النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ كتاب الحدود/ باب حد القذف وأما إذا قذف فعتق فقذف آخر حد حد العبد فإن آخذه الثاني كمل له ثمانون لوقوع الأربعين لهما. فتح. وفي سرقة الزيلعي قذفه فحد ثم قذفه لم يحد ثانياً، لأن المقصود وهو إظهار کذبه ودفع العار حصل بالأول اهـ. قلت: وقيد ذلك في البحر والنهر بما إذا حضرا جميعاً، لما في المحيط والتبيين: لو ضرب للزنا أو للشرب بعض الحد فهرب ثم زنى أو شرب ثانياً حد حداً مستأنفاً، ولو كان ذلك في القذف، فإن حضر الأول والثاني جميعاً أو الأول كمل الأول، ولا شيء للثاني للتداخل، وإن حضر الثاني وحده يجلد حداً مستقبلاً للثاني ويبطل الأول لعدم دعواه اهـ: أي لعدم دعوى الأول تكميل الحد الواجب له لأنه بمنزلة العفو ابتداء، فكما لا يقام له الحد ابتداء إلا بطلبه كذلك لا يكمل له إلا بطلبه، هذا ما ظهر لي، فتأمل. والحاصل أنه إنما يكتفي بتكميل الحد الأول إن طلب المقذوف الأول وحده أو مع الثاني، فلو طلب الثاني وحده: حد له حداً مستقبلاً كحد الزنا والشرب. وبه علم أن شرط تكميل الأول حضور الأول فقط، وأن التداخل قد يكون بتداخل الثاني فيما بقي من الأول، وقد يكون بتداخل ما بقي من الأول في الثاني وذلك فيما يحد به حداً مستقبلاً كما علمت آنفاً، ومرّ أيضاً قبيل هذا الباب في قول المصنف: ((أقيم عليه بعض الحد فهرب وشرب ثانياً يستأنف)) فما ظنه بعض المحشين من التعارض بين ما مر وما هنا فهو خطأ لما علمت من اختلاف الموضوع. قوله: (وما إذا قذف الخ) معطوف كسابقه على قوله: ((ما إذا اتحد)». قوله: (فعتق) بالبناء للفاعل لأنه لازم لا يتعدى إلا بالهمزة. ط عن ابن الشحنة. قوله: (فإن آخذه الثاني) أي طالبه في أثناء الحد أو بعد تمامه ط. قوله: (ثم قذفه) أي قذف المقذوف أو لا؛ بخلاف ما إذا قذف شخصاً آخر بعد حده للأول فإنه يحد للثاني كما قدمناه. قوله: (لأن المقصود الخ) قال في البحر: لا يخفى ما فيه فإنه بالحد الأول لم يظهر كذبه في إخبار مستقبل، بل فيما أخبر به ماضياً قبل الحد، ولهذا قال في الفتح: وصار كما لو قذف شخصاً فحد به ثم قذفه بعين ذلك الزنا، بأن قال أنا باق على نسبتي إليه الزنا الذي نسبته إليه لا يحد ثانياً، فكذا هذا؛ أما لو قذفه بزنا آخر حدّ به اهـ. لكن في الظهيرية: ومن قذف إنساناً فحد ثم قذفه ثانياً لم يحد. والأصل فيه ما روى: ((أن أبا بكرة لما شهد على المغيرة بالزنا وجلده عمر لقصور العدد بالشهادة كان يقول بعد ذلك في المحافل: أشهد إن المغيرة لزان، فأراد ١٠٢ كتاب الحدود/ باب حد القذف ومفاده أنه لو قال له يا ابن الزانية وأمه ميتة فخاصمه حد ثانياً كما لا يخفى. وأفاد تقييده بالحد أن التعزير يتعدد ألفاظه لأنه حق العبد. فرع: عاين القاضي رجلًا زنى أو شرب لم يحده استحساناً. وعن محمد يحده قياساً على حد القذف والقود. قلنا: الاستيفاء للقاضي وهو مندوب للدرء بالخبر فلحقه التهمة. حواشي السعدية . عمر أن يحده ثانياً فمنعه عليّ)) فرجع إلى قوله وصارت المسألة إجماعاً اهـ. فظهر أن المذهب إطلاق المسألة كما ذكره الزيلعي اهـ. ما في البحر. وتبعه في النهر: أي المذهب أنه شامل لما إذا قذفه بعين الزنا الأول أو بزنا آخر، خلافاً لما قاله في الفتح. قلت: والذي يظهر لي أن الصواب ما في الفتح، وأنه إذا صرح بنسبته إلى زنا غير الأول يحد ثانياً، كما لو قذف شخصاً آخر لأنه لم يظهر كذبه في القذف الثاني، بخلاف ما إذا حد ثم قذفه بالزنا الأول أو أطلق لحمل إطلاقه على الأول، لأن المحدود بالقذف يكرّر كلامه بعد القذف لإظهار صدقه فیما حد بسببه كما فعله أبو بكرة، فإن قوله: ((أشهد إن المغيرة لزان)) لم يرد به زنا آخر، وبه ظهر أن ما في الظهيرية لا ينافي ما في الفتح فلا يصلح للاستدراك به عليه. قوله: (ومفادة الخ) أي مفاد ما مر عن الزيلعي من انتفاء الحد ثانياً حيث اتحد المقذوف أنه لو تعدد يحد، وقدمنا التصریح به عن الفتح وغيره؛ فإذا قذف شخصاً بالزنا فحد له ثم قال له يا ابن الزانية فإنه يحد ثانياً، وإن كانت أم المقذوف ميتة وكان الطلب له لأن الثاني قذف لأمه؛ وكذا يحد بالأولى لو كانت الأم حية فخاصمته. قوله: (إن التعزیر یتعدد الخ) جزم به مع أن المصنف قال: لم أر من صرح به لكنه يؤخذ من كلامهم اهـ ط. والمراد التعزير الذي هو حق العبد كما يفيده التعليل، وسيأتي تمام الكلام على ذلك عند قول المصنف في الباب الآتي وهو حق العبد. قوله: (قلنا) أي في وجه الاستحسان بإبداء الفارق وهو أن حد الزنا أو الشرب ليس له مطالب مخصوص فكان استيفاؤه للقاضي ابتداء والقاضي مندوب: أي مأمور بالدرء: أي درء الحد بالستر عليه كما مر في الشاهد للخبر، وهو حديث ((مَنْ رَأَى عَوْرَةً فَسَتَرَهَا كَانَ كَمَنْ أَحْيَا مَوْءُودَةً» فإذا أعرض القاضي عما ندب إليه وأراد استيفاؤه لحقته تهمة بذلك، فلم يجز له استيفاؤه؛ بخلاف حد القذف والقود فإن له مطالباً وهو المقذوف وولي المقتول؛ حتى قيل إن إقامة التعزير لصاحبه كالقصاص كما نقله في المجتبى فلم يوجد من القاضي تهمة فيه؛ فكان له استيفاؤه فيما بينه وبين الله تعالى، لأن القضاء ليس شرطاً لاستيفاء القصاص بل للتمكين كما مر قبيل باب الشهادة على الزنا؛ هذا ما ظهر لي في تقرير هذا المحل فتأمله؛ والله سبحانه أعلم. ١٠٣ كتاب الحدود/ باب التعزير بَابُ التّغزِيْرِ (هو) لغة التأديب مطلقاً، وقول القاموس: إنه يطلق على ضربه دون الحد غلط. نهر. وشرعاً (تأديب دون الحد أكثره تسعة وثلاثون سوطاً، بَابُ التّغزِيرِ لما ذكر الزواجر المقدرة شرع في غير المقدرة، وأخرها لضعفها، وألحقه بالحدود مع أن منه محض حق العبد لما أنه عقوبة، وتمامه في النهر. قوله: (هو لغة التأديب مطلقاً) أي بضرب وغيره دون الحد أو أكثر منه. ويطلق على التفخيم والتعظيم، ومنه: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] فهو من أسماء الأضداد. قوله: (غلط) لأن هذا وضع شرعي لا لغوي، إذ لم يعرف إلا من جهة الشرع، فكيف نسب لأهل اللغة الجاهلين بذلك من أصله؟ والذي في الصحاح بعد تفسيره بالضرب: ومنه سمى ضرب ما دون الحد تعزيراً، فأشار إلى أن هذه الحقيقة الشرعية منقولة عن الحقيقة اللغوية بزيادة قيد هو كون ذلك الضرب دون الحد الشرعي فهو كلفظ الصلاة والزكاة ونحوهما المنقولة لوجود المعنى اللغوي فيها وزيادة، وهذه دقيقة مهمة تفطن لها صاحب الصحاح وغفل عنها صاحب القاموس، وقد وقع له نظير ذلك كثيراً وهو غلط يتعين التفطن له اهـ. نهر عن ابن حجر المكي. وأجيب بأنه لم يلتزم الألفاظ اللغوية فقط، بل يذكر المنقولات الشرعية والاصطلاحية، وكذا الألفاظ الفارسية تكثيراً للفوائد، وفيه نظر لأن كتابة موضوع لبيان المعاني اللغوية، فحيث ذكر غيرها كان عليه التنبيه عليه لئلا يوقع الناظر في الاشتباه. قوله: (تأديب دون الحد) الفرق بين الحد والتعزير أن الحد مقدر والتعزير مفوّض إلى رأي الإمام، وأن الحد يدرأ بالشبهات والتعزير يجب معها، وأن الحد لا يجب على الصبيّ والتعزير شرع عليه. والرابع أن الحد يطلق على الذمي والتعزير يسمى عقوبة له لأن التعزير شرع للتطهير تاترخانية. وزاد بعض المتأخرين أن الحد مختص بالإمام والتعزير يفعله الزوج والمولى وكل من رأى أحداً يباشر المعصية، وأن الرجوع يعمل في الحد لا في التعزير، وأنه يحبس المشهود عليه حتى يسأل عن الشهود في الحد لا في التعزير، وأن الحد لا تجوز الشفاعة فيه وأنه لا يجوز للإمام تركه وأنه قد يسقط بالتقادم بخلاف التعزير، فهي عشرة. قلت: وسيجيء غيرها عند قوله: ((وهو حق العبد)). قوله: (أكثره تسعة وثلاثون سوطاً) لحديث ((من بلغ حداً في غير حد فهو من المعتدين)) وحد الرقيق أربعون فنقص عنه سوطاً. وأبو يوسف اعتبر أقل حدود الأحرار؛ لأن الأصل الحرية فنقص سوطاً في رواية عنه. وظاهر الرواية عنه تنقيص خمسة كما روى عن علي. ويجب تقليد الصحابي فيما لا يدرك بالرأي لكنه غريب عن عليّ، وتمامه في i ١٠٤ كتاب الحدود/ باب التعزير وأقله ثلاثة) لو بالضرب. وجعله في الدرر على أربع مراتب، وكله مبني على الفتح. وفي الحاوي القدسي قال أبو يوسف: أكثره في العبد تسعة وثلاثون سوطاً؛ وفي الحرّ خمسة وسبعون سوطاً، وبه نأخذاهـ. فعلم أن الأصح قول أبي يوسف. بحر. قلت: يحتمل أن قوله: ((وبه نأخذ)) ترجيح للرواية الثانية عن أبي يوسف على الرواية الأولى لكون الثانية هي ظاهر الرواية عنه، ولا يلزم من هذا ترجيح قوله: ((على قولهما» الذي عليه متون المذهب مع نقل العلامة قاسم تصحيحه عن الأئمة، ولذا لم يعوّل الشارح على ما في البحر. وعن أبي يوسف أنه یقرب کل جنس إلى جنسه، فقرب اللمس والقبلة من حد الزنا، وقذف غير المحصن أو المحصن بغیر الزنا من حد القذف صرفاً لكل نوع إلى نوعه. وعنه أنه يعتبر على قدر عظم الجرم وصغره. زيلعي. قوله: (وأقله ثلاثة) أي أقل التعزير ثلاث جلدات وهكذا ذكره القدوري، فكأنه یری أن ما دونها لا يقع به الزجر، وليس كذلك بل يختلف ذلك باختلاف الأشخاص، فلا معنى لتقديره مع حصول المقصود بدونه فيكون مفوّضاً إلى رأي القاضي، يقيمه بقدر ما يرى المصلحة فيه على ما بينا تفاصيله، وعليه مشايخنا رحمهم الله تعالى. زيلعي، ونحوه في الهداية. قال في الفتح: فلو رأى أنه ينزجر بسوط واحداً اكتفى به، وبه صرّح في الخلاصة. ومقتضى الأول أنه يكمل له ثلاثة لأنه حيث وجب التعزير بالضرب، فأقل ما يلزم أقله، إذ ليس وراء الأقل شيء ثم يقتضي أنه لو رأى أنه إنما ينزجر بعشرين كانت أقل ما يجب فلا يجوز نقصه عنها، فلو رأى أنه لا ينزجر بأقل من تسعة وثلاثين صار أكثره أقل الواجب، وتبقى فائدة تقدير الأكثر بها أنه لو رأى أنه لا ينزجر إلا بأكثر منها يقتصر عليها، ويبدل ذلك الأكثر بنوع آخر وهو الحبس مثلاً. قوله: (لو بالضرب) يعني أن تقدير التعزير بما ذكر إنما هو فيما لو رأى القاضي تعزيره بالضرب فليس له الزيادة على الأكثر، فلا ينافي ما يأتي من أن التعزير ليس فيه تقدير، بل هو مفوّض إلى رأي القاضي، لأن المراد تفويض أنواعه من ضرب ونحوه، كما يأتي. قوله: (على أربع مراتب) تعزير أشراف الأشراف، وهم العلماء والعلوية بالإعلام، بأن يقول له القاضي بلغني أنك تفعل كذا فينزجر به. وتعزير الأشراف، وهم نحو الدهاقين بالإعلام والجر إلى باب القاضي والخصومة في ذلك. وتعزير الأوساط، وهم السوقة بالجر والحبس. وتعزير الأخساء بهذا كله وبالضرب اهـ. ومثله في الفتح عن الشافي والزيلعي عن النهاية، ويأتي الكلام عليه. والدهاقين: جمع دهقان بكسر الدال وقد نضم وهو معرّب يطلق على رئيس القرية، والتاجر ومن له مال وعقار. مصباح. قوله: (وكله مبني الخ) أي كل ما ذكر من المراتب الأربعة، ولا يصح أن يرجع إلى ما في المتن ١٠٥ كتاب الحدود/ باب التعزير عدم تفويضه للحاكم مع أنها ليست على إطلاقها، فإن من كان من أشراف الأشراف لو ضرب غيره فأدماه لا يكفي تعزيره بالإعلام، وأرى أنه بالضرب صواب (ولا يفرق الضرب فيه) وقيل يفرق. ووفق بأنه إن بلغ أقصاه يفرق وإلا لا. شرح وهبانية (ويكون به و) بالحبس و (بالصفع) على العتق (وفرك الأذن، وبالكلام العنيف، وبنظر القاضي له بوجه عبوس، وشتم غير القذف) مجتبى. وفيه عن السرخسي: لا يباح بالصفع لأنه من أعلى ما يكون من الاستخفاف، فيصان عنه أهل القبلة (لا بأخذ مال في المذهب) بحر. أيضاً، لأن ما ذكر فيه من التقدير لا فرق فيه بين القول بالتفويض وعدمه كما علمت، فافهم. ثم إن ما ذكره من أنه مخالف للقول بالتفويض هو ما فهمه في البحر حيث قال: وظاهره أنه ليس مفوضاً إلى رأي القاضي، وأنه ليس له التعزير بغير المناسب لمستحقه، وظاهر الأول: أي القول بالتفويض: أن له ذلك اهـ. قلت: وفيه كلام نذكره قريباً. قوله: (فإن من كان الخ) سنذكر ما يؤيده قريباً. قوله: (ولا يفرق الضرب فيه) بل يضرب في موضع واحد لأنه جرى فيه التخفيف من حيث العدد، فلو خفف من حيث التفريق أيضاً يفوت المقصود من الانزجار. قوله: (وقيل يفرق) ذكره محمد في حدود الأصل، والأول ذكره في أشربة الأصل. قوله: (ووفق الخ) فليس في المسألة روايتان، بل اختلاف الجواب لاختلاف الموضوع، وهذا التوفيق مذكور في شروح الهداية والكنز. قوله: (وإلا لا) أي إن لم يبلغ الأكثر، بل كان بالأدنى كثلاث ونحوها، لأنه لا يفسد العضو كما في الفتح، وبه علم أن المراد بالأقصى الأكثر أو ما قاربه مما يخشى من جمعه على عضو واحد إفساده، فافهم. قال الزيلعي: ويتقي المواضع التي تتقى في الحدود: أي كالرأس والمذاكير. قوله: (ويكون) أي التعزير به: أي بالضرب الخ وليس مراده حصر أنواعه فيما ذكر كما يفيده قوله الآتي، ويكون بالنفي. عن البدائع. قلت: ويكون أيضاً بالتشهير والتسويد لشاهد الزور كما سنذكره آخر الباب. قوله: (وبالصفع) هو أن يبسط الرجل كفه فيضرب بها قفا الإنسان أو بدنه، فإذا قبض كفه ثم ضربه فليس بصفع بل يقال ضربه بجمع كفه. مصباح. قوله: (فيصان عنه أهل القبلة) وإنما يكون لأهل الذمة عند أخذ الجزية منهم. مَطْلَبُ فِي التَّعْزِيرِ بِأَخْذِ ألْمَالِ قوله: (لا بأخذ مال في المذهب) قال في الفتح: وعن أبي يوسف: يجوز التعزير ١٠٦ كتاب الحدود/ باب التعزير وفيه عن البزازية: وقيل يجوز، ومعناه أن يمسكه مدة لينزجر ثم يعيده له، فإن أيس من توبته صرفه إلى ما يرى. وفي المجتبى أنه كان في ابتداء الإسلام ثم نسخ. (و) التعزير (ليس فيه تقدير، بل هو مفوّض إلى رأي القاضي) للسلطان بأخذ المال. وعندهما وباقي الأئمة: لا يجوزاهـ. ومثله في المعراج، وظاهره أن ذلك رواية ضعيفة عن أبي يوسف. قال في الشرنبلالية: ولا يفتى بهذا لما فيه من تسليط الظلمة على أخذ مال الناس فيأكلونه اهـ. ومثله في شرح الوهبانية عن ابن وهبان. قوله: (وفيه الخ) أي في البحر، حيث قال: وأفاد في البزازية أن معنى التعزير بأخذ المال على القول به إمساك شيء من ماله عند مدة لينزجر ثم يعيده الحاکم إلیه، لا أن يأخذه الحاكم لنفسه أو لبيت المال كما يتوهمه الظلمة، إذ لا يجوز لأحد من المسلمين أخذ مال أحد بغير سبب شرعي. وفي المجتبى لم يذكر كيفية الأخذ، وأرى أن يأخذها فيمسكها، فإن أيس من توبته يصرفها إلى ما يرى. وفي شرح الآثار: التعزير بالمال کان في ابتداء الإسلام ثم نسخ اهـ. والحاصل أن المذهب عدم التعزير بأخذ المال، وسيذكر الشارح في الكفالة عن الطرسوسي أن مصادرة السلطان لأرباب الأموال لا تجوز إلا لعمال بيت المال: أي إذا كان يردها لبيت المال. قوله: (والتعزير ليس فيه تقدير) أي ليس في أنواعه، وهذا حاصل قوله قبله (ويكون به وبالصفع الخ). قال في الفتح: وبما ذكرنا من تقدير أكثره يعرف ما ذكر من أنه ليس في التعزير شيء مقدر بل مفوّض إلى رأي الإمام: أي من أنواعه، فإنه يكون بالضرب وبغيره. أما إذا اقتضى رأيه الضرب في خصوص الواقعة فإنه حينئذ لا يزيد على تسعة وثلاثين اهـ. قلت: نعم له الزيادة من نوع آخر، بأن يضم إلى الضرب الحبس كما يذكره المصنف، وذلك يختلف باختلاف الجناية والجاني. قال الزيلعي: وليس في التعزير شيء مقدر، وإنما هو مفوّض إلى رأي الإمام على ما تقتضي جنايتهم، فإن العقوبة فيه تختلف باختلاف الجناية، فينبغي أن يبلغ غاية التعزير في الكبيرة، كما إذا أصاب من الأجنبية كل محرّم سوى الجماع أو جمع السارق المتاع في الدار ولم يخرجه، وكذا ينظر في أحوالهم، فإن من الناس من ينزجر باليسير، ومنهم من لا ينزجر إلا بالكثير. وذكر. في النهاية التعزير على مراتب إلى آخر ما مر عن الدرر. أقول: وظاهر عبارته أن قوله: وذكر في النهاية الخ، بيان لقوله: وكذا ينظر في أحوالهم الخ: أي أن أحوال الناس على أربع مراتب، فلا يكون ما في النهاية والدرر مخالفاً للقول بالتفويض، وحينئذ فيكون المراد بالمرتبة الأولى وهي أشراف الأشراف من ١٠٧ كتاب الحدود/ باب التعزير وعليه مشايخنا. زيلعي. لأن المقصود منه الزجر، وأحوال الناس فيه مختلفة. بحر (ويكون) التعزير (بالقتل كمن) وجد رجلاً مع امرأة لا تحل له، ولو أكرهها كان ذا مروءة صدرت منه الصغيرة على سبيل الزلة والندور، فلذا قالوا تعزيره بالإعلام، لأنه في العادة لا يفعل ما يقتضي التعزير بما فوق ذلك، ويحصل انزجاره بهذا القدر من التعزير، فلا ينافي أنه على قدر الجناية أيضاً، حتى لو كان من الأشراف لكنه تعدى طوره ففعل اللواطة أو وجد مع الفسقة في مجلس الشرب ونحوه لا يكتفي بتعزيره بالإعلام فيما يظهر لخروجه عن المروءة؛ لأن المراد بها كما في الفتح وغيره الدين والصلاح، وسيأتي آخر الباب أنه لو تكرّر منه الفعل يضرب التعزير، فهذا صريح في أنه بالتكرار لم يبق ذا مروءة، وهذا مؤيد لما قدمه عن النهر من أنه لو ضرب غيره فأدماه لا يكفي تعزيره بالإعلام الخ. ثم رأيت في الشرنبلالية عين ما بحثته، حيث قال: ولا يخفى أن هذا: أي الاكتفاء بتعزيره بالإعلام إنما هو مع ملاحظة السبب فلا بد أن يكون مما يبلغ به أدنى الحد، كما إذا أصاب من أجنبية غير الجماع اهـ. فهذا صريح في أن من كان من الأشراف يعزّر على قدر جنايته، وأنه لا يكتفي فيه بالإعلام إذا كانت جنايته فاحشة تسقط بها مروءته، فقد ثبت بما قلنا عدم مخالفة ما في الدرر للقول بتفويضه للقاضي، وأن المعتبر حال الجناية والجاني. خلافاً لما فهمه في البحر كما قدمناه، فاغتنم هذا التحرير المفرد. قوله: (وعليه مشايخنا) قدمنا عبارة الزيلعي عند قوله: ((وأقله ثلاثة)). مَطْلَبٌ: يَكُونُ التَّعْزِيرُ بِالْقَتْلِ قوله: (ويكون التعزير بالقتل) رأيت في ((الصارم المسلول)) للحافظ ابن تيمية أن من أصول الحنفية أن ما لا قتل فيه عندهم مثل القتل بالمثقل والجماع في غير القبل إذا تكرّر فللإمام أن يقتل فاعله، وكذلك له أن يزيد على الحد المقدر إذا رأى المصلحة في ذلك، ويحملون ما جاء عن النبي وَّله وأصحابه من القتل في مثل هذه الجرائم على أنه رأى المصلحة في ذلك ويسمونه القتل سياسة. وكان حاصله أن له أن يعزّر بالقتل في الجرائم التي تعظمت بالتكرار وشرع القتل في جنسها، ولهذا أفتى أكثرهم بقتل من أكثر من سبّ النبي ◌َّ﴿ من أهل الذمة وإن أسلم بعد أخذه، وقالوا يقتل سياسة اهـ. وسيأتي تمامه في فصل الجزية إن شاء الله تعالى، ومن ذلك ما سيذكره المصنف من أن للإمام قتل السارق سياسة: أي إن تكرر منه. وسيأتي أيضاً قبيل كتاب الجهاد أن من تكرّر الخنق منه في المصر قتل به سياسة لسعيه بالفساد، وكل من كان كذلك يدفع شره بالقتل. وسيأتي أيضاً في باب الردة أن الساحر أو الزنديق الداعي إذا أخذ قبل توبته ثم تاب لم تقبل توبته ويقتل، ولو أخذ بعدها قبلت وأن الخناق لا توبة له. وتقدم كيفية تعزير اللوطي بالقتل. قوله: (مع امرأة) ١٠٨ كتاب الحدود/ باب التعزير فلها قتله ودمه هدر، وكذا الغلام. وهبانية (إن كان يعلم أنه لا ينزجر بصياح وضرب بما دون السلاح وإلا) بأن علم أنه ينزجر بما ذكر (لا) يكون بالقتل (وإن كانت المرأة مطاوعة قتلهما) كذا عزاه الزيلعي للهندواني. ثم قال (و) في منية المفتي (لو كان مع امرأته وهو يزني بها أو مع محرمه وهما مطاوعان قتلهما جميعاً) اهـ. وأقره في الدرر. وقال في البحر: ومفاده الفرق بين الأجنبية والزوجة والمحرم، فمع الأجنبية لا يحل القتل إلا بالشرط المذكور من عدم الانزجار المزبور، وفي غيرها يحل (مطلقاً) اهـ. ورده في النهر بما في البزازية وغيرها من التسوية بين الأجنبية وغيرها، ويدل عليه تنكير الهندواني للمرأة؛ نعم ما في المنية مطلق فيحمل على المقيد ظاهره أن المراد الخلوة بها وإن لم ير منه فعلاً قبيحاً كما يدل عليه ما يأتي عن منية المفتي كما تعرفه، فافهم. قوله: (فلها قتله) أي إن لم يمكنها التخلص منه بصياح أو ضرب وإلا لم تكن مكرهة، فالشرط الآتي معتبر هنا أيضاً كما هو ظاهر. ثم رأيته في كراهية شرح الوهبانية، ونصه: ولو استكره رجل امرأة لها قتله، وكذا الغلام، فإن قتله قدمه هدر إذا لم يستطع منعه إلا بالقتل اهـ. فافهم. قوله: (إن كان يعلم) شرط للقتل الذي تضمنه قوله كمن وجد رجلاً. قوله: (ومفاده الخ) توفيق بين العبارتين حيث اشترط في الأولى العلم بأنه لا ينزجر بغير القتل ولم يشترط في الثانية، فوفق بحمل الأولى على الأجنبية والثانية على غيرها، وهذا بناء على أن المراد بقوله في الأولى ((مع امرأة)) أي يزني بها، ويأتي الكلام عليه. قوله: (مطلقاً) زاده المصنف على عبارة المنية متابعة لشيخه صاحب البحر. قوله: (بما في البزازية وغيرها) أي كالخانية، ففيها: لو رأى رجلاً يزني بامرأته أو امرأة آخر وهو محصن فصاح به فلم يهرب ولم يمتنع عن الزنا حلّ له قتله ولا قصاص عليه اهـ. قوله: (فيحمل على المقيد) أي يحمل قول المنية قتلهما جميعاً على ما إذا علم عدم الانزجار بصياح أو ضرب. قلت: وقد ظهر لي في التوفيق وجه آخر، وهو أن الشرط المذكور إنما هو فيما إذا وجد رجلاً مع امرأة لا تحل له قبل أن يزني بها فهذا لا يحل قتله إذا علم أنه ينزجر بغير القتل، سواء كانت أجنبية عن الواجد أو زوجة له أو محرماً منه. أما إذا وجده يزني بها فله قتله مطلقاً، ولذا قيد في المنية بقوله: وهو يزني، وأطلق قوله: قتلهما جميعاً؛ وعليه فقول الخانية الذي قدمناه آنفاً فصاح به غير قيد، ويدل عليه أيضاً عبارة المجتبى الآتية، ثم رأيت في جنايات الحاوي الزاهدي ما يؤيده أيضاً، حيث قال: رجل رأى رجلاً مع امرأة يزني بها أو يقبلها أو يضمها إلى نفسه وهي مطاوعة فقتله أو قتلهما لا ضمان عليه، ولا يحرم من ميراثها إن أثبته بالبينة أو بالإقرار؛ ولو رأى رجلاً مع امرأة ١٠٩ كتاب الحدود/ باب التعزير ليتفق كلامهم، ولذا جزم في الوهبانية بالشرط المذكور مطلقاً وهو الحق بلا شرط إحصان، لأنه ليس من الحدّ بل من الأمر بالمعروف. وفي المجتبى: الأصل أن كل شخص رأى مسلماً يزني يحل له أن يقتله، وإنما يمتنع خوفاً من أن لا يصدق أنه زنى (وعلى هذا) القياس (المكابر بالظلم وقطاع الطريق وصاحب المكس وجميع الظلمة بأدنى شيء له قيمة) في مفازة خالية أو رآه مع محارمه هكذا ولم ير منه الزنا ودواعيه: قال بعض المشايخ: حلّ قتلهما. وقال بعضهم: لا يحل حتى يرى منه العمل: أي الزنا ودواعيه، ومثله في خزانة الفتاوى اهـ. وفي سرقة البزازية: لو رأى في منزله رجلاً معه أهله أو جاره يفجر وخاف إن أخذه أن يقهره فهو في سعة من قتله، ولو كانت مطاوعة له قتلهما، فهذا صريح في أن الفرق من حيث رؤية الزنا وعدمها. تأمل. قوله: (مطلقاً) أي بلا فرق أجنبية وغيرها. قوله: (وهو الحق) مفهومه أن مقابله باطل، ولم يظهر من كلامه ما يقتضي بطلانه، بل ما نقله بعده عن المجتبى يفيد صحته، وقد علمت مما قررناه ما ينفق به كلامهم، وأما كون ذلك من الأمر بالمعروف لا من الحد فلا يقتضي اشتراط العلم بعدم الانزجار. تأمل. قوله: (بلا شرط إحصان الخ) رد على ما في الخانية من قوله: وهو محصن، كما قدمناه، وجزم به الطرسوسي. قال في النهر: ورده ابن وهبان بأنه ليس من الحد، بل من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو حسن، فإن هذا المنكر حيث تعين القتل طريقاً في إزالته فلا معنى لاشتراطه الإحصان فيه، ولذا أطلقه البزازي اهـ. قلت: ويدل عليه أن الحد لا يليه إلا الإمام. قوله: (وفي المجتبى الخ) عزاه بعضهم أيضاً إلى جامع الفتاوى وحدود البزازية. وحاصله أنه لا يحل ديانة لا قضاء فلا يصدقه القاضي إلا ببينة. والظاهر أنه يأتي هنا التفصيل المذكور في السرقة، وهو ما في البزازية وغيرها إن لم يكن لصاحب الدار بينة، فإن لم يكن المقتول معروفاً بالشر والسرقة قتل صاحب الدار قصاصاً وإن كان متهماً به فكذلك قياساً. وفي الاستحسان: تجب الدية في ماله لورثة المقتول، لأن دلالة الحال أورثت شبهة في القصاص لا في المال. قوله: (وعلى هذا القياس الخ) هو من تتمة عبارة المجتبى، وأقره في البحر والنهر، ولذا مشى عليه المصنف. قوله: (المكابر) أي الآخذ علانية بطريق الغلبة والقهر. قال في المصباح: كابرته مكابرة: غالبته مغالبة. قوله: (وقطاع الطريق) أي إذا كان مسافراً ورأى قاطع طريق له قتله، وإن لم يقطع عليه بل على غيره، لما فيه من تخليص الناس من شره وأذاه كما يفيده ما ١١٠ كتاب الحدود/ باب التعزير وجميع الكبائر والأعونة والسعاة يباح قتل الكل ويثاب قاتلهم. انتهى. وأفتى الناصحي بوجوب قتل كل مؤذ. وفي شرح الوهبانية: ويكون بالنفي عن البلد، وبالهجوم على بيت المفسدين، وبالإخراج من الدار، وبهدمها، وكسر دنان الخمر وإن ملحوها، بعده. قوله: (وجميع الكبائر) أي أهلها. والظاهر أن المراد بها المتعدي ضررها إلى الغير، فيكون قوله: ((والأعونة والسعاة)) عطف تفسير أو عطف خاص على عام، فيشمل كل من كان من أهل الفساد كالساحر وقاطع الطريق واللص واللوطي والخناق ونحوهم ممن عم ضرره ولا ينزجر بغير القتل. قوله: (والأعونة) كأنه جمع معين أو عوان بمعناه، والمراد به الساعي إلى الحكام بالإفساد، فعطف السعاة عليه عطف تفسير. وفي رسالة أحكام السياسة عن جمع النسفي: سئل شيخ الإسلام عن قتل الأعونة والظلمة والسعاة في أيام الفترة؟ قال: يباح قتلهم لأنهم ساعون في الأرض بالفساد، فقيل: إنهم يمتنعون عن ذلك في أيام الفترة ويختفون، قال: ذلك امتناع ضرورة ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] كما نشاهد. قال: وسألنا الشيخ أبا شجاع عنه، فقال: يباح قتله ويثاب قاتله اهـ. قوله: (وأفتى الناصحي الخ) لعل الوجوب بالنظر للإمام ونوابه والإباحة بالنظر لغيرهم ط. قوله: (ويكون بالنفي عن البلد) ومنه ما مر من نفي الزاني البكر. ونفى عمر رضي الله عنه نصر بن حجاج لافتتان النساء بجماله. وفي النهر عن شرح البخاري للعيني أن من أذى الناس ينفي عن البلد. قوله: (وبالهجوم الخ) من باب قعد: الدخول على غفلة بغتة. قال في أحكام السياسة وفي المنتقى: وإذا سمع في داره صوت المزامير فأدخل عليه لأنه لما سمع الصوت فقد أسقط حرمة داره. وفي حدود البزازية وغصب النهاية وجناية الدراية: ذكر الصدر الشهيد عن أصحابنا أنه يهدم البيت على من اعتاد الفسق وأنواع الفساد في داره، حتى لا بأس بالهجوم على بيت المفسدين. وهجم عمر رضي الله عنه على نائحة في منزلها وضربها بالدرّة حتى سقط خمارها، فقيل له فيه، فقال: ((لا حرمة لها بعد اشتغالها بالمحرم، والتحقت بالإماء)). وروى أن الفقيه أبا بكر البلخي خرج إلى الرستاق وكانت النساء على شط النهر كاشفات الرؤوس والذراع، فقيل له: كيف فعلت هذا؟ فقال: لا حرمة لهن، إنما الشك في إيمانهن، كأنهن حربيات، وهكذا في جنايات مجمع الفتاوى. وذكر في كراهية البزازية عن الواقعات الحسامية: ويقدم إبلاء العذر عن مظهر الفسق بداره، فإن كفّ فيها وإلا حبسه الإمام أو أدبه أسواطاً أو أزعجه من داره، إذ الكل يصلح تعزيراً. وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه أحرق بيت الخمار. وعن الصفار الزاهدي الأمر بتخريب دار الفسق. قوله: (وإن ملحوها) أي تكسر وإن قال ١١١ كتاب الحدود/ باب التعزير ولم ينقل إحراق بيته (ويقيمه كل مسلم حال مباشرة المعصية) قنية (و) أما (بعده) فـ (ليس ذلك لغير الحاكم) والزوج والمولى كما سيجيء. فرع: من عليه التعزير لو قال لرجل أقم عليّ التعزير ففعله ثم رفع للحاكم فإنه يحتسب به قنية. وأقره المصنف، ومثله في دعوى الخانية، لكن في الفتح: ما يجب حقاً للعبد لا يقيمه إلا الإمام لتوقفه على الدعوى إلا أن يحكما فيه، فليحفظ. (ضرب غيره بغير حق وضربه المضروب) أيضاً (يعزران) كما لو تشاتما بين أصحابها نلقي فيها ملحاً لأجل تخليلها. وفي كراهية البزازية: قال في العيون وفتاوى النسفي: إنه يكسر دنان الخمر، ولا يضمن الكاسر، ولا يكتفي بإلقاء الملح، وكذا من أراق خمور أهل الذمة وكسر دنانها وشق زقاقها إن كانوا أظهروها بين المسلمين لا يضمن، لأنهم لما أظهروها بيننا فقد أسقطوا حرمتها. وفي سير العيون: يضمن إلا إذا كان إماماً يرى ذلك لأنه مختلف فيه، وفي المسلم يضمن الزق. مسلم في منزله دنّ من خمر يريد اتخاذها خلا يضمن الدن عند الثاني، وإن لم يرد الاتخاذ لا يضمن عند الثاني. وذكر الخصاف أن الكسر لو بإذن الإمام لا يضمن وإلا يضمن. وأصله فيمن كسر بربطاً لمسلم، والفتوى على قولها في عدم الضمان اهـ. قوله: (ولم ينقل إحراق بيته) تقدم نقله عن عمر في بيت الخمار، فالمراد أنه لم ينقل عن علمائنا، لكن ما مرّ عن الصفار يفيده. قوله: (ويقيمه الخ) أي التعزير الواجب حقاً الله تعالى لأنه من باب إزالة المنكر، والشارع ولي كل أحد في ذلك حيث قال الصا * : (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَراً فَلْيُغَيّهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ» الحديث، بخلاف الحدود لم يثبت توليتها إلا للولاة، وبخلاف التعزير الذي يجب حقاً للعبد بالقذف ونحوه فإنه لتوقفه على الدعوى لا يقيمه إلا الحاكم إلا أن يحكما فيه اهـ. قوله: (قنية) هذا العزو لقوله: ((حال مباشرة المعصية)) وأما قوله: ((يقيمه كل مسلم)) فقد صرح به في الفتح وغيره. قوله: (وأما بعده الخ) تصريح بالمفهوم. قال في القنية لأنه لو عزره حال كونه مشغولاً بالفاحشة فله ذلك، لأنه نهى عن المنكر وكل واحد مأمور به، وبعد الفراغ ليس بنهي، لأن النهي عما مضى لا يتصور فيتمحص تعزيراً وذلك إلى الإمام اهـ. وذكر قبله أن للمحتسب أن يعزّر المعزر إن عزره بعد الفراغ منها. قوله: (لكن في الفتح الخ) وعليه فما في القنية محمول على ما إذا كان حقاً لله تعالى أو حقاً لعبد وحكماً فيه. قوله: (لا يقيمه إلا الإمام) وقيل لصاحب الحق كالقصاص. وجه الأول أن صاحب الحق قد يسرف فيه غلظاً، بخلاف القصاص لأنه مقدر كما في البحر عن ١١٢ كتاب الحدود/ باب التعزير يدي القاضي ولم يتكافآً كما مر (ويبدأ بإقامة التعزير بالبادىء) لأنه أظلم. قنية. وفي مجمع الفتاوى: جاز المجازاة بمثله في غير موجب حد للإذن به - ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل - والعفو أفضل - فمن عفا وأصلح فأجره على الله . (وصح حبسه) ولو في بيته بأن يمنعه من الخروج منه. نهر (مع ضربه) إذا احتيج لزيادة تأديب (وضربه أشد) لأنه خفف عدداً فلا يخفف وصفاً (ثم حدّ الزنا) لثبوته بالكتاب (ثم حد الشرب) لثبوته بإجماع الصحابة لا بالقياس لأنه لا يجري في الحدود (ثم القذف) لضعف سببه باحتمال صدق القاذف. المجتبى. قوله: (ولم يتكافئا) عطف على يعزّران، وفيه إشارة إلى الجواب عما يتوهم من إطلاق قول مجمع الفتاوى الآتي: جاز المجازاة بمثله الخ. والجواب أن ذلك فيما تمحض حقاً لهما وأمكن فيه التساوي، كما لو قال له يا خبيث فقال بل أنت، بخلاف الضرب فإنه يتفاوت، وبخلاف التشاتم عند القاضي فإن فيه هتك مجلس الشرع كما مر في الباب السابق، وقدمنا تمامه. قوله: (جاز المجازاة بمثله) فيه إشارة إلى اشتراط إمكان التساوي وتمحض كونه حقّاً لهما كما قلنا، إذ بدون ذلك لا مماثلة. قوله: (إذا احتيج لزيادة تأديب) وذلك بأن يرى أن أكثر الضرب في التعزير وهو تسعة وثلاثون لا ينزجر بها، أو هو في شك من انزجاره بها يضم إليه الحبس، لأن الحبس صلح تعزيراً بانفراده، حتى لو رأى أن لا يضر به ويحبسه أياماً عقوبة فعل. فتح. قال ط: وصح القيد في السفهاء والدعار وأهل الإفساد. حموي عن المفتاح. قوله: (وضربه أشد) أي أشد من ضرب حد الزنا. ويؤخذ من التعليل أن هذا فيما إذا عزّر بما دون أكثره، وإلا فتسعة وثلاثون من أشد الضرب فوق ثمانين حكماً فضلاً عن أربعين مع تنقيص واحد من الأشدية فيفوت المعنى الذي لأجله نقص، كذا قاله الشيخ قاسم بن قطلوبغا. شرنبلالية. وإطلاق الأشدية شامل لقوته وجمعه في عضو واحد فلا يفرق الضرب فيه وقد مر الكلام فيه أول الباب، وأشار إلى أنه يجرد من ثيابه كما في غاية البيان ويخالفه ما في الخانية: يضرب التعزير قائماً بثيابه وينزع الفرو والحشو ولا يمد في التعزير اهـ. والظاهر الأول لتصريح المبسوط به. بحر. وتقدم معنى المد في حد الزنا. قوله: (فلا يخفف وصفاً) كي لا يؤدي إلى فوات المقصود. بحر: أي الانزجار. قوله: (ثم حد الزنا) بالرفع لحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، والأصل: ثم ضرب حد الزنا. ط. قوله: (لا بالقياس) ردّ على صدر الشريعة كما نبه عليه ابن كمال في هامش الإيضاح. قوله: (لضعف سببه) أي فسببه محتمل وسبب حد الشرب متيقن به وهو الشرب، والمراد أن الشرب متيقن السببية للحد لا متيقن الثبوت لأنه بالبينة أو الإقرار ١١٣ كتاب الحدود/ باب التعزير (وعزّر كل مرتكب منكر أو مؤذي مسلم بغير حق بقول أو فعل) إلا إذا كان الكذب ظاهراً كيا كلب. بحر (ولو بغمز العين) أو إشارة اليد لأنه غيبة كما يأتي في الحظر، فمرتكبه مرتكب محرم، وكل مرتكب معصية لا حدّ فيها، فيها التعزير. أشباه (فيعزر) بشتم ولده وقذفه و (بقذف مملوك) ولو أم ولده (وكذا بقذف کافر) وکل من لیس بمحصن (بزنا) وهما لا يوجبان اليقين. بحر. وهو مأخوذ من الفتح. تأمل. قوله: (وعزر كل مرتكب منكر الخ) وهذا هو الأصل في وجوب التعزير كما في البحر عن شرح الطحاوي. مَطْلَبُ: التَّعْزِيرُ قَدْ يَكُونُ بِدُونِ مَعْصِيَّةٍ وظاهره أن المراد حصر أسباب التعزير فيما ذكر مع أنه قد يكون بدون معصية كتعزير الصبيّ والمتهم كما يأتي، وكنفي من خيف منه فتنة بجماله مثلاً، كما مر في نفي عمر رضي الله تعالی عنه نصر بن حجاج. وذكر في البحر أن الحاصل وجوبه بإجماع الأمة لكل مرتكب معصية ليس فيها حد مقدر، كنظر محرم ومس محرم وخلوة محرمة وأكل ربا ظاهر اهـ. قلت: وهذه الكلية غير منعكسة، لأنه قد يكون في معصية فيها حد كزنا غير المحصن فإنه يجلد حداً، وللإمام نفيه سياسة وتعزيراً كما مر في بابه. وروى أحمد أن النجاشي الشاعر جيء به إلى عليّ رضي الله تعالى عنه وقد شرب الخمر في رمضان فضربه ثمانين ثم ضربه من الغد عشرين، لكن ذكر في الفتح أنه ضربه العشرين فوق الثمانين لفطره في رمضان، كما جاء في رواية أخرى أنه قال له: ضربناك العشرين بجراءتك على الله وإفطارك في رمضان اهـ. فالتعزير فيه من جهة أخرى غير جهة الحد. قوله: (إلا إذا كان الكذب ظاهرا الخ) سيأتي الكلام فيه. قوله: (لأنه غيبة) ظاهره لزوم التعزير وإن لم يعلم صاحب الحق، لكن مرّ عن الفتح أن ما يجب حقاً للعبد يتوقف على الدعوى. قوله: (وكل ما ارتكب معصية) لعله ذكره مع إغناء ما قبله عنه ليفيد أن المراد بالمنكر ما لا حد فيه. قال في الفتح: ويعزّر من شهد شرب الشاربين والمجتمعون على شبه الشرب وإن لم يشربوا، ومن معه ركوة خمر، والمفطر في رمضان يعزر ويحبس، وكذا المسلم يبيع الخمر ويأكل الربا. والمغني والمخنث والنائحة يعزّرون ويحبسون حتى يحدثوا توبة، ومن يتهم بالقتل والسرقة يحبس ويخلد في السجن إلى أن يظهر التوبة، وكذا من قبل أجنبية أو عانقها أو مسها بشهوة اهـ. قوله: (فيعزر بشتم ولده) فيه كلام لصاحب البحر تقدم في حد القذف. قوله: (وكل من ليس بمحصن) أي إحصان القذف. ط. ١١٤ كتاب الحدود/ باب التعزير ويبلغ به غايته، كما لو أصاب من أجنبية محرماً غير جماع، أو أخذ السارق بعد جمعه للمتاع قبل إخراجه، وفيما عداها لا يبلغ غايته، وبقذف: أي بشتم (مسلم) ما بـ (يا فاسق إلا أن يكون معلوم الفسق) كمكاس مثلاً أو علم القاضي بفسقه: وحاصله أن من لم يحد قاذفه لعدم إحصانه يعزّر قاذفه، فلا يلزم من سقوط الحد لعدم الإحصان سقوط التعزير. قوله: (ويبلغ به غايته) أي تسعة وثلاثون سوطاً، وهذا معطوف على قوله: ((فيعزر)) ومقتضاه بلوغ الغاية في شتم ولده وليس كذلك. قوله: (محرماً غير جماع) الذي في الفتح والبحر وغيرهما: كل محرم غير جماع. ومفاده أنه لا يبلغ الغاية بمجرد لمس أو تقبيل، وهو خلاف ما يفيده كلام الشارح. قوله: (وفيما عداها) أي ما عدا هذه المواضع الثلاث لا يبلغ غاية التعزير، واقتصر عليها تبعاً للبحر. وزاد بعضهم غيرها: منها ما في الدرر، قيل تارك الصلاة يضرب حتى يسيل منه الدم. وفي الحجة: لو ادعى الإمام أنه كان مجوسياً لا يصدق، إلا أنه يضرب ضرباً شديداً. اهـ. أي ولا يلزم القوم إعادة الصلاة. وفي الخانية: من وطىء غلاماً يعزر أشد التعزير. وفي التاتر خانية: إن المرأة إذا ارتدت تجبر على الإسلام وتضرب خمسة وسبعين اهـ: أي على قول أبي يوسف أن أكثره ذلك، أما على قولهما فأكثره تسعة وثلاثون. قوله: (أي بشتم) إطلاق القذف على الشتم مجاز شرعي، حقيقة لغوية. بحر. قوله: (مسلم ما) أي سواء كان عدلاً أو مستوراً، وسيأتي أن الذمي كالمسلم. قوله: (أو علم القاضي بفسقه) هذا لم يذكره في الفتح، بل ذكره في النهر عن الخانية، ولعله مبني على القول المرجوح من أن للقاضي أن يقضي بعلمه. تأمل. قوله: (بلا بيان سببه) مثل أنه فاسق؛ وهذا تفسير لقوله: ((مجرداً) واحترز به عما لو بين سبباً شرعياً كتقبيل أجنبية كما ذكره. بعد . مَطْلَبٌ فِي الْجَزْحِ المُجَرَّدِ قلت: وهذا مخالف لما ذكروه في الشهادات من أن الشهادة لا تقبل على جرح مجرد عن إثبات حق لله تعالى أو للعبد، مثل أن يشهدوا على شهود المدعي بأنهم فسقة أو زناة أو أكلة الربا أو شربة الخمر أو على إقرارهم أنهم شهدوا بزور، ونقبل لو شهدوا على الجرح المركب مثل إنهم زنوا ووصفوا الزنا أو شربوا الخمر أو سرقوا مني كذا ولم يتقادم العهد، أو إني صالحتهم بكذا من المال على أن لا يشهدوا عليّ بالباطل وأطلب رد المال منهم، ففي هذا إثبات حق الله تعالى وهو الحد، أو إثبات حق العبد وهو المال، بخلاف ما قبله لأنه ليس فيه إثبات فعل خاص موجب للحد، بل غايته أن عادتهم فعل الزنا أو نحوه، فهو جرح مجرّد. وقد قال في القنية هنا: إن الشهادة على الجرح المجرد لا تصح، بل تصح إذا ثبت فسقه في ضمن ما تصح فيه الخصومة ١١٥ كتاب الحدود/ باب التعزير لأن الشين قد ألحقه هو بنفسه قبل قول القائل. فتح (فإن أراد القاذف) إثباته بالبينة كجرح الشهود اهـ. فهذا يفيد أن ما بين سببه كتقبيل أجنبية مثلاً جرح مجرد لأنه ليس في ضمن ما تصح فيه الخصومة، ولهذا أورد المصنف وغيره هناك أن إقرارهم بشهادة الزور موجب للتعزير وهو من حقوقه تعالى. وأجاب بأن الظاهر بأن مرادهم بحقه تعالى الحد لا التعزير لأنه يسقط بالتوبة، فليس في وسع القاضي إلزامه به، بخلاف الحد، فإنه لا يسقط بها. قلت: والتحقيق أنه يفرق بين البابين بأن المراد بالمجرد هنا ما لم يبين سببه، وغير المجرد ما بين له سبب موجب لحق الله تعالى من حدّ أو تعزير أو لحق العبد، والمراد بالمجرد في باب الشهادة ما لم يوجب حدّاً أو حق عبد، وغير المجرد ما ثبت في ضمن ما تصح فيه الخصومة من حق لله تعالى أو للعبد. ووجه الفرق أن المقصود هنا إسقاط التعزير عن القاذف بإثبات ما يوجب صدقه لا إثبات فسق المقذوف ابتداء، فلذا اكتفى ببيان السبب الموجب لفسقه، ولم يكتف بالمجرّد عنه لاحتمال ظن الشاهدين ما ليس بموجب للفسق مفسقاً. وأما في باب الشهادة فإن المقصود إثبات فسق الشاهد ابتداء، لأن القاضي يبحث أولاً عن عدالته ليقبل شهادته، فإذا برهن الخصم على جرحه كان المقصود إثبات فسقه لتسقط عدالته، لأن الجرح مقدم على التعديل وإثبات الفسق مقصوداً إظهار الفاحشة. وقد قالوا: إنه مفسق لشهود الجرح فلا تقبل شهادتهم إلا إذا كان في ضمن إثبات حق تصح فيه الخصومة، لأنه لم يصر مقصوداً بإظهار الفاحشة بل يثبت ضمناً، ولا يدخل في الحق هنا التعزير لما مر عن المصنف. فالحاصل أن ما يوجب التعزير جرح مجرد في باب الشهادة لا هنا فيقبل هنا بعد بيان سببه لا هناك لما علمت، ويدل على ما قلنا ما صرحوا به هناك من أن الجرح المجرد إنما لا يقبل لو كان جهراً لأنه إظهار للفاحشة أما لو كان سراً فإنه يقبل؛ وكذا ما صرحوا به أيضاً من أنه لا يقبل إذا كان بعد التعديل كما اعتمده المصنف ومشى عليه هناك، فلو كان قبله قبل. والظاهر أن علة قبوله قبله أنه يكون خبراً بفسق الشهود لئلا يقبل القاضي شهادتهم، ولذا يقبل الجرح سرّاً من واحد، ولو كان شهادة لم يقبل، ولهذا لو عدلوا بعد الجرح تتبت عدالتهم وتقبل شهادتهم، ولو كان الجرح سراً شهادة مقبولة لسقطوا عن حيز الشهادة ولم يبق لهم مجال التعديل؛ فثبت أنه إخبار لا شهادة. ونظيره سؤال القاضي المزكين عن الشهود، فصار الحاصل أن الجرح المجرد لا يقبل في باب الشهادة إذا كان على وجه الشهادة جهراً بعد التعديل وإلا قبل. وأما في باب التعزير فإنه يقبل بعد بيان سببه ويخرج بذلك عن كونه مجرداً. ١١٦ كتاب الحدود/ باب التعزير (مجرّداً) بلا بيان سببه (لا تسمع. ولو قال يا زاني وأراد إثباته تسمع) لثبوت الحد، بخلاف الأول، حتى لو بينوا فسقه بما فيه حق الله تعالى أو للعبد قبلت، وكذا في جرح الشاهد. وينبغي أن يسأل القاضي عن سبب فسقه، فإن بين سبباً شرعياً كتقبيل أجنبية وعناقها وخلوته بها طلب بينة ليعزّره؛ ولو قال هو ترك واجب، سأل القاضي المشتوم عما يجب عليه تعلمه من الفرائض، فإن لم يعرفها ثبت فسقه؛ لما في المجتبى: من ترك الاشتغال بالفقه لا تقبل شهادته، والمراد ما يجب تعلمه منه. نهر . (وعزّر) الشاتم (بيا كافر) وهل يكفر إن اعتقد المسلم كافراً؟ نعم، وإلا لا، به يفتى. شرح وهبانية. ولو أجابه لبيك كفر. خلاصة. وفي التاتر خانية: تنبيه: سيأتي أن التعزير يثبت بشهادة المدعي مع آخر وبشهادة عدل إذا كان في حقوقه تعالى لأنه من باب الإخبار، وظاهر كلامه هنا أنه لا بد من شاهدين غيره؛ لأن تعزير القاذف ثبت حقاً للمقذوف، فإذا ادعى القاذف فسق المقذوف لا تكفي شهادته لنفسه فلا بد من إقامة البينة على صدق القاذف ليسقط عنه التعزير الثابت حقاً للمقذوف بخلاف ما كان حقّاً لله تعالى؛ هذا ما ظهر لي في هذا المقام والسلام. قوله: (وأراد إثباته) أي لإسقاط الحد عنه. قوله: (لثبوت الحد) أي فكان الجرح ثابتاً ضمناً لا قصداً فلم يكن مجرداً؛ لكن المناسب التعليل ببيان السبب؛ ويؤيد ما مر قبل هذا الباب عن الملتقط من أنه لو أقام أربعة فساقاً يدرأ الحد عن القاذف والمقذوف والشهود، فعلم أن ثبوت الحد غير لازم، وهذا مؤيد لما حققناه آنفاً من أن المراد بالمجرد هنا ما لم يبين سببه، لا ما لم يثبت ضمناً. قوله: (حتى لو بينوا الخ) تفريع على قوله: ((بلا بيان سببه)). قوله (وكذا في جرح الشاهد) قد علمت الفرق بين البابين قوله (وينبغي الخ) قاله صاحب البحر قوله: (ليعزره) أي يعزر المقذوف ويسقط التعزير عن القاذف. قوله: (سأل القاضي المشتوم) أي ولا يطلب من الشاتم البينة في مثل هذا كما في البحر. قوله: (من الفرائض) أراد بها ما يشمل الواجبات كما ذكره بعد. قوله: (ثبت فسقه) وينبغي أن يلزمه التعزير، لما مر من أنه يعزر كل مرتكب معصية لا حدّ فيها. قوله: (بيا كافر) لم يقيد بكون المشتوم بذلك مسلماً لما يذكره بعد. قوله: (إن اعتقد المسلم كافراً نعم) أي يكفر إن اعتقده كافراً لا بسبب مكفر. قال في النهر: وفي الذخيرة: المختار للفتوى أنه إن أراد الشتم ولا يعتقده كفراً لا يكفر، وإن اعتقده كفراً فخاطبه بهذا بناء على اعتقاده أنه كافر يكفر، لأنه لما اعتقد المسلم كافراً فقد اعتقد دين الإسلام كفراً اهـ. قوله: (كفر) أي لأن إجابته إقرار بأنه كافر فيؤاخذ به لرضاه بالكفر ١١٧ كتاب الحدود/ باب التعزير قیل لا يعزر ما لم يقل یا کافر بالله لأنه کافر بالطاغوت فیکون محتملاً (با خبیث یا سارق یا فاجر یا مخنث یا خائن) یا سفیه یا بلید یا أحمق يا مباحي يا عواني (با لوطي) وقيل يسأل، فإن عنى أنه من قوم لوط عليه الصلاة والسلام لا يعزّر. وإن أراد به أنه يعمل عملهم عزّر عنده، وحدّ عندهما. والصحيح تعزيره لو في غضب أو هزل. فتح (یا زنديق) يا منافق يا رافضي يا مبتدعي يا يهودي يا نصراني يابن ظاهراً، إلا إذا كان مكرهاً. وأما فيما بينه وبين الله تعالى، فإن كان متأولاً بأنه كافر بالطاغوت مثلاً فلا يكفر. قوله: (فيكون محتملاً) قال في الشرنبلالية: ويرجح خلافه حالة السبّ، فلذا أطلقه في الهداية وغيرها. قوله: (يا فاجر) يستعمل في عرف الشرع بمعنى الكافر والزاني، وفي عرفنا اليوم بمعنى كثير الخصام والمنازعة. قال في البحر :. وأفاد بعطفه يا فاجر على يا فاسق التغاير بينهما، ولذا قال في القنية: لو أقام مدعي الشتم شاهدين شهد أحدهما أنه قال له يا فاسق والآخر على أنه قال له يا فاجر لا تقبل هذه الشهادة اهـ. قوله: (يا مخنث) بفتح النون، أما بكسرها فمرادف للوطي. نهر. وقيل المخنث من يؤتى كالمرأة، وعليه اقتصر في الدر المنتقى. ونقل بعض المحشين عن الإشارات أن كسر النون أفصح والفتح أشهر، وهو من خلقه خلق النساء في حركاته وسكناته وهيئاته وكلامه، فإن كان خلقة فلا ذم فيه، ومن يتكلفه فهو المذموم. قوله: (يا خائن) هو الذي يخون فيما في يده من الأمانات. أبو السعود عن الحموي. قوله: (يا سفيه) هو المبذر المسرف، وفي عرفنا اليوم بمعنى بذيّ اللسان. قوله: (يا بليد) إنما يعذر لأنه يستعمل بمعنى الخبيث الفاجر. نهر عن السراج. قلت: وهو في العرف اليوم بمعنى قليل الفهم فينبغي أن لا يعزّر به. ثم رأيت في الفتح، قال: وأنا أظن أنه يشبه يا أبله ولم يعزروا به. قوله: (يا أحمق) بمعنى ناقص العقل سيىء الأخلاق. قوله: (يا مباحي) هو من يعتقد أن الأشياء كلها مباحة. قوله: (يا عواني) هو الساعي إلى الحاكم بالناس ظلماً. قوله: (أو هزل) عبارة الفتح: قلت: أو هزل من تعود بالهزل بالقبيح اهـ. قوله: (يا زنديق يا منافق) الأول هو من لا يتدين بدين؛ والثاني هو من يبطن الكفر ويظهر الإسلام كما سيذكره في الردة عن الفتح. قوله: (يا رافضي) قال في البحر: ولا يخفى أن قوله يا رافضي بمنزلة يا كافر أو يا مبتدع فيعزر، لأن الرافضي كافر إن كان يسبّ الشيخين مبتدع إن فضل عليّاً عليهما من غير سب كما في الخلاصة اهـ. قلت: وفي كفر الرافضي بمجرد السب كلام سنذكره إن شاء الله تعالى في باب المرتد؛ نعم لو كان يقذف السيدة عائشة رضي الله عنها فلا شك في كفره. قوله: (يا : مبتدعي) أهل البدعة: كل من قال قولاً خالف فيه اعتقاد أهل السنة والجماعة. قوله: ١١٨ كتاب الحدود/ باب التعزير النصراني نهر (يا لص إلا أن يكون لصاً) لصدق القائل كما مر، والنداء ليس بقيد، إذ الإخبار كأنت أو فلان فاسق ونحوه كذلك ما لم يخرج مخرج الدعوى. قنية (يا دیوث) هو من لا يغار على امرأته أو محرمه (يا قرطبان) مرادف ديوث بمعنى معرص (يا شارب الخمر، يا آكل الربا يابن القحبة) فيه إيماء إلى أنه إذا شتم (يا لص) بكسر اللام وتضم. در منتقى. قوله: (إلا أن يكون لصّاً) الأولى أن يقول: إلا أن يكون كذلك، لئلا يوهم اختصاصه باللص، إذ لا فرق بين الكل كما بحثه في اليعقوبية، وقال: إنه لا تصریح به اهـ. قلت: ويدل له قوله في الفتح: وقيد الناطفي بما إذا قاله لرجل صالح، أما لو قال لفاسق أو للص يا لص أو لفاجر يا فاجر لا شيء عليه، والتعليل يفيد ذلك وهو قولنا إنه آذاه بما ألحق به من الشين؛ فإن ذلك إنما يكون فيمن لم يعلم اتصافه بهذه؛ أما من علم فإن الشين قد ألحقه بنفسه قبل قول القائل اهـ. كلام الفتح. قلت: ويظهر من هذا وكذا من قول المصنف السابق: ((إلا أن يكون معلوم الفسق» أن المراد المجاهر المشتھر بذلك فلا یعزّر شاتمه بذلك کما لو اغتابه فیه، بخلاف غيره لأن فيه إيذاءه بما يعلم اتصافه به، وتقدم أنه يعزر بالغيبة وهي لا تكون إلا بوصفه بما فيه، وإلا كانت بهتاناً؛ فإذا عزر بوصفه بما فيه مما لم يتجاهر به ففي شتمه به في وجهه بالأولى، لأنه أشد في الإيذاء والإهانة، هذا ما ظهر لي فتأمله. قوله: (كما مر) أي عند قوله: ((يا فاسق)). قوله: (ما لم يخرج مخرج الدعوى) قيد للزوم التعزير بالإخبار عن هذه الأوصاف: يعني أنه إذا ادعى عند الحاكم أن فلاناً فعل كذا مما هو من حقوق الله تعالى فإن المدعي لا يعزّر إذا لم يكن على وجه السب والانتقاص، بل يعزر المدعى عليه لما سيذكره الشارح عن كفالة النهر أن كل تعزير الله تعالى يكفي فيه خبر العدل؛ وكذا لو ادعى عليه سرقة أو ما يوجب كفراً وعجز عن إثباته، بخلاف دعوى الزنا كما يأتي، والفرق وجود النص على حده للقذف إذا لم يأت بأربعة من الشهداء. قوله: (يا ديوث) بتثليث الدال ط. ومثله القواد في عرف مصر والشام. فتح. قوله: (يا قرطبان) معرب قلتبان. درر. ومثله يا كشخان، وهو ألحق، خلافاً لما في الكنز من أنه لا تعزير فيه كما في الفتح، وهو بالخاء المعجمة كما في القاموس خلافاً لما في البحر والنهر من أنه بالمهملة. قوله: (مرادف ديوث) قال الزيلعي: هو الذي يرى مع امرأته أو محرمه رجلاً فيدعه خالياً بها. وقيل هو المتسبب للجمع بين اثنين لمعنى غير ممدوح. وقيل هو الذي يبعث امرأته مع غلام بالغ، أو مع مزارعه إلى الضيعة، أو يأذن لهما بالدخول عليها في غيبته. قوله: (بمعنى معرص) في بعض النسخ ((معرس)) بالسين. قال في النهر بعد ما مر عن الزيلعي: وعلى كل تقدير فهو ١١٩ كتاب الحدود/ باب التعزير أصله عزّر بطلب الولد كيا ابن الفاسق يا ابن الكافر، وأنه يعزّر بقوله يا قحبة. لا يقال: القحبة عرفاً أفحش من الزانية لكونها تجاهر به بالأجرة. لأنا نقول: لذلك المعنى لم يحد، فإن الزنا بالأجرة يسقط الحد عنده خلافاً لهما. ابن كمال، لكن صرح في المضمرات بوجوب الحدّ فيه. قال المصنف: وهو ظاهر (يا ابن الفاجرة، أنت مأوى اللصوص، أنت مأوى الزواني، يا من يلعب بالصبيان، يا حرام زاده) معناه المتولد من الوطء الحرام، فيعم حالة الحيض. لا يقال: في العرف لا يراد ذلك بل يراد ولد الزنا. لأنا نقول: كثيراً ما يراد به الخداع اللئيم فلذا لا يجد. فرع: أقرّ على نفسه بالدياثة أو عرف بها لا يقتل ما لم يستحل، ويبالغ في تعزيره أو يلاعن. جواهر الفتاوى. وفيها: فاسق تاب وقال إن رجعت إلى ذلك فاشهدوا عليه أنه رافضي، فرجع لا يكون رافضياً بل عاصياً؛ ولو قال: إن المعنى بالمعرس بكسر الراء والسين المهملة، والعوام يلحنون فيه فيفتحون الراء ويأتون بالصاد. قاله العيني. قوله: (عزّر بطلب الولد) لأنه هو المقصود بالشتم، والظاهر أن له الطلب وإن كان أصله حياً، بخلاف قوله يا ابن الزانية، وأنه يعزّر أيضاً بطلب الأصل. تأمل. قوله: (وأنه يعزر الخ) عطف على قوله: ((أنه إذا شتم)) أي أن في كلام المصنف إيماء أيضاً إلى أن موجبه التعزير لا الحد. قوله: (لا يقال الخ) حاصله أنه كان ينبغي أن يوجب الحد لا التعزير. قوله: (يسقط الحد) أي حد الزنا لشبهة العقد، فلم يكن قاذفاً بالزنا الخالي عن الملك وشبهته، فلا يحد القاذف أيضاً لكنه يعزّر. وكتب ابن كمال بهامش شرحه هنا أن النسبة إلى فعل لا يجب الحد بذلك الفعل: لا يوجب الحد اهـ. فافهم. قوله: (وهو ظاهر) لعل وجهه أنه صار حقيقة عرفية بمعنى الزانية، فهو قذف بصريح الزنا، ولأن القحبة لا تلتزم عقد الإجارة الذي هو علة سقوط الحد عند الإمام. قوله: (يا من يلعب بالصبيان) أي معهم. نهر. والظاهر أن المراد به في العرف من يفعل معهم القبيح بقرينة الشتم والغضب. قوله: (فيعم حالة الحيض) أي فلم يكن قذفاً بصريح الزنا، فلا يوجب الحد بل التعزير. قوله: (ويبالغ في تعزيره) أي فيما إذا عرف بالديانة، وقوله: ((أو يلاعن)) أي فيما إذا أقرّ بها، ففيه لف ونشر مشوش كما تفيده عبارة المنح عن جواهر الفتاوى، لأنه إذا لاعن لا يحتاج إلى التعزير، وإذا أكذب نفسه يلزمه الحد كما في الجواهر أيضاً. واعترض بأن الديوث من لا يغار على أهله أو: محرمه؛ فهو ليس بصريح الزنا فكيف يجب اللعان بإقراره بالدياثة؟. ١٢٠ كتاب الحدود/ باب التعزير رجعت فهو كافر فرجع تلزمه کفارة یمین. (لا) يعزر (بیا حمار یا خنزير، یا کلب، یا تیس، یا قرد) یا ثور یا بقر، یا حية لظهور كذبه. واستحسن في الهداية التعزير، أو المخاطب من الأشراف، قلت: الظاهر أن المراد إقراره بمعناها لا بلفظها: أي بأن قال كنت أدخل الرجال على زوجتي يزنون بها. قوله: (تلزمه كفارة يمين) لأنه علق رجوعه على الكفر فينعقد يميناً كما مر في بابه، وأشار إلى أنه لا يصير كافراً برجوعه، لكن هذا إذا علم أنه برجوعه لا يصير كافراً، وإلا كفر لرضاه بالكفر كما مر في محله، وإلى أنه لا يلزمه كفارة في المسألة الأولى لأنه ليس كل رافضي كافراً كما مر، فلم يكن تعليقاً على الكفر. قوله: (لظهور كذبه) أي يقيناً كما في الهداية. وفي البحر عن الحاوي القدسي: الأصل أن كل سبّ عاد شينه إلى الساب فإنه لا يعزر، فإن عاد الشين فيه إلى المسبوب عزر اهـ. وإنما يعود شينه إلى السابّ لظهور كذبه. قوله: (واستحسن في الهداية) وكذا في الكافي كما في التاترخانية، ونقل القهستاني تصحيحه عن الفتاوى. وعبارة الهداية: وقيل في عرفنا يعزر لأنه يعد شيئاً. وقيل إن كان المسبوب من الأشراف كالفقهاء والعلوية يعزر لأنه يلحقهم الوحشة بذلك، وإن كان من العامة لا يعزر، وهذا أحسن اهـ. والحاصل أن ظاهر الرواية أنه لا يعزر مطلقاً، ومختار الهندواني أنه يعزر مطلقاً، والتفصيل المذكور كما في الفتح وغيره. قال السيد أبو السعود: وقوي شيخنا ما اختاره الهندواني بأنه الموافق للضابط: كل من ارتكب منكراً أو آذى مسلماً بغير حق بقول أو بفعل أو إشارة يلزمه التعزير. قلت: ويؤيده أن هذه الألفاظ لا يقصد بها حقيقة اللفظ حتى يقال بظهور كذبه، ولولا النظر إلى ما فيها من الأذى لما قيل بالتعزير بها في حق الأشراف، وإلا فظهور الكذب فيها موجود في حق الكل، فينبغي أن يلحق بهم من كان في معناهم ممن يحصل له بذلك الأذى والوحشة؛ بل كثير من أصحاب الأنفس الأبية يحصل له من الوحشة أكثر من الفقهاء والعلوية. وقد يجاب بأن المراد بالأشراف من كان كريم النفس حسن الطبع، وذكر الفقهاء والعلوية لأن الغالب فيهم ذلك، فمن كان بهذه الصفة يلحقه الشين بهذه الألفاظ المراد لازمها من نحو البلادة وخبث الطباع، وإلا فلا، لأنه هو الذي ألحق الشين بنفسه فلا يعتبر لحوق الوحشة به، كما لو قيل لفاسق يا فاسق، فيرجع إلى ما استحسنه في الهداية وغيرها. ثم رأيت الشارح في شرح الملتقى قال: ولعل المراد بالعلوي كل منق، وإلا بالتخصيص غير ظاهر، بل قال الفقيه أبو جعفر: إنه في الأخسة، أما في الأشراف فالتعزير. اهـ. فافهم. ٠٠