النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
کتاب العتق/باب الاستيلاد
لكنه إن عجز فله بيعها (وهي أم ولد وضمن) يوم العلوق (نصف قيمتها ونصف
عقرها) ولو معسراً (لا قيمة ولدها) لأنه علق حرّ الأصل (وإن ادعياه معاً) أو جهل
السابق (وقد استويا) وقت الدعوة لا العلوق (في الأوصاف فهو ابنهما) فلو لم
يستويا قدم من العلوق في ملكه
نصف قيمتها يوم علقت منه ونصف عقرها، ولا يضمن من قيمة الولد شيئاً، فإن ضمن
ذلك ثم عجز كانت الجارية وولدها مملوكين لمولاه، وإن لم يضمنه ذلك ولم يخاصمه
رجع نصف الجارية ونصف الولد للشريك الحراه. قوله: (لكنه إن عجز فله بيعها) قد
علمت أنه إن عجز بعد الضمان صارت الجارية وولدها لمولاه، وإن عجز قبله رجع
نصف الجارية والولد للشريك، وحينئذ فالضمير في ((له بيعها)) على الأول يرجع
للمكاتب: يعني بإذن مولاه أو للمولى، وعلى الثاني يرجع للشريك، ويكون المراد في
بيعها بيع حصته منها، فافهم. قوله: (يوم العلوق) الأولى ذكره بعد قوله: ((نصف
قيمتها ونصف عقرها)) فإن كلا من القيمة والعقر يعتبر يوم العلوق، كما في الفتح
وغيره. قوله: (نصف قيمتها) لأنه تملك نصیب صاحبه حین استکمل الاستیلاد. درر.
قوله: (ونصف عقرها) لأنه وطئ جارية مشتركة، إذ ملكه يثبت بعد الوطء حكماً
للاستيلاد فيعقبه الملك في نصيب صاحبه. درر. وقدمنا في أول باب المهر عن الفتح
أن العقر هو مهر مثلها في الجمال: أي ما يرغب به في مثلها جمالً فقط. قوله: (ولو
معسراً) لأنه ضمان تملك، بخلاف ضمان العتق كما تقرر في موضعه. درر. قوله:
(لأنه علق حرّ الأصل) إذ النسب يستند إلى وقت العلوق والضمان يجب في ذلك
الوقت فیحدث الولد على ملکه ولم يعلق منه شيء علی ملك شریکه. درر.
تنبيه: قيد المسألة في الفتح بقوله هذا إذا حملت على ملكهما، فلو اشترياها
حاملًا فادعاه أحدهما ثبت نسبه منه ويضمن لشريكه نصف قيمة الولد، لأنه لا يمكن
استناد الاستيلاد إلى وقت العلوق لأنه لم يحصل في ملكها، ولذا لا يجب عليه عقر
لشريكه هنا، وتمامه فيه. قوله: (وإن ادعياه معاً) قيد بالمعية لأنه لو سبق أحدهما
بالدعوة فالسابق أولى كائناً من كان. جوهرة. وكونهما اثنين غير قيد عنده، بل عند أبي
يوسف. وعند محمد: يثبت من ثلاثة لا غير، وعند زفر: من خمسة. قوله: (وقد
استويا الخ) أي بأن يكونا مالكين أجنبيين مسلمين أو حرين أو ذميين أو مجوسیین.
قوله: (وقت الدعوة الخ) فلو كان أحدهما مسلماً والآخر ذمياً وقت العلوق ثم أسلم
الذمي وقت الدعوة كانا متساويين، وكان لهما كما ذكره في غاية البيان. قوله: (قدم من
العلوق في ملكه) قال في الفتح: إذا حملت على ملك أحدهما رقبة فباع نصفها من
آخر فولدت: يعني لتمام ستة أشهر من بيع النصف فادعياه يكون الأول أولى لكون

٤٦٢
کتاب العتق/باب الاستیلاد
ولو بنكاح وأب مسلم وحرّ وذمي وكتابي على ابن وذمي وعبد ومرتد ومجوسي،
ثم لا يثبت نسب ولد ثان بلا دعوة لحرمة الوطء
العلوق في ملكه اهـ. وكان المناسب أن يقول: لأقل من ستة أشهر من بيع النصف،
بدليل قوله: ((لكن العلوق في ملكه)) وبدليل ما يأتي في مسألة النكاح اهـح.
وفي كافي الحاكم من باب دعوة الحمل: وإذا كانت الأمة بين رجلين فولدت
ولداً فادعياه جميعاً وقد ملك أحدهما نصيبه منذ شهر والآخر منذ ستة أشهر قدم
صاحب الملك الأول. قوله: (ولو بنكاح) قال في الفتح: إذا كان الحمل على ملك
أحدهما نكاحاً ثم اشتراها هو وآخر فولدت لأقل من ستة أشهر من الشراء فادعياه فهي
أم ولد الزوج، فإن نصيبه صار أم ولد له، والاستيلاد لا يحتمل التجزي عندهما ولا
بقاءه عنده فيثبت في نصيب شريكه أيضاً اهـح. قوله: (وأب) معطوف على ((من) في
قوله قدم ((من العلوق في ملكه)) ط. قوله: (على ابن الخ) لفّ على سبيل المرتب ط.
قوله: (ومرتد) كذا وقع في البحر وتبعه في النهر والشرنبلالية، وهو سبق قلم من
صاحب البحر لمخالفته لما في كافي الحاكم وغاية البيان والفتح والزيلعي من تقديم
المرتدّ على الذمي لأنه أقرب إلى الإسلام: أي لأنه يجبر على الإسلام فيكون الولد
مسلماً وهذا أنفع له، ونقل ط عن أبي السعود التنبيه على أنه سبق قلم كما قلنا.
ثم اعلم أن مقتضى تقديم أحدهما في هذه المسائل وهو من وجد معه المرجح
أنه يصير حكمه حكم ما لو ادعاه أحد الشريكين فقط، لما سمعت من عبارة الفتح من
أنها تصير أم ولد الزوج ويثبت النسب منه، وعليه فيضمن نصف قيمتها ونصف عقرها،
هذا ما ظهر لي فاغتنمه فإني لم أر من صرح به.
ثم رأيت في كافي الحاكم الشهيد ما نصه: وإذا كانت الجارية بين مسلم وذمي
ومكاتب وعبد فادعوا جميعاً ولدها فدعوة المسلم أولى وإن كان نصيبه أقل الأنصباء،
وعليه ضمان حصة شركائه من قيمة الأم والعقر، وعلى كل واحد من الآخرين حصة
شركائه، من العقر لإقراره بالوطء، إلا أن العبد يؤخذ به بعد العتق اهـ. فهذا صريح فيما
قلنا، ولله الحمد. قوله: (ثم لا يثبت الخ) أقول: هذا راجع لأصل المسألة، وهو ما
إذا ادعياه معاً وقد استويا في الأوصاف وثبت نسبه منهما لا لصور الدعوى مع المرجح
وإن أوهم كلامه تبعاً للبحر والنهر خلافه، لما علمت من تقديم من معه الترجيح وأنها
تصیر أم ولده ویثبت النسب منه، وحیث صارت أم ولده وحده لم يبق له شريك فيها
فلا يحرم وطؤها عليه، فإذا جاءت بولد ثانٍ يثبت منه بلا دعوى، كما لو ادعاه أحد
الشريكين فقط، وقد نقل في البحر والنهر المسألة عن المجتبى. والذي في المجتبى
دليل لما قلنا، فإنه قال في تعليل أصل المسألة: ولأنهما استويا في سبب الاستحقاق

٤٦٣
کتاب العتق/ باب الاستیلاد
كما مر (وهي أم ولدهما) إن حبلت في ملكهما، لا لو اشترياها حبلى، لأنها دعوة
عتق فولاؤه لهما، وبادعاء أحدهما يضمن نصف قيمة الولد لا العقر (وعلى كل
نصف عقرها وتقاصا، إلا إذا كان نصيب أحدهما أكثر
فيستويان فيه؛ حتى لو وجد المرجح لا يثبت منهما، بأن كان أحدهما أبا الآخر أو كان
مسلماً والآخر ذمياً ثبت من الأب والمسلم لوجود المرجح، ولما ثبت نسبه منهما
صارت أمه أم ولد لهما ويقع عقرها قصاصاً، ولو جاءت بآخر لم يثبت نسبه من واحد
إلا بالدعوى، لأن الوطء حرام فتعتبر الدعوى اهـ. فقوله: ((ولما ثبت نسبه منهما)) راجع
الأصل المسألة لا لمسألة المرجح، لقوله في مسألة المرجح ((لا يثبت منهما)) فقوله:
(ولو جاءت بآخر)) من فروع أصل المسألة أيضاً كما هو ظاهر، فافهم، واغتنم هذا
التحرير فإنه من فتح القدير. قوله: (كما مر) أي في قوله: ((إذا لم تحرم عليه) ح.
قوله: (وهي أم ولدهما) فتخدم كلَّ منهما يوماً، وإذا مات أحدهما عتقت ولا ضمان
للحيّ في تركة الميت لرضا كل منهما بعتقها بعد الموت، ولا تسعى للحيّ عند أبي
حنيفة لعدم تقومها، وعلى قولهما: ((تسعى في نصف قيمتها)) بحر. قوله: (إن حبلت
في ملكهما) بأن ولدت لستة أشهر فأكثر من يوم الشراء. ح عن البحر. قوله: (لا) أي
لا تكون أم ولد لهما لو اشترياها حبلى، بأن ولدت لأقل من ستة أشهر من وقت الشراء
فادعياه، وكذا لو اشترياها بعد الولادة ثم ادعياه. بحر. قوله: (لأنها دعوة عتق) أي لا
دعوة استيلاد فيعتق الولد مقتصراً على وقت الدعوة، بخلاف دعوى الاستيلاد فإن
شرطها كون العلوق في الملك وتستند الحرية إلى وقت العلوق فيعلق حراً اهـ فتح.
وحاصله أن قول كل منهما هذا الولد ابني تحرير منهما، ولا تصير أمه أم ولد
لهما، ولا يجب على كل واحد منهما العقر لصاحبه لعدم الوطء في ملكه كما في
الزيلعي. قوله: (فولاؤه لهما) تفريع على كونها دعوة عتق من كل منهما، فكأن كل
واحد أعتق نصيبه منه فيكون ولاؤه له، لكن صرح الزيلعي وكذا في الدرر بثبوت
النسب منهما، فحيث ثبت النسب فما فائدة الولاء. تأمل. نعم تقدم أول العتق أنه إذا
قال هذا ابني عتق مطلقاً؛ وكذا يثبت نسبه إذا صلح ابناً له وكان مجهول النسب وإلا لم
يثبت نسبه، وبه يحصل التوفيق. تأمل. قوله: (يضمن نصف قيمة الولد) أي لأنها
دعوة إعتاق فيضمن حصة شريكه من الولد، بخلاف ما إذا حبلت في ملكهما فإنه لا
يضمنه كما مر في قوله لا قيمة ولدها. قوله: (لا العقر) لعدم الوطء في ملك صاحبه.
قوله: (وعلى كل نصف عقرها) لأن الوطء في المحل المحترم لا يخلو عن عقر أو
عقر، وقد تعذر الأول للشبهة فتعين الثاني. نهر. قوله: (وتقاصا) أي سقط ما على كل
واحد منهما للآخر بما له على الآخر إن تساويا.

٤٦٤
کتاب العتق/باب الاستیلاد.
فيأخذ منه الزيادة) لأن المهر بقدر الملك (بخلاف البنوّة والإرث والولاء، فإن
ذلك لهما سوية، وإن كان أحدهما أكثر نصيباً من الآخر) لعدم تجزي النسب
فيكون سوية لعدم الأولوية ويتبعه الإرث والولاء (وورث الابن من كل إرث ابن)
كامل (وورثا منه إرث أب) واحد، وكذا الحكم عند الإمام لو كثروا ولو نساء؛
وتمامه في البحر. وفيه: لو مات أحدهما أو أعتقها عتقت بلا شيء.
قلت: فالعتق إنما يتجزأ في القنة لا في أم الولد، بل يعتق بعضها بعتق
قال في النهر: وفائدة إيجاب العقر مع هذا أنه لو أبرأ أحدهما صاحبه بقي حق
الآخر، ولو قوّم نصيب أحدهما بالدراهم والآخر بالذهب كان له أن يدفع الدراهم ويأخذ
الذهب. قوله: (فيأخذ منه الزيادة) وكذا الغلة والكسب والخدمة. نهر. قوله: (بخلاف
البنوة) أي النسب. قوله: (والإرث) أي إرث الولد منهما. قوله: (والولاء) حق التعبير
والولاية: أي ولاية الإنكاح فإنها تثبت لكل من المدعيين كملاً، وكذا في المال عند أبي
يوسف. قال في البحر عن وصايا الخانية: فإن كان لهذا الولد مال ورثه من أخ له من أمه
أو وهب له لا ينفرد بالتصرّف فيه أحد الأبوين عندهما، وعند أبي يوسف ينفرد اهـ.
قوله: (سوية) أي لا على قدر الحصص، بل يستويان في ثبوته لكل منهما كملاً. قوله:
(لعدم تجزي النسب الخ) قال الزيلعي: النسب وإن كان لا يتجزى، لكن يتعلق به أحكام
متجزئة كالميراث والنفقة والحضانة والتصرف في المال وأحكام غير متجزئة كالنسب
وولاية الإنكاح؛ فما يقبل التجزئة يثبت بينهما على التجزئة، وما لا يقبلها يثبت في حق
كل واحد منهما على الكمال كأنه ليس معه غير اهـ. وتمامه في البحر. قوله: (إرث ابن
كامل) لإقرار كل منهما أنه ابنه على الكمال. نهر. قوله: (وورثا منه إرث أب واحد) لأن
المستحق أحدهما فیقتسمان نصيبه لعدم الأولوية. نهر. وإذا مات أحدهما کان کل
الميراث للباقي منهما، ولايكون نصفه للباقي ونصفه لورثة الميت كذا قالوا، ويلزم عليه
أن تكون أمه أم ولد للباقي، فلا يعتق شيء منها بموت أحدهما. حموي عن اليعقوبية.
وأجاب السيد أبو السعود بأن عدم توريث ورثة الميت للمانع وهو حجبهم بأبوة الباقي
لثبوتھا له كملاً، ولا مانع لعتق الأم بموته فظهر الفرق. قوله: (وكذا الحكم الخ) أي أن
قوله: ((وإن ادعياه معاً) ليس بقيد، بل إذا كان الشركاء جماعة وادعوه يثبت نسبه منهم
عند الإمام. وعند أبي يوسف: يثبت النسب من اثنين فقط. وعند محمد: من ثلاثة.
وعند زفر: من خمسة. قوله: (ولو نساء) أي لو تنازع فيه امرأتان قضى به أيضاً بينهما
عنده لا عندهما، ولو معهما رجل يقضي بينهما عنده؛ وللرجل فقط عندهما. بحر.
قوله: (عتقت بلا شيء) أي بلا سعاية، ولا ضمان لما مر من عدم تقوّمها عنده. قوله:
(قلت الخ) هو صاحب البحر وقال: إنه نبه عليه في المجتبى.

٤٦٥
كتاب العتق/ باب الاستيلاد
كلها اتفاقاً. مجتبى. فليحفظ.
(جارية بين رجلين ولدت فادعاه أحدهما وأعتقه الآخر وخرج الكلامان)
منهما (معاً فالدعوة أولى) لاستنادها للعلوق. خانية.
(ادعى ولد أمة مكاتبه وصدّقه المكاتب لزم النسب) لتصادقهما كدعوته ولد
جارية الأجنبي، أما ولد مكاتبته فلا يشترط تصديقها كما سيجيء (و) لزم المدعي
(العقر وقيمة الولد) يوم ولد (وسقط الحد) عنه (للشبهة ولم تصر أم ولده) لعدم
قلت: والذي في المجتبى: قال أستاذنا: ظن بعض الناس أن قوله عتقت بالإجماع
دليل على أن الإعتاق لا يتجزأ عند أبي حنيفة، وقد كشف السرّ فيه القاضي الصدر في
غنى الفقهاء وشيخ الإسلام بأن الإعتاق يتجزأ عنده، لكن العتق لا يتجزأ فيسري إلى
نصيب شريكه، وإنما أخر العتق فيما إذا أعتق بعض القن نظراً للساكن ليصل إلى حقه
بالضمان أو السعاية قبل بطلان ملكه، ولا كذلك هنا لأنه لا يجب لا الضمان ولا السعاية
عنده، فلا فائدة في تأخير العتق فيه فيعتق في الحال اهـ.
ثم اعلم أن الكلام في تجزّي إعتاق أم الولد، وأما نفس الاستيلاد فإنه يتجزأ عنده
كالتدبير كما قدمناه عن البدائع، وقوله: ((لا)) في أم الولد يفيد أن الإعتاق يتجزأ في
المدبر والمكاتب، وذكرت فيما علقته على البحر ما يدل عليه. وأما ما استدل به ط
على ذلك فهو إنما يدل على تجزي التدبير والكتابة لا على تجزي إعتاق المكاتب
والمدبر، فافهم. قوله: (وخرج الكلامان منهما معاً) أما لو تقدم أحدهما، فإن كان
الدعوى فهو كذلك بالأولى، وإن كان الإعتاق فالظاهر أنه أولى لكون المعتق قد أعتق
نصيبه، فلشريكه الخيارات السابقة ومنها الإعتاق، وقوله إنه ابني إعتاق، ويثبت نسبه
منه إن جهل نسبه، وكأنهم سكتوا عن بيان ذلك لظهوره. قوله: (فالدعوة أولى) ولو
المدعي كافراً كما في كافي الحاكم. قوله: (لاستنادها للعلوق) أي لوقت العلوق،
والإعتاق يقتصر على الحال فيكون المعتق معتقاً ولد الغير. ط عن المنح. قوله:
(كدعوته ولد جارية الأجنبي) يجامع عدم ملكه التصرف فيها، بخلاف ما لو ادعى ولد
جارية ابنه لأن الأب يملك تملكه، فلا يعتبر تصديق الابن بل يعتبر تصديق المكاتب
والأجنبي، لكن يأتي أنه يعتبر في الأجنبي تصديقه في الولد والإحلال، إذ لو ادعاه من
زنا لا يثبت نسبه. قوله: (أما ولد مكاتبته) أي لو ادعى ولد نفس مكاتبته لم يشترط
تصديقها، وخيرت بين البقاء على كتابتها وأخذ عقرها وبين أن تعجز نفسها وتصير أم
ولد كذا في الهداية والدراية. نهر. قوله: (كما سيجيء) أي في كتاب المكاتب ح.
قوله: (ولزم المدعي العقر) لأنه وطئ بغير نكاح ولا ملك يمين. درر. قوله: (وقيمة
الولد) لأنه في معنى المغرور حيث اعتمد ليلاً، وهو أنه كسب كسبه فلم يرض برقه

٤٦٦
کتاب العتق/باب الاستيلاد
ملكه (وإن كذبه) المكاتب(لم يثبت النسب) لحجره على نفسه بالعقد.
(ولدت منه جارية غيره وقال أحلها لي مولاها والولد ولدي وصدقه المولى
في الإحلال وكذبه في الولد لم يثبت نسبه، فإن صدقه فيهما) جميعاً (ثبت إلا لا)
وقول الزيلعي: ولو صدقه في الولد يثبت: أي مع تصديقه في الإحلال فلا مخالفة
كما لا يخفى.
(ولو ملكها) أو ملكه (بعد تكذيبه)
فيكون حراً بالقيمة ثابت النسب منه، إلا أن القيمة هنا تعتبر يوم ولد وقيمة ولد المغرور
يوم الخصومة. بحر. والفرق في الفتح. قوله: (لحجره على نفسه) أي لمنع السيد
نفسه عن التصرّف في كسب المكاتب بالعقد: أي بعقد الكتابة فاشترط تصديقه، إلا أنه
لو ملك يوماً عتق عليه. نهر. قوله: (ولدت منه الخ) في كافي الحاكم: وإذا وطئ
جارية رجل وقال أحلها لي والولد ولدي وصدّقه المولى بأنه أحلها له وكذبه في الولد
لم يثبت نسب الولد منه، لأن الإحلال ليس بنكاح ولا ملك يمين، فإن ملكه يوماً ثبت
نسبه منه، وإن ملك أمه كانت أم ولد له، وإن صدّقه المولى بأن الولد منه فهو ابنه حين
صدقه وهو عبد لمولاه. وكذلك الجواب في جارية الزوجة والأبوين إن ادعى أن
مولاها أحلها له وأن الولد ولده، إلا أن الولد يعتق بالقرابة إذا ثبت نسبه اهـ. وظاهر
قوله: لأن الإحلال ليس بنكاح ولا ملك يمين، يفيد أن المراد به أن يقول أحللتها
لك، ولعل وجه ثبوت النسب أن هذا القول صار شبهة عقد لأن حلها له لا يكون إلا
بالنكاح أو بملك اليمين فكأنه قال ملكتك بضعها بأحد هذين السببين، وذلك وإن لم
يصح لكنه يصير شبهة مؤثرة في نفي الحد وفي ثبوت النسب إذا صدقه السيد أو ملك
الولد، لما مر من أنه إذا ملكها بعد ما ولدت منه بنكاح فاسد أو وطء بشبهة تصير أم
ولد: أي لثبوت النسب بذلك، هذا ما ظهر لي. وفي حدود الفتاوى الهندية عن
المحيط: رجل أحل جاريته لغيره فوطئها ذلك الغير لا حدّ عليه اهـ. فهذا يؤيد ما مر
من أن الإحلال قوله: أحللتها لك بدون ملك ولا نكاح، إذ لو كان بأحدهما لم يكن
للتصريح بسقوط الحدّ وجه، إذ لا معنى للقول بأن من وطئ زوجته أو أمته لا حدّ
عليه، فافهم. قوله: (وإلا لا) أي وإن لم يصدقه فيهما جميعاً بأن كذبه فيهما جميعاً أو
في الإحلال فقط أو في الولد فقط لم يثبت نسبه، لكن الأخيرة مذكورة في المتن،
والأولى مفهومه منها بالأولى فبقيت الثانية مقصودة بالتنبيه عليها لمخالفتها لظاهر كلام
الزيلعي المذكور ولدفع المخالفة بينهما، فافهم. قوله: (وقول الزيلعي) هذا الجواب
للمصنف ح. قوله: (فلا مخالفة) أي بين ما في الزيلعي وبين ما في الخانية والدرر من
أنه لا يثبت النسب إلا إذا صدقه في الأمرين جميعاً، ومثل ما في الزيلعي ما قدمناه من

٤٦٧
کتاب العتق/ باب الاستيلاد
أي المولى ولو مكاتبه (يوماً) من الدهر (ثبت النسب) وتصير أم ولده إذا ملكها
لبقاء إقراره.
(ولو استولد جارية أحد أبويه) أو جده (أو امرأته وقال ظننت حلها لي فلا حد)
للشبهة (ولا نسب) إلا أن يصدقه فيهما (وإن ملكه يوماً عتق عليه) وإن ملك أمة لا تصير
عبارة الكافي. قوله: (أي المولى) أفاد أن إضافة تكذيب للضمير من إضافة المصدر
لفاعله والمفعول محذوف: أي تکذیب المولى إياه. قوله: (ولو مکاتبه) أي ولو كان
مولى الأمة مكاتب المدعي أفاد به ثبوت النسب بملك الولد في مسألة المكاتب
المارة. قوله: (ثبت النسب) أي في الصورتين: صورة ملكها، وصورة ملكه؛ أما الثانية
فظاهرة، وأما الأولى فقد تبع المصنف فيها الخانية والدرر. واستشكلها ح بأن المكذب
لدعواه قبل أن يملكه موجود، بخلاف ما إذا ملكه فإنه ارتفع المانع وزال المنازع،
اللهم إلا أن يكون قولهما ملكها: أي مع ولدها اهـ.
قلت: لكنه خلاف ما فهمه الشارح حيث عطف بأو قوله: ((أو ملكه)) فإنه ظاهر
في أن المراد ملكها وحدها، ولعل وجهه أنه إذا ملكها وصارت أم ولده بحكم إقراره
لزم ثبوت نسب الولد منه، لأن أمومية الولد فرع ثبوت نسب الولد، فيثبت نسبه من
المدعي ضرورة مع بقائه على ملك المولى، حتى إذا ملكه المدعي عتق عليه، وهذا
إذا كان المراد بقوله: ((بعد تكذيبه)) أي في الإحلال والولد. أما إذا كان المراد تكذيبه
في الولد فقط مع تصديقه في الإحلال فالأمر أظهر لتصادقهما على أن وطأها كان حلالاً
له، فتأمل. قوله: (إذا ملكها) قيد به ليفيد أن قوله: ((وتصير أم ولده)) راجع للصورة
الأولى فقط، ولولا ذلك لتوهم أنه راجع للصورتين كما رجع إليهما قوله: ((ثبت
النسب)) وهو غير صحيح، لأنه إذا ملك الولد ولم يملكها لا تصير أم ولد له ما لم
يملكها، ولا يلزم من ملك الولد وثبوت نسبه أن تکون أمه أم ولد قبل أن یملکها كما
لا يخفى، فعلم أن هذا القید لا بد منه، فافهم. قوله: (ولا نسب) أي لتمحضه زنا كما
عللوا به في كتاب الحدود. قوله: (إلا أن يصدقه فيهما) مخالف لإطلاقهم في كتاب
الحدود عدم ثبوت النسب وإن ادعاه، وتعليلهم بتمحضه زنا يدل عليه فلا محل لهذا
الاستثناء هنا ولم نجده لغيره؛ نعم محله في المسألة السابقة وضمير فيهما يعود إلى
الإحلال والولد. قوله: (عتق عليه) أي ولم يثبت نسبه كما في الكافي فعلة العتق هنا
الجزئية لا النسب كما يأتي، لكن توقف عتقه على ملكه خاص بما إذا كانت الجارية
لامرأته، بخلاف أبيه أو أمه لما في القنية: وطئ جارية أبيه فولدت منه، سواء ادعى
شبهة أو لا لم يجز بيع الولد لأنه ولد ولده فيعتق عليه وإن لم يثبت النسب اهـ: أي

٤٦٨
کتاب العتق/باب الاستيلاد
أم ولده لعدم ثبوت النسب، كذا ذكره المصنف تبعاً للزيلعي، لكنه نقل هنا وفي نكاح
الرقيق عن الدرر والخانية أنه لو ملكها بعد تكذيبه يوماً ثبت النسب لبقاء الإقرار، فتدبر.
نعم في الخانية: زنى بأمة فولدت فملكها
يعتق على الأب للجزئية. قوله: (لعدم ثبوت النسب) لأن أمومية الولد فرع ثبوت
النسب كما قدمناه. قال في الكافي: وقوله: ((ظننتها تحل لي)) لم يكن شبهة في
ذلك اهـ: أي في ثبوت النسب، وإنما هو شبهة في سقوط الحد، بخلاف ما مر من
دعوى الإحلال فإنها شبهة فيها كما مر.
والحاصل أن الوطء في دعوى الإحلال وطء شبهة، وبه يثبت النسب فتثبت
أمومية الولد، بخلاف الوطء مع ظن الحل فإنه زنا محض وإن سقط فيه الحد. وإذا كان
ظن الحل غير معتبر في ثبوت النسب وتمحض الفعل معه زنا لا تثبت أمومية الولد إذا
ملك الأم وإن كان أقرّ بالولد، لأن الزنا لا يثبت فيه النسب وأمومية الولد فرع ثبوته.
وفي الفتح عن الإيضاح: أمة جاءت بولد فادعاه أجنبي لا يثبت نسبه صدّقه
المولى أو كذبه، فإن ملكه المدعي عتق ولا تصير أمه أم ولد اهـ: أي لأن عتقه للجزئية
لا لثبوت النسب، ولذا قال عتق ولم يقل ثبت نسبه، وبهذا سقط ما أورد على تعليل
الشارح أنه لما ادعى الولد فقد أقرّ له بالنسب ولأمه بأمومية الولد، فإذا ملك الأم زال
المانع وهو كونها ملك الغير فينبغي أن تصير أم ولد وإن لم يثبت نسب الولد اهـ. لأنه
إذا لم يثبت النسب لا تصير أم ولد، فافهم.
فإن قلت: قد تصير أم ولد مع عدم ثبوت النسب فيما لو زوّج أمته من عبده ثم
ولدت فادعاه.
قلت: إنما صارت أم ولد للمولى لإقراره بأن الولد علق منه قبل التزويج بوطء
حلال، لكن لم يثبت منه لوجود الفراش الصحيح فقد تعلق به حق الغير وهو الزوج،
ولولاه لثبت من المولى فلم يثبت منه هنا لعارض والزنا لا يثبت منه الولد على كل
حال، هذا ما ظهر لي. قوله: (لكنه نقل) أي المصنف، وقوله: ((ثبت النسب)» أي
فتصير أم ولده ضرورة ثبوت النسب مع زوال المانع وهو ملك الغير، فينافي قوله: ((لا
تصير أم ولده» لعدم ثبوت نسبه. والجواب أن ما نقله المصنف عن الدرر والخانية ليس
في هذه المسألة وهي قوله: ((ظننت حلها لي)) بل في مسألة دعوى الإحلال. ونقل ح
عبارتهما بتمامها، وقد علمت الفرق بين المسألتين، وأن ظن الحل شبهة في سقوط
الحد لا في ثبوت النسب، بخلاف دعوى الإحلال فإنها شبهة فيهما، فالاستدراك في
غير محله، فافهم. قوله: (نعم في الخانية الخ) يعني أن هذا الإشكال فيه، لأن الزنا لا
/

٤٦٩
کتاب العتق/باب الاستيلاد
لم تصر أم ولده، وإن ملك الولد عتق.
وفي الأشباه: لو ملك أخته لأمه من الزنا عتقت، ولو أخته لأبيه لا.
فروع: أراد وطء أمته ولا تصير أم ولده يملكها لطفله ثم يتزوجها.
أقرّ بأموميتها في مرضه أن هناك ولد أو حبل تعتق من الكل، وإلا فمن
الثلث، وما في يدها للمولى إلا إذا أوصى لها به؛ نعم في المجتبى: استحسن
محمد أن يترك لها ملحفة وقيمص ومقنعة ولا شيء للمدبر، والله سبحانه وتعالى
أعلم.
يثبت فيه النسب فلا تصير أم ولده وإن ملكها، لكن قد علمت أن الوطء في مسألة ظن
الحل زنا أيضاً. قوله: (لم تصر أم ولده) أي فله بيعها ط. قوله: (وإن ملك الولد عتق)
لأنه جزؤه حقيقة. قوله: (ولو أخته لأبيه لا) والفرق أن الأخ ينسب إلى أخته لأبيه
بواسطة الأب، ونسبة الأب منقطعة فلا تثبت الأخوة؛ أما بالنسبة إلى الأم فلا تنقطع،
فتكون الأبوة ثابتة من جهتها فيعتق بالملك كما في شروح الهداية، ولذا لو مات يرثه
أخوه لأمه دون أخيه لأبيه. قوله: (يملكها لطفله) فائدة ذلك: وإن خرجت من ملكه
أنه يخاف أنها إذا ولدت منه قد تتمرد عليه وتكدر عيشه، فإذا علمت أن له بيعها كلما
أراد انقادت له، وإذا باعها ينفق ثمنها على طفله بدلًا عما كان ينفقه عليه من ماله، وله
أيضاً إنفاقه على نفسه عند الاحتياج إليه، فظهر أن بيعها لطفله ينتفع بلا ضرر يلحقه،
فافهم. قوله: (ثم يتزوجها) أي يزوّجها لنفسه، وإذا ولدت منه ولداً يعتق على الطفل
لكونه ملك أخاه. قوله: (وإلا فمن الثلث) لأنه عند عدم الشاهد إقرار بالعتق في
المرض وهو من الثلث كما قدمناه. قوله: (وما في يدها للمولى) لأنه كان ملكاً له قبل
أن تعتق بموته. قوله: (إلا إذا أوصى لها به) لأنها تعتق بموته فيكون وصية لحرة،
بخلاف القنّ إذا أوصى له بشيء من ماله فلا يصح، إلا إذا أوصى له بثلث ماله أو برقبته
فإنه يصح كما مر في باب التدبير. قوله: (أن يترك لها الخ) ظاهر الإطلاق أنها تستحق
ذلك، لأنه يشمل ما إذا كان في الورثة صغار، ولو كان ذلك على وجه التبرع لم
يصح. تأمل. وقد مر تفسير الملحفة والقميص والمقنعة في المتعة من باب المهر ..
قوله: (ولا شيء للمدبر) أي من الثياب وغيرها. بحر عن المجتبى، ثم هل المدبرة
كذلك؟ لم أره، ولينظر وجه الفرق بينه وبين أم الولد.
وفي الخانية: رجل أعتق عبده وله مال فماله لمولاه إلا ثوباً يواري العبد أي ثوب
شاء المولى.
تتمة: نقل ط في هذا الباب عن قاضيخان: سئل أبو بكر عن رجل مات وترك أم

٤٧٠
كتاب الأيمان
كِتَابُ الأيمَانِ
مناسبته عدم تأثير الهزل والإكراه، وقدم العتاق لمشاركته الطلاق في
الإسقاط والسراية.
(اليمين) لغة: القوة. وشرعاً: (عبارة عن عقد قويّ به عزم الحالف !
ولد هل يجب لها النفقة في ماله؟ قال: إن كان لها ولد فلها النفقة، وإلا فلا نفقة لها اهـ.
قلت: المراد أنها تجب نفقتها على ولدها ولو صغيراً كما قدمنا التصريح به في
باب النفقة عن الذخيرة أي فتنفق من مال ولدها الذي ورثه لا من أصل مال الميت لأنه
صار مال الورثة وهي أجنبية عنهم، فافهم. والله سبحانه وتعالى أعلم.
كِتَابُ الأيمَانِ(١)
قوله: (مناسبته الخ) قال في الفتح: اشترك كل من اليمين والعتاق والطلاق
والنكاح في أن الهزل والإكراه لا يؤثر فيه، إلا أنه قدم النكاح لأنه أقرب إلى العبادات
كما تقدم، والطلاق رفعه بعد تحققه، فإيلاؤه إياه أوجه، واختص العتاق عن اليمين
بزيادة مناسبته بالطلاق من جهة مشاركته إياه في تمام معناه الذي هو الإسقاط، وفي
لازمه الشرعي الذي هو السراية فقدمه على اليمين. قوله: (في الإسقاط) فإن الطلاق
إسقاط قيد النكاح، والعتاق إسقاط قيد الرق ط. قوله: (والسراية) فإذا طلق نصفها سرى
إلى الكل، وكذا العتق: أي عندهما، لقولهما بعدم تجزيه أما عنده فهو منجز ط. قوله:
(لغة القوة) قال في النهر: واليمين لغة لفظ مشترك بين الجارحة والقوة والقسم، إلا أن
قولهم كما في المغرب وغيره: سمي الحلف يميناً لأن الحالف يتقوّى بالقسم، أو أنهم
كانوا يتماسكون بأيمانهم عند القسم، يفيد كما في الفتح أن لفظ اليمين منقول اهـ.
أقول: هو منقول من أصل اللغة إلى عرفها؛ فلا ينافي كونه في اللغة مشتركاً بين
(١) الأيمان لغة: جمع يمين وهو القوة. وفي الصحاح اليمين القسم، والجمع الأَيْمُن والأَيْمَان.
انظر: الصحاح ٢٢٢١/٦. المصباح المنير ١٠٥٧/٢، والمغرب ٣٩٩/٢، لسان العرب ٤٦٢/٣،
القاموس المحيط ٢٨١/٤.
اصطلاحاً:
عرفه الحنفية بأنه: عقد قوي به عزم الحالف على فعل شيء أو تركه.
وعرفه الشافعية بأنه: تحقيق غير ثابت ماضياً كان أو مستقبلاً نفياً أو إثباتاً ممكناً أو ممتنعاً صادقة أو كاذبة على
العلم بالحال أو الجهل به.
وعرفه المالكية بأنه: تحقيق ما لم يجب بذكر اسم الله أو صفته.
وعرف الحنابلة بأنه: توكيد حكم أي: محلوف عليه بذكر معظم أو هو المحلوف به على وجه مخصوص.
انظر: تبيين الحقائق ١٠٧/٣، شرح فتح القدير ٢/٤، المحلى على المنهاج ٤/ ٣٧٠، حاشية الدسوقي
١١٢/٢، شرح منتهى الإرادات ٤١٩/٣.

٤٧١
کتاب الأيمان
على الفعل أو الترك) فدخل التعليق فإنه يمين شرعاً، إلا في خمس مذكورة في
الأشباه،
الثلاثة، وإنما اقتصر الشارح على القوة لظهور المناسبة بينه وبين المعنى الاصطلاحي
المذكور في المتن ح.
قلت: أو لأنها الأصل، فقد قال في الفتح في باب التعليق: إن اليمين في الأصل
القوة؛ وسميت إحدى اليدين باليمين لزيادة قوتها على الأخرى، وسمي الحلف بالله
تعالى يميناً لإفادته القوة على المحلوف عليه من الفعل والترك، ولا شك أن تعليق
المكروه للنفس أمر يفيد قوة الامتناع عن ذلك الأمر، وتعليق المحبوب لها على ذلك
يفيد الحمل عليه فكان يميناً اهـ. فقد أفاد أن أصل المادة بمعنى القوة ثم استعملت في
اللغة لمعان أخر لوجود المعنى الأصلي فيها كلفظ الكافر من الكفر وهو الستر؛ فيطلق
على الكافر بالله تعالى وكافر النعمة؛ وعلى الليل، وعلى الفلاح، وهكذا في كثير من
الألفاظ اللغوية التي تطلق على أشياء ترجع إلى أصل واحد عام فيصح أن يطلق عليها
لفظ الاشتراك نظراً إلى اتحاد المادة مع اختلاف المعاني، وأن يطلق عليها لفظ المنقول
نظراً إلى المعنى الأصلي الذي ترجع إليه، والقول بأن المنقول يهجر فيه المعنى الأصلي
وهذا ليس منه غير مقبول، فإن اليمين إذا أطلق على الحلف لا يراد به القوة لغة، ولهذا
قال في الفتح هنا بعد ذكره أنه منقول: ومفهومه لغة جملة أولى إنشائية صريحة الجزأين
يؤكد بها جملة بعدها خبرية، فاحترز بأولى عن التوكيد اللفظي بالجملة نحو: زيد قائم
زيد قائم، فإن المؤكد فيه هو الثانية لا الأولى، عكس اليمين، وبإنشائية عن التعليق فإنه
ليس يميناً حقيقة لغة الخ. وقوله يؤكد بها الخ إشارة إلى وجود المعنى الأصلي وهو
القوة لا على أنه هو المراد، وكذا إذا أطلق على الجارحة لا يراد به نفس القوة بل اليد
المقابلة لليسار وهي ذات والقوة عرض، فقد هجر فيه المعنى الأصلي وإن لوحظ اعتباره
في المنقول إليه، وبهذا ظهر أن المناسب بيان معنى اليمين اللغوي المراد به الحلف
ليقابل به المعنى الشرعي، وأما تفسيره بالمعنى الأصلي فغير مرضي، فافهم. قوله:
(على الفعل أو الترك) متعلق بالعزم أو بقوى ط. قوله: (فإنه يمين شرعاً) لأنه يقوى به
عزم الحالف على الفعل في مثل إن لم أدخل الدار فزوجته طالق، وعلى الترك في مثل
إن دخلت الدار. قال في البحر: وظاهر ما في البدائع أن التعليق يمين في اللغة أيضاً،
قال: لأن محمداً أطلق عليه يميناً وقوله حجة في اللغة.
مَطْلَبُ: حَلَفَ لَا يحلِفُ حَنِثَ بَالتَّعْلِيقِ إِلَّ فِي مَسَائِلَ
قوله: (مذكورة في الأشباه) عبارته: حلف لا يحلف حنث بالتعليق إلا في
مسائل: أن يعلق بأفعال القلوب أو يعلق بمجيء الشهر في ذوات الأشهر أو بالتطليق،

٤٧٢
کتاب الأيمان
فلو حلف لا يحلف حنث بطلاق وعتاق. وشرطها الإسلام والتكليف
أو يقول إن أديت إليّ كذا فأنت حر، وإن عجزت فأنت رقيق، أو إن حضت حيضة أو
عشرين حيضة أو بطلوع الشمس كما في الجامع اهـ.
قلت: وإنما لم يحنث في هذه الخمسة لأنها لم تتمحض التعليق. أما الأولى
كأنت طالق إن أردت أو أحببت فلأن هذا يستعمل في التمليك، ولذا يقتصر على
المجلس. وأما الثانية كأنت طالق إذا جاء رأس الشهر أو إذا أهلّ الهلال والمرأة من
ذوات الأشهر دون الحيض فلأنه مستعمل في بيان وقت السنة، لأن رأس الشهر في
حقها وقت وقوع الطلاق السني لا في التعليق. وأما الثالثة كأنت طالق إن طلقتك فلأنه
يحتمل الحكاية عن الواقع وهو كونه مالكاً لتطليقها فلم يتمحض للتعليق. وأما الرابعة
كقوله إن أديت إلي ألفاً فأنت حر، وإن عجزت فأنت رقيق فلأنه تفسير للكتابة. وأما
الخامسة كأنت طالق إن حضت حيضة أو عشرين حيضة فلأن الحيضة الكاملة لا وجود
لها إلا بوجود جزء من الطهر فيقع في الطهر فأمكن جعله تفسير الطلاق السنة فلم
يتمحض للتعليق، وحيث لم يتمحض للتعليق في هذه الخمس لا يحمل على التعليق
حيث أمكن غيره صوناً لكلام العاقل عن المحظور وهو الحلف بالطلاق، وإنما حنث
في إن حضت فأنت طالق لأنه لا يمكن جعله تفسير للبدعي، لأن البدعي أنواع،
بخلاف السني فإنه نوع واحد؛ وحنث أيضاً في أنت طالق إن طلعت الشمس مع أن
معنى اليمين وهو الحمل أو المنع مفقود، ومع أن طلوع الشمس متحقق الوجود لا
خطر فيه. لأنا نقول: الحمل والمنع ثمرة اليمين وحكمته، فقد تم الركن في اليمين
دون الثمرة، والحكمة والحكم الشرعي في العقود الشرعية يتعلق بالصورة لا بالثمرة
والحكمة، ولذا لو حلف لا يبيع فباع فاسداً حنث لوجود ركن البيع وإن كان المطلوب
منه وهو الملك غير ثابت اهـ ملخصاً من شرح تلخيص الجامع لابن بلبان الفارسي. وبه
ظهر أن قول الأشباه ((أو بطلوع الشمس)) سبق قلم والصواب إسقاطه، أو أن يقول: لا
بطلوع الشمس، فافهم. قوله: (فلو حلف لا يحلف الخ) تفريع على كون التعليق
يميناً، وقوله: ((حنث بطلاق وعتاق)) أي بتعليقهما، ولكن فيما عدا المسائل المستثناة،
فكان الأولى تأخير الاستثناء إلى هنا كما مر في عبارة الأشباه.
تنبيه: يتفرع على القاعدة المذكورة ما في كافي الحاكم: لو قال لامرأته إن
حلفت بطلاقك فعبدي حر وقال لعبده إن حلفت بعتقك فامرأتي طالق فإن عبده يعتق
لأنه قد حلف بطلاق امرأته، ولو قال إن حلفت بطلاقك فأنت طالق وكرره ثلاثاً طلقت
ثنتين باليمين الأولى والثانية لو دخل بها، وإلا فواحدة. قوله: (وشرطها الإسلام
والتكليف) قال في النهر: وشرطها كون الحالف مكلفاً مسلماً، وفسر في الحواشي

٤٧٣
کتاب الأيمان
وإمكان البرّ. وحكمها البرّ أو الكفارة. وركنها اللفظ المستعمل فيها. وهل يكره
الحلف بغير الله تعالى؟ قيل نعم للنهي، وعامتهم لا، وبه أفتوا لا سيما في
السعدية التكليف بالإسلام والعقل والبلوغ، وعزاه إلى البدائع وما قلناه أولى اهـ. وجه
الأولوية أن الكافر على الصحيح مكلف بالفروع والأصول كما حقق في الأصول فلا
يخرج بالتكليف.
واعلم أن اشتراط الإسلام إنما يناسب اليمين بالله تعالى واليمين بالقرب نحو إن
فعلت كذا فعليّ صلاة وأما اليمين بغير القرب نحو إن فعلت كذا فأنت طالق فلا يشترط
له الإسلام كما لا يخفى ح.
مَطْلَبُ فِي يَمِينِ الكَافِ
والحاصل أنه شرط لليمين الموجبة لعبادة من كفارة أو نحو صلاة وصوم في
يمين التعليق، وسيذكر المصنف أنه لا كفارة بيمين كافر وإن حنث مسلماً وأن الكفر
يبطلها، فلو حلف مسلماً ثم ارتد ثم أسلم ثم حنث فلا كفارة اهـ. وحينئذ فالإسلام
شرط انعقادها وشرط بقائها. وأما تحليف القاضي له فهو يمين صورة رجاء نكوله كما
يأتي، ومقتضى هذا أنه لا إثم عليه في الحنث بعد إسلامه ولا في ترك الكفارة، وكذا
في حال كفره بالأولى على القول بتكليفه بالفروع. فما قيل من أن يمين الكافر منعقدة
لغير الكفارة وأن من شرط الإسلام نظر إلى حكمها فهو غير ظاهر، فافهم. ويشترط
خلوّها عن الاستثناء بنحو إن شاء الله أو إلا أن يبدو لي غير هذا أو إلا أن أرى أو أحب
كما في ط عن الهندية. قال في البحر: ومن زاد الحرية كالشمني فقد سها، لأن العبد
ینعقد یمینه ویکفر بالصوم کما صرحوا به اهـ.
قلت: يشترط أيضاً عدم الفاصل من سكوت ونحوه. ففي البزازية: أخذه الوالي
وقال قل بالله فقال مثله، ثم قال لتأتينّ يوم الجمعة فقال الرجل مثله فلم يأت لا يحنث،
لأنه بالحكاية والسكوت صار فاصلاً بين اسم الله تعالى وحلفه اهـ. وفي الصيرفية: لو
قال عليّ عهد الله وعهد الرسول لا أفعل كذا لا يصح، لأن عهد الرسول صار فاصلاً اهـ:
أي لأنه ليس قسماً بخلاف عهد الله. قوله: (وإمكان البرّ أصلاً والكفارة خلفاً) كما في
الدر المنتقى. وأنت خبير بأن الكفارة خاصة باليمين بالله تعالى ح. وأراد البرّ وجوداً
وعدماً، فإنه يجب فيما إذا حلف على طاعة، ويحرم فيما إذا حلف على معصية. ويندب
فيما إذا كان عدم المحلوف عليه جائزاً، وفيه زيادة تفصيل سيأتي.
مَطْلَبٌ فِي حُكْمٍ الْحَلفِ بِغَيْرِهِ تَعَالَى
قوله: (وهل يكره الحلف بغير الله تعالى الخ) قال الزيلعي: واليمين بغير الله

٤٧٤
کتاب الأيمان
زماننا، وحملوا النهي على الحلف بغير الله لا على وجه الوثيقة كقولهم بأبيك
ولعمرك ونحو ذلك. عيني (وهي) أي اليمين بالله لعدم تصوّر الغموس واللغو في
غيره تعالى فيقع بهما الطلاق ونحوه. عيني، فليحفظ. ولا يرد نحو هو يهوديّ
لأنه كناية عن اليمين بالله وإن لم يعقل وجه الكناية. بدائع (غموس)
تعالى أيضاً مشروع، وهو تعليق الجزاء بالشرط، وهو ليس بيمين وضعاً، وإنما سمي
يميناً عند الفقهاء لحصول معنى اليمين بالله تعالى وهو الحمل أو المنع، واليمين بالله
تعالى لا يكره، وتقليله أولى من تكثيره، واليمين بغيره مكروهة عند البعض للنهي
الوارد فيها، وعند عامتهم: لا تكره لأنها يحصل بها الوثيقة لا سيما في زماننا، وما
روي من النهي محمول على الحلف بغير الله تعالى على وجه الوثيقة كقولهم وأبيك
ولعمري اهـ. ونحوه في الفتح.
وحاصله أن اليمين بغيره تعالى تارة يحصل بها الوثيقة: أي اتثاق الخصم بصدق
الحالف كالتعليق بالطلاق والعتاق مما ليس فيه حرف القسم، وتارة لا يحصل مثل
وأبيك ولعمري فإنه لا يلزمه بالحنث فيه شيء فلا تحصل به الوثيقة، بخلاف التعليق
المذكور والحديث، وهو قوله ﴿(مَنْ كَانَ حَالِفاًح فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ تَعَالَى))(١) الخ
محمول عند الأكثرين على غير التعليق، فإنه يكره اتفاقاً لما فيه من مشاركة المقسم به
لله تعالى في التعظيم. وأما إقسامه تعالى بغيره كالضحى والنجم والليل فقالوا إنه
مختص به تعالى، إذ له أن يعظم ما شاء وليس لنا ذلك بعد نهينا. وأما التعليق فليس
فيه تعظيم، بل فيه الحمل أو المنع مع حصول الوثيقة فلا يكره اتفاقاً كما هو ظاهر ما
ذكرناه، وإنما كانت الوثيقة فيه أكثر من الحلف بالله تعالى في زماننا لقلة المبالاة
بالحنث ولزوم الكفارة. أما التعليق فيمتنع الحالف فيه خوفاً من وقوع الطلاق والعتاق.
وفي المعراج: فلو حلف به لا على وجه الوثيقة أو على الماضي يكره. قوله:
(ولعمرك) أي بقاؤك وحياتك، بخلاف لعمر الله فإنه قسم كما سيأتي. قوله: (لعدم
تصور الغموس واللغو) على حذف مضاف: أي تصوّر حكمهما، وإلا نافى قوله: ((فيقع
بهما» ح. قوله: (في غيره تعالى) أي في الحلف بغيره سبحانه وتعالى. قوله: (فيقع
بهما) أي بالغموس واللغو. قوله: (ولا يرد) أي على قوله: ((لعدم تصوّر الخ)) لو قال
هو يهودي، إن فعل كذا متعمداً الكذب أو على ظن الصدق فهو غموس أو لغو مع أنه
ليس يميناً بالله تعالى. قوله: (وإن لم يعقل وجه الكناية) أقول: يمكن تقرير وجه
الكناية بأن يقال: مقصود الحالف بهذه الصيغة الامتناع عن الشرط، وهو يستلزم النفرة
(١) أخرجه البخاري ٥٣٠/١١ (٦٦٤٦) ومسلم ١٢٦٦/٣ (١٦٤٦/٣).

٤٧٥
کتاب الأيمان
تغمسه في الإثم ثم النار، وهي كبيرة مطلقاً، لكن إثم الكبائر متفاوت. نهر (إن
حلف على كاذب عمداً) ولو غير فعل أو ترك كوالله إنه حجز الآن في ماض
(كوالله ما فعلت) كذا (عالماً بفعله أو) حال (كوالله ما له عليّ ألف عالماً بخلافه،
ووالله إنه بكر عالماً بأنه غيره) وتقييدهم بالفعل والماضي اتفاقي أو أكثري
عن اليهودية، وهي تستلزم النفرة عن الكفر بالله تعالى، وهي تستلزم تعظيم الله تعالى
فكأنه قال: والله العظيم لا أفعل كذا اهـح. قوله: (تغمسه في الإثم ثم النار) بيان لما في
صيغة فعول من المبالغة ح. قوله: (وهي كبيرة مطلقاً) أي اقتطع بها حق مسلم أو لا،
وهذا ردّ على قول البحر: ينبغي أن تكون كبيرة إذا اقتطع بها مال مسلم أو آذاه، وصغيرة
إن لم يترتب عليها مفسدة، فقد نازعه في النهر بأنه مخالف لإطلاق حديث البخاري
(الكَبَائِرُ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَاليَمِينُ حِ الغَمُوسُ)). وقول
شمس الأئمة: إن إطلاق اليمين عليها مجاز لأنها عقد مشروع وهذه كبيرة محضة صريح
فيه، ومعلوم أن إثم الكبائر متفاوت اهـ. وكذا قال المقدسي: أي مفسدة أعظم من متك
حرمة اسم الله تعالى. قوله: (على كاذب) أي على كلام كاذب: أي مكذوب. وفي
نسخة (على كذب)). قوله: (عمداً) حال من فاعل: أي عامداً، ومجيء الحال مصدر
كثير لكنه سماعي. قوله: (ولو غير فعل أو ترك) كان الأولى ذكره قبيل قوله: ((ووالله إنه
بكر)) فإنه مثال لهذا فيستغنى به عن المثال المذكور وعن تأخير قوله ((في ماض)). قوله:
(الآن) قيد به لما تعرفه قريباً. قوله: (في ماض) متعلق بمحذوف صفة لموصوف
كاذب: أي على كلام كاذب واقع مدلوله في ماض، ولا يصح تعلقه بقوله: ((حلف)) إذ
ليس المراد أن حلفه وقع في الماضي كما لا يخفى، فافهم. قوله: (وتقييدهم بالفعل
والماضي الخ) ردّ على صدر الشريعة حيث جعل التقييد للاحتراز، وإن والله إنه حجر
من الحلف على الفعل بتقدير كان أو يكون وجعل الحال من الماضي لأن الكلام يحصل
: أولاً في النفس فيعبر عنه باللسان، فالإخبار المعلق بزمان الحال إذا حصل في النفس
فعبر عنه باللسان انعقد اليمين، وصار الحال ماضياً بالنسبة إلى زمان انعقاد اليمين؛ فإذا
قال كتبت لا بد من الكتابة قبل ابتداء التكلم فيكون الحلف عليه حلفاً على الماضي،
وأشار إلى وجود الرد بلفظ ((الآن)) فإنه لا يمكن أن يقدر معه كان ليصير فعلاً، ولا يمكن
أن يكون من الماضي لمنافاته للفظ ((الآن)) على أن الحال إنما يعبر عنه بصيغة المضارع
المستعملة في الحال أو في الاستقبال ولا يخبر عنه بصيغة الماضي أصلاً؛ نعم قد يراد
تقريب الماضي من الحال فيؤتى بصيغة الماضي مقرونة بقد نحو قد قام زيد إذا أردت أن
قيامه قريب من زمن التكلم، فإذا قال والله قمت لا يصح أن يراد به الحال أصلاً،
بخلاف أقوم فإنه يراد به الحال أو الاستقبال كما هو مقرر في محله، فحيث لا يصح أن

٤٧٦
كتاب الأيمان
(ويأثم بها) فتلزمه التوبة. (و) ثانيها (لغو) لا مؤاخذة فيها إلا في ثلاث: طلاق
وعتاق ونذر أشباه، فيقع الطلاق على غالب الظن إذا تبين خلافه، وقد اشتهر عن
الشافعية خلافه (إن حلف كاذباً يظنه صادقاً) في ماض أو حال فالفارق بين
الغموس واللغو تعمد الكذب، وأما في المستقبل فالمنعقدة. وخصه الشافعي بما
يكون فعلاً ولا ماضياً تعين أن يكون تقييدهم بالفعل وبالماضي في قولهم هو حلفه على
فعل ماض الخ اتفاقياً: أي لا للاحتراز عن غيره أو أكثرياً أي لكونه هو الأكثر. قوله:
(ويأثم بها) أي إثماً عظيماً كما في الحاوي القدسي.
مَطْلَبٌ فِي مَعْنَى الإِثْم
والإثم في اللغة: الذنب، وقد تسمى الخمر إثماً. وفي الاصطلاح عند أهل
السنة: استحقاق العقوبة وعند المعتزلة: لزوم العقوبة بناء على جواز العفو وعدمه، كما
أشار إليه الأكمل في تقريره. بحر. قوله: (فتلزمه التوبة) إذ لا كفارة في الغموس يرتفع
بها الإثم فتعينت التوبة للتخلص منه. قوله: (إلا في ثلاث الخ) استثناء منقطع، لأن
الكلام في اليمين بالله تعالى وهذا في غيره، ولذا قال في الاختيار: وروى ابن رستم
عن محمد: لا يكون اللغو إلا في اليمين بالله تعالى، وذلك أن في حلفه بالله تعالى
على أمر يظنه كما قال ليس كذلك لغا المحلوف عليه وبقي قوله والله فلا يلزمه شيء،
وفي اليمين بغيره تعالى يلغو المحلوف عليه ويبقى قوله امرأته طالق وعبده حرّ وعليه
حج فيلزمه اهـ ملخصاً. قوله: (فيقع الطلاق) أي والعتاق ويلزمه النذر كما علمت.
قوله: (يظنه) أي يظن نفسه. قوله: (فالفارق الخ) أقول: هناك فارق آخر، وهو أن
الغموس تكون في الأزمنة الثلاثة على ما سيأتي، واللغو لا تكون في الاستقبال ح.
قوله: (وأما في المستقبل فالمنعقدة) لا يخفى أن كلامه في الحلف كاذباً يظنه صادقاً،
وهذا في المستقبل لا يكون إلا يميناً منعقدة، فلا يرد أن الغموس يكون في المستقبل
أيضاً لأن الغموس لا بد فيه من تعمد الكذب وليس الكلام فيه، فافهم. قوله: (وخصه
الشافعي الخ) اعلم أن تفسير اللغو بما ذكره المصنف هو المذكور في المتون والهداية
وشروحها. ونقل الزيلعي أنه روي عن أبي حنيفة كقول الشافعي. وفي الاختيار أنه
حكاه محمد عن أبي حنيفة، وكذا نقل في البدائع الأول عن أصحابنا. ثم قال: وما
ذكر محمد على أثر حكايته عن أبي حنيفة أن اللغو ما يجري بين الناس من قولهم لا
والله وبلى والله، فذلك محمول عندنا على الماضي أو الحال، وعندنا ذلك لغو.
فيرجع حاصل الخلاف بيننا وبين الشافعي في يمين لا يقصدها الحالف في المستقبل.
فعندنا ليست بلغو وفيها الكفارة. وعنده هي لغو ولا كفارة فيها اهـ. فقوله فذلك
محمول عندنا إلى آخر كلامه خبر قوله وما ذكر محمد الخ، فهو مبني على تلك الرواية

٤٧٧
كتاب الأيمان
جرى على اللسان بلا قصد، مثل لا والله وبلى والله ولو لآت، فلذا قال (ويرجى
المحكية عن أبي حنيفة، أراد به بيان الفرق بينهما وبين قول الشافعي وذلك أن المستقبل
يكون لغواً عنده لا عندنا. وقد فهم صاحب البحر من كلام البدائع حيث عبر بقوله: ((عندنا))
وقوله: ((فيرجع حاصل الخلاف بيننا وبين الشافعي الخ)) أن مذهبنا في اليمين اللغو أنها
التي لا يقصدها الحالف في الماضي أو الحال كما يقوله الشافعي إلا في المستقبل.
قلت: هذا وإن کان یوهمہ آخر کلام البدائع، لکن أوله صریح بخلافه، حیث عزا
ما في المتون إلى أصحابنا، ثم نقل ما حكاه محمد عن أبي حنيفة. فعلم أن قوله:
((عندنا الخ)) بناء على هذه الرواية كما قلنا وبين المذهب، وهذه الرواية منافاة، فإن
حلفه على أمر يظنه كما قال لا يكون إلا عن قصد فينا في تفسير اللغو كالتي لا
يقصدها؛ نعم ادعى في البحر أن المقصودة إذا كانت لغواً فالتي لا يقصدها كذلك
بالأولى، فيكون تفسيرنا اللغو أعم من تفسير الشافعي. ولا يخفى أن هذا خروج عن
الجادة وعن ظاهر كلامهم، ولا بد له من نقل صريح. والذي دعاه إلى هذا التكلف
نظره إلى ظاهر عبارة البدائع الأخيرة وقد سمعت تأويلها، وكأن الشارح نظر إلى كلام
البحر من أن مذهبنا أعم من مذهب الشافعي، فلذا قال: وخصه الشافعي، فافهم. نعم
قد يقال: إذا لم تكن هذه لغواً يلزم أن تكون قسماً خارجاً عن الأقسام الثلاثة،
فالأحسن أن يقال: إن اللغو عندنا قسمان: الأول ما ذكر في المتون، والثاني ما في
هذه الرواية، فتكون هذه الرواية بياناً للقسم الذي سكت عنه أصحاب المتون، ويأتي
قريباً عن الفتح التصريح بعدم المؤاخذة في اللغو على التفسيرين، فهذا مؤيد لهذا
التوفيق، والله سبحانه أعلم. قوله: (ولو لآت) أي ولو لزمان آت: أي مستقبل فإنه لغو
عند الشافعي لا عندنا حتى على الرواية المحكية عن أبي حنيفة. قوله: (فلذا قال الخ)
أي للاختلاف في اللغو. قال: ويرجى عفوه، وهذا جواب عن الاعتراض على تعليق
محمد العفو بالرجاء بأن قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذَكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ مقطوع به.
فأجاب في الهداية بأنه علقه بالرجاء للاختلاف في تفسير اللغو.
واعترضه في الفتح بأن الأصح أن اللغو بالتفسيرين متفق على عدم المؤاخذة به في
الآخرة، وكذا في الدنيا بالكفارة. قال: فالأوجه ما قيل إنه لم يرد به التعليق، بل التبرّك
باسمه تعالى والتأدب كقوله عليه الصلاة والسلام لأهل المقابر ((وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ
لَا حِقُونَ))(١) وأجاب في النهر بأنه اختلف في المؤاخذة المنفية هل هي المعاقبة في الآخرة
أو الكفارة؟ قال: ولا شك أن تفسير اللغو على رأينا ليس أمراً مقطوعاً به إذ الشافعي قائل
بأنه من المنعقدة فلا جرم علقه بالرجاء، وهذا معنى دقيق ولم أر من عرّج عليه اهـ.
(١) أخرجه مسلم ٦٧١/٢ (١٠٤ / ٩٥٧).

٤٧٨
كتاب الأيمان
عفوه) أو تواضعاً وتأدباً، وكاللغو حلفه على ماض صادقاً كوالله إني لقائم الآن
في حال قيامه (و) ثالثها (منعقدة وهي حلفه على) مستقبل (آت) يمكنه، فنحو:
والله لا أموت ولا تطلع الشمس من الغموس (و) هذا القسم (فيه الكفارة) الآية:
﴿واحفظوا أيمانكم﴾ ولا يتصوّر حفظ إلا في مستقبل
قلت: إنما لم يعرّج أحد عليه لما علمت من الاتفاق على عدم المؤاخذة به في
الآخرة، وكذا في الدنيا بالكفارة، فافهم. قوله: (وكاللغو الخ) حاصله أن حلفه على
ماض صادقاً يمين مع أنه لم يدخل في الأقسام الثلاثة فيكون قسماً رابعاً وهو مبطل
لحصرهم اليمين في الثلاثة. أجاب صدر الشريعة بأنهم أرادوا حصر اليمين التي اعتبرها
الشرع ورتب عليها الأحكام. ورده في البحر بأن عدم الإثم فيها حكم. وقال في
النهر: فيه نظر. قال ح: والحق ما في البحر، ولا وجه للنظر اهـ.
قلت: وأجاب في الفتح بأن الأقسام الثلاثة فيما يتصور فيه الحنث لا في مطلق
اليمين. قوله: (كوالله إني لقائم الآن) تبع فيه النهر، وكأنه تنظير لا تمثيل أشار به إلى
أن الماضي كالحال. والأحسن قول الفتح: كوالله لقد قام زيد أمس. قوله: (على
مستقبل) لا حاجة إليه اهـح. وقد يجاب بأن لفظ ((آت)) اسم فاعل، وحقيقته ما اتصف
بالوصف في الحال، فمثل قائم حقيقة فيمن اتصف بالإتيان في الحال ويحتمل
الاستقبال وكذا لفظ ((آت)) حقيقة فيمن اتصف بالإتيان في الحال ويحتمل الاستقبال،
فزاد الشارح لفظ مستقبل لدفع إرادة الحال.
ولا يرد أن مستقبل حقيقة في الحال أيضاً. لأنا نقول: معناه أنه متصف في
الحال بكونه مستقبلاً: أي منتظراً، وذلك لا يقتضي حصوله في الحال، لكن كان
المناسب تأخير (مستقبل)) عن ((آت)). قوله: (يمكنه) أشار إلى ما في النهر حيث قال:
ويجب أن يراد بالفعل فعل الحالف ليخرج نحو والله لا أموت الخ، لكن هذا أعم من
الممكن وغيره، وتعبير الشارح أحسن لأنه يرد على عبارة النهر نحو والله لأشربنّ ماء
هذا الكوز اليوم ولا ماء فيه لا يحنث لعدم إمكان البرّ مع أنه من فعله، ومقتضى كلامه
أن هذا المثال من الغموس، لكن ينبغي تقييده بما إذا علم وقت الحلف أنه لا ماء فيه.
وأما إذا لم يعلم فليس منها ولا من المنعقدة لعدم الإمكان، فإن جعلت من اللغو
انتقض ما مر من أنها لا تكون على الاستقبال. والذي يظهر أنها غير يمين أصلاً علم أو
لا، لما مر من أن شرط اليمين إمكان البرّ فليتأمل. قوله: (ولا يتصوّر حفظ إلا في
مستقبل) قلت: كون الحفظ لا يتصور إلا في مستقبل معناه أنه لا يتصور في ماض أو
في حال، لأن الحفظ منع نفسه عن الحنث فيها بعد وجودها مترددة بين الهتك
والحفظ، وذلك لا يكون في غير المستقبل. ولا يخفى أن هذا لا يستلزم أن كل

٤٧٩
کتاب الأيمان
(فقط) وعند الشافعي: يكفر في الغموس أيضاً (إن حنث، وهي) أي الكفارة
(ترفع الإثم وإن لم توجد) منه (التوبة) عنها (معها) أي مع الكفارة. سراجية (ولو)
الحالف (مكرهاً) أو مخطئاً أو ذاهلاً أو ساهياً (أو ناسياً) بأن حلف أن لا يحلف ثم
مستقبل كذلك: أي يتصور فيه الحفظ حتى يرد عليه الغموس المستقبلة التي لا يمكن
حفظها؛ نعم يرد لو قال: ولا يتصوّر مستقبل إلا محفوظاً. والفرق بين العبارتين ظاهر،
فافهم. قوله: (فقط) قيد للمهاء من فيه، فالمعنى أن فيه لا في غيره من قسيميه الكفارة
لا للكفارة حتى يصير المعنى أن فيه الكفارة لا غيرها من الإثم، لكن الأولى أن يقول:
وفيه فقط الكفارة اهـح. وهذا جواب للعيني دفع به اعتراض الزيلعي على الكنز بأن
المنعقدة فيها إثم أيضاً.
واعترضه في البحر بأن الإثم غير لازم لها، لأن الحنث قد يكون واجباً أو
مستحباً. وأجاب في النهر بأنه تخلف لعارض فلا يرد. قوله: (وإن لم توجد منه التوبة
عنها) أي عن اليمين، والمراد عن حنثه فيها وهو متعلق بالتوبة وقوله: ((معها)) متعلق
بـ (توجد) وفي عدم لزوم التوبة مع الكفارة كلام قدمناه في جنایات الحج فراجعه.
قوله: (أو مخطئاً) من أراد شيئاً فسبق لسانه إلى غيره كما أفاده القهستاني. قال في
النهر: كما إذا أراد أن يقول اسقني الماء فقال والله لا أشرب الماء.
مَطْلَبٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ
قوله: (أو ذاهلاً أو ساهياً أو ناسياً) قال ابن أمير حاج في شرح التحرير: وجزم
كثير باتحاد السهو والنسيان، لأن اللغة لا تفرق بينهما، وإن فرقوا بينهما بأن السهو
زوال الصورة عن المدركة مع بقائها في الحافظة، والنسيان زوالها عنهما معاً فيحتاج في
حصولها إلى سبب جديد. وقيل النسيان عدم ذكر ما كان مذكوراً، والسهو غفلة عما
كان مذكوراً وما لم يكن مذكوراً، فالنسيان أخص منه مطلقاً. وقيل يسمى زوال إدراك
سابق قصر زمان زواله نسياناً وغفلة لا سهواً، وزوال إدراك سابق طال زمان زواله سهواً
ونسياناً، فالنسيان أعم منه مطلقاً. وقال الشيخ سراج الدين الهندي: والحق أن النسيان
من الوجدانات التي لا تفتقر إلى تعريف بحسب المعنى، فإن كل عاقل يعلم النسيان
كما يعلم الجوع والعطش اهـح.
قلت: لكن ظهور الفرق بينه وبين السهو يتوقف على التعريف. وفي المصباح:
فرّقوا بين الساهي والناسي، بأن الناسي إذا ذكرته تذكر، والساهي بخلافه اهـ. وعليه
فالسهو أبلغ من النسيان، وفيه ذهل بفتحتين ذهولًا غفل. وقال الزمخشري: ذهل عن
الأمر: تناساه عمداً وشغل عنه، وفي لغة من باب تعب. قوله: (بأن حلف أن لا
يحلف) قال في النهر: أراد بالناسي المخطئ. وفي الكافي: وعليه اقتصر في العناية

٤٨٠
كتاب الأيمان
نسي وحلف، فيكفر مرتين: مرة لحنثه، وأخرى إذا فعل المحلوف عليه. عيني
لحديث («ثَلَاثٌ هَزِلُهُنَّ جَدٌّ» منها اليمين (في اليمين أو الحنث) فیحنث بفعل
المحلوف عليه مكرهاً خلافاً للشافعي (وكذا) يحنث(لو فعله وهو مغمى عليه أو
والفتح: هو من تلفظ باليمين ذاهلاً عنه، والملجئ إلى ذلك أن حقيقة النسيان في
اليمين لا تتصور. قال الزيلعي: وقال العيني وتبعه الشمني: بل تصور بأن حلف أن لا
يحلف ثم نسي الحلف السابق فحلف. ورده في البحر بأنه فعل المحلوف عليه ناسياً لا
أن حلفه ناسياً اهـ. وفيه نظر، إذ فعل المحلوف عليه ناسياً لا ينافي كونه يميناً بدليل أنه
يكفر مرتين: مرة باعتبار أنه فعل المحلوف عليه، وأخرى باعتبار حنثه في اليمين اهـ
کلام النهر.
أقول: الحق ما في البحر، فإن فعل المحلوف عليه ناسياً وإن لم يناف كونه
يميناً، لكن تعلق النسيان به من جهة كونه حنثاً لا من جهة كونه يميناً، إذ هو من هذه
الجهة لم يتعلق به النسيان كما لا يخفى على منصف اهـح. قوله: (لحديث الخ) في
شرح الوقاية للعلامة منلا علي القاري: لفظ اليمين غير معروف، إنما المعروف ما رواه
أصحاب السنن الأربعة من حديث أبي هريرة وحسنه الترمذي وصححه الحاكم بلفظ
((النَّكَاحُ وَالطَّلَاقُ والرَّجْعَةُ))(١)، وقد رواه ابن عديّ فقال: ((الطَّلَاقُ وَالنُّكَاحُ
وَالِتَاقُ)) اهـ.
وفي الفتح: اعلم أنه لو ثبت حديث اليمين لم يكن فيه دليل، لأن المذكور فيه
جعل الهزل باليمين جداً والهازل قاصد اليمين غير راض بحكمه، فلا يعتبر عدم رضاه
به شرعاً بعد مباشرته السبب مختاراً، والناسي بالتفسير المذكور لم يقصد شيئاً أصلاً
ولم ير ما صنع، وكذا المخطئ لم يقصد قط التلفظ به بل بشيء آخر، فلا يكون الوارد
في الهازل وارداً في الناسي الذي لم يقصد قط مباشرة السبب فلا يثبت في حقه نصاً ولا
قياساً اهـ. قوله: (في اليمين أو الحنث) متعلق بقوله: ((ولو مكرهاً أو ناسيا)) أي سواء
كان الإكراه أو النسيان في نفس اليمين وقد مر، أو في الحنث بأن فعل ما حلف عليه
مكرهاً أو ناسياً) أي سواء كان الإكراه أو النسيان في نفس اليمين وقد مر، أو في
الحنث بأن فعل ما حلف عليه مكرهاً أو ناسياً لأن الفعل شرط الحنث وهو سبب
الكفارة والفعل الحقيقي لا ينعدم بالإكراه والنسيان. قوله: (فيحنث بفعل المحلوف
عليه) فلو لم يفعله، كما لو حلف أن لا يشرب فصبّ الماء في حلقه مكرهاً فلا حنث
عليه. نهر. قوله: (لو فعله وهو مغمى عليه الخ) أما لو حلف وهو كذلك فلا يلزمه
(١) أخرجه أبو داود ٦٤٣/٢ (٢١٩٤) والترمذي ٤٩٠/٣ (١١٨٤) وقال: غريب وابن ماجه ٦٥٨/١ (٢٠٣٩)
والدارقطني ١٨/٤ (٥٠) والحاكم ١٩٧/٢.