النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
كتاب الحدود
جناية. نهر (ويرجم مريض زنى ولا يجلد) حتى يبرأ، إلا أن يقع اليأس من برئه
فيقام عليه. بحر.
(ويقام على الحامل بعد وضعها) لا قبله أصلاً، بل تحبس لو زناها ببينة
(فإن كان حدها الرجم رجمت حين وضعت) إلا إذا لم يكن للمولود من يربيه
دار الهجرة منك، فقد نفاه لافتتان النساء به وإن لم يكن بصنعه، فهو فعل لمصلحة
وهي قطع الافتتان بسببه في دار الهجرة التي هي من أشرف البقاع، ففيه ردّ وردع عن
منكر واجب الإزالة. وقالوا: إن التعزير موكول إلى رأي الإمام، فقد ظهر لك بهذا أن
باب التعزير هو المتكفل لأحكام السياسة وسيأتي بيانه، وبه علم أن فعل السياسة يكون
من القاضي أيضاً، والتعبير بالإمام ليس للاحتراز عن القاضي بل لكونه هو الأصل،
والقاضي نائب عنه في تنفيذ الأحكام كما مر في قوله: ((فيسألهم الإمام، وبدأ الإمام
برجمه)) ونحو ذلك. وفي الدر المنتقى عن معين الحكام: للقضاة تعاطي كثير من هذه
الأمور، حتى إدامة الحبس والإغلاظ على أهل الشر بالقمع لهم، والتحليف بالطلاق
وغيره، وتحليف الشهود إذا ارتاب منهم. ذكره في التاتر خانية. وتحليف المتهم لاعتبار
حاله، أو المتهم بسرقة يضربه ويحبسه الوالي والقاضي اهـ. وسيأتي في باب التعزير أن
للقاضي تعزير المتهم، وصرح الزيلعي قبيل الجهاد أن من السياسة عقوبته إذا غلب على
ظنه أنه سارق وأن المسروق عنده، فقد أجازوا قتل النفس بغلبة الظن، كما إذا دخل
عليه رجل شاهراً سيفه وغلب على ظنه أنه يقتله، وسيأتي تمام ذلك في كتاب السرقة.
قوله: (إلا أن يقع اليأس من برئه فيقام عليه) أي بأن يضرب ضرباً خفيفاً يحتمله. وفي
الفتح: ولو كان المرض لا يرجى زواله كالسل، أو كان ضعيف الخلقة فعندنا وعند
الشافعي يضرب بعثكال فيه مائة شمراخ دفعة، وتقدم في الأيمان أنه لا بد من وصول
الكل إلى بدنه، ولذا قيل لا بد أن تكون مبسوطة اهـ. والعثكال والعثكول: عنقود
النخل. قوله: (لا قبله أصلا) أي سواء كان حدها الجلد والرجم، كي لا يؤدي إلى
هلاك الولد لأنه نفس محترمة لا جريمة منه. فتح. قوله: (إلا إذا لم يكن الخ) هذه رواية
عن الإمام اقتصر عليها صاحب المختار. قال في البحر: وظاهره أنها هي المذهب.
وفي النهر: ولعمري إنها من الحسن بمكان اهـ. وفي حديث الغامدية ((أَنْهُ صَلَّى الَّلهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَهَا بَعْدُ مَا فَطَمَتُهُ))(١) وفي حديث آخر قال: ((لا نرجمها وندع ولدها صغيراً
ليس له من يرضعه، فقال له رجل من الأنصار: إليّ رضاعه، فرجمها)»(٢) قال في الفتح:
وهذا يقتضي أن الرجم عند الوضع، بخلاف الأول، والطريقان في مسلم، وهذا أصح
(١) أخرجه مسلم ١٣٢٣/٣ (١٦٩٥/٢٣).
(٢) أخرجه مسلم ١٣٢١/٣ (١٦٩٥/٢٢).

٢٢
کتاب الحدود
حتى يستغني، ولو ادعت الحبل يربها بالنساء، فإن قلن نعم حبسها سنتين ثم
رجمها. اختيار (وإن كان الجلد فبعد النفاس) لأنه مرض.
(و) شرائط (إحصان الرجم) سبعة (الحرية، والتكليف) عقل وبلوغ
(والإسلام، والوطء) وكونه (بنكاح صحيح) حال الدخول (و) كونهما (بصفة
طريقاً الخ. قوله: (فحتى يستغني) عبارة الفتح حتى تفطمه. قوله: (حبسها سنتين) أي
إذا ثبت زناها بالبينة كما مر. ط.
مَطْلَبٌ: شَرَائِطُ الإِحْصَانِ
قوله: (وشرائط إحصان الرجم) الإضافة بيانية: أي الشرائط التي هي الإحصان،
فالإحصان هو الأمور المذكورة فهي أجزاؤه، وقيد بالرجم لأن إحصان القذف غير هذا
كما سيأتي. فتح ملخصاً. قوله: (عقل وبلوغ) بدل من قوله: ((والتكليف)) وبيان له.
واعترض بأن التكليف شرط لكون الفعل زنا، لأن فعل الصبيّ والمجنون ليس
بزنا أصلاً. وأجاب في البحر بأنه إنما جعله شرط الإحصان لأجل قوله كونهما بصفة
الإحصان اهـ. يعني أنه شرط باعتبار أن الزاني لو كان رجلاً مثلاً فلا يرجم إلا إذا كان.
قد وطىء زوجة له مكلفة، فكونها مكلفة شرط في كونه محصناً لا في كون فعله الذي
فعله مع الأجنبية زنا، ولذا لم يجلد به إذا لم تكن زوجته مكلفة ولا يرجم العدم.
إحصانه. قوله: (والإسلام) لحديث ((مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ فَلَيْسَ بِمُخْصَنٍ)) ورجمَه ◌َّ
اليهوديين إنما كان بحكم التوراة قبل نزول آية الرجم ثم نسخ. بحر. وتحقيقه في
الفتح، وخالف في هذا الشرط أبو يوسف والشافعي. قوله: (والوطء) أي الإيلاج وإن
لم ينزل كما في الفتح وغيره. قوله: (وكونه بنكاح صحيح) خرج الفاسد كالنكاح بغير
شهود فلا يكون به محصناً ط. وينبغي أن يزيد اتفاقاً لما سيذكره المصنف قبيل حد
الشرب أنه لو كان بلا وليّ لا يكون محصناً عند الثاني. تأمل. قوله: (حال الدخول)
متعلق بقوله صحيح. قال في الفتح: يعني تكون الصحة قائمة حال الدخول، حتى لو
تزوج من علق طلاقها بتزوجها يكون النكاح صحيحاً، فلو دخل بها عقيبه لا يصير محصناً.
لوقوع الطلاق قبله اهـ. وتبعه في النهر.
قلت: ومقتضاه أن الوطء حصل في نكاح لكنه غير صحيح مع أنه لم يحصل في
النكاح أصلاً، فالأولى أن يكون احترازاً عما لو وطىء في نكاح موقوفاً على الإجازة ثم
أجازت المرأة العقد أو وليّ الصغيرة فلا يكون بهذا الوطء محصناً وإن كان العقد صحيحاً
لأنه وطء في عقد لم يصح إلا بعده لا في حالة الوطء. تأمل. قوله: (وكونهما) أي
الزوجين المفهومين من قوله: ((وَأَلَوَطْءُ بِنِكَاحِ صَحِيحٍ)) وفي هذا الحل إصلاح لعبارة
المتن. فإنها لا تفيد اشتراط إحصان كل منهما لإحصان الآخر، وفيه خلاف الشافعي.

٢٣
كتاب الحدود
الإحصان) المذكورة وقت الوطء، فإحصان كل منهما شرط لصيرورة الآخر
محصناً، فلو نكح أمة أو الحرة عبد فلا إحصان، إلا أن يطأها بعد العتق فیحصل به
لا بما قبله؛ حتى لو زنى ذميّ بمسلمة ثم أسلم لا يرجم بل يجلد. وبقي شرط
قلت: وقد يكون أحدهما محصناً دون الآخر، كما لو خلا بها وأقرّ بأنه وطئها أو
بأنها كانت مسلمة وأنكرت، فإذا زنى يرجم لأنه محصن بإقراره كما سيأتي قبيل حدّ
الشرب. قوله: (فلو نكح أمة الخ) تفريع على الشرط الأخير: أي لو نكح الحر أمة أو
العبد حرة ووطئها لم يكن واحد منهما محصناً إلا أن يطأها بعد العتق في الصورتين،.
فحينئذ يحصل لكل منهما الإحصان بهذا الوطء لاتصاف كل منهما بصفة الإحصان وقته،
حتى لو زنى أحدهما بعد هذا الوطء يرجم؛ بخلاف الوطء الحاصل قبل العتق. وكذا لو
دخل الحر المكلف المسلم بمنكوحته الكافرة أو المجنونة أو الصغيرة لم يكن أحدهما
محصناً إلا أن يطأها ثانياً بعد إسلامها أو إفاقتها أو بلوغها. وكذا لو كان الزوج صبياً أو
مجنوناً أو كافراً وهي حرة مكلفة مسلمة، حتى لو دخل بها الزوج وهو كذلك ثم زنت لا.
ترجم لعدم إحصانها. وصورة كون زوج المسلمة كافراً كما في الفتح أن يكونا كافرين:
فتسلم هي فيطأها قبل عرض القاضي الإسلام عليه وإبائه فإنهما زوجان ما لم يفرق
القاضي بینھما بابائه اهـ.
تنبيه: اشتراط إحصان كل من الزوجين للرجم لا ينافي قولهم كما يأتي قبيل حد
الشرب ((إذا كان أحد الزانيين محصناً دون الآخر يرجم المحصن ويجلد غير المحصن))
لأن المراد أن الرجل إذا كان محصناً الإحصان المذكور بشروطه ثم زنى بامرأة فإنه
يرجم، ثم المرأة المزني بها إذا كانت محصنة مثله ترجم أيضاً، وإلا فتجلد، وكذا المرأة
إذا كانت محصنة الإحصان المذكور ثم زنت برجل. قوله: (حتى لو زنى ذمي بمسلمة
الخ) أطلق الذمي فشمل لو كان له زوجة أدخل بها أولاً، وكون المزني بها مسلمة غير
قيد(١)، وإنما لم يرجم لعدم إحصانه لكونه غير مسلم وقت الفعل وإن صار محصناً بعد
(١) إن كان الزاني غير المسلم ذمياً فلا خلاف في وجوب الحد عليه لالتزامه أحكام الإسلام، وإن كان مستأمناً.
وزنى بمسلمة، فقد اختلف الفقهاء في إقامة الحد عليه، فقال أحمد وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن ومالك:
لا يقام عليه الحد، وقال أبو يوسف صاحب أبي حنيفة يحد، وقال الشافعي، إن زنى بمسلمة ففي الحد
طريقان قيل: كالسرقة، وقيل: لا يقام عليه الحد في العهد أما حجة القائل بالحد.
فهي أن المستأمن لما دخل دار الإسلام فقد التزم أحكامه من إقامته فيها فصار كالذمي، والذمي إذا زنى يقام
عليه الحد، وأيضاً بالقياس على حد القذف فإنه يقام عليه كما يقام على الذمي؛ لأنه لا فرق بينهما إلا في
أن الذمي ملتزم لأحكام الإسلام طول حياته. والمستأمن ملتزم لها لأجل.
ونوقش :
بالفرق بين الذمي والمستأمن المتقدم ذكره. وبعدم تسليم التزام المستأمن الأحكام، بخلاف الذمي =

٢٤
كتاب الحدود
آخر ذكره ابن كمال، وهو أن لا يبطل إحصانهما بالارتداد، فلو ارتدا ثم أسلما لم
يعد إلا بالدخول بعده، ولو بطل بجنون أو عنه عاد بالإفاقة، وقيل بالوطء بعده
(و) اعلم أنه (لا يجب بقاء النكاح لبقائه) أي الإحصان؛
إسلامه كما يفهم من الإطلاق، فيفيد أنه لا بد في الرجم من كونه مسلماً وقت الزنا،
وكذا الحرية، حتى لو أسلم أو أعتق بعد الزنا ثم صار محصناً لا يرجم بل يجلد؛ فالمراد
بهذا التفريع بيان هذه الفائدة مع تأويل ما وقع في فتاوى قارىء الهداية كما أفاده في
النهر، حيث قال بعد تقرير شرائط الإحصان: وهذا يقتضي أن الذمي لو زنى بمسلمة ثم
أسلم لا يرجم. ولا يعارضه ما في فتاوى قارىء الهداية من أنه لو زنى أو سرق ثم
أسلم إن ثبت ذلك بإقراره أو بشهادة المسلمين لا يدرأ عنه الحد، وإن بشهادة أهل
الذمة لا يقام عليه الحد لأنه أراد بالحد هنا الجلد اهـ. قوله: (فلو ارتدا ثم أسلما الخ)
عزاه ابن الكمال إلى شرح الطحاوي، ومثله في الفتح، وقيد بارتدادهما معاً في الفتح:
أي ليعود النكاح بعودهما إلى الإسلام بلا تجدد عقد آخر.
بقي لو ارتدّ أحدهما: ففي النهر: وعن محمد لو لحقت الزوجة بدار الحرب مرتدة
وسبيت لا يبطل إحصان الزوج، كذا في المحيط اهـ. وهو ظاهر لما يأتي من أنه لا
يجب بقاء النكاح لبقاء الإحصان، وظاهره أنه لا يبطل إحصانها وإن عادت مسلمة، ولذا
قال: لو أسلم لم يعد إلا بالدخول بعد: أي لا بد من تحقق شروط الإحصان عند وطء
آخر بعد الإسلام. فعلم أن الردة تبطل اعتبار الوطء بالنكاح الصحيح، وإذا بطل اعتباره
بطل الإحصان، سواء كان المرتد كلَّ منهما معاً أو أحدهما؛ لكن إذا ارتد أحدهما ثم
أسلم لا يصير محصناً إلا بتجديد عقده عليها أو على غيرها ويطؤها بعده وهما بصفة
الإحصان فيعود له إحصان جديد، لأن الردة أبطلت الإحصان السابق. قوله: (وقيل
بالوطء بعده) نسبه في النهر والبحر إلى أبي يوسف. قوله: (واعلم الخ) ذكر هذه
= لأن الأول دخل دار الإسلام لقضاء مأرب لا للبقاء بخلاف الثاني.
وأما حجة القائلین بعدم الحد:
ـة
فهي أن الزنا من المستأمن زنا حقيقة لكونه مخاطباً بحرمات الشريعة على القول الصحيح، وإن لم يكن
مخاطباً بالشرائع على أصحابنا ((الحنفية)) ولهذا لو قذفه قاذف بعد الإسلام لم يلزمه، ومقتضى كونه مخاطباً أن
يقام عليه غاية الأمر منع ذلك الخطاب وجوب إبلاغ المستأمن داره من غير تعرض له؛ ولأنه بالزنا قد
استوجب القتل لكونه صار ناقضاً لأمانه وعهده، والقتل لا يجب معه حد سواء، وأما حجة المفصلين:
فهي معاملة المستأمن بمقتضى ما التزمه صيانة للفروج؛ ولأنه إذا أقدم على ما التزم عدم فعله في عهده فقد
عرض نفسه لنتيجة نقض العهد وهو القتل، فإذا لم يشرط عليه في عهده، فلا يقام عليه؛ لأن حد الزنا حق
من حقوق الله تعالى وهو لا يتعلق بطلب العبد بخلاف القطع في السرقة، لأنه يتعلق بحق الآدمي من
وجه، أما حد الزنا فمحض حق الله تعالى، ولذا يسقط بالشبهة. اثر اختلاف الدين لبدران أبو العينين
والمغني لابن قدامة ــ ١٠ ص ٢٧٩، بدائع الصنائع ــ ٧ ص ٣٤ والمطلب العالي حـ ٨.

٢٥
كتاب الحدود/ باب الوطء الذي يوجب الحد، والذي لا يوجبه
فلو نكح في عمره مرة ثم طلق وبقي مجرداً وزنى: رجم، ونظم بعضهم الشروط
فقال: [المتقارب]
شُرُوطُ الإِحْصَانِ أَتَتْ سِنَّةً فَخُذْهَا عَنِ النَّصِ مُسْتَفْهِمَا
بُلُوغٌ وَعَقْلٌ وَحُرِّيَّةٌ وَرَابِعُهَا كَوْنهُ مُسْلِما
وَعَقْدٌ صَحِيحٌ وَوَطْءٌ مُبَاحٌ مَتَى اخْتَلَّ شَرْطٌ فَلَا يُرْجَا
بَابُ الوَطْءِ الذِي يُؤْجِبُ الْحَدْ، وَالذِي لّ يُوجِبْهُ
لقيام الشبهة لحديث ((ادرؤوا الحدود بالشبهات ما استطعتم))
المسألة في الدرر. قوله: (فلو نكح في عمره مرة) أي ودخل بها. درر. قوله: (ثم
طلق) عبارة الدرر: نم زال النكاح، وهي أعم لشمولها زوال النكاح بموتها أو ردتها أو
نحو ذلك. قوله: (ونظم بعضهم الخ) نقله القاضي زين الدين بن رشيد صاحب العمدة
عن الفاكهاني المالكي كما في التتائي، ويوجد في بعض النسخ شروط الحصانة في
ستة اهـ ط .
أقول: وهذا هو الصواب، لأن الشطر الأول الذي ذكره الشارح من بحر السريع
والبقية من بحر المتقارب، فافهم. وقوله في آخر الأبيات ((فلا يرجما)) بالياء المثناة
التحتية كما رأيناه في النسخ، وينبغي أن يكون بالفوقية، و((لا)) ناهية، وأصله لاترجمن
بنون التوكيد المخففة قلبت ألفاً، إذ لو كانت لا نافية وجب الرفع، ولعل اقتصار الناظم
على الشروط الستة لكونها مذهب المالكية وزيد عليها عندنا كونهما بصفة الإحصان
وقت الوطء وعدم الارتداد فصارت ثمانية، ويزاد كون العقد صحيحاً فتصير تسعة، وقد
غيرت هذا النظم جامعاً للتسعة فقلت: [المتقارب]
شَرَائِطُ الاحْصَانِ تِسْعُ أَنَّتْ مَتَى اخْتَلَّ شَرْطٌ فَلَا تَرْجُما
بُلُوغٌ وَعَقْلٌ وَحُرِّيَّةٌ وَدِينٌ(١) وَفَقْدُ ارْتِدادِهُما
وَوَطْءٌ بِعَقْدٍ صَحِيحٍ لِمَنْ غَدَتْ مِثْلَهُ فِي الَّذِي قَدَّمَا
بَابُ الوَطْءِ الَّذِي يُؤْجِبُ الَّخَذْ، وَالَّذِي لَا يُؤْجِبُهُ
قوله: (لقيام الشبهة) علة لقوله لا يوجبه. قوله: (الحديث) علة لما فهم من العلة
الأولى، وهو أن الحد لا يثبت عند قيام الشبهة. وطعن بعض الظاهرية في الحديث بأنه
لم يثبت مرفوعاً. والجواب أن له حكم الرفع، لأن إسقاط الواجب بعد ثبوته بالشبهة
(١) في ط (قوله ودين الخ) وجد بخطه في هامش نسخة بدل هذا الشطر، ودين يدوم به مسلماً ولعله نسخة
أخرى.

٢٦
كتاب الحدود/ باب الوطء الذي يوجب الحد، والذي لا يوجبه
(الشبهة ما يشبه) الشيء (الثابت وليس بثابت) في نفس الأمر (وهي ثلاثة
أنواع: شبهة) حكمية (في المحل، وشبهة) اشتباه (في الفعل، وشبهة في العقد)
والتحقيق دخول هذه في الأوليين وسنحققه (فإن ادعاها) أي الشبهة (وبرهن قبل)
برهانه (وسقط الحد وكذا يسقط) أيضاً (بمجرد دعواها إلا في) دعوى (الإكراه)
خاصة (فلا بد من البرهان) لأنه دعوى بفعل الغير فيلزم ثبوته. بحر (لا حد) بلازم
(بشبهة المحل)
خلاف مقتضى العقل. وأيضاً في إجماع فقهاء الأمصار على الحكم المذكور كفاية، ولذا
قال بعضهم: إن الحديث متفق عليه، وأيضاً تلقته الأمة بالقبول. وفي تتبع المرويّ عن
النبيّ ◌َّه وعن أصحابه من تلقين ماعز وغيره الرجوع احيتالاً للدرء بعد الثبوت ما يفيد
القطع بثبوت الحكم، وتمامه في الفتح. قوله: (ثلاثة أنواع) يأتي بيانها. قوله: (في
المحل) هو الموطوءة كما في العيني والشلبي وغيرهما، فقوله الآتي ((أي الملك)) بمعنى
المملوك. قوله: (وبرهن) أي على أنها أمة ولده أو أمة أبويه مثلاً. قوله: (وكذا يسقط
بمجرد دعواها) أي دعوى الشبهة، وهذا يغني عما قبله لانفهامه منه بالأولى. قوله: (إلا
في دعوى الإكراه الخ) قلت: الظاهر في وجه الفرق أن الإكراه لا يخرج الفعل عن كونه
زنا، وإنما هو عذر مسقط للحد وإن لم يسقط الإثم، كما يسقط القصاص بالإكراه على
القتل دون الإثم فلا يقبل قوله بمجرد دعواه، بخلاف دعواه شبهة من الشبه الثلاث لأنه
ينكر السبب الموجب للحد، فإن دعواه أنه تزوجها أو أنها أمة ولده إنكار للوطء الخالي
عن الملك وشبهته، فلذا قبل قوله بلا برهان. تأمل. والظاهر أن لزوم البرهان على
الإكراه خاص بما إذا ثبت زناه بالبينة لا بإقراره. قوله: (لا حد بلازم) أي ثابت.
مَطْلَبٌ فِي بَيَانِ شُبْهة المحِلِّ
قوله: (بشبهة المحل) هو الموطوءة كما مر، وهي المنافية للحرمة ذاتاً، على
معنى أنا لو نظرنا إلى الدليل مع قطع النظر عن المانع يكون منافياً للحرمة. نهر: يعني
أن النظر إلى ذات الدليل ينفي الحرمة ويثبت الحل مع قطع النظر عن المانع، كما في
القهستاني.
وحاصله أنها وجد فيها دليل مثبت للحل لكنه عارضه مانع، فأورث هذا الدليل
شبهة في حل المحل والإضافة فيها على معنى في. وقال الزيلعي: أي لا يجب الحد
بشبهة وجدت في المحل وإن علم حرمته، لأن الشبهة إذا كانت في الموطوءة ثبت فيها
الملك من وجه فلم يبق معه اسم الزنا فامتنع الحد على التقادير كلها، وهذا لأن الدليل
المثبت للحل قائم وإن تخلف عن إثباته حقيقة لمانع فأورث شبهة، فلهذا سمي هذا
النوع شبهة في المحل؛ لأنها نشأت عن دليل موجب للحل في المحل، بيانه قوله عليه

:
٢٧
كتاب الحدود/ باب الوطء الذي يوجب الحد، والذي لا يوجبه
أي الملك، وتسمى شبهة حكمية: أي الثابت حكم الشرع بحله (وإن ظن حرمته
كوطء أمة ولده وولد ولده) وإن سفل ولو ولده حيّاً. فتح، لحديث ((أَنْتَ وَمَالُكَ
لأَبِيكَ))(١) (ومعتدة الكنايات) ولو خلعا خلا عن مال وإن نوى بها ثلاثاً. نهر؛
الصلاة والسلام ((أنت ومالك لأبيك)) يقتضي الملك، لأن اللام فيه للملك اهـ: أي وقد
عارضه مانع من إرادة حقيقة الملك وهو الإجماع على عدم إرادته حقيقة فثبتت الشبهة
عملًا باللام بقدر الإمكان. قوله: (أي الملك) بمعنى المملوك، فلا ينافي تفسيره أيضاً
بالموطوءة، فافهم: أي شبهة كون المحل مملوكاً له أو المصدر بمعنى المالكية: أي
كونه مالكاً له. قوله: (وتسمى شبهة حكمية) لكون الثابت فيها شبهة الحكم بالحل.
قوله: (أي الثابت حكم الشرع محله) بنصب الثابت على أن ذلك تفسير لقوله
(شبهة حكمية)) أو يجره على أنه تفسير لقوله ((بشبهة المحل)) وضمير ((حله)) للمحل.
وعبارة الفتح: وشبهة في المحل، وتسمى شبهة حكمية وشبهة ملك: أي الثابت شبهة
حكم الشرع بحل المحل، فأسقط الشارح لفظ ((شبهة)) ولا بد منه، لأن نفس حكم
الشرع بحله لم يثبت، وإنما الثابت شبهته: يعني أنها هي التي ثبت فيها شبهة الحكم
بالحل لا حقيقته لكون دليل الحل عارضه مانع كما مر. قوله: (ولو ولده حياً) مبالغة
على قوله: ((وولد ولده)) ج. وتمام عبارة الفتح: وإن لم يكن له ولاية تملك مال ابن ابنه
حال قيام ابنه، وتقدمت هذه المسألة في باب نكاح الرقيق ثم في الاستيلاد اهـ. وسنذكر
أنه لا يثبت فيها النسب من الجد إذا كان ولده حياً. قوله: (لحديث الخ) رواه ابن ماجه
عن جابر بسند صحيح، وتمامه في الفتح، وذكر فيه قصة. قوله: (ولو خلما خلا عن
مال) أما لو كانت بغير لفظ الخلع فهي داخلة بالأولى، وقد یکون الخلع خلا عن مال،
لأنه لو كان على مال لم يكن من هذا القسم بل يكون من شبهة الفعل الآتية، فلا ينتفي
عنه الحد إلا إذا ظن الحل، كما في المطلقة ثلاثاً، لأنه لم يقل أحد إن المختلعة على
مال تقع فرقتها طلاقاً رجعياً، وإنما اختلف الصحابة في كونها فسخاً أو طلاقاً: يعني
بائناً، فالحرمة ثابتة على كل حال، وبهذا يعرف خطأ من بحث. وقال: ينبغي جعلها من
الشبهة الحكمية، هذا حاصل ما حققه في فتح القدير؛ ويشهد له قوله في الهداية:
والمختلعة والمطلقة على مال بمنزلة المطلقة الثلاث لثبوت الحرمة بالإجماع، ومثله في
البحر عن البدائع. وبه يعلم أن ما نقله قبله عن جامع النسفي من أنه لا حدّ وإن علم
الحرمة لاختلاف الصحابة في كونه بائناً محمول على ما إذا كان الخلع بلا مال، كما أن ما
في المجتبى من أن المختلعة ينبغي أن تكون كالمطلقة ثلاثاً لحرمتها إجماعاً، محمول على
ما إذا كان بمال توفيقاً بين كلامهم، فافهم. قوله: (وإن نوى بها ثلاثاً) أي بالكنايات فلا
(١) أخرجه أحمد ٢ / ٢١٤ وأبو داود ٢ / ٨٠١ (٣٥٣٠) وابن ماجه ٧٦٩/٢ (٢٢٩٢).

٢٨
كتاب الحدود/ باب الوطء الذي يوجب الحد، والذي لا يوجبه
لقول عمر رضى الله عنه: الكنايات رواجع (و) وطء (البائع) الأمة (المبيعة
والزوج) الأمة (الممهورة قبل تسليمها) لمشتر وزوجة، وكذا بعده في الفاسد
(ووطء الشريك) أي أحد الشريكين (الجارية المشتركة و) وطء (جارية مكاتبه
وعبده المأذون له وعليه دين محيط بماله ورقبته) زيلعي. (ووطء جارية من الغنيمة
بعد الإحراز) بدارنا (أو قبله) ووطء جاريته قبل الاستبراء، والتي فيها خيار
يجد بوطئها في العدة وإن قال علمت أنها حرام لتحقق الاختلاف، لأن دليل المخالف
قائم وإن كان غير معمول به عندنا. أفاده في الفتح. ثم قال: وفي هذه المسألة يقال
مطلقة ثلاث وطئت في العدة وقال علمت حرمتها لا يحد. قوله: (الممهورة) أي التي
جعلها مهراً لزوجته. قوله: (قبل تسليمها لمشتر وزوجة) لفّ ونشر مرتب، لأنهما في
ضمان البائع أو الزوج وتعودان إلى ملكه بالهلاك قبل التسليم وكان مسلطاً على الوطء
بالملك واليد، وقد بقيت اليد فتبقى الشبهة. زيلعي. قوله: (وكذا يعده في الفاسد)
الأولى أن يقول: وكذا في الفاسد ولو بعده: أي بعد التسليم. قال في البحر: أما قبله
فلبقاء الملك، وأما بعده فلأن له حق الفسخ فله حق الملك اهـ.
وقد يقال: إن وطء البائع في الفاسد قبل التسليم ليس مما نحن فيه، لأنه وطء في
حقيقة الملك لا في شبهته، فقوله بعده للاحتراز عما قبله. تأمل. قوله: (ووطء
الشريك الخ) لأن ملكه في البعض ثابت فتكون الشبهة فيها أظهر. زيلعي. وهذا إذا لم
يكن أعتقها أحد الشريكين، وإلا ففيه تفصيل مذكور في الخانية. قوله: (ووطء جارية
مكاتبه وعبده الخ) لأن له حقاً في كسب عبده فكان شبهة في حقه. زيلعي، وأما غير
المديون فهو على ملك سيده. قوله: (ووطء جارية من الغنيمة) أي وطء أحد الغانمين
قبل القسمة كما في البحر عن البدائع. قال ح: وسيأتي في كتاب السرقة عن الغاية
بحثاً: عدم قطع من سرق من المغنم وإن لم يكن له حق فيه، لأنه مباح الأصل فصار
شبهة فكان ينبغي الإطلاق هنا أيضاً. تأمل اهـ.
قلت: وفيه أن ما كان مباح الأصل هو ما يوجد في دار الإسلام تافهاً مباحاً كالصيد
والحشيش، فهذا لا يقطع به وإن ملك وسرق من حرز، وجارية المغنم ليست كذلك،
وإلا لزم أن يقطع بها ولو بعد الإحراز والقسمة، وكذا لو زنى بها. تأمل. قوله: (ووطء
جاريته قبل الاستبراء) هذه من زيادات الفتح. وفيه أن الملك فيها كامل من كل وجه، إلا
أنه منع من وطئه لها خوف اشتباه النسب، والكلام في وطء حرام سقط فيه الحد لشبهة
الملك، وهذه فيها حقيقة الملك فكانت كوطء الزوجة الحائض والنفساء والصائمة
والمحرمة مما منع من وطئها لعارض الأذى أو إفساد العبادة مع قيام الملك، إلا أن يراد
بشبهة الملك ملك الوطء لا ملك الرقبة، فليتأمل. قوله: (والتي فيها خيار للمشتري) أي

٢٩
كتاب الحدود/ باب الوطء الذي يوجب الحد، والذي لا يوجبه
للمشتري، والتي هي أخته رضاعاً، وزوجة حرمت بردتها أو مطاوعتها لابنه أو
جماعه لأمها أو بنتها، لأن من الأئمة من لم يحرّم به وغير ذلك، كما لا يخفى على
المتتبع، فدعوى الحصر في ستة مواضع ممنوعة.
(و) لا حدّ أيضاً (بشبهة الفعل) وتسمى شبهة اشتباه: أي شبهة في حق من
حصل له اشتباه (وإن ظن حله)
إذا وطئها البائع واقتصر على ذكر المشتري، لأنه يعلم منه ما إذا كان الخيار للبائع
بالأولى، لأنه لم يجد إذا كان للبائع، لبقاء ملكه، وإن كان للمشتري فلأن المبيع لم يخرج
عن ملك بائعه بالكلية كما في البحر. أفاده ط.
وقد يقال: إن المناسب أن لا يذكر خيار البائع، لأن وطأه في حقيقة الملك لا
في شبهته نظير مامر، فكان الأولى ما ذكره الشارح، ويفهم منه ما إذا كان الخيار لهما
أو لأجنبي، فافهم. وفي التاترخانية: ولو باع جارية على أنه بالخيار فوطئها المشتري
أو كان الخيار للمشتري فوطئها البائع فإنه لا يحد، علم بالحرمة أو لم يعلم. قوله:
(والتي هي أخته رضاعاً) أي ووطء أمته التي هي أخته رضاعاً.
قلت: ومثلها أمته المجوسية والتي تحته أختها لوجود الملك فيهما أيضاً مع أن
حرمتهما غير مؤبدة. تأمل. قوله: (من لم يحرم به) أي بالمذكور من الردة وما بعدها،
أما الردة فقد تقدم في كتاب النكاح أن مشايخ بلخ أفتوا بعدم الفرقة بردتها، وأما فيما
بعدها فلخلاف الشافعي رحمه الله تعالى اهح. قوله: (وغير ذلك) منه ما ذكرناه من
المجوسية والتي تحته أختها. قوله: (فدعوى الحصر) أي المفهوم من قول الهداية
وغيرها: والشبهة في المحل في ستة مواضع.
مَطْلَبٌ فِي بَيَانٍ شُبْهَةِ الْفِعْلِ
قوله: (بشبهة الفعل) أي الشبهة في الفعل الذي هو الوطء حيث كان مما قد يشتبه
عليه حرمته لا في محله وهو الموطوءة، لأن حرمة المحل هنا مقطوع بها إذا لم يقم فيه
دليل ملك عارضه غيره فلم يكن في حل المحل شبهة أصلاً. قوله: (أي شبهة في حق
من حصل له اشتباه) هو معنى قول المصنف ((إن ظن حله)) لأن من ظن الحل فقد اشتبه
عليه الأمر، ولذا قال في الفتح: إنها تتحقق في حق من اشتبه عليه الحل والحرمة، إذ
لا دليل في السمع يفيد الحل، بل ظن غير الدليل دليلاً، كما يظن أن جارية زوجته تحل
له؛ لظنه أنه استخدام؛ واستخدامها حلال، فلا بد من الظن وإلا فلا شبهة أصلاً لفرض
أن لا دليل أصلاً لتثبت الشبهة في نفس الأمر، فلو لم يكن ظنه الحل ثابتاً لم تكن
شبهة أصلا اهـ. قوله: (إن ظن حله) شرط لقوله: ((ولا حد الخ)) فنفي الحد هنا مشروط

٣٠
كتاب الحدود/ باب الوطء الذي يوجب الحد، والذي لا يوجبه
العبرة لدعوى الظن وإن لم يحصل له الظن؛ ولو ادعاه أحدهما فقط لم يحدا حتى
يقرّا جميعاً بعلمهما بالحرمة. نهر (كوطء أمة أبويه) وإن عليا. شمني (ومعتدة
الثلاث) ولو جملة (وأمة امرأته وأمة سيده) ووطء (المرتهن) الأمة (المرهونة)
بظن الحل، لما علمت أن هذا الظن هو الشبهة لعدم دليل قائم تثبت به الشبهة، فلو
لم يظن الحل شبهة أصلاً بخلاف ما مر، فإن الشبهة فيه جاءت من دليل حل المحل
فلا حاجة فيه إلى ظن الحل، فلذا انتفى الحد فيه سواء ظن الحل أو لا. قوله:
(العبرة لدعوى الظن الخ) أي لا للظن نفسه فإنه يجد إن لم يدّع وإن حصل له الظن،
ولا يجد إن ادعى وإن لم يحصل له الظن. ابن كمال. وفيه تورّك على عبارة المصنف،
لكن لا يخفى أن الظن أمر باطني لا يعلمه القاضي إلا بدعوى صاحبه، فقوله: ((إن
ظن حله)) أي إن علم القاضي أنه ظن الحل يدرأ عنه الحد، وذلك لا يكون إلا
بدعواه وإخباره. قوله: (ولو ادعاه أحدهما الخ) لأن الشبهة إذا تمكنت في الفعل من
أحد الجانبين تتعدى إلى الجانب الآخر ضرورة. بحر. قوله: (كوطء أمة أبويه الخ)
لأن بين الإنسان وبين أبويه وزوجته وسيده انبساطاً في الانتفاع بمالهم واستخدام
جواريهم، فكان مظنة حل الوطء على وهم أنه من الاستخدام، وكذا بقاء أثر الفراش
في المعتدة من وجوب النفقة وحرمة تزوج أختها مظنة لتوهم حل وطئها، وقيد بالأمة
لما في الخانية: لو زنى بامرأة الأب أو الجد فإنه يجد وإن قال ظننت أنها تحل لي.
قوله: (ومعتدة الثلاث) هذا إذا لم ينو الثلاث بالكنايات إذ لو نواها بها كان من شبهة
المحل كما قدمه عن النهر. قوله: (ولو جملة) أي ولو كان تطليقه الثلاث بلفظ واحد
فلا يسقط عنده الحد، إلا أن ادعى ظن الحل، وكذا لو أوقع الثلاث متفرقة بالطريق
الأولى إذ لم يخالف فيه أحد، لأن القرآن ناطق بانتفاء الحل بعد الثالثة فلم يبق شبهة.
في حل المحل، ولا اعتبار بخلاف من أنكر وقوع الجملة لمخالفته للقطعي، وهو
إجماع الصحابة الذي تقرر في زمن عمر، لكن يشكل ما في نكاح الهداية من أن الحد
لا يجب بوطء المطلقة بائناً واحدة أو ثلاثاً مع العلم بالحرمة على إشارة كتاب
الطلاق. وعلى عبارة كتاب الحدود يجب، لأن الملك قد أزال حق الحل فيتحقق
الزنا اهـ. ووفق في البحر بحمل إشارة كتاب الطلاق على ما إذا أوقع الثلاث جملة،
وحمل عبارة الحدود على ما إذا أوقعها متفرقة، لأن. إيقاعها جملة خالف فيه الظاهرية:
أي فيكون من شبهة المحل، فلا يحد وإن اعتقد الحرمة لشبهة الدليل واعترضه ح بأن
المصرح به في الفتح وغيره الجزم بأنها من شبهة الفعل وعدم اعتبار الخلاف بعد
انعقاد الإجماع، وبأن الإشارة لا تعارض العبارة.
قلت: على أنه يمكن التوفيق بوجه آخر، وهو حمل الإشارة على ما إذا كان

٣١
كتاب الحدود/ باب الوطء الذي يوجب الحد، والذي لا يوجبه
في رواية كتاب الحدود، وهي المختار. زيلعي. وفي الهداية: المستعير للرهن
كالمرتهن. وسيجيء حكم المستأجرة والمغصوبة، وينبغي أن الموقوفة عليه
كالمرهونة .. نهر. (و) معتدة (الطلاق على مال) وكذا المختلعة على الصحيح.
بدائع. ومعتدة (الإعتاق) (و) الحال أنها (هي أم ولده، و) الواطىء (إن ادعى
النسب يثبت في الأولى) شبهة المحل (لا في الثانية) أي شبهة الفعل
الطلاق البائن بلفظ الكنايات والعبارة على ما إذا كان بلفظ الصريح، والله أعلم. قوله:
(في رواية كتاب الحدود) أي أن محمداً ذكرها في كتاب الحدود من مسائل شبهة الفعل،
وذكر في كتاب الرهن أنها من شبهة المحل.
قال في البحر: والحاصل أنه إذا ظن الحل فلا حد باتفاق الروايتين، والخلاف
فيما إذا علم الحرمة، والأصح وجوبه، وذكر في الإيضاح وجوبه وإن ظن الحل؛ وهو
مخالف لعامة الروايات.
:
مَطْلَبُ: آلْحُكْمُ الْمَذْكُورُ فِي بَابِهِ أَوْلَى مِنَ الْمَذْكُورِ فِي غَيْ بَابِهِ
قال في الدرّ المنتقى: واستفيد منه أن الحكم المذكور في بابه أولى من المذكور
في غير بابه، لأنه كأنه استطراد، هكذا كان. أفادنيه والدي فليحفظ. قوله: (وهي
المختار) وفي الهداية: وهي الأصح، وتبعه الشارحون، لأن عقد الرهن لا يفيد ملك
المتعة بحال، لأنه إنما يفيد له الملك بعد الهلاك فيصير به مستوفياً لحقه، لكنه بعد
الهلاك لا يملك المتعة: أي الوطء. ومقتضى هذا وجوب الحد وإن ظن الحل، لكن
لما كان الاستيفاء سبباً لملك المال، وملك المال سبباً لملك المتعة في الجملة حصل
الاشتباه. ذخيرة. قوله: (المستعير للرهن) اللام للتعليل: أي الذي استعار أمة ليرهنها
لا للتعدية حتى يكون المعنى استعار أمة مرهونة من المرتهن اهـح. والمناسب أن
يقول: لا للتقوية، لأن اسم الفاعل هنا متعدّ بنفسه، تقول أنا مستعير فرساً، فإذا قلت
مستعير للفرس كانت زائدة لتقوية العامل، كقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة:
٩١] ولعل وجه كون المستعير بمنزلة المرتهن هو أنه إذا استعار شيئاً ليرهنه بكذا ثم
هلك عند المرتهن صار مستوفياً لدينه ووجب مثل الدين للمعير على المستعير، لأنه
صار قاضياً دينه بالرهن كما تقرر في محله، فإذ غرم مثله للمعير صار مالكاً له فكان
بمنزلة المرتهن. تأمل. قوله: (وسيجيء) أي في هذا الباب. قوله: (وكذا المختلعة)
أي على مال، لأنه لو كان خلعاً خلا عن مال كان من شبهة المحل كما قدمه عن
النهر. قوله: (يثبت في الأولى) هذا في غير الجد إذا وطىء جارية ابن ابنه وابنه حيّ،
لأن لجد لا يتملكها حال حياة الأب فلا يثبت النسب بدعوى الجد؛ نعم إن صدّقه ابن
الابن عتق لزعمه أنه عمه، وما في النهاية من أنه يثبت نسبه غلط كما حققه في الفتح.

٣٢
كتاب الحدود/ باب الوطء الذي يوجب الحد، والذي لا يوجبه
لتمحضه زنا (إلا في المطلقة ثلاثاً بشرطه) بأن تلد لأقل من سنتين لا لأكثر إلا
بدعوة، كما مر في بابه، وكذا المختلعة والمطلقة بعوض بالأولى. نهاية (و) إلا
(في وطء امرأة زفت) إليه (وقال النساء هي زوجتك ولم تكن كذلك) معتمداً
خبرهن فيثبت نسبه بالدعوة. بحر.
(و) لا حدّ أيضاً (بشبهة العقد) أي عقد النكاح (عنده) أي الإمام
قوله: (لتمحضه زنا) لأنه لا شبهة ملك فيه، بل سقط الحد لظنه فضلاً من الله تعالى،
وهو راجع إليه: أي إلى الواطىء لا إلى المحل، فكأن المحل ليس فيه شبهة حل فلا
يثبت النسب بهذ الوطء، ولذا لا تثبت به عدة لأنه لا عدة من الزنا. فتح. قوله:
(بشرطه) أي بشرط الثبوت، والمناسب إسقاطه كما يظهر قريباً. قوله: (بأن تلد الخ)
بدل من قوله: ((بشرطه)) قال ح: ويحمل على وطء سابق على الطلاق كما تقدم في باب
ثبوت النسب. ولا نقول: إنه انعقد من هذا الوطء الحرام حيث أمكن حمله على
الحلال. قوله: (لا لأكثر) ومثل الأكثر تمام السنتين ح. قوله: (كما مر في بابه) من أنه
لا يثبت النسب في المطلقة ثلاثاً بعد سنتين إلا بدعوة ح.
قلت: وتحصل من هذا أنه إذا ادعى الولد يثبت النسب، سواء ولدت لأقل من
سنتين أو لأكثر وإن لزم الوطء في العدة لوجود شبهة العقد؛ وأما بدون الدعوى فلا
يثبت إلا إذا ولدت لأقل من سنتين حملاً على أنه بوطء سابق على الطلاق، فقول
المصنف ((بشرطه)) لا محل له، لأن كلامه فيما إذا ادعى النسب وفيه يثبت مطلقاً كما
علمت، وهو الذي حرره في الفتح وتبعه في البحر. قوله: (بالأولى) لأنها أقل من
الثلاث ط. فإن حرمة الثلاث تزيل حل المحلية ولذا لا تحل له إلا بعد زوج آخر. قوله:
(وإلا في وطء امرأة الخ) الاستثناء في هذه مبني على أنها من شبهة الاشتباه: أي شبهة
الفعل، وعليه مشى الزيلعي، وكذا صاحب البحر أولاً، وقيل إنها شبهة محل؛ وذكر في
الفتح أوّلاً أنه الأوجه لأن قولهن هي زوجتك دليل شرعي مبيح للوطء لقبول قول
الواحد في المعاملات، ولذا حل وطء من قالت أرسلني مولاي هدية إليك. ثم قال:
والحق أنه شبهة اشتباه، لأن الدليل المعتبر فيها ما يقتضي ثبوت الملك لا ما يطلق
شرعاً مجرد الوطء. اهـ ملخصاً، فليتأمل. قوله: (وقال النساء) الجمع غير قيد كما
يأتي. قوله: (فيثبت نسبه بالدعوة بحر) لفظ بالدعوة الخ يوجد في بعض النسخ: وهو
غير لازم لأن أصل الكلام فيه.
مَطْلَبٌ فِي بَيَانِ شُبْهَةِ العَقْدِ
قوله: (بشبهة العقد) أي ما وجد فيه العقد صورة لا حقيقة، لأن الشبهة كما مر
ما يشبه الثابت وليس بثابت، فخرج ما وجد فيه العقد حقيقة، ولذا قال في التاتر خانية:

٣٣
كتاب الحدود/ باب الوطء الذي يوجب الحد، والذي لا يوجبه
(كوطء محرم نكحها) وقالا: إن علم الحرمة حد، وعليه الفتوى. خلاصة. لكن
المرجح في جميع الشروح قول الإمام، فكان الفتوى عليه أولى. قاله قاسم في
تصحيحه .
وإذا كان الوطء بملك النكاح أو بملك يمين والحرمة بعارض آخر فذلك لا يوجب
:الحد نحو الحائض والنفساء والصائمة صوم الفرض والمحرمة والموطوءة بشبهة والتي
ظاهر منها أو آلى منها فوطئها في العدة لا حد عليه، وكذا الأمة المملوكة إذا كانت
محرمة عليه برضاع أو مصاهرة أو لكون أختها مثلاً في نكاحه أو هي مجوسية أو مرتدة
فلا حد عليه وإن علم الحرمة اهـ.
قوله: (كوطء محرم نكحها) أي عقد عليها، أطلق في المحرم فشمل المحرم نسباً
ورضاعاً وصهرية، وأشار إلى أنه لو عقد على منكوحة الغير أو معتدته أو مطلقته الثلاث
"أو أمة على حرة أو تزوج مجوسية أو أمة بلا إذن سيدها أو تزوج العبد بلا إذن سيده أو
تزوج خمساً في عقد فوطئهن أو جمع بين أختين في عقدة فوطئهما أو الأخيرة لو كان
متعاقباً بعد التزوج فإنه لا حد، وهو بالاتفاق على الأظهر. أما عنده فظاهر، وأما
وعندهما فلأن الشبهة إنما تنتفي عندهما إذا كان مجمعاً على تحريمه وهي محرمة على
: التأبيد. بحر.
قلت: وهذا هو الذي حرره في فتح القدير وقال: إن الذين يعتمد على نقلهم
وتحريرهم كابن المنذر ذكروا أنه إنما يحدّ عندهما في ذات المحرم لا في غير ذلك
كمجوسية وخامسة ومعتدة، وكذا عبارة الكافي للحاكم تفيده حيث قال: تزوّج امرأة
"ممن لا يحل له نكاحها فدخل بها لا حد عليه، وإن فعله على علم لم يحد أيضاً، ويوجع
عقوبة في قول أبي حنيفة. وقالا: إن علم بذلك فعليه الحد في ذوات المحارم اهـ.
فعمم في المرأة على قوله ثم خص على قولهما بذوات المحرم. قوله: (وقالا الخ)
مدار الخلاف على ثبوت محلية النكاح المحارم وعدمه، فعنده هي ثابتة على معنى أنها
محل لنفس العقد لا بالنظر إلى خصوص عاقد لقبولها مقاصده من التوالد فأورث شبهة،
ونفياها على معنى أنها ليست محلاً لعقد هذا العاقد فلم يورث شبهة، وتمامه في الفتح
والنهر. قوله: (إن علم الحرمة حد) أما إن ظن الحل فلا يجد بالإجماع ويعزّر، كما في
الظهيرية وغيرها.
مَظْلَبٌ: إِذَا اسْتَحَلَّ المُحَرَّمَ عَلَى وَجْهِ الثَّنِّ لَا يَكْفُرُ، كَمَا لَوْ ظَنَّ عِلْمَ الْغَيْبِ
وعلم من مسائلهم هنا أن من استحل ما حرّمه الله تعالى على وجه الظن لا
يكفر، وإنما يكفر إذا اعتقد الحرام حلالاً. ونظيره ما ذكره القرطبي في شرح مسلم أن
ظن الغيب جائز كظن المنجم والرمَّال بوقوع شيء في المستقبل بتجربة أمر عادي فهو

٣٤
كتاب الحدود/ باب الوطء الذي يوجب الحد، والذي لا يوجبه
لكن في القهستاني عن المضمرات: على قولهما الفتوى. وحرر في الفتح
أنها من شبهة المحل وفيها يثبت النسب كما مر (أو) وطء في (نكاح بغير شهود)
لا حد لشبهة العقد.
وفي المجتبى: تزوّج بمحرمه أو منكوحة الغير أو معتدته ووطئها ظانّاً
الحل لا يحدّ ويعزّر، وإن ظاناً الحرمة فكذلك عنده
ظن صادق، والممنوع ادعاء علم الغيب. والظاهر أن ادعاء ظن الغيب حرام لا كفر،
بخلاف ادعاء العلم، وسنوضحه في الردة. بحر. قوله: (لكن في القهستاني الخ)
الاستدراك على قوله: ((في جميع الشروح)) فإن المضمرات من الشروح. وفيه أن
القهستاني ذكر عن المضمرات أنه قال: والصحيح الأول، وأنه في موضع آخر قال: إذا
تزوج بمحرمه يحدّ عندهما، وعليه الفتوى اهـ. على أن ما في عامة الشروح مقدم.
وكذلك في الفتح نقل عن الخلاصة أن الفتوى على قولهما، ثم وجهه بأن الشبهة
تقتضي تحقق الحل من وجه وهو غير ثابت، وإلا وجبت العدة والنسب، ثم دفع ذلك
بأن من المشايخ من التزم وجوبهما، ولو سلم عدم وجوبهما لعدم تحقق الحل من وجه،
فالشبهة لا تقتضي تحقق الحل من وجه، لأن الشبهة ما يشبه الثابت وليس بثابت، فلا
ثبوت لما له شبهة الثبوت بوجه؛ ألا ترى أن أبا حنيفة ألزم عقوبته بأشد ما يكون،
وإنما لم يثبت عقوبة هي الحد فعرف أنه زنا محض إلا أن فيه شبهة فلا يثبت
نسبه اهـ ملخصاً.
وحاصله أن عدم تحقق الحل من وجه في المحارم لكونه زنا محضاً يلزم منه عدم
ثبوت النسب والعدة، ولا يلزم منه عدم الشبهة الدارئة للحد. ولا يخفى أن في هذا
ترجيحاً لقول الإمام. قوله: (وحرر في الفتح الخ) صوابه في النهر، فإنه بعد ما ذكر ما
قدمناه عن الفتح قال: وهذا إنما يتم بناء على أنها شبهة اشتباه. قال في الدراية: وهو
قول بعض المشايخ. والصحيح أنها شبهة عقد، لأنه روى عن محمد أنه قال: سقوط
الحد عنه لشبهة حكمية فيثبت النسب، وهكذا ذكر في المنية اهـ. وهذا صريح بأن
الشبهة في المحل وفيها يثبت النسب على ما مراه. كلام النهر.
قلت: وفي هذه زيادة تحقيق لقول الإمام لما فيه من تحقيق الشبهة حتى ثبت
النسب، ويؤيده ما ذكره الخير الرملي في باب المهر عن العيني ومجمع الفتاوى أنه يثبت
النسب عنده خلافاً لهما. قوله: (وفي المجتبى الخ) مثله في الذخيرة. قوله: (ظانّاً
الحل) أما لو اعتقده يكفر كما مر. قوله: (ويعزر) أي إجماعاً كما في الذخيرة، لكنه
مخالف لما في الهداية من قوله: ولكن يوجع عقوبة إذا كان علم بذلك فقيد العقوبة بما

٣٥
كتاب الحدود/ باب الوطء الذي يوجب الحد، والذي لا يوجبه
خلافاً لهما. فظهر أن تقسيمها ثلاثة أقسام: قول الإمام (وحدّ بوطء أمة أخيه
وعمه) وسائر محارمه سوى الولاد لعدم البسوطة. (و) بوطء (امرأة وجدت على
فراشه) فظنها زوجته. (ولو هو أعمى) لتمييزه بالسؤال إلا إذا دعاها فأجابته قائلة
أنا زوجتك أو أنا فلانة باسم زوجته فواقعها، لأن الإخبار دليل شرعي، حتى لو
إذا علم، ومثله ما مر عن كافي الحاكم. وفي الفتح: لم يجب عليه الحد عند أبي
حنيفة وسفيان الثوري وزفر وإن قال علمت أنها عليّ حرام، ولكن يجب الحد ويعاقب
عقوبة هي أشد ما يكون من التعزير سياسة لا حداً مقدراً شرعاً إذا كان عالماً بذلك.
وإن لم يكن عالماً لا حد ولا عقوبة تعزير أهـ.
وقد يجاب بأن قوله ولا عقوبة تعزير المراد به نفي أشدّ ما يكون، فلا ينافي أن
يعزّر بما يليق بحاله حيث جهل أمراً لا يخفى عادة. تأمل. قوله: (خلافاً لهما) أي في
ذات المحرم فقط كما مر. قوله: (فظهر أن تقسيمها الخ) إن أراد التقسيم من حيث
الحكم فهي اثنان عند الكل، غايته إن حكم شبهة العقد عند الإمام حكم شبهة المحل.
وعندهما: حكم شبهة الفعل؛ وإن أراد التقسيم من حيث المفهوم فهي اثنان أيضاً، لأن
شبهة العقد منها ما هو شبهة الفعل كمغتدة الثلاث كما صرح به في النهر في باب ثبوت
النسب، ومنها ما هو شبهة المحل كمسألة المتن اهـح. قوله: (وحد بوطء أمة أخيه
الخ) أي وإن قال ظننت أنها تحل لي، لأنه لا شبهة في الملك ولا في الفعل لعدم
انبساط كل في مال الآخر، فدعوى ظنه الحل غير معتبرة. ومعنى هذا أنه علم أن الزنا
حرام، لكنه ظن أن وطأه هذه ليس زنا محرماً فلا يعارض ما مر عن المحيط من أن
شرط وجوب الحد أن يعلم أن الزنا حرام. فتح. قوله: (سوى الولاد) بالكسر مصدر
ولدت المرأة ولاداً وولادة: أي سوى قرابة الولادة: أي قرابة الأصول أو الفروع فلا
حدّ فيها، لكن لا يحد في قرابة الأصول إذا ظن الحل كما مر. قوله: (وجدت على
فراشه) يعني في ليلة مظلمة كما في الخانية. شرنبلالية. فيعلم حكم النهار بالأولى.
قوله: (إلا إذا دعاها) يعني الأعمى، بخلاف البصير كما في الخانية، وهو ظاهر عبارة
الزيلعي والفتح أيضاً.
ثم اعلم أن ما ذكره المصنف والشارح هو المذكور في المتون والشروح، وعزاه
في التاتر خانية إلى المنتقى والأصل، لكنه قال بعد ذلك: وفي الظهيرية رجل وجد في
بيته امرأة في ليلة ظلماء فغشيها وقال ظننت أنها امرأتي لا حد عليه، ولو كان نهاراً
يحد. وفي الحاوي: وعن زفر عن أبي حنيفة فيمن وجد في حجلته أو في بيته امرأة
فقال ظننت أنها امرأتي، إن كان نهاراً يحد، وإن كان ليلاً لا يحد. وعن يعقوب عن أبي
حنيفة أن عليه الحد ليلاً كان أو نهاراً، قال أبو الليث: وبرواية زفر يؤخذ اهـ.

٣٦
كتاب الحدود/ باب الوطء الذي يوجب الحد، والذي لا يوجبه
أجابته بالفعل أو بنعم حدّ. (وذميّة) عطف على ضمير حد وجاز للفصل (زنى بها
حربيّ) مستأمن (و) حدّ ذميّ زنى بحربية مستأمنة (لا) يحدّ الحربي في الأولى
(والحربية) في الثانية، والأصل عند الإمام الحدود كلها لا تقام على مستأمن إلا
حدّ القذف.
(و) لا يحد بوطء (بهيمة) بل يعزر وتذبح ثم تحرق، ويكره الانتفاع بها حية
وميتة. مجتبى. وفي النهر: الظاهر أنه يطالب ندباً، لقولهم تضمن بالقيمة (و) لا
يحد (وطء أجنبية زفت إليه، وقيل) خبر الواحد كاف في كل ما يعمل فيه بقول
قلت: ومقتضاه أنه لا حد على الأعمى ليلاً كان أو نهاراً. قوله: (وجاز) أي
العطف على ضمير الرفع المتصل. قوله: (لا يحد الحربيّ الخ) أي خلافاً لأبي يوسف؛
فعنده يحد الحربي المستأمن أيضاً. وقال محمد: لا يحد واحد منهما، غير أنه قال في
العكس: وهو ما لو زنى ذمي بمستأمنة كقول الإمام من أن الذمي يحد.
والحاصل أن الزانيين إما مسلمان أو ذميان أو مستأمنان، أو الرجل مسلم والمرأة
ذمية، أو مستأمنة أو بالعكس، أو الرجل ذمي والمرأة مستأمنة أو بالعكس، فهي تسع
صور. والحد واجب عند الإمام في الكل إلا في ثلاث: إذا كانا مستأمنين، أو أحدهما.
أفاده في البحر.
مَطْلَبٌ فِي وَطْءِ الدَّابَةِ
قوله: (وتذبح ثم تحرق) أي لقطع امتداد التحدث به كلما رؤيت وليس بواجب
كما في الهداية وغيرها وهذا إذا كانت مما لا يؤكل، فإن كانت تؤكل جاز أكلها عنده.
وقالا: تحرق أيضاً، فإن كانت الدابة لغير الواطىء يطالب صاحبها أن يدفعها إليه بالقيمة
ثم تذبح، هكذا قالوا: ولا يعرف ذلك إلا سماعاً فيحمل عليه. زيلعي ونهر. قوله:
(الظاهر أنه يطالب ندباً الخ) أي قولهم: يطالب صاحبها أن يدفعها إلى الواطىء ليس
على طريق الجبر. وعبارة النهر: والظاهر أنه يطالب على وجه الندب، ولذا قال في
الخانية: كان لصاحبها أن يدفعها إليه بالقيمة اهـ. وعبارة البحر: والظاهر لا يجبر على
دفعها .
تنبيه: لو مكنت امرأة قرداً من نفسها فوطئها كان حكمها كإتيان البهائم. جوهرة:
أي في أنها لا حدّ عليها بل تعزّر. وهل يذبح القرد أيضاً؛ مقتضى التعليل بقطع امتداد
التحدث نعم، فتأمل. قوله: (خبر الواحد كاف الخ) جملة معترضة بين القول ومقوله،
والأولى ذكرها بعد هي عرسك لئلا يوهم أنها مقولة القول، والمراد أن تعبير المصنف
كالكنز بقيل أولى من تعبير القدوري بقلن.

٣٧
كتاب الحدود/ باب الوطء الذي يوجب الحد، والذي لا يوجبه
النساء. بحر (هي عرسك وعليه مهرها) بذلك قضى عمر رضي الله عنه وبالعدّة
مَطْلَبٌ فِيْمَنْ وَطِىءَ مَنْ زُقَّتْ إِلَيْهِ
تنبيه: مقتضى هذا كله أنه لا يسقط الحد بمجرد الزفاف، وأنه لا بد من أن ينضم
إليه الإخبار بأنها زوجته، ويلزم عليه أن من زفت إليه زوجته ليلة عرسه ولم يكن يعرفها
أنه لا يحل له وطؤها ما لم تقل له واحدة أو أكثر إنها زوجتك، وهو خلاف الواقع بين
الناس، وفيه حرج عظيم لأنه يلزم منه تأثيم الأمة. والظاهر أنه يحل وطؤها بدون
إخبار، ولا سيما إذا أحضرها النساء من أهله وجيرانه إلى بيته وجليت على المنصة(١)
ثم زفت إليه، فإن احتمال غلط النساء فيها وأنها غيرها أبعد ما يكون؛ ومع هذا لو
فرض الغلط وقد وطئها على ظن أنها زوجته وأنها تحل له فوجوب الحد عليه إذا لم يقل
له أحد إنها زوجتك في غاية البعد أيضاً، إذ لا شك أن هذه الشبهة أقوى من شبهة العقد
على أمه أو بنته وظنه حلها له، وأقوى من ظنه حل أمة أبويه ونحوها، وكذا من وجدها
على فراشه ليلاً على ما صححه أبو الليث. ورأيت في الخانية: رجل زفت إليه غير
امرأته ولم يكن رآها قبل ذلك فوطئها كان عليه المهر ولا حد عليه اهـ. وظاهره أن
الإخبار غير شرط. وأظهر منه ما في كافي الحاكم الشهيد: رجل تزوج فزفت إليه
أخرى فوطئها لا حد عليه ولا على قاذفه.
رجل فجر بامرأة ثم قال حسبتها امرأتي قال: عليه الحد، وليست هذه كالأولى
لأن الزفاف شبهة؛ ألا ترى أنها إذا جاءت بولد ثبت نسبه منه، وإن جاءت هذه التي فجر
بها بولد لم يثبت نسبه منه اهـ. فقوله لأن الزفاف شبهة صريح في أن نفس الزفاف شبهة
مسقطة للحد بدون إخبار، فهذا نص الكافي، وهو الجامع لكتب ظاهر الرواية، فالظاهر
أن ما في المتون رواية أخرى، أو هو محمول على ما إذا لم نقم قرينة ظاهرة من عرس
تجتمع فيه النساء أو من إرسال من تأتي بها إليه أو نحو ذلك مما يزيد على الإخبار، فلو
لم يكن شيء من ذلك، كما إذا تزوج امرأة ثم بعد مدة أدخلت عليه امرأة في بيته ولم
يعلم أنها التي عقد عليها أو غيرها، ولكنه ظن أنها هي فوطئها فهنا لا بد من إخبار
واحدة أو أكثر بأنها زوجته، وإلا لزمه الحد، هذا ما ظهر لي، ولم أر من تعرض له،
والله تعالى أعلم. قوله: (وعليه مهرها) أي ويكون لها كما قضى به علي رضى الله عنه،
وهو المختار، لأن الوطء كالجناية عليها لا لبيت المال كما قضى به عمر رضي الله
عنه، وكأنه جعله حق الشرع عوضاً عن الحد، وتمامه في الزيلعي وغيره. قوله: (بذلك
قضى عمر) كذا وقع في الدر، وصوابه ((عليّ)). وفي العزمية أنه سهو ظاهر.
(١) في ط (قوله المنصة) بكسر الميم وبالصاد المهملة المشددة: هو الكرسي الذي تقف عليه العروس في
جلائھا.

٣٨
كتاب الحدود/ باب الوطء الذي يوجب الحد، والذي لا يوجبه
(أو) بوطء (دبر) وقالا: إن فعل في الأجانب حدّ، وإن في عبده أو أمته أو
زوجته فلا حدّ إجماعاً بل يعزّر. قال في الدرر بنحو الإحراق بالنار وهدم الجدار
والتنكيس من محل مرتفع باتباع الأحجار. وفي الحاوي: والجلد أصح. وفي
الفتح: يعزّر ويسجن حتى يموت أو يتوب. ولو اعتاد اللواطة قتله الإمام سياسة.
قلت: وفي النهر معزياً للبحر: التقييد بالإمام يفهم أن القاضي ليس له
الحكم بالسياسة .
فرع: في الجوهرة: الاستمناء حرام، وفيه التعزير، ولو مكن امرأته أو أمته
مَطْلَبٌ فِي وَطْءِ الدُّبُرِ
قوله: (أو بوطء دبر) أطلقه فشمل دبر الصبيّ والزوجة والأمة فإنه لا حدّ عليه.
مطلقاً عند الإمام. منح. ويعزّر. هداية. قوله: (حد) فهو عندهما كالزنا في الحكم
فیجلد جلداً إن لم یکن احصن، ورجما إن أحصن. نهر.
مَطْلَبٌ فِي حُكْمِ اللَّوَاطَةِ
قوله: (بنحو الإحراق الخ) متعلق بقوله يعزّر. وعبارة الدرر: فعند أبي حنيفة
يعزّر بأمثال هذه الأمور.
واعترضه في النهر بأن الذي ذكره غيره تقييد قتله بما إذا اعتاد ذلك. قال في
الزيادات: والرأي إلى الإمام فيما إذا اعتاد ذلك، إن شاء قتله، وإن شاء ضربه وحبسه.
ثم نقل عبارة الفتح المذكورة في الشرح وكذا اعترضه في الشرنبلالية بكلام الفتح. وفي
الأشباه من أحكام غيبوبة الحشفة: ولا يجد عند الإمام إلا إذا تكرر فيقتل على المفتى
به اهـ. قال البيري: والظاهر أنه يقتل في المرة الثانية لصدق التكرار عليه اهـ. ثم ظاهر
عبارة الشارح أنه يعزّر بالإحراق ونحوه ولو في عبده ونحوه، وهو صريح ما في الفتح.
حيث قال: ولو فعل هذا بعبده أو أمته أو زوجته بنكاح صحيح أو فاسد لا يجد إجماعاً،
كذا في الكافي؛ نعم فيه ما ذكرنا من التعزير والقتل لمن اعتاده. قوله: (والتنكيس الخ)
قال في الفتح: وكان مأخذ هذا أن قوم لوط أهلكوا بذلك حيث خملت قراهم ونكست
بهم، ولا شك في اتباع الهدم بهم وهم نازلون. قوله: (وفي الحاوي) أي الحاوي
القدسي. وعبارته: وتكلموا في هذا التعزير من الجلد ورميه من أعلى موضع، وحبسه
في أنتن بقعة وغير ذلك سوى الإخصاء والجبّ، والجلد أصح اهـ. وسكت عليه في
البحر والنهر، فتأمل. قوله: (التقييد بالإمام الخ) فيه كلام قدمناه قبل هذا الباب. قوله:
(الاستمناء حرام) أي بالكف إذا كان لاستجلاب الشهوة، أما إذا غلبته الشهوة وليس له
زوجة ولا أمة نفعل ذلك لتسكينها فالرجاء أنه لا وبال عليه كما قاله أبو الليث، ويجب

٣٩
كتاب الحدود/ باب الوطء الذي يوجب الحد، والذي لا يوجبه
من العبث بذكره فأنزل كره ولا شيء عليه (ولا تكون) اللواطة (في الجنة على
الصحيح) لأنه تعالى استقبحها وسماها خبيثة، والجنة منزهة عنها. فتح. وفي
الأشباه: حرمتها عقلية فلا وجود لها في الجنة. وقيل سمعية
لو خاف الزنا. قوله: (كره) الظاهر أنها كراهة تنزيه، لأن ذلك بمنزلة ما لو أنزل بتفخيذ
أو تبطين. تأمل. وقدمنا عن المعراج في باب مفسدات الصوم: يجوز أن يستمني بيد
زوجته أو خادمته، وانظر ما كتبناه هناك. قوله: (ولا شيء عليه) أي من حدّ وتعزير،
وكذا من إثم على ما قلناه.
مَطْلَبُ: لَا تَكُونُ اللُّوَاطَةُ فِي الْجَنَّةِ
قوله: (ولا تكون اللواطة في الجنة) قال السيوطي: قال ابن عقيل الحنبلي:
جرت مسألة بين أبي علي بن الوليد المعتزلي وبين أبي يوسف القزويني في ذلك،
فقال ابن الوليد: لا يمنع أن يجعل ذلك من جملة اللذات في الجنة لزوال المفسدة، لأنه
إنما منع في الدنيا لما فيه من قطع النسل وكونه محلاً للأذى وليس في الجنة ذلك،
ولهذا أبيح شرب الخمر لما ليس فيه من السكر وغاية العربدة وزوال العقل فلذلك لم
يمنع من الالتذاذ بها. فقال أبو يوسف: الميل إلى الذكور عاهة، وهو قبيح في نفسه،
لأنه محل لم يخلق للوطء، ولهذا لم يبح في شريعة، بخلاف الخمر وهو مخرج الحدث،
والجنة نزهت عن العاهات. فقال ابن الوليد: العاهة هي التلويث بالأذى، فإذن لم يبق
إلا مجرد الالتذاذ اهـ كلامه. رملي على المنح. قوله: (حرمتها عقلية) الظاهر أن المراد
بالحرمة هنا القبح إطلاقاً لاسم المسبب على السبب: أي قبحها عقلي، بمعنى أنه يدرك
بالعقل وإن لم يرد به الشرع كالظلم والكفر، لأن مذهبنا أنه لا يحرم بالعقل شيء: أي
لا يكون العقل حاكماً بحرمته، وإنما ذلك لله تعالى، بل العقل مدرك لحسن بعض
المأمورات وقبح بعض المنهيات فيأتي الشرع حاكماً بوفق ذلك فيأمر بالحسن وينهى
عن القبح. وعند المعتزلة: يجب ما حسن عقلًا ويحرم ما قبح وإن لم يرد الشرع بوجوبه
أو حرمته. فالعقل عندهم هو المثبت، وعندنا المثبت هو الشرع والعقل آلة لإدراك
الحسن والقبح قبل الشرع. وعند الأشاعرة: لا حظ للعقل قبل الشرع، بل العقل تابع
للشرع، فما أمر به الشرع يعلم بالعقل أنه حسن، وما نهى عنه يعلم أنه قبيح، وتمام
أبحاث المسألة يعلم من كتب الأصول ومن حواشينا على شرح المنار(١). قوله: (وقيل
(١) الحسن في اللغة، ضد القبح، يقال: حسن فهو حسن، والجمع حسان، قال تعالى: ﴿وقولوا للناس
حسناً﴾ وقرىء بضم السين.
ويطلق الحسن والقبح على ثلاثة أمور إضافية لا ذاتية.
١- أولها: يطلق الحسن على ملاءمة الشيء للطباع، بأن يكون موافقاً لغرض فاعله، باعتباره أنه جالب له لذة . =

٤٠
كتاب الحدود/ باب الوطء الذي يوجب الحد، والذي لا يوجبه
= ويطلق القبح على منافرته له، باعتبار أنه دافع له ألماً.
وعلى هذا الإطلاق: فالحسن. ما كان ملائماً للطبع، والقبح ما كان منافراً للطبع، والأفعال بهذا الاعتبار
تختلف باختلاف الناس، بل قد تختلف باختلاف أزمنة الشخص الواحد وأحواله.
وعليه: يبعد اتصاف الفعل بالحسن والقبح، اتصافاً ذاتياً، لعدم استقرار هذا الوصف.
٢- وثانيها: يطلق الحسن على ما أمر الشارع بالثناء على فاعله، كما يطلق القبح على ما أمر الشارع بالذم
لفاعله.
وليس هذا الاطلاق ذاتياً، بل هو صفة إضافية اعتبارية، لا معنى قائم بالذات، إذ أنه يختلف باختلاف ورود
أمر الشارع في الأفعال.
٣- وثالثها: يطلق الحسن على ما لا حرج في فعله، ويطلق القبح على ما فيه حرج. وليس هذا أيضاً ذاتياً،
لاختلاف الأحوال والأزمان.
أما اطلاق الحسن والقبح بمعنى ((الكمال، والنقصان)) فإنما يكون في الصفات، والكلام هنا في الأفعال،
وهما بهذا المعنى عقليان.
إذا علمنا هذا: أدركنا أن الحسن والقبح بالمعنى الأول: لا خلاف بين العلماء في كونه عقلياً، يدرك
بالعقل من غير توقف على ورود الشرع، وإرسال الرسل.
وبالمعنى الثاني والثالث: شرعيان، لا يحكم بهما إلا الشرع.
وقد وقع الخلاف بين الأشاعرة، والمعتزلة، والماتريدية، في المعنيين الآخرين.
(!) فالأشاعرة: وكثير من المتكلمين، وجماعة من الحنفية: ذهبوا إلى أن الحسن والقبح في الأفعال، لا
يدركان بالعقل، بل ادراكهما يكون من جهة الشرع. فالفعل الذي أمر الله تعالى به حسن، لأن الشارع هو
الذي جعله مناطاً للمدح والثواب، ولا يستقل العقل بإدراكه، وكذا ما نهى عنه الله تعالى، فهو قبيح، لأن
الشارع نهى عنه، وجعله مناطاً للذم والعقاب، ولا يدرك ذلك العقل.
فهم يرون أن العقول تختلف اختلافاً بيناً في حكمها على الفعل الواحد، وكثيراً ما يغلب عليها الهوى،
فيحكم العقل بمقتضاه، فالحاكم بالحسن والقبح هو الشارع، ولا دخل للعقل فيه.
وبمعنى آخر: أن الأفعال لا حسن لها ولا قبح، بل حسنها عبارة عن كونها مأموراً بها شرعاً، وقبحها عبارة
عن كونها منهياً عنها شرعاً، وليس لها في نفسها صفة يكشف عنها الشرع، بل هما مستفادان منه.
وقد اعتبروا العقل آلة لفهم الخطاب الشرعي، ومعرفة صدق الناقل. ولا يعنون بهذا أن العقل لا حكم له
في شيء أصلاً . إذ أحكامه في الأشياء أكثر من أن تحصى . بل مرادهم أن العقل لا يحكم بأن الفعل حسن أو
قبيح.
إذ ليس في ذوات الأفعال أو صفاتها ما يدرك به العقل حسن الفعل أو قبحه. وبنوا على هذا: أنه لا حكم
قبل البعثة، فلا حكم لفعل العبد فيما لم يرسل به رسلاً، أو ينزل به كتباً، فحيث لا أمر ولا نهي من
الشارع، فلا ثواب ولا عقاب، قبل ورود الشرائع، وإرسال الرسل.
فالأشاعرة لا يجب عندهم شيء، ولا يحرم شيء قبل البعثة، فقبل ورود الشرع، لا يعرف ما ينبغي أن يكون
مأموراً به، أو منهياً عنه، فالشارع هو المثبت والمبين لا العقل.
وقد استدلوا بقوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾، فإنه تعالى نفى التعذيب قبل البعثة، وهو
يستلزم نفي الوجوب قبلها، لأن التعذيب لازم لترك الواجب، فإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم فلا عذاب إلا
حيث يبعث الرسل. لقوله تعالى: ﴿لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيماً﴾.
فلو كان حسن الفعل مدركاً بالعقل لزم تعذيب تارك الواجب، ومرتكب الحرام، ورد الشرع أم لا.
وأما المعتزلة: والكرامية، والخوارج، والبراهمة، والثنوية وكثير من الحنفية، وبعض الشافعية، وابن تيمية
ومن حذا حذوه من الحنابلة، فقد ذهبوا إلى أن الحسن والقبح عقليان، لا شرعيان - بمعنى أنهما ثابتان قبل
الشرع، والشرع دليل عليهما، إذ الشرع مؤيد للأحكام التي أدركها العقل، ومبين للأحكام التي لم =