النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
كتاب الجهاد/ باب المغنم وقسمته
ومكاتب (ورضخ لهم) قبل إخراج الخمس عندنا (إذا باشروا القتال أو كانت المرأة
أعتق كذلك. قوله: (ورضخ لهم) أي يعطون قليلاً من كثير، فإن الرضيخة هي الإعطاء
كذلك، والكثير السهم فالرضخ لا يبلغ السهم. فتح. قوله: (عندنا) وفي قول للشافعي
ورواية عن أحمد أنه من أربعة الأخماس(١). فتح. قوله: (إذا باشروا القتال) شمل المرأة
فإنها يرضخ لها إذا قاتلت أيضاً(٢)، وأطلاق مباشرة القتال في العبد، فشمل ما إذا قاتل
بإذن سيده أو بدونه كما في الفتح، وبه صرح في شرح السير الكبير، وقال: القياس أنه
إذا قاتل بلا إذن المولى لا يرضخ له كمستأمن قاتل بلا إذن الإمام، والاستحسان أنه
يرضخ؛ لأنه غير محجور عما يتمحض منفعة، وهو نظير القياس والاستحسان في العبد
المحجور إذا آجر نفسه وسلم من العمل اهـ. ملخصاً. وبه ظهر أن قوله في الولوالجية:
إن العبد إذا كان مع مولاه يقاتل بإذنه يرضخ له غير قيد خلافاً لما فهمه في البحر، ولم
(١) اختلف الفقهاء في مأخذ الرضخ فذهب الحنفية والشافعي في قول له وأحمد في رواية عنه إلى أنه من أصل
الغنيمة، والحجة في ذلك أنه من أعوان المجاهدين فجعل حقه في أصل الغنيمة كالنقال والحافظ، وذهب
الشافعي في أظهر الأقوال عنه، وأحمد في رواية عنه إلى أنه من الأخماس الأربعة، والحجة في ذلك أنه من
المجاهدين فحقه في الأخماس الأربعة.
وذهب الشافعي في قول ثالث له إلى أنه من خمس الخمس المرصد للمصالح، وذهب الإمام مالك إلى أنه
من الخمس كله. والحجة في ذلك أنه من أهل المصالح فحقه في سهمها. والراجح المذهب الأول؛ لأنه
لم يصل إلى درجة المجاهدين حتى يعتبر منهم؛ ولأن عمله أشق من عمل أرباب المصالح، فلا يصح
اعتباره منهم.
(٢) ذهب الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه لا يسهم للمرأة والصبي والعبد، بل يرضخ لهم،
وذهب الإمام مالك في المشهور عنه إلى أن الذين لا يسهم لهم لا يرضخ لهم أيضاً، وله في الصبي إن
أجيز وقاتل خلاف:
وحكى الشوكاني عن الأوزاعي أنه يسهم للمرأة والصبي، وهذا هو مشهور المذاهب.
استدل الجمهور بما رواه أحمد ومسلم عن عبد الله بن عباس أن النبي و كان يغزو بالنساء فيداوين
الجرحى ويحذين من الغنيمة، وأما بسهم فلم يضرب لهن وعنه: كان رسول الله# ((يعطي المرأة
والمملوك من الغنائم دون ما يصيب الجيش)) رواه أحمد . وعنه أيضاً ((أنه كتب إلى نجدة الحروري: سألت
عن المرأة والعبد هل كان لهما سهم معلوم إذا حضرا البأس، وأنه لم يكن لهما سهم معلوم إلا أن يُحذيا من
غنائم القوم» رواه أحمد ومسلم.
وليس للإمام مالك على منع الرضخ دليل معروف. قال الشوكاني: والظاهر أنه لا يسهم للنساء والصبيان
والعبيد والذميين وما ورد من الأحاديث مما فيه إشعار بأن النبي ير أسهم لأحد من هؤلاء فينبغي حمله على
الرضخ، وهو العطية القليلة جمعاً بين الأحاديث، وقد صرح ابن عباس بذلك. وكذلك صرح حديث عمير
مولى آبي اللحم، فإن فيه أن النبي ◌َّر رضخ له بشيء من الأثاث، ولم يسهم له. وبذلك يتعين حمل ما
جاء في مرسل الأوزاعي أن النبي ير أسهم للصبيان بخيبر ((رواه الترمذي- وما في مرسل الزهري أنه الفول
أسهم لقوم من اليهود قاتلوا معه)) رواه الترمذي وأبو داود في مراسيله وما عن حشرج أنه غير أسهم للنساء)»
رواه أحمد وأبو داود. ويحمل ذلك كله على مجرد العطية جمعاً بين الأحاديث. انظر الجهاد للدكتور شحاتة.

٢٤٢
كتاب الجهاد/ باب المغنم وقسمته
تقوم بما صالح المرضى) أو تداوي الجرحى (أو دل الذمي على الطريق) ومفاده
جواز الاستعانة بالكافر عند الحاجة، وقد استعان عليه الصلاة والسلام باليهود .
أر من نبه عليه فتنبه، وظهر به أيضاً أن قوله في اليعقوبية: ينبغي أن يسهم للعبد
المأذون بحث مخالف للمنقول.
تنبيه: اقتصر المصنف على المذكورين، لأن الأجير لا يسهم له ولا يرضخ لعدم
اجتماع الأجر والنصيب من الغنيمة، إلا إذا قاتل فإنه يسهم له. بحر: أي بخلاف
المذكورين فإنهم إذا قاتلوا يرضخ ولا يسهم لهم. قوله: (أو تداوي الجرحى) هذا داخل
فيما قبله، مع أنه يوهم التخصيص بهذا النوع، فالأولى أن يقول بدله: أو تطبخ أو تخبز
للغزاة كما في شرح السير، ومثل ذلك السقي ومناولة السهام كما في الفتح.
والحاصل: أن المراد حصول منفعة منها للغزاة احترازاً عما إذا خرجت لخدمة
زوجها مثلاً. قوله: (عند الحاجة) أما بدونها فلا، لأنه لا يؤمن غدره.
مَطْلَبٌ فِي الْاسْتِعَانَةِ بِمُشْرِكِ(١)
قوله: (وقد استعان عليه الصلاة والسلام الخ) ذكر في الفتح أن في سنده ضعفاً،
(١) اتفق الفقهاء على أن المسلمين إذا لم يأمنوا جانب الكافر، وخافوا منه إنشاء السّر للأعداء لا يجوز لهم
الاستعانة به لا في الحرب؛ لأن الاستعانة به في هذه الحالة تؤدي إلى نقيض المقصود منها، وهو نصرة
المسلمين وإعلاء كلمة الله، ولا في خدمة الجيش والأعمال التمهيدية كحفر الخنادق وبناء الحصون وتمهيد
الطرق وإصلاح آلات الحرب وغير ذلك.
واختلفوا فيما عدا ذلك، فذهب الإمام مالك وأحمد في رواية عنه إلى أنه يحرم الاستعانة بالكفار في الجهاد،
وبهذا قال ابن المنذر، والجوزجاني، وجماعة من أهل العلم. وذهب الإمام أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد
في رواية أخرى إلى جواز الاستعانة بهم، وشرط الشافعي مع أمن خيانتهم كونهم بحيث لو انضم المستعان
به إلى العدو قاومناهم.
استدل المانعون بما يأتي:
((أولاً): ما رواه أحمد ومسلم عن عائشة قالت: خرج النبي ◌َّهِ قِبَل بدر، فلما بحرَّة كان الوبرة أدركه رجل
كانت تذكر منه جرأة ونجدة، ففرح به أصحاب رسول الله ◌ِ الر حين رأوه، فلمّا أدركه قال: جئتك لأتبعك،
فأصيب معك، قال له رسول الله وَله: ((تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا، قال: ارجع فلن أستعين بمشرك))
قالت: ثم مضى حتى إذا كان بالشجرة أدركه الرجل فقال له كما قال أول مرة، قال له النبي وَّ كما قال
أول مرة، فقال: لا، قال: فارجع فلن أستعين بمشرك، قالت: فرجع فأدركه بالبيداء، فقال له كما قال أول
مرة: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: ((نعم، فقال له: فانطلق)).
(ثانياً)): ما رواه الإمام أحمد عن خبيب بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده قال: أتيت النبي وق طر وهو يريد
غزواً أنا ورجل من قومي ولم نسلم، فقلنا: إنا نستحي أن يشهد قومنا مشهداً لا نشهده معهم، فقال:
أسلمتما؟ فقلنا: لا، فقال: ((إنّا لا نستعين بالمشركين على المشركين، فأسلمنا، وشهدنا معه)). ففي هذين
الحديثين نفي صريح للاستعانة بعموم المشركين؛ لأن لفظ مشرك نكرة في سياق النفي، ولفظ المشركين
في الحديث الثاني جمع معرف بأداة الاستغراق، فيفيد العموم، ولم يقبل منهم النبي ◌َّر الاستعانة في القتال
مع شدة رغبتهم فيه حتى أسلموا.
=

٢٤٣
كتاب الجهاد/ باب المغنم وقسمته
= (ثالثاً): أن الكافر لا يؤمن مكره وغدره لخبث طويته، والحرب تقتضي المناصحة، والكافر ليس
من أهلها.
وقد نوقش الدليلان الأوّلان بأنهما لا يدلان على عدم جواز الاستعانة بالمشركين، وإنما كان ردّ
الرسول * لمن ردّ؛ لأنه تفرس فيهم الرغبة في الإسلام فردهم رجاء أن يسلموا، وقد صدّق الله ظنه.
وقد ردّت هذه المناقشة بأن الحديثين عامّان في المنع من الاستعانة بمن طلب الإعانة وغيره.
استدل المجيزون بما يأتي:
((أولاً)): ما رواه الإمام الشافعي وأبو يوسف عن الحسن بن عمارة عن الحكم بن مقسم عن ابن عباس قال:
استعان رسول الله # بيهود بني قينقاع فرضخ لهم ولم يسهم.
(ثانياً)): ما رواه أبو داود في مراسيله عن الزهري أن النبي وير استعان بناس من اليهود في خيبر في حربه
فأسهم لهم.
(ثالثاً): ما رواه أحمد وأبو داود عن ذي مخبر قال: سمعت رسول الله وَ له يقول: ((ستصالحون الروم صلحاً
تغزون أنتم وهم عدوّاً من ورائكم، فأخبر عليه الصلاة والسلام بأن المسلمين سيحصل منهم التعاون مع
الروّم، وإخباره ير صدق لا شك فيه، ولم يذكر ما يدل على أنه ممنوع.
(رابعاً)): هناك حوادث أخرى اشتهرت عند أهل السّير تفيد الاستعانة بهم كما في زاد المعاد وعيون الأثر
والشوكاني منها أن قزمان خرج مع رسول الله # وهو مشرك فقتل ثلاثة من بني عبد الدار حملة لواء
المشركين حتى قال رسول الله *: إن الله ليأزر هذا الدّين بالرجل الفاجر، ومنها أن خزاعة خرجت مع
النبي 98 على قريش عام فتح مكة، ومنها أن النبي ◌َ #، استعار من صفوان بن أُميّة دروعاً وأشياء أخرى
يستعان بها في الحرب، وكان صفوان في ذلك الوقت مشركاً.
وأجابوا عن حديث عائشة وحديث خبيب رضي الله عنهما بأنهما منسوخان؛ لأن المنع من الاستعانة كان
في أول الأمر ثم استعان بهم النبي ﴿ في غزوة خيبر سنة ستّ من الهجرة فتكون ناسخة لما قبلها.
ونوقشت أدلة المجيزين بما يأتي؛
((أولاً)): الحديث الأول في سنده الحسن بن عمارة وهو ضعيف، فلا يحتج به.
(ثانياً)): والحديث الثاني أرسله الزهري، وكان يحيى بن القطّان لا يرى مراسيل الزهري شيئاً، ويقول: هي
بمنزلة الريح.
(ثالثاً): حديث ذي مخبر ليس في استعانة المسلمين بأفراد من الكفّار، وإنما هو في التحالف معهم ضد
عدوّ مشترك.
(رابعاً): يقال في حديث قزمان: إنه لم يبين طريقه ليمكن الحكم عليه، ولو سلمت صحته فلم يثبت
أنه* أذن له بذلك في الابتداء، وغاية ما فيه أنه يجوز للإمام السكوت عن كافر قاتل مع المسلمين تبرعاً
منه من غير استعانة منهم به، وأما خزاعة فقد كانوا حلفاء النبي # أولاهم من ذلك أنهم كانوا في ذلك
الوقت مسلمين بدليل قول عمران بن سالم الخزاعي حين وفد على النبي # يستنصره على بني بكر
وقریش:
يارب إني ناشد محمّداً حلف أبينا وأبيه الأتلدا
قد كنتم ولداً وكنا والدا ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا
إلى أن قال:
هم بيَّتونا بالوتير هجّدا وقاتلونا ركعاً وسجّدا
وأمّا حديث صفوان فهو في غير محل النزاع؛ لأن ما فيه أن النبي # استعان بالسّلاح، والكلام في
الاستعانة بالرجال، والفرق واضح.
ومن هذه المناقشة يظهر أن أدلة المجيزين لا تنهض للاستدلال فضلاً عن كونها تعارض أدّلة المنع، ولو
صحّ أن النبي ﴿ استعان بأحد من المشركين لأمكن أن نجعله مخصوصاً من عموم المنع =

٢٤٤
كتاب الجهاد/ باب المغنم وقسمته
على اليهود ورضخ لهم (ولا يبلغ به السهم إلا في الذمي) إذا دل فيزاد على
السهم، لأنه كالأجرة (والبراذين) خيل العجم (والعتاق) بكسر العين جمع عتيق:
كرام خيل العرب، والهجين الذي أبوه عربيّ وأمه عجمية، والمقرف عكسه.
قاموس (سواء لا) يسهم (للراحلة والبغل) والحمار لعدم الإرهاب (والخمس)
الباقي يقسم أثلاثاً عندنا
وأن جماعة قالوا: لا يجوز لحديث مسلم ((أَنةُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ خَرَجَ إِلَى بَدْرٍ فَلَحِقَهُ
رَجُلٌ مُشْرِكٌ فَقَالَ: ارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ)) الحديث. وروى ((رَجُلَانِ)) ثم قال: وقال
الشافعي رده عليه الصلاة والسلام المشرك والمشركين كان في غزوة بدر، ثم إنه عليه
الصلاة والسلام استعان في غزوة خيبر بيهود من بني قينقاع، وفي غزوة حنين
بصفوان بن أمية، وهو مشرك، فالرد إن كان لأجل أنه كان مخيراً بين الاستعانة وعدمها
فلا مخالفة بين الحديثين، وإن كان لأجل أنه مشرك فقد نسخه ما بعد. قوله: (فيزاد
على السهم) أي إذا كان في دلالته منفعة عظيمة للمسلمين فيرضخ له على قدر ما يرى
الإمام ولو أكثر من سهام الفرسان. شرح السير. قوله: (لأنه كالأجرة) أشار إلى الفرق
بين ما إذا قاتل الذمي حيث لا يبلغ في الرضخ له السهم وما إذا دل حيث تصح الزيادة،
وهو أن ما يدفع له في هذه الحالة ليس رضخاً، بل قائم مقام الأجرة، بخلاف ما إذا
قاتل فإنه لا يبلغ به السهم لأنه عمل عمل الجهاد، ولا يسوّى في عمله بين من يؤجر
عليه ومن لا يقبل منه. أفاده في الفتح.
تنبيه: قال في الحواشي اليعقوبية: لا وجه لتخصيص حكم الدلالة على الطريق
بالذمي، لأن العبد أيضاً إذا دل يعطى له أجر الدلالة بالغاً ما بلغ، إلا أن تمنع إرادة
التخصيص، فليتأمل اهـ. قوله: (سواء) أي في القسم فلا يفضل أحدها على الآخر. فتح.
وهو خبر عن قول المصنف: ((والبراذين والعتاق)) وعلى حل الشارح خبر لمبتدأ محذوف:
أي هذه الأربعة سواء، لأنه قدر لكل واحد منها على انفراده خبراً، فلا يصلح أن يكون
خبراً عنها جميعاً، ولا يخفى أن ما زاده الشارح من الهجين بوزن عجين، والمقرف بوزن
محسن يفهم حكمه بالأولى لأنه فوق البراذين. قوله: (لا يسهم للراحلة) هي المركوب من
الإبل ذكراً كان أو أنثى، والتاء فيها للوحدة أو للنقل من الوصفية إلى الإسمية، والجمل
يختص بالذكر ط. قوله: (لعدم الإرهاب) أي تخويف العدو إذ لا تصح للكرّ والفر.
مَطْلَبْ فِي قِسْمَةِ الْخُمْسِ(١)
قوله: (والخمس الباقي) أي الباقي بعد أربعة أخماس الغانمين. قوله: (عندنا)
= للمصلحة، ولأمكن أن نقيس عليه مثله مما يكون في الاستعانة به مصلحة للمسلمين، ولكن لم يظهر.
ذلك. الجهاد للدكتور شحاتة .
(١) اختلف الفقهاء في حكم الخمس فرأى الإمام مالك أن أمره موكول إلى الإمام يصرفه حيث يرى =

٢٤٥
كتاب الجهاد/ باب المغنم وقسمته
= المصلحة. وأن الجهات المذكورة في الآية السابقة ليست بياناً للاستحقاق.
بحيث يتقيد الصرف بها، ولا يجوز إلى غيرها بل هي بيان للمصرف، فيجوز للإمام إذا رأى المصلحة في
غير الصرف إليهم أن يفعل ما يراه كأن يضع الخمس في بيت المال، ثم يصرف منه على الفقراء وعلى
مصالح المسلمين:
ورأى الباقون أنه لا يجوز الخروج بالخمس عما بينه الله، إلّ أنهم اختلفوا بعد ذلك في موضعين:
((الأول)): عدد الجهات التي يصرف إليها.
((الثاني)): هل الجهات التي ثبت الصرف لها يصرف إليها على سبيل الاستحقاق والملك بحيث لا يصح
حرمان صنف منها أم على جهة بيان المصرف فيجوز إعطاء جميعه لبعض تلك الجهات دون بعض؟ !.
فذهب الإمامان الشافعي وأحمد إلى أن الجهات هي الرسول عليه الصلاة والسلام، وذوو القربى، واليتامى،
والمساكين، وابن السبيل، وأن الصرف إليها على سبيل الاستحقاق، فلا يجوز حرمان جهة منها، وذهب أبو
حنيفة إلى أن الجهات التي يصرف إليها بعد وفاة الرسول وَّهه هي اليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وأن
الصرف إليها ليس على سبيل الاستحقاق حتى يجب الصرف إلى الجميع، بل يجوز الاقتصار على إعطاء
البعض دون البعض.
وأصل الخلافية الثانية خلافهم في آية الصدقات ﴿إنما الصّدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها
والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم﴾ فذهب
الشافعي إلى أن اللّم فيها للملك والاستحقاق، فلا بد من إعطاء الجميع، وقرر ذلك نفسه في آية الغنيمة.
وذهب الحنفية إلى أنها لبيان المصرف، فلا يلزم الصرف إلى الجميع، وقرروا ذلك أيضاً في الغنيمة فلم
يوجبوا الصرف فيها إلى الجميع.
وأمّا أحمد فقد وافق الحنفية في آية الصدقات، ولم يوجب الصرف إلى الجميع غير أنه خالفهم في آية
الغنيمة، ووافق الشافعية فيها فأوجب الصرف إلى الجميع، ولعل وجهه أن الغنيمة سببها قوة الغانمين
واستيلاؤهم عليها بالحوز والنصرة فكانت بذلك كالحاصل لهم ببذل أنفسهم وقوتهم، فتكون للملك
للمصرف، والصدقات تخالفها في ذلك.
استدل الإمام مالك على رأيه في الخلافية بينه وبين الأئمة بما يأتي:
((أولاً): أنه روى في الصحيح أن النبي و بعث سرية قبل نجد فأصابوا في سهمانهم اثني عشر بعيراً،
ونقلوا بعيراً بعيراً.
(ثانياً): روي في الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال: ((آثر النبي ◌َ له يوم حنين أناساً في الغنيمة، فأعطى
الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مائة من الإبل، وأعطى أناساً من أشراف العرب وآثرهم
يومئذ في القسمة، فقال رجل: والله إن هذه لقسمة ما عدل فيها، وما أريد بها وجه الله فقلت: والله لأخبرن
النبي * فأخبرته، فقال: من يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟ رحم الله موسى فقد أوذي بأكثر من هذا
فصبر).
(ثالثاً): ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال في أسارى بدر: ((لو كان المطعم بن عدي حيّاً، وكلمني في
هؤلاء النتنى لترکتهم له)).
((رابعاً)): ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه رد سبي هوازن وفيه الخمس. دلت هذه التصرفات، وهذه
الأحاديث على أن للإمام أن يفعل فيما يحصل عليه المسلمون من الكفار بحسب ما يرى من المصلحة،
فقد أعطى المؤلفة قلوبهم وليسوا ممن ذكر في الآية، ورد الخمس على المجاهدين بأعيانهم ولم يكونوا تمن
ذكر، ودلت أيضاً على أن هذه الأصناف المذكورة في الآية المقصود منها بيان المصرف لا بيان
الاستحقاق.
واستدل الشافعي وأحمد في الخلافية الأولى بينهما وبين الحنفية، وهي عدد الجهات التي يصرف فيها
الخمس بما يأتي:
=

٢٤٦
كتاب الجهاد/ باب المغنم وقسمته
= ((أولاً)): قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ الآية فهذه الآية صريحة في وجوب
إعطاء الخمس للأصناف التي ذكرت فيها، وقد صرفه النبي ويله إلى هذه الأصناف.
(ثانياً)): أن الله أوجب الخمس لقوم موصوفين بصفات كما أوجب الأخماس الأربعة لآخرين، وقد أجمعوا
على أن حق الأخماس الأربعة لا يستحقه غيرهم، فكذلك حق أهل الخمس قالوا: ولفظ الجلالة ذكر في
الآية للتبرك به وافتتاح الأمور باسمه لا لإفراده بسهم؛ لأن الله له ملك السموات والأرض. فسهم الرسول
عليه الصلاة والسلام يصرف بعده في مصالح المسلمين لما ورى جبير بن مطعم أن رسول الله {#9 حين
صدر من خيبر تناول بيده شيئاً من الأرض أو وبرة من بعيره، وقال: ((والذي نفسي بيده مالي مما أفاد الله
عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم» فجعله لجميع المسلمين، ولا يمكن صرفه إلى جميع
المسلمين إلا بأن يصرف في مصالحهم، وسهم لذوي القربى وهم بنو هاشم وبنو المطلب يستوي فيه
غنيهم وفقيرهم لقوله تعالى: ﴿ولذي القربى﴾ من غير فصل بين الغني والفقير؛ ولأن الحكم المعلق
بوصف مشتق يؤذن بعلية مبدأ الاشتقاق، ولما رواه أحمد وأبو داود عن جبير بن مطعم قال: لما قسم
الله ◌َ* سهم ذوي القربى من خيبر بين بني هاشم وبني المطلب جئت أنا وعثمان بن عفان فقلنا: يا رسول
الله هؤلاء بنو هاشم، لا ينكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله عز وجل منهم أرأيت إخواننا من بني
المطلب أعطيتهم وتركتنا، وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة؟ فقال: ((إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا
إسلام، وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد)» وشبك بين أصابعه.
ولما روي أن النبي ﴿ أعطى العباس، وكان من أغنياء قريش؛ ولأنه حق يستحق بالقرابة بالشرع فيستوي
فيه الغني والفقير كالميراث.
وأمّا الحنفية فقد استدلوا على ما ذهبوا إليه في هذه الخلافية بما يأتي:
((أولاً)): ما رواه أبو يوسف عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنه أن الخمس كان يقسم
على عهده # على خمسة أسهم الله والرسول سهم ولذي القربى سهم، ولليتامى سهم، وللمساكين سهم،
ولابن السبيل سهم؛ ثم قسم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم على ثلاثة أسهم: لليتامى سهم،
وللمساكين سهم، ولابن السبيل سهم، وبهذا ثبت أن الخلفاء الراشدين قسموا على ثلاثة أسهم بمحضر من
الصحابة، ولم ينكر عليهم أحد فكان إجماعاً.
(ثانيا) أن ثبوت الحق لذوي القربى في الغنيمة كان عوضاً عما حرم عليهم من الصدقات، وقد ورد ذلك
في حديث: ((يا بني هاشم إن الله كره لكم غسالة الناس وأوساخهم، وعوضكم عنها بخمس الخمس))
والعوض إنما يثبت في حق من يثبت في حقه المعوض.
والمعوض وهو الصدقة لا يثبت باتفاق إلا للفقراء، فوجب أن يكون العوض وهو سهم الغنيمة خاصّاً بهم،
وعلى هذا يُلغى وصف القرابة في إعطائهم بعد وفاة الرسول ؛ لأنهم كانوا يأخذونه في عهده ◌َلو
بوصف قرابة النصرة لا بوصف قرابة النسب، وقد فات ذلك بموته عليه الصلاة والسلام، ويدل على أنهم
كانوا يأخذونه بالنصرة قوله : ((إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام)).
((المناقشة))
يرد على أدلة المالكية في إعطاء المؤلفة قلوبهم والغانمين من الخمس وعدم التقيد بالجهات التي ذكرت
في آية الغنيمة - أن الظاهر كما قال ابن تيمية أن أعطاءهم كان من سهم المصالح من الخمس، ويحتمل أن
يكون نفلاً من أربعة أخماس الغنيمة عند من يجيز التنفيل منها.
وأمّا ما فعله عليه الصلاة والسلام في أسارى بدر وسبي هوازن فهو من قبيل المن، وليس في محل
النزاع. ويرد عليهم أيضاً بأن فيه إلغاء ما نص الله عليه بما لم ينص عليه، والنص مقدم على سواه من
الأدلة، فلا بد من بقائه ولو في بعض الجهات.
ويقال للحنفية في الدليل الأول: إن حديث أبي يوسف في سنده الكلبي، وهو مضعف عند أهل الحديث.
ويقال لهم فيه أيضاً: إن الإجماع الذي حصل إنما هو إجماع الخلفاء الراشدين وحدهم؛ وإلّا فهو محل =

٢٤٧
كتاب الجهاد/ باب المغنم وقسمته
(لليتيم والمسكين وابن السبيل) وجاز صرفه لصنف واحد. فتح. وفي المنية:
لو صرفه للغانمين لحاجتهم جاز، وقد حققته في شرح الملتقى (وقدم فقراء ذوي
القربى) من بني هاشم (منهم)
وأما عند الشافعي فيقسم أخماساً: سهم لذوي القربى، وسهم للنبي ◌ّله يخلفه فيه الإمام
ويصرفه إلى مصالح المسلمين، والباقي للثلاثة للآية. زيلعي. قوله: (لليتيم) أي
بشروط فقره، وفائدة ذكره دفع توهم أن اليتيم لا يستحق من الغنيمة شيئاً لأن استحقاقها
بالجهاد، واليتيم صغير فلا يستحقها، ومثله ما في التأويلات للشيخ أبي منصور لما كان
فقراء ذوي القربى يستحقون بالفقر، فلا فائدة في ذكرهم في القرآن. أجاب بأن أفهام
بعض الناس قد تفضي إلى أن الفقير منهم لا يستحق، لأنه من قبيل الصدقة، ولا تحل
لهم. بحر. قوله: (والمسكين) المراد منه ما يشمل الفقير. قوله: (وجاز صرفه الخ)
علله في البدائع بأن ذكر هؤلاء الأصناف لبيان المصارف، لا الإيجاب الصرف إلى كل
صنف منهم شيئاً، بل لتعيين المصرف، حتى لا يجوز الصرف إلى غير هؤلاء اهـ.
شرنبلالية. قوله: (وقد حققته في شرح الملتقى) ونصه. والخمس الباقي من المغنم
كالمعدن والركاز يكون مصرفها لليتامى المحتاجين والمساكين وابن السبيل، فتقسم
عندنا أثلاثاً، هذه الأموال الثلاثة لهؤلاء الأصناف الثلاثة خاصة، غير متجاوز عنهم إلى
غيرهم، فتصرف لكلهم أو لبعضهم، فسبب استحقاقهم احتياج بيتم أو مسكنة أو كونه
ابن السبيل، فلا يجوز الصرف لغنيهم، ولا لغيرهم كما في الشرنبلالية والقهستاني.
قلت: ونقلت فيما علقته على التنوير عن المنية أنه لو صرف للغانمين لحاجتهم
جاز اهـ. ولعله باعتبار الحاجة فلا تنافي حينئذ، فتنبه اهـ.
أقول: لا معنى للترجي بعد تصريح المنية بقوله: ((لحاجتهم)) اهـح. قوله: (من
بني هاشم) بيان لذوي القربى، وفيه قصور، لأن المراد بهم هنا بنو هاشم وبنو
= النزاع إلى اليوم بين العلماء، هذا على فرض حصوله مع أنه لم يثبت؛ لأن الإمام الشافعي في الأم
روى ما يثبت أن الخلفاء أعطوا ذوي القربى نصيبهم منه.
ويقال لهم في الدليل الثاني: إن الكمال بن الهمام قال: إن الحديث بهذا اللفظ غريب، ولفظ العوض إنما
وقع في عبارة بعض التابعين، ثم كون العوض يثبت في حق من يثبت في حقه المعوض ممنوع.
ثم إن مذهب الحنفية يقتضي أن المراد بقوله تعالى: ﴿ولذي القربى﴾ الفقراء، فيقتضي استحقاق فقرائهم
أو كونهم مصرفاً مستمراً، وينافيه اعتقاد حقية منع الخلفاء الراشدين إياهم مطلقاً كما هو ظاهر ما روينا من
أنهم لم يعطوا ذوي القربى شيئاً من غير استثناء فقرائهم.
وكذا ينافيه إعطاؤه * الأغنياء منهم كما روي أنه أعطى العباس، وكان له عشرون عبداً يتجرون، على أن
وصف القرابة لا يكاد يفهم منه في اصطلاح القرآن واللغة سوى قرابة النسب، أما النصرة فهي معروفة
باسمها أو باسم الموالاة، وبهذا يكون حمل ذوي القربى على قرابة النصرة بالنظر إلى زمن الرسول والخ# حملاً
للفظ على ما لا يفهم منه.
انظر الشوكاني ٤/ ٢٤٣ الجهاد للدكتور شحاتة.

٢٤٨
كتاب الجهاد/ باب المغنم وقسمته
أي من الأصناف الثلاثة (عليهم) لجواز الصدقات لغيرهم لا لهم، (ولا حق
لأغنيائهم) عندنا،
المطلب، لأنه عليه الصلاة والسلام وضع سهم ذوي القربى فيهم، وترك بني نوفل
وبني عبد شمس مع أن قرابتهم واحدة، لأن عبد مناف الجد الثالث للنبي ◌ّر له أولاد.
هاشم والمطلب ونوفل وعبد شمس. بحر. والمطلب عم الجد الأول وهو
عبد المطلب بن هاشم. قوله: (أي من الأصناف الثلاثة) وكذا الضمير في عليهم راجع
إليهم، والضمير الثاني يغني عن الأول، ولكن زاده مع ما فيه من الركاكة ليفيد أن ذوي
القربى إذا كانوا من الأصناف الثلاثة يقدمون على من كان منهم ممن ليس من ذوي
القربى، فيتيم ذوي القربى مقدم على يتيم غيرهم، وهكذا قال في الدر المنتقى:
والأوضح أن يقال: خمس الغنيمة والمعدن للمحتاج وذوو القربى منه أولى. قوله:
(لجواز الخ) علة لقوله: ((وقدم)) أي لأن غير ذوي القربى يحل له أخذ الصدقة الدفع
حاجته بخلافهم فليس في تقديمهم إضرار بغيرهم. قوله: (ولا حق لأغنيائهم عندنا)
وعند الشافعي: يستوي فيه فقيرهم وغنيهم ويقسم بينهم للذكر كالانثيين، لأنه لم يفرق
في الآية بين الفقير والغنيّ، ولنا أن الخلفاء الراشدين قسموه كما قلناه بمحضر من
الصحابة، فكان إجماعاً والنبِي ◌َ ﴿ كان يعطيهم للنصرة، لا للفقر لقوله وَله: «إِنُهُمْ لَمْ
يَزَالُوا مَعِي هَكَّذَا فِي الجَاهِلَّيَةِ وَالإِسْلَامِ، وَشَبَّكَ بَيْنْ أَصَابِعِهِ (١))) حين أعطى بني هاشم
والمطلب لأنهم قاموا معه حين أرادت قَريش قتله عليه الصلاة والسلام، ودخل بنو نوفل
وعبد شمس في عهد قريش، ولو كان لأجل القرابة لما خصهم، لأن عبد شمس ونوفلاً
أخوان لهاشم: لأبيه وأمه، والمطلب كان أخاه لأبيه فكان أقرب(٢). والمراد بالنصرة
كونهم معه يؤانسونه بالكلام، والمصاحبة لا بالمقاتلة، ولذا كان لنسائهم فيه نصيب، ثم
سقط ذلك بموته عليه الصلاة والسلام لعدم تلك العلة، وهي النصرة، فيستحقونه
بالفقر. زيلعي ملخصاً.
وحاصله أنه كما سقط سهمه * بموته عندنا سقط سهم ذوي القربى بموته أيضاً
لفقد علة استحقاقهم، حتى قال الطحاوي: لا يستحق فقيرهم أيضاً، لكن الأول وهو
قول الكرخي أظهر، وقد حقق في الفتح قسمة الخلفاء الراشدين أثلاثاً كما قلنا، لا
أخماساً كما قال الشافعي، فراجعه.
تنبيه: في الشرنبلالية عن البدائع تعطى القرابة كفايتهم اهـ. وفيها عن الجوهرة أنه
يقسم بينهم للذكر كالأنثيين.
(١) أخرجه الطبري ٥/١٠ وابن أبي شيبة ٤٦١/١٤ والنسائي ١٣١/٧ وأحمد ٨١/٤ والطبراني في الكبير ٢/
١٤٧ والبيهقي في الدلائل ٢٤٠/٤.
(٢) في ط (قوله فكان أقوب) هكذا بخطه ولعل الصواب فكذا: أي عبد شمس ونوفل.

٢٤٩
كتاب الجهاد/ باب المغنم وقسمته
وما نقله المصنف عن البحر من أن ما في الحاوي يفيد ترجيح الصرف لأغنيائهم
نظر فيه في النهر (وذكره تعالى للتبّك) باسمه في ابتداء الكلام، إذ الكل الله
(وسهمه عليه الصلاة والسلام سقط بموته) لأنه حكم علق بمشتق وهو الرسالة
قلت: واعترضه في الدر المنتقى بأنهم ذكروا هذا عن الشافعي لا عندنا. قلت:
على أنه ينافيه ما في البدائع. قوله: (وما نقله المصنف) حيث قال: وفي الحاوي
القدسي، وعن أبي يوسف: الخمس يصرف إلى ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن
السبيل، وبه نأخذ اهـ. وهذا يقتضي كما نبه عليه شيخنا: يعني صاحب البحر أن الفتوى
على الصرف إلى الأقرباء الأغنياء فليحفظ اهـ. قوله: (نظر فيه في النهر) حيث قال:
وأقول فيه نظر، بل هو ترجيح لإعطائهم، وغاية الأمر أنه سكت عن اشتراط الفقر فيهم
للعلم به اهـ. وأنت إذا تأملت كلام الحاوي رأيته شاهداً لما في البحر، وهذه عبارته:
وأما الخمس فيقسم ثلاثة أسهم: سهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل
يدخل فقراء ذوي القربى فيهم، ويقدمون، ولا يدفع لأغنيائهم شيء. وعن أبي يوسف
أن الخمس يصرف إلى ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وبه نأخذ اهـ. إذ
لو كان كما قاله في النهر لكانت رواية أبي يوسف عين ما قبلها، فتدبر اهـح.
قلت: لكن أنت خبير بأن هذه رواية عن أبي يوسف: وهي خلاف المشهور
عنه، والمتون والشروح أيضاً على خلافها، فالواجب اتباع المذهب في هذه المسألة
الذي اعتنى الشراح وغيرهم بتأييد أدلته والجواب عما ينافيه، فهذا أقوى ترجيح ولا
يعارضه ترجيح الحاوي؛ ثم رأيت العلامة الشيخ إسماعيل النابلسي نبه على نحو ماقلته
في شرحه على الدرر والغرر. قوله: (وذكره تعالى) أي قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّهِ
خُمسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]. قوله: (لأنه حكم علق بمشتق وهو الرسالة) عبارة النهر: وهو
الرسول، فيكون مبدأ الاشتقاق علة وهو الرسالة رسول بعده اهـ: أي كما لو قيل: إذا
لقيت عالماً فأكرمه، وإذا لقيت فاسقاً فأهنه؛ فإنه علق فيه الأمر بالإكرام والإهانة على
مشتق، وهو عالم وفاسق، فيدل على أن ما اشتق منه ذلك الوصف: أعني العلم
والفسق: علة الحكم: أي أكرمه لعلمه وأهنه لفسقه، وبه يظهر ما في عبارة الشارح،
ثم إن هذا أغلبي لما علمت من أن قوله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] ليس
علته القرابة عندنا بل النصرة، إلا أن يقال: مرادهم نفي كون العلة مجرد القرابة، بل
العلة قرابة خاصة مقيدة بالنصرة على الوجه المار، فتدبر.
مَطْلَبٌ فِي أَنَّ رِسَالَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاقِيَةٌ بَعْدَ مَوْتِهِ
تنبيه: قدمنا عن الشافعي رحمه الله تعالى أن سهمه وَ لهو يخلفه فيه الإمام بعده: أي
بناء على أنه # كان يستحقه لإمامته، وعندنا لرسالته، ولا رسول بعده: أي لا يوصف

٢٥٠
كتاب الجهاد/ باب المغنم وقسمته
(كالصفيّ) الذي كان عليه الصلاة والسلام يصطفيه لنفسه (ومن دخل دارهم بإذن)
الإمام (أو منعة) أي قوة (فأغار خمس) ما أخذوا، لأنه غنيمة (وإلا: لا) لأنه
اختلاس،
بعده أحد يهذا الوصف فلذا سقط بموته، بخلاف الإمامة والقيام بأمور الأمة، وبهذا
التقرير اندفع ما أورده المقدسي على قولهم: ((ولا رسول بعده)) من أنهم إن أرادوا أن
رسالته مقصورة على حياته فممنوع، إذ قد صرح في منية المفتي بأن رسالة الرسول لا
تبطل بموته، ثم قال: ويمكن أن يقال: إنها باقية حكماً بعد موته، وكان استحقاقه
بحقيقة الرسالة لا بالقيام بأمور الأمة اهـ. ولا يخفى ما في كلامه من إيهام انقطاع حقيقتها
بعده وَلغير، فقد أفاد في الدر المنتقى أنه خلاف الإجماع.
قلت: وأما ما نسب إلى الإمام الأشعري إمام أهل السنة والجماعة من إنكار ثبوتها
بعد الموت، فهو افتراء وبهتان، والمصرّح به في كتبه وكتب أصحابه خلاف ما نسب
إليه بعض أعدائه، لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أحياء في قبورهم، وقد أقام النكير
على افتراء ذلك الإمام العارف أبو القاسم القشيري في كتابه ((شكاية السنة)) وكذا غيره،
كما بسط ذلك الإمام ابن السبكي في طبقاته الكبرى في ترجمة الإمام الأشعري. قوله:
(كالصفي) بفتح الصاد وكسر الفاء والياء المشددة. نهر: أي كما سقط الصفي
بموته وَهه. قوله: (يصطفيه لنفسه) أي قبل قسمة الغنيمة، وإخراج الخمس. نهر. كما
اصطفى ذا الفقار وهوسيف منبه بن الحجاج حين قتله عليّ رضي الله تعالى عنه، وكما
اصطفى صفية بنت حيي بن أخطب من غنيمة خيبر. رواه أبو داود في سننه والحاكم.
فتح. وفي الشرنبلالية قال في طلبة الطلبة: وكان النبي وَلّ لا يستأثر بالصفيّ زيادة على
سهمه. قوله: (ومن دخل دارهم بإذن الإمام) ولو واحداً من أهل الذمة. ط عن الشلبي.
قوله: (أو منعة) في المصباح: هو في منعة بفتح النون: أي في عزّ قومه، فلا يقدر
عليه من يريده. قال الزمخشري: وهي مصدر مثل الأنفة والعظمة، أو جمع مانع وهم
العشيرة والحماة وقد تسكن في الشعر لا غير خلافاً لمن أجازه مطلقاً. قوله: (خمس)
أي يأخذ الإمام خمسه والباقي لهم. قال في الفتح: لأن على الإمام أن ينصرهم حيث
أذن لهم، كما أن عليه أن ينصر الجماعة الذين لهم منعة إذا دخلوا بغير إذنه تحامياً عن
توهين المسلمين والدين فلم يكونوا مع نصرة الإمام متلصصين، فكان المأخوذ قهراً
غنيمة. قوله: (ما أخذوا) بضمير الجمع، مر. إعادة لمعنى ((من)) كما روعي لفظها في
قوله: ((فأغار)). قوله: (وإلا لا) أي وإن لم يدخلوا بإذن الإمام ولم يكونوا ذوي منعة
بأن دخلوا بلا إذنه وهم ثلاثة فأقل، كما أفاده في الفتح. قال: وعن أبي يوسف أنه قدر
الجماعة التي لا منعة لها بسبعة، والتي لها منعة بعشرة. قوله: (لأنه اختلاس) من

٢٥١
كتاب الجهاد/ باب المغنم وقسمته
وفي المنية لو دخل أربعة: خمس، ولو ثلاثة: لا.
قال الإمام: ما أصبتم لا أخمسه، فلو لهم منعة لم يجز، وإلا جاز (وندب
للإمام أن ينفل وقت القتال حثاً) وتحريضاً فيقول: من قتل قتيلاً فله سلبه،
خلست الشيء خلساً من باب ضرب: اختطفته بسرعة على غفلة. مصباح. قوله: (وفي
المنية الخ) أفاد به تقدير المنعة. قوله: (وإلا جاز) لأن الخمس في الثاني واجب بقول
الإمام، فله أن يبطله بقوله بخلافه في الأول، ولذا لو دخلوا بغير إذنه خمس ما أخذوه.
بحر عن المحيط .
وحاصله: أنهم إذا لم يكن لهم منعة لا يجب الخمس، إلا إذا أذن فيكون قد
وجب بسبب قوله: فله أن يبطله، بخلاف ما إذا كانت لهم منعة فإنه يجب، وإن لم يأذن
لهم فلم يجب بقوله: فليس له إبطاله. وفي النهر عن التاترخانية: لو كان بعضهم بإذنه
وبعضهم بلا إذنه ولا منعة لهم فالحكم في كل واحد منهم حالة الاجتماع كما في حالة
الانفراد، وإن كان لهم منعة يجب الخمس اهـ. قوله: (وندب للإمام) وكذا لأمير السرية،
إلا إذا نهاه الإمام، فليس له ذلك إلا برضا العسكر، فيجوز من الأربعة الأخماس. بحر.
مَطْلَبٌ فِي الْتَتْفِيلِ(١)
قوله: (أن بنفل) التنفيل: إعطاء الإمام الفارس فوق سهمه وهو من النفل، ومنه
النافلة للزائد على الفرض، ويقال لولد الولد كذلك، ويقال نفله تنفيلاً ونفله بالتخفيف
نفلا لغتان فصيحتان. فتح. قوله: (وقت القتال) قيد به القدوري، ولا بد منه لأنه بعده
(١) ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية إلى أن النفل لا حدّ له، بل هو موكول إلى رأي الإمام.
وذهب الحنابلة ومكحول والأوزاعي إلى أنه لا يزيد على ثلث الغنيمة استدل الجمهور بما رواه أحمد
والترمذي وابن ماجه عن عبادة بن الصامت أن النبي # ((كان ينفل في البدأة الربع وفي الرجعة الثلث))
ووجه الدلالة أنه لو كان له حدّ معين ما اختلف الفعلان عنه أَّ.
واستدل الحنابلة بالحديث السابق، وقالوا في وجه الدلالة: إن فعل النبي عليه الصلاة والسلام انتهى إلى
الثلث فينبغي ألّ يتجاوزه ويقال لهم: إن انتهاء عمل النبي عليه السلام إلى الثلث لا يمنع الزيادة عليه ما لم
يقم دليل على المنع كيف والمسألة موكولة في أصلها ومقدارها إلى ما يراه الإمام فإن رأى أصل التنفيل
نقّل، وإن لم يره لم ينفل، وإن رآه بقدر معين فعل؟، قال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار: ((ولم يأت في
الأحاديث الصحيحة ما يقضي بالاقتصار على مقدار معين ولا على نوع معين، فالظاهر تفويض ذلك إلى
رأي الإمام في جميع الأجناس)) وهو يقصد بذكر النوع الرد على الأوزاعي في قوله: إن التنفيل لا يكون من
الذهب ولا من الفضة.
اختلف الفقهاء في محل النفل من الغنيمة فقيل: إنه من الخمس الواجب لبيت المال، وهو مذهب الإمام
مالك، وروي عن سعيد بن المسيب وقيل من خمس الخمس المرصد للمصالح، وهو الأصح عند
الشافعية، وقيل: من الأخماس الأربعة، وهو مذهب الإمام أحمد، ووجه عند الشافعية، وبه قال إسحاق وأبو
عبيد وفقهاء الشام وأنس بن مالك، وقيل: من أصل الغنيمة، وروي عن الإمام أحمد والأوزاعي وأبي ثور
والهادوية، وهو وجه عند الشافعية أيضاً، وذهب الحنفية إلى أن النفل قبل الإحراز بدار الإسلام =

٢٥٢
كتاب الجهاد/ باب المغنم وقسمته
= يكون بالربع بعد الخمس، أو بالربع أو بالثلث، أو بالكل، فحمله قبل الإحراز كل الغنيمة غير أنهم
قالوا: لا ينبغي للإمام أن ينفل بكل المأخوذ، ومع ذلك إن فعله جاز متى رأى فيه المصلحة أمّا بعد
الإحراز فلا يجوز أن ينفل إلا من الخمس.
استدل الإمامان مالك والشافعي على أن النفل يكون من الخمس على وجه العموم بما رواه مالك في
الموطأ عن أبي الزناد عن سعيد بن المسيّب أنه قال: ((كان الناس يعطون النفل من الخمس)) قال الإمام
مالك: ((وذلك أحسن ما سمعت إليّ في ذلك)) قال القرطبي: وإنما لم ير النفل من رأس الغنيمة، لأن
أهلها معينون وهم الموجفون، والخمس مردود قسمه إلى اجتهاد الإمام، وأهله غير معينين فلم يمكن بعد
هذا أن يكون النفل من حق أحد، وإنما يكون من حق رسول الله وَّر، وهو الخمس.
ولكن الإمام الشافعي يرى أن النفل لا يكون من الخمس كله بل من خمس الخمس المرصد للمصالح كما
هو الأصح في المذهب، لأن الخمس بالنص موزع على خمسة قسم لرسول الله # يتصرف فيه كيف شاء،
ويضعه حيث أراه الله، وهذا الذي يعطي منه النفل، وما سوى ذلك السهم من بقية الخمس يكون لمن
سماهم الله عز وجل في كتابه، وهم ذوو القربى ومن عطف عليهم، فلا ينفل من حقوقهم لأحد، قال في
الأم: ((وقول سعيد بن المسيب: يعطون النفل من الخمس كما قال: إن شاء الله، وذلك من خمس
النبيّ ﴾، فإن له خمس الخمس من كل غنيمة فكان النبي {8# يضعه حيث أراء الله كما يضع سائر ماله،
فكان الذي يريه الله تبارك وتعالى ما فيه صلاح المسلمين، وما سوى سهم النبي ◌َّر من جميع الخمس لمن
سمّاه الله عز وجل له، فلا يتوهم عالم بأن يكون قوم حضروا فأخذوا مالهم وأعطوا مما لغيرهم إلّ أن يطوع
به عليهم غيرهم».
واستدل الإمام أحمد على أن النفل من الأخماس الأربعة بما رواه أحمد وأبو داود عن معن بن يزيد السلمي
قال: سمعت رسول الله# يقول: ((لا نفل إلّا بعد الخمس)) وبروايتهما أيضاً عن حبيب بن مسلمة أن
النبي #((نفل الربع بعد الخمس في بدأته، ونفل الثلث بعد الخمس في رجعته)) فهذان الحديثان صريحان
في أن النفل من الأخماس الأربعة.
واستدل القائلون بأن النفل يكون من أصل الغنيمة بما رواه أبو داود عن نافع عن ابن عمر أن النبي وَّر بعث
سرية قبل نجد، فأصبنا نعماً كثيراً فنفلنا أميرنا بعيراً بعيراً لكل إنسان، ثم قدمنا على رسول الله وخلقه فقسم
رسول الله﴿ بيننا غنيمتنا، فأصاب كل رجل منا اثني عشر بعيراً بعد الخمس، وما حاسبنا رسول الله ﴾
بالذي أعطانا صاحبنا، ولا عاب عليه ما صنع، فكان لكل رجل منا ثلاثة عشر بعيراً بنفله)) وهو صريح في
أن التنفيل كان من أصل الغنيمة.
واستدل الحنفية بأنه لم يثبت للغانمين حق قبل الإحراز، فليس في التنفيل بالكل أو بالبعض اعتداء على
حق أحد، أمّا بعد الإحراز فقد تأكد حقّ الغانمين به، ولهذا يورث عمّن مات منهم، فلا يجوز إبطال
حقهم، فيمتنع التنفيل بما يتعلق به حقهم وهو الأخماس الأربعة، وليس لهم حق في الخمس فجاز للإمام
أن ينفل منه.
وقد اعترضوا هم على ذلك بأن حق الفقراء أيضاً قد تأكد في الخمس كما تأكد حق الغانمين في الأخماس
الأربعة، فوجب ألّ يجوز إبطال حقهم كما لا يجوز إبطال حق الغانمين. وأجابوا بأن جواز ذلك في الخمس
باعتبار أن المنفل إليه مصرف، ولهذا قيدوه بالمقاتل الفقير، وقالوا: إذا كان غنياً لا يجوز تنفيله لما فيه من
إيطال حق الأصناف الثلاثة.
أمّا ما استدل به المالكية والشافعية من أثر سعيد بن المسيّب فلا يصح الاستدلال به؛ لأنه لا ينهض معارضاً
الأحاديث الصحيحة الواردة في الموضوع كالتي استدل بها على أن النفل يكون من الأخماس الأربعة، وعلى
أنه يكون من أصل الغنيمة. ويقال في دليل من ذهب إلى أن النفل يكون من أصل الغنيمة: إن الحديث لم
يقع فيه التصريح بأن النفل كان من كل الغنيمة، بل جاء كما نقله الشوكاني ((أن الغزاة في تلك السّرية كانوا
عشرة وأن الغنيمة كانت مائة وخمسين بعيراً) فيحتمل أن الأمير نفّلهم من الخمس وهو ثلاثون، ولما =

٢٥٣
كتاب الجهاد/ باب المغنم وقسمته
لا يملكه الإمام، وقيل: ما داموا في دار الحرب يملكه، كذا في السراج؛ وقد يؤيد
هذا القيل أن قوله وَله: ((مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبُه(١))) إنما كان بعد الفراغ من حنين، ولم
أر جوازه قبل المقاتلة. نهر.
قلت: وفيه نظر، لأن المنقول أن ذلك كان عند الهزيمة تحريضاً للمسلمين، على
الرجوع إلى القتال. وفي القهستاني: إن في قوله: وقت القتال، إشارة إلى أنه يجوز
التنفيل قبله بالأولى، وإلى أنه لا يجوز بعده، لكن بعد القسمة لأنه استقر فيه حق
الغانمين اهـ. ففيه التصريح بجوازه قبله، وعزاه ح إلى المحيط وقوله: لكن بعد
القسمة، الظاهر أنه مبني على القيل المارّ عن السراج، ويؤيده قول المتون: وينفل بعد
الإحراز من الخمس فقط، فإن مفهومه أنه قبل الإحراز بدارنا يجوز من الكل، لكن
= حضروا وقسم لهم الباقي بعد الخمس أصاب الواحد منهم اثني عشر بعيراً، وعليه يكون التنفيل وقع
من ثلث الخمس، غايته أن النبي ﴿ أقر الأمير على ما فعل من التنفيل من الخمس قبل القسم، وهو إقرار
لاحق للتصرف صادر من صاحب الحق، وهو الرسول وَ﴿، فيكون جائزاً، ويحتمل أيضاً أن يكون النفل
لبعض الجيش من أربعة أخماس الغنيمة بأن أخرج الخمس أولاً، ثم نفل عشرة رجال ثم قسم بعد ذلك قال
ابن قدامة في المغني: ((ويتعين حمل الخبر على هذا؛ لأنه لو أعطى جميع الجيش لم يكن ذلك نفلاً، وكان
قد قسم لهم أكثر من الأربعة الأخماس، وهو خلاف الآية والأخبار)) وبوجود هذين الاحتمالين لا ينهض
الحديث حجة على أن النفل من أصل الغنيمة.
ويقال للحنفية في قولهم: إن النفل بعد الحيازة يكون من الخمس؛ لأن الأخماس الأربعة حق للغانمين: إنه
غير مسلّم؛ لأن الخمس أيضاً له مستحقون وهم الأصناف الثلاثة عندهم، وأصحاب النفل ليسوا دائماً من
هؤلاء الأصناف ولو قصرنا التنفيل على هذه الأصناف الثلاثة أو بعضها لما تحقق الغرض المقصود من
التنفيل وهو التحريض. وكثيراً ما يقوم بالأعمال الخطيرة النافعة في الحرب من ليس من هؤلاء الأصناف،
فالقول بأنه من الخمس وتقييد مستحقه بأحد الأصناف الثلاثة تقليل للفائدة المقصودة من التنفيل. كيف
والأحاديث الصحيحة تدل على أن النفل جائز مطلقاً قبل الإحراز وبعده، وليس فيها ما يدل على هذه
التفرقة .
وبالنظر في هذه المناقشة يتبين:
(أولاً)): أن دليل المالكية والشافعية وهو أثر سعيد بن المسيب لا ينهض حجة أمام الأحاديث الصحيحة
التي تفيد أن النفل إنما يكون بعد الخمس.
(ثانياً)): أن دليل القائلين بأن النفل من أصل الغنيمة لا يثبت المطلوب لتطرق الاحتمال إليه.
(ثالثاً)): أن تفرقة الحنفية بين ما قبل الإحراز وما بعده تفرقة لم تعتمد دليلاً سوى ما قالوا من أن استقرار
حق الغانمين إنما هو بعد الإحراز وأنه لا يثبت لهم ملك قبله، وهي مسألة خلافية لا يوافقهم عليها
غيرهم، فلا تنهض حجة في وجه المخالف.
(رابعاً): أن آية: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء﴾ ظاهرة في وجوب إخراج الخمس لمن سماهم الله في
الآية، وبذلك انقطعت صلته بالغانمين وتمحض حقاً لغيرهم كما خلصت لهم الأخماس الأربعة حقاً وتنفيلاً
كما يراه الإمام. انظر الشوكاني ٧/ ٢٣٢، الأم ٦٨/٤.
(١) أخرجه أحمد ١١٤/٣ والدارمي ٢٢٩/٢ وأبو داود ١٦٢/٣ (٢٧١٨) وبلفظ من قتل قتيلاً له عليه بينة فله
سلبه البخاري ١١٢/٤ مسلم في الجهاد ٤١ وأبو داود (٢٧١٧) والترمذي (١٥٦٢).

٢٥٤
كتاب الجهاد/ باب المغنم وقسمته
سماه قتيلاً لقربه منه
الظاهر أن هذا المفهوم غير معتبر، لأنه وقع التصريح بخلافه؛ ففي المنبع عن الذخيرة:
لا خلاف أن التنفيل قبل الإصابة، وإحراز الغنيمة قبل أن تضع الحرب أوزارها جائز،
ويوم الهزيمة، ويوم الفتح لا يجوز، لأن القصد به التحريش على القتال، ولا حاجة إليه
إذا انهزم العدو؛ وأما بعد الإحراز فلا يجوز إلا من الخمس إذا كان محتاجاً اهـ. ملخصاً.
وفي متن الملتقى، ومتن المختار: وللإمام أن ينفل قبل إحراز الغنيمة وقبل أن تضع
الحرب أوزارها فقولهم: وقيل أن تضع الحرب أوزارها فائدته دفع توهم الجواز بعد
انتهاء الحرب، لأن قولهم قبل إحراز الغنيمة يشمل ما بعد الإصابة: أي إصابة العسكر
الغنيمة بالهزيمة وانتهاء الحرب مع أنه غير مراد كما بينه عطف هذه الجملة. وفي الفتح
التنفيل إنما يجوز عندنا قبل الإصابة، فقد ظهر ضعف ما في السراج، مع أن صاحب
السراج لم يعوّل عليه في مختصره الجوهرة حيث قال عن الخجندي: التنفيل: إما أن
يكون قبل الفراغ من القتال أو بعده، فإن كان بعده لا يملكه الإمام، لأنه إنما جاز
لأجل التحريض على القتال، وبعد الفراغ منه لا تحريض اهـ ..
قلت: وكل ما ورد من التنفيل بعد القتال فهو محمول عندها على أنه من الخمس
كما بسطه السرخسي.
مَطْلَبٌ: الاقِتْبَاسُ مِنَ القُرْآنِ جَائِزٌ عِنْدَنَا
تنبيه: قولهم أن تضع الحرب أوزارها اقتباس من القرآن، وبه يستدل على جوازه
عندنا كما بسطه الشارح في الدر المنتقى، فراجعه. قوله: (وتحريضاً) أي ترغيباً في
القتال.
مَطْلَبٌ فِي قَوْلِهِمْ اسْمُ الْفَاعِلِ حَقِيْقَةٌ فِي الْحَالِ
قوله: (سماه قتيلاً لقربه منه) أي من القتل، ففيه مجاز الأول مثل أعصر خمراً،
لكن قال الزركشي: قولهم: اسم الفاعل حقيقة في الحال: أي حال التلبس بالفعل لا
حال النطق، فإن حقيقة الضارب والمضروب لا تتقدم على الضرب ولا تتأخر عنه،
فهما معه في زمن واحد ومن هذا ظهر أن قوله عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً فَلَهُ
سَلَبُه(١))) أن قتيلاً حقيقة، وأن ما ذكروه من أنه سمى قتيلاً باعتبار مشارفته للقتل لا
(١) اختلف الفقهاء في أن السلب حق للقاتل أو حقّ للإمام إن شاء وعد بالتنفيل؛ وإن شاء وضعه في الغنيمة.
فذهب الإمام الشافعي وأحمد والليث وغيرهم إلى أن السلب للقاتل بشروط ذكرت في كتبهم، سواء قال
الإمام: من قتل قتيلاً فله سلبه أم لا، فاستحقاق القاتل له حكم شرعي ثابت في نفسه لا يتوقف على جعل
الإمام. وقال الحنفية والمالكية والثوري: إن القاتل لا يستحقه إلا أن يشترط له الإمام، وهو عندهم من
النفل.
استدل الشافعي ومن معه بقوله $ في حديث طويل متفق عليه عن أبي قتادة: ((من قتل قتيلاً له عليه =

٢٥٥
كتاب الجهاد/ باب المغنم وقسمته
= بينة فله سلبه)) وبما رواه أحمد وأبو داود عن أنس رضي الله عنه أن النبي وَ﴿ قال يوم حنين: ((من قتل
قتيلاً فله سلبه، فقتل أبو طلحة عشرين رجلاً وأخذ أسلابهم)) فهذان الحديثان صريحان في أن السلب
للقاتل، واستدل الحنفية ومن وافقهم بعموم قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾
الآية، والسلب مال مغنوم؛ لأنه مأخوذ بقوة الجيش؛ إذ لولا الجيش لما حصل السلب ومباشرة القتل لا
عبرة بها، كما أنها لم تعتبر في منع الردء من الغنيمة بل هو والمقاتل المباشر فيها سواء، وبما رواه البخاري
ومسلم من حديث جاء فيه أن معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء ضربا أبا جهل بسيفيهما حتى
قتلاه، فأتيا رسول الله ﴿﴿ فقال: ((أيكما قتله؟ فقال كل واحد منهما: أنا قتلته، فنظر في السيفين فقال:
كلاكما قتله، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح)) فهذا الحديث نصّ على أن السلب ليس للقاتل، بل
هو بتعيين الإمام، وبما روي عن طريق عمرو بن واقد عن موسى بن يسار عن مكحول عن جنادة بن أبي
أمية أن حبيب بن مسلمة قتل قتيلًا، فأراد أبو عبيدة أن يخمس سلبه، فقال له حبيب: إن رسول الله أَچور
قضى بالسلب للقاتل، فقال له معاذ: مهلاً يا حبيب سمعت رسول الله# يقول: ((إنّما للمرء ما طابت به
نفس إمامه)) وهذا الحديث أيضاً يدلّ على أن السلب ليس للقاتل، إذ لو كان له لما توقف على طيب نفس
الإمام.
ورد على الحنفية في استدلالهم بالآية أن السلب حقيقة من الغنيمة وتشمله الآية، ولكن الرسول عليه
الصلاة والسلام بينّ أنه خارج من حكم الغنيمة كما خصت الآية بكثير غير السلب كالقاتل الذمي، وقاتل
النساء والصبيان وغيرهم. ممن لم يقاتل؛ وإنما جعله 18 للقاتل في مقابلة مخاطرته بنفسه رغبة منه في إعلاء
كلمة الله تعالى، وأما حديث الصحيحين فقد أجيب عنه بأن في سياقه دلالة على أن السلب يستحقه من
أثخن في القتل ولو شاركه غيره في الضرب أو الطعن، وإنما حكم بالسلب لمعاذ بن عمرو بن الجموح؛
لأنه رأى أن ضربته هي المؤثرة في قتله لعمقها وظهور أثرها، قال المهلب: ((وإنما قال: كلاكما قتله وإن
كان أحدهما هو الذي اثخنه لتطيب نفس الآخر».
أما حديث حبيب بن مسلمة ففيه عمرو بن واقد، وهو منكر الحديث كما قاله البخاري وغيره.
وقد ورد على ما استدل به الشافعي ومن معه من قوله عليه الصلاة والسلام: ((من قتل قتيلاً فله سلبه)) أن
النبي 18 إنما قاله يوم حنين، وقد هزم المسلمون تحريضاً لهم على القتال، قال الإمام مالك: لم يبلغني
ذلك في غير حنين، وأجاب الشافعي ومن معه بأن ذلك حفظ عن النبيّ عليه الصلاة والسلام في عدة
مواطن منها يوم بدر ويوم أحد، فقد قتل حاطب بن أبي بلتعة رجلاً فسلمه رسول الله و # سلبه كما أخرجه
البيهقي، وفي غزوة مؤتة وفي وقائع كثيرة، واحتج به الصحابة بعد وفاة الرسول # في كل مرة خولف
فيها أمره عليه الصلاة والسلام.
وورد على الشافعية في تخصيص آية الغنيمة بحديث السلب أن هذا لو كان على سبيل الشرع العام، وهو
موضع النزاع. وورد عليهم أن قوله عليه السلام: ((كلاكما قتله)) مع قضائه بالسلب لأحدهما ظاهر في أن
أمر السلب للإمام، وما يقولونه تأويلاً لهذا بعد قوله: ((فابتدراه بسيفيهما)) وقوله مصر: ((كلاكما قتله)) بعد
نظره في سيفيهما بعيد؛ لأنه يتضمن ثبوت الاشتراك في القتل ومباشرتهما له، وهو موجب لاشتراكهما في
السلب، والقول بأنه تطييب لنفس الآخر غير مسلّم. بل هو حرمان له بعد تقرير النبي عليه الصلاة والسلام
أنه قتل مع صاحبه، والرسول # حاكم مقدر لجهة الحكم، فلا يصح أن يقول هذا ثم يحكم لأحدهما
فقط .
فدلّ ذلك على أن المسألة ليست شرعاً مقرراً في ذاته، وإنّما هي ترجع إلى رأي الإمام، وقد رأى إعطاء
أحدهما دون الآخر، وهو الذي يقدر عوامل الإعطاء والحرمان.
وبعد هذا فالسلب نوع من التحريض، والتحريض مرة موكول إلى الإمام في أصله ونوعه، فهو الذي
يشترطه، وهو الذي يتصرف فيه بما يرى، وقد جاء في مسلم وأبي داود حديث عوف بن مالك الأشجعي
وهو ظاهر في أن مرجع السلب إلى الإمام، وهذا هو الحديث: عن عوف بن مالك قال: قتل رجل =

٢٥٦
كتاب الجهاد/ باب المغنم وقسمته
(أو يقول من أخذ شيئاً فهو له) وقد يكون بدفع مال وترغيب مآل، فالتحريض
تحقيق فيه اهـ. وصرح القرافى في شرح التنقيح، بأن المشتق إنما يكون حقيقة في
الحال مجازاً في الاستقبال مختلفاً فيه في الماضي إذا كان محكوماً به، أما إذا كان متعلق
الحكم كما هنا فهو حقيقة مطلقاً: يعني سواء كان بمعنى الحال أو الاستقبال أو
الماضي إجماعاً، وحينئذ فلا مجاز. أبو السعود عن الحموي. وقوله: إذا كان محكوماً به
كقولك: زيد قائم فإنه حكم به على زيد، بخلاف جاء القائم فإنه جعل متعلق الحكم
بالمجيء، ففي الأول لا بد من أن يكون متصفاً بالقيام حال النطق، حتى يصح الحكم
عليه بالصفة، وإلا كان مجازاً، بخلاف الثاني فإن قولك: جاء القائم غداً، حكم
بالمجيء على ذات القائم غداً أي على من يسمى قائماً غداً: أي حال التلبس بالصفة،
ومنه ((من قتل قتيلاً)) أي شخصاً يسمى قتيلاً عند تحقق القتل فيه، فافهم. قوله: (أو
يقول من أخذ شيئاً فهو له) هذا الفرع منقول في حواشي الهداية، وللكمال فيه كلام
سنذكره مع جوابه عند قول الشارح: ((وجاز التنفيل بالكل)). قوله: (وقد يكون بدفع
مال) كأن يقول له: خذ هذه المائة واقتل هذا الكافر. تأمل، ولم أره. قوله: (وترغيب
مآل) الظاهر أنه بهمزة ممدودة والإضافة على معنى ((في): أي ترغيب في المآل مثل: إن
قتلت قتيلاً فلك ألف درهم، لكن يشترط أن لا يصرح بالأجر، كما سنذكره قريباً.
قوله: (فالتحريض الخ) جواب عما يورد على قوله: ((وندب للإمام الخ)).
وحاصله: أن التحريض الواجب قد يكون بالترغيب في ثواب الآخرة أو في
التنفيل، فهو واجب مخير، وإذا كان التنفيل أدعى الخصال إلى المقصود يكون هو
الأولى، فصار المندوب اختيار إسقاط الواجب به لا هو في نفسه بل هو واجب
خير. فتح ملخصاً. وفيه رد لقول العناية: إن الأمر في الآية مصروف لمن الوجوب
= من حمير رجلاً من العدوّ فأراد سلبه فمنعه خالد بن الوليد، وكان والياً عليهم، فأتى رسول الله آلافو
عوف بن مالك فأخبره بذلك، فقال لخالد: ما منعك أن تعطيه سلبه؟ فقال استكثرته يا رسول الله قال:
ادفعه إليه، فمر خالد بعوف فجر بردائه، ثم قال: هل أنجزت لك ما ذكرت لك من رسول الله ولو؟ فسمعه
رسول الله* فاستغضب فقال: ((لا تعطه يا خالد هل أنتم تاركون لي أمرائي؟ إنما مثلكم ومثلهم كمثل
رجل استرعى إِيلًا وغنماً فرعاها ثم تحينّ سقيها فأوردها حوضاً فشرعت فيه فشربت صفوه وتركت كدره،
فصفوه لكم، وكدره عليهم)) رواه أحمد ومسلم، فهذا الحديث يرد على من قال إن النبي ولو لم يقل: من
قتل قتيلاً فله سلبه إلا يوم حنين، فإن هذه الواقعة كانت في غزوة مؤتة، وهي قبل حنين، ويدل أيضاً على
أن السلب موكول إلى الإمام ألا ترى أنه # منع خالداً من إعطاء السلب بعد ما أمره به؟، ولا يكون ذلك
والقضاء بالسلب شرع لازم للقاتل والقول بأن رد السلب كان زجراً لعوف يمنعه أن عوفاً لم يكن هو
صاحب الحق حتى يزجر بمنعه، وإنما صاحبه المددي الذي كان مع عوف، وهو لم يتجرأ على خالد ولم
يصدر منه ما يستحق به الزجر، والزجر إنما يكون لمن أذنب، ولا تزر وازرة وزر أخرى، وكيف يزجر
إنسان بمنع آخر حقه. انظر الجهاد للدكتور شحاتة.

٢٥٧
كتاب الجهاد/ باب المغنم وقسمته
نفسه واجب للأمر به واختيار لا داعي للمقصود مندوب ولا يخالفه تعبير
القدوري: أي بلا بأس لأنه ليس مطروداً لما تركه أولى، بل يستعمل في
المندوب أيضاً. قاله المصنف. ولذا عبر في المبسوط بالاستحباب (ويستحق
الإمام لو قال من قتل قتيلاً فله سلبه إذا قتل هو) استحساناً (بخلاف) ما لو قال
منكم أو قال (من قتلته أنا فلي سلبه) فلا يستحقه إلا إذا عمم بعده. ظهيرية.
ويستحقه مستحق سهم أو رضخ فعم الذمي وغيره (وذا) أي التنفيل (إنما يكون
لقرينة. قوله: (ولا يخالفه) أي لا يخالف قول المصنف: ((وندب)).
مَطْلَبٌ: كَلِمَةُ (لَا بَأْسَ)) قَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي المَنْذُوبِ
قوله: (بل يستعمل في المندوب) يظهر لي أن محله في موضع يتوهم فيه البأس:
أي الشدة كما هنا، فإن فيه تخصيص الفارس بزيادة مع قطع الخمس، بل استعمل نظيره
في القرآن في الواجب كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة:
١٥٨] فنفى الجناح لما كانوا يعتقدونه من حرمة السعي بين الصفا والمروة. قوله: (قاله
المصنف) أي تبعاً للفتح وغيره. قوله: (ولذا) أي لكونه مندوباً لا خلاف الأولى.
قوله: (استحساناً) والقياس عدمه، لأن غيره يستحق بإيجابه وهو لا يملك الإيجاب
لنفسه، كالقاضي لا يملك القضاء لنفسه وجه الاستحسان أنه أوجب النفل للجيش وهو
واحد منهم. قوله: (فلا يستحقه) لأنه في الأول خصهم بقوله: ((منكم)) فلا يتناوله
الكلام، وفي الثاني: هو متهم بتخصيصه نفسه. قوله: (إلا إذا عمم بعده) أي إذا قال:
إن قتلت قتيلاً فلي سلبه، ولم يقتل أحداً حتى قال: ومن قتل منكم قتيلاً فله سلبه،
فقتل الأمير قتيلاً استحقه، لأن التنفيل صار عاماً باعتبار كلاميه، ولا فرق بين كونه
بكلامين أو بكلام واحد، لأن الأول لم يصح للتهمة بالتخصيص وقد زالت بالثاني.
أفاده السرخسي.
وحاصله: أن التعميم حصل بمجموع الكلامين لا بالثاني فقط، فافهم. قوله:
(ويستحقه) أي السلب. قوله: (وغيره) كالتاجر والمرأة والعبد. بحر. قوله: (أي
التنفيل) أي تنفيل الإمام بقوله: من قتل قتيلاً إنما يكون في مباح القتل: أي وإن كان
لفظ قتيلاً نكرة لكنه مقيد بمن يباح قتله، فيدخل فيه أجير لهم وتاجر منهم وعبد يخدم
مولاه ومرتدّ أو ذميّ لحق بهم ومريض أو مجروح وإن لم يستطع القتال، وشيخ فأن له
رأي أو يرجى نسله لأن قتله مباح؛ نعم لو قتل مسلماً كان يقاتل في صفهم لم يكن له
سلبه، لأنه وإن كان مباح الدم لكن سلبه ليس بغنيمة كأهل البغي، إلا إذا كان سلبه
للمشركين أعاروه إياه. سرخسي. وما ذكره في الدر المنتقى عن البرجندي عن الظهيرية

٢٥٨
كتاب الجهاد/ باب المغنم وقسمته
في مباح القتل فلا يستحقه بقتل امرأة ومجنون ونحوهما ممن لم يقاتل، وسماع القاتل
مقالة الإمام ليس بشرط) في استحقاقه ما نفله، إذ ليس في الوسع إسماع الكل،
ويعم كل قتال في تلك السنة ما لم يرجعوا، وإن مات الوالي أو عزل ما لم يمنعه
الثاني. نهر. وكذا يعم كل قتيل، لأنه نكرة في سياق الشرط، وهو ((من، بخلاف
إن قتلت قتيلاً،
من أنه يستحق السلب بقتل من لم يقاتل استحساناً لم أره في الظهيرية، بل الذي فيها
عدم الاستحقاق كما عزاه إليها القهستاني، فافهم. قوله: (ممن لم يقاتل) حتى لو قاتل
الصبيّ فله سلبه، لأنه مباح الدم، وكذا المرأة كما في شرح السير. قوله: (ويعم كل
قتال في تلك السنة) الأولى السفرة كما عبر في البحر والنهر، وفي شرح السير: لو نفل
في دار الحرب قبل القتال يبقى حكمه إلى أن يخرجوا من دار الحرب، حتى لو رأى
مسلم مشركاً نائماً فقتله فله سلبه، كما لو قتله في الصف أو بعد الهزيمة؛ أما لو نفل
بعد ما اصطفوا للقتال فهو على ذلك القتال حتى ينقضي ولو بقي أياماً. قوله: (وإن
مات الوالي أو عزل) في شرح السير: لو جاء مع المدد أمير وعزل الأمير الأول بطل
تنفيله، فيما يستقبل لزوال ولايته بالعزل؛ أما لو لم يقدم أمير بل مات أميرهم فأمر
عليهم غيره لم يبطل حكم تنفيل الأول لأن الثاني قام مقامه، إلا إذا أبطله الثاني، أو
كان الخليفة قال لهم: إن مات أميركم فأميركم فلان فيبطل تنفيل الأول، لأن الثاني
نائب الخليفة بتقليده من جهته، فكأنه قلده ابتداء، فينقطع حكم رأي الأول برأي
فوقه اهــ ملخصاً.
وحاصله: بطلانه بالعزل، وكذا بالموت إذا نصب غيره بعده من جهة الخليفة لا
من جهتهم، وهو خلاف ما في الشرح تبعاً للبحر والنهر. قوله: (لأنه نكرة في سياق
الشرط) فيه أن النكرة في سياق الشرط إنما تعم في اليمين المثبت، لأن الحلف على
نفيه دون المنفى كـ ((إن لم أكلم رجلًا)) لأنه على الإثبات كأنه قال لأكلمن رجلاً، كما
في التحرير ح.
قلت: ذكر في التحرير أيضاً أنه قد يظهر عموم النكرة من المقام وغيره كـ ((علمت
نفس)) وتمرة خير من جرادة، وأكرم كل رجل اهـ. وهنا كذلك كما يأتي تلوه، فافهم.
قوله: (بخلاف إن قتلت قتيلا) أي فقتل المخاطب قتيلين مثلاً لا يعم الكل، بل له
سلب الأول فقط استسحاناً، والقياس أنه كالأول لأنه علق استحقاقه بشرط يتكرر، فلا
ينتهي بقتل الأول. وجه الاستحسان أنه في الأول لما لم يعين إنساناً بعينه فقد خرج
الكلام عنه عاماً؛ ألا ترى أنه يتناول جميع المخاطبين، فكما يعم جماعتهم يعم جماعة
المقتولين، وحقيقة معنى الفرق أن مقصود الإمام من تحريشهم المبالغة في النكاية في

٢٥٩
كتاب الجهاد/ باب المغنم وقسمته
ولو قال إن قتلت ذلك الفارس فلك كذا: لم يصح، وإن قطعت رأس أولئك
القتلى فلك كذا: صح (ولو نفل السرية) هي قطعة من الجيش من أربعة إلى
أربعمائة. مأخوذة من السري وهو المشي ليلاً. درر (الربع وسمع العسكر دونها
المشركين، ولا فرق في ذلك بين أن يكون القاتل للعشرة مثلاً عشرة من المسلمين أو
واحداً منهم. وأما الثاني فالمقصود فيه معرفة جلادة ذلك الرجل، وذلك يتم بدون
إثبات العموم في المقتولين اهـ. ملخصاً من شرح السير الكبير. وقد خطر لي هذا
الفرق قبل رؤيته، ولله تعالى الحمد.
وحاصله: يرجع إلى أن العموم في أحدهما استفيد من قرينة المقام كما نبهنا عليه
آنفاً، فافهم. قوله: (ولو قال إن قتلت ذلك الفارس الخ) أقول: هذا إذا صرح بكونه
أجراً، وإلا فهو تنفيل لما في السير الكبير للسرخسي، ولو قال الأمير لمسلم حرّ أو
عبد: إن قتلت ذلك الفارس من المشركين، فلك عليّ أجر مائة دينار، فقتله لم يكن له
أجر، لأنه لما صرح بالأجر لا يمكن حمل كلامه على التنفيل، والاستئجار على الجهاد
لا يجوز وإن قال ذلك لذمي، فكذلك عندهما؛ وعند محمد: جاز، وأصل جواز
الاستئجار على لقتل عنده لا عندهما، لأنه إزهاق الروح، وليس من عمله، ولو كان
الأسرى قتلى فقال من قطع رؤوسهم فله أجر عشرة دراهم، ففعل ذلك مسلم أو ذمي
استحقه، لأن ذلك ليس من عمل الجهاد، ولو أراد قتل الأسرى فاستأجر عليه مسلماً
أو ذمياً فهو على الخلاف اهـ. ملخصاً. وهذا صريح بأنه لو لم يصرح بالاستئجار يكون
تنفيلاً، ويشهد له فروع كثيرة في السير الكبير أيضاً منها: من جاء بألف درهم فله
ألفان، فجاء رجل بألف لم يكن له غيرها، بخلاف من جاء بأسير فهو له وخمسمائة
درهم فإنه يعطى ذلك، لأن المقصود هنا نكاية العدو، وفيما قبله لا مقصود إلا المال،
ولو قال: من قتل الملك فله عشرة آلاف دينار صح، وإن لم يحصل بقتله مال. قال
حين اصطفوا للقتال: من جاء برأس فله مائة دينار فهو على رأس الرجال دون السبي،
لأن المقصود في هذه الحالة التحريض على القتال اهـ. ففي هذه الفروع ذكر مال
معلوم، وقد جعل تنفيلاً لا إجارة لعدم التصريح بها، فقد ظهر أن ما ذكره الشارح تبعاً
للنهر عن المنية، وكذا ما نقله ح عن قاضيخان، ليس على إطلاقه. وأما القول بأن
الاستئجار على الطاعات جائز عند المتأخرين، ففيه أنهم أجازوه في مسائل خاصة
للضرورة، وليس الجهاد منها، ولا يصح حمل كلامهم على كل عبادة كما نبهنا عليه
سابقاً، فافهم. قوله: (ولو نفل السرية الخ) من فروع قوله: ((وسماع القاتل الخ)).
قوله: (هي قطعة من الجيش الخ) قد علمت ما فيه قبل هذا الباب. قوله: (الربع) أي
ربع الغنيمة: أي بأن جعل لهم ربعها يأخذونه دون بقية العسكر زيادة على سهامهم.

٢٦٠
كتاب الجهاد/ باب المغنم وقسمته
فلهم النفل) استحساناً. ظهيرية. وجاز التنفيل بالكل أو بقدر منه السرية لا
لعسكر، والفرق في الدرر
قوله: (فلهم النفل) أي للسرية، والأولى أن يقول: ((فلها)) لئلا يتوهم عود الضمير على
العسكر. قوله: (استحساناً) والقياس أنه لا نفل لهم، لأن المقصود التحريض، ولا
يحصل إذا لم يسمعه أحد منهم، وتكلم الأمير بذلك في عسكره كتكلمه ليلاً مع عياله.
وجه الاستحسان أن ما يتكلم به في عسكره يفشوا عادة، وأن عادة الملوك التكلم بين
خواصهم، وتمامه في شرح السير.
مَطْلَبٌّ مُهِمّ فِي النَّْفِيلِ العَامّ بِأَلَكُلِّ أَوْ بِقَدْرٍ مِنْهُ
قوله: (وجاز التنفيل بالكل) بأن يقول للسرية: ما أصبتم فهو لكم سوية بينكم.
قوله: (أو بقدر منه) بأن يقول: ما أصبتم فلكم ثلثه سوية بينكم بعد الخمس، أو يقول
قبل الخمس: أي لكم ثلثه بعد إحراج الخمس أو قبل إخراجه: أي ثلث الأربعة
الأخماس أو ثلث الكل. قوله: (والفرق في الدرر) أي الفرق بين جواز التنفيل المذكور
للسرية، وعدم جوازه للعسكر، لكنه لم يذكر في الدرر في الفرق إلا التنفيل بالكل،
لأنه يعلم منه الفرق في التنفيل بقدر منه، وعبارة الدرر هكذا في النهاية عن السير
الكبير: ((أن الإمام إذا قال لأهل العسكر جميعاً ما أصبتم فلكم نفلاً بالسوية بعد الخمس))
فهذا لا يجوز، وكذا إذا قال: ما أصبتم فلكم، ولم يقل بعد الخمس، فإن فعله مع
السرية جاز، وذلك أن المقصود من التنفيل التحريض على القتال، وإنما يحصل ذلك
بتخصيص البعض بشي، وفي التعميم إبطال تفضيل الفارس على الراجل وإبطال
الخمس أيضاً إذا لم يستثن اهـ.
قلت: وما ذكره من صحته للسرية صرح به في الهداية والاختيار والزيلعي. لكن
نقل في البحر عن الكمال التسوية بين العسكر والسرية في عدم الصحة حيث قال: لو
قال للعسكر كل ما أخذتم فهو لكم بالسوية بعد الخمس أو للسرية: لم يجز، لأن فيه
إيطال السهمين الذين أوجبهما الشرع، إذ فيه تسوية الفارس بالراجل، وكذا لو قال: ((ما
أصبتم فهو لكم)) ولم يقل بعد الخمس، لأن فيه إبطال الخمس الثابت بالنص. ذكره في
السير الكبير. قال الكمال: وهذا بعينه يبطل ما ذكرناه من قوله: من أصاب شيئاً فهو له،
لاتحاد اللازم فيهما، وهو بطلان السهمين المنصوصين بالتسوية، بل وزيادة حرمان من لم
يصب شيئاً أصلًا بانتهائه، فهو أولى بالبطلان، والفرع المذكور من الحواشي وبه أيضاً
ينتفي ما ذكر: أي صاحب الهداية من قوله: إنه لو نفل بجميع المأخوذ جاز إذا رأى
المصلحة، وفيه زيادة إيحاش الباقين وزيادة الفتنة اهـ. وتبعه في النهر.