النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ كتاب السرقة/ باب كيفية القطع وإثباته (ولو قطع لبعض السرقات لم يضمن شيئاً) وقالا يضمن ما لم يقطع فيه. (سرق ثوباً فشقه نصفين ثم أخرجه: قطع إن بلغت قيمته نصاباً بعد شقه ما لم يكن إتلافاً) بأن ينقص أكثر من نصف القيمة فله تضمين القيمة فيملكه مستنداً إلى وقت الأخذ، فلا قطع. زيعلي. وهل يضمن نقصان الشق مع القطع؟ صحح الخبازي لا. وقال الكمال: الحق نعم؛ ومتى اختار تضمين القيمة يسقط القطع لما مر. (ولو سرق شاة فذبحها فأخرجها لا) لما مر أنه لا قطع في اللحم (وإن بلغ لحمها نصاباً) بل يضمن قيمتها. الثمن لا بالقيمة، لظهور أن ما دفعه إليه لا يملك قبضه فيرجع به لا بما ضمن، فاغتنم تحرير هذا المحل فإنه من فيض المولى عزّ وجل. قوله: (ولو قطع الخ) أي لو سرق سرقات فقطع في أحدها بخصومة صاحبها وحده فهو: أي ذلك القطع بجميعها، ولا يضمن شيئاً لأرباب تلك السرقات عنده، وقالا: يضمن كلها إلا التي قطع فيها، فإن حضروا جميعاً وقطعت يده بخصومتهم لا يضمن شيئاً من السرقات بالاتفاق. فتح. قوله: (ثم أخرجه) فلو شقه بعد الإخراج قطع اتفاقاً. نهر. وهو مفهوم بالأولى. قوله: (قطع) أي عندهما خلافاً لأبي يوسف. ومحل الخلاف ما إذا شقه فاحشاً وهو ما يفوت به بعض العين وبعض المنفعة على الأصح، واختار المالك تضمين النقصان وأخذ الثوب قطع عندهما خلافاً له. أما إذا اختار تضمين القيمة وترك الثوب فلا قطع اتفاقاً، أما اليسير وهو ما يتعيب به فقط فيقطع فيه اتفاقاً. نهر. قوله: (فله تضمين القيمة) أي من غير خيار. بحر: أي ليس له تضمين النقصان والقطع. قوله: (فيملكه) أي السارق، فصار كما إذا ملكه إياه لهبة بعد القضاء لا يقطع على ما تقدم. فتح. قوله: (وهل يضمن الخ) أي فيما إذا شقه نصفين ولم يكن إتلافاً ح. قوله: (صحح الخبازي لا) أي لا يضمن كيلا يجتمع القطع مع الضمان. قوله: (وقال الكمال الحق نعم) حيث قال: والحق ما ذكر في عامة الكتب الأمهات أنه يقطع ويضمن النقصان، إلى أن قال: ووجوب ضمان النقصان لا يمنع القطع، لأن ضمان النقصان وجب بإتلاف ما فات قبل الإخراج، والقطع بإخراج الباقي فلا يمنع، كما لو أخذ ثوبين وأحرق أحدهما في البيت وأخرج الآخر وقيمته نصاب. قوله: (ومتى اختار تضمين القيمة) أي فيما إذا كان الشق فاحشاً، إذ لو كان يسيراً يقطع بالاتفاق كما قدمناه. قال في الهداية: إذ ليس له اختيار تضمين كل القيمة. قوله: (لما مر) أي قريباً من أنه يملكه مستنداً إلى وقت الأخذ. قوله: (فذبحها فأخرجها) قيد بالإخراج بعد الذبح، لأنه لو أخرجها حية وقيمتها عشرة ١٨٢ كتاب السرقة/ باب كيفية القطع وإثباته (ولو فعل ما سرق من الحجرين وهو قدر نصاب) وقت الأخذ (دراهم أو دنانير) أو آنية (قطع وردت) وقالا: لا تردّ لتقوّم الصنعة عندهما خلافاً له. وأما نحو النحاس لو جعله أواني، فإن كان يباع وزناً فكذلك، وإن عدداً فهي للسارق اتفاقاً. اختيار. (ولو صبغه أحمر أو طحن الحنطة) أو لتّ السويق (فقطع لا رد ولا ضمان) وكذا لو صبغه بعد القطع. بحر. خلافاً لما في الاختيار (ولو) صبغه (أسود رده) ثم ذبحها يقطع وإن انتقصت قيمتها بالذبح. ط عن الحموي. قوله: (من الحجرين) أي الذهب والفضة. قوله: (دراهم) مفعول فعل. قوله: (لتقوم الصنعة عندهما خلافاً له) وأصل الخلاف في الغاصب هل يملك الدراهم والدنانير بهذه الصنعة أم لا، بناء على أنها متقومة أم لا، ثم وجوب القطع عنده لا يشكل لأنه لم يملكها على قوله. وأما على قولهما فقيل لا يجب القطع لأنه ملكها قبله، وقيل يجب لأنه صار بالصنعة شيئاً آخر فلم يملك عينه، وعلى هذا الخلاف إذا اتخذه حلياً أو آنية. زيلعي. قوله: (فهي للسارق اتفاقاً) لأن هذه الصنعة بدلت العين والاسم بدليل أنه تغير بها حكم الربا حيث خرجت عن كونها موزونة، بخلاف مسألة الذهب والفضة لبقاء الاسم مع بقاء العين كما كانت حكماً، حتى لا يصح بيع آنية فضة وزنها عشرة بأحد عشر، كذا يفاد من الفتح. قوله: (فقطع) إنما قطع باعتبار سرقة الثوب الأبيض وهو لم يملكه أبيض بوجه ما والمملوك للسارق إنما هو المصبوغ، وكذا يقطع بالحنطة وإن ملك الدقيق. بحر. قوله: (لا رد) أي حال قيامه ولا ضمان: أي حال استهلاكه، وهذا عندهما. وقال محمد: يردّ الثوب ويأخذ ما زاد الصبغ، لأن عين ما له قائم من كل وجه. ولهما أن الصبغ قائم صورة ومعنى، بدليل أن المسروق منه لو أخذ الثوب يضمن الصبغ، وحق المالك قائم صورة لا معنى بدليل أنه غير مضمون على السارق. نهر. قوله: (خلافاً لما في الاختيار) أي من أنه لو صبغه بعد القطع يرده، وهو مخالف لقول الهداية: فإن سرق ثوباً فقطع فصبغه أحمر لم يؤخذ منه، ولقول محمد سرق الثوب فقطع يده وقد صبغ الثوب أحمر لم يؤخذ منه، فإنه دليل على أنه لا فرق بين أن يصبغه قبل القطع أو بعده. زيلعي. وتبعه في البحر والنهر. قلت: لكن قول محمد: وقد صبغه، جملة حالية، فمن أين يفيد كون الصبغ بعد القطع. ثم رأيت سعد جلبي اعترض الزيلعي بأن عبارة الهداية ليست كما نقله. اهـ. قلت: لأن عبارة الهداية هكذا: ((فإن سرق ثوباً فصبغه أحمر ثم قطع)) الخ، فعبارة الهداية مساوية لعبارة المصنف والكنز. وقد ذكر الزيلعي أن ما في الكنز ذكر مثله في المحيط والكافي، ولا يخفى أن هذه العبارة تؤيد ما في الاختيار ولم يبق لدعوى . ١٨٣ كتاب السرقة/ باب قطع الطريق لأن السواد نقصان، خلافاً للثاني وهو اختلاف زمان لا برهان. (سرق في ولاية سلطان ليس لسلطان آخر قطعه) إذ لا ولاية له على من ليس تحت يده؛ فليحفظ هذا الأصل. (إذا كان للسارق كفان في معصم واحد) قيل يقطعان، وقيل (إن تميزت الأصلية وأمكن الاقتصار على قطعها لم يقطع الزائد) لأنه غير مستحق للقطع (وإلا) تكن متميزة (قطعاً هو المختار) لأنه لا يتمكن من إقامة الواجب! لا بذلك. سراج. والله تعالى أعلم. بَابُ (قَطْعِ الطَّرِيقٍ) وَهُوَ الْسّرِقَةُ الْكُبْرَى (من قصده) ولو في المصر ليلاً، به یفتی الزيلعي دليل، فالاعتماد على ما قالوه لا على ما قاله، فتنبه. قوله: (خلافاً للثاني) لأن السواد زيادة عنده كالحمرة. وعند محمد زيادة أيضاً كالحمرة، ولكنه لا يقطع حق المالك. وعند أبي حنيفة: السواد نقصان ولا يوجب انقطاع حق المالك، هداية. قوله: (وهو اختلاف زمان الخ) فإن الناس كانوا لا يلبسون السواد في زمنه ويلبسونه في زمنهما. فتح. قوله: (سرق في ولاية سلطان الخ) ذكره مع تعليله في الدرر. وقال في الشرنبلالية: ذكره في الفيض. وفي مختصر الظهيرية معزوّاً إلى الإمام الأجلّ الشهيد. قوله: (إذ لا ولاية له الخ) أي في وقت السرقة، إذ لا شك أنهما في وقت الدعوى تحت يده، وهل كذلك بقية الحدود والقصاص أيضاً؟ لم أره، والله سبحانه وتعالى أعلم. بَابُ قَطْعٍ الطّرِيقِ أي قطع المارة عن الطريق فهو من الحذف والإيصال، أو المراد بالطريق المارة من إطلاق المحل على الحال أو الإضافة على معنى ((في)): أي قطع في الطريق: أي منع الناس المرور فيه، أخره عن السرقة لأنه ليس سرقة مطلقة، لأن المتبادر منها الأخذ خفية عن الناس، وأطلق عليها اسمها مجازاً لضرب من الإخفاء وهو الإخفاء عن الإمام ومن نصبهم لحفظ الطريق، ولذا لا يطلق عليه اسمها إلا مقيدة بالكبرى ولزوم التقييد من علامات المجاز كما في الفتح، وسميت كبرى لعظم ضررها لكونه على عامة المسلمين أو لعظم جزائها. قوله: (من قصده) أي قصد قطع الطريق، وعبر بـ ((من)) ليفيد أنه لا يشترط كون القاطع جماعة فيشمل ما إذا كان واحداً له منعة بقوته ونجدته، كما في القهستاني والفتح، وشمل العبد، وكذا المرأة في ظاهر الرواية إلا أنها لا تصلب كما سيأتي. قوله: (ولو في المصر ليلاً) أي بسلاح أو بدونه وكذا نهاراً لو بسلاح كما سيأتي، هذا هو رواية عن أبي يوسف أفتى بها المشايخ دفعاً لشرّ المتغلبة ١٨٤ كتاب السرقة/ باب قطع الطريق (وهو معصوم على) شخص (معصوم) ولو ذمياً، فلو على المستأمنين فلا حد (فأخذ قبل أخذ شيء وقتل) نفس (حبس) وهو المراد بالنفي في الآية. المفسدين، كما في القهستاني عن الاختيار وغيره، ومثله في البحر. أما ظاهر الرواية فلا بد أن يكون في صحراء دارنا على مسافة السفر فصاعداً دون القرى والأمصار ولا ما بينهما، كما في القهستاني. وفي كافي الحاكم: وإن قطعوا الطريق في دار الحرب على تجار مستأمنين أو في دار الإسلام في موضع غلب عسكر الخوارج ثم أتى بهم الإمام لم يمض الحدود عليهم. قوله: (وهو معصوم) أي بالعصمة المؤبدة وهو المسلم أو الذمي. قهستاني. والعصمة: الحفظ، والمراد عصمة دمه وماله بالإسلام أو عقد الذمة. وفي حاشية السيد أبو السعود: مفاده لو قطع الطريق مستأمن لا يحد، وبه صرح في شرح النقاية معللاً بأنه لا يخاطب بالشرائع. وحكى في المحيط اختلاف المشايخ فيه. قوله: (فلو على المستأمنين فلا حد) لكن يلزمه التعزير والحبس باعتبار إخافة الطريق وإخفاره ذمة المسلمين. فتح. قال في الشرنبلالية: ويضمن المال لثبوت عصمة مال المستأمن حالاً وإن لم يكن على التأييد، ومحل عدل الحد بالقطع على المستأمن فيما إذا كان منفرداً، أما إذا كان مع القافلة فإنه يجد ولا يصير شبهة، بخلاف اختلاط ذي الرحم بالقافلة، كما في الفتح اهـ. قلت: لكن لو لم يقع القتل والأخذ إلا في المستأمن فلا حد، كما في الفتح أيضاً. تنبيه: قد علم من شروط قطع الطريق كونه ممن له قوة ومنعة، وكونه في دار العدل، ولو في المصر ولو نهاراً إن كان بسلاح، وكون كل من القاطع والمقطوع عليه معصوماً، ومنها كما يعلم مما يأتي كون القطاع كلهم أجانب لأصحاب الأموال، وكونهم عقلاء بالغين ناطقين، وأن يصيب كلّ منهم نصاب تام من المال المأخوذ، وأن يؤخذوا قبل التوبة. ثم اعلم أن القطع يثبت بالإقرار مرة واحدة. وعند أبي يوسف بمرتين، ويسقط الحد برجوعه لكن يؤخذ بالمال إن أقرّ به يثبت بشهادة اثنين بمعاينته أو بالإقرار به، فلو لأحدهما بالمعاينة والآخر بالإقرار لا تقبل؛ ولو قالا: قطعوا علينا وعلى أصحابنا، لأتقبل لأنهما شهدا لأنفسهما، ولو شهدا أنهم قطعوا على رجل من عرض الناس وله وليّ يعرف أو لا يعرف إلا بمحضر من الخصم، وتمامه في الفتح آخر الباب. قوله: (حبس) وما في الخانية من أنه يعزّر ويخلى سبيله، خلاف المشهور، فتح. وأفاد أيضاً أن الحبس في بلده لا في غيرها خلافاً لمالك. قوله: (وهو المراد بالنفي في الآية) لأن ١٨٥ كتاب السرقة/ باب قطع الطريق وظاهر أن المراد توزيع الأجزية على الأحوال كما تقرر في الأصول (بعد التعزير) لمباشرة منكر التخويف (حتى يتوب) لا بالقول بل بظهور سيما الصلحاء (أو يموت، وإن أخذ مالًا معصوماً) بأن يكون لمسلم أو ذمي كما مر (وأصاب منه كلا نصاب: قطع يده ورجله من خلاف إن كان صحيح الأطراف) لئلا يفوت نفعه وهذه حالة ثانية. النفي من جميع الأرض محال وإلى بلد أخرى فيه إيذاء أهلها فلم يبق إلا الحبس، والمحبوس يسمى منفياً من الأرض؛ لأنه لا ينتفع بطيبات الدنيا ولذاتها، ولا يجتمع بأقاربه وأحبابه. قال في الفتح: قال صالح بن عبد القدوس فيما ذكره الشريف في الغرر: [الطويل] خَرَجْنَا مِنَ الدُّنْيَا وَنَحْنُ مِنَ اهْلِهَا فَلَسْنَا مِنَ الأَحْيَاءِ(١) فِيهَا وَلَا المَوْنَى إِذَا جَاءَنَا السَّجَّانُ يَوْماً لِحَاجَةٍ عَجِبْنَا وَقُلْنَا جَاءَ هَذَا مِنَ الدُّنْيَا قوله: (وظاهر أن المراد الخ) أي وليس المراد ما قاله بعض السلف أن الإمام مخير في هذه الأجزية الأربعة، إذ من المقطوع به أنها أجزية على جناية القطع المتفاوتة خفة وغلظاً، ولا يجوز أن يرتب على أغلظها أخفّ الأجزية المذكورة، وعلى أخفها أغلظ الأجزية، لأنه مما يدفعه قواعد الشرع والعقل، فوجب القول بالتوزيع على أحوال الجنايات لأنها مقابلة بها فاقتضت الانقسام. فتقدير الآية أن يقتلوا: إن قتلوا، أو يصلبوا: إن قتلوا وأخذوا المال، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف: إن أخذوا المال، أو ينفوا: إن أخافوا، وتمامه في الفتح والزيلعي. قوله: (بعد التعزير) أي بالضرب، وإلا فالحبس تعزير أيضاً كما مر في بابه. قوله: (أو يموت) عطف على يتوب. قوله: (وإن أخذ) أي القاطع أي جنسه السابق بالواحد والأكثر. قوله: (وأصاب منه كلا نصاب) أي أصاب كل واحد منهم نصاب السرقة الصغرى. قوله: (إن كان صحيح الأطراف) حتى لو كانت يسراه شلاء لم تقطع يمينه، وكذا لو كانت رجله اليسرى ولو كان مقطوع اليمنى لم يقطع له يد، وكذا الرجل اليسرى. نهر. ومفهومه أنه لو كانت يده اليمنى شلاء أو رجله اليسرى أو كلاهما قطع كما سبق في السرقة الصغرى من أن استيفاء الناقص عند تعذر الكامل جائز فالمراد بقوله: ((إن كان صحيح الأطراف)» غير المستحقة للقطع أو الجمع لما فوق الواحد، أو يراد بالصحيح ما يقابل المقطوع دون الأشل. أفاده السيد أبو السعود. قوله: (لئلا يفوت نفعه) علة لقوله: ((من (١) في ط (قوله فلسنا من الأحيا الخ) أنشده الزيلعي بلفظ، فلسنا من الأموت فيها والأحياء وهذا أحسن؛ وأنشد بعضهم: فلسنا من الموتى ولا الأحياء، ولا يخفى أنه غير موزون. ١٨٦ كتاب السرقة/ باب قطع الطريق (وإن قتل) معصوماً (ولم يأخذ) مالاً (قتل) وهذه حالة ثالثة (حداً) لا قصاصاً (ف) .لذا (لا يعفوه ولي، ولا يشترط أن يكون) القتل (موجباً للقصاص) لوجوبه جزاء لمحاربته لله تعالى بمخالفة أمره وبهذا الحلّ يستغني عن تقدير مضاف، كما لا يخفى. (و) الحالة الرابعة: (إن قتل وأخذ) المال خير الإمام بين ستة أحوال: إن شاء (قطع) من خلاف (ثم قتل، أو) قطع ثم (صلب) أو فعل الثلاثة (أو قتل) وصلب، أو قتل فقط (وصلب فقط) كذا فصله الزيلعي ويصلب (حياً) خلاف» ط. قوله: (فلذا لا يعفوه ولي) أي لكونه حداً خالص حق الله تعالى لا يسع فيه عفو غيره، فمن عفا عنه عصى الله تعالى. فتح. قال: وفي فتاوى قاضيخان: وإن قتل ولم يأخذ المال يقتل قصاصاً، وهذا يخالف ما ذكرناه، إلا أن يكون معناه: إذا أمكنه أخذ المال فلم يأخذ شيئاً ومال إلى القتل، فإنا سنذكر في نظيرها أنه يقتل قصاصاً، خلافاً لعيسى بن أبان اهـ. والمراد بما سيذكره ما يأتي أنه من الغرائب. قلت: لكن ما أوّل به عبارة الخانية بعيد، والأقرب تأويلها بأن المراد بقوله ولم يأخذ المال: أي النصاب، بل أخذ ما دونه وتصير المسألة حينئذ عين المسألة الآتي أنها من الغرائب. قوله: (ولا يشترط الخ) أي فيقتل القاتل والمعين، سواء قتل بسيف أو حجر أو عصا كما يأتي. قوله: (وبهذا الحل) هو قوله: ((بمخالفة أمره)) ح. قوله: (عن تقدير مضاف) أي في قوله تعالى - يحاربون الله - وتقدير المضاف: أولياء الله اهـح. قلت: والأحسن عباد الله ليشمل الذمي، كما نبه عليه في الفتح. والحاصل أنه لما كان المخالفة والعصيان سبباً للمحاربة أطلقت المحاربة عليها من إطلاق المسبب على المسبب. قوله: (خير الإمام بين ستة أحوال) ترك السابع من الأقسام العقلية وهو ما إذا اقتصر على القطع؛ لأنه لا يجوز اهـح. أقول: الأقسام العقلية عشرة: لأنه إما أن يقتصر على القطع، أو القتل أو الصلب، أو يفعل الثلاثة فهذه أربعة، أو يفعل اثنين منها القطع ثم القتل، أو عكسه والقطع، ثم الصلب أو عكسه، والقتل ثم الصلب أو عكسه، فهذه ستة مع الأربعة بعشرة، لكن القطع بعد القتل غير مفيد، كالزاني إذا مات في أثناء الجلد كما في الزيلعي، ومثله القطع بعد الصلب. قوله: (إن شاء قطع من خلاف ثم قتل) أي بلا صلب خلافاً لمحمد أنه لا يقطع، ولما عن أبي يوسف أنه لا يترك الصلب. قوله: (ويصلب حياً) أي فيما إذا اختار الإمام صلبه أو فيما إذا قلنا بلزومه على قول أبي يوسف، كذا في الفتح. أما فيما إذا اختار الجمع بين القتل والصلب، فلا بد أن يكون القتل سابقاً، وإلا ١٨٧ كتاب السرقة/ باب قطع الطريق في الأصح، وكيفيته في الجوهرة (ويبعج) بطنه (برمح) تشهيراً له ويخضخضه به (حتى يموت ويترك ثلاثة أيام) من موته، ثم يخلي بينه وبين أهله ليدفنوه و (لا أكثر منها) على الظاهر، وعن الثاني يترك حتى يتقطع (وبعد إقامة الحد عليه لا يضمن ما فعل) من أخذ مال وقتل وجرح. زيلعي (وتجري الأحكام) المذكورة (على الكل بمباشرة بعضهم) الأخذ والقتل والإخافة (وحجر وعصا) لهم، کسیف . (و) الحالة. الخامسة: (إن انضم إلى الجرح أخذ قطع) من خلاف (وهدر جرحه) لعدم اجتماع قطع وضمان (وإن جرح فقط) أي لم يقتل ولم يأخذ نصاباً. لم يبق فرق بين الجمع والاقتصار على الصلب. قوله: (في الأصح) وعن الطحاوي أنه يقتل ثم يصلب توقياً عن المثلة، ويأتي جوابه قريباً. قوله: (وكيفيته في الجوهرة) وهي أن تغرز خشبة في الأرض ثم يربط عليها خشبة أخرى عرضاً فيضع قدميه عليها ويربط من أعلاها خشبة أخرى ويربط عليها يديه. قوله: (ويبعج بطنه برمح) كذا في الهداية وغيرها. وفي الجوهرة: ثم يطعن بالرمح ثديه الأيسر ويخضخض بطنه إلى أن يموت. وفي الاختيار: تحت ثديه الأيسر، ولا يرد أن في الصلب مثلة، وهي منسوخة منهيّ عنها لأن الطعن بالرمح معتاد، فلا مثلة فيه، ولو سلم فالصلب مقطوع بشرعيته فتكون هذه المثلة الخاصة بمستثناة من المنسوخ قطعاً. أفاده في الفتح. وفيه أيضاً: ولا يصلى على قاطع الطريق كما علم من باب الشهيد. قوله: (على الظاهر) أي ظاهر الرواية لئلا يتأذى الناس برائحته. قوله: (من أخذ مال) أي إن كان مالكاً كما يفيده قوله: ((لا يضمن)) وذلك لسقوط عصمته بالقطع كما مر في السرقة الصغرى؛ أما لو كان المال باقياً يرده إلى مالكه كما في الملتقى. قوله: (وتجري الأحكام المذكورة) من حبس وتعزير، أو قطع فقط، أو تخيير. ط. قوله: (بمباشرة بعضهم) لأنه جزاء المحاربة وهي تتحقق بأن يكون البعض ردءاً للبعض. هداية. قوله: (وحجر) مبتدأ خبره كسيف. قوله: (لهم) أي لقطاع الطريق احترازاً عن غيرهم فإنه لا يقتل بالقتل بحجر وعصا، لكن القتل هنا ليس بطريق القصاص بل هو حد، وعن هذا قال في النهر: إن هذه الجملة كالتي قبلها معلومة من قوله قتل حداً، إلا أنه أراد زيادة الإيضاح. قوله: (إن انضم إلى الجرح أخذ) لم يتقدم للجرح ذكر، فالأولى تعيير الكنز وغيره بقوله: وإن أخذ مالًا وجرح قطع الخ. قوله: (وإن جرح فقط) جواب الشرط قوله الآتي فلا حد كما سينبه عليه الشارح، وهذا شروع في ستّ مسائل لا حد فيها، وحيث سقط الحد يؤاخذ بحقوق العباد من قصاص أو مال، كما يأتي. قوله: (ولم يأخذ نصاباً) أي بأن لم يأخذ شيئاً أصلاً، أو أخذ ما ١٨٨ كتاب السرقة/ باب قطع الطريق قال الزيلعي: ولو كان مع هذا الأخذ قتل فلا حد أيضاً، لأن المقصود هنا المال، وهي من الغرائب (أو قتل عمداً) وأخذ المال (فتاب) قبل مسكه، ومن تمام توبته رد المال ولو لم يرده قيل لا حد (أو كان منهم غير مكلف) دون النصاب، لأنه لما كان الأخذ الموجب للحد هو النصاب كان ما دونه بمنزلة العدم كما في البحر، وتقدم أن الشرط أن يصيب كل واحد نصاب: أي إذا كانوا جماعة، ومثل ما دون النصاب الأشياء التي لا قطع فيها كالتافه، وما يتسارع إليه الفساد، كما نبه عليه الزيلعي. قوله: (ولو كان) مع هذا الأخذ أي أخذ ما دون النصرب المفهوم من قوله: ((ولم يأخذ نصاباً)) فافهم. قوله: (لأن المقصود هنا المال) أي أنه المقصود في قطع الطريق، وهذا جواب عن طعن عيسى بن أبان في المسألة أن القتل وحده يوجب الحد فكيف يمتنع مع الزيادة؟ قال الزيلعي: وجوابه أن قصدهم المال غالباً فينظر إليه لا غير، بخلاف ما إذا اقتصروا على القتل، لأنه تبين أن مقصدهم القتل دون المال فيحدون، فعدت هذه من الغرائب اهـ. قلت: وبيانه أن قطع الطريق سمي سرقة كبرى، لأن مقصود القطاع غالباً أخذ المال، وأما القتل فإنما هو وسيلة إلى أخذ المال، لكن إذا أخافوا فقط أو قتلوا فقط رتب عليه الشرع حداً فيتبع لأنه تبين أنه المقصود دون المال. أما إذا وجد مع ذلك أخذ مال ظهر أن مقصودهم ما هو المقصود الأصل وهو المال فحينئذ ينظر إليه: فإن بلح نصاباً لكل منهم وجب الحد لوجود شرطه، وإلا فلا حد لعدمه، وحيث لا حد وجب موجب القتل من قصاص أو دية ووجب ضمان المال، فافهم. قوله: (أو قتل عمداً) قيد بالقتل ليعلم حكم أخذ المال بالأولى. بحر. قوله: (ومن تمام توبته رد المال الخ) أي لينقطع به خصومة صاحبه، ولو تاب ولم يرده لم يذكره في الكتاب. واختلفوا فيه: فقيل لا يسقط الحد كسائر الحدود، وقيل يسقط، أشار إليه محمد في الأصل، لأن التوبة تسقط الحد في السرقة الكبرى بخصوصها للاستثناء في النص، فلا يصح قياسها على باقي الحدود مع معارضة النص. فتح. وظاهره ترجيح القول الثاني، فقول الشارح: ((فقيل لا حد) فيه نظر لأنه يفيد ضعفه. والظاهر أن هذا الخلاف عند عدم التقادم لما في النهر عن السراج: لو قطع الطريق وأخذ المال ثم ترك ذلك وأقام في أهله زماناً ثم قدر عليه درىء عنه الحد، لأنه لا يستوفي مع تقادم العهد اهـ. قال في النهر: وبه علم أن مجرد الترك ليس توبة بل لا بد أن تظهر عليه سيماها التي لا تخفى. قوله: (أو كان منهم غير مكلف) أي صبيّ أو مجنون لأنها جناية واحدة قامت بالكل، فإذا لم يقع فعل بعضهم موجباً كان فعل الباقين بعض العلة، وأنه لا يثبت الحكم كالعامد والمخطىء إذا اشتركا في القتل حيث لا يجب القود. وعن أبي يوسف: ١٨٩ كتاب السرقة/ باب قطع الطريق أو أخرس (أو) كان (ذو رحم محرم من) أحد (المارة) أو شريك مفاوض (أو قطع بعض المارة على بعض أو قطع) شخص (الطريق ليلا أو نهاراً في مصر أو بين مصرين) وعن الثاني إن قصده ليلاً مطلقاً أو نهاراً بسلاح فهو قاطع وعليه الفتوى. بحر ودرر، وأقره المصنف (فلا حد) جواب للمسائل الست (وللولي القود) في العمد (أو الأرش) في غيره (أو العفو) فيهما. (العبد في حكم قطع الطريق كغيره، وكذا المرأة في ظاهر الرواية) فتح. لكنها لا تصلب: مجتبى. وفي يحدّ الباقون لو باشر العقلاء. زيلعي. قوله: (أو أخرس) أي خلافاً لأبي يوسف. زيلعي. قوله: (أو كان ذو رحم محرم) ((كان)) تامة و((ذو)) فاعل، والمراد به أحد القطاع، وقوله: ((من أحد المارة)) متعلق بمحرم، والعلة فيه كما فيما قبله، وشمل ما إذا كان المال مشتركاً بين المقطوع عليهم أو لا، لكن لم يأخذوا إلا من ذي الرحم المحرم، وما إذا أخذوا منه أو من غيره فلا يجدون في الأصح، كما في النهر وغيره. تنبيه: لو كان في القافلة مستأمن لا يمتنع الحد، مع أن القطع عليه وحده يمنعه كما قدمناه، والفرق كما في الفتح أن الامتناع في حق المستأمن إنما كان لخلل في عصمة نفسه وماله وهو أمر يخصه، أما هنا فهو لخلل في الحرز، والقافلة حرز واحد فيصير كأن القريب سرق مال القريب وغير القريب من بيت القريب. قوله: (أو شريك مفاوض) أي ولو كان في المقطوع عليهم شريك مفاوض لبعض القطاع لا يحدون. فتح. ومقتضاه أن شريك العنان ليس كذلك، وينبغي أنه لو كان مال الشركة معه في القافلة أنهم لا يحدون لاختلال الحرز. تأمل. قوله: (أو قطع بعض المارة) أي القافلة وبه عبر في الكنز وهو أظهر، وإنما لم يقطع لأن الحرز واحد وهو القافلة، فصار كسارق سرق متاع غيره وهو معه في دار واحدة. فتح. قوله: (وأقره المصنف) وكذا في الزيلعي والقهستاني عن الاختيار والفتح عن شرح الطحاوي. قوله: (وللولي القود الخ) أي في المسائل المذكورة. وحاصله أنه إذا لم يجب الحد لم يصيروا قطاعاً فيضمنون ما فعلوا من قتل عمد أو شبهة عمد أو خطا أو جراحة، وردّ المال لو قائماً، وقيمته لو هالكاً أو مستهلكاً، فتقييده بالقود يعلم منه حكم المال بالأولى، أو يراد بالأرش ما يشمل ضمان المال، والمراد بالوليّ من له ولاية المطالبة فيشمل صاحب المال ويشمل المجروح أيضاً في أولى المسائل المذكورة. وبه اندفع اعتراض البحر على الهداية بأن ذلك للمجروح لا لوليه، لأنه إن أفضى الجرح إلى القتل ينبغي أن يجب الحداه: أي لو مات بالجراحة يرجع إلى الحالة الثالثة، وهي ما لو قتل فقط فينبغي أن يحد، فلا يكون لوليه القود. قوله: (في ظاهر الرواية) كذا نص عليه في المبسوط وهو اختيار الطحاوي خلافاً للكرخي من أن المرأة كالصبيّ، وهو ضعيف ١٩٠ كتاب السرقة/ باب قطع الطريق السراجية والدرر: فيهم امرأة فباشرت الأخذ والقتل: قتل الرجال دونها هو المختار. عشر نسوة قطعن وأخذن وقتلن: قتلن وضمن المال (ويجوز أن يقاتل دون ماله وإن لم يبلغ نصاباً ويقتل من يقاتله عليه) لإطلاق الحديث ((من قتل دون ماله فهو شهيد)) فتح. (ومن تكرّر الخنق) بكسر النون (منه في المصر) أي خنق مراراً ذكره، مسكين (قتل به) سياسة لسعيه في الأرض بالفساد، وكل من كان كذلك يدفع شرّه بالقتل (وإلا) بأن خنق مرة (لا لأنه كالقتل بالمثقل) وفيه القود الوجه، مع مصادمته لإطلاق القرآن، فالعجب ممن عدل عن ظاهر الرواية كصاحب الدراية والتجنيس والفتاوى الكبرى وغيرهم، وتمامه في الفتح. قوله: (هو المختار) قال في الشرنبلالية: هذا غير ظاهر الرواية. قوله: (قتلن) أي قصاصاً لا حداً بدليل قوله: ((وضمن المال)) وهذا بناء على أن المرأة لا تكون قاطعة طريق. قال في الشرنبلالية: هو كذلك مبني على خلاف ظاهر الرواية، كما في الفتح اهـح. قلت: فكان ينبغي للشارح عدم ذكر هذين الفرعين لمخالفتهما لما مشى عليه المصنف من ظاهر الرواية. قوله: (ويجوز أن يقاتل دون ماله) أي تحت ماله أو فوقه أو قدامه أو وراءه، فإن لفظ دون يأتي لمعان المناسب منها ما ذكرنا، وقال بعضهم: على ماله. قوله: ((وإن لم يبلغ نصاباً) أي نصاب السرقة وهو عشرة دراهم كما في منية المفتي. وفي التجنيس: دخل اللص داراً وأخرج المتاع فله أن يقاتله ما دام المتاع معه لقوله عليه الصلاة والسلام: ((قاتل دون مالك)) فإن رمى به ليس له أن يقتله لأنه لا يتناوله الحديث. وفي البزازية وغيرها: رجل قتله ربّ الدار، فإن برهن أنه كابره فدمه هدر، وإلا فإن لم يكن المقتول معروفاً بالسرقة والشرّ قتل به قصاصاً، وإن كان منهما تجب الدية في ماله استحساناً، لأن دلالة الحال أورثت شبهة في القصاص لا في المال. وفي الفتح: أخذ اللصوص متاع قوم فاستغاثوا بقوم فخرجوا في طلبهم، فإن كان أرباب المتاع معهم أو غابوا لكن يعرفون مكانهم ويقدرون على ردّ المتاع عليهم: حلّ لهم قتال اللصوص، وإن كانوا لا يعرفون مكانهم ولا يقدرون على الرد: لا يحل، وتمامه فيه. قوله: (بكسر النون) أي ككتف وتسكن للتخفيف، ومثله الحلف والحلف، وفعله من باب قتل. مصباح. قوله: (في المصر) وكذا في غيره كما في شرح الشلبي عن الجامع الصغير، فهو قيد اتفاقي، بل غير المصر يعلم بالأولى، وإنما قيد به لئلا يتوهم أنه لا يكون كذلك في المصر كما في قطع الطريق. قوله: (أي خنق مراراً) أراد مرتين فصاعداً بقرينة قوله الآتي: ((وإلا بأن خنق مرة) وفي البحر: قيد بتعدده لأنه لو خنق مرة واحدة فلا قتل عند الإمام. قوله: (سياسة) قدمنا الكلام عليها في حد الزنا. قوله: (وكل من كان كذلك) كاللوطي والساحر والعواني والزنديق والسارق كما قدمناه في ١٩١ كتاب السرقة/ باب قطع الطريق عند غير أبي حنيفة رحمه الله تعالى. أوائل باب التعزير. قوله: (عند غير أبي حنيفة) أي عند صاحبيه ومن وافقهما من باقي الأئمة، أما عند أبي حنيفة فتجب الدية على عاقلته كما في البحر، والله سبحانه أعلم. بسم الله وبحمده، والصلاة والسلام على نبيه وعبده، وعلى آله وصحبه وجنده. وبعد: فيقول مؤلفه أفقر العباد إلى عفو مولاه يوم التناد، محمد أمين الشهير بابن عابدين، خادم العلوم الشرعية، في دمشق الشام المحمية قد نجز تسويد هذا النصف المبارك، بعون الله جل وتبارك، من الحاشية المسماة رد المحتار، على الدرّ المختار في صفر الخير سنة ثمان وأربعين ومائتين وألف، من هجرة نبينا محمد الذي تم به الألف، صلى الله عليه وسلم وشرف وعظم، فجاء بحمد الله تعالى مكملاً فرعاً وأصلاً، رداً للمحتار على الدرّ المختار اسماً وفعلاً، لاشتماله على تنقيح عبارته، وتوضيح رموزه وإشاراته، والاعتناء ببيان ما هو الصحيح المعتمد وما هو معترض ومنتقد، وتحرير المسائل المشكلة، والحوادث المعضلة، التي لم يوضح كثيراً منها أحد قبل ذلك، ولا سلك مهامه بيانها سالك، مشحوناً بذخائر زبر المتقدمين، وخلاصة كتب المتأخرين، ورسائلهم المؤلفة في الحوادث الغريبة، الجامعة للفوائد العجيبة، كرسائل العلامة ابن نجيم الأربعين، ورسائل العلامة الشرنبلالي الستين، وكثير من رسائل العلامة على القاري خاتمة الراسخين، ورسائل سيدي عبد الغني النابلسي الحبر المتين، ورسائل العلامة قاسم خاتمة المجتهدين، وحواشي البحر والمنح والأشباه وجامع الفصولين للفهامة الشيخ خير الدين، وفتاويه الخيرية، وفتاوى ابن الشلبي والرحيمي، والشيخ إسماعيل، والفتاوى الزينية والتمرتاشية، والحامدية، وفتاوى غيرهم من المفتين، وتحريرات شيوخنا ومشايخهم المعتبرين، وما منّ به الله تعالى على عبده من الرسائل التي ناهزت الثلاثين، وما حررته ونقحته في كتابي تنقيح الفتاوى الحامدية الذي هو بهجة الناظرين، وغير ذلك من كتب السادة الأخيار المعتمدين، مع بيان ما وقع من سهو أو غلط في كتب الفتاوى وكتب الشارحين، ولا سيما ما وقع في البحر والنهر والمنح والأشباه والدرر وكتب المحشين، حتى صار بحمد الله تعالى عمدة المذهب، والطراز المذهب، ومرجع القضاة والمفتين، كما يعلمه من غاص بأفكاره في تياره من العلماء العاملين، الخالين عن دار الحسد المضني للجسد الصادقين المنصفين. فدونك كتاباً قد أعملت فيه الفكر، وألزمت فيه الجفن والسهر، وغرست فيه من فنون التحرير أفناناً، وفتقت فيه عن عيون المشكلات أجفاناً، وأودعت فيه من كنوز الفوائد، عقود الدرر الفرائد، وبسطت فيه من أنفع المقاصد، أحسن الموائد، وجلوت فيه على منصة الأنظار، عرائس أبكارها الأفكار، وكشفت فيه بتوضيح ١٩٢ كتاب السرقة/ باب قطع الطريق العبارات، قناع المخدرات، ولم أكتف بتلويح الإشارات، عن تنقيح كشف تحرير الخفيات، فهو يتيمة الدهر، وغنيمة أهل العصر، وما ذاك إلا بمحض إنعام المولى، الذي هو بكل حمد وشكر أحقّ وأولى، حيث أبرز هذه الجواهر المكنونة، والدرر الفرائد المصونة، في ميمون أيام خليفة الله في أرضه، القائم بواجب حقه وفرضه، رافع ألوية الشريعة البديعة ومؤيدها، وموطد أبنيتها المنيعة والرفيعة ومشيدها، المجاهد في سبيل الله حق جهاده، والقاطع لدابر الكافرين بحده واجتهاده، الذي ابتسمت ثغور البلاد ببارقات مرهفاته؛ وبكت عيون ذوي العناد بقاهرات عزماته، وأبدع نظام كتائب الجيوش بآرائه السديدة، ورفع أفئدة الأكاسرة القياصرة بقوة بطشته الشديدة، یکاد سنا برق طلعته يذهب بالأبصار، وغصن رأفته يميس ليناً كميس الأغصان ذات الأزهار، وتكاد صواعق سطوته تزيح صم الجبال، ومواكب كتائب حوزته تفني عدد الرمال، من: أنام الأنام في أيامه في ظل الأمان، ورعى الرعية في مراعي الرعاية والإحسان، وأنار بنوار رياض أمنه بلاد المسلمين، فضاء فضاء صدورهم بنور اليقين، وأزاح غيوم غمومهم بردع المشركين، فلاح فلاح قلوبهم لأعين الناظرين، راح وراح غفلاتهم بإيقاظ النائمين، فصاح فصلح ألسنتهم بالدعاء له كل حين: [البسيط] خَلِيفَةٌ خَلَفَتْ أَنْوَارُ غُرَّتِهِ شَمْسَ الضُّحَى وَنَدَاهَ يخِلُفُ الدِّيَمَا سَالَتْ فَوَاضِلُهُ لِلْمُعْتَفِي نِعَمَا صَالَتْ نَوَاضِلُهُ لِلْمُعْتَدِي نِقَمَا السلطان الأعظم، والخاقان الأفخم، تاج ملوك العرب والعجم، ظلّ الله في أرضه للأمم، محمود الذات، ممدوح الصفات، لا زالت دعائم سلطنته قائمة، وعيون الحوادث عنها نائمة، ولا برحت رياض عزّته مخضرّة بديم الديمومة والأبود، ورياحین ذريته، ريانة بطلاوة التأبيد والخلود، ولا زالت أعيان دولته من علمائه وقضاته ووزرائه، يزيل نبراس آرائهم دجى الجور بسناه وسنائه، ولا فتئت نجوم جنوده الساطعة في أفلاك سمائه، شهباً ثواقب على مردة أعدائه، آمين آمين آمين. وهذا، وقد نجز هذا السفر المسفر، عن روض أريض مزهر، مقابلة وتصحيحاً بحسب الإمكان، سوى ما شد بعروض سهو أو نسيان، لا تخلو عنه جبلة الإنسان، وذلك برسم من أمر باستكتابه، رغبة في نيل رضا مولاه وثوابه الإمام الهمام، عليّ القدر والمقام، من امتطى الجوزاء بزمام، وصال في مواكب العزّ وحام، واشتهر اشتهار البدر في الظلام، قاضي قضاة الإسلام، منفذ القضايا والأحكام بالإتقان والإحكام، ذي الخيرات الحميدة، والمآثر الفريدة التي لا ترام، مولانا ((عبد الحليم أفندي كجه جي زدة)) القاضي سابقاً بدمشق الشام، دام في عزّ وإنعام، ومجد واحترام، بجاه من ١٩٣ كتاب الجهاد كِتَابُ الجهادِ هو للأنبياء ختام، وآله وصحبه السادة الكرام، عليه وعليهم الصلاة والسلام، في البدء والختام. كتبه أسير وصمة ذنبه، الراجي عفو ربه محمد أمين الشهير بابن عابدين، غفر الله تعالى له ولوالديه ولكل المسلمين، آمين، آمين، آمين. كِتَابُ الْجِهَادِ(١) هذا الكتاب يعبر عنه بالسير والجهاد والمغازي؛ فالسير جمع سيرة وهي فعلة بكسر الفاء من السير، فتكون لبيان هيئة السير وحالته، إلا أنها غلبت في لسان الشرع على أمور المغازي وما يتعلق بها كالمناسك على أمور الحج، وقالوا: ((السير الكبير)» فوصفوها بصفة المذكر لقيامها مقام المضاف الذي هو الكتاب كقولهم صلاة الظهر، وسير الكبير خطأ كجامع الصغير وجامع الكبير. بحر. مَطْلَبٌ فِي فَضْلِ الْجِهَاءِ(٢) قلت: ((والسير الكبير)) ((والسير الصغير)) كتابان للإمام محمد بن الحسن رحمه الله (١) الجهاد لغة: الجهاد: مصدر جاهد جهاداً ومجاهدة، وجاهد: فاعل، من جَهَدَ: إذا بالغ في قتل عدوّه، وغيره. ويقال: جَهَدَه المرضُ، وأجهده: إذا بلغ به المشقة، وجَهَدْتُ الفرس وأجهدتهُ: إذا استخرجت جَهْدَه. نقلها أبو عثمان. والجَهْد، بالفتح: المشقَّةُ، وبالضم: الطاقة. وقيل: يقال: بالضم وبالفتح في كل واحد منهما. فمادة ((ج هـ د)) حيث وجدت، ففيه معنى المبالغة. انظر: لسان العرب: ٧١٠/١، المصباح المنير ١١٢، المعجم الوسيط ١٤٢/١. واصطلاحاً: عرفه الحنفية بأنه: بذل الوسع والطاقة بالقتال في سبيل الله تعالى بالنفس والمال واللسان أو غير ذلك أو المبالغة في ذلك. عرفه الشافعية بأنه: المتلقى تفسيره من سيرته القدر. عرفه المالكية بأنه: قتال مسلم كافراً غير ذي عهد لإعلاء كلمة الله تعالى أو حضوره له أو دخول أرضه له. عرفه الحنابلة بأنه: قتال الكفار خاصة بخلاف المسلمين من البغاة وقطاع الطريق وغيره. انظر: بدائع الصنائع ٢٩٩/٩، حاشية أبو السعود ٤١٧/٢، نهاية المحتاج ٤٥/٨، المحلى على المنهاج ٢١٣/٤، شرح الزرقاني ١٠٦/٢٣، كشف القناع عن متن الإقناع ٣٢/٣. (٢) الجهاد في سبيل الله من أفضل أعمال البر وأشرفها عند الله. والدفاع عن الدين والعرض والنفس والمال، والذود عن الجماعة الإسلامية وحماية الأوطان من الخراب والدمار من أسمى الخصال التي حث الله عليها، وأي رجل أرفع قدراً وأطيب ذكراً وأعظم عند الله أجراً وأعلى في النّاس منزلة من رجل يجود بنفسه في سبيل الله وفي سبيل الذود عن كلمة الله وحرمات الله؟ !. دعا الله عباده إلى الجهاد في سبيله، وبين فضائله ومزاياه في آيات كثيرة من كتابه العزيز فقال تعالى شأنه: ﴿يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله ورسوله. وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من = ١٩٤ كتاب الجهاد = تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم). وقال تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلاً وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً، درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفوراً رحيماً﴾. وقال تعالى: ﴿الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون. يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم * خالدين فيها أبداً إن الله عنده أجر عظيم﴾، وقال تعالى: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم﴾. قال الحسن: مرّ أعرابي على النبي # وهو يقرأ هذه الآية فقال: كلام من هذا؟ قال كلام الله، فقال بيع والله مربح، لا نقيله ولا نستقيله، فخرج إلى الغزو واستشهد وأنشد الأصمعيّ لجعفر الصادق رضي الله عنه: أَثَامِنُ بالنفس النفيسة ربّا وليس لها في الخلق كلهم ثَمّن بها تُشترى الجنّات وإن أنا بعتها بشيء سواها إن ذلكم غَبَن لئن ذهبت نفسي بدنيا أصبتها لقد ذهبت نفسي وقد ذهب الثمن وقال تعالى: ﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص﴾. ومن أحبّه الله آمنه من عذابه وأكرمه بجواره في الجنة التي أعدها الله لأوليائه، وروى الإمام أحمد والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﴿ قال: ((من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة)) وفي حديث متفق عليه عن ابن مسعود قال: سألت رسول الله ﴿أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصّلاة على وقتها قلت: ثم أيّ؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله وفي حديث متفق عليه عن أنس قال: قال: رسول الله ﴿: ((لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها)) وفي الموطأ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ثر قال: ((مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم الدائم الذي لا يفتر من صلاة ولا صيام حتى يرجع)) وفيه أيضاً أن رسول الله وَ ﴿ قال: ((تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلماته أن يدخله الجنة أو يرده إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة)). ولمّا كان الجهاد من أفضل الأعمال جازى الله الشهداء في سبيله لقاء ما بذلوا من حياتهم في طاعته، وهم لا يملكون أعز منها بأن أحياهم حياة أفضل من حياتهم التي بذلوها ابتغاء مرضاته، قال تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً، بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألّ خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ وفي الموطأ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: ((والذي نفسي بيده لوددت أن أقاتل في سبيل الله فأقتل، ثم أحيا فأقتل، ثم أحيا فأقتل)) فكان أبو هريرة يقول ثلاثاً: أشهد بالله، أي إنه قالها ثلاث مرات، وفيه أيضاً عنه أن رسول الله * قال: ((والذي نفسي بيده لا يُكْلَم أحد في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلّ جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دماً الّون لون الدم، والريح ريح المسك)). والآيات والأحاديث الواردة في مشروعية الجهاد وبيان فضله ولفت الأنظار إليه والتحبيب فيه، والحث عليه أكثر من أن تحصى فلنكتف بهذا القدر قياماً بواجب الموضوع. قد يقال: إن أخص أوصاف الرسول محمّد ◌َله صفة الرّحمة تحلّى بها وامتنّ الله بها عليه، ولا شك أن في الجهاد سفك الدماء، وإزهاق الأرواح، وتيتيم الأطفال، وترميل النساء، وإتلاف الأموال، وضياع العمران، وهدم المدنيات، وإهلاك الثروات والنفائس العلمية والمالية، ونقص ما بناه الله، وبالجملة فهو سبب الفساد، ومجزرة العباد، فكيف تأتي به شريعة أرسل صاحبها رحمة للعالمين؟. فالجواب: أن قتال الناس بعضهم لبعض سنة بشرية قضى بها الاجتماع والتنافس والطغيان ومحبة = ١٩٥ کتاب الجهاد تعالى على صيغة جمع سيرة لا على صيغة المفرد. هذا وفضل الجهاد عظيم، كيف وحاصله بذل أعزّ المحبوبات وهو النفس، وإدخال أعظم المشقات عليه تقرّباً بذلك إلى الله تعالى، وأشق منه قصر النفس على الطاعات على الدوام، ومجانبة هواها، ولذا قال ◌َ﴿ وقد رجع من غزاة ((رَجَعْنَا مِنَ الجِهَادِ الأَصْغَرِ إِلَى الجِهَادِ الأَكْبِ)) ويدل عليه أنه صلى الله عليه وسلم أخره في الفضيلة عن الصلاة على وقتها في حديث ابن مسعود ((قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ عَلَى مِيقَاتِها. قُلْتُ: ثُمَّ أَيْ؟ قَالَ: بِرُّ الوَالِدَيْنِ. قُلْتُ: ثُمَّ أَيْ؟ قَالَ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَوِ اُسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي)) رواه البخاري، وجاء تأخيره عن الإيمان في حديث أبي هريرة المتفق عليه قال: ((سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أُّ الْعَمْلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إِيمَانُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، قِيلَ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قِيلَ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: حَجِّ مَبْورٌ)) ويجب أن يعتبر كل من الصلاة والزكاة مرادة بلفظ الإيمان من عموم المجاز. ولا ترد في أن المواظبة على أداء فرائض الصلاة في أوقاتها أفضل من الجهاد، لأنها فرض عين وتتكرر، ولأن الجهاد ليس إلا للإيمان وإقامة الصلاة، فكان حسناً لغيره والصلاة حسنة لعينها وهي المقصودة منه، وتمام تحقية ذلك ما ورد في فضل الجهاد المذكور في الفتح. مَطْلَبٌ: المُوَاظَبَةُ عَلَى فَرَائِضِ الصَّلَاةِ فِي أَوْقَاتٍا أَفْضَلُ مِنَ الْجِهَادِ قلت: وقد نص على ذلك الإمام السرخسي في شرح ((السير الكبير)) حيث قال = الاستيلاء وإنقاذ الكلمة والسلطان. عرفته الإنسانية منذ رأى الإنسان أخاً له ینفس عليه ويكيد له، ويغيظه أن ينال ما لا ينال: ﴿واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنّك قال إنما يتقبل الله من المتقين﴾ . ولقد جاءت الشريعة الإسلامية وهي حقيقة أرحم الشرائع، وتضمنت خير الناس وسعادتهم، وليس من الحكمة أن تترك الناس يقتل بعضهم بعضاً لأتفه الأسباب، ولأن تعمل على اقتلاع شأن قارّ في الطباع، وإنما الحكمة فيما سلكته في هذا الشأن، وهو أنها أقرت أصل القتال تلبية لداعي الفطرة ثم تناولته بالتهذيب، ووجهته الوجهة الصالحة للمجتمع الإنساني شأنها في كل ما شرعته من أحكام . حصرته في دائرة هي أضيق الدوائر، وجعلته لغاية هي أسمى الغايات، فحظرت قتال الشّره والهوى واستعباد النفوس وإذلالها، وجعلته لإعلاء كلمة الله وإعزاز دينه والدفاع عنه وقمع الكفر، والشرك، وتمكين دين الله في أرضه، ولدفع الظلم والعدوان، ولإخلاء العالم من الشر والفساد، قال الله تعالى: ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين﴾. وقال تعالى: ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز﴾. لهذا شرع الله الجهاد فلم يكن القصد من مشروعية القتال سوى تمكين النّاس من عبادة الله واقتلاع عوامل الشر والفساد في الأرض أو تخفيفها، وهذه هي أسمى مقاصد الدين والشرائع السّماوية، فإذا تعين القتال طريقاً لهذه الغاية وجب في نظر العقل والحكمة اتخاذه طريقاً لها، ولهذا شرع الله القتال وإن تضمن سفك الدماء، وتيتيم الأطفال، فإن الشر القليل في سبيل الخير الكثير خيرٌ كثير ... ١٩٦ کتاب الجهاد أورده بعد الحدود لاتحاد المقصود، ووجه الترقي غير خفي. وهو لغة: مصدر جاهد في سبيل الله. وشرعاً: الدعاء إلى الدين الحق وقتال من لم يقبله. شمني. وعرّفه ابن عن أبي قتادة: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ يخِطُبُ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الجِهَادَ فَلَمْ يَدْعُ شَيْئاً أَفْضَلَ مِنَ الجِهَادِ إِلَّ الفَرَائِضَ)) يريد به الفرائض التي تثبت فريضتها عيناً وهي الأركان الخمسة، لأن فرض العين آكد من فرض الكفاية، والثواب بحسب آكدية الفرضية، فلهذا استثنى الفرائض. مَطْلَبٌ فِي تَكْفِيرِ الشَّهَادَةِ مَظَالِمَ العِبَادِ ثم ذكر أحاديث في أن الشهيد تكفر خطاياه، إلا الدين. وقال: إذا كان محتسباً صابراً مقبلاً. قال وفيه بيان شدة الأمر في مظالم العباد. وقيل كان هذا في الابتداء حين نهى ◌َّه عن الاستدانة لقلة ذات يدهم وعجزهم عن قضائه، ولهذا كان لا يصلي على مديون لم يخلف مالاً، ثم نسخ ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام: ((من ترك مالاً فلورثته، ومن ترك كلّا أو عيالً فهو عليّ)) وورد نظيره في الحج ((أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا لِأُمَّتِهِ بِعَرَفَاتٍ، فَأَسْتُجِيبَ لَهُ إِلَّ المَظَالِمَ، ثُمَّ دَعًا بِالمَشْعَرِ الحَرَامِ فَأَسْتُجِيبَ لَهُ حَتَّى المَظَالِمَ، فَنَزّلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يخبرهُ أَنه تَعَالَى يَقْضِي عَنْ بَغَّضِهِمْ حَقَّ البَعْضِ)) فلا يبعد مثل ذلك في حق الشهيد المديون. مَطْلَبٌ فِيْمَنْ يُريدُ الجِهَاَدَ مَعَ الْغَنِيْمَةِ ثم ذكر حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ((أن رجلاً سأل النبي ◌َ * فقال: رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يريد عرض الدنيا، فقال عليه الصلاة والسلام: لا أجر له)) الحديث. قال: ثم تأويله من وجهين: أحدهما: أن يرى أنه يريد الجهاد ومراده في الحقيقة المال، فهذا كان حال المنافقين ولا أجر له، أو يكون معظم مقصوده المال، وفي مثله قال عليه الصلاة والسلام للذي استؤجر على الجهاد بدينارين: ((إنما لك ديناراك في الدنيا والآخرة» وأما إذا كان معظم مقصوده الجهاد، ويرغب معه في الغنيمة فهو داخل في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] يعني التجارة في طريق الحج، فكما أنه لا يحرم ثواب الحج فكذا الجهاد. قوله: (لاتحاد المقصود) وهو إخلاء الأرض من الفساد. ح. قوله: (ووجهه الترقي) أي من الحدود إلى الجهاد. قوله: (غير خفي) لأن الحدود إخلاء عن الفسق والجهاد إخلاء عن الكفر. ح. قوله: (مصدر جاهد) أي بذل وسعه وهذا عام يشمل المجاهد بكل أمر بمعروف، ونهي عن منكر. ح. قلت: فلم يذكر الشارح معناه لغة بل بين تصريفه. قوله: (وقتال من لم يقبله) أي ١٩٧ کتاب الجهاد الكمال بأنه بذل الوسع في القتال في سبيل الله مباشرة، أو معاونة بمال أو رأي، أو تکثیر سواد، أو غير ذلك اهـ. ومن توابعه: الرباط وهو الإقامة في مكان ليس وراءه إسلام، هو المختار وصح ((أن صلاة المرابط بخمسمائة ودرهمه بسبعمائة، وإن مات فيه أجرى عليه قتاله مباشرة أو لا، فتعريف ابن كمال تفصيل لإجمال هذا. ح. قوله: (في القتال) أي في أسبابه وأنواعه من ضرب وهدم وحرق وقطع أشجار ونحو ذلك. قوله: (أو معاونة الخ) أي وإن لم يخرج معهم بدليل العطف. ط. قوله: (أو تكثير سواد) السواد العدد الكثير وسواد المسلمين جماعتهم. مصباح. قوله: (أو غير ذلك) كمداواة الجرحى وتهيئة المطاعم والمشارب. ط. مَطْلَبٌ فِي الرِّبَاطِ وَفَضْلِهِ قوله: (ومن توابعه الرباط الخ) قال السرخسي في شرح السير الكبير: والمرابطة المذكورة في الحديث: عبارة عن المقام في ثغر العدو لإعزاز الدين ودفع شر المشركين عن المسلمين. وأصل الكلمة من ربط الخيل، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطٍ الخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] والمسلم يربط خيله حيث يسكن من الثغر ليرهب العدوّ به، وكذلك يفعله عدوه ولهذا سمي مرابطة اهـ. واشترط الإمام مالك أن يكون غير الوطن، ونظر فيه الحافظ ابن حجر بأنه قد يكون وطنه وينوي بالإقامة فيه دفع العدو، ومن ثم اختار كثير من السلف سكنى الثغور. قوله: (هو المختار) لأن مأذونه لو كان رابطاً فكل المسلمين في بلادهم مرابطون. وتمامه في الفتح. قلت: لكن لو كان الثغر المقابل للعدوّ لا تحصل به كفاية الدفع إلا بثغر وراءه فهما رباط كما لا يخفى، قوله: (وصح الخ) هذا لم يذكره في الفتح حديثاً واحداً، لأنه قال: والأحاديث في فضله كثيرة: منها ما في صحيح مسلم من حديث سلمان رضي الله عنه سمعت رسول الله وَ﴿ يقول: ((رِبَاطُ يَوْم فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَير مِنْ ضِيَامٍ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ فِيهِ أُجْرِيَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُّ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وَأَمِنَ الفَتَّانَ(١))) زاد الطبراني ((وَبُعِثَ يَوْمَ القِيَامَةِ شَهِيداً)) وروى الطبراني بسند ثقات في حديث مرفوع ((مَنْ مَاتَ مُرَابِطاً أَمِنَ الفَزَعَ الأَكْبَرَ)) ولفظ ابن ماجه بسند صحيح عن أبي هريرة ((وَبَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ آمِناً مِنَ الفَزَع(٢)) وعن أبي أمامة عنه عليه الصلاة والسلام قال: ((إِنَّ صَلَةَ المُرَابِطِ تَعْدِلُ خَسَمَائِةِ صَلَةٍ، وَنَفَقَتَهُ الدِّينَارَ وَالدِّرْهمَ مِنْهُ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِمائة دِيْنَارٍ يُنْفِقُهُ فِي غَیره)) اهـ. قوله: (أجرى عليه عمله ورزقه) قال السرخسي وقوله: (١) أخرجه مسلم ٣/ ١٥٢٠ (١٩١٣/١٦٣). (٢) انظر الدر المنثور ١١٥/٢. ١٩٨ كتاب الجهاد عمله ورزقه، وأمن الفتان، وبعث شهيداً آمناً من الفزع الأكبر)) وتمامه في الفتح ((أجرى عليه عمله)) نمى له عمله، وذلك في كتاب الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللّهِ﴾ [النساء: ١٠٠] وقال عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ مَاتَ فِي طَرِيقِ الحَجِّ كُتِبَ لَهُ حَّةٌ مَبْورَةٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ (١)) فهذا هو المراد أيضاً في كل من مات مرابطاً، إنه يجعل بمنزلة المرابط إلى فناء الدنيا فيما يجري له من الثواب، لأن نيته استدامة الرباط لو بقي حياً إلى فناء الدنيا، والثواب بحسب النية اهـ. قلت: ومقتضاه أن المراد بإجراء العلم دوام ثواب الرباط كما صرح به في حديث آخر ذكره السرخسي ((ومن قتل مجاهداً أو مات مرابطاً فحرام على الأرض أن تأكل لحمه ودمه ولم يخرج من الدنیا، حتى يخرج من ذنوبه کیوم ولدته أمه، وحتی یری مقعده من الجنة وزوجته من الحور العين وحتى يشفع في سبعين من أهل بيته ويجري له أجر الرباط إلى يوم القيامة)) وظاهره أن من مات مرابطاً يكون حياً في قبره كالشهيد، وبه يظهر معنى إجراء رزقه عليه. مَطْلَبُ فِي بَيَانِ مَنْ يَجِرِي عَلَيْهِمُ الأَجْرُ بَعْدَ المَوْتِ تنبيه: قال الشارح في شرحه على الملتقى: قد نظم شيخنا الشيخ عبد الباقي الحنبلي المحدث ثلاثة عشر ممن يجري عليه الأجر بعد الموت على ما جاء في الأحاديث وأصلها للحافظ الأسيوطي رحمه الله تعالى، فقال: [الوافر] عَلَيْهِ الأَجْرُ عدَّ ثَلاَثَ عَشْرٍ إِذَا مَاتَ ابنُ آدَمَ جَاءَ يَجِرِي وَغَرْسُ النَّخْلِ وَالصَّدَقَاتُ تَجِرِي عُلُومٌ بَثَّهَا وَدُعَاءُ نَجْلٍ وَحَفْرُ البِتْرِ أَوْ إِجْرَاءُ نَهرٍ وَرَاثَةُ مُصْحَفٍ وَرِبَاطُ ثَغْرٍ إِلَيْهِ أَوْ بِنَاءُ مَحَلِّ ذِكْرٍ وَبَيْتٌ لِلْغَرِيبِ بَنَاهُ يَأْوِيّ شَهِيدٌ لِلقِتَالِ لأَجْلِ بِرٌ وَتَعْلِيمٌ لِقُرْآنٍ كَرِيمٍ كَذَا مَنْ سَنَّ صَالِحَةً لِيُقْفَىَ فَخُذْهَا مِنْ أَحَادِيثٍ بِشِعْرٍ مَطْلَبٌ: المُرَابِطُ لَا يُسْأَلُ فِي الْقَبرِ كَالشَّهِيدِ قوله: (وأمن الفتان) ضبط أمن بفتح الهمزة وكسر الميم بلا واو، وأومن بضم الهمزة وبزيادة واو، وضبط الفتان بفتح الفاء: أي فتان القبر، وفي رواية أبي داود في سننه ((وَأَمِنَ مِنْ فَتَّانِي القبِ)» وبضمها جمع فاتن. قال القرطبي: وتكون للجنس: أي كل ذي فتنة. (١) انظر نصب الراية ١٥٩/٣ وقال غريب بهذا اللفظ. ١٩٩ كتاب الجهاد - (هو فرض كفاية) كل ما فرض لغيره فهو فرض كفاية إذا حصل المقصود بالبعض، وإلا ففرض عين، ولعله قدم الكفاية لكثرته (ابتداء) إن لم يبدؤونا، وأما قوله تعالى: ﴿فإن قاتلوكم فاقتلوهم﴾ وتحريمه في الأشهر الحرم فمنسوخ قلت: أو المراد فتان القبر من إطلاق صفة الجمع على اثنين أو على أنهم أكثر من اثنين، فقد ورد أن فتان القبر ثلاثة أو أربعة، وقد استدل غير واحد بهذا الحديث على أن المرابط لا يسأل في قبره كالشهيد. علقمي على الجامع الصغير. قوله: (هو فرض كفاية) قال في الدر المنتقى: وليس بتطوّع أصلاً هو الصحيح، فيجب على الإمام أن يبعث سرية إلى دار الحرب كل سنة مرة أو مرتين، وعلى الرعية إعانته إلا إذا أخذ الخراج، فإن لم يبعث كان كل الإثم عليه، وهذا إذا غلب على ظنه أنه يكافئهم وإلا فلا يباح قتالهم، بخلاف الأمر بالمعروف. قهستاني عن الزاهدي اهـ. قوله: (إذا حصل المقصود بالبعض) هذا القيد لا بد منه لئلا ينتقض بالنفير العام، فإنه معه مفروض لغيره مع أنه فرض عین لعدم حصول المقصود بالبعض. نهر. قلت: يعني أنه يكون فرض عين على من يحصل به المقصود وهو دفع العدو، فمن كان بحذاء العدو إذا لم يمكنهم مدافعته يفترض عيناً على من يليهم، وهكذا كما سيأتي، ولا يخفى أن هذا عند هجوم العدو أو عند خوف هجومه، وكلامنا في فريضته ابتداء، وهذا لا يمكن أن يكون فرض عين إلا إذا كان بالمسلمين قلة والعياذ بالله تعالى بحيث لا يمكن أن يقوم به بعضهم، فحينئذ يفترض على كل واحد منهم عيناً. تأمل. قوله: (ولعله قدم الكفاية) أي الذي هو فرض كفاية على فرض العين، وهو الآتي في قوله: ((وفرض عين إن هجم العدو)). قوله: (لكثرته) أي كثرة وقوعه. قوله: (وأما قوله تعالى الخ) جواب عما يرد على قوله: ((ابتداء)) وعلى عدم تقييده بغير الأشهر الحرم. ثم اعلم أن الأمر بالقتال نزل مرتباً، فقد كان وغير مأموراً أو لا بالتبليغ، والإعراض: ﴿فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] ثم بالمجادلة بالأحسن ﴿آدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٢٥] الآية ثم أذن لهم بالقتال ﴿أَذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ [الحج: ٣٩] الآية، ثم أمروا بالقتال إن قاتلوهم ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُم فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] ثم أمروا به بشرط انسلاخ الأشهر الحرم ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَأَقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] ثم أمروا به مطلقاً ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. الآية﴾ [البقرة: ١٩٠] واستقرّ الأمر على هذا. سرخسي ملخصاً: يعني في جميع الأزمان والأماكن، سوى الحرم كما في القهستاني عن الكرماني. ثم نقل عن الخانية أن الأفضل أن لا يبتدأ به في الأشهر الحرم اهـ. والمراد بقوله: ((سوى الحرم)» إذا لم يدخلوا فيه للقتال، فلو دخلوه للقتال حلّ قتالهم فيه لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ ٢٠٠ كتاب الجهاد بالعمومات، كاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم (إن قام به البعض) ولو عبيداً أو نساء (سقط عن الكل، وإلا) يقم به أحد في زمن ما (أثموا بتركه) أي أثم الكل من المكلفين، وإياك أن تتوهم أن فرضيته تسقط عن أهل الهند بقيام أهل الروم فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١] وتمامه في شرح السير. قوله: (إن قام به البعض) هذه الجملة وقعت موقع التفسير لفرض الكفاية. فتح. مَطْلَبٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنْ فَرْضِ العَيْنِ وَفَرْضِ الْكِفَايَةِ وحاصله: أن فرض الكفاية ما يكفي فيه إقامة البعض عن الكل، لأن المقصود حصوله في نفسه من مجموع المكلفين كتغسيل الميت وتكفينه ورد السلام، بخلاف فرض العين، لأن المطلوب إقامته من كل عين: أي من كل ذات مكلفة بعينها، فلا يكفي فيه فعل البعض عن الباقين، ولذا كان أفضل كما مر، لأن العناية به أکثر، ثم إن فرض الكفاية إنما يجب على المسلمين العالمين به سواء كانوا كل المسلمين شرقاً ومغرباً أو بعضهم. قال القهستاني: وفيه رمز إلى أن فرض الكفاية على كل واحد من العالمين به بطريق البدل، وقيل: إنه فرض على بعض غير معين، والأول المختار لأنه لو وجب على البعض لكان الآثم بعضاً مبهماً وذا غير مقبول، وإلى أنه قد يصير بحيث لا يجب على أحد، وبحيث يجب على بعض دون بعض؛ فإن ظن كل طائفة من المكلفين أن غيرهم قد فعلوا سقط الواجب عن الكل، وإن لزم منه أن لا يقوم به أحد؛ وإن ظن كل طائفة أن غيرهم لم يفعلوا وجب على الكل؛ وإن ظن البعض أن غيرهم أتى به وظن آخرون أن غيرهم ما أتى به وجب على الآخرين دون الأولين، وذلك لأن الوجوب هاهنا منوط بظن المكلف، لأن تحصيل العلم بفعل الغير وعدمه في أمثال ذلك في حيز التعسر، فالتكليف به يؤدي إلى الحرج. وتمامه في مناهج العقول، وإلى أنه لم يجب على الجاهل به، وما في حواشي الكشاف للفاضل التفتازاني: إنه يجب عليه أيضاً فمخالف للمتداولات اهـ. قوله: (في زمن ما) مفهومه أنه إذا قام به البعض في أيّ زمن سقط عن الباقين مطلقاً، وليس كذلك ط. لما تقدم من أنه يجب على الإمام في كل سنة مرة أو مرتين وحينئذ فلا يكفي فعله في سنة عن سنة أخرى. قوله: (من المكلفين) أي العالمين به كما مر، ونظيره أنه لو مات واحد من جماعة مسافرين في مفازة، فإنما يجب تكفينه والصلاة عليه كفاية على باقي رفقائه العالمين به دون غيرهم. قوله: (وإياك الخ) كذا في شرح ابن كمال، ومثله في الحواشي السعدية. قوله: (بقيام أهل الروم مثلاً) إذ لا يندفع بقتالهم الشرّ عن الهنود المسلمين. نهر عن الحواشي السعدية، ثم قال فيها: وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣] يدل على أن الوجوب على أهل كل قطر، ثم قال في موضع آخر - والآية تدل على أن