النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
كتاب الجهاد
مثلاً، بل يفرض على الأقرب فالأقرب من العدو إلى أن تقع الكفاية، فلو لم تقع
إلا بكل الناس فرض عيناً كصلاة وصوم، ومثله الجنازة والتجهيز. وتمامه في
الدرر (لا) يفرض (على صبيّ)
الجهاد فرض على كل من يلي الكفار من المسلمين على الكفاية، فلا يسقط بقيام الروم
عن أهل الهند، وأهل ما وراء النهر مثلاً كما أشرنا إليه اهـ. قال في النهر: ويدل عليه
ما في البدائع، ولا ينبغي للإمام أن يخلي ثغراً من الثغور من جماعة من المسلمين فيهم
غناء وكفاية لقتال العدو، فإن قاموا به سقط عن الباقين، وإن ضعف أهل ثغر عن مقاومة
الكفرة وخيف عليهم من العدو، فعلى من وراءهم من المسلمين الأقرب فالأقرب أن
ينفروا إليهم، وأن يمدوهم بالسلاح والكراع والمال لما ذكرنا: إنه فرض على الناس
كلهم ممن هو من أهل الجهاد، ولكن سقط الفرض عنهم لحصول الكفاية بالبعض فما
لم يحصل لا يسقط اهـ.
قلت: وحاصله أن كل موضع خيف هجوم العدو منه فرض على الإمام أو على
أهل ذلك الموضع حفظه، وإن لم يقدروا فرض على الأقرب إليهم إعانتهم إلى حصول
الكفاية بمقاومة العدو، ولا يخفى أن هذا غير مسألتنا وهي قتالنا لهم ابتداء، فتأمل.
قوله: (بل يفرض على الأقرب فالأقرب الخ) أي يفرض عليهم عيناً، وقد يقال كفاية
بدليل أنه لو قام به الأبعد حصل المقصود فيسقط عن الأقرب، لكن هذا ذكره في
الدرر فيما لو هجم العدو. وعبارة الدرر: وفرض عين إن هجموا على ثغر من ثغور
الإسلام، فيصير فرض عين على من قرب منهم، وهم يقدرون على الجهاد. ونقل
صاحب النهاية عن الذخيرة أن الجهاد إذا جاء النفير إنما يصير فرض عين على من
يقرب من العدو، فأما من وراءهم يبعد من العدو فهو فرض كفاية عليهم، حتى يسعهم
تركه إذا لم يحتج إليهم، فإن احتيج إليهم بأن عجز من كان يقرب من العدو عن
المقاومة مع العدو أو لم يعجزوا عنها، لكنهم تكاسلوا ولم يجاهدوا، فإنه يفترض على
من يليهم فرض عين كالصلاة والصوم، لا يسعهم تركه ثم وثم إلى أن يفترض على
جميع أهل الإسلام شرقاً وغرباً على هذا التدريج، ونظيره الصلاة على الميت، فإن من
مات في ناحية من نواحي البلد فعلى جيرانه وأهل محلته أن يقوموا بأسبابه وليس على
من كان يبعد من الميت أن يقوم بذلك، وإن كان الذي يبعد من الميت يعلم أن أهل
محلته يضيعون حقوقه أو يعجزون عنه كان عليه أن يقوم بحقوقه، كذا هنا اهـ.
مَطْلَبٌ: طَاعَةُ أَلَوَالِدَيْنِ فَرْضُ عَين
قوله: (لا يفرض على صبي) في الذخيرة للأب أن يأذن للمراهق بالقتال، وإن

٢٠٢
كتاب الجهاد
وبالغ له أبوان أو أحدهما لأن طاعتهما فرض عين.
خاف عليه القتل. وقال السعدي: لا بد أنه لا يخاف عليه، فإن خاف قتله لم يأذن له.
نهر. قوله: (وبالغ له أبوان)(١) مفاده أنهما لا يأثمان في منعه، وإلا لكان له الخروج
حتى يبطل عنهما الإثم، مع أنهما في سعة من منعه إذا كان يدخلهما من ذلك مشقة
شديدة، وشمل الكافرين أيضاً أو أحدهما إذا كره خروجه مخافة ومشقة، وإلا بل لكراهة
قتال أهل دينه، فلا يطيعه ما لم يخف عليه الضيعة، إذ لو كان معسراً محتاجاً إلى خدمته
فرضت عليه ولو كافراً، وليس من الصواب ترك فرض عين ليتوصل إلى فرض كفاية،
ولو مات أبواه فأذن له جده لأبيه وجدته لأمه ولم يأذن له الآخران: أي أبو الأم وأم
الأب فلا بأس بخروجه لقيام أب الأب وأم الأم مقام الأب والأم عند فقدهما،
والآخران كباقي الأجانب إلا إذا عدم الأولان. فالمستحب: أن لا يخرج إلا بإذنهما،
ولو له أم أم وأم أب، فالإذن لأم الأم بدليل تقدمها في الحضانة، ولأن الأخرى لا
تقوم مقام الأب، ولو له أب وأم أب لا ينبغي الخروج بلا إذنها لأنها كالأم لأن حق
الحضانة لها، وأما غير هؤلاء كالزوجة والأولاد والأخوات والأعمام فإنه يخرج بلا
إذنهم، إلا إذا كانت نفقتهم واجبة عليه وخاف عليهم الضيعة اهـ. ملخصاً من شرح
السير الكبير. قوله: (لأن طاعتهما فرض عين) أي والجهاد لم يتعين فكان مراعاة فرض
العين أولى، كما في التجنيس، وأخذ منه في البحر كراهة الخروج بلا إذنهما، واعترض
على قول الفتح: إنه يحرم.
قلت: وفيه نظر، فإن الأولى هنا بمعنى الأقوى والأرجح: أي إن الأقوى مراعاة
(١) يرى جمهور العلماء أنه لا يجوز الخروج للجهاد غير المتعين لمن له أبوان إلا بإذنهما، وذلك لما رواه أبو داود
عن أبي سعيد أن رجلاً هاجر إلى النبي ﴿ من اليمن فقال: هل لك أحد باليمن؟ فقال أبواي، فقال: أذنا
لك؟ فقال: لا، قال: ((ارجع إليهما فاستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد، وإلا فبرّهما)) فهذا الحديث نصّ في
اشتراط إذن الأبوين في الجهاد. وما روي عن عبد الله بن عمر وقال: جاء رجل إلى النبيّ ◌َ﴿ فاستأذنه في
الجهاد فقال: أحيّ والداك؟ قال: نعم، قال: ((ففيهما فجاهد) رواه البخاري، والنسائي، وأبو داود،
والترمذي، وصححّه. ووجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي ولو لم يجز الجهاد لمن له أبوان ولم يأذنا له؛
وذلك لأن حق الأبوين على الولد وبره لهما متعين عليه، والجهاد ليس متعيناً، فلو أوجبناه عليه للزم إبطال
حق متعين بحق غير متعين، وهو باطل، فلا يكون الجهاد واجباً عند عدم الإذن، بل لا يكون جائزاً. وما
روى عن معاوية بن جاهمة السّلمي أن جاهمة أتى النبي له فقال: يا رسول الله أردت الغزو وجئتك
أستشيرك، فقال هل لك من أمّ؟ قال: نعم، فقال: ((الزمها فإن الجنة عند رجليها)) رواه أحمد والنسائي،
ووجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي ◌َّي لم يسمح بالجهاد لمن رغب فيه، وأمره أن يقوم بحقوق والدته
المتعينة عليه. وترجع هذه الشروط إلى قاعدتين: ((إحداهما)) أن التكيف مبني على الوسع والطاقة، وبهذه
القاعدة اشترطت الذكورة والبلوغ والعقل وسلامة الأعضاء والحواس ووجود الأهبة. ((والثانية)) أن التكليف
بشيء مشروط بعدم تضييع حقوق أخرى هي أهم منها في نظر الشريعة، ومن ذلك منع الدّين واحتياج الولد
إلى إذن أبويه في الخروج إلى الجهاد، ومنع الرّق. انظر الجهاد للدكتور شحاتة محمد شحاتة.

٢٠٣
كتاب الجهاد
وقال عليه الصلاة والسلام للعباس بن مرداس لما أراد الجهاد ((الزم أمك فإن
الجنة تحت رجل أمك)) سراج. وفيه: لا يحل سفر فيه خطر إلا بإذنهما، وما لا
خطر فيه يحل بلا إذن، ومنه السفر في طلب العلم (وعبد وامرأة) لحق المولى
والزوج ومفاده وجوبه لو أمرها الزوج به. فتح. وعلى غير المزوجة. نهر.
فرض العين لقوته ورجحانه على فرض الكفاية، فحيث ثبت أنه فرض كان خلافه
حراماً، ولذا قال السرخسي: فعليه أن يقدم الأقوى؛ نعم قدمنا آنفاً عنه في الجد
والجدة الفاسدين أن المستحب أن لا يخرج إلا بإذنهما. قوله: (وقال عليه الصلاة
والسلام الخ) دليل آخر على تقديم الوالدين، وقدمنا الحديث المتفق عليه وفيه تقديم
برهما على الجهاد، وفي صحيح البخاري في الرجل الذي جاء يستأذن النبي وَ لّ في
الجهاد قال: ((أَحَيٍّ وَالِدَاكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ))(١) وذكر بعضهم أن ذلك
الرجل هو جاهمة بن عباس بن مرداس ثم رأيت في شرح السير الكبير قال: وذكر عن
ابن عباس بن مرداس أنه قال: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ الجِهَادَ، قَالَ: أَلَكَ أُمّ؟ قَالَ:
نَعَمْ، قَالَ: الْزَمْ أُمَّكَ)) الخ. قوله: (تحت رجل أمك) هو في معنى حديث ((الجنة تحت
أقدام الأمهات)) ولعل المراد منه والله تعالى أعلم تقبيل رجلها، أو هو كناية عن
التواضع لها وأطلقت الجنة على سبب دخولها. قوله: (فيه خطر) كالجهاد وسفر البحر
والخطر بالخاء المعجمة والطاء المهملة المفتوحتين الإشراف على الهلاك كما في ط
عن القاموس. قوله: (ومالا خطر) كالسفر للتجارة والحج والعمرة يحل بلا إذن، إلا إن
خيف عليهما الضيعة. سرخسي. قوله: (ومنه السفر في طلب العلم) لأنه أولى من
التجارة إذا كان الطريق آمناً ولم يخف عليهما الضيعة. سرخسي. قوله: (ومفاده الخ) أي
تعليل عدم وجوبه كفاية على العبد والمرأة بكونه حق المولى، والزوج: أي حق مخلوق
فيقدم على حق الخالق، لاحتياج المخلوق واستغناء الخالق تعالى يفيد وجوبه كفاية
على المرأة لو أمرها به الزوج لارتفاع المانع من حق الخالق تعالى، وكذا غير المزوجة
لعدم المانع من أصله ومثله العبد لو أمره به مولاه لكن سكت عنه لظهور وجوبه كفاية
على العبد بإذن مولاه، بخلاف المرأة ولو غير مزوجة، لأنها ليست من أهل القتال
لضعف بنيتها. قال في الهداية في فصل قسمة الغنيمة: ولهذا: أي لعجزها عن الجهاد
لم يلحقها فرضه، ولأنها عورة كما في القهستاني عن المحيط قال: فلا يخص المزوجة
كما ظن به ظهر الفرق وهو أن عدم، وجوبه على العبد لحق المولى، فإذا زال حقه
بإذنه ثبت الوجوب، بخلاف المرأة فإنه ليس لحق الزوج بل لكونها ليست من أهله ولذا
(١) أخرجه البخاري ٦/ ١٤٠ (٣٠٠٤) ومسلم ٤/ ١٩٧٥ (٢٥٤٩/٥).

٢٠٤٠
کتاب الجهاد
قلت: تعليل الشمني بضعف بنيتها يفيد خلافه، وفي البحر: إنما يلزمها
أمره فيما يرجع إلى النكاح وتوابعه (وأعمى ومقعد) أي أعرج. فتح (وأقطع)
لعجز (ومديون بغير إذن غريمه) بل وكفيله أيضاً لو بأمره، تجنيس، ولو بالنفس.
نهر. وهذا في الحالّ، أما الموجل فله الخروج إن علم برجوعه قبل حلوله.
ذخيرة (وعالم ليس في البلدة أفقه منه) فليس له الغزو خوف ضياعهم. سراجية.
لم يجب على غير المزوجة. قوله: (وفي البحر الخ) مراد صاحب البحر مناقشة الفتح
في دعواه الوجوب على المرأة لو أمرها الزوج، بناء على أن المراد وجوبه عليها بسبب
أمره لها، وفيه أن مراده الوجوب بأمره تعالى لا بأمر الزوج، بل هو إذن وفك للحجر
كما أفاده ح. وقد علمت عدم وجوبه عليها أصلاً، إلا إذا هجم العدو كما يأتي. قوله:
(أي أعرج) نقله في الفتح عن ديوان الأدب، وهو المناسب لقوله: ((وأقطع)) وفي
المغرب أنه الذي أقعده الداء عن الحركة، وعند الأطباء هو الزمن، وقيل المقعد
المتشنج الأعضاء، والزمن: الذي طال مرضه اهـ. قوله: (وأقطع) هو المقطوع اليد،
والجمع قطعان كأسود وسودان. صحاح. قوله: (لعجزهم) لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى
الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] فإنها نزلت في أصحاب الأعذار. زيلعي. وفيه إشعار بأن
من عجز عنه لسبب من الأسباب لم يفرض عليه كما أشير إليه في الاختيار. قهستاني.
قوله: (ومديون بغير إذن غريمه) أي ولو لم يكن عنده وفاء، لأنه تعلق به حق الغريم
تجنيس، فلو أذن له الدائن ولم يبرئه فالمستحب الإقامة لقضاء الدين لأن البدء بالأوجب
أولى، فإن خرج فلا بأس. ذخيرة. ولو الدائن غائباً فأوصى بقضاء دينه إن مات فلا
بأس بالخروج لو له وفاء، وإلا فالأولى الإقامة لقضاء دينه. هندية. وكذا لو كان عنده
وديعة ربها غائب فأوصى إلى رجل بدفعها إلى ربها فله الخروج. بحر عن التاتر خانية.
قوله: (لو بأمره) أي لأنه حينئذ يثبت له الرجوع بما يؤدي عنه، بخلاف ما إذا كفله لا
بأمره، فإنه لا رجوع للكفيل عليه، فلا يحتاج إلى استئذانه بل يستأذن الدائن فقط.
قوله: (ولو بالنفس) لأن له عليه حقاً بتسليم نفسه إليه إذا طلب منه، وقد صرحوا بأن
للكفيل بالنفس منعه من السفر، وتمامه في النهر على خلاف ما بحثه في البحر.
قوله: (فله الخروج) أي بلا إذن الكفيل لعدم توجه المطالبة بقضاء الدين لكن
الأفضل الإقامة لقضائه. ذخيرة. قوله: (إن علم) أي بطريق الظاهر. ذخيرة.
قوله: (فليس له الغزو الخ) لما كان المتن صادقاً بجواز خروجه، زاد قوله:
«فلیس الخ)» ليفيد أنه لا يخرج ط.
قلت: وظاهر التعليل بخوف ضياعهم جواز خروجه لو كان في البلدة من

٢٠٥
کتاب الجهاد
وعمم في البزازية السفر، ولا يخفى أن المقيد يفيد غيره بالأولى (وفرض عين إن
هجم العدو فيخرج الكل ولو بلا إذن) ويأثم الزوج ونحوه بالمنع. ذخيرة (ولا بد)
لفرضيته (من) قيد آخر وهو (الاستطاعة) فلا يخرج المريض الدنف، أما من يقدر
على الخروج، دون الدفع ينبغي أن يخرج لتكثير السواد إرهاباً. فتح.
وفي السراج: وشرط لوجوبه: القدرة على السلاح
يساويه. تأمل. قوله: (وعمم في البزازية السفر) يعني أطلقه حيث قال: أراد السفر.
قوله: (ولا يخفى أن المقيد) وهو منعه عن سفر الغزو ويفيد غيره بالأولى: أي يفيد
منعه عن سفر غير الغزو بالأولى، لأن الغزو فرض كفاية، فإذا منع منه يمنع من غيره
كسفر التجارة وحج النفل. وأما السفر لحج الفرض أو الغزو إذا هجم العدو، فهو غير
مراد قطعاً فلا حاجة إلى استثنائه، على أن في دعوى الأولوية نظراً لأن منعه من السفر
الغزو لما فيه من الخطر، ولا يلزم منه منعه مما لا خطر فيه كما مر في سفر الابن بلا
إذن الأب فإنه يمنع عن سفره للجهاد لا للتجارة وطلب العلم لما قلنا. وأما ما في
البزازية فقد يقال: إن المراد به السفر الطويل أو على قصد الرحيل، فإن فيه ضياعهم
بخلاف غيره، فافهم. قوله: (وفرض عين) أي على من يقرب من العدو، فإن عجزوا
أو تكاسلوا فعلى من يليهم، حتى يفترض على هذا التدريج على كل المسلمين شرقاً
وغرباً كما مر في عبارة الدرر عن الذخيرة: قال في الفتح: وكان معناه إذا دام الحرب
بقدر ما يصل الأبعدون ويبلغهم الخبر، وإلا فهو تكليف ما لا يطاق، بخلاف إنقاذ
الأسير وجوبه على الكل متجه من أهل المشرق والمغرب ممن علم، ويجب أن لا يأثم
من عزم على الخروج، وقعوده لعدم خروج الناس، وتكاسلهم أو قعود لم السلطان أو
منعه اهـ. وفي البزازية: مسلمة سبيت بالمشرق وجب على أهل المغرب تخليصها من
الأسر ما تدخل دار الحرب. وفي الذخيرة: يجب على من لهم قوة اتباعهم لأخذ ما
يأيديهم من النساء والعزراري وإن دخلوا دار الحرب ما لم يبلغوا حصونهم، ولهم أن لا
يتبعوهم للمال. قوله: (إن هجم العدو) أي دخل بلدة بغتة، وهذه الحالة تسمى النفير
العام. قال في الاختيار: والنفير العام أن يحتاج إلى جميع المسلمين. قوله: (فيخرج
الكل) أي كل من ذكر من المرأة والعبد والمديون وغيرهم. قال السرخسي: وكذلك
الغلمان الذين لم يبلغوا إذا أطاقوا القتال فلا بأس بأن يخرجوا ويقاتلوا في النفير العام
وإن كره ذلك الآباء والأمهات. قوله: (المدنف) بالبناء للمجهول: أي الذي لازمه
المرض. وفي عن جامع اللغة: الدنف: المرض الملازم، وفي المصباح: دنف دنفاً
من باب تعب فهو دنف: إذا لازمه المرض وأدنفه المرض، وأدنف هو يتعدى ولا
يتعداهـ. قوله: (وشرط لوجوبه القدرة على السلاح) أي وعلى القتال وملك الزاد

٢٠٦
کتاب الجهاد
لا أمن الطريق، فإن علم أنه إذا حارب قتل وإن لم يحارب أسر لم يلزمه القتال
(ويقبل خبر المستنفر ومنادي السلطان ولو) كان كل منهما (فاسقاً) لأنه خبر يشتهر
في الحال. ذخيرة (وكره الجعل) أي أخذ المال من الناس لأجل الغزاة (مع
والراحلة كما في قضيشان وغيره. قهستاني. وقدمنا عنه اشتراط العلم أيضاً. قوله: (لا
أمن الطريق) أي من قطاع أو محاربين، فيخرجون إلى النفير، ويقاتلون بطريقهم أيضاً
حيث أمكن، وإلا سقط الوجوب لأن الطاعة بحسب الطاقة. تأمل.
مَطْلَبْ: إِذَا عَلِمَ أَنْهُ يُقْتَلُ يُجُوز لَهُ أَنْ يُقَاتِلَ بِشَرْطِ أَنْ يُنْكِي فِيهِمْ،
وإِلَّ فَلَا، بِخِلَافِ الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ
قوله: (لم يلزمه القتال) يشير إلى أنه لو قاتل حتى قتل جاز، لكن ذكر في شرح
السير أنه لا بأس أن يحمل الرجل وحده وإن ظن أنه يقتل إذا كان يصنع شيئاً بقتل أو
بجرح أو بهزم فقد فعل ذلك جماعة من الصحابة بين يدي رسول الله صل* يوم أحد
ومدحهم على ذلك، فأما إذا علم أنه لا ينكي فيهم فإنه لا يحل له أن يحمل عليهم، لأنه
لا يحصل بحملته شيء من إعزاز الدين، بخلاف نهي فسقة المسلمين عن منكر إذا علم
أنهم لا يمتنعون بل يقتلونه، فإنه لا بأس بالإقدام، وإن رخص له السكوت لأن
المسلمين يعتقدون ما يأمرهم به فلا بد أن يكون فعله مؤثراً في باطنهم، بخلاف
الكفار. قوله: (ويقبل خبر المستنفر) أي طالب النفر وهو الخروج للغزو. أفاده
الشلبي، ويقبل خبر العبد فيه كما في شرح الملتقى ط. قوله: (لأنه خبر يشتهر في
الحال) أي فلا يكون الوجوب مبنياً على خبر الفاسق فقط، أو المراد أن خوف الاشتهار
قرينة على صدقه. تأمل. قوله: (وكره الجعل) بضم الجيم وهو ما يجعل للإنسان في
مقابلة شيء يفعله، والمراد هنا أن يكلف الإمام الناس بأن يقوي بعضهم بعضاً بالكراع
أي الخيل والسلاح وغير ذلك من النفقة والزاد. نهر. وعلل الكراهة في الهداية بقوله:
((لأنه يشبه الأجر)) ولا ضرورة إليه، لأن مال بيت المال معدّ لنوائب المسلمين اهـ.
والثاني: يوجب ثبوت الكراهة على الإمام فقط والأول يوجبها على الغازي، وعلى
الإمام كراهة تسببه في المكروه كما في الفتح، وظاهره أن الكراهة تحريمية لقول الفتح:
إن حقيقة الأجر على الطاعة حرام فما يشبهه مكروه اهـ. قيل: إن هذا إنما يظهر على
قول المتقدمين.
قلت: لا يخفى فساده بل هو على قول الكل، لأن المتأخرين إنما أجازوا الأجر
على أشياء خاصة نصوا عميها من الطاعات وهي: التعليم والأذان والإمامة لا على كل
طاعة، وإلا لشمل نحو الصوم والصلاة، ولا قائل به كما نبهنا عليه غيره مرة، وسيأتي
بيانه إن شاء الله تعالى في الإجارات، وأوضحناه في رسالتنا ((شفاء العليل وبل الغليل

٢٠٧
کتاب الجهاد
الفيء) أي مع وجود شيء في بيت المال. درر. وصدر الشريعة، ومفاده: أن
الفيء هنا يعم الغنيمة فليحفظ (وإلا لا) لدفع الضرر الأعلى بالأدنى (فإن
حاصرناهم دعوناهم إلى الإسلام فإن أسلموا)، فبها (وإلا فإلى الجزية) لو محلاً لها
كما سيجيء (فإن قبلوا ذلك فلهم ما لنا) من الإنصاف (وعليهم ما علينا) من
في أخذ الأجرة على الحتمات والتهاليل)) فافهم. قوله: (ومفاده الخ) أي مفاد تفسير
الفيء بما ذكر من وجود شيء الخ، ونحوه في الذخيرة وغاية البيان، وقيد بقوله: ((هنا))
لأن حقيقة الفيء كما في الفتح ما يؤخذ بغير قتال كالخراج والجزية. أما المأخوذ بقتال
فيسمى غنيمة كما يأتي في الفصل الآتي، ولا تتقيد الكراهة بوجود الفيء فقط، وهو
الحق كما في المنح والبحر. وقال لجواز الاستقراض من بقية الأنواع، ولذا لم يذكر
الفيء في بعض المعتبرات، وإنما ذكر مال بيت المال اهـ. وسيأتي في آخر فصل
الجزية بيان مصارف بيت المال، وتقدمت منظومة في باب العشر من كتاب الزكاة.
قوله: (وإلا لا) أي وإن لم يوجد شيء في بيت المال لا يكره الجعل للضرورة. قوله:
(لدفع الضرر الأعلى) وهو تعدى شرّ الكفار إلى المسلمين. فتح. قوله: (بالأدنى) وهو
الجعل المذكور، فيلتزم الضرر الخاص لدفع الضرر العام.
تنبيه: من قدر على الجهاد بنفسه وماله لزمه، ولا ينبغي له أخذ الجعل؛ ومن
عجز عن الخروج وله مال ينبغي أن يبعث غيره عنه بماله، وعكسه إن أعطاه الإمام
كفايته من بيت المال لا ينبغي له أن يأخذ من غيره جعلاً، وإذا قال القاعد للغازي: خذ
هذا المال لتغزو به عني لا يجوز، لأنه استئجار على الجهاد بخلاف قوله: فاغز به،
ومثله الحج، وللغازي أن يترك بعض الجعل لنفقة عياله، لأنه لا يتهيأ له الخروج إلا
به، وتمامه في البحر. قوله: (دعوناهم إلى الإسلام) أي ندباً إن بلغتهم الدعوة، وإلا
فوجوباً ما لم يتضمن ضرراً كما يأتي. قوله: (فإن أسلموا) أي بالتلفظ بالشهادتين على
تفصيل ذكره في البحر هنا، وسيذكره الشارح في آخر باب المرتدّ مع التبري عن دينه،
لو كان كتابياً على ما سيأتي بيانه هناك إن شاء الله تعالى، وقد يكون الإسلام بالفعل
كالصلاة بالجماعة والحج، وتمامه في البحر. وتقدم ذلك منظوماً في أول كتاب الصلاة
وأشبعنا الكلام عليه ثمة. قوله: (فيها) أي فبالخصلة الكاملة أخذوا ونعمت الخصلة.
قوله: (ولو محلًا لها) بأن لم يكونوا مرتدين ولا من مشركي العرب كما يأتي بيانه في
فصل الجزية. قال في النهر: وينبغي للإمام أن يبين لهم مقدار الجزية ووقت وجوبها
والتفاوت بين الغني والفقير في مقدارها. قوله: (فلهم مالنا من الإنصاف الخ) أي
المعاملة بالعدل والقسط. والانتصاف: الأخذ بالعدل. قال في المنح: والمراد أنه يجب
لهم علينا ويجب لنا عليهم، لو تعرضنا لدمائهم وأموالهم أو تعرضوا لدمائنا وأموالنا ما

٢٠٨
كتاب الجهاد
الانتصاف فخرج العبادات إذ الكفار لا يخاطبون بها عندنا، ويؤيده قول عليّ رضي
الله عنه: إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا (ولا) يحل لنا
أن (نقاتل من لا تبلغه الدعوة) بفتح الدال (إلى الإسلام) وهو وإن اشتهر في زماننا
شرقاً وغرباً، لكن لا شك أن في بلاد الله من لا شعور له بذلك. بقي لو بلغه
الإسلام لا الجزية: ففي التاتر خانية: لا ينبغي قتالهم حتى يدعوهم إلى الجزية.
نهر. خلافاً لما نقله المصنف
يجب لبعضنا على بعض عند التعرض اهـ. وفي البحر: وسيأتي في البيوع استثناء
عقدهم على الخمر والخنزير فإنه كعقدنا على العصير والشاة، وقدمنا أن الذمي مؤاخذ
بالحدود والقصاص إلا حدّ الشرب، ومر في النكاح لو اعتقدوا جوازه بلا مهر أو شهود
أو في عدة لتركهم وما يدينون، بخلاف الربا اهـ. قوله: (فخرج) أي بالتقييد بالإنصاف
والانتصاف.
مَطْلَبٌ فِي أَنَّ الْكُفَّارَ مُخاطَبُونَ نَدْباً
قوله: (إذ الكفار لا يخاطبون بها عندنا) الذي تحرّر في المنار وشرحه لصاحب
البحر أنهم مخاطبون بالإيمان، وبالعقوبات سوى حدّ الشرب، والمعاملات. وأما
العبادات فقال السمرقنديون: إنهم غير مخاطبين بها أداء واعتقاداً. قال البخاريون: إنهم
غير مخاطبين بها أداء فقط. وقال العراقيون: إنهم مخاطبون بهما فيعاقبون عليهما وهو
المعتمد اهـح. قوله: (ويؤيده) أي يؤيد ما ذكر من التفييد بالإنصاف والانتصاف، أو
يؤيد خروج العبادات.
وحاصله: أن لهم حكمنا في العقوبات والمعاملات إلا ما استثنى دون الإيمان
والعبادات فلا نطالبهم بهما وإن عوقبوا عليهما في الآخرة. قوله: (ولا يحل لنا الخ) لأن
بالدعوة يعلمون أنا ما نقاتلهم على أموالهم وسبي عيالهم فربما يجيبون إلى المقصود بلا
قتال، فلا بد من الاستعلام. فتح. فلو قاتلهم قبل الدعوة أثم للنهي، ولا غرامة لعدم
العاصم وهو الدين أو الإحراز بالدار، فصار كقتل النسوان والصبيان. بحر. قوله: (من
لا تبلغه) الأولى من لم ط. قوله: (بفتح الدال) قال في شرحه على الملتقى: الدعوة
هنا بفتح الدال، وكذا في الدعوة إلى الطعام، وأما في النسب فبالكسر، كذا قاله
الباقاني، لكن ذكره غيره أنها في دار الحرب بالضم. قوله: (وهو) أي الإسلام. قوله:
(لا ينبغي الخ) الظاهر أنه بمعنى لا يحل كما يأتي نظيره. قوله: (خلافاً لما نقله
المصنف) الأولى تقديمه على قوله: ((بقي الخ أي)) لا يحل في زماننا أيضاً، خلافاً لما
نقله المصنف عن الينابيع من أن ذلك في ابتداء الإسلام، وأما الآن فقد فاض واشتهر،

٢٠٩
کتاب الجهاد
(وندعو ندباً من بلغته إلا إذا تضمن ذلك ضرراً) ولو بغلبة الظن، كأن يستعدون أو
يتحصنون فلا يفعل. فتح (وإلا) يقبلوا الجزية (نستعين بالله ونحاربهم بنصب
المجانيق وحرقهم وغرقهم وقطع أشجارهم) ولو مثمرة وإفساد زروعھم،
فيكون الإمام مخيراً بين البعث إليهم وتركه له. قال في الفتح: ويجب أن المدار غلبة ظن
أن هؤلاء لم تبلغهم الدعوة. قوله: (إلا إذا تضمن ذلك ضرراً) ذكروا هذا الاستثناء في
الاستحباب مع إمكانه في الوجوب أيضاً ط. زاد في شرح الملتقى عن المحيط: أن
يطمع فيهم ما يدعوهم إليه ط. قوله: (كأن يستعدون الخ) المناسب إسقاط النون لأنه
منصوب بأن المصدرية. قوله: (بنصب المجانيق) أي على حصونهم، لأنه عليه الصلاة
والسلام نصبها على الطائف. رواه الترمذي(١). نهر. وهو جمع منجنيق بفتح الميم عند
الأكثر وإسكان النون الأولى وكسر الثانية، فارسية معربة، تذكر وتأنيثها أحسن، وهي
آلة ترمى بها الحجارة الكبار. قلت: وقد تركت اليوم للاستغناء عنها بالمدافع الحادثة.
قوله: (وحرقهم) أراد حرق دورهم وأمتعتهم (٢)، قاله العيني. والظاهر أن المراد حرق
(١) من رواية ثور بن زيد بهذا مرسلاً وأخرجه أبو داود في المراسيل عن مكحول مرسلاً وكذلك ابن سعد
وأخرجه البيهقي ٩/ ٨٤.
(٢) اتفق الفقهاء على جواز قتال الكفار بالآلات المستعملة عادة في الحروب كالسيف، والرمح، والنبل،
والرصاص، والمدفع، ونحوها عدا الماء والنّار.
ومستند هذا الاتفاق عموم الأدلة الدالة على مشروعية القتال كقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث
وجدتموهم﴾ ووجه استنادهم إلى هذه الآية: أن الله أمر فيها بقتال المشركين أمراً مطلقاً لم يقيده بآلة
خاصة من آلات القتال، وما رواه أحمد وابن ماجه عن صفوان بن عسّال قال: بعثنا رسول الله# في سرية
فقال: ((سيروا باسم الله وفي سبيل الله قاتلوا من كفر بالله، ولا تمثلوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا وليداً)).
أمّا القتال بالماء والنار فقد اتفقوا على جوازه إذا خيف على جماعة المسلمين، واختلفوا بعد ذلك في جواز
إحراقهم بالنار وإرسال الماء عليهم ليغرقوا أو حبسه عنهم ليموتوا عطشاً، فذهب الحنفية والشافعية
والحنابلة إلى جواز قتال الكفار بهما في الجملة . غير أن الحنفية يرون جواز ذلك مطلقاً سواء أمكن القدرة
عليهم بغيرهما أم لا، وسواء كان معهم نساء وصبيان أو مسلمون أم لا، وقد قال الكمال في فتح القدير:
((هذا إذا لم يغلب على الظن أنهم مأخوذون بغير ذلك، فإن كان الظاهر أنهم مغلوبون وأن الفتح بادٍ كره
ذلك؛ لأنه إفساد في غير محل الحاجة وما شرع إلّ لها)».
والشافعية والحنابلة يقيدون استعمالهما بعدم القدرة عليهم بغيرهما، فإن أمكن القدرة عليهم بغير هما كره
استعمالهما عند الشافعية، وحرم عند الحنابلة.
أمّا المالكية فيقولون برأي الحنابلة على تفصيل لهم، وفرق بين كونهم داخل الحصون أو خارجها، وبين
وجود النساء والصبيان فيها أو عدم وجودهم، وبين استعمال الماء والنار يطول المقام بشرحه.
استدلّ الجمهور على الجواز بما يأتي:
أولاً: بقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ وجه الدلالة أن الله تعالى أمر بقتالهم من غير
تقييد بآلة خاصة.
ثانياً: بما روي عن أسامة بن زيد قال: بعثني رسول الله ﴿ إلى قرية يقال لها: أَبْنَى فقال: ((أمنها صباحاً ثم
حرّق)) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة، فهذا صريح في الأمر بالتحريق من غير تقييد، وهو نص في =

٢١٠
كتاب الجهاد
إلا إذا غلب على الظن ظفرنا، فيكره. فتح (ورميهم) بنبل ونحوه (وإن تترسوا
ببعضنا) ولو تترسوا بنبيّ سئل ذلك النبيّ (ونقصدهم) أي الكفار (وما أصيب
منهم) أي من المسلمين (لا دية فيه ولا كفارة) لأن الفروض لا تقرن بالغرامات
ذاتهم بالمجانيق، وإذا جازت محاربتهم بحرقهم فما لهم أولى. نهر. وقوله: بالمجانيق:
أي برمي النار بها عليهم، لكن جواز التحريق والتغريق مقيد كما في شرح السير بما إذا
لم يتمكنوا من الظفر بهم بدون ذلك، بلا مشقة عظيمة، فإن تمكنوا بدونها فلا يجوز،
لأن فيه إهلاك أطفالهم ونسائهم ومن عندهم من المسلمين. قوله: (إلا إذا غلب الخ)
كذا قيد في الفتح إطلاق المتون، وتبعه في البحر والنهر، وعلله بأنه إفساد في غير محله
الحاجة وما أبيح إلا لها، ولا يخفى حسنه لأن المقصود كسر شوكتهم وإلحاق الغيظ
بهم، فإذا غلب الظن بحصول ذلك بدون إتلاف وأنه يصير لنا لا نتلفه. قوله: (ونحوه)
كرصاص، وقد استغنى به عن النبل في زماننا. قوله: (سئل ذلك النبي) كذا نقله في
النهر عن أبي الليث: أي بأن نقول له هل نرمي أم لا، ونعمل بقوله، ولم يذكر ما إذا
لم يمكن سؤاله. قوله: (وما أصيب منهم) أي إذا قصدنا الكفار بالرمي، وأصبنا أحداً
من المسلمين الذين تتّس الكفار بهم لا نضمنه، وذكر السرخسي أن القول للرامي
بيمينه في أنه قصد الكفار لا لوليّ المسلم المقتول أنه تعمد قتله. قوله: (لأن الفروض
لا تقرن بالغرامات) أي كما لو مات المحدود بالجلد، أو القطع وأورد المضطر إلى
أكل مال الغير فإنه مضمون، وأجاب عنه في الفتح بأن المذاهب عندنا أنه لا يجب عليه
أكله فلم يكن فرضاً، فهو كالمباح يتقيد بشرط السلامة كالمرور في الطريق. قوله:
= إباحة التحريق بالنار، ويقاس عليه التغريق بالماء؛ لأنه لا فرق بينهما باعتبار أثرهما.
ثالثاً: أن المقصود من مشروعية الجهاد مع الكفار قتالهم بأي وسيلة لتكون كلمة الله هي العليا، ولا شك
أن التحریق والتغريق تما يتحقق به المقصود فیکون جائزاً.
واستدل الحنابلة على حرمة استعمال الماء والنار عند القدرة عليهم بدونهما بما روي عن أبي هريرة رضي
الله عنه قال: ((بعثنا رسول الله ﴿ في بعث فقال: إن وجدتم فلاناً وفلاناً لرجلين فأحرقوهما بالنار، ثم قال
حين أردنا الخروج: إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلاناً وفلاناً، وإن النّار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما.
فاقتلوهما)) رواه أحمد والبخاري وغيرهما .
(وجه الدلالة)) أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى الصحابة عن إحراق الرجلين لعلمه بأنهم يقدرون عليهما
بغير النار، والنهي ظاهر في التحريم، فهم يجمعون بين الأدلة فيعملون بالدليل المجوز لاستعمالهما في
حالة عدم القدرة عليهم بغيرهما، ويالدليل المانع عند القدرة عليهم بغير هما.
واستدل الشافعية على الكراهة في حالة القدرة عليهم بغيرهما بأنه يحتمل إصابة مسلم يظن أنه كافر، فلذلك
كان مكروهاً. هذا . وقد قال صاحب الفتح من علماء الحنفية بعد أن ذكر جواز التحريق، وإرسال الماء
وقطع الأشجار وإفساد الزرع: ((هذا إذا لم يغلب على الظن أنهم مأخوذون بغير ذلك، فإن كان الظاهر أنهم
مغلوبون وأن الفتح بادٍ كره؛ لأنه إفساد في غير محل الحاجة، وما شرع إلا لها)).
انظر الجهاد للدكتور شحاتة، وفتح القدير ٢٨٦/٤.

٢١١
کتاب الجهاد
(ولو فتح الإمام بلدة وفيها مسلم أو ذمي لا يحل قتل أحد منهم أصلاً، ولو أخرج
واحد) ما (حل) حينئذ (قتل الباقين) لجواز كون المخرج هو ذاك. فتح (ونهينا عن
إخراج ما يجب تعظيمه ويحرم الاستخفاف به كمصحف وكتب فقه وحديث وامرأة)
ولو عجوزاً لمداواة هو الأصح. ذخيرة. وأراد بالنهي ما في مسلم ((لَا تُسَافِرُوا
بِالقُرْآنِ فِي أَرْضِ العَدُوِ)) (إلا في جيش يؤمن عليه) فلا كراهة،
(ولو أخرج واحد ما) أراد بالإخراج ما يعم الخروج وزاد لفظ ما للتعميم، فالمراد أيّ
رجل كان لا بقيد كونه مسلماً أو ذمياً في نفس الأمر أو بتغليب الظن، ولذا قال محمد:
ولو أخرج واحد من عرض الناس. قوله: (لجواز كون المخرج هو ذاك) فصار في
كون المسلم في الباقي شك، بخلاف الحالة الأولى فإن كون المسلم والذمي فيهم
معلوم بالفرض، فوقع الفرق. فتح.
قلت: ونظير هذه المسألة ما لو تنجس بعض الثوب فغسل طرفاً منه ولو بلا تحرّ
فإنه يصح أن يصلي به إذا لم يبق متيقن النجاسة، وهذا يردّ على قولهم: اليقين لا يزول
بالشك، وقدمنا تحقيق المسألة في الطهارة عن شرح المنية. قوله: (ويحرم الاستخفاف
به) زاد ذلك وإن استلزمه ما قبله، لأن ذلك علة النهي، فإن إخراجه يؤدي إلى وقوعه
في يد العدو، وفي ذلك تعريض لاستخفافهم به، وهو حرام، خلافاً لقول الطحاوي:
إن ذلك إنما كان عند قلة المصاحف كي لا تنقطع عن أيدي الناس، وأما اليوم فلا
يكره. قوله: (وامرأة) أي وعن إخراج أمرة، فهو معطوف على ما. قوله: (هو الأصح)
احتراز عن قول الطحاوي المذكور. قوله: (إلا في جيش) أقله عند الإمام أربعمائة،
وأقل السرية عنده مائة كما رأيته في الخانية، وكذا في الشرنبلالية نقلها عنها وعن
العناية، خلافاً لما في البحر عن الخانية من أن أقل السرية مائتان وتبعه في النهر. قال
في الشرنبلالية: وما قاله ابن زياد من أن أقل السرية أربعمائة، وأقل الجيش أربعة آلاف
قاله من تلقاء نفسه، نص عليه الشيخ أكمل الدين اهـ. وفي الفتح: ينبغي أن يكون
العسكر العظيم اثني عشر ألفاً لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لَنْ تُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفاً مِنْ
قِلَّةٍ" اهـ(١).
قلت: والتقييد بالقلة لأنها قد تغلب بسبب آخر كتشيانة الأمراء في زماننا.
تتمة: في الخانية: لا ينبغي للمسلمين أن يفرّوا إذا كانوا اثني عشر ألفاً، وإن كان
العدو أكثر، وذكر الحديث.
ثم قال: والحاصل أنه إذا غلب على ظنه أنه يغلب لا بأس بأن يفرّ ولا بأس
(١) أخرجه أحمد ٢٩٤/١، ٢٩٩.
٠

٢١٢
کتاب الجهاد
لكن إخراج العجائز والإمام أولى (وإذا دخل مسلم إليهم بأمان جاز حمل
المصحف معه إذا كانوا يوفون بالعهد) لأن الظاهر عدم تعرضهم. هداية (و) نهينا
(عن غدر وغلول و) عن (مثله) بعد الظفر بهم، أما قبله فلا بأس بها. اختيار (و)
للواحد إذا لم يكن معه سلاح أن يفر من اثنين لهما سلاح. وذكر قبله: ويكره للواحد
القويّ أن يفرّ من الكافرين والمائة من المائتين في قول محمد، ولا بأس أن يفرّ الواحد
من الثلاثة والمائة من ثلاثمائة. قوله: (لكن الخ) قال في الفتح؛ ثم الأولى في إخراج
النساء العجائز للطب والمداواة والسقي(١) دون الشواب، ولو احتيج إلى المباضعة
فالأولى إخراج الإماء دون الحرائر.
مَطْلَبٌ: لَفْظُ ((يَنْبَغِي) يُسْتَعْمَلُ فِي الْمُنْدَبِ وَغَيْهِ عِنْدَ المُتَقَدِّمِين
قوله: (ونهينا عن غدر الخ) عدل عن قول الهداية وغيرها، وينبغي للمسلمين أن
لا يغدروا لأن المشهور عند المتأخرين استعمال ((ينبغي)) بمعنى ((يندب)) ولا ينبغي
بمعنى يكره تنزيهاً، وإن كان في عرف المتقدمين استعماله في أعم من ذلك وهو في
القرآن كثير ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الفرقان: ١٨] قال في
المصباح: وينبغي أن يكون كذا معناه يجب أو يندب بحسب ما فيه من الطلب اهـ.
مَطْلَبٌ فِي بَيَانِ نَسْخِ المُثْلَةِ
قوله: (عن غدر) أن نقض عهد وغلول بضم الغين: الخيانة من المغنم قبل
قسمته، ومثله بضم الميم اسم مصدر مثل به من باب نصر: أي قطع أطرافه وشوه به،
كذا في جامع اللغة ح. قوله: (أما قبله فلا بأس بها) قال الزيلعي: وهذا حسن، ونظيره
الإحراق بالنار، وقيد جوازها قبله في الفتح بما إذا وقعت قتالً كمبارز ضرب فقطع أذنه
ثم ضرب ففقأ عينه ثم ضرب فقطع يده وأنفه ونحو ذلك اهـ. وهو ظاهر في أنه لو
تمكن من كافر حال قيام الحرب ليس له أن يمثل به، بل يقتله، ومقتضى ما في
الاختيار أن له ذلك كيف وقد علل بأنها أبلغ في كبتهم وأضرّ بهم. نهر.
تنبيه: ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنْ وَغَيْهِما النَّهيُ عَنِ المُثْلَةِ (٢)، فإن كان متأخراً عن قصة
العرنيين(٣) فالنسخ ظاهر وإن لم يدر فقد تعارض محرم ومبيح، فيقدم المحرم ويتضمن
الحكم بنسخ الآخر، وأما من جنى على جماعة بأن قطع أنف رجل وأذني رجل ويدي
آخر ورجلي آخر وفقا عيني آخر فإنه يقتص منه لكل، لكن يستأني بكل قصاص إلى
(١) في ط. وفي السير الكبير: لا بأس لأهل الثغور باتخاذ النساء والذراري إن كانوا بحيث إذا نزل بهم العدو
قدروا على دفعه أو على أن يخرجوهم إلى أرض الإسلام.
(٢) أخرجه أحمد ٤/ ٤٤٠ والدارمي ص ٣٩٠/١ وأبو داود ١٢٠/٣ (٢٦٦٧).
(٣) البخاري ١٠٩/١٢ (٦٨٠٣) ومسلم ١٢٩٦/٣ (١٦٧١/٩).

٢١٣
کتاب الجهاد
عن (قتل امرأة وغير مكلف وشيخ) خَر (فان) لا صياح ولا نسل له، فلا يقتل،
ولا إذا ارتد (وأعمى ومقعد) وزمن ومعتوه
برء ما قبله، فهذه مثلة ضمناً لا قصداً، وإنما يظهر أثر النهي والنسخ فيمن مثل بشخص
حتى قتله، فمقتضى النسخ أن يقتل به ابتداء ولا يمثل به. فتح ملخصاً. قوله: (وغير
مكلف) كالصبيّ والمجنون. قوله: (وشيخ خر: فإن) أصل المتن ((وشيخ فان)) لكن زاد
الشارح لفظة ((خر)) فيكون عطف خاص على عام. قال في الفتح: ثم المراد بالشيخ
الفاني: الذي لا يقتل من لا يقدر على القتال، ولا الصياح عند التقاء الصفين ولا على
الإحبال، لأنه يجىء منه الولد فيكثر محارب المسلمين. ذكره في الذخيرة. زاد الشيخ أبو
بكر الرازي أنه إذا كان كامل العقل نقتله، ومثله نقتله إذا ارتد، والذي لا نقتله الشيخ
الفاني الذي خرف وزال عن حدود العقلاء والمميزين، فهذا لا نقتله، ولا إذا ارتد اهـ.
قلت: ومقتضى كلام الرازي أنه إذا كان كامل العقل يقتل وإن لم يقدر على القتال
والصياح والإحبال ومقتضى ما في الذخيرة أنه إذا لم يقدر على ذلك لا يقتل، وإن كان
كامل العقل، وهذا هو الموافق لما في شرح السير الكبير، وهذا الظاهر، لأنه إذا كان
عاقلاً لكنه لا يقدر على شيء مما ذكر يكون في معنى المرأة والراهب، بل أولى.
فصار الحاصل: أن الشيخ الفاني إن كان خر فان زائل العقل لا يقتل، وإن كان له
صياح ونسل لأنه في حكم المجنون، وإن كان عاقلا لا يقتل أيضاً إن لم يقدر على
القتال ونحوه، وبه تعلم ما في كلام الشارح من عدم الانتظام، وكان عليه أن يقول:
وشيخ فان، لا صياح ولا نسل له، أو خرفان لا يعقل فلا يقتل، ولا إذا ارتد. والمراد
بمن لا صياح له: من لا يحرّض على القتال بصياحه عند التقاء الصفين. قوله: (ومقعد
وزمن) وكذا من في معناهما كيابس الشق ومقطوع اليمنى أو من خلاف، لكن نظر فيه
الشرنبلالية بأنه لا ينزل عن رتبة الشيخ القادر على الإحبال أو الصياح اهـ.
قلت: ومثله يقال في المرأة والصبيّ والأعمى(١). وقد يجاب بأنه يندفع ما يحذر
(١) اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا، والدليل على ذلك ما رواه الجماعة إلّ
النسائي عن عبد الله بن عمر قال: وُجِدَت امرأة مقتولة في بعض مغازي النبي وبَّ ((فنهى عن قتل النساء
والصّبيان)). واتفقوا أيضاً على أن من قاتل في صفوف الكفار جاز قتله سواء كان صبيّاً أو امرأة أو شيخاً أو
راهباً أو غيرهم دفعاً لشره ..
واختلفوا في الشيخ الفاني، والمقعد، والأعمى، والراهب في صومعته، وأهل الكنائس الذين لا يخالطون
الناس إذا لم يكن لهم في الحرب رأي.
فذهب الحنفية والمالكية والحنابلة والشافعي في قول له إلى عدم جواز قتلهم.
وذهب الشافعي في أظهر قوليه وابن حزم إلى جواز قتلهم.
استدل الجمهور بما يأتي:
=

٢١٤
كتاب الجهاد
وراهب وأهل كنائس لم يخالطوا الناس (إلا أن يكون أحدهم ملكاً) أو مقاتلاً (أو
منهم بإخراجهم إلى دارنا لما يأتي من أن لا يقتل يحمل إلى دارنا، سوى الشيخ الفاني
عادم النفع بالكلية، وتمامه فيما علقناه على البحر. قوله: (وراهب الخ) قال في الفتح
وفي السير الكبير: لا يقتل الراهب في صومعته، ولا أهل الكنائس الذين لا يخالطون
الناس، فإن خالطوا قتلوا كالقسيس، والذي يجنّ ويفيق يقتل في حال إفاقته وإن لم
يقاتل: قال في الجوهرة: وكان يجوز قتل الأخرس والأصم وأقطع اليد اليسرى أو
إحدى الرجلين لأنه يمكنه أن يقاتل راكباً، وكذا المرأة إذا قاتلت. قوله: (إلا أن يكون
الخ) قال في الفتح استثناء من حكم عدم القتل: ولا خلاف في هذا لأحد، وصح أمره
عليه الصلاة والسلام بقتل دريد بن الصمة وكان عمره مائة وعشرين عاماً أو أكثر، وقد
عمي لما جيء به في جيش هوازن للرأي، وكذا يقتل من قاتل من كل من قلنا: إنه لا
يقتل كالمجنون والصبيّ والمرأة، إلا أن الصبي والمجنون يقتلان في حال قتالهما، أما
غيرهما من النساء والرهبان وغيرهم فإنهم يقتلون إذا قاتلوا بعد الأسر، والمرأة الملكة
تقتل وإن لم تقاتل، وكذا الصبيّ الملك، لأن في قتل الملك كسر شوكتهم، وقيد في
= ((أولاً): ما رواه أبو داود عن أنس عن النبي و﴿ أنه قال: ((لا تقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلاً ولا امرأة)).
(ثانياً): ما روي عن أبي بكر بكر الصّديق رضي الله عنه أنه أوصى يزيد بن أبي سفيان حين وجهه إلى الشام
قال: ((لا تقتلوا صبيّاً ولا امرأة ولا هرماً) وعن عمر رضي الله عنه أنه أوصى مسلم بن قيس بمثل ذلك.
(ثالثاً)): ما رواه أحمد عن ابن عباس قال: كان رسول الله﴿﴿ إذا بعث جيوشه قال: ((اخرجوا باسم الله تعالى
تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله لا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب
الصوامع)).
(رابعاً): بالقياس على المرأة والصبي بجامع أن كلَّ ليس من أهل القتال واستدل الشافعي وابن حزم على
جواز قتلهم بعموم قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾، وهو عام يتناول الشيخ أو الأعمى
والمقعد وغيرهم.
واستدلّ الشافعية أيضاً بأنهم أحرار مكلفون فجاز قتلهم كغيرهم.
يرد على الجمهور في دليلهم الأول أن في إسناده خالد بن الفِرْزِ، وقد قال فيه ابن معين: ليس بذاك، وقال
ابن حزم: إنه مجهول، وبذلك ينهض حجة للمدعى. وفي دليلهم الثاني أن ما وري عن أبي بكر وعمر إنما
هو من أقوال الصحابة، وقد تكون ناشئة عن اجتهاد، وليسوا معصومين من الخطأ، فلا ينتهض كلامهم
حجة للمدعى، وفي دليلهم أن في إسناده إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة وهو ضعيف، فلا يكون
حجة .
وأمّا ما استدلّ به الشافعي وابن حزم من عموم الآية فيقال فيه: إن الآية خصصت بالنساء والصبيان وأهل
الذمة فيقاس عليهم غيرهم.
بقي الترجيح بين القياسين، وذلك بالنظر في عليتهما، والذي يقتضيه الدليل أن العلة في قتل الأفراد هي
الحرابة لا الكفر بدليل الاتفاق على تحريم قتل النساء والصبيان، وبهذا تترجح علة الحرابة وتبعاً لها يترجح
قياس الجمهور، ويكون قتل الشيخ الفاني والمقعد والأعمى ومن على شاكلتهم ممن لا قوة له ولا رأي
ممنوعاً منه شرعاً. الجهاد للدكتور شحاتة.

٢١٥
كتاب الجهاد
ذا رأي) أو مال (في الحرب، ولو قتل من لا يحل قتله) ممن ذكر (فعليه التوبة
والاستغفار فقط) كسائر المعاصي، لأن دم الكافر لا يتقوّم إلا بالأمان، ولم
يوجد، ثم لا يتركونهم في دار الحرب، يل يحملونهم تكثيراً للفيء، وتمامه في
السراج، وسيجيء [فرعان: الأول] لا بأس بحمل رأس المشرك لو فيه غيظهم
وفيه فراغ قلبنا، وقد حمل ابن مسعود يوم بدر رأس أبي جهل وألقاها بين يديه
عليه الصلاة والسلام، فقال النبيّ عليه الصلاة والسلام ((الَّلهُ أَكْبُ، هَذَا فِرْعَوْنِي
وَفِرْعَونُ أُمَّتِيٍ، كَانَ شَرُّهُ عَلَيَّ وَعَلَى أُمَّتي أَعْظَمَ مِنْ شَرِّ فِرْعَونُ عَلَى مُوسَى
وَأُمْتِهِ)) ظهيرية. [الثاني] لا بأس بنبش قبورهم طلباً للمال. تاتر خانية. وعبارة
الخانية: ((قبور الكفار)) فعمت الذمي (ولا) يحل للفرع أن (يبدأ أصله المشرك
الجوهرة الصبيّ الملك بما إذا كان حاضراً. قوله: (في الحرب) متعلق برأي ومال على
تأويل المال بالإنفاق. قوله: (ثم لا يتركونهم الخ) أي ينبغي أن لا يتركوا من ذكر ممن
لا يقتل، بل يحملونهم إلى دار الإسلام إذا كان بالمسلمين قوة على ذلك لما ذكر، ولئلا
يولد لهم فيكون في تركهم عون على المسلمين، وكذلك الصبيان يبلغون فيقاتلون،
وأما الشيخ الفاني الذي لا يقاتل ولا يلقح ولا رأي له: فإن شاءوا تركوه إذ لا نفع فيه
للكفار، أو حملوه ليفادى به أسرى المسلمين على قول من يرى المفاداة، وعلى القول
الآخر: لا فائدة في حمله؛ ومثله العجوز التي لا تلد. منح عن السراج ملخصاً.
والمعتمد القول بالمفاداة كما سيذكره في الباب الآتي، وكذلك الرهبان وأصحاب
الصوامع إذا كانوا لا يتزوجون. بحر: أي ولا يخالطون، وبه وفق بعض المشايخ بين
هذا ورواية أنهم يقتلون. أفاده القهستاني عن المحيط. قوله: (وسيجىء) أي في الباب
الآتي. قوله: (وفيه فراغ قلبنا) أي باندفاع شره عنا لاشتهار قتله بذلك. قوله: (وقد
حمل الخ) وكذا فعل عبد الله بن أنيس بسفيان بن عبد الله ومحمد بن مسلمة بكعب بن
الأشرف، كما بسطه السرخسي وقال: عليه أكثر مشايخنا لو فيه غيظهم وفراغ قلبنا بأن
يكون المقتول من قواد المشركين أو عظماء المبارزين اهـ. قوله: (وعبارة الخانية الخ)
قال في النهر: ولم أر نبش قبول أهل الذمة ويجب أن يقال: إن تحقق ذلك ولم يكن له
وارث إلا بيت المال جاز نبشه، ثم نقل ما في الخانية وقال: هذا يعم الذمي اهـ. لكن
لا يخفى أن ما في الخانية ليس فيه التقييد بتحقق المال، بل الظاهر أن المراد عند توهم
ذلك لأنه عند التحق يجوز النبش في المسلم لحق آدمي كسقوط متاع أو تكفين بثوب
مغصوب أو دفن مال معه ولو درهماً كما في جنائز البحر، فافهم. قوله: (أن يبدأ أصله
المشرك) لأنه يجب عليه إحياؤه بالإنفاق فيناقضه الإطلاق في إفتائه. هداية. والأولى

٢١٦
كتاب الجهاد
بقتل) كما لا يبدأ قريبه الباغي (ويمتنع الفرع) عن قتله، بل يشغله (لـ) لأجل أن
(يقتله غيره) فإن فقد. قتله (ولو قتله فهدر) لعدم العاصم (ولو قصد الأصل قتله
ولم يمكن دفعه إلا بقتله قتله) لجواز الدفع مطلقاً (ويجوز الصلح) على ترك
الجهاد (معهم بمال) منهم أو منا (لو خيراً)
التعليل بأنه كان سبب إيجاده لما يأتي قريباً قيد بالبدء احترازاً عما لو قصد الأصل قتله كما
يأتي، وبالأصل احترازاً عن الفرع المشرك وإن سفل، فللأب أن يبتدىء بقتله وكذا سائر
القرابات كما في البحر والنهر، وعدل عن تعبير الكنز بالأب، لأن أمه وأجداده وجداته
من قبل الأب والأم كالأب. قوله: (كما لا يبدأ قريبه الباغي) أشار إلى فائدة التقييد
بالمشرك، وهي أنه لو كان المحارب باغياً لا يتقيد بكونه أصلاً، بل يعم الأخ وغيره. قال
في البحر: لأنه يجب عليه إحياؤه بالإنفاق عليه لاتحاد الدين، فكذا بترك القتل اهـ.
قلت: ومفاده تقييد القريب بالرحم المحرم، لأنه لا يجب عليه أن ينفق على
غيره، لكن يراد أنه يجب عليه الإنفاق على فرعه المشرك. ويجاب بأن ذاك في غير
الحربي، لأنه لا يجب الإنفاق على الأصول والفروع الحربيين كما مر في بابه، لكن
يلزم منه أن يكون له بدء أصله بالقتل، وأن لا يصح التعليل المارّ عن الهداية بأنه يجب
عليه إحياؤه بالإنفاق كما أورده في الحواشي السعدية، فالأولى التعليل بما ذكره في
شرح السير أن الأب كان سبب إيجاده فلا يكون سبب إعدامه بالقصد إلى قتله كما
قدمناه. قوله: (بل يشغله) أي بالمحاربة بأن يعرقب فرسه، أو يطرحه عنها أو يلجئه
إلى مكان ولا ينبغي أن ينصرف عنه ويتركه. نهر. قوله: (فإن فقد قتله) أي إذا لم يكن
ثمة غيره قتله، كذا قاله في النهر، ولم أره لغيره. وعبارة الزيلعي: وإن لم يكن ثمة من
يقتله لا يمكنه من الرجوع، حتى لا يعود حرباً على المسلمين، ولكنه يلجئه إلى مكان
يستمسك به حتى يجىء غيره فيقتله. قوله: (ولو قتله فهدر) أي باطل لا دية فيه ولا
قصاص؛ نعم عليه التوبة والاستغفار كما في شرح الملتقى. قوله: (لجواز الدفع مطلقاً)
أي ولو كان الأب مسلماً فإنه إذا أراد قتل ابنه ولا يتمكن من التخلص منه إلا بقتله كان
له قتله لتعينه طريقاً لدفع شرّه، فهنا أولى؛ ولو كانا في سفر وعطشاً ومع الابن ماء
يكفي لنجاة أحدهما كان للابن شربه ولو كان الأب يموت، وينبغي أنه لو سمع أباه
المشرك يذكر الله تعالى أو رسوله بسوء أن يكون له قتله لما روى ((أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ
الجراح قتل أباه حين سمعه يسبّ النبي ◌َ ﴿ وشرف وكرم، فلم ينكر النبي ◌َّ ذلك)) كذا
في الفتح. قوله: (بمال منهم) ويصرف مصارف الخراج والجزية إن كان قبل النزول
بساحتهم بل برسول أما إذا نزلنا بهم فهو غنيمة نخمسها ونقسم الباقي. نهر. قوله: (أو
منا) أي بمال نعطيه لهم إن خاف الإمام الهلاك على نفسه والمسلمين بأيّ طريق كان.

٢١٧
كتاب الجهاد
لقوله تعالى . وإن جنحوا للسلم فاجنح لها۔ (وننبذ) أي نعلمهم بنقض الصلح
تحرّزاً عن الغدر المحرم (لو خيراً) لفعله عليه الصلاة والسلام بأهل مكة (ونقاتلهم
بلا نبذ مع خيانة ملكهم) ولو بقتال ذي منعة بإذنه ولو بدونه انتقض حقهم فقط
(و) نصالح (المرتدين لو غلبوا على بلدة وصارت دارهم دار حرب) لو خيراً (بلا
مال وإلا) يغلبوا على بلدة (لا) لأن فيه تقرير المرتدين على الردة وذلك: لا
نهر. قوله: (لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحَوا لِلسَّلْمِ﴾ [الأنفال: ٦١] أي مالوا قال في
المصباح والسلم بالكسر والفتح: الصلح، يذكر ويؤنث، والآية مقيدة برؤية المصلحة
إجماعاً لقوله تعالى: ﴿وَلَا تِهِنُوا(١) وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُم الأَعْلَوْنَ﴾ [محمد: ٣٥] أفاده
في الفتح. قوله: (أن نعلمهم بنقص الصلح) أفاد شرطاً زائداً على المتن، وهو إعلامهم
به لأن نبذ العهد نقضه، لكن لا يجوز قتالهم أيضاً حتى يمشي عليهم زمان يتمكن فيه
ملكهم من إنفاذ الخبر إلى أطراف مملكته، حتى لو كانوا خرّبوا حصونهم للأمان،
وتفرّقوا في البلاد فلا بد أن يعودوا إلى مأمنهم ويعمروا حصونهم كما كانت توقياً عن
الغدر؛ وهذا لو نقض قبل مضيّ المدة، أما لو مضت فلا ينبذ إليهم، ولو كان الصلح
بجعل فنقضه قبل المدة ردّ عليهم بحصته لأنه مقابل بالأمان في المدة فيرجعون بما لم
يسلم لهم الأمان فيه. زيلعي. قوله: (لفعله عليه الصلاة والسلام بأهل مكة) تبع فيه
الهداية، ورده الكمال حيث قال: وأما استدلالهم بأنه ◌َ ﴿ نقض الموادعة التي كانت بينه
وبين أهل مكة، فالأليق جعله دليلاً لقوله الآتي: (وإن بدءوا بخيانة قاتلهم)، ولم ينبذ
إليهم إذا كان بتفاقهم، لأنهم صاروا ناقضين للعهد فلا حاجة إلى نقصه، وإنما قلنا هذا
لأنه ﴿ لم يبدأ أهل مكة، بل هم بدءوا بالغدر قبل مضيّ المدة فقاتلهم، ولم ينبذ
إليهم بل سأل الله تعالى أن يعمي عليهم حتى يبغتهم، هذا هو المذكور لجميع أهل
السير والمغازي، وتمامه في ح. قوله: (ولو بقتال) أي ولو كانت خيانة ملكهم بقتال
أهل منعة بإذنه: أي لا فرق بين قتاله بنفسه أو بقتال بعض أتباعه بإذنه. قوله: (انتقض
حقهم فقط) أي حق المقاتلين ذوي المنعة بلا إذن ملكهم. قال الزيلعي: فلا ينتقض في
حق غيرهم. لأن فعلهم لا يلزم غيرهم وإن لم يكن لهم منعة لم يكن نقضاً للعهد اهـ:
أي بأن قاتل واحد منهم مثلاً ثم ترك القتال يبقى عهده. قوله: (بلا مال) أي بلا أخذه
منهم لأنه في معنى الجزية: وهي لا تقبل منهم. نهر. ولم يذكر صلحهم على أخذهم
المال منا، ولا شك في جوازه عند الضرورة كما في أهل الحرب، ولكن هل يلزم
إعلامهم بنقض العهد قبل انقضاء مدته أم لا لكونهم يجبرون على الإسلام بخلاف أهل
(١) في ط (قوله ولا تهنوا والتلاوة) فلا تهنوا وأما الآية التي فيها . ولا تهنوا . فهي آية أخرى.

٢١٨
كتاب الجهاد
يجوز. فتح (وإن أخذ) المال (منهم لم يرد) لأنه غير معصوم، بخلاف أخذه من
بغاة فإنه يردّ بعد وضع الحرب أوزارها. فتح (ولم نبع) في الزيلعي: يحرم أن
نبيع (منهم ما فيه تقويتهم على الحرب) كحديد وعبيد وخيل (ولا نحمله إليهم
ولو بعد صلح) لأنه عليه الصلاة والسلام نهى عن ذلك، وأمر بالميرة وهي الطعام
والقماش، فجاز استحساناً (ولا نقتل من أمنه حر أو حرّة ولو فاسقاً) أو أعمى أو
الحرب؟ فليراجع. قوله: (لأنه غير معصوم) لأنه يصير فيئاً للمسلمين إذا ظهروا. فتح.
قوله: (بعد وضع الحرب أوزارها) أي أثقالها، والمراد بعد انتهائها وإنما يرد عليهم،
لأنه ليس فيئاً، إلا أنه لا يرده حال الحرب لأنه إعانة لهم. فتح. قوله: (ولم نبع الخ)
أراد به التمليك بوجه كالهبة. قهستاني. بل الظاهر أن الإيجار والإعارة كذلك، أفاده
الحموي، لأن العلة منع ما فيه تقوية على قتالنا كما أفاده كلام المصنف. قوله: (يحرم)
أي يكره كراهة تحريم. قهستاني. قوله: (كحديد) وكسلاح مما استعمل للحرب، ولو
صغيراً كالإبرة، وكذا ما في حكمه من الحرير والديباج، فإن تمليكه مكروه لأنه يصنع
منه الراية. قهستاني. قوله: (وعبيد) لأنهم يتوالدون عندهم فيعودون حرباً علينا مسلماً
كان الرقيق أو كافراً. قوله: (ولا نحمله إليهم) أي لبيع ونحوه قد بأس لتاجرنا أن
يدخل دارهم بأمان ومعه سلاح لا يريد بيعه منهم إذا علم أنهم لا يتعرضون له، وإلا
فيمنع عنه كما في المحيط. قهستاني. وفي كافي الحاكم: لو جاء الحربيّ بسيف
فاشترى مكانه قوساً أو رمحاً أو فرساً لم يترك أن يخرج، وكذا لو استبدل بسيفه سيفاً
خيراً منه فإن كان مثله أو دونه لم يمنع، والمستأمن كالمسلم في ذلك إلا إذا خرج
بشيء من ذلك فلا يمنع من الرجوع به اهـ. نهر. قوله: (ولو بعد صلح) تعميم للبيع
والحمل. قال في البحر: لأن الصلح على شرف الإنقضاء أو النقض. قوله: (فجاز
استحساناً) أي اتباعاً للنص، لكن لا يخفى أن هذا إذا لم يكن بالمسلمين حاجة إلى
الطعام فلو احتاجوه لم يجز. قوله: (ولا نقتل من أمنه الخ) أي إذا أمن رجل حرّ أو
امرأة حرة كافراً أو جماعة أو أهل حصن أو مدينة: صح أمانهم، ولم يجز لأحد من
المسلمين قتالهم، والأصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام: ((المُسْلِمُون تَتَكَافَأُ
دِمَاؤُهمْ (١))) أي لا تزيد دية الشريف على دية الوضيع ((ويسعى بذمتهم أدناهم)) أي أقلهم
عدداً وهو الواحد، وتمامه في الفتح. فهو مشتق من الأدنى الذي هو الأقل كقوله
تعالى: ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ﴾ [المجادلة: ٧] فهو تنصيص على صحة أمان
الواحد، أو من الدنوّ وهو القرب كقوله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنْ أَوْ
(١) أخرجه أحمد في المسند ١٢٢/١ وأبو داود (٤٥٣٠) والنسائي ٢٤/٨.

٢١٩
كتاب الجهاد
فانياً أو صبياً أو عبداً أذن لهما في القتال (بأيّ لغة كان) الأمان (وإن كانوا لا
يعرفونها بعد معرفة المسلمين) ذلك (بشرط سماعهم) ذلك من المسلمين فلا أمان
لو کان بالبعد منهم، ویصح بالصریح کأمنت أو لا بأس علیکم،
أَدْنَى﴾ [النجم ٩] فهو دليل على صحة أمان المسلم في ثغر بقرب العدوّ، أو من الدناءة
فهو تنصيص على صحة أمان الفاسق. أفاده السرخسي.
بَحْثُ الأَمَانِ(١)
قوله: (أذن لهما في القتال) أي إذا كان الصبيّ والعبد مأذونين في القتال صح
أمانهما في الأصح اتفاقاً. قهستاني عن الهداية. خلافاً لما نقله ابن الكمال عن
الاختيار. در منتقى. قوله: (بعد معرفة المسلمين ذلك) أي كون ذلك اللفظ أماناً .
قلت: والظاهر أن الشرط معرفة المتكلم به، وإذا ثبت الأمان به ثبت في حق
غيره أيضاً من المسلمين ولو لم يعرف معناه، فافهم. قوله: (فلا أمان لو كان بالبعد
منهم) أشار إلى أن المراد السماع ولو حكماً لما نقله ط عن الهندية: لو نادوهم من
(١) الأمان جائز بالكتاب والسنة:
(أما الكتاب)) فقوله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه﴾
الآية. ومعناه وإن جاءك أحد من المشركين لا عهد بينك وبينه، وطلب أمانك وجوارك فأمنه حتى يسمع
كلام الله ويتدبره ويعرف حقيقة الإسلام، ثم أبلغه بعد ذلك مكاناً يأمن فيه على نفسه، ووجه الدلالة: أن
الله أذن لنبيه عليه الصلاة والسّلام في إعطاء الأمان لمن سأله واستجار به، والاستجارة في الآية عامّة
فتتناول الاستجارة لنشر العلوم والتجارة وسماع كلام الله وغير ذلك من الأسباب التي تحمل على طلب
الأمان، وأما قوله سبحانه وتعالى: ﴿حتى يسمع كلام الله﴾ فهو إشارة إلى الحكمة المقصودة من إعطاء
الأمان، وذلك لأنه إذا دخل بلاد المسلمين وأقام بينهم سمع منهم كلام الله، وعرف مقاصد الدين، وكثيراً
ما يكون ذلك سبباً لإسلامه.
وأما السنة: فما رواه البخاري عن علي رضي الله عنه أن النبيّ ◌َ ﴿﴿ قال: ((ذمة المسلمين واحدة يسعى بها
أدناهم، فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)). والذمة معناها العهد والأمان والحرمة،
وقوله: (يسعى بذمتهم أدناهم)) أي بتحملها ويعقدها مع الكفار أقلهم وقوله: ((فمن أخفر مسلماً)) أي نقص
عهده ووجه الدلالة أن الحديث جعل حقّ الأمان لجميع المسلمين فمن أعطى منهم الأمان لكافر وجب
على الجميع احترامه والوفاء به، فيستدل به على مشروعية الأمان في كل الأحوال التي ليس فيها ضرر
على المسلمين.
ذهب الشافعية إلى أن مدة الأمان عند قوة المسلمين لا تزيد على أربعة أشهر على المعتمد، وعند ضعفهم
يجوز إلى عشر سنين؛ لأنه في معنى الهدنة.
وعند الحنفية يصح إلى مدة تقل عن سنة، ولا يتركون سنة بدون جزية بعد إعلام الإمام لهم بذلك،
واستدلوا بأن الحربي لا يمكّن من إقامة دائمة في دارنا إلا بالاسترقاق أو الجزية؛ لأنه بغير ذلك يصير عوناً
لهم وعبئاً علينا، فتلحق المضرة بالمسلمين، ويمكّن من الإقامة اليسيرة؛ لأن في منعها قطع المسيرة وسدّ
باب التجارة ففصلنا بسنة؛ لأنها مدة تجب فيها الجزية فتكون الإقامة لمصلحة الجزية.
ولم أر للمالكية في تقدير مدة الأمان نصّاً. الجهاد للدكتور شحاتة .

٢٢٠
کتاب الجهاد
وبالكناية كتعال إذا ظنه أماناً، وبالإشارة بالأصبع إلى السماء، ولو نادى المشرك
بالأمان صح لو ممتنعاً وصح طلبه لذراريه لا لأهله
موضع يسمعون وعلم أنهم لم يسمعوا بأن كانوا نياماً أو مشغولين بالحرب فذلك أمان.
قوله: (كتعال) قال السرخسي: استدل عليه محمد بحديث عمر رضي الله تعالى عنه ((أَيُّمَا
رَجُلٍ مِنَ الْمُسِلِمِينَ أَشَارَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ العَدُوِّ أَنْ تَعَالَ فَإِنَّكَ إِنْ جِئَتَ قَتَلْتُكَ فَأَتَاهُ فَهُوَ
آمِنٌ)) وتأويله إذا لم يفهم أو لم يسمع قوله إن جئت قتلتك، أما لو علم وسمع فهو
فيء. قوله: (إلى السماء) لأن فيه بيان إني أعطيتك ذمة إله السماء سبحانه وتعالى أو
أنت آمن بحقه. سرخسي. قوله: (ولو نادى المشرك) بالرفع على الفاعلية: أي لو
طلب المشرك الأمان منا صح لو ممتنعاً: أي في موضع يمنعه عن وصولنا إليه. قال في
البحر: وإن كان في موضع ليس بممتنع وهو مادّ سيفه أو رمحه فهو فيء اهـ.
قلت: ومفاده أنه إذا كان ممتنعاً يصير آمناً بمجرّد طلبه الأمان وإن لم نؤمنه،
وليس كذلك، بل هذا إذا ترك منعته وجاء إلينا طالباً، ففي شرح السير: ولو كان في
منعة بحيث لا يسع المسلمون كلامه ولا يرونه فانحط إلينا وحده بلا سلاح، فلما كان
بحیث نسمعه نادی بالأمان، فهو آمن، بخلاف ما إذا أقبل سالًا سيفه ماداً برمحه نحونا
فلما قرب استأمن فهو فيء، لأن البناء على الظاهر فيما يتعذر الوقوف على حقيقته
جائز، ولو في إباحة الدم كما لو دخل بيته إنسان ليلاً، ولم يدر أنه سارق أو هارب،
فلو عليه سيما اللصوص له قتله، وإلا فلا ثم.
قال: والحاصل أن من فارق المنعة عند الاستئمان فإنه يكون آمناً عادة، والعادة
تجعل حكماً إذا لم يوجد التصريح بخلافه، ولو وجدنا حربياً في دارنا فقال: دخلت
بأمان لم يصدق، وكذا لو قال: أنا رسول الملك إلى الخليفة، إلا إذا أخرج كتاباً يشبه
أن يكون كتاب ملكهم، وإن احتمل أنه مفتعل، لأن الرسول آمن كما جرى به الرسم
جاهلية وإسلاماً، ولا يجد مسلمين في دارهم ليشهدا له، فلو لم يصحبه دليل ولا كتاب
فأخذه مسلم فهو في لجماعة المسلمين عند أبي حنيفة، كمن وجد في عسكرنا في
دار الحرب فأخذه واحد، لكنه هناك بخمس رواية واحدة، وهنا فيه روايتان، وعند
محمد: هو فيء لمن أخذه كالصيد والحشيش. وفي إيجاب الخمس فيه روايتان عن
محمد أيضاً اهـ. ملخصاً. قوله: (وصح طلبه الخ) هذا غلط، وعبارة البحر: لو طلب
الأمان لأهله لا يكون هو آمناً، بخلاف ما إذا طلب لذراريه فإن يدخل تحت الأمان اهـ.
فإنها صريحة في أنه يصح طلب الأمان لأهله وزراريه جميعاً في غير أنه لا يدخل في
الأول، ويدخل في الثاني اهـح.
قلت: وظاهره أن الكلام فيما لو قال آمنوا أهلي أو قال آمنوا ذراري فيدخل