النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
كتاب الأيمان
وعرف العرب وعادتهم الخالية عن اللحن، وكلام الناس اليوم خارج عن قواعد العربية
سوى النادر، فهو لغة اصطلاحية لهم كباقي اللغات الأجنبية، فلا يعاملون بغير لغتهم
وقصدهم، إلا من التزم منهم الإعراب أو قصد المعنى اللغوي، فينبغي أن يدين. وعلى
هذا قال شيخ مشايخنا السائحاني: إن أيماننا الآن لا تتوقف على تأكيد، فقد وضعناها
وضعاً جديداً واصطلحنا عليها وتعارفناها، فيجب معاملتنا على قدر عقولنا ونياتنا، كما
أوقع المتأخرون الطلاق بعليّ الطلاق، ومن لم يدر بعرف أهل زمانه فهو جاهل اهـ.
قلت: ونظير هذا ما قالوه من أنه لو أسقط الفاء الرابطة لجواب الشرط فهو تنجيز
لا تعليق، حتى لو قال إن دخلت الدار أنت طالق تطلق في الحال، وهذا مبني على
قواعد العربية أيضاً، وهو خلاف المتعارف الآن فينبغي بناؤه على العرف كما قدمناه عن
المقدسي في باب التعليق، وقدمنا هناك ما يناسب ذكره هنا فراجعه، والله سبحانه أعلم.
تنبيه: ما مر إنما هو في القسم، بخلاف التعليق فإنه وإن سمي عند الفقهاء حلفاً
ويميناً لكنه لا يسمى قسماً، فإن القسم خاص باليمين بالله تعالى كما صرح به
القهستاني، أما التعليق فلا يجري اشتراط اللام والنون في المثبت منه لا عند الفقهاء ولا
عند اللغويين، ومنه الحرام يلزمني وعليّ الطلاق لا أفعل كذا، فإنه يراد به في العرف
إن فعلت كذا فهي طالق فيجب إمضاؤه عليهم كما صرح به في الفتح وغيره كما يأتي.
قال ح: فاندفع بهذا ما توهمه بعض الأفاضل من أن في قول القائل عليّ الطلاق أجيء
اليوم، إن جاء في اليوم وقع الطلاق، وإلا فلا لعدم اللام والنون؛ وأنت خبير بأن
النحاة إنما اشترطوا ذلك في جواب القسم المثبت لا في جواب الشرط، وإلا كان معنى
قولك إن قام زيد أقم إن قام زيد لم أقم ولم يقل به عاقل فضلاً عن فاضل. على أن
قوله أجيء ليس جواب الشرط، بل هو فعل الشرط، لأن المعنى إن لم أجىء اليوم
فأنت طالق، وقد وقع هذا الوهم بعينه للشيخ الرزلي في الفتاوى الخيرية ولغيره أيضاً.
قال السيد أحمد الحموي في تذکرته الکبری: رفع إليّ سؤال صورته: رجل اغتاظ من
ولد زوجته فقال عليّ الطلاق إني أصبح أشتكيك من النقيب، فلما أصبح تركه ولم
يشتكه ومكث مدة فهل والحالة هذه يقع الطلاق أم لا؟ الجواب: إذا ترك شكايته
ومضى مدة بعد حلفه لا يقع عليه الطلاق، لأن الفعل المذكور وقع في جواب اليمين
وهو مثبت فيقدر النفي حيث لم يؤكد، والله تعالى أعلم؛ كتبه الفقير عبد المنعم
النبتيتي فرفعه إلى جماعة قائلين ماذا يكون الحال، فقد زاد به الأمر وتقدم بين العوام
وتأخرت أولو الفضل أفيدوا الجواب؟ فأجبت بعد الحمد لله: ما أفتى به من عدم وقوع
الطلاق معللاً بأن الفعل المذكور وقع جواباً ليمين وهو مثبت فيقدر النفي حيث لم

٥٠٢
كتاب الأيمان
وهو اللام والنون كقوله والله لأفعلن كذا) ووالله لقد فعلت كذا مقروناً بكلمة
التوكيد، وفي النفي بحرف النفي، حتى لو قال والله أفعل كذا اليوم كانت يمينه
على النفي وتكون ((لا)) مضمرة كأنه قال لا أفعل كذا لامتناع حذف حرف التوكيد
في الإثبات لإضمار العرب في الكلام الكلمة لا بعض الكلمة. من البحر عن
المحيط (وكفارته) هذه إضافة للشرط، لأن السبب عندنا الحنث
يؤكد، فمنبئ عن فرط جهله وحمقه وكثرة مجازفته في الدين وخرقه إذ ذاك في الفعل
إذا وقع جواباً للقسم بالله نحو ﴿قَاللَّهِ تَفْتَأْ﴾ [يوسف: ٨٥] أي لا تفتأ لا في جواب
اليمين بمعنى التعليق بما يشتق من طلاق وعتاق ونحوهما، وحينئذ إذا أصبح الحالف
ولم يشتكه وقع عليه الطلاق الثلاث وبانت زوجته منه بينونة كبرى.
إذا تقرّر هذا فقد ظهر لك أن هذا المفتي أخطأ خطأ صراحاً لا يصدر عن ذي
دين وصلاح، ولله در القائل: [الطويل]
مِنَ الدِّينِ كَشْفُ السِّتر عَنْ كَاذِبٍ وَعَنْ كُلِّ بِدْعِيٍّ أَتَّى بَالعَجَائِبِ
فَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ لَهُدِّمَتْ صَوَامِحَ دِينِ الله مِنْ كُلِّ جَانِبٍ
والله الهادي للصواب، وإليه المرجع والمآب. قوله: (ووالله لقد فعلت) بصيغة
الماضي ولا بد فيها من اللام مقرونة بقد أو ربما إن كان متصرفاً، وإلا فغير مقرونة كما
في التسهيل. قوله: (وفي النفي الخ) عطف على قوله: ((في الإثبات)) أي أن الحلف
إذا كان الجواب فيه مضارعاً منفياً لا يكون باللام والنون إلا لضرورة أو شذوذ، بل
يكون بحرف النفي ولو مقدراً كقوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَا﴾ [يوسف: ٨٥] فقوله: ((حتى
لو قال الخ)) تفريع صحيح أفاد به أن حرف النفي إذا لم يذكر يقدر، وأن الدالّ على
تقديره عدم شرط كونه مثبتاً وهو حرف التوكيد، وأنه إذا دار الأمر بين تقدير النافي
وحرف التوكيد تعين تقدير النافي، لأن كلمة ((لا)) بعض كلمة، فافهم، لكن اعترض
الخير الرملي بأن حرف التوكيد كلمة أيضاً. والجواب أن المراد بالكلمة ما يتكلم بها
بدون غيرها، أو ما ليست متصلة بغيرها في الخط. قوله: (وكفارته) أي اليمين بمعنى
الحلف أو القسم، فلا يرد أنها مؤنث سماعاً. نهر. قوله: (هذه إضافة للشرط) لما كان
الأصل في إضافة الأحكام إضافة الحكم إلى سببه، كحد الزنا أو الشرب أو السرقة،
واليمين ليس سبباً عندنا للكفارة، خلافاً للشافعي رحمه الله تعالى، بل السبب عندنا هو
الحنث كما يأتي بين أن ذلك خارج عن الأصل وأنه من الإضافة إلى الشرط مجازاً،
وهي جائزة وثابتة في الشرع كما في كفارة الإحرام وصدقة القطر، وكون اليمين شرطاً
لا سبباً مبين بأدلته في الفتح وغيره.

٥٠٣
كتاب الأيمان
(تحرير رقبة أو إطعام عشرة مساكين) كما مر في الظهار (أو كسوتهم بما) يصلح
للأوساط وينتفع به فوق ثلاثة أشهر،
مَطْلَبْ: كَفَّارَةُ أَلَيَمِينِ
قوله: (تحرير رقبة) لم يقل عتق رقبة، لأنه لو ورث من يعتق عليه فنوى عن
الكفارة لم يجز. نهر. قوله: (عشرة مساكين) أي تحقيقاً أو تقديراً، حتى لو أعطى
مسكيناً واحداً في عشرة أيام كل يوم نصف صاع يجوز، ولو أعطاه في يوم واحد بدفعات
في عشر ساعات، قيل يجزى، وقيل لا، وهو الصحيح، لأنه إنما جاز إعطاؤه في اليوم
الثاني تنزيلاً له منزلة مسكين آخر لتجدّد الحاجة. من حاشية السيد أبي السعود وفيها:
يجوز أن يكسو مسكيناً واحداً في عشر ساعات من يوم عشرة أثواب أو ثوباً واحداً، بأن
يؤديه إليه ثم يسترده منه إليه أو إلى غيره بهبة أو غيرها، لأن لتبدّل الوصف تأثيراً في تبدل
العين، لكن لا يجوز عند أكثرهم. قهستاني عن الكشف. وقوله: ((لكن لا يجوز)) يحتمل
تعلقه بالثانية فقط أو بها وبالأولى أيضاً، وهو الظاهر بدليل ما قدمناه اهـ.
قلت: ومراده بالثانية قوله: أو ثوباً واحداً، وفي الجوهرة: وإذا أطعمهم بلا إدام
لم يجز، إلا في خبز الحنطة، وإذا غدى مسكيناً وعشى غيره عشرة أيام لم يجزه، لأنه
فرّق طعام العشرة على عشرين، كما إذا فرق حصة المسكين على مسكينين، ولو غدى
مسكيناً وأعطاه قيمة العشاء أجزأه، وكذا إذا فعله في عشرة مساكين؛ ولو عشاهم في
رمضان عشرين ليلة أجزأه اهـ. لكن في البزازية: إذا غداهم في يوم وعشاهم في يوم
آخر فعن الثاني فيه روايتان: في رواية شرط وجودهما في يوم واحد، وفي رواية
المعلى لم يشترط. وفي كافي الحاكم: وإن أطعم عشرة مساكين كل مسكين صاعاً عن
يمينين لم يجزه إلا عن إحداهما عندهما. وقال محمد: يجزيه عنهما. قوله: (كما مر
في الظهار) أي كالتحرير والإطعام المارين في الظهار من كون الرقبة غير فائتة جنس
المنفعة ولا مستحقة للحرية بجهة. وفي الإطعام، إما التمليك، أو الإباحة، فيعشيهم
ويغديهم؛ ولو أطعم خمسة وكسا خمسة أجزأه ذلك عن الإطعام إن كان أرخص من
الكسوة. وعلى العكس لا يجوز هذا في طعام الإباحة؛ أما إذا ملكه فيجوز ويقام مقام
الكسوة؛ ولو أعطى عشرة كل واحد ألف منّ من الحنطة عن كفارة اليمين لا يجوز إلا
عن واحدة عند الإمام والثاني، وكذا في كفارة الظهار، كذا في الخلاصة. نهر.
قلت: وبه علم أن حيلة الدرر لا تنفع هنا بخلافها في إسقاط الصلاة. قوله: (بما
يصلح للأوساط) وقيل يعتبر في الثوب حال القابض، إن كان يصلح له يجوز، وإلا فلا.
قال السرخسي: والأول أشبه بالصواب. بزازية. قوله: (وينتفع به فوق ثلاثة أشهر) لأنها
أكثر نصف مدة الثوب الجديد كما في الخلاصة فلا يشترط كونه جديد، والظاهر أنه لو

٥٠٤
كتاب الأيمان
و (يستر عامة البدن) فلم يجز السراويل إلا باعتبار قيمة الإطعام.
(ولو أدّى الكل) جملة أو مرتباً ولم ينو إلا بعد تمامها
كان جديداً رقيقاً لا يبقى هذه المدة لا يجزي. قوله: (ويستر عامة البدن) أي أكثره
كالملاءة أو الجبة أو القميص أو القباء. قهستاني. وهذا بيان لأدناه عندهما. والمروي
عن محمد ما تجوز فيه الصلاة، وعليه فيجزيه دفع السراويل عنده للرجل لا للمرأة.
قوله: (فلم يجز السراويل) هو الصحيح، لأن لبسه يسمى عرياناً عرفاً، فلا بد على هذا
أن يعطيه قميصاً أو جبة أو رداء أو قباء أو إزاراً سابلا بحيث يتوشح به(١) عندهما، وإلا
فهو كالسراويل، ولا تجزي العمامة إلا إن أمكن أن يتخذ منها ثوب مجزئ. وأما القلنسوة
فلا تجزي بحال، ولا بد للمرأة من خمار مع الثوب، لأن صلاتها لا تصح بدونه وهذا:
أي التعليل المذكور يشابه المروي عن محمد في السراويل أنه لا يكفي للمرأة. وظاهر
الجواب ما يثبت به اسم المكتسي وينتفي عنه اسم العريان لا صحة الصلاة وعدمها،
والمرأة إذا كانت لابسة قميصاً سابلاً وخماراً غطى رأسها وأذنيها دون عنقها لا شك في
ثبوت اسم أنها مكتسية لا عريانة، ومع هذا لا تصح صلاتها اهـ. ملخصاً من الفتح.
وحاصله أنه لا بد مع الثوب من الخمار، لكن لا يشترط أن يكون الخمار مما
تصح به الصلاة. وقد اقتصر في البحر على صدر عبارة الفتح، فأوهم أنه لا يشترط
الخمار أصلاً وليس كذلك، فليتنبه له. وفي الشرنبلالية: ولم أر حكم ما يغطي رأس
الرجل اهـ.
قلت: إن كان توقفه في إجزائه فلا شك في عدمه، وإن كان في اشتراطه مع
الثوب فظاهر ما مر عدمه. وفي الكافي: الكسوة ثوب لكل مسكين إزار ورداء أو
قميص أو قباء أو كساء اهـ. وقدمنا أن المراد ما يستر أكثر البدن. قوله: (إلا باعتبار
قيمة الإطعام) ومثله لو أعطى نصف ثوب تبلغ قيمته قيمة نصف صاع من برّ أو صاع
من تمر أو شعير أجزأه عن إطعام فقير، وكذا لو أعطى عشرة مساكين ثوباً كبيراً لا
يكفي كل واحد حصته منه للكسوة وتبلغ حصة كل منهم قيمة ما ذكرنا أجزأه عن
الكفارة بالإطعام. ثم ظاهر المذهب أنه لا يشترط للإجزاء عن الإطعام أن ينوي به عن
الإطعام. وعن أبي يوسف يشترط. فتح. قوله: (ولم ينو بعد تمامها) شرط في قوله:
(مرتباً)) فقط. وفيه أن النية بعد تمامها إنما تلائم الإطعام والكسوة لصحة النية بعد الدفع
ما داما في يد الفقير كما في الزكاة، وأما الإعتاق فلا، إلا أن تصورّ المسألة فيما إذا
تقدمت الكسوة والإطعام وعند الإعتاق نوى الثلاثة عن الكفارة اهـح. والمراد بالإطعام
(١) في ط (قوله يتوشح به) يقال توشح بثوبه: وهو أن يدخله تحت إبطه الأيمن ويلقيه على منكبه الأيسر كما
يفعل المحرم.

٥٠٥
كتاب الأيمان
للزوم النية لصحة التكفير (وقع عنها واحد هو أعلاها قيمة، ولو ترك الكل عوقب
بواحد هو أدناها قيمة) لسقوط الفرض بالأدنى (وإن عجز عنها) كلها (وقت
الأداء) عندنا، حتى لو وهب ماله وسلمه ثم صام ثم رجع بهبة أجزأه الصوم.
مجتبى. قلت: وهذا يستثنى من قولهم الرجوع في الهبة فسخ من الأصل (صام
ثلاثة أيام ولاء) ويبطل بالحيض، بخلاف كفارة الفطر. وجوّز الشافعي التفريق،
واعتبر العجز عند الحنث. مسكين (والشرط استمرار العجز إلى الفراغ من
الصوم، فلو صام المعسر يومين ثم) قبل فراغه ولو بساعة (أيسر) ولو بموت
التمليك لا الإباحة، لأنهم لو أكلوا عنده نوى لم يصح فيما يظهر. تأمل.
ثم إن مراد الشارح بيان إمكان تصوير المسألة، وهو وقوع الأعلى قيمة عن
الكفارة، لأنه إذا كان لا بد من النية فإذا فعل الثلاثة، فما نواه أولاً وقع عنها وإن كان
هو الأدنى، فبين إمكان ذلك بما إذا فعل الكل جملة أو مرتباً لكنه أخر النية. قوله:
(للزوم النية) علة لما استفيد من المقام أنه لا بد في التكفير من النية، وقد نص عليه
الكمال وغيره ط. قوله: (وإن عجز الخ) قال في البحر: أشار إلى أنه لو كان عنده
واحد من الأصناف الثلاثة لا يجوز له الصوم وإن كان محتاجاً إليه. ففي الخانية: لا
يجوز الصوم لمن يملك ما هو منصوص عليه في الكفارة أو يملك بدله فوق الكفاف؛
والكفاف: منزل يسكنه، وثوب يلبسه، ويستر عورته، وقوت يومه؛ ولو له عبد يحتاجه
للخدمة لا يجوز له الصوم؛ ولو له مال وعليه دين مثله: فإن قضى دينه كفر الصوم،
وإن صام قبل قضائه قيل يجوز وقيل لا؛ ولو له مال غائب أو دين مؤجل صام، إلا إذا
كان المال الغائب عبداً لقدرته على إعتاقه اهـ ملخصاً. وفي الجوهرة: والمرأة المعسرة
لزوجها منعها من الصوم، لأن كل صوم وجب عليها بإيجابها له منعها منه، وكذا
العبد، إلا إذا ظاهر من امرأته فلا يمنعه المولى لتعلق حق المرأة به، لأنه لا يصل إليها
إلا بالكفارة. قوله: (وقت الأداء) أي لا وقت الحنث، فلو حنث موسراً ثم أعسر جاز
له الصوم، وفي عكسه لا. وعند الشافعي على العكس. زيلعي. قوله: (قلت الخ)
قائله صاحب البحر. ووجهه أنه لو كان فسخاً: أي كأنه لم يقع لكان المال موجوداً في
يده فلا يجزيه الصوم ط. قوله: (ولاء) بكسرالواو والمد: أي متتابعة لقراءة ابن مسعود.
وأبيّ - فصيام ثلاثة أيام متتابعات - فجاز التقييد بها لأنها مشهورة فصارت كخبره
المشهور، وتمامه في الزيلعي. قوله: (بخلاف كفارة الفطر) أي كفارة الإفطار في
رمضان، فإن مدتها لا تخلو غالباً عن الحيض. قوله: (التفريق) أي صوم الثلاثة
متفرّقة. قوله: (فلو صام المعسر) مثله العبد إذا أعتق وأصاب ما لا قبل فراغ الصوم كما
في الفتح. قوله: (ثم قبل فراغه) أي من صوم اليوم الثالث بقرينة ثم، فافهم، والأفضل

٥٠٦
كتاب الأيمان
مورّثه موسراً (لا يجوز له الصوم) ويستأنف بالمال. خانية. ولو صام ناسياً للمال
لم يجز على الصحيح. مجتبى. ولو نسي كيف حلف بالله أو بطلاق أو بصوم لا
شيء عليه إلا أن يتذكر. خانية (ولم يجز) التكفير ولو بالمال خلافاً للشافعي (قبل
حنث) ولا يسترده من الفقير لوقوعه صدقة (ومصرفها مصرف الزكاة) فما لا فلا،
قيل إلا الذمي خلافاً للثاني، وبقوله يفتى كما مرّ في بابها (ولا كفارة بيمين كافر
وإن حنث مسلماً) بآية: ﴿إنهم لا أيمان لهم﴾ وأما ﴿وإن نكثوا أيمانهم) فيعني
الصوري كتحليف الحاكم (وهو) أي الكفر (يبطلها) إذا عرض بعدها.
(فلو حلف مسلماً ثم ارتدّ) والعياذ بالله تعالى (ثم أسلم ثم حنث فلا كفارة)
أصلًا، لما تقرر أن الأوصاف الراجعة للمحل يستوي فيها الابتداء والبقاء
كالمحرمية في النكاح، كذا لو نذر الكافر بما هو قربة لا يلزمه شيء (ومن حلف
على معصية كعدم الكلام مع أبويه أو قتل فلان) وإنما قال (اليوم) لأن وجوب
الحنث لا يتأتى إلا في اليمين المؤقتة.
إكمال صومه، فإن أفطر لا قضاء عليه عندنا كما في الجوهرة. قوله: (لم يجز على
الصحيح) وقياسه أنه لو صام لعجزه فظهر أن مورثه مات قبل صومه أن لا يجزيه. نهر.
قوله: (ولم يجز التكفير الخ) لأن الحنث هو السبب كما مر، فلا يجوز إلا بعد
وجوده. وفي القهستاني: واعلم أنه لو أخر كفارة اليمين أثم ولم تسقط بالموت
والقتل. وفي سقوط كفارة الظهار خلاف كما في الخزانة. قوله: (ولا يسترده) أي لو
كفر بالمال قبل الحنث وقلنا لا يجزيه، ليس له أن يسترده من الفقير، لأنه تمليك لله
تعالى قصد به القربة مع شيء آخر، وقد حصل التقرّب وترتب الثواب فليس له أن
ينقصه ويبطله. فتح. قوله: (فما لا فلا) أي ما لا يجوز دفع الزكاة إليه لا يجوز دفع
الكفارة إليه. قوله: (إلا الذمي) فإنه لا يجوز دفع الزكاة إليه ويجوز دفع غيرها. قوله:
(خلافاً للثاني) فعنده لا استثناء. قوله: (في بابها) أي الزكاة. قوله: (فيعني الصوري)
أي المراد بهذه الآية اليمين صورة كتحليف القاضي لهم إذ المقصود منها رجاء النكول،
والكافر وإن لم يثبت في حقه شرعاً اليمين المستعقب لحكمه لكنه في نفسه يعتقد
تعظيم اسم الله تعالى وحرمة اليمين به كاذباً فيمتنع عنه فيحصل المقصود فشرع إلزامه
بصورتها لهذه الفائدة، وتمامه في الفتح. قوله: (يبطلها) مقتضاه أنه لا يأثم بالحنث بعد
الإسلام. قوله: (لما تقرر الخ) علة لكون الكفر العارض مبطلًا لليمين كالكفر الأصلي
كحرمة المصاهرة العارضة؛ كما إذا زنى بأم امرأته فإنها تمنع بقاء الصحة كالحرمة
الأصلية، لأن الكفر والمحرمية من الأوصاف الراجعة للمحل وهو الكافر والمحرم،

٥٠٧
کتاب الأيمان
أما المطلقة فجنثه في آخر حياته، فيوصي بالكفارة بموت الحالف ويكفر عن
يمينه بهلاك المحلوف عليه. غاية (وجب الحنث والتكفير) لأنه أهون الأمرين.
وحاصله أن المحلوف عليه إما فعل أو ترك، وكل منهما إما معصية وهي
مسألة المتن، أو واجب كحلفه ليصلينّ الظهر اليوم وبرّه فرض، أو هو أولى من
غيره أو غيره أولى منه كحلفه على ترك وطء زوجته شهراً ونحوه وحنثه أولى، أو
مستويان كحلفه لا يأكل هذا الخبز مثلاً وبرّه أولى، وآية: ﴿واحفظوا أيمانكم﴾
تفید وجوبه. فتح. فهي عشرة.
فيستوي فيها الابتداء والبقاء؛ أي الطرقّ والعروض، ولم أر هذا التعليل لغيره. تأمل.
قوله: (أما المطلقة فحتثه في آخر حياته) هذا إذا كان المحلوف عليه إثباتاً، أما إن كان
نفياً فيأتي الحنث في الحال بأن يكلم أبويه، وبهذا عرفت أن اليوم قيد في الثاني
فقط ح. قوله: (في آخر حياته) الأولى أن يقول ((في آخر الحياة)) ليشمل حياة الحالف
وحياة المحلوف عليه. قوله: (ويكفر) عطف على يوصي. قوله: (لأنه أهون الأمرين)
لأنه فيه تفويت البرّ إلى جابر وهو الكفارة، ولا جابر للمعصية لو برّ كما في البحر.
قوله: (وحاصله) أي حاصل ما قيل في هذا المقام لا حاصل المتن فإنه قاصر على
الحلف بمعصية فعلاً وتركاً ط. قوله: (كحلفه ليصلينّ الظهر اليوم) هذا مثال للفعل،
ومثال الترك: والله لا أشرب الخمر اليوم ح. قوله: (أو هو أولى من غيره) مثال الفعل
منه: والله لأصليّن الضحى اليوم، ومثال الترك: والله لا آكل البصل، وحكم هذا القسم
بقسميه أن برّه أولى أو واجب ح: أي على ما بحثه الكمال في القسم الخامس. قوله:
(كحلفه على ترك الخ) هذا مثال الترك، ومثال الفعل: والله لآكلن البصل اليوم ح.
قوله: (ونحوه) أي نحو الشهر مما لم يبلغ مدة الإيلاء وإلا كان من قسم المعصية.
قوله: (أو مستويان) أي الفعل والترك بأن لم يترجح أحدهما قبل الحلف بوجوب ولا
أولوية. قوله: (تفيد وجوبه) هو بحث وجيه، ويجري أيضاً في القسم الثالث، ولا يبعد
أن يكون الوجوب هو المراد من قولهم أولى، وعبر في المجمع بقوله: ترجح البر.
مَطْلَبٌ: اسْتَعْمَلُوا لَفْظَ يَنْبَغِي بِمَعْنَى يَجِبُ
ويقرّ به قول الهداية والكنز وغيرهما، ومن حلف على معصية ينبغي أن يحنث،
فإن الحنث واجب كما علمت، فأرادوا بلفظ ((ينبغي)) الوجوب، مع أن الغالب استعماله
في غيره، فكذا هذا، كما تقول الأولى بالمسلم أن يصلي. قوله: (فهي عشرة) من
ضرب اثنين وهي صورتا الفعل والترك في خمسة: المعصية، والواجب، وما هو أولى
من غيره، وما غيره أولى منه، وما استوى فيه الأمران ط.

٥٠٨
کتاب الأيمان
(ومن حرّم) أي على نفسه، لأنه لو قال إن أكلت هذا الطعام فهو عليّ
حرام فأكله لا كفارة. خلاصة. واستشكله المصنف (شيئاً) ولو حراماً أو ملك
غيره كقوله الخمر أو مال فلان عليّ حرام فيمين ما لم يرد الإخبار. خانية (ثم
فعله) بأكل أو نفقة،
مَطْلَبٌ فِي تَحْرِيمِ الْحَلَالِ
قوله: (أي على نفسه) تبع في هذا التعبير صاحب البحر، حيث قال: وقيد بكونه
حرّمه على نفسه، لأنه لو جعل حرمته معلقة على فعله فإنه لا تلزمه الكفارة لما في
الخلاصة: لو قال إن أكلت هذا الطعام فهو عليّ حرام فأكله لا حنث عليه اهـ كلام
البحر. وأنت خبير بأنه في التعليق أيضاً حرم على نفسه، غاية الأمر أنه تحريم معلق
فلا تحسن المقابلة، والأولى أن يقول قيد بتنجيز الحرمة لأنه لو علقها الخ اهح.
قلت: وفيه أنه لو قال كذلك لو ردّ عليه مثل إن كلمت زيداً فهذا الطعام عليّ
حرام مع أنه علقها على فعل نفسه، بل الأولى أن يقول قيد بتنجيز الحرمة، لأنه لو
علقها على فعل المحلوف عليه، ويمكن أن يكون هذا مراد البحر في قوله: ((على
فعله» أي فعل المحلوف عليه، فافهم. قوله: (واستشکله المصنف) أي حيث قال:
قلت وهو مشكل بما تقرر أن المعلق بالشرط كالمنجز عند وقوع الشرط اهـ. والجواب
بالفرق هنا بين المنجز والمعلق، وهو أن في المنجز حرّم على نفسه طعاماً موجوداً،
أما في المعلق فإنه ما حرمه إلا بعد الأكل، لما علم أن الجزاء ينزل عقب الشرط،
وحينئذ لم يكن الطعام موجوداً اهـح.
قلت: لكن ذكر في الفتح مسألة الخلاصة المذكورة. ثم قال عقبها: وذكر في
المنتقى: لو قال كل طعام آكله في منزلك فهو عليّ حرام، ففي القياس لا يحنث إذا
أكله، هكذا روى ابن سماعة عن أبي يوسف. وفي الاستحسان: يحنث. والناس
يريدون بهذا أن أكله حرام اهـ. وعلى هذا يجب في التي قبلها أن يحنث إذا أكله، وكذا ما
ذكر في الحيل: إن أكلت طعاماً عندك أبداً فهو عليّ حرام فأكله لم يحنث، ينبغي أن
يكون جواب القياس اهـ. وتبعه في النهر. قوله: (فيمين) لأن حرمته لا تمنع كونه
حالفاً. نهر. قوله: (ما لم يرد الإخبار) المناسب أن يقول: إن أراد الإنشاء، فيخرج ما
إذا أراد الإخبار أو لم يرد شيئاً، لأن عبارة الخانية هكذا: إذا قال هذه الخمر عليّ حرام
فيه قولان. والفتوى على أنه ينوي في ذلك إن أراد به الخبر لا تلزمه الكفارة، وإن أراد
به اليمين تلزمه الكفارة وعند عدم النية لا تلزمه الكفارة اهـ. وفي الفتح: وإن أراد
الإخبار أو لم يرد شيئاً لا تجب الكفارة، لأنه أمكن تصحيحه إخباراً. قوله: (بأكل
أونفقة) أي أو نحوهما من لبس ثوب أو سكنى دار، كل شيء بما يناسبه ويقصد منه.

٥٠٩
کتاب الأيمان
ولو تصدّق أو وهب لم يحنث بحكم العرف. زيلعي (كفّر) ليمينه، لما تقرر أن
تحريم الحلال يمين، ومنه قولها لزوجها أنت عليّ حرام أو حرمتك على نفسي،
فلو طاوعته في الجماع أو أكرهها كفّرت. مجتبى. وفيه قال لقوم: كلامكم عليّ
حرام، أو كلام الفقراء، أو أهل بغداد، أو أكل هذا الرغيف عليّ حرام حنث
بالبعض، وفي والله لا أكلمكم أو لا آكله لم يحنث إلا بالكل. زاد في الأشباه:
قال في الفتح: واعلم أن الظاهر من تحريم هذه الأعيان انصراف اليمين إلى الفعل
المقصود منها كما في تحريم الشرع لها في نحو - حرمت عليكم أمهاتكم . وحرمت
الخمر والخنزير فإنه ينصرف إلى النكاح والشرب والأكل، ولذا قال في الخلاصة: لو
قال هذا الثوب عليّ حرام فلبسه حنث، إلا أن ينوي غيره. قوله: (ولو تصدق الخ) قال
في الفتح: ولو قال لدراهم في يده هذه الدارهم عليّ حرام، إن اشترى بها حنث، وإن
تصدّق بها أو وهبها لم يحنث بحكم العرف اهـ: أي أن العرف جار على أن المراد تحريم
الاستمتاع بها لنفسه، بأن يشتري بها ما يأكله أو يلبسه لا بأن يتصدّق بها. والظاهر أنه لو
قضى بها دينه لا يحنث. تأمل. وفي البحر: ولا خصوصية للدراهم، بل لو وهب ما
جعله حراماً أو تصدق به لم يحنث، لأن المراد بالتحريم حرمة الاستمتاع. قوله:
(ليمينه) أي لأجل يمينه التي حنث بها، فهو علة لقوله: ((كفّر)) وقوله: ((لما تقرّر الخ))
علة لكون ذلك يميناً فهو علة للعلة. ولا يرد عليه أن تحريم الحلال قد لا يكون يميناً
بأن قصد الإخبار، لأنه إذا قصد الإخبار لا يوجد التحريم، لأن التحريم إنشاء والإخبار
حكاية، فافهم. ودليل كون التحريم يميناً مبسوط في الفتح وغيره. قوله: (حنث
البعض) قال في الهداية: ثم إذا فعل مما حرمه قليلاً أو كثيراً حنث ووجبت الكفارة،
لأن التحريم إذا ثبت تناول كل جزء منه اهـ. قوله: (لم يحنث إلا بالكل) أي بكلام كل
القوم المخاطبين وأكل كل الرغيف، فلا يحنث بكلام بعضهم ولا أكل لقمة. قال في
النهر: وجزم في الخلاصة والمحيط في أكل الرغيف عليّ حرام بأنه يحنث بلقمة، ولعل
وجه الفرق أن تحريمه الرغيف على نفسه تحريم أجزائه أيضاً، وفي لا آكله إنما منع نفسه
من أكل الرغيف كله فلا يحنث بالبعض، وبهذا يضعف ما في الخانية. قال مشايخنا:
الصحيح أنه لو قال أكل هذا الرغيف عليّ حرام لا يحنث بأكل لقمة منه، لأن هذا
بمنزلة قوله: والله لا آكل هذا الرغيف؛ ولو قال هكذا لا يحنث بأكل البعض اهـ.
قلت: ويشير إلى هذا الفرق ما نقلناه عن الهداية. وتوضيحه أن الرغيف اسم
لكله وبأكل بعضه لا يسمى آكلاً له، لكن إذا حرّمه على نفسه فقد جعله بمنزلة محرم
العين حيث نسب التحريم إلى ذات الرغيف وجعله بمنزلة الخمر والميتة، وما كان
محرماً لا يحل تناوله قليله ولا كثيره، وحيث جعلنا هذا التحريم يميناً صار حالفاً على

٥١٠
كتاب الأيمان
إلا إذا لم يمكن أكله في مجلس واحد أو حلف لا يكلم فلاناً وفلاناً
عدم تناول شيء منه، لأن ذلك مدلول الأصل وهو التحريم، بخلاف قوله: والله لا
آكله، فإنه ليس فيه منع نفسه عن كل جزء منه بل عن جميعه، لكن أيد في البحر كلام
الخانية بأن حرمة العين يراد منها تحريم الفعل، فإذا قال هذا الطعام عليّ حرام فالمراد
أکله، وفي هذا الثوب المراد لبسه.
قلت: وفيه أن إسناد الحرمة إلى العين حقيقة عندنا كما تقرر في كتب الأصول
على معنى إخراج العين عن محلية الفعل لينتفي الفعل بالأولى، فالمقصود نفي الفعل
وتوصيفه بالحرمة بطريق الكناية والانتقال عن نفي العين، فلا بد من ظهور الفرق بين
إسناد الحرمة إلى الفعل ابتداء وإسنادها إلى العين، وقد ظهر فيما ذكروه هنا، لكن هذا
يظهر في قوله هذا الرغيف عليّ حرام. أما لو قال أكل هذا الرغيف عليّ حرام لا يحنث
بالبعض لإسناده الحرمة إلى الفعل، فصار كقوله والله لا آكله، ومثله كلامكم عليّ
حرام، لأن الحرمة لم تضف إلى العين بل الفعل وهو الكلام بمعنى التكليم، ولم أر
من فرق بين ذلك، مع أن الذي في الخانية ((هذا الرغيف)) بدون لفظة ((أكل)) على
خلاف ما نقله في النهر مع أنه لا يظهر الفرق المارّ إلا بدون لفظة ((أكل))؛ نعم وقع
التعبير بها في غير الخانية. والحاصل أن المسألة مشكلة، فلتحرر. قوله: (إلا إذا لم
يمكن الخ) أي فيحنث بأكل بعضه، وهو الأصح المختار لمشايخنا.
مَطْلَبٌّ: حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مُعَيَّنَاً فَأَكَلَ بَعْضَهُ
والأصل فيما إذا حلف لا يأكل معيناً فأكل بعضه إن كان يأكله الرجل في مجلس
أو يشربه في شربة فالحلف على جميعه، ولا يحنث بأكل بعضه لأن المقصود الامتناع
عن أكله، وكل ما لا يطاق أكله في المجلس ولا شربه في شربة يحنث بأكل بعضه،
لأن المقصود من اليمين الامتناع عن أصله لا عن جميعه؛ ولو قال لا أشرب لبن هاتين
الشاتين لم يحنث حتى يشرب من لبن كل شاة، ولم يعتبر شرب الكل لأنه غير
مقصود، أو لا يأكل سمن هذه الخابية فأكل بعضه حنث؛ ولو كان مكان الأكل بيع فباع
بعضها لا يحنث لأن الأكل لا يتأتى على جميعه في مجلس ويتأتى البيع، كذا في
المحيط. زاد في البدائع عن الأصل لو قال: لا آكل هذه الرمانة فأكلها إلا حبة أو
حبتين حنث في الاستحسان، لأن ذلك القدر لا يعتدّ به لأنه في العرف يقال إنه أكلها،
وإن ترك نصفها أو ثلثها أو أكثر مما لا يجري في العرف أنه يسقط من الرمانة لم يحنث
لأنه لا يسمى أكلاً لجميعها اهـ. وبه يعلم أن اليسير من الرغيف وغيره كاللقمة
كالعدم اهـ ملخصاً من البحر في باب اليمين بالأكل والشرب، وسيأتي هذا الأصل
هناك. قوله: (أو حلف الخ) معطوف على المستثنى وهو قوله: ((إذا لم يكن أكله)).

٥١١
کتاب الأيمان
.ونوی أحدهما أو لا يكلم إخوة فلان
قال في النهر: وفي مجموع النوازل: وكذا كلام فلان وفلان عليّ حرام يحنث بكلام
أحدهما، وكذا كلام أهل بغداد. وفي المحيط في كلام فلان وفلان عليّ حرام أو والله
لا أكلم فلاناً وفلاناً الصحيح أنه لا يحنث في المسألتين ما لم يكلمهما، إلا أن ينوي
كلام واحد منهما فيحنث بكلام أحدهما لأنه شدّد على نفسه اهـ.
قلت: وهذا إذا لم يذكر لا بعد العاطف.
مَطْلَبُ: لَا أَذُوقُ طَعَامَاً وَلَا شَرَابَاً حَيْثَ بِأَحِدِهِمَا،
بِخِلافٍ لَا أَذُوقُ طَعَاماً وَشَرَاباً
ففي البزازية: حلف بالطلاق لا يذوق طعاماً ولا شراباً فذاق أحدهما طلقت، كما
لو حلف لا يكلم فلاناً ولا فلاناً. ولو قال لا أذوق طعاماً وشراباً فذاق أحدهما لا
يحنث اهـ. وإذا كرّر ((لا)) فإنه يصير يمينين كما سنذكر في بحث الكلام عن الواقعات.
قوله: (ونوی أحدهما) أي نوى أن لا يكلم كل واحد منهما.
تنبيه: في الحاوي الزاهدي عن الجامع: إن لم أكن ضربت هذين السوطين في
دار فلان فعبدي حرّ فضرب أحدهما في دار غيره، أو قال إن لم أكلم فلاناً وفلاناً اليوم
فأنت طالق فكلم أحدهما اليوم فقط يحنث. وقال: وألحق بعضهم بذلك: إن لم
تحضري فراشي ولم تراعيني فأنت طالق فلم تحضر فراشه ولكن راعته فإنه يحنث.
قال: وفيه إشكال، وبينهما فرق جليّ، لأن الحنث في اليمين إنما يتحقق إذا صدق ما
دخل عليه حرف الشرط، ففي إن دخلت الدار إنما يحنث إذا صدق دخلت، وفي إن
لم أدخل إنما يحنث إذا صدق لم أدخل، فإذا قال إن لم أدخل هاتين الدارين اليوم أو
إن لم أكن ضربت هذين السوطين في دار فلان فحرف الشرط دخل على النفي وهو لم
أکن دخلت أو ضربت هاتين وهو نفي المجموع دخول الدارين وضرب السوطین،
ونفي المجموع يتحقق بنفي أحد أجزائه. بخلاف قوله إن لم تحضري فراشي ولم
تراعيني، فإنه لما كرّر حرف النفي كان نفياً لكل واحد منهما ونفي كل واحد منهما لا
يصدق مع ثبوت أحدهما، فإنه لا يصدق قولنا لم يقدم زيد ولم يقدم عمرو مع قدوم
أحدهما، ويصدق إن لم يقدم زيد وعمرو مع أحدهما، لكن ذكر في المحيط ما يدل
على صحة هذا الجواب، فإنه قال: إذا قال إن لم تكلمي فلاناً ولم تكلمي فلاناً اليوم
فأنت طالق فكلمت أحدهما ومضى اليوم طلقت، فقد صح هذا الجواب من حيث
الرواية، لكن ما قلته من الإشكال قويّ اهـ.
قلت: والجواب أنه إذا كرّر حرف النفي يكون نفي كل واحد بانفراده مقصوداً؛
ففي: إن لم تحضري فراشي ولم تراعيني يتحقق شرط الحنث بنفي كل واحد بانفراده

٥١٢
کتاب الأيمان
وله أخ واحد، وتمامه فيها.
قلت: وبه علم جواب حادثة حلف بالطلاق على أن أولاد زوجته لا
يطلعون بيته فطلع واحد منهم لم يحنث (كل حلّ) أو حلال الله أو حلال
لأنه يصير كأنه حلف على كل واحد بعينه، لأنه إذا كرّر النفي تكرر اليمين، حتى لو
قال لا أكلمك اليوم ولا غداً ولا بعد غد فهي أيمان ثلاثة، وإن لم يكرر النفي فهي
يمين واحد، حتى لو كلمه ليلاً يحنث بمنزلة قوله ثلاثة أيام كما سيأتي عن الواقعات
في بحث الكلام وأما عدم الصدق في لم يقدم زيد ولم يقدم عمرو مع قدوم زيد مثلاً
فلأنه إخبار عن قدوم في كل منهما بانفراده حيث جعله مقصوداً بالنفي، فإذا علق ذلك
بالشرط يتحقق شرط الحنث وهو أنه لم يقدم زيد، هذا ما ظهر لي، فتدبره. قوله:
(وله أخ واحد) أي وهو عالم به كما قيد بذلك قبيل باب اليمين بالطلاق والعتاق،
فحينئذ يحنث إذا كلمه، لأنه ذكر الجمع وأراد الواحد، وإن كان لا يعلم أن الأخ واحد
لا يحنث لأنه لم يرد الواحد فبقيت اليمين على الجمع، كمن حلف لا يأكل ثلاثة
أرغفة من هذا الحب وليس فيه إلا رغيف واحد وهو لا يعلم لا يحنث. بحر عن
الواقعات. قوله: (قلت الخ) البحث لصاحب البحر في الباب الآتي، وقوله: ((وبه
علم)) أي بما ذكره من مسألة الإخوة فإنه جمع ليس فيه الألف واللام بل هو مضاف
مثل أولاد زوجته، فحيث كان عالماً بتعددهم لا يحنث إلا بالجمع كما في لا أكلم
رجالاً أو نساء، بخلاف ما فيه الألف واللام مثل لا أكلم الفقراء أو المساكين أو الرجال
فإنه يحنث بالواحد لأنه اسم جنس كما في الواقعات.
مَطْلَبٌ: الجَمْعُ المُضَافُ كَالمُنْكَرٍ، بِخِلَافٍ أَلْمُعَرَّفِ بِأَنْ
وما مرّ عن الواقعات في إخوة فلان صريح في أن الجمع المضاف كالمنكر،
وسيأتي في آخر باب اليمين بالأكل والشرب والكلام تمام تحقيق المعرف والمنكر
والمضاف. وتحرير جواب هذه الحادثة. قال في البحر: لكن قال في القنية: إن
أحسنت إلى أقربائك فأنت طالق، فأحسنت إلى واحد منهم يحنث، ولا يراد الجمع في
عرفنا اهـ. فيحتاج إلى الفرق إلا أن يدعي أن في العرف فرقاً اهـ.
قلت: لا يخفى أن العرف الآن عدم التفرقة بين إخوة فلان وقربائك وأولاد زوجته
ونحوه من الجمع للمضاف في أنه يراد به الجنس الصادق بالواحد والأكثر، فينبغي
الحنث في الحادثة المذكورة.
مَطْلَبٌ: كُلُّ حِلّ عَلَيْهِ حَرَامٌ
قوله: (كل حل الخ) قال في الهداية: ولو قال كل حلّ عليّ حرام فهو على
الطعام والشراب، إلا أن ينوي غير ذلك. والقياس أن يحنث كما فرغ لأنه باشر فعلاً

٥١٣
کتاب الأيمان
المسلمين (عليّ حرام) زاد الكمال: أو الحرام يلزمني ونحوه (فهو على الطعام
والشراب، و) لكن (الفتوى) في زماننا (على أنه تبين امرأته) بطلقة، ولو له
مباحاً وهو التنفس ونحوه، وهذا قول زفر وجه الاستحسان أن المقصود وهو البِّ لا
يحصل مع اعتبار العموم، فينصرف إلى الطعام والشراب للعرف فإنه يستعمل فيما يتناول
عادة، ولا يتناول المرأة إلا بالنية لإسقاط اعتبار العموم، وإذا نواها كان إيلاء، ولا
يصرف اليمين عن المأكول والمشروب، وهذا كله جواب ظاهر الرواية. ومشايخنا
قالوا: يقصر به الطلاق من غير نية لغلبة الاستعمال، وعليه الفتوى اهـ.
قلت: ومقتضى قوله فإنه يستعمل فيما يتناول عادة، أن العرف كان أولاً في
استعماله في الطعام أو الشرب ثم تغير ذلك إلى عرف آخر وغلب استعماله في الطلاق.
ثم إن ما ذكروه هنا لا ينافي ما ذكره في الإيلاء من التفصيل بين نية تحريم المرأة أو
الظهار أو الكذب أو الطلاق لأن ذاك في أنت عليّ حرام، وما هنا في التحريم باللفظ
العام، والفتوى على قول المتأخرين بانصرافه إلى الطلاق البائن عاماً أو خاصاً كما
ذكرناه هناك. قوله: (زاد الكمال الخ) لا محل لذكر هذا هنا، لأن مراد الكمال أن هذا
يراد به الطلاق فقط بحسب العرف كما يأتي. قوله: (ولكن الفتوى في زماننا) أي
الزمان المتأخر عن زمان المتقدمين. وتوقف البزدوي في مبسوطه في کون عرف الناس
إرادة الطلاق به، فالاحتياط أن لا يخالف المتقدمين.
مَظْلَبٌ: تَعَارَفُوا: الحَرَامُ يَلْزَمُنِي وَالطَّلَقُ بَلْزَمُنِي
قال في الفتح: واعلم أن مثل هذا اللفظ لم يتعارف في ديارنا، بل المتعارف فيه
حرام عليّ كلامك ونحوه كأكل كذا ولبسه دون الصيغة العامة. وتعارفوا أيضاً: الحرام
يلزمني، ولا شك في أنهم يريدون الطلاق معلقاً، فإنهم يذكرون بعده لا أفعل كذا
ولأفعلن، وهو مثل تعارفهم: الطلاق يلزمني لا أفعل كذا، فإنه يراد به إن فعلت كذا
فهي طالق، ويجب إمضاؤه عليهم.
والحاصل أن المعتبر انصراف(١) هذه الألفاظ عربية أو فارسية إلى معنى بلانية
التعارف فيه، فإن لم يتعارف سئل عن نيته وفيما ينصرف بلا نية لو قال أردت غيره لا
يصدقه القاضي، وفيما بينه وبين الله تعالى هو المصدق اهـ. وأقرّه في البحر والنهر
والمقدسي والشرنبلالي وغيرهم، وتقدم تمام الكلام على ذلك في الطلاق قول (ولو له
أکثر بنّ جمیعا) في هذه المسألة كلام طويل قدمناه في باب طلاق غير المدخول بها وفي باب
الإيلاء: والذي حرّرناه هناك أنه لا خلاف في أن أنت عليّ حرام يخص المخاطبة، وفي
(١) في ط (قوله أن المعتبر انصراف الخ) هكذا بخطه ولعله سقط من قلمه كلمة ((من)) والأصل ((أن المعتبر من
إنصراف الخ)».

٥١٤
کتاب الأيمان
أكثر بنّ جميعاً بلا نية، وإن نوى ثلاث فثلاث، وإن قال لم أنو طلاقاً لم يصدّق
قضاء لغلبة الاستعمال ولذا لا يحلف به إلا الرجال. ظهيرية (وإن لم تكن له امرأة)
كل حلّ عليّ حرام يعم الزوجات الأربع لصريح أداة العموم الاستغراقي، وفي امرأتي
حرام أو طالق يقع على واحدة منهن، وإنما الخلاف في نحو حلال الله أو حلال
المسلمين، فقيل يقع على واحدة غير معينة نظراً إلى صورة أفراده، والأشبه أنه يعم
الكل، فافهم. قوله: (وإن لم تكن له امرأة الخ) قال في الظهيرية: وإن قال لم أنو الطلاق
لا یصدق قضاء لأنه صار طلاقاً عرفاً. ثم قال: وإن حلف به، إن کان فعل كذا وقد كان
فعل وله امرأة واحدة أو أكثر بنّ جميعاً، وإن لم تكن له امرأة لا يلزمه شيء لأنه جعل يميناً
بالطلاق، ولو جعلناه يميناً بالله تعالى فهو غموس، وإن حلف بهذا على أمر في المستقبل
ففعل ذلك وليس له امرأة كان عليه الكفارة، لأن تحريم الحلال يمين اهـ.
وحاصله أنه إذا لم تكن له امرأة وحلف على ماض كذباً لا يلزمه شيء، لأنه
جعل طلاقاً على المفتى به فيلغو لعدم الزوجة؛ ولو جعل يميناً بالله تعالى فغموس،
لأنه كناية عن الحلف بالله تعالى كما مرّ في هو يهودي أنه كناية، وإن لم يعقل وجهها
فعلى الوجهين لا يلزمه شيء سوى الاستغفار، وقيل إن قوله ولو جعل يميناً بالله تعالى:
أي بناء على ظاهر الرواية من حمله على الطعام والشراب، وفيه نظر لأنه إذا قال: إن
كنت فعلت كذا فكل حلّ عليّ حرام، يصير بمعنى إن كنت فعلته فوالله لا آكل ولا
أشرب، فإذا كان قد فعل انعقدت يمينه على عدم الأكل والشرب فيكفّر بأكله أو شربه
فلا تكون لغواً، فافهم. وعلى هذا فما في النهاية عن النوازل من أنه إن لم تكن له امرأة
تجب عليه الكفارة محمول على أنه جعل يميناً بالله تعالى مع كون الحلف على مستقبل،
وإلا كان غموساً فلا تلزمه الكفارة. وأما قوله في البحر معناه: إذا أكل أو شرب
لانصرافه عند عدم الزوجة إلى الطعام والشراب لا كما يفهم من ظاهر العبارة اهـ. ففيه
نظر، بل هو محمول على ما يفهم من ظاهر العبارة وهو وجوب الكفارة وإن لم يأكل
ولم يشرب بناء على ما قلنا وإلا ورد عليه ما ذكرناه من النظر السابق، ويؤيده أن
انصرافه إلى الطعام والشراب كان في العرف السابق ثم تغير ذلك العرف وصار مصروفاً
إلى الطلاق كما مر، فبعد ما صار حقيقة عرفية في الطلاق لا يصح حمله على العرف
المهجور بل يبقى مراداً به الطلاق، غير أنه إذا لم تكن له امرأة يبقى مراداً به الطلاق
فيلغو ويجعل يميناً بالله تعالى، فتجب به الكفارة إن لم يكن غموساً؛ فالترديد في كلام
الظهيرية مبني على قولين بدليل ما في البزازية حيث قال: وفي المواضع التي يقع
الطلاق بلفظ الحرام إن لم تكن له امرأة إن حنث لزمته الكفارة، والنسفي؟ على أنه لا
تلزمه اهـ. فما قاله النسفي مبني على أنه يبقى مراداً به الطلاق. وظاهر كلامهم ترجيح

٥١٥
كتاب الأيمان
وقت الیمین سواء نكح بعده أو لا (فيمين) فيكفّر بأكله أو شربه لو يمينه على
آت، ولو بالله عليّ ماض فغموس أو لغو، ولو له امرأة وقتها فبانت بلا عدة فأكل
فلا كفارة لانصرافها للطلاق، وقد مر في الإيلاء.
(ومن نذر نذراً مطلقاً أو معلقاً بشرط وكان من جنسه واجب) أي فرض
خلافه، فاغتنم تحقيق هذا المقام فإنه من منح الملك السلام. قوله: (سواء نكح بعده أو
لا) هو ما عليه الفتوى كما يأتي. قوله: (فيكفّر بأكله أو شربه) مبني على ما فسر به في
البحر عبارة النوازل، وقد علمت ما فيه، والصواب أن يقول: فيكفر بحثه: أي بفعله
المحلوف عليه، كأن قال إن دخلت الدار فكل حل عليّ حرام ثم دخلها يلزمه كفارة
اليمين، لأنها يمين منعقدة على عدم الدخول في المستقبل لا على عدم الأكل
والشرب؛ حتى لو أكل أو شرب قيل الدخول أو بعده لا يلزمه شيء. قوله: (ولو بالله
عليّ ماض) لفظ بالله سبق قلم: أي ولو كانت يمينه على ماض، كما إذا قال إن كنت
فعلت كذا فكل حلّ عليّ حرام وكان عالماً بأنه فعله فهي غموس إن جعلت يميناً بالله
تعالى فلا تلزمه كفارة، وقوله: ((أو لغو)) أي إن جعلت يميناً بالطلاق كما قاله النسفي.
وظاهر ما مر عن الظهيرية من قوله ((لأنه جعل يميناً بالطلاق)) اعتماد الأول، وهو ظاهر
ما قدمناه أيضا عن البزازية، وكذا ما يأتي قريباً.
وبما قررناه علم أن ما ذكره الشارح من قوله ((فغموس أو لغو» هو حاصل ما
قدمناه عن الظهيرية، فليس في كلامه خلل سوى زيادة لفظ ((بالله)) فافهم. قوله: (ولو له
امرأة وقتها الخ) مقابل قول المصنف ((وإن لم تكن له امرأة)). قال في الظهيرية: وإن
حلف بهذا على أمر فى المستقبل ففعل ذلك وليس له امرأة كان عليه الكفارة، لأن
تحريم الحلال يمين، وإن كان له امرأة وقت اليمين فماتت قبل الشرط أو بانت لا إلى
عدة ثم باشر الشرط لا تلزمه الكفارة، لأن يمينه انصرف إلى الطلاق وقت وجودها،
وإن لم تكن له امرأة وقت اليمين ثم تزوج امرأة ثم باشر الشرط، اختلفوا فيه. قال
الفقيه أبو جعفر: تبين المتزوجة. وقال غيره: لا تبين، وبه أخذ الفقيه أبو الليث،
وعليه الفتوى لأن يمينه جعل يميناً بالله تعالى وقت وجودها فلا يكون طلاقاً بعد
ذلك اهـ. ومثله في الخانية. وفي عبارة البزازية: في هذه المسائل خلل نبهنا عليه في
باب الإيلاء. قوله: (فأكل) صوابه فباشر الشرط كما في عبارة الظهيرية وغيرها، وذلك
كدخول الدار مثلاً، ولا نظر فيه للأكل وعدمه كما علمت. قوله: (وقد مر في الإيلاء)
ما مر هناك فيه خلل تابع فيه البزازية كما أوضحناه هناك.
مَطْلَبٌ فِي أَحْكَامِ أَنَّذْرِ
قوله: (ومن نذر نذراً مطلقاً) أي غير معلق بشرط مثل الله عليّ صوم سنة. فتح.

٥١٦
کتاب الأيمان
كما سيصرح به تبعاً للبحر والدرر (وهو عبادة مقصودة) خرج الوضوء وتكفين
الميت (ووجد الشرط) المعلق به (لزم الناذر) لحديث ((من نذر وسمى فعليه الوفاء
وأفاد أنه يلزمه ولو لم يقصده كما لو أراد أن يقول كلاماً فجرى على لسانه النذر، لأن
هزل النذر كالجد كالطلاق كما في صيام الفتح، وكما لو أراد أن يقول الله عليّ صوم
يوم فجرى على لسانه صوم شهر كما في صيام البحر عن الولوالجية.
واعلم أن النذر قربة مشروعة، أما كونه قربة فلما يلازمه من القرب كالصلاة
والصوم والحج والعتق ونحوها، وأما شرعيته فللأوامر الواردة بإيفائه، وتمامه في
الاختيار.
قلت: وإنما ذكروا النذر في الأيمان لما يأتي من أنه لو قال عليّ نذر ولا نية له
لزمه كفارة، ومر في آخر كتاب الصيام أنه لو نذر صوماً، فإن لم ينو شيئاً أو نوى النذر
فقط أو نوى النذر وأن لا يكون يميناً كان نذراً فقط وإن نوى اليمين، وأن لا يكون نذراً
كان يميناً وعليه كفارة إن أفطر، وإن نواهما أو نوى اليمين كان نذراً ويميناً، حتى لو
أفطر قضى وكفّر، ومر هناك الكلام فيه. قوله: (كما سيصرح به) أي المصنف قريباً،
ويأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى ط. قوله: (وهو عبادة مقصودة) الضمير راجع
للنذر، بمعنى المنذور لا للواجب، خلافاً لما في البحر. قال في الفتح: مما هو طاعة
مقصودة لنفسها، ومن جنسها واجب الخ.
وفي البدائع: ومن شروطه أن يكون قربة مقصودة فلا يصح النذر بعيادة المريض،
وتشييع الجنازة، والوضوء والاغتسال، ودخول المسجد، ومس المصحف، والأذان،
وبناء الرباطات والمساجد وغير ذلك، وإن كانت قرباً إلا أنها غير مقصودة اهـ. فهذا
صريح في أن الشرط كون المنذور نفسه عبادة مقصودة لا ما كان من جنسه، ولذا صححوا
النذر بالوقف، لأن من جنسه واجباً وهي بناء مسجد للمسلمين كما يأتي مع أنك علمت
أن بناء المساجد غير مقصود لذاته. قوله: (خرج الوضوء) لأنه عبادة ليست مقصودة
لذاتها، وإنما هو شرط لعبادة مقصودة(وهي الصلاة. ط عن المنح. قوله: (وتكفين
الميت) لأنه ليس عبادة مقصودة، بل هو لأجل صحة الصلاة عليه، لأن ستره شرط
صحتها ط. قوله: (ووجد الشرط) معطوف على قوله: ((وكان من جنسه عبادة)) وهذا إن
كان معلقاً بشرط وإلا لزم في الحال، والمراد الشرط الذي يريد كونه كما يأتي تصحيحه.
قوله: (لزم الناذر) أي لزمه الوفاء به، والمراد أنه يلزمه الوفاء بأصل القربة التي التزمها لا
بكل وصف التزمه، لأنه لو عين درهماً أو فقيراً أو مكاناً للتصدق أو للصلاة فالتعیین لیس
بلازم. بحر. وتحقيقه في المنح. قوله: (الحديث الخ) قال في الفتح: هو حديث

٥١٧
کتاب الأيمان
بما سمی» (کصوم وصلاة وصدقة) ووقف (واعتکاف) وإعتاق رقبة وحجّ ولو
ماشياً فإنها عبادات مقصودة، ومن جنسها واجب لوجوب العتق في الكفارة
والمشي للحج على القادر من أهل مكة والقعدة الأخيرة في الصلاة، وهي لبث
كالاعتكاف، ووقف مسجد للمسلمين واجب على الإمام من بيت المال، وإلا
غريب(١) إلا أنه مستغنى عنه، ففي لزوم المنذور الكتاب والسنة والإجماع، قال الله تعالى:
﴿وَلْيُوقُوا نُذُورَهمُ﴾ [الحج: ٢٩] وصرح المصنف أي صاحب الهداية في كتاب الصوم
بأنه واجب للآية، وتقدم الاعتراض بأنها توجب الافتراض للقطعية، والجواب بأنها مؤولة
إذ خص منها النذر بالمعصية وما ليس من جنسه واجب فلم تكن قطعية الدلالة؛ ومن قال
من المتأخرين بافتراضه استدل بالإجماع على وجوب الإيفاء به اهـ ملخصاً. وفي
الشرنبلالية عن البرهان أنه: أي الافتراض هو الأظهر. قوله: (لوجوب العتق) ترك ذكر
الواجب من الصلاة والصوم والصدقة لظهوره ط. قوله: (والمشي للحج) المراد الحج
ماشياً، وإلا فالمشي ليس عبادة مقصودة اهـح. وفيه أن المشروط كونه عبادة مقصودة هو
المنذور لا ما كان من جنسه كما قدمناه، وسيأتي في باب اليمين في البيع أنه لو قال عليّ
المشي إلى بيت الله أو الكعبة يلزمه حج أو عمرة، وسنذكر أن هذا استحسان. والقياس
أن لا يجب به شيء لأنه ليس بقربة. تأمل. قوله: (والقعدة الأخيرة الخ) كذا ذكره في
اعتكاف البحر. وأورد عليه أن التشبيه إن كان في خصوص القعدة فهو غير لازم في
الاعتكاف لجواز الوقوف في مدته وإن كان في مطلق الكينونة، فلم خص التشبيه بالقعدة
مع أن الركوع كذلك؟
والجواب: اختيار الأول، والغالب في الاعتكاف القعود، وذكر في اعتكاف
المعراج. قلنا: بل من جنسه واجب الله تعالى وهو اللبث بعرفة وهو الوقوف، والنذر
بالشيء إنما يصح إذا كان من جنسه واجب أو مشتملاً على الواجب، وهذا كذلك لأن
الاعتكاف يشتمل على الصوم، ومن جنس الصوم واجب وإن لم يكن من جنس اللبث
واجب. وتعقبه في الفتح في باب اليمين في الحج والصوم بأن وجوب الصوم فرع
وجوب الاعتكاف بالنذر، والكلام الآن في صحة وجوب المتبوع، فكيف يستدل على
لزومه بلزومه، ولزوم الشرط فرع لزوم المشروط. ثم قد يقال: تحقق الإجماع على لزوم
الاعتكاف بالنذر موجب إهدار اشتراط وجود واجب من جنسه اهـ: أي فهو خارج عن
الأصل. قوله: (ووقف مسجد) أي في كل بلدة على الظاهر ط. قوله: (وإلا) أي وإن لم
(١) أنظر نصب الراية ٣/ ٣٠٠.

٥١٨
كتاب الأيمان
فعلى المسلمين (ولم يلزم) الناذر (ما ليس من جنسه فرض كعيادة مريض وتشييع
جنازة ودخول مسجد) ولو مسجد الرسول ول# أو الأقصى لأنه ليس من جنسها
فرض مقصود، وهذا هو الضابط كما في الدرر. وفي البحر شرائطه خمس فزاد:
أن لا يكون معصية لذاته فصح نذر صوم يوم النحر
يفعل الإمام فعلى المسلمين. قوله: (ما ليس من جنسه فرض) هذا هو الذي وعد بذكره.
قال المصنف في شرحه: وهذا يثبت أن المراد بالواجب في قولهم من جنسه واجب
الفرض، وبه صرح شيخنا في بحره الخ. ويأتي تمام الكلام عليه قوله: (كعيادة مريض الخ)
هذا يفيد أن مرادهم بالفرض هنا فرض العين دون ما يشمل فرض الكفاية اهـح: أي فإن
هذه فرض كفاية كما في مقدمة أبي الليث، فافهم. وقدمنا عن البدائع خروج هذه
المذكرات بقوله: ((عبادة مقصودة)) على أنه يرد عليه دخول المسجد للطواف، ولصلاة
الجمعة إذا كان الإمام فيه فإن الدخول حينئذ فرض لكنه ليس مقصوداً لذاته، وكذا عيادة
الوالدين إذا احتاجا إليه لأن برّهما فرض، وقدمنا أن المشروط كونه عبادة مقصودة هو
المنذور. قوله: (ولو مسجد الرسول$) الأولى ذكر مسجد مكة لأنه المتوهم ط.
قوله: (وهذا هو الضابط) الإشارة إلى ما ذكره من أن ما ليس من جنسه فرض لا يلزم.
وعبارة الدرر: المنذور إذا كان له أصل في الفروض لزم الناذر كالصوم والصلاة والصدقة
والاعتكاف، وما لا أصل له في الفروض فلا يلزم الناذر كعيادة المريض، وتشييع
الجنازة، ودخول المسجد، وبناء القنطرة، والرباط، والسقاية ونحوها، هذا هو الأصل
الكلي. قوله: (فزاد) أي على الشرطين المارّين في المتن. قوله: (أن لا يكون معصية
لذاته) قال في الفتح: وأما كون المنذور معصية يمنع انعقاد النذر فيجب أن يكون معناه إذا
كان حراماً لعينه أو ليس فيه جهة قربة، فإن المذهب أن نذر صوم يوم العيد ينعقد، ويجب
الوفاء بصوم يوم غيره ولو صامه خرج عن العهدة. ثم قال بعد ذلك: قال الطحاوي: إذا
أضاف النذر إلى المعاصي كللّه عليّ أن أقتل فلاناً كان يميناً ولزمته الكفارة بالحنث اهـ.
قلت: وحاصله أن الشرط كونه عبادة، فيعلم منه أنه لو كان معصية لم يصح،
فهذا ليس شرطاً خارجاً عما مر، لكن صرح به مستقلاً لبيان أن ما كان فيه جهة العبادة
يصح النذر به لما مر من أنه يلزم الوفاء بالنذر من حيث هو قربة لا بكل وصف التزمه
به، فصلح التزام الصوم من حيث هو صوم مع إلغاء كونه في يوم العيد، ولذا قال في
الفتح: إن قلت من شروط النذر كونه بغير معصية، فكيف قال أبو يوسف: إذا نذر
رکیتین بلا وضوء يصح نذره خلافاً لمحمد.
فالجواب أن أبا يوسف صححه بوضوء، لأنه حين نذر ركعتين لزمتاه بوضوء، لأن

٥١٩
کتاب الأيمان
لأنه لغيره، وأن لا يكون واجباً عليه قبل النذر، فلو نذر حجة الإسلام لم يلزمه
شيء غيرها، وأن لا يكون ما التزمه أكثر مما يملكه أو ملكاً لغيره، فلو نذر
التصدّق بألف ولا يملك إلا مائة لزمه المائة فقط. خلاصة انتهى.
قلت: ويزاد ما في زواهر الجواهر:
التزام المشروط التزام الشرط، فقوله بعده: ((بغير وضوء)) لغو لا يؤثر، ونظيره إذا نذر بلا
قراءة ألزمناه ركعتين بقراءة، أو نذر أن يصلي ركعة واحدة ألزمناه ركعتين أو ثلاثة ألزمناه
بأربع اهـ. وتمامه فيه. قوله: (لأنه لغيره) أي لأن كونه معصية لغيره وهو الإعراض عن
ضيافة الحق تعالى. قوله: (وأن لا يكون واجباً عليه قبل النذر) في أضحية البدائع: لو نذر
أن يضحي شاة، وذلك في أيام النحر، وهو موسر فعليه أن يضحي بشاتين عندنا شاة للنذر
وشاة بإيجاب الشرع ابتداء، إلا إذا عنى به الإخبار عن الواجب عليه، فلا يلزمه إلا واحدة،
ولو قبل أيام النحر لزمه شاتان، بلا خلاف، لأن الصيغة لا تحتمل الإخبار عن الواجب، إذ لا
وجوب قبل الوقت، وكذا لو كان معسراً ثم أيسر في أيام النحر لزمه شاتان اهـ.
والحاصل أن نذر الأضحية صحيح، لكنه ينصرف إلى شاة أخرى غير الواجبة
عليه ابتداء بإيجاب الشرع، إلا إذا قصد الإخبار عن الواجب عليه، وكان في أيامها،
ومثله ما لو نذر الحج لأن الأضحية والحج قد يكونان غير واجبين، بخلاف حجة
الإسلام فإنها نفس الواجب عليه لأنها اسم لفريضة العمر كصوم رمضان وصلاة الظهر
فلا يصح النذر بها، بخلاف ما قد يكون تطوّعاً واجباً كالصلاة والصوم كما سنحققه في
الأضحية إن شاء الله تعالى. قوله: (أو ملكاً لغيره) فإن قيل: إن النذر به معصية فيغني
عنه ما مر. قلنا: إنه ليس معصية لذاته، وإنما هو لحق الغير. أفاده في البحر، لكنه
خارج بكونه لا يملكه، فيشمل الزائد على ما يملكه وما لا ملك له فيه أصلاً كهذا.
وفي البحر عن الخلاصة: لو قال: لله عليّ أن أهدي هذه الشاة وهي ملك الغير لا
يصح النذر، بخلاف قوله: لأهدين، ولو نوى اليمين كان يميناً اهـ. قال في النهر:
والفرق بين التأكيد وعدمه مما لا أثر له يظهر في صحة النذر وعدمه. ثم على الصحة هل
تلزمه قيمتها أو يتوقف الحال إلى ملكها؟ محل تردد اهـ.
قلت: الظاهر الثاني، لأن الهدي اسم لما يهدى إلى الحرم، فإذا صح نذره توقف
إلى ملكها ليمكن إهداؤها. تأمل ويظهر لي أن قوله ((الأهدين)) يمين لا نذر، وقوله:
((ولو نوى اليمين كان يميناً) راجع إلى المسألة الأولى، فإن تم هذا اتضح الفرق،
فتأمل. قوله: (لزمه المائة فقط) سيذكر الشارح وجهه. قوله: (قلت ويزاد الخ) ذكر هذا
الشرط صاحب البحر في باب الاعتكاف، وعزا الفرع المذكور إلى الولوالجية. قال ط:
وبه صارت الشروط سبعة، ما في المتن وهذه الخمسة، لكن اشتراط أن لا يكون أكثر

٥٢٠
کتاب الأيمان
وأن يكون مستحيل الكون، فلو نذر صوم أمس أو اعتكافه لم يصح نذره. وفي
القنية: نذر التصدّق على الأغنياء لم يصح ما لم ينو أبناء السبيل، ولو نذر
التسبيحات دبر الصلاة لم يلزمه، ولو نذر أن يصلي على النبي # كل يوم كذا
لزمه،
مما يملك وأن لا يكون ملك الغير خاصاً ببعض صور النذر. قوله: (مستحيل الكون)
يشمل الاستحالة الشرعية لما في الاختيار: لو نذرت صوم أيام حيضها، أو قالت لله
عليّ أن أصوم غداً فحاضت فهو باطل عند محمد وزفر، لأنها أضافت الصوم إلى وقت
لا يتصوّر فيه. وقال أبو يوسف: تقضي في المسألة الثانية، لأن الإيجاب صدر صحيحاً
في حال لا ينافي الصوم ولا إضافة إلى زمان ينافيه، إذ الصوم يتصور فيه والعجز
بعارض محتمل کالمريض فتقضيه، كما إذا نذرت صوم شهر يلزمها قضاء أيام حيضها،
لأنه يجوز خلو الشهر عن الحيض فيصح الإيجاب، وتمامه فيه. قوله: (وفي القنية الخ)
عبارتها كما في البحر: نذر أن يتصدق بدينار على الأغنياء ينبغي أن لا يصح.
قلت: وينبغي أن يصح إذا نوى أبناء السبيل لأنهم محل الزكاة اهـ.
قلت: ولعل وجه عدم الصحة في الأول عدم كونها قربة أو مستحيلة الكون(١)
لعدم تحققها، لأنها للغني هبة كما أن الهبة للفقير صدقة. قوله: (ولو نذر التسبيحات)
لعل مراده التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثاً والثلاثين في كل، وأطلق على الجميع
تسبيحاً تغليباً لكونه سابقاً، وفيه إشارة إلى أنه ليس من جنسها واجب ولا فرض، وفيه
أن تكبير التشريق واجب على المفتى به، وكذا تكبيرة الإحرام وتكبيرات العيدين،
فينبغي صحة النذر به بناء على أن المراد بالواجب هو المصطلح ط.
قلت: لكن ما ذكره الشارح ليس عبارة القنية وعبارتها كما في البحر، ولو نذر أن
يقول دعاء كذا في دبر كل صلاة عشر مرات لم يصح. قوله: (لم يلزمه) وكذا لو نذر
قراءة القرآن، وعلله القهستاني في باب الاعتكاف بأنها للصلاة. وفي الخانية: ولو قال:
عليّ الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة، أو عليّ أن أقرأ القرآن إن فعلت كذا
لا يلزمه شيء اهـ.
قلت: وهو مشكل، فإن القراءة عبادة مقصودة ومن جنسها واجب، وكذا الطواف
فإنه عبادة مقصودة أيضاً. ثم رأيت في لباب المناسك قال في باب أنواع الأطوفة:
الخامس طواف النذر وهو واجب ولا يختص بوقت فهذا صريح في صحة النذر به.
(١) في ط (قوله أو مستحيلة الكون) الأولى أن يقول: أو كونها مستحيلة الخ بالعطف على قوله ((عدم)) بدليل
قوله: ((لعدم تحققها الخ)) وإلا فظاهر عبارته أن الاستحالة منفية وهو لا يظهر.