وحينئذ فالمفهوم من قول
المصنف: إن لم تطق أنه لا يجب التنقيص عند الإطاقة فلا ينافي جوازه، فقول الشارح
وجوباً قيد لقول المصنف: ((وينقص مما وظف)) لا لقوله في الشرح ((فينقص إلى نصف
الخراج)) وقوله: ((وجوازاً) عطف على ((وجوباً) فكأنه قال: وينقص وجوباً مما وظف إن
لم تطق، وجوازاً إن أطاقت، وهذا كلام لا غبار عليه، وبه سقط ما قيل إن مقتضى هذا
العطف أن الخارج من الكرم مثلاً لو بلغ ألف درهم جاز أخذ خمسمائة ولا قائل به،
والمراد أنه إن بلغ الخارج ضعف الموظف أو أكثر جاز للإمام أن ينقص عن
الموظف اهـ. ووجه السقوط أن هذا إنما يرد لو كان قوله: ((وجوباً)) قيد لقوله: ((فينقص

٣٠٧
كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية
وينبغي أن لا يزاد على النصف ولا ينقص عن الخمس. حدادي. وفيه لو غرس
إلى نصف الخارج)) فيصير معنى قوله: ((وجواز)) أنه ينقص إلى نصف الخارج جوازاً
عند الإطاقة، ولا موجب لهذا الحل، فافهم. قوله: (وينبغي أن لا يزاد على النصف
الخ) هذا في خراج المقاسمة ولم يقيد به لانفهامه من التعبير بالنصف والخمس، فإن
خراج الوظيفة ليس فيه جزء معين. تأمل. قال في النهر: وسكت عن خراج المقاسمة،
وهو إذ منّ الإمام عليهم بأراضيهم ورأى أن يضع عليهم جزءاً من الخارج كنصف أو
ثلث أو ربع، فإنه يجوز ويكون حكمه حكم العشر، ومن حكمه أن لا يزيد على
النصف، وينبغي أن لا ينقص عن الخمس. قاله الحدادي اهـ. وبه علم أن قول
الشارح: ((وينبغي)) مذكور في غير محله لأن الزيادة على النصف غير جائزة كما مر
التصريح به في قوله: ((ولا يزاد عليه)) وكأن عدم التنقيص عن الخمس غير منقول،
فذكره الحدادي بحثاً. لكن قال الخير الرملي: يجب أن يحمل على ما إذا كانت تطيق،
فلو كانت قليلة الربع كثيرة المؤن ينقص، إذ يجب أن يتفاوت الواجب لتفاوت المؤنة
كما في أرض العشر، ثم قال: وفي الكافي: وليس للإمام أن يحول الخراج الموظف
إلى خراج المقاسمة.
أقول: وكذلك عكسه فيما يظهر من تعليله، لأنه قال: لأن فيه نقض العهد،
وهو حرام اهـ.
قلت: صرح بالعكس القهستاني: وقدمنا على الرملي أن المأخوذ من الأراضي
الشامية خراج مقاسمة، وكتبنا أن ما صار منها لبيت المال تؤخذ أجرته بقدر الخراج
ويكون المأخوذ في حق الإمام خراجاً، فحيث كان كذلك تعتبر فيه الطاقة، وبه يعلم أن
ما يفعله أهل التيمار والزعامات من مطالبة أهل القرى بجميع ما عينه لهم السلطان على
القرى كالقسم من النصف ونحوه ظلم محض، لأن ذلك المعين في الدفاتر السلطانية
مبني على أنه كان لا يؤخذ من الزراع، سوى ذلك القسم المعين، والفاضل عنه يبقى
للزراع، والواقع في زماننا خلافه، فإن ما يؤخذ منهم الآن ظلماً مما يسمى بالذخائر
وغيرها شيء كثير ربما يستغرق جميع الخارج من بعض الأراضي، بل يؤخذ منهم ذلك
وإن لم تخرج الأرض شيئاً، وقد شاهدنا مراراً أن بعضهم يتنزل عن أرضه لغيره بلا شيء
لكثرة ما عليها من الظلم، وحينئذ فمطالبته بالقسم ظلم على ظلم، والظلم يجب
إعدامه، فلا يجوز مساعدة أهل التيمار على ظلمهم، بل يجب أن ينظر إلى ما تطيقه
الأراضي، كما أفتى به الخير الرملي، ونقل بعض الشراح عن شمس الأئمة من سيرة
الأكاسرة: إذا أصاب زرع بعض الرعية آفة عوّضوا له ما أنفقه في الزراعة من بيت
مالهم، وقالوا: التاجر شريك في الخسران كما هو شريك في الربح، فإذا لم يعطه

٣٠٨
كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية
بأرض الخراج كرماً أو شجراً فعليه خراج الأرض إلى أن يطعم، وكذا لو قلع
الكرم وزرع الحبّ فعليه خراج الكرم، وإذا أطعم فعليه قدر ما يطيق ولا يزيد
على عشرة دراهم ولا ينقص عما كان، وكل ما يمكن الزرع تحت شجرة فبستان،
وما لا يمكن فكرم، وأما الأشجار التي على المسناة فلا شيء فيها. انتهى. وفي
زكاة الخانية: قوم شروا ضيعة فيها كرم وأرض فشرى أحدهما الكرم والآخر
الأراضي وأرادوا قسم الخراج، فلو معلوماً فكما كان قبل الشراء، وإلا كأن كان
الإمام شيئاً فلا أقل من أن لا يغرمه الخراج. قوله: (فعليه خراج الأرض) كذا في البحر
عن شرح الطحاوي. قال ط: والأولى خراج الزرع كما نقله الشارح عن جميع الفتاوى
في باب زكاة الأموال: أي فيدفع صاعاً ودرهماً. قوله: (إلى أن يطعم) بضم أوله وكسر
ثالثه مبنياً للفاعل. قال في المصباح: أطعمت الشجرة بالألف أدرك تمرها. قوله:
(فعليه خراج الكرم) أي دائماً لأنه صار إلى الأدنى مع قدرته على الأعلى. قال في
الفتاوى الهندية: قالوا: من انتقل إلى أخس الأمرين من غير عذر فعليه خراج الأعلى،
کمن له أرض الزعفران فتركه وزرع الحبوب فعليه خراج الزعفران، وكذا لو كان له کرم
فقطع وزرع الحبوب فعليه خراج الكرم، وهذا شيء يعلم ولا يفتى به كي لا يطمع
الظلمة في أموال الناس كذا في الكافي ح. قال في الفتح: إذ يدعي كل ظالم أن أرضه
كانت تصلح لزراعة الزعفران ونحوه وعلاجه صعب اهـ. قوله: (وإذا أطعم) معطوف
عن قوله: ((إلى أن يطعم)) قال في البحر وفي شرح الطحاوي: لو أنبت أرضه كرماً
فعليه خراجها إلى أن يطعم، فإذا أطعم، فإن كان ضعف وظيفة الكرم ففيه وظيفة
الكرم، وإن كان أقل فنصفه إلى أن ينقص عن قفيز ودرهم، فإن نقص فعليه قفيز
ودراهم اهـ. والقفيز صاع كما مر، وهذا بناء على أنها كانت للزراعة، فلو للرطبة
فالظاهر لزوم خمسة دراهم، فلذا قال الشارح: ولا ينقص عما كان. تأمل. قوله: (وكل
ما يمكن الخ) مكرر مع ما تقدم ح. قوله: (على المسناة) قال في جامع اللغة:
المسناة: العرم، وهو ما يبنى للسيل ليرد الماء اهـ ح.
وحاصله: أنها ما يبنى حول الأرض ليردّ السيل عنها، وتسمى حافتا النهر مسناة
أيضاً، والظاهر أن الحكم فيها كذلك، لأن ذلك ليس محل الزرع فلا يسمى شاغلاً
للأرض فيكون تابعاً لها. قوله: (قوم) أراد باسم الجمع الاثنين مجازاً بقرينة قوله:
((أحدهما)) وواو الجمع في ((شروا)) باعتبار صورة اسم الجمع ج. قوله: (وفيها كرم) أراد
به الجنس، كالذي بعده بقرينة الجمع فيما يأتي ح. قوله: (فشرى) عطف على ((شروا))
عطف مفصل على مجمل ح. قوله: (فلو معلوماً) أي علم حصة الكروم وحصة
الأراضي من الخراج المأخوذ. قوله: (وإلا كأن كان جملة) في بعض النسخ بأن كان

٣٠٩
كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية
جملة فإن لم تعرف الكروم إلا كروماً قسم بقدر الحصص. قرية خراجهم
متفاوت، فطلبوا التسوية إن لم يعلم قدره ابتداء ترك على ما كان (ولا خراج إن
غلب الماء على أرضه أو انقطع) الماء (أو أصاب الزرع آفة سماوية كغرق وحرق
وشدة برد) إلا إذا بقي من السنة ما يمكن الزرع فيه ثانياً (أما إذا كانت الآفة غير
سماوية) ويمكن الاحتراز عنها (كأكل قردة وسباع ونحوهما) كأنعام وفأر ودودة.
بحر (أو هلك) الخارج (بعد الحصاد لا) يسقط
جملة: أي بأن كان خراج الضيعة يؤخذ جملة من غير بيان لحصة الكروم وحصة
الأراضي. قوله: (فإن لم تعرف الخ) يعني لم يعرف أحد أن الكروم كانت أراضي،
ولا أن الأراضي كانت كروماً ح. قوله: (قسم بقدر الحصص) أي ينظر إلى خراج
الكروم والأراضي، فإذا عرف ذلك يقسم جملة خراج الضيعة عليها: على قدر
حصصها. ح عن الخانية.
قلت: والظاهر أن المراد أن ينظر إلى خراجهما خراج وظيفة بأن ينظركم جريباً
فيهما، فإذا بلغ خراج الكروم مائة درهم مثلاً وخراج الأراضي مائتين يقسم جملة خراج
الضيعة عليها ثلاثة: ثلثه على الكروم، وثلثاه على الأراضي. قوله: (قرية) المراد أهلها
فلدا قال: خراجهم. قوله: (إن لم يعلم الخ) أي إن كان لا يعلم أن خراج أراضيهم
كان على التساوي أم لا ترك كما كان.
تنبيه: في الخيرية. سئل في المسجد قرية له أرض لم يعرف عليها خراج من
قديم الزمان ويريد السباهي المتكلم على القرن أن يأخذ عليها خراجاً. أجاب: ليس له
ذلك والقديم يبقى على قدمه، وحمل أحوال المسلمين على الصلاح واجب. قوله:
(ولا خراج الخ) أي خراج الوظيفة وكذا خراج المقاسمة والعشر بالأولى لتعلق الواجب
بعين الخارج فيهما، ومثل الزرع والرطبة والكرم ونحوهما. خيرية. قوله: (ما يمكن
الزرع فيه ثانیاً) قال في الکبری: والفتوی أنه مقدر بثلاثة أشهر. نهر. قوله: (ويمكن
احتراز عنها) خرج ما لا يمكن كالجراد، كما في البزازية. قوله: (كأنعام) وكقردة
وسباع ونحو ذلك. بحر. قوله: (وفأر ودودة) عبارة ((ومنه يعلم أن الدودة والفأرة إذا
أكلا الزرع لا يسقط الخراج) اهـ.
قلت: لا شك أنهما مثل الجراد في عدم إمكان الدفع، وفي النهر لا ينبغي التردد
في كون الدودة آفة سماوية، وأنه لا يمكن الاحتراز عنها. قال الخير الرملي: وأقول:
إن كان كثيراً غالباً لا يمكن دفعه بحيلة يجب أن يسقط به، وإن أمكن دفعه لا يسقط،
هذا هو المتعين للصواب. قوله: (أو هلك الخارج بعد الحصاد) مفهومه أنه لو هلك
قبله يسقط الخراج لكن يخالفه التفصيل المذكور فيما لو أصاب الزرع آفة فإن الزرع اسم
:

٣١٠
كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية
وقبله يسقط، ولو هلك بعضه إن فضل عما أنفق شيء أخذ منه مقدار ما بينا.
مصنف سراج. وتمامه في الشرنبلالية معزياً للبحر. قال: وكذا حكم الإجارة في
الأرض المستأجرة (فإن عطلها صاحبها وكان خراجها موظفاً أو أسلم) صاحبها
للقائم في أرضه، فحيث وجب الخراج بهلاكه بآفة يمكن الاحتراز عنها علم أنه يجب
قبل الحصاد إلا أن يحمل الهلاك هنا على ما إذا كان بما لا يمكن الاحتراز عنه فتندفع
المخالفة. وقدمنا في باب العشر من الزكاة الاختلاف في وقت وجوبه. فعنده يجب عند
ظهور الثمرة والأمن عليها من الفساد، وإن لم يستحق الحصاد إذا بلغت حداً ينتفع به،
وعند الثاني عند استحقاق الحصاد، وعند الثالث إذا حصدت وصارت في الجرين، فلو
أكل منها بعد بلوغ الحصاد قبل أن تحصد: ضمن عندهما لا عند محمد، ولو بعد ما
صارت في الجرين لا يضمن إجماعاً ومر تمامه هناك. قوله: (وقبله يسقط) أي إلا إذا
بقي من السنة ما يتمكن فيه من الزراعة كما يؤخذ مما سلف ط. قال الخير الرملي: ولو
هلك الخارج في خراج المقاسمة قبل الحصاد أو بعده فلا شيء عليه لتعلقه بالخارج
حقيقة، وحكمه حكم الشريك شركة الملك فلا يضمن إلا بالتعدي، فاعلم ذلك فإنه
مهم ويكثر وقوعه في بلادنا. وفي الخانية ما هو صريح في سقوطه في حصة ربّ
الأرض بعد الحصاد ووجوبه عليه في حصة الأكار معللاً بأن الأرض في حصته بمنزلة
المستأجرة اهـ. قوله: (إن فضل عما أنفق) ينبغي أن يلحق بالنفقة على الزرع ما يأخذه
الأعراب وحكام السياسة ظلماً كما يعلم مما قدمناه. قوله: (أخذ منه مقدار ما بينا) أي
إن بقي ضعف الخراج كدرهمين وصاعين، يجب الخراج، وإن بقي أقل من مقدار
الخراج يجب نصفه، وأشار الشارح إلى هذا بقوله: ((وتمامه في الشرنبلالية)) فإنه مذكور
فيها. أفاده ح. قوله: (مصنف. سراج) على حذف العاطف أو على معنى مصنف عن
السراج. قوله: (وكذا حكم الإجارة) أي لو استأجر أرضاً فغلب عليها الماء أو انقطع لا
تجب الأجرة، وأما لو أصاب الزرع آفة فإنما يسقط أجرة ما بقي من السنة بعد الهلاك لا
ما قبله، لأن الأجر يجب بإزاء المنفعة شيئاً فشيئاً، فيجب أجر ما استوفى لا غيره،
فيفرق بين هذا وبين الخراج فإنه يسقط كما في البحر عن الولوالجية.
قلت: لكن في إجارة البزازية عن المحيط: الفتوى على أنه إذا بقي بعد هلاك
الزرع مدة لا يتمكن من الزراعة لا يجب الأجر، وإلا يجب إذا تمكن من زراعته مثل
الأول أو دونه في الضرر، وكذا لو منعه غاصب اهـ. والخراج كذلك كما علمت.
قوله: (فإن عطلها صاحبها) أي عطل الأرض الصالحة للزراعة. در. منتقى.
قلت: في الخانية: له في أرض الخراج أرض سبخة لا تصلح للزراعة أو لا
يصلها الماء، إن أمكنه إصلاحها ولم يصلح فعليه الخراج، وإلا فلا اهـ. ومن التعطيل
من وجه ما لو زرع الأخس مع قدرته على الأعلى، كما مر.

٣١١
كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية
(أو اشترى مسلم) من ذميّ (أرض خراج يجب) الخراج (ولو منعه إنسان من
الزراعة أو كان الخارج) خراج (مقاسمة لا) يجب شيء. سراج. وقد علمت أن
المأخوذ من أراضي مصر: أجرة لا خراج، فما يفعل الآن من الأخذ من الفلاح
وإن لم يزرع ويسمى ذلك فلاحة وإجباره على السكنى في بلدة معينة يعمر داره
ويزرع الأرض: حرام بلا شبهة. نهر. ونحوه في الشرنبلالية معزياً للبحر حيث
قال: وتقدم أن مصر الآن ليست خراجية بل بالأجرة، فلا شيء على من لم يزرع
قلت: ويستثنى من التعطيل ما ذكره في ((الإسعاف)) في فصل أحكام المقابر
والربط: لو جعل أرضه مقبرة أو خاناً للغلة أو مسكناً سقط الخراج عنه، وقيل لا يسقط
والصحيح هو الأول اهـ. وعليه مشى في المنظومة المحبية. [ .... ].
مَطْلَبٌ فِيمَا لَوْ عَجَزَ الْمَالِكُ عَنْ زِرَاعَةِ الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ
وبقي ما لو عجز مالكها عن الزراعة لعدم قوته وأسبابه فللإمام أن يدفعها لغيره
مزارعة ليأخذ الخراج من نصيب المالك ويمسك الباقي لمالك، وإن شاء أجرها وأخذ
الخراج من الأجرة، وإن شاء زرعها من بيت المال، فإن لم يتمكن باعها وأخذ الخراج
من ثمنها. قال في النهاية: وهذا بلا خلاف لأنه من باب صرف الضرر العام بالضرر
الخاص. وعن أبي يوسف يدفع للعاجز كفايته من بيت المال قرضاً ليعمل فيها.
زيلعي. وفي الذخيرة: لو عادت قدرة مالكها ردها الإمام عليه إلا في البيع.
قوله: (يجب الخراج) أما في التعطيل فلأن التقصير جاء من جهته، وأما فيما بعده
فلأن الخراج فيه معنى المؤنة فأمكن إبقاؤه على المسلم، وقد صح أن الصحابة اشتروا
أراضي الخراج وكانوا يؤدون خراجها، وتمامه في الفتح. قوله: (لا يجب شيء) لأنه إذا
منع ولم يقدر على دفعه لم يتمكن من الزراعة، ولأن خراج المقاسمة يتعلق بعين
الخارج مثل العشر، فإذا لم يزرع مع القدرة لم يوجد الخارج، بخلاف خراج الوظيفة،
لأنه يجب في الذمة بمجرد التمكن من الزراعة.
مَطْلَبٌ: لَوْ رَحَلَ الْفَلََّحُ مِنْ قَرْيَةٍ لَا يُحِبُرُ عَلَى الْعَوْدِ
قوله: (وقد علمت الخ) حاصله دفع ما يتوهم من قولهم: لو عطلها صاحبها
يجب الخراج أنه لو ترك الزراعة لعذر أو لغيره، أو رحل من القرية يجبر على الزراعة
والعود، وليس كذلك: أما أولاً فلما علمت من قولهم إن الإمام يدفعها لغيره مزارعة أو
بالأجرة، أو يبيعها ولم يقولوا بإجبار صاحبها؛ وأما ثانياً فلما مر من أن الأراضي
الشامية خراجها مقاسمة لا وظيفة فلا يجب بالتعطيل أصلاً؛ وأما ثالثاً فلأنها لما صارت
لبيت المال صار المأخوذ منها أجرة بقدر الخراج، والأجرة لا تلزم هنا بدون التزام،
إما بعقد الإجارة أو بالزراعة.

٣١٢
كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية
ولم يكن مستأجراً، ولا جبر عليه بتسييبها، فما يفعله الظلمة من الإضرار به:
حرام، خصوصاً إذا أراد الاشتغال بالعلم؛ وقالوا: لو زرع الأخس قادراً على
الأعلى كزعفران فعليه خراج الأعلى، وهذا يعلم ولا يفتى به كي لا يتجرى
الظلمة .
(باع أرضاً خراجية: إن بقي من السنة مقدار ما يتمكن المشتري من الزراعة
فعليه الخراج، وإلا فعلى البائع) عناية (ولا يؤخذ العشر من الخارج من أرض
الخراج) لأنهما لا يجتمعان، خلافاً للشافعي (ولا يتكرّر الخراج بتكرر الخارج في
قال الخير الرملي في حاشية البحر أقول: رأيت بعض أهل العلم أفتى بأنه إذا
رحل الفلاح من قريته ولزم خراب القرية برحيله أنه يجبر على العود، وربما اغتر به
بعض الجهلة، وهو محمول على ما إذا رحل لا عن ظلم وجور ولا عن ضرورة بل تعنتاً
وأمر السلطان بإعادته للمصلحة وهي صيانة القرية عن الخراب، ولا ضرر عليه في
العود، وأما ما يفعله الظلمة الآن من الإلزام بالرد إلى القرية مع التكاليف الشاقة والجور
المفرط فلا يقول به مسلم، وقد جعل الحصني الشافعي في ذلك رسالة أقام بها الطامة
على فاعل ذلك، فارجع إليها إن شئت اهـ. قوله: (كي لا يتجرى الظلمة) قال في
العناية: ورد بأنه كيف يجوز الكتمان وأنهم لو أخذوا كان في موضعه لكونه واجباً؟
أجيب بأنا لو أفتينا بذلك لادّعى كل ظالم في أرض ليس شأنها ذلك أنها قبل هذا كانت
تزرع الزعفران فيأخذ خراج ذلك وهو ظلم وعدوان اهـ. قوله: (باع أرضاً خراجية الخ)
هذا إذا كانت فارغة، لكن اختلفوا في اعتبار ما يتمكن المشتري من زراعته، فقيل
الحنطة والشعير، وقيل أيّ زرع كان، وفي أنه هل يشترط إدراك الريع بكماله أو لا.
وفي واقعات الناطفي أن الفتوى على تقديره بثلاثة أشهر، وهذا منه اعتبار لزرع الدخن
وإدراك الريع، فإن ريع الدخن يدرك في مثل هذه المدة. وأما إذا كانت الأرض مزروعة
فباعها مع الزرع: فإن كان قبل بلوغه فالخراج على المشتري مطلقاً، وإن بعد بلوغه
وانعقاد حبه فهو كما لو باعها فارغة، ولو كان لها ريعان خريفي وربيعي وسلم أحدهما
للبائع والآخر للمشتري فالخراج عليهما، ولو تداولتها الأيدي ولم تمكث في ملك
أحدهما ثلاثة أشهر فلا خراج على أحداهـ. من التاترخانية ملخصاً. قوله: (عناية) لم
أجده فيها، وإنما عزاه في البحر إلى البناية وهي شرح الهداية للعيني. قوله: (ولا يؤخذ
العشر الخ) أي لو كان له أرض خراجها موظف لا يؤخذ منها عشر الخارج، وكذا لو
كان خراجها مقاسمة من النصف ونحوه، وكذا لو كانت عشرية لا يؤخذ منها خراج
لأنهما لا يجتمعان، ولذا لم يفعله أحد من الخلفاء الراشدين، وإلا لنقل، وتمامه في
الفتح. قوله: (ولا يتكرر الخراج الخ) قال في الفتح: فالخراج له شدة من حيث تعلقه

٣١٣
كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية
سنة لو موظفاً وإلا) بأن كان خراج مقاسمة (تكرار) لتعلقه بالخارج حقيقة
(كالعشر) فإنه يتكرر (ترك السلطان) أو نائبه (الخراج لربّ الأرض) أو وهبه له ولو
بشفاعة (جاز) عند الثاني وحل له لو مصرفاً، وإلا تصدق به، به يفتى. وما في
الحاوي من ترجيح حله لغير المصرف خلاف المشهور (ولو ترك العشر لا) يجوز
إجماعاً ويخرجه بنفسه للفقراء. سراج، خلافاً لما في قاعدة تصرف الإمام منوط
بالمصلحة. من الأشباه معزياً للبزازية فتنبه. وفي النهر: يعلم من قول الثاني
بالتمكن، وله خفة باعتبار عدم تكرره في السنة ولو زرع فيها مراراً والعشر له شدة وهو
تكرره بتكرر خروج الخارج وخفة بتعلقه بعين الخارج، فإذا عطلها لا يؤخذ شيء اهـ.
قلت: ومن ذلك أن الخراج يسقط بالموت وبالتداخل كالجزية، وقيل لا كالعشر،
وسيأتي تمام الكلام عليه في الفصل الآتي. قوله: (أو وهبه له) بأن أخذه منه ثم أعطاه
إياه. قوله: (عند الثاني) أي عند أبي يوسف. وقال محمد: لا يجوز. بحر. ولم يظهر لي
وجه قول محمد إن كان مرادة أنه لا يجوز ولو كان مصرفاً للخراج. قوله: (وحل له لو
مصرفاً) أعاده لأن قوله: ((جاز)) أي جاز ما فعله السلطان بمعنى أنه لا يضمن ولا يلزم من
ذلك حله لرب الأرض. وفي القنية: ويعذر في صرفه إلى نفسه إن كان مصرفاً كالمفتي
والمجاهد والمعلم والمتعلم والذاكر والواعظ عن علم، ولا يجوز لغيرهم، وكذا إذا ترك
عمال السلطان الخراج لأحد بدون علمه اهـ. قوله: (خلاف المشهور) أي مخالف لما
نقله العامة عن أبي يوسف. نهر. قوله: (لا يجوز إجماعاً) لعل وجهه أن العشر مصرفه
مصرف الزكاة، لأنه زكاة الخارج، ولا يكون الإنسان مصرفاً لزكاة نفسه، بخلاف
الخراج، فإنه ليس زكاة ولذا يوضع على أرض الكافر هذا ما ظهر لي. تأمل. قوله:
(معزياً للبزازية) وذلك حيث قال: وفي البزازية: السلطان إذا ترك العشر لمن هو عليه
جاز، غنياً كان أو فقيراً، لكن إن كان المتروك له فقيراً فلا ضمان على السلطان، وإن
كان غنياً ضمن السلطان العشر للفقراء من بيت مال الخراج لبيت مال الصدقة اهـ.
قلت: وينبغي حمله على ما إذا كان الغني من مستحقي الخراج، وإلا فينبغي أن
يضمن السلطان ذلك من ماله. تأمل. وقدمنا في باب العشر عن الذخيرة مثل ما في
البزازية. وقال في الدر المنتقى: ثم رأيت في البرجندي في بيان مصرف الجزية، وكذا
لو جعل العشور للمقاتلة جاز لأنه مال حصل بقوتهم اهـ. فليحفظ. وليكن التوفيق اهـ:
أي بحمل القول بالمنع على غير المقاتلة والقول بالجواز عليهم.
قلت: لكن قوله: ((لو جعل العشور للمقاتلة)) ليس صريحاً في جعل عشور
أراضيهم. تأمل. قوله: (وفي النهر) من هنا إلى قوله: ((وفي الأشباه من كلام النهر)).
قوله: (يعلم من قول الثاني) أي بجواز ترك الخراج وهبته لمن هو مصرف له.

٣١٤
كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية
حكم الإقطاعات من أراضي بيت المال إذ حاصلها: أن الرقبة لبيت المال
والخراج له وحينئذ فلا يصح بيعه ولا هبته، ولا وقفه؛ نعم له إجارته تخريجاً على
مَطْلَبٌ فِي أَحْكَامِ الإِقْطَاعِ مِنْ بَيْتِ أَلْمَالِ
قوله: (حكم الاقطاعات الخ) قال أبو يوسف رحمه الله تعالى في كتاب الخراج:
وللإمام أن يقطع كل موات وكل ما ليس فيه ملك لأحد، ويعمل بما يرى أنه خير
للمسلمين، وأعم نفعاً. وقال أيضاً: وكل أرض ليست لأحد، ولا عليها أثر عمارة
فأقطعها رجلاً فغمرها فإن كانت في أرض الخراج أدّى عنها الخراج، وإن كانت عشرية
ففيها العشر. وقال في ذكر القطائع: إن عمر اصطفى أموال كسرى، وأهل كسرى،
وكل من فرّ عن أرضه أو قتل في المعركة، وكل مفيض ماء أو أجمة، فكان عمر يقطع
من هذا لمن أقطع. قال أبو يوسف: وذلك بمنزلة بيت المال الذي لم يكن لأحد، ولا
في يد وارث، فللإمام العادل أن يجيز منه ويعطي من كان له عناء في الإسلام، ويضع
ذلك موضعه، ولا يحابي به فكذلك هذه الأرض، فهذا سبيل القطائع عندي في أرض
العراق، وإنما صارت القطائع يؤخذ منها العشر لأنها بمنزلة الصدقة اهـ.
قلت: وهذا صريح في أن القطائع قد تكون من الموت، وقد تكون من بيت
المال لمن هو من مصارفه، وأنه يملك رقبة الأرض، ولذا قال يؤخذ منها العشر، لأنها
بمنزلة الصدقة، ويدل له قوله أيضاً: وكل من أقطعه الولاة المهديون أرضاً من أرض
السواد وأرض العرب والجبال من الأصناف التي ذكرنا أن للإمام أن يقطع منها، فلا
يحل لمن يأتي بعده من الخلفاء أن يرد ذلك، ولا يخرجه من يد من هو في يده وارث
أو مشتر، ثم قال: والأرض عندي بمنزلة المال، فللإمام أن يجيز من بيت المال من له
عناء في الإسلام، ومن يقوى به على العدو ويعمل في ذلك بالذي يرى أنه خير
للمسلمين وأصلح لأمرهم، وكذلك الأرضون يقطع الإمام منها من أحب من
الأصناف اهـ. فهذا يدل على أن للإمام أن يعطي الأرض من بيت المال، على وجه
التمليك لرقبتها كما يعطي المال، حيث رأى المصلحة، إذ لا فرق بين الأرض والمال
في الدفع للمستحق فاغتنم هذه الفائدة، فإني لم أر من صرّح بها، وإنما المشهور في
الكتب أن الإقطاع تمليك الخراج مع بقاء رقبة الأرض لبيت المال. قوله: (وحينئذ)
أي حين إذ كانت رقبتها ببيت المال وهذا ظاهر، وأما إذا كانت رقبتها للمقطع له كما
قلنا، فلا شك في صحة بيعه وغيره.
مَطْلَبٌ فِي إِجَارَةٍ الجُنْدِيِّ مَا أَقْطَعَهُ لَهُ الإِمَامُ
قوله: (نعم له إجارته الخ) قال ابن نجيم في رسالته في الإقطاعات: وصرح

٣١٥
كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية
إجارة المستأجر، ومن الحوادث، لو أقطعها السلطان له ولأولاده ونسله وعقبه،
على أن من مات منهم انتقل نصيبه إلى أخيه ثم مات السلطان، وانتقل من أقطع
له في زمن سلطان آخر، هل يكون لأولاده؟ لم أره، ومقتضى قواعدهم إلغاء
الشيخ قاسم في فتوى رفعت له بأن للجندي أن يؤجر ما أقطعه له الإمام، ولا أثر
لجواز إخراج الإمام له أثناء المدة، كما لا أثر لجواز موت المؤجر في أثناء المدة،
ولا لكونه ملك منفعة لا في مقابلة مال، لاتفاقهم على أن من صولح على خدمة عبد
سنة، كان للمصالح أن يؤجره، إلى غير ذلك من النصوص الناطقة بإبحار ما ملكه
من المنافع، لا في مقابلة مال فهو نظير المستأجر، لأنه ملك منفعة الإقطاع بمقابلة
استعداده لما أعد له، وإذا مات المؤجر أو أخرج الإمام الأرض عن المقطع تنفسخ
الإجارة لانتقال الملك إلى غير المؤجر، كما لو انتقل الملك في النظائر التي خرج
عليها إجارة الإقطاع وهي إجارة المستأجر، وإجارة العبد الذي صولح على خدمته
مدة وإجارة، الموقوف عليه الغلة، وإجارة العبد المأذون، وإجارة أم الولد اهـ.
تنبيه: المراد بهذه الإجارة إجارة الأرض للزراعة، لكن إذا كان للأرض زراع
واضعون أيديهم عليها ولهم فيها حرث، وکیس ونحوه مما يسمى ((كرداراً)) ويؤدون ما
عليها لا تصح إجارتها لغيرهم؛ أما إذا لم يكن لها زارع مخصوصون، بل يتواردها أناس
بعد آخرين ويدفعون ما عليها من خراج المقاسمة، فله أن يؤجرها لمن أراد، لكن
الواقع في زماننا المستأجر يستأجرها لأجل أخذ خراجها لا للزارعة ويسمى ذلك
التزاماً، وهو غير صحيح كما أفتى به الخير الرملي في ((كتاب الوقف))، وكذا في
(كتاب الإجارة) في عدة مواضع، فراجعه. قوله: (وانتقل من أقطع له في زمن سلطان
آخر) كذا في عبارة النهر، والظاهر أن قوله: ((انتقل)) بمعنى ((مات))، ولو عبر به لكان
أولى. قوله: (هل يكون لأولاده) أي هل تصير الأرض لأولاد المقطع له: عملاً بقول
السلطان ولأولاده؟ فإنه بمعنى إن مات عن أولاد فلأولاده من بعده فهو تعليق معنى.
مَطْلَبٌ فِي بُطْلَانِ التَّعْلِيقِ بِمَوْتِ المُعَلِّقِ
قوله: (ومقتضى قواعدهم الخ) حاصل الجواب: أنها لا تكون لأولاده لبطلان
التعليق المذكور بموت السلطان المعلق.
مَطْلَبٌ: فِي صِحَّةٍ تَعْلِيقِ التَّقْرِيرِ فِي الْوَظَائِفِ
قال في الأشباه من كتاب الوقف: يصح تعليق التقرير في الوظائف أخذاً من
تعليق القضاء، والإمارة بجامع الولاية، فلو مات المعلق بطل التقرير، فإذا قال
القاضي: إن مات فلان أو شغرت وظيفة كذا فقد قررتك فيها: صح، وقد ذكره في ((أنفع
الوسائل» تفقهاً وهو فقه حسن اهـ.

٣١٦
كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية
التعليق بموت المعلق، فتدبره. ولو أقطعه السلطان أرضاً مواتاً أو ملكها
السلطان، ثم أقطعها له جاز وقفه لها، والإرصاد من السلطان ليس بإيقاف البتة.
وفي الأشباه قبيل القول في الدين: أفتى العلامة قاسم بصحة إجارة المقطع، وأن
للإمام أن يخرجه متى شاء، وقيده ابن نجيم بغير الموات، أما الموات فليس
للإمام إخراجه عنه، لأنه تملكه بالإحياء، فليحفظ.
فَضْلٌ فِي الجِزْيَّةِ
هي لغة: الجزاء،
أقول: قدم الشارح في فصل كيفية القسمة في التنفيل أنه يعم كل قتال في تلك
السنة ما لم يرجعوا وإن مات الوالي أو عزل ما لم يمنعه الثاني، ومقتضى هذا أن التعليق
لا يبطل لموت المعلق، فإن قوله من «قتل قتيلاً فله سلبه» فيه تعليق استحقاق السلب على
القتل، لكن قدمنا هناك عن شرح السير الكبير خلافه وهو أنه يبطل التنفيل بعزل الأمير،
وكذا بموته إذا نصب غيره من جهة الخليفة لا من جهة العسكر. قوله: (ولو أقطعه
السلطان أرضاً مواتاً) أي من أراضي بيت المال حيث كان المقطع له من أهل الاستحقاق،
فيملك رقبتها كما قدمناه أو من غير بيت المال، والمراد بإقطاعه أنه له بإحيائها على قول
أبي حنيفة من اشتراط إذنه بصحة الإحياء، وهذا لا يختص بكون المحيي مستحقاً من بيت
المال، بل لو كان ذمياً ملك ما أحياه. قوله: (أو ملكها السلطان) أي بإحياء أو شراء من
وكيل بيت المال. قوله: (ثم أقطعها له) يعني وهّبها له. قوله: (جاز وقفه لها) وكذا بيعه
ونحوه، لأنه ملكها حقيقة. قوله: (والإرصاد الخ): الرصد: الطريق، ورصدته رصداً من
باب قتل: قعدت له على الطریق، وقعد فدن بالمرصد کجعفر، وبالمرصاد بالكسر،
وبالمرتصد أيضاً: أي بطريق الارتقاب والانتظار، وربك لك بالمرصاد: أي مراقبك، فلا
يخفى عليه شيء من فعالك ولا تفوته. مصباح. ومنه سمى إرصاد السلطان بعض القرى
والمزارع من بيت المال على المساجد والمدارس ونحوها لمن يستحق من بيت المال
كالقراء والأئمة والمؤذنين ونحوهم، كأن ما أرصده قائم على طريق حاجاتهم يراقبها،
وإنما لم يكن وقفاً حقيقة لعدم ملك السلطان له، بل هو تعيين شيء من بيت المال على
بعض مستحقيه، فلا يجوز لمن بعده أن يغيره ويبدله كما قدمنا ذلك مبسوطاً. قوله:
(بصحة إجارة المقطع) تقدم آنفاً وذكرنا عبارة العلامة قاسم، والله سبحانه أعلم.
فَضْلٌ فِي الْجِزْيَةِ(١)
هذا هو الضرب الثاني من الخراج، وقدم الأول لقوته لوجوبه، وإن أسلموا
(١) شرعت الذمة في الإسلام لما اشتملت عليه من فوائد كثيرة لعقد الصلات السلمية بين المسلمين =

٣١٧
كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية
لأنها جزت عن القتل، والجمع جزى كلحية ولحى، وهي نوعان (الموضوع من
الجزية بصلح لا) يقدر ولا (يغير) تحرزاً عن الغدر
بخلاف الجزية، أو لأنه الحقيقة إذ هو المتبادر عند الإطلاق، ولا يطلق على الجزية إلا
مقيداً: أي فيقال خراج الرأس، وهذا أمارة المجاز، وبنيت على فعلة دلالة على الهيئة
التي هي الإذلال عند الإعطاء. نهر. وتسمى جالية من جلوت عن البلد يجدء بالفتح
والمد: خرجت، وأجليت مثله، والجالية: الجماعة، ومنه قيل لأهل الذمة الذين
جلاهم عمر رضي الله عنه عن جزيرة العرب: الجالية، ثم نقلت الجالية إلى الجزية
التي أخذت منهم، ثم استعملت في كل جزية تؤخذ. وإن لم يكن صاحبها أجلى عن
وطنه فقيل: استعمل فلان على الجالية، والجمع الجوالي. مصباح. فإطلاقها على
الجزية مجاز بمرتبتين؟. قوله: (لأنها جزت عن القتل) أي قضت وكفت عنه، فإذا قبلها
سقط عنه القتل. بحر. أو لأنها وجبت عقوبة على الكفر كما في الهداية. قال في
الفتح: ولهذا سميت جزية وهي والجزاء واحد، وهو يقال على ثواب الطاعة وعقوبة
المعصية. قوله: (والجمع جزي) وفي لغة ((جزيات)) مصباح. قوله: (لا يقدر ولا يغير)
= وغيرهم، وقد وضع الإسلام لها قواعد وافية إذا روعيت نشأ عنها صلح دائم فيه الطمأنينة والسلامة
والأمن، فإذا عقد الحربي ذمة مع المسلمين أصبح آمناً على نفسه وولده وماله بعد أن كان دمه مهدراً،
وولده مسبّياً، وماله مغنوماً، وحماه مستباحاً.
ومن فوائدها أنها تعطي الحربي فرصته للاتصال بالمسلمين يعرضون أمامه كتاب الله وسنة رسوله وَ#
وتعاليم دينهم، ومحاسنه وآدابه، ورفقه وقلة تكاليفه، وسهولتها فربما مال قلبه لدين الحق فآمن؛ وكان من
الفائزين، وقد دخل كثير من الناس في الإسلام عن هذا الطريق فهو في الواقع سبيل سلمي من سبل الدعوة
إلى الدین.
ثبتت مشروعية عقد الذمة بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله
ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ ففي هذه الآية
جعل الله نهاية قتالهم إعطاءهم الجزية والتزامها.
وأما السنة: فما رواه الإمام أحمد عن المغيرة بن شعبة أنه قال لعامل كسرى من حديث طويل: ((أمرنا نبينا
رسول ربنا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية)) وهذا الحديث يبين أن القتال غايته الإسلام
أو إعطاء الجزية، وما رواه مسلم عن بريدة رضي الله عنه قال: كان رسول الله﴿﴿ إذا أمّر أميراً على سرية
أو جيش أوصاه في خاصته بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيراً، وقال له: ((إذا لقيت عدوك من
المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم قال: فإن هم
أبوا فسلهم الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، وإن أبوا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم)) الحديث.
وهذا الحديث أيضاً يفيد أن رسول الله ﴿ كان يأمر أمراء الجيوش بدعوة الكفار إلى إعطاء الجزية، وجعل
قبولهم لها سبباً في ترك القتال.
وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على جواز عقد الذمة مع الكفار في الجملة.
وشرع عقد الذمة في السنة الثامنة أو التاسعة من الهجرة.

٣١٨
كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية
(وما وضع بعد ما قهروا وأقروا على أملاكهم يقدر في كل سنة على فقير معتمل)
يقدر على تحصيل النقدين بأيّ وجه كان. ينابيع. وتكفي صحته في أكثر السنة.
هداية (اثنا عشر درهماً) في كل شهر درهم (وعلى وسط الحال ضعفه) في كل
أي لا يكون له تقدير من الشارع بل كل ما يقع الصلح عليه يتعين، ولا يغير بزيادة ولا
نقص. درر. وذلك كما صالح عليه الصلاة والسلام أهل نجران، وهم قوم نصارى
بقرب اليمن على ألفي حلة في العام، وصالح عمر رضي الله تعالى عنه نصارى بني
تغلب على أن يؤخذ من كل واحد منهم ضعف ما يؤخذ من المسلم من المال
الواجب، فلزم ذلك وتقدم تفصيله في الزكاة. فتح. قوله: (وما وضع بعد ما قهروا
الخ) هذا الوضع والتقدير لا يشترط فيه رضاهم كما في الفتح. قوله: (على فقير
معتمل) ظاهره أن القدرة على العمل شرط في حق الفقير فقط لقوله الآتي: ((وفقير غير
معتمل)) وليس كذلك، بل هو شرط في حق الكل، ولذا قال في البناية وغيرها: لا يلزم
الزمن منهم وإن كان مفرطاً في اليسار، وكذا لو مرض نصف السنة، كما في شرح
الزيلعي، فلو حذف الفقير لكان أولى. بحر: أي لو حذفه من قوله الآتي: ((فيمن لا
يوضع عليه الجزية)) وفقير غير معتمل بأن يقول وغير معتمل ليشمل الفقير وغيره، لا
من قوله هنا ((على فقير معتمل)) كما فهمه في النهر، فاعترضه بأنه لو اقتصر على قوله:
((ومعتمل)) لما أفاد اشتراط القدرة على العمل في حق الغني، كيف وقد قابله اهـ.
قلت: الاعتمال: الاضطراب في العمل وهو الاكتساب، والمراد القدرة عليه
حتى لو لم يعمل مع قدرته وجبت، كمن عطل الأرض، كما في الفتح. وقال: قيد
بالاعتمال لأنه لو كان مريضاً في نصف السنة فصاعداً لا يجب عليه شيء اهـ. وبه ظهر
أن التقييد بالمعتمل هنا واقع في محله، وأن قوله الآتي: ((لا توضع على زمن وأعمى
وفقير غير معتمل)) تصريح بمفهوم القيد هنا، وأن عطف الفقير والأعمى على الزمن
عطف خاص على عام، لأن المراد بالزمن العاجز فلو اقتصر عليه لأغناه لشموله الفقير
وغيره، وقد يقال: إن غير المعتمل أعم، لأنه يشمل ما إذا كان سالم الآلات صحيح
البدن، لكنه لا يقدر على الكسب لخرقه وعدم معرفته معرفة يكتسب منها؛ وعلى هذا
فتكون القدرة على العمل شرطاً في الفقير فقط، إذ لا شك أن غير الفقير توضع عليه إذا
كان صحيحاً غير زمن، ولا أعمى، وإن لم يكن معتملا بهذا المعنى المذكور فيتعين
تفسير غير المعتمل بما ذكرنا ليندفع الاستدراك على عبارات المتون، ثم رأيت في
القهستاني ما يؤيده حيث قال: وفيه إشارة إلى أن الفقير هو الذي يعيش بكسب يده في
كل يوم، فلو فضل على قوته وقوت عياله أخذت منه، وإلا فلا، وإلى أن غيره من لا

٣١٩
كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية
شهر درهمان (وعلى المكثر ضعفه) في كل شهر أربعة دراهم. وهذا للتسهيل لا
لبيان الوجوب، لأنه بأول الحول بناية (ومن ملك عشرة آلاف درهم فصاعداً:
غني، ومن ملك مائتي درهم فصاعداً متوسط، ومن ملك ما دون المائتين أو لا
يملك شيئاً فقير) قاله الكرخي وهو أحسن الأقوال، وعليه الاعتماد. بحر.
واعتبر أبو جعفر العرف، وهو الأصح. تاترخانية. ويعتبر وجود هذه الصفقات
في آخر السنة. فتح. لأنه يوقت وجوب الأداء.
حاجة له إلى الكسب للنفقة في الحال. قوله: (وهذا للتسهيل الخ) الإشارة إلى قوله:
((في كل شهر درهم)) وقوله: ((في كل شهر درهمان)) وقوله: ((في كل شهر أربعة)) وفي
القهستاني عن المحيط: إنها تجب في أوله عندهم لأنها جزاء القتل، وبعقد الذمة يسقط
الأصل، فوجب خلفه في المحال، إلا أنه يخاطب بأداء الكل عنده في آخر الحول
تخفيفاً، وبأداء قسط شهرين عند أبي يوسف آخرهما، وقسط شهر عند محمد في
آخره اهـ. ومثله في التاتر خانية، فما ذكره الشارح تبعاً للهداية قول محمد.
والحاصل: أنها تجب في أول العام وجوباً موسعاً كالصلاة وإنما يجب الأداء في
آخره أو في آخر كل شهرين أو شهر للتسهيل والتخفيف عليه. قوله: (واعتبر أبو جعفر
العرف) حيث قال: ينظر إلى عادة كل بلد في ذلك؛ ألا ترى أن صاحب خمسين ألفاً
ببلخ يعدّ من المكثرين. وفي البصرة وبغداد لا يعدّ مكثراً. وذكره عن أبي نصر محمد بن
سلام. فتح. قوله: (وهو الأصح) صححه في الولوالجية أيضاً. قال في الدر المنتقى:
والصحيح في معرفة هؤلاء عرفهم، كما في الكرماني وهو المختار كما في الاختيار،
وذكره القهستاني واعترف في المنح تبعاً للبحر بأنه: أي التحديد لم يذكر في ظاهر
الرواية، ولا يخفى أن الأول: أي اعتبار العرف أقرب لرأي صاحب المذهب، وأقره في
الشرنبلالية. وفي شرح المجمع وغيره: وينبغي تفويضه للإمام: أي كما هو رأي
الإمام، وفي التاترخانية: إنه الأصح فتبصر اهـ: يعني أن رأي الإمام أن المقدرات التي
لم يرد بها نص لا تثبت بالرأي، بل تفوّض إلى رأي المبتلي كما قال في الماء الكثير
وفي غسل النجاسة وغير ذلك. قوله: (ويعتبر وجود هذه الصفات في آخر السنة الخ)
قال في البحر: وينبغي اعتبارها في أولها لأنه وقت الوجوب اهـ. ورده في النهر بأنهم
اعتبروا وجودها في آخرها، لأنه وقت وجوب الأداء، ومن ثم قالوا: لو كان في أكثر
السنة غنياً أخذ منه جزية الأغنياء، أو فقيراً أخذت منه جزية الفقراء ولو اعتبر الأول
لوجب إذا كان في أولها غنياً فقيراً في أكثرها أن يجب جزية الأغنياء وليس كذلك؛ نعم
الأكثر كالكل اهـ. واعترضه محشي مسكين، بأن ما أورده على اعتبار الأول مشترك

٣٢٠
كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية
نهر (وتوضع على كتابي) يدخل في اليهود السامرة لأنهم يدينون بشريعة موسى
عليه الصلاة والسلام، وفي النصارى الفرنج والأرمن، وأما الصابئة ففي الخانية
الإلزام، إذ هو وارد أيضاً على اعتبار الآخر لاقتضائه وجوب جزية الأغنياء إذا كان غنياً
في آخرها فقيراً في أكثرها اهـ.
قلت: وحاصله أنه إذا كان المعتبر الوصف الموجود في أكثر السنة فلا فرق بين
كونه في أولها أو آخرها، وعلى هذا فمن اعتبر آخرها أراد إذا كان ذلك الوصف
موجوداً في أكثرها، وعلى هذا فلا اعتبار لخصوص الأول أو الآخر، لكن سيذكر
المصنف أن المعتبر في الأهلية وعدمها وقت الوضع، بخلاف الفقير إذا أيسر بعد
الوضع، حیث توضع علیه.
وحاصله على وجه يحصل به التوفيق بينه وبين اعتبار أكثر السنة: أن من كان من
أهلها وقت الوضع وضعت عليه، وذلك بأن يكون حراً مكلفاً وإلا لم توضع علیه،
وإن صار أهلاً بعده كما سيأتي، ومن كان أهلًا وقت الوضع لكن قام به عذر لم
توضع عليه إلا إذا زال العذر بعده كالفقير إذا أيسر والمريض إذا صح، لكن بشرط أن
يبقى من السنة أكثرها، وعلى هذا فيعتبر أول السنة لتعرف الأهل من غيره، وبعد
تحقق الأهلية لا يعتبر أولها في حق تغير الأوصاف، بل يعتبر أكثرها فيه كما إذا كان
مريضاً في أولها، فإن صح بعده وجبت، وإلا فلا، وكذا لو كان فقيراً غير معتمل، ثم
صار فقيراً معتملاً أو متوسطاً أو غنياً في أكثرها، وعلى هذا يحمل ما في الولوالجية
وغيرها من أن الفقير لو أيسر في آخر السنة أخذت منه اهـ: أي إذا أيسر أكثرها،
وعلى هذا عكسه بأن كان غنياً في أولها فقيراً في آخرها اعتبر ما وجد في أكثرها،
لكن ما مر من أنه يؤخذ في كل شهر قسط يؤخذ ممن كان غنياً في أولها شهرين مثلاً
قسط شهرين دون الباقي لما في القهستاني عن المحيط، يسقط الباقي في جزية السنة
إذا صار شيخاً كبيراً أو فقيراً أو مريضاً نصف سنة أو أكثرها اهـ. وأشار إلى أن ما
نقص عن نصف سنة لا يجعل عذراً، ولذا قال في الفتح: إنما يوظف على المعتمل
إذا كان صحيحاً في أكثر السنة، وإلا فلا جزية عليه، لأن الإنسان لا يخلو عن قليل
مرض، فلا يجعل القليل منه عذراً وهو ما نقص عن نصف العام اهـ. هذا ما ظهر لي
في تحرير هذا المحل، والله تعالى أعلم. قوله: (وتوضع على كتابي) أي ولو عربياً.
فتح. والكتابي من يعتقد ديناً سماوياً: أي منزلًا بكتاب كاليهود والنصارى. قوله:
(السامرة) فاعل ((يدخل)) وهم فرقة من اليهود وتخالف اليهود في أكثر الأحكام، ومنهم
السامريّ الذي وضع العجل وعبده مصباح. قوله: (والأرمن) نسبة على خلاف القياس
إلى إرمينية بكسر الهمزة والميم بينهما راء ساكنة وبفتح الياء الثانية بعد النون وهي