النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
كتاب الطلاق/ باب النفقة
ولو من حرّة، وعلى الكافر نفقة ولده المسلم، وسيجيء. بحر.
(وكذا) تجب (لولده الكبير العاجز عن الكسب) كأنثى مطلقاً، وزمن، ومن
يلحقه العار بالتكسب، وطالب علم لا يتفرغ لذلك، كذا في الزيلعي والعيني.
وأفتى أبو حامد بعدمها لطلبة زماننا كما بسطه في القنية،
أن يشترط الزوج حريتهم فنفقتهم عليه، والمراد بالأمة غير المكاتبة، أما هي فنفقتهم
عليها لتعينهم لها في الكتابة ط. وتقدمت المسألة. قوله: (ولو من حرة) بل النفقة
عليها، وإن كانت أمة لمولاه فنفقة الجميع عليه، أو لغيره فنفقتهم على مولى الأم كما
علمت. ونفقة العقد على مولاه. قوله: (وعلى الكافر الخ) في الجوهرة: ذمي تزوّج
ذمية ثم أسلمت ولها منه ولد يحكم بإسلام الولد تبعاً لها ونفقته على الأب الكافر،
وكذا الصبيّ إذا ارتدّ فارتداده صحيح عند أبي حنيفة ومحمد، ونفقته على الأب اهـ.
قوله: (وسيجيء) يأتي ذلك في عموم قول المصنف: ((ولا نفقة مع الاختلاف ديناً إلا
للزوجة والأصول والفروع الذميين)). قوله: (لولده الكبير الخ) فإذا طلب من القاضي
أن يفرض له النفقة على أبيه أجابه ويدفعها إليه لأن ذلك حقه وله ولاية الاستيفاء.
ذخيرة. وعليه فلو قال له الأب أنا أطعمك ولا أدفع إليك لا يجاب، وكذا الحكم في
نفقة كل محرم. بحر. قوله: (كأنثى مطلقاً) أي ولو لم يكن بها زمانة تمنعها عن
الكسب، فمجرد الأنوثة عجز، إلا إذا كان لها زوج فنفقتها عليه ما دامت زوجة، وهل
إذا نشزت عن طاعته تجب لها النفقة على أبيها؟ محل تردد، فتأمل. وتقدم أنه ليس
للأب أن يؤجرها في عمل أو خدمة، وأنه لو كان لها كسب لا تجب عليه. قوله:
(وزمن) أي من به مرض مزمن، والمراد هنا من به ما يمنعه عن الکسب کعمی وشلل،
ولو قدر على اكتساب ما لا يكفيه فعلى أبيه تكميل الكفاية. قوله: (ومن يلحقه العار
بالتكسب) كذا في البحر والزيلعي.
واعترضه الرحمتي بأن الكسب لمؤنته ومؤنة عياله فرض فكيف يكون عاراً؟
الأولى ما في المنح عن الخلاصة: إذا كان من أبناء الكرام ولا يستأجره الناس فهو
عاجزاهـ. ومثله في الفتح، وسيأتي تمامه. قوله: (كما بسطه في القنية) حاصله أن
السلف قالوا بوجوب نفقته على الأب، لكن أفتى أبو حامد بعدمه لفساد أحوال
أكثرهم، ومن كان بخلافهم نادر في هذا الزمان فلا يفرد بالحكم دفعاً لحرج التمييز بين
المصلح والمفسد. قال صاحب القنية: لكن بعد الفتنة العامة: يعني فتنة التاتار التي
= (قلت): منع من ذلك النصوص الدالة على أن الأب ما دام حياً قادراً يجب عليه وحده النفقة كقوله
تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ فيعمل بالقياس في غير هذه الحالة.
فتح الباري جزء ٤١٤.٤١٣/٩ والقرطبي جزء ١٧١/٣.

٣٤٢
كتاب الطلاق/ باب النفقة
ولذا قيده في الخلاصة بذي رشد (لا يشاركه) أي الأب ولو فقيراً (أحد في ذلك
كنفقة أبويه وعرسه) به يفتى، ما لم يكن معسراً فيلحق بالميت، فتجب على غيره
بلا رجوع عليه على الصحيح من المذهب إلا لأم موسرة. بحر. قال: وعليه فلا
بد من إصلاح المتون. جوهرة.
ذهب بها أكثر العلماء والمتعلمين نرى المشتغلين بالفقه والأدب اللذين هما قواعد
الدين وأصول كلام العرب يمنعهم الاشتغال بالكسب عن التحصيل ويؤدي إلى ضياع
العلم والتعطيل، فكان المختار الآن قول السلف، وهفوات البعض لا تمنع الوجوب
كالأولاد والأقارب اهـ ملخصاً، وأقره في البحر.
وقال ح: وأقول الحق الذي تقبله الطباع المستقيمة ولا تنفر منه الأذواق السليمة
القول بوجوبها لذي الرشد لا غيره، ولا حرج في التمييز بين المصلح والمفسد لظهور
مسالك الاستقامة وتمييزه عن غيره، وبالله التوفيق. قوله: (ولذا الخ) أي لكونها لا
تجب لطلبة زماننا الغالب عليهم الفساد. قوله: (لا يشاركه) جملة استئنافية أو حالية من
الضمير المضاف إليه في تجب لطفله الفقير الخ. تأمل. قوله: (ولو فقيراً) هذا مجاراة
لظاهر إطلاق المصنف الأب تبعاً لإطلاق المتون فلا ينافيه قوله: ((ما لم يكن معسراً»
تأمل. قوله: (في ذلك) أي في نفقة طفله وولده الكبير العاجز عن الكسب. قوله:
(كنفقة أبويه وعرسه) أي كما لا يشاركه أحد في نفقة أبويه ولا في نفقة زوجته. قوله:
(به يفتى) راجع إلى مسألة الفروع، ومقابله ما روي عن الإمام أن نفقة الولد على الأب
والأم أثلاثاً: يعني الكبير، أما الصغير فعلى أبيه خاصة بلا خلاف. قال الشرنبلالي:
ووجه الفرق أنه اجتمع للأب في الصغير ولاية ومؤنة حتى وجب عليه صدقة فطره
فاختص بلزوم نفقته عليه، ولا كذلك الكبير لانعدام الولاية فتشاركه الأم اهـ ط. وصرح
العلامة قاسم بأن عدم الفرق بينهما هو ظاهر الرواية، وبأن عليه الفتوى فلذا تبعه
الشارح. قوله: (ما لم يكن معسر الخ) الضمير راجع للأب.
قال في الذخيرة: ولو كان للفقير أولاد صغار وجدّ موسر يؤمر الجد بالإنفاق
صيانة لولد الولد ويكون ديناً على والدهم، هكذا ذكر القدوري، فلم يجعل النفقة على
الجد حال عسرة الأب، وهذا قول الحسن بن صالح. والصحيح في المذهب أن الأب
الفقير يلحق بالميت في استحقاق النفقة على الجد، وإن كان الأب زمناً يقضي بها على
الجد بلا رجوع اتفاقاً، لأن نفقة الأب حينئذ على الجد فكذا نفقة الصغار اهـ.
وقال في الذخيرة أيضاً قبل هذا: ولو لهم أم موسرة أمرت أن تنفق عليهم فيكون
ديناً ترجع به على الأب إذ أيسر، وهي أولى بالتحمل من سائر الأقارب الخ.

٣٤٣
كتاب الطلاق/ باب النفقة
فروع أو لم يقدر إلا على نفقة أحد والديه فالأم أحق، ولو له أب وطفل
قال في البحر: وحاصله أن الوجوب على الأب المعسر إنما هو إذا أنفقت الأم
الموسرة، وإلا فالأب كالميت والوجوب على غيره لو كان ميتاً ولا رجوع عليه في
الصحيح. وعلى هذا فلا بد من إصلاح المتون والشروح كما لا يخفى اهـ: أي لأن قول
المتون والشروح: إن الأب لا يشاركه في نفقة ولده أحد يقتضى أنه لو كان معسراً وأمر
القاضي غيره بالإنفاق يرجع سواء كان أماً أو جداً أو غيرهما، إذا لم يرجع عليه
لحصلت المشاركة [ ... ](١) وأجاب المقدسي بحمل ما في المتون على حالة اليسار،
لكن قال الرملي: لا حاجة إلى ذلك، لأن ما في المتون مبني على الرواية الثانية، وقد
اختارها أهل المتون والشروح مقتصرين عليها اهـ.
قلت: وعلى هذا فلا فرق بين كون المنفق أماً أو جداً أو غيرهما في ثبوت
الرجوع على الأب، ما لم يكن الأب زمناً فإنه حينئذ يكون في حكم الميت اتفاقاً،
وقدمنا على جوامع الفقه ما يؤيد ما في المتون، ومثله ما في الخانية من أن نفقة
الصغار والإناث المعسرات على الأب لا يشاركه في ذلك أحد ولا تسقط بفقره اهـ؛
وكذا ما في البدائع من قوله: وإن كان لهم جدّ موسر لم تفرض عليه بل يؤمر بها ليرجع
على الأب، لأنها لا تجب على الجد عند وجود الأب القادر على الكسب؛ ألا ترى أنه
لا يجب على الجد نفقة ابنه المذكور فنفقة أولاده أولى؛ نعم لو كان الأب زمناً قضى
بنفقتهم ونفقة الأب على الجداهـ. على أن ما صححه في الذخيرة يردّ عليه تسليمه
رجوع الأم مع أنها أقرب إلى أولادها من الجد والعم والخال، فكيف يرجع الأقرب
دون الأبعد. ومسألة رجوع الأم منصوص عليها في كافي الحاكم وغيره، وهي تثبت
رجوع غيرها بالأولى، وهذا مؤيد لما في المتون والشروح كما لا يخفى، فافهم.
تنبيه في البحر: الفقير لا يجب عليه نفقة غير الأصول والفروع والزوجة اهـ وشمل
الفروع الولد الكبير العاجز والأنثى، وتقدم آنفاً في عبارة الخانية. قوله: (جوهرة) كذا
في عامة النسخ ولا وجه له، فإن هذا الكلام لم ينقله في البحر عن الجوهرة ولا هو
موجود فيها. وفي نسخة الرحمتي: وفي الجوهرة فروع الخ، وهي الصواب، فإن هذه
الفروع إلى قوله: وفي المختار، ذكرها في الجوهرة فيكون الجار والمجرور خبراً
مقدماً ((وفروع)) مبتدأ مؤخراً. قوله: (فالأم أحق) لأنها لا تقدر على الكسب. وقال
بعضهم: الأب أحق لأنه هو الذي يجب عليه نفقة الابن في صغره دون الأم، وقيل
يقسمها بينهما. جوهرة.
قلت: ويؤيد الأول ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه عن معاوية
القشيري: ((قُلْتُ يَا رَسُولَ الله مَنْ أُبُرُّ؟ قَالَ: أُمَّكَ، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ أُمَّكَ، قُلْتُ ثُمَّ
(١) بياض في الأصل.

٣٤٤
كتاب الطلاق/ باب النفقة
فالطفل أحق به، وقيل يقسمها فيهما وعليه نفقة زوجة أبيه وأم ولده بل وتزويجه
أو تسرّيه، ولو له زوجات فعليه نفقة واحدة يدفعها للأب ليوزعها عليهن.
وفي المختار والملتقى: ونفقة زوجة الابن على أبيه إن كان صغيراً فقيراً أو
زمناً.
وفي واقعات المفتين لقدري أفندي:
مَنْ؟ قَالَ: أَبَاكَ، ثُمَّ الأَقْرَبَ فَالأَقْرَبَ)) أورد الحديث في الفتح. قوله: (وقيل يقسمها
فيهما) أي في المسألتين.
مَطْلَبٌ فِي نَفَقَةٍ زَوْجَةِ الأُبِ
قوله: (وعليه نفقة زوجة أبيه) أي في رواية. وفي أخرى: إن كان الأب مريضاً
أو به زمانة يحتاج للخدمة. قال في المحيط: فعلى هذا لا فرق بين الأب والابن، فإن
الابن إذا كان بهذه المثابة يجبر الأب على نفقة خادمه. قال في البحر: وظاهر الذخيرة
أن المذهب عدم وجوب نفقة امرأة الأب أو جاريته أو أم ولده حيث لم يكن بالأب
علة، وأن الوجوب مطلقاً عن رواية أبي يوسف.
وفي حاشية الرملي: والذي تحرّر من المذهب أنه لا فرق بين الأب والابن في
نفقة الخادم، وأنه إذا احتاج أحدهما لخادم وجبت نفقته كما وجبت نفقة المخدوم فكان
من جملة نفقته، وإذا لم يحتج إليه فلا تجب، فاعلم ذلك واغتنمه فإنه كثير الوقوع،
والله سبحانه وتعالى أعلم اهـ.
قلت: بقي ما إذا كانت الزوجة أم الابن فهل تجب نفقتها في هذه الحالة على
الابن أم لا؟ فإن كانت معسرة فالظاهر وجوبها عليه، ولو لم يكن الأب محتاجاً إليها
لقولهم: لا يشارك الولد في نفقة أبويه أحد؛ وأما لو كانت موسرة والأب محتاج إليها
فكذلك، وإلا فالظاهر أنه يؤمر بها ليرجع على أبيه أو تنفق هي لترجع على الأب، وهذا
أقرب. تأمل. قوله: (بل وتزويجه أو تسريه) ذكره في الشرنبلالية أيضاً عن الجوهرة وهو
مخالف لما مر في باب نكاح الرقيق، وعزوناه إلى الزيلعي والدرر وشروح الهداية فيقدم
على ما هنا. قوله: (فعليه نفقة واحدة) بالإضافة، فلو موسرات فالوسط، أو معسرات
فالدون، ولو مختلفات فالظاهر أنه يدفع نصف نفقة الوسط ونصف الدون. أفاده ط.
قوله: (ليوزعها عليهن) ولهن رفع أمرهن للقاضي ليأمرهن باستدانة الباقي من كفايتهن
لتكون ديناً على الزوج. وتجب الإدانة على من تجب عليه نفقتهن كما تقدم، فافهم.
قوله: (وفي المختار والملتقى الخ) هذا خلاف نص المذهب كما قدمناه أول الباب،
فافهم. قوله: (أو زمناً) أي أو كبيراً زمناً. قوله: (لقدري أفندي) هو من متأخري علماء

٣٤٥
كتاب الطلاق/ باب النفقة
ويجبر الأب على نفقة امرأة ابنه الغائب وولدها، وكذا الأم على نفقة الولد لترجع
بها على الأب، وكذا الابن على نفقة الأم ليرجع على زوج أمه، وكذا الأخ عليه
نفقة أولاد أخيه ليرجع بها على الأب، وكذا الأبعد إذا غاب الأقرب انتهى.
وفي الفصولين من الرابع والثلاثين: أجنبي أنفق على بعض الورثة فقال
الروم، اسمه عبد القادر. قوله: (ويجبر الأب الخ) هذه العبارة في القنية والمجتبى، وقد
علمت أن المذهب عدم وجوب النفقة لزوجة الابن ولو صغيراً فقيراً، فلو كان كبيراً غائباً
بالأولى إلا أن يحمل على أن الوجوب هنا بمعنى أن الأب يؤمر بالإنفاق عليها ليرجع
بها على الابن إذا حضر، لكن تقدم أن زوجة الغائب يفرض القاضي لها النفقة على
زوجها ويأمرها بالاستدانة وأنه تجب الإدانة على من تجب عليه نفقتها. قوله: (وكذا الأم
الخ) أي إذا غاب الأب ولم يترك نفقة تجبر الأم على الإنفاق على الولد من مالها إن كان
لها مال كما في الخانية، وقدم الشارح عن البحر تفريعاً على قول زفر المفتى به أنها تقبل
بينتها على النكاح إن لم يكن القاضي عالماً به ثم يفرض لهم ويأمرها بالإنفاق والاستدانة
ليرجع اهـ.
ولا يخفى أن هذا كله فيما إذا لم يترك مالاً عنده أو على من يقرّ به وبالزوجية
والولاد، وإلا فقد مرّ أنه يفرض لها في ذلك المال، وكذا لو ترك مالًا في بيته كما مر
بيانه. قوله: (وكذا الابن) أي الموسر إذا غاب زوج أمة الفقيرة، هذا ظاهر السياق لأن
كلامه في الغيبة، ويحتمل أن يكون المراد ما إذا كان الزوج حاضراً وهو معسر، لكن
هذه تقدمت قبل قوله: ((قضى بنفقة الإعسار)) وهذا إذا كان زوجها غير أبيه؛ فلو كان
أباه هو معسر فهل يرجع عليه إذا أيسر؟ قدمنا الكلام عليه قريباً. قوله: (وكذا الأخ
الخ) الظاهر أنه مقيد بما إذا لم يكن للأولاد أم موسرة لما مر من أن الأم أولى
بالتحمل من سائر الأقارب لأنها أقرب إلى أولادها. قوله: (وكذا الأبعد إذا غاب
الأقرب) عطف عام على خاص، فيشمل ما إذا كان الغائب ابناً أو أباً أو أماً أو أخاً
والحاضر الموسر خال أو عم أو جد، وقد استفيد مما هنا وكذا مما قدمناه عن جوامع
الفقه أن الغيبة كالإعسار في وجوب النفقة على الأبعد، ورجوعه على الأقرب بعد
حضوره أو يساره، وليس الرجوع على الأب خاصاً بالأم، خلافاً لقوله المار: إلا الأم
موسرة. قوله: (أجنبي أنفق الخ) ظاهره أنه أنفق من مال نفسه مع أنه ذكر في جامع
الفصولين قبيل هذه المسألة عن أدب القاضي: ادعى وصي أو قيم أنه أنفق من مال
نفسه وأراد الرجوع في مال اليتيم والوقف ليس له ذلك، إذ يدعي ديناً لنفسه على
اليتيم والوقف فلا يصح بمجرد الدعوى، فلو ادعى الإنفاق من مال الوقف واليتيم نفقة
المثل في تلك المدة صدق اهـ. إلا أن يحمل على أن الأجنبي أنفق من مال اليتيم أو

٣٤٦
كتاب الطلاق/ باب النفقة
أنفقت بأمر الموصي وأقرّ به الوصي ولا يعلم ذلك إلا بقول الوصي بعد ما أنفق
يقبل قول الوصي لو المنفق عليه صغيراً اهـ. وفيه قال: أنفق عليّ أو على عيالي
أو على أولادي ففعل، قيل يرجع بلا شرطه، وقيل لا. ولو قضى دينه بأمره
رجع بلا شرطه، وكذا كل ما كان مطالباً به من جهة العباد كجناية ومؤن مالية. ثم
ذكر أن الأسير ومن أخذه السلطان ليصادره لو قال لرجل خلصني فدفع المأمور
مالاً فخلصه، قيل يرجع، وقيل لا في الصحيح به يفتى.
يفرق بين مال الأجنبي ومال الوصيّ، لكن فيه إثبات دين للأجنبي على اليتيم بمجرد
إقرار الوصي، ولم أر صريحاً صحته؛ نعم في القنية وغيرها: أو أنفق ماله على الصغير
ولم يشهد، فلو كان المنفق أباً لم يرجع، وفي الوصي اختلاف اهـ. وقدمنا في باب
المهر عند الكلام على ضمان الولي المهر أن اشتراط الإشهاد استحسان، وعليه فلا
فرق بين الوصي والأوب إن كانت العادة أن الأب ينفق تبرعاً، ومر تمام الكلام هناك
فراجعه، وسيأتي أيضاً آخر الكتاب إن شاء الله تعالى.
مَطْلَبُ: أَمَرَ غَيْهُ بِالإِنْفَاقِ وَنَحْوِهِ هَلْ يُرْجَعُ؟
قوله: (وفيه الخ) أقول: في الخانية ذكر في الأصل إذا أمر صيرفياً في المصارفة
أن يعطي رجلاً ألف درهم قضاء عنه أو لم يقل قضاء عنه ففعل يرجع على الآمر في
قول أبي حنيفة، فإن لم يكن صيرفياً لا يرجع إلا أن يقول عني، ولو أمره بشرائه أو
بدفع الفداء يرجع عليه استحساناً، وإن لم يقل على أن ترجع عليّ بذلك، وكذا لو قال
أنفق من مالك على عيالي أو في بناء داري يرجع بما أنفق، وكذا لو قال اقض ديني
يرجع على كل حال، ولو قضى نائبه غيره بأمره رجع عليه وإن لم يشترط الرجوع هو
الصحيح اهـ.
قلت: والمراد بالصيرفي من يستدين منه التجار ويقبض لهم فيرجع بمجرد الأمر
للعرف بأن ما يؤمر بإعطائه هو دين على الآمر، بخلاف غير الصيرفي فلا يرجع بقوله
أعط فلاناً كذا إلا بشرط الرجوع. قوله: (كجناية) الذي في جامع الفصولين جباية بالباء
بعد الجيم لا بالنون، والمراد بها ما يجيبه السلطان بحق أو بغيره وسيأتي في كتاب
الكفالة قبیل کفالة الرجلین أنه تجوز الكفالة بالنوائب ولو بغير حق، کجبایات زماننا
فإنها في المطالبة كالديون بل فوقها. قوله: (ومؤن مالية) الظاهر أنه من عطف العام
على الخاص لشموله مثل العشر والخراج، لكن في جامع الفصولين أيضاً الأمر بإنفاق
وأداء خراج وصدقات واجبة لا يوجب الرجوع بلا شرط إلا رواية عن أبي يوسف اهـ.
وعليه فيكون عطف مرادف لئلا يشمل العشر والخراج. قوله: (ليصادره) أي ليأخذ منه
ماله. قوله: (وقيل لا في الصحيح) سيذكر الشارح في كتاب الكفالة تصحيح الأول،

٣٤٧
كتاب الطلاق/ باب النفقة
(وليس على أمة إرضاعه) قضاء بل ديانة (إلا إذا تعينت) فتجبر كما مر في
الحضانة، وكذا الظئر تجبر على إبقاء الإجارة. بزازية (ويستأجر الأب من ترضعه
عندها) لأن الحضانة لها والنفقة عليه، ولا يلزم الظئر المكث عند الأم ما لم
ومثله في البزازية. ويؤيده ما قدمناه عن الخانية من تصحيح الرجوع بلا شرط في
النائبة، فإن الظاهر أن النائبة تشمل مسألة الأسير والمصادرة وقاضيخان من أجل من
يعتمد على تصحيحه كما نص عليه العلامة قاسم، وسيأتي تمام الكلام على ذلك في
متفرقات البيوع.
مَطْلَبٌ فِي إِرْضَاعِ الصَّغِيرِ
قوله: (وليس على أمه) أي التي في نكاح الأب أو المطلقة ط. قوله: (إلا إذا
تعينت) بأن لم يجد الأب من ترضعه أو كان الولد لا يأخذ ثدي غيرها، وهذا هو
الأصح، وعليه الفتوى. خانية ومجتبى. وهو الأصوب. فتح. وظاهر الكنز أنها لا تجبر
وإن تعينت لتغذية بالدهن وغيره. وفي الزيلعي وغيره: إنه ظاهر الرواية، وبالأول جزم
في الهداية، وتمامه في البحر. وفيه عن الخانية: وإن لم يكن للأب ولا للولد مال تجبر
الأم على إرضاعه عند الكل اهـ. قال: فمحل الخلاف عند قدرة الأب بالمال. قال
الرملي: وما في الخانية نقله الزيلعي عن الخصاف وزاد عليه قوله: وتجعل الأجرة ديناً
على الأب اهـ.
قلت: ومثله في المجمع وبه علم أنه لا منافاة بين إجبارها ولزوم الأجرة لها،
خلافاً لما قدمه في الحضانة عن الجوهرة، ومر تمامه هناك. قوله: (وكذا الظئر الخ)
في البحر عن غاية البيان عن العيون عن محمد: فيمن استأجر ظئر الصبي شهراً فلما
انقضى الشهر أبت أن ترضعه والصبيّ لا يقبل ثدي غيرها، قال: أجبرها أن ترضع اهـ.
فالمراد بإبقاء الإجارة استدامة حكمها بعد مضيّ مدتها؛ كما لو مضت إجارة السفينة في
وسط البحر وهي في الحقيقة إجارة مبتدأة. والظاهر أن مثلها ما إذا تعينت لإرضاعه قبل
استئجارها فتجبر عليها وإن أمكن تغذيه بالدهن مثلاً، فإن فيه تعريضاً لضعفه وموته،
وبهذا رجحوا إجبار الأم على ظاهر الرواية. تأمل. قوله: (عندها) أي عند الأم. وظاهر
التعليل أن كل من ثبتت لها الحضانة في حكم الأم ط. قوله: (ولا يلزم الظئر المكث
الخ) أي بل لها أن ترضعه ثم ترجع إلى منزلها فيما يستغنى عنها من الزمان أو تقول
أخرجوه فترضعه عند فناء الدار ثم تدخل الصبيّ إلى أمه، أو تحمل الصبيّ معها إلى
البيت. نهر عن الزيلعي.
وحاصله أن الظئر خيرة بين هذه الأمور إذا لم يشترط عليها المكث عند الأم،
ومقتضاه أن الأم لو طلبت المكث عندها لا يلزم الظئر وإن كان ذلك حق الأم، فعلى
.

٣٤٨
كتاب الطلاق/ باب النفقة
يشترط في العقد (لا) يستأجر الأب (أمه لو منكوحة) ولو من مال الصغير، خلافاً
للذخيرة والمجتبى (أو معتدة رجعي) وجاز في البائن
الأب إحضار مرضعة ترضعه وهو عند أمه لأن الظئر قد تغيب عند حاجة الولد إلى
الرضاع ولا يمكن الأم إحضارها، وقد لا ترضى بإخراج ولدها إلى فناء الدار. قوله:
(لا يستأجر الأب أمه الخ) علله في الهداية بإن الإرضاع مستحق عليها ديانة بقوله
تعالى: ﴿وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فلا يجوز أخذ الأجر عليه. واعترضه في
الفتح بجواز أخذ الأجرة بعد انقضاء العدة، مع أن الوجوب في الآية يشمل ما قبل
العدة وما بعدها، ثم قال: والحق أنه تعالى أوجبه عليها مقيداً بإيجاب رزقها على الأب
بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رزقُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ففي حال الزوجية والعدة هو
قائم برزقها، بخلاف ما بعدهما فيقوم الأجر مقامه اهـ.
قلت: وتحقيقه أن فعل الإرضاع واجب عليها، ومؤنته على الأب لأنها من جملة
نفقة الولد، ففي حال الزوجية والعدة هو قائم بتلك المؤنة لا بعد البينونة فتجب عليه
بعدها وإن وجب على الأم إرضاعه، لقوله تعالى: ﴿لَا تُضَارُّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة:
٢٣٣] فإن إلزامها بإرضاعه مجاناً مع عجزها وانقطاع نفقتها عن الأب مضارة لها، فساغ
لها أخذ الأجرة بعد البينونة، لأنه لا تجبر على إرضاعه قضاء، وامتناعها عن إرضاعه مع
وفور شفقتها عليه دليل حاجتها ولا يستغني الأب عن إرضاعه عند غيرها، فكونه عند أمه
بالأجرة أنفع له ولها، إلا أن توجد متبّعة فتكون أولى دفعاً للمضارة عن الأب أيضاً.
قوله: (خلافاً للذخيرة والمجتبى) أي لصاحبيهما حيث قالا: يجوز استئجارها من مال
الصغير لعدم اجتماع الواجبين على الزوج، وهما نفقة النكاح والإرضاع. قال في النهر:
والأوجه عندي عدم الجواز، ويدل على ذلك ما قالوه من أنه لو استأجر منكوحته
لإرضاع ولده من غيرها جاز من غير ذكر خلاف، لأنه غير واجب عليها مع أنه فيه
اجتماع أجرة الرضاع والنفقة في مال واحد، ولو صح مانعاً لما جاز هنا، فتدبره اهح.
قلت: غاية ما استند إليه يفيد عدم تسليم التعليل المار، وأن اجتماع الواجبين
على الزوج لا ينفي جواز الاستئجار. ولا يخفى أن هذا لا يثبت عدم الجواز في المسألة
الأولى لظهور الفرق بين المسألتين، فإنك قد علمت أن إرضاع الولد واجب على أمه
ما دام الأب ينفق عليها، فلا يحلّ لها أخذ الأجرة مع وجوب نفقتها عليه، وفي أخذها
الأجرة من مال الصغير أخذ الأجرة على الواجب عليها مع استغنائها، بخلاف أخذها
على ولده من غيرها، فإن إرضاعه غير واجب عليها، فهو كأخذها على إرضاع ولد لغير
زوجها فإنه جائز وإن كان زوجها ينفق عليها.

٣٤٩
كتاب الطلاق/ باب النفقة
في الأصح. جوهرة، كاستئجار منكوحته لولده من غيرها (وهي أحق) بإرضاع
ولدها بعد العدة (إذا لم تطلب زيادة على ما تأخذه الأجنبية) ولو دون أجر
المثل، بل الأجنبية المتبّعة أحق منها. زيلعي: أي في الإرضاع؛ أما أجرة
الحضانة فللأم كما مر، وللرضيع النفقة والكسوة، وللأم أجرة الإرضاع بلا عقد
والحاصل أن الفرق ظاهر بين أخذ الأجرة على إرضاع ولدها الواجب عليها
وعلى إرضاع غيره، ولذا علل الثانية بأنه غير واجب عليها. وأيضاً فقد نقل الحموي
عن البرجندي معزياً للمنصورية أن الفتوى على الجواز: أي الذي مشى عليه في
الذخيرة والمجتبى. قوله: (في الأصح) وذكر في الفتح عن بعضهم أنه ظاهر الرواية،
ولكن ذكر أيضاً أن الأوجه عدم الفارق بين عدة الرجعي والبائن، وأن في كلام الهداية
إيماء على أنه المختار عنده، إذ من عادته تأخير وجه القول المختار، وكذا هو ظاهر
إطلاق القدوري المعتدة. وفي النهر أنه رواية الحسن عن الإمام وهي الأولى اهـ. وفي
حاشية الرملي على المنح عن التاترخانية: وعليه الفتوى. قوله: (كاستئجار منكوحته
الخ) أي فيجوز لأن إرضاعه غير واجب عليها كما مر. قوله: (وهي أحق) أي إذا
طلبت الأجرة، ولذا قيده بقوله: ((بعد العدة)) وإلا فهي أحق قبل العدة أيضاً. قوله:
(ولو دون أجر المثل) أي ولو كان الذي تأخذه الأجنبية دون أجر المثل وطلبت الأم
أجر المثل فالأجنبية أولى ط. قوله: (أحق منها) أي من الأم حيث طلبت شيئاً، ولم
يقيدوا هنا يكون الأب معسراً كما في الحضانة ط. قوله: (أما أجرة الحضانة الخ) أفاد
أن الحضانة تبقى للأم فترضعه الأجنبية المتبرّعة بالإرضاع عند الأم كما صرح به في
البدائع ونحوه ما مر في المتن، وإن للأم أخذ أجرة المثل على الحضانة ولا تكون
الأجنبية المتبرعة بها أولى؛ نعم لو تبرعت العمة بحضانته من غير أن نمنع الأم عنه
والأب معسر؛ فالصحيح أنه يقال للأم: إما أن تمسكي الولد بلا أجر، وإما أن تدفعيه
إليها كما مر في الحضانة، وبه ظهر الفرق بين الحضانة والإرضاع هنا، وهو أن انتقال
الإرضاع إلى غير الأم لا يتقيد بطلب الأم أكثر من أجر المثل، ولا بإعسار الأب ولا
يكون المتبرّعة عمة أو نحوها من الأقارب، فافهم. قوله: (كما مر) أي في الحضانة.
قوله: (وللرضيع النفقة والكسوة) فبذلك صار على الأب ثلاث نفقات: أجرة الرضاع
وأجرة الحضانة، ونفقة الولد من صابون ودهن وفرش وغطاء.
وفي المجتبى: وإذا كان للصبيّ مال فمؤنة الرضاع ونفقته بعد الفطام في مال
الصغير. بحر. وسكت عن المسكن الذي تحضنه فيه. والذي في معين المفتي المختار
أنه على الأب، وهو الأظهر. حموي عن شرح الوهبانية ط، وفيه كلام قدمناه في
الحضانة. قوله: (وللأم أجرة الإرضاع بلا عقد إجارة) بل تستحقه بالإرضاع في المدة

٣٥٠
كتاب الطلاق/ باب النفقة
إجارة، وحكم الصلح كالاستئجار. وفي كل موضع جاز الاستئجار ووجبت النفقة
لا تسقط بموت الزوج بل تكون أسوة الغرماء لأنها أجرة لا نفقة (و) تجب (على
موسر) ولو صغيراً (يسار الفطرة) على الأرجح، ورجح الزيلعي والكمال إنفاق
مطلقاً كذا في البحر أخذاً من ظاهر كلامهم. ورده المقدسي في [الرمز شرح نظم
الكنز] بأن الظاهر اشتراط العقد، ومن قال بخلافه فعليه إثباته اهـ فافهم. ويؤيده ما في
شرح حسام الدين على أدب القاضي للخصاف: فإن انقضت عدتها وطلبت أجر الرضاع
فهي أحق به، وينظر القاضي بكم يجد امرأة غيرها فيأمر بدفع ذلك إليها لقوله تعالى:
﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورُهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] الخ. قال في البحر: وأكثر
المشايخ على أن مدة الرضاع في حق الأجرة حولان عند الكل حتى لا تستحق بعد
الحولين إجماعاً وتستحق فيهما إجماعاً. وفيه: لو لم يستغن بالحولين لها أن ترضعه
بعدهما عند عامة المشايخ إلا عند خلف بن أيوب. قوله: (وحكم الصلح كالاستئجار)
يعني لو صالحت زوجها على أجرة الرضاع على شيء إن كان الصلح حال قيام النكاح
أو في عدة الرجعي لا يجوز، وإن كان في عدة البائن بواحدة أو ثلاث جاز على إحدى
الروايتين. ح عن البحر. قوله: (وفي كل موضع جاز الاستئجار) أي كما إذا كان بعد
انقضاء العدة أو في عدة البائن على إحدى الروايتين وهي المعتمدة كما مر، وقوله:
((ووجبت النفقة)) الظاهر أنه عطف مرادف، والمراد به نفقة المرضعة بالأجرة التي
تأخذها من الزوج بقرينة التعليل: يعني أن ما تأخذه الأم من الأب لتنفقه على نفسها
بمقابلة إرضاع الولد هو أجرة لا نفقة، فإذا مات الأب لا تسقط هذه الأجرة بموته، بل
تجب لها في تركته وتشارك غرماءه، فهي كغيرها من أصحاب ديونه؛ ولو كان نفقة
لسقطت كما تسقط بالموت نفقة الزوجة والقريب ولو بعد القضاء ما لم تكن مستادنة
بأمر القاضي، هذا ما ظهر لي في حلّ هذه العبارة، وأصلها لصاحب الذخيرة ونقلها عنه
في البحر بلفظها.
مَطْلَبٌ فِي نَفَقَة الْأُصُولِ
قوله: (وتجب الخ) شروع في نفقة الأصول بعد الفراغ من نفقة الفروع. قوله:
(ولو صغيراً) لأنه كالكبير فيما يجب في ماله من حق عبد، فيطالب به وليه كما
يطالب بنفقة زوجته. قوله: (يسار الفطرة على الأرجح) أي بأن يملك ما يرحم به
أخذ الزكاة، هو نصاب ولو غير تام فاضل عن حوائجه الأصلية، وهذا قول أبي
يوسف. وفي الهداية: وعليه الفتوى، وصححه في الذخيرة، ومشى عليه في متن
الملتقى، وفي البحر أنه الأرجح، وفي الخلاصة أنه نصاب الزكاة، وبه يفتى،
واختاره الولوالجي. قوله: (ورجح الزيلعي) عبارته: وعن محمد أنه قدره بما يفضل

٣٥١
كتاب الطلاق/ باب النفقة
فاضل كسبه .
عن نفقة نفسه وعياله شهراً إن كان من أهل الغلة، وإن كان من أهل الحرف فهو
مقدر بما يفضل عن نفقته ونفقة عياله كل يوم، لأن المعتبر في حقوق العباد القدرة
دون النصاب، وهو مستغن عما زاد على ذلك فيصرفها إلى أقاربه، وهذا أوجه.
وقالوا: الفتوى على الأول اهـ.
والذي في الفتح أن هذا توفيق بين روايتين عن محمد: الأولى: اعتبار فاضل نفقة
شهر. والثانية: فاضل كسبه كل يوم، حتى لو كان كسبه درهماً ويكفيه أربعة دوانق
وجب عليه دانقان للقريب. قال: ومال السرخسي إلى قول محمد في الكسب. وقال
صاحب التحفة: قول محمد أرفق. ثم قال في الفتح بعد كلام: وإن كان كسوباً يعتبر
قول محمد، وهذا يجب أن يعول عليه في الفتوى اهـ. وبه علم أن الزيلعي وصاحب
التحفة رجحا قول محمد مطلقاً، والسرخسي والكمال رجحا قوله: ((لو كسوباً)) وهي
الرواية الثانية عنه. وفي البدائع أيضاً أنه الأرفق.
قلت: والحاصل أن في حدّ اليسار أربعة أقوال مروية كما قاله في البحر، وأن
الثالث تحته قولان، وعلى توفيق الفتح هي ثلاثة فقط. وبه علم أن الثالث ليس تقييداً
لما ذكره المصنف، بل هو قول آخر، فافهم. وقال في البحر: ولم أر من أفتى به: أي
بالثالث المذكور، فالاعتماد على الأولين والأرجح الثاني اهـ.
قلت: مرّ في رسم المفتي أن الأصح الترجيح بقوة الدليل، فحيث كان الثالث
هو الأوجه: أي الأظهر من حيث التوجيه والاستدلال كان هو الأرجح وإن صرّح
بالفتوى على غيره، ولذا قال الزيلعي: قالوا: الفتوى على الأول بصيغة ((قالوا))
للتبري، وكذا قال في الفتح، وهذا يجب أن يعوّل عليه في الفتوى: أي على
الثالث.
مَطْلَبٌ: صَاحِبُ أَلْفَتْحِ ابْنُ الهَمَّامِ مِنْ أَهْلِ الاجْتِهَادِ
والكمال صاحب الفتح من أهل الترجيح، بل من أهل الاجتهاد كما قدمناه في
نكاح الرقيق، وقد نقل كلامه تلميذه العلامة قاسم، وكذا صاحب النهر والمقدسي
والشرنبلالي، وأقروه عليه. ويكفي أيضاً ميل الإمام السرخسي إليه، وقول التحفة
والبدائع: إنه الأرفق، فحيث كان هو الأوجه والأرفق، واعتمده المتأخرون وجب
التعويل عليه، فكان هو المعتمد.
ثم اعلم أن ما ذكره المصنف من اشتراط اليسار في نفقة الأصول صرح به في
كافي الحاكم والدرر والنقاية والفتح والملتقى والمواهب والبحر والنهر. وفي كافي

٣٥٢
كتاب الطلاق/ باب النفقة
وفي الخلاصة: المختار أن الكسوب يدخل أبويه في نفقته (١).
الحاكم أيضاً: ولا يجبر المعسر على نفقة أحد، (٢) إلا على نفقة الزوجة والولد اهـ.
ومثله في الاختيار، ونحوه في الهداية. وفي الخانية: لا يجب على الابن الفقير نفقة
والده الفقير حكماً، إلا إن كان والده زمناً لا يقدر على العمل وللابن عيال فعليه أن
يضمه إلى عياله وينفق على الكل. وفي الذخيرة أنه ظاهر الرواية عن أصحابنا، لأن
طعام الأربعة إذا فرّق على الخمسة لا يضرّهم ضرراً فاحشاً، بخلاف إدخال الواحد في
طعام الواحد لتفاحش الضرر. وفي البزازية: إن رأى القاضي أنه يفضل من قوته شيء
أجبره على النفقة من الفاضل على المختار، وإن لم يفضل فلا شيء في الحكم لكن
في ظاهر الرواية يؤمر ديانة بالإنفاق إن كان الابن وحده؛ ولو له عيال أجبر على ضم
أبيه معهم كيلا يضيع، ولا يجبر على أن يعطيه شيئاً على حدة أهـ.
والحاصل أنه يشترط في نفقة الأصول اليسار على الحلاف المارّ في تفسيره إلا
إذا كان الأصل زمناً لا کسب له، فلا يشترط سوی قدرة الولد علی الکسب، فإن كان
لكسبه فضل أجبر على إنفاق الفاضل، وإلا فلو كان الولد وحده أمر ديانة بضم الأصل
إليه، ولو له عيال يجبر في الحكم على ضمه إليهم. ولا يخفى أن الأم بمنزلة الأب
الزمن، لأن الأنوثة بمجردها عجز، وبه صرّح في البدائع، لكن صرح أيضاً بأنه لا
يشترط في نفقة الأصول يسار الولد بل قدرته على الكسب، وعزاه في المجتبى إلى
الخصاف، وقد أكثرنا لك من النقل بخلافه لتعلم أنه غير المعتمد في المذهب. قوله:
(وفي الخلاصة الخ) هذا محمول على ما إذا كان الأب زمناً لا قدرة له على الكسب،
(١) اتفق الأئمة الأربعة على أنه يجب على الولد - ابناً أو بنتاً - أن ينفق على أبيه وأمه المباشرين. ويدل على
ذلك الكتاب والسنة والإجماع والمعقول.
١ - أما الكتاب فمنه:
أ . قوله تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً﴾. ومن الإحسان الإنفاق عليهما عند
حاجتهما.
ب - وقوله تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسناً﴾ والإنفاق عليهما عند فقرهما من أحسن الإحسان.
جـ ـ وقوله تعالى: ﴿أن اشكر لي ولوالديك﴾ والشكر للوالدين المكافأة على بعض ما كان منهما إليه من
التربية والبر، وذلك بالقيام أمرهما، وإدرار النفقة عليهما حال عجزهما، وحاجتهما. فكان ذلك واجباً بأمره
سبحانه وتعالى.
د. وقوله تعالى: ﴿ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما﴾ فإنه يدل على النهي عن ترك الإنفاق عند الحاجة لما فيه
من إيذاء أعظم من إيذاء التأفيف.
٣ - وأما السنة فمنها:
أ- قوله#: ((إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه)) رواه الترمذي عن عائشة رضي الله
عنها، وحسنه وهو صريح في أن مال الولد حلال طيب لوالده، ومثله الوالدة؛ إذ لا فرق، بل إنها أولى،
فقد نص النبي # على أنها أحق بحسن الصحبة من الأب، فالتقييد بالرجل لا مفهوم له.
=

٣٥٣
كتاب الطلاق/ باب النفقة
= ب . قوله : ((إن أولادكم هبة الله لكم، بهب لمن يشاء إناثاً، ويهب لمن يشار الذكور، وأموالهم
لكم، إذا احتجتم إليها)) رواه البيهقي في السنة، والحاكم في المستدرك، عن عائشة رضي الله عنها؛ وقال
الحاكم: ((حديث صحيح على شرط الشيخين)). ودلالته على المقصود ظاهرة.
٣ - وأما الإجماع. فقد حكاه ابن المنذر؛ فقال: ((وأجمعوا على أن نفقة الوالدين اللذين لا كسب لهما واجبة
في مال الولد».
٤ - وأما المعقول، فوجهان:
أ - القياس على الولد بجامع البعضية، والعتق، ورد الشهادة، بل الوالدان أولى من الأولاد؛ لأن حرمتهما
أعظم، والولد بالتعهد، أَلْيَق.
(٢) اتفق الفقهاء على أنه يشترط في وجوب إنفاق الشخص على قريبه أن يكون القريب محتاجاً إلى النفقة بأن
يكون معسراً بالمال، عاجزاً عن الكسب.
لكن لهم في بعض تفاصيل هذا الشرط اختلاف، وإليك أقوال أهل المذاهب الأربعة فيه:
أ . فالشافعية قالوا: يشترط أن يكون من تجب نفقته محتاجاً، فإن كان موسراً، لم يستحق؛ لأنها تجب على
سبيل المواساة، والموسر مستغنٍ عن المواساة، وإن كان موسراً عاجزاً عن الكسب للصغر، أو المرض،
أو الجنون، أو الزمانة، أو لكونه لا يحسنه أو لكونه لا يليق به أو لاشتغاله بطلب علم شرعي بحيث ترجى
منه النجابة وجبت نفقته، لأن الأول عاجز عن كفاية نفسه، والثاني في معناه، وإن كان قادراً على الكسب،
لكن لم يكتسب، فإن كان من الوالدين ففيه قولان . أظهرهما . أنه يستحق النفقة؛ لأنه محتاج، فاستحق النفقة
على ولده، ولا يكلف كسباً؛ لعظم حرمة الأصل؛ ولأن فرعه مأمور بمصاحبته بالمعروف وليس منها
تکلیفه الکسب مع کبر السن.
والقول الثاني: لا يستحق؛ لأن القوة كاليسار، ولهذا سوى رسول الله # بينهما في تحريم الزكاة: فقال:
((لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة قوي)).
ومحل القولين إذا لم يشتغل بمال الولد ومصالحه، وإلا وجبت نفقته جزءاً.
وإن كان من المولودين، ففيه طريقان.
من أصحابنا من قال: فيه قولان كالوالدين. ومنهم من قال: لا يستحق قولاً واحداً وهو المذهب؛ لأن
حرمة الوالد أكد فاستحق بها مع القوة، وحرمة الولد أضعف، فلم يستحق بها مع القوة.
ب - والحنابلة، قالوا: يشترط فيمن تجب له النفقة أن يكون فقيراً، لا مال له ولا كسب يستغني به عن إنفاق
غيره، فإن كان موسراً، أو له كسب يكفيه، فلا نفقة له، وإن لم يكف وجب إكمالها له، وتجب نفقة من لا
حرفة له، ولو كان صحيحاً مكلفاً، ولو من غير الوالدين، فإن كانت له حرفة لم تجب نفقته، وإن لم تكف
أكملت.
وفي رواية أن من لم تكن له حرفة من غير الوالدين، وكان قادراً على الكسب أجبر عليه، ولم تجب نفقته
حينئذ.
جـ. والحنفية قالوا: يشترط إعسار من تجب له النفقة، وعجزه عن الكسب بأن يكون صغيراً، أو زمناً، أو
مقعداً، أو مغلوجاً، أو مشلولًا أو به غير ذلك من العوارض التي تمنع الإنسان من الاكتساب، وقد نصوا
على أن الأنوثة عجز، فلا تكلف الأنثى الكسب، لكنها لو اكتسبت بالفعل ما يكفيها لا تجب لها النفقة،
وعلى أنَّ من لا يحسن الكسب لخرقه أي لعدم معرفته عمل اليد، ومن يكون من أبناء الكرام، لا يجد من
يستأجره، أو يكون ممن يلحقه العار بالتكسب، أو يكون طالب علم، وبه رشد.
كل هؤلاء تجب لهم النفقة لعجزهم عن الكسب حكماً.
ومن كان صحيحاً غير عاجز عن الكسب لا تجب له النفقة على غيره وإن كان معسراً إلا الأب خاصة،
والجد عند عدمه؛ لأن الشرع نهى الولد عن إلحاق أدنى الأذى بالوالدين، وهو التأفيف ومعنى الأذى في
إلزام الأب الكسب مع غنى الولد أكثر، فكان أولى بالنهي، ولم يوجد ذلك في الابن.
ـا

٣٥٤
كتاب الطلاق/ باب النفقة
وفي المبتغى: اللفقير أن يسرق من ابنه الموسر ما يكفيه إن أبى ولا قاضي ثمة،
وإلا اشترط يسار الولد على الخلاف المار في تفسيره، وعلى ما إذا كان للولد عيال،
فلو كان وحده فلا يدخل أباه في نفقته بل يؤمر به ديانة، والأم كالأب الزمن، وذلك
كله معلوم مما قررناه آنفاً، فافهم.
وعبارة الخلاصة هكذا: وفي الأقضية الفقر أنواع(١) ثلاثة: فقير لا مال له وهو
قادر على الكسب، والمختار أنه يدخل الأبوين في نفقته. الثاني: فقير لا مال له وهو
عاجز عن الكسب فلا تجب عليه نفقة غيره. الثالث: أن يفضل كسبه عن قوته، فإنه يجبر
على نفقة البنت الكبيرة والأبوين والأجداد، وفي المحرم كالعم يشترط النصاب الخ.
قلت: وهذا مبني على رواية الخطاف من عدم اشتراط اليسار في نفقة الأصول،
بل قدرة الكسب كافية، والمعتمد خلافه كما علمت. قوله: (وفي المبتغى الخ) سيأتي
قريباً لو أنفق الأبوان ما عندهما للغائب من ماله على أنفسهما وهو من جنس النفقة لا
يضمنان لوجوب نفقة الأبوين والزوجة قبل القضاء، حتى لو ظفر بجنس حقه فله أخذه،
ولذا فرضت في مال الغائب، بخلاف بقية الأقارب، ونحوه في المنح والزيلعي.
= د. والمالكية - قالوا: يشترط فيمن تجب نفقته من الأولاد الفقر مع العجز عن الكسب بصنعة لا تزري
هم.
وأما الوالدان فيشترط فقرهما، وفي اشتراط عجزهما عن الكسب لخلاف؛ قال الباجي: ((لا يشترط فيهما
ذلك، فتجب نفقتهما ما لم يكتسبا بالفعل))، وقال اللخمي: ((يشترط قياساً على الولد. فلا تجب نفقتهما إن
قدرا على الكسب ولو بصنعة تزري بالولد: لاتصافهما بها قبل وجود الولد غالباً) وقول اللخمي هو
المعتمد.
ثم إن نفقة الابن تجب حتى يطرأ له مال، أو يبلغ عاقلاً قادراً على الكسب. فإن طرأ له مال انقطعت، فإن
ذهب قبل البلوغ عادت وإن بلغ عاقلاً قادراً على الكسب انقطعت، ولم تعد بطرو جنونه، أو عجزه. وإن
بلغ مجنوناً أو عاجزاً بزمانة أو عمي مثلاً استمرت، فإن طرأ له مال في هذه الحالة، انقطعت، فإن ذهب مع
بقاء الجنون أو الزمانة، عادت.
ونفقة (البنت) تجب حتى يدخل بها زوج، وإن لم يكن بالغاً، ولم تكن مطبقة، أو يدعى للدخول وهو بالغ
وهي مطيقة. ففي هاتين الصورتين تنقطع ولا تعود بتأيمها إلا في ثلاث صور:
- الأولى . أن تتأيم وهي بكر.
- الثانية . أن تتأيم وهي صغيرة ثيب.
- الثالثة - أن يدخل بها الزوج زمنة، ثم تتأيم منه، وهي ثيب بالغ زمنة.
فإن تأیمت ومي ثیب بالغ صحیحه لم تعد نفقتها، وكذا لو تأيمت وهي ثیب بالغ زمنة، وکان زوجها قد
دخل بها صحيحة.
هـ- وابن حزم ذهب إلى من قدر على معاش وتكسب، وإن كان خسيساً، لم تجب نفقته، إلا الأصول من
آباء وأمهات، وأجداد وجدات، فإن الولد یکلف أن یصونهم عن خسیس الکسب إن قدر.
انظر الشرح الكبير ٥٩٤/٢ المحلى ١٠١/١٠ المغني لابن قدامة ١٠١/١٠ كشف القناع ٣١٤/٣ البدائع
٣٥/٤ المبسوط ٢٢٢/٥.
(١) في ط (قوله الأقضية) الفقر أنواع، لعل الأولى أن يقول ((الفقير أنواع)) بدليل التفصيل بعده. قاله نصر.

٣٥٥
كتاب الطلاق/ باب النفقة
وإلا أثم (النفقة لأصوله) ولو أب أمه. ذخيرة (الفقراء) ولو قادرينعلى الكسب
والقول لمنکر اليسار والبينة لمدعيه (بالسوية) بين الابن والبنت،، وقيل كالإرث،
وبه قال الشافعي.
وفي زكاة الجوهرة: الدائن إذا ظفر بجنس حقه له أخذه بلا قضاء ولا رضا. وفي
الفتح عند قوله: ويحلفها بالله ما أعطاها النفقة وفي كل موضع جاز القضاء بالدفع كان
لها أن تأخذ بغير قضاء من ماله شرعاً اهـ. فقول المبتغى: ولا قاضي ثمة محمول على ما
إذا كان يأخذه من خلاف جنس النفقة كالفروض، أما الدراهم والدنانير فهي من جنس
النفقة فلا حاجة فيها إلى القاضي، وتمامه في حاشية الرحمتي، وقد أطال وأطاب.
قوله: (النفقة) أشار إلى أن جميع ما وجب للمرأة وجب للأب والأم على الولد من طعام
وشراب وكسوة وسكنى حتى الخادم. بحر. وقدمنذافي الفروع الكلام على خادم الأب
وزوجته. قوله: (لأصوله) إلا الأم المتزوّجة فإن نفقتها على الزوج كالبنت المراهقة إذا
زوَّجها أبوها، وقدمنا أن الزوج لو كان معسراً فإن الابن يؤمر بأن يقرضها ثم يرجع عليه
إذا أيسر، لأن الزوج المعسر كالميت كما صرح به في الذخيرة. بحر.
والحاصل أن الأم إذا كان لها زوج تجب نفقتها على زوجها لا على ابنها، وهذا لو
كان الزوج غير أبيه كما صرح به في الذخيرة، ومفهومه أنه لو كان أباه تجب نفقته ونفقتها
على الابن، لكن هذا ظاهر لو كانت الأم معسرة أيضاً أما لو كانت موسرة لا تجب نفقتها
على ابنها بل على زوجها، وهل يؤمر الابن بالإنفاق عليها ليرجع على أبيه؟ لم أره؛
نعم لو كان الأب محتاجاً إليها فقد مرّ أن نفقة زوجته حنيئذ على ابنه، وهذا يشمل ما لو
كانت موسرة، فتأمل. قوله: (ولو أب أمه) شمل التغميم الجدة من قبل الأب أو الأم،
وكذا الجد من قبل الأم كما في البحر. وعبارة التككر: ولأبويه وأجداده وجداته. قوله:
(الفقراء) قيد به لأنه لا تجب نفقة الموسر إلا الزوجة. قوله: (ولو قادرين على الكسب)
جزم به في الهداية، فالمعتبر في إيجاب نفقة الوالدين مجرد الفقر، قيل وهو ظاهر الرواية.
فتح. ثم أيده بكلام الحاكم الشهيد، وقال: وهذا جواب الرواية اهـ. والجد كالأب.
بدائع. فلو كان كل من الابن والأب كسوباً يجب أن يكتسب الابن وينفق على الأب.
بحر عن الفتح: أي ينفق عليه من فاضل كسبه على قول محمد كما مر. قوله: (والقول
الخ) أي لو ادعى الولد غنى الأب وأنكره الأب فالقول له والبينة للابن. بحر. قوله:
(بالسوية بين الابن والبنت) هو ظاهر الرواية وهو الصحيح. هداية. وبه یفتی خلاصة،
وهو الحق. فتح؛ وكذا لو كان للفقير ابنان أحدهما فائق في الغنى والآخر يملك نصاباً
فهي عليهما سوية. خانية. وعزاه في الذخيرة إلى مبسوط محمد، ثم نقل عن الحلواني
قال مشايخنا: هذا لو تفاوتا في اليسار تفاوتاً يسيراً، فلو فاحشاً يجب التفاوت فيها. بحر.

٣٥٦
كتاب الطلاق/ باب النفقة
(والمعتبر فيه القرب والجزئية) فلو له بنت وابن ابن أو بنت بنت أخ
قلت: بقي لو كان أحدهما كسوباً فقط وقلنا بما رجحه الزيلعي والكمال من
اعطاء فاضل كسبه، فهل يلزمه هنا أيضاً أم تلزم الابن الغني فقط؟ تأمل. وفي الذخيرة:
قضى بها عليهما فأبى أحدهما أن لا يعطي للأب ما عليه يؤمر الآخر بالكل ثم يرجع
على أخيه بحصته اهـ. ولا يخفى أن هذا حيث لم يمكن الأخذ منه لغيبته أو عتوه، وإلا
فكيف يؤمر الآخر بمجرّد الإباء كما أفاده المقدسي. قوله: (والمعتبر فيه القرب
والجزئية لا الإرث) أي الأصل في نفقة الوالدين والمولودين القرب بعد الجزئية دون
الميراث، كذا في الفتح: أي تعتبر أولًا الجزئية: أي جهة الولاد أصولاً أو فروعاً،
وتقدم على غيرها من الرحم، ثم يقدم فيها الأقرب فالأقرب، ولا ينظر إلى الإرث،
فلو له أخ شقيق وبنت بنت فالنفقة عليها فقط للجزئية وإن كان الوارث هو الأخ، ولو له
بنت وابن ابن فعلى البنت لقربها في الجزئية وإن اشتركا في الإرث، كما في الفتح
وغيره.
قلت: ويرد عليه قولهم: لو له أم وجد لأب فعليهما أثلاثاً اعتباراً للإرث مع أن
الأم أقرب في الجزئية وكذا قولهم لو له أم وجد لأب وأخ شقيق فعلى الجد عند الإمام
مع أن الأم أقرب أيضاً، وغير ذلك من المسائل.
مَطْلَبِّ: ضَابِطْ فِي حَصْرِ أَحْكَامِ نَفَقَّةِ الْأَصُولِ وَالْقُّرُوعِ
واعلم أن مسائل هذا الباب، مما تحير فيها أولوا الألباب، لما يتوهم فيها من
الاضطراب، وكثيراً ما رأيت من ضلّ فيها عن الصواب، حيث لم يذكروا لها ضابطاً
نافعاً ولا أصلاً جامعاً، حتى وفقني الله تعالى إلى جمع رسالة فيها سميتها ((تحرير
النقول، في نفقات الفروع والأصول)) أعانني فيها المولى سبحانه على شيء لم أسبق
إليه، ولم يحم أحد قبلي عليه، باختراع ضابط كلي مبني على تقسيم عقلي، مأخوذ
من كلامهم تصريحاً أو تلويحاً، جامع لفروعهم جمعاً صحيحاً، بحيث لا تخرج عنه
شاذة، ولا يغادر منها فاذة.
وبيان ذلك أن نقول: لا يخلوا إما أن يكون الموجود من قرابة الولاد شخصاً
واحداً أو أكثر. والأول: ظاهر؛ وهو أن تجب النفقة عيله عند استيفاء شروط
الوجوب. والثاني: لا يخلو. إما أن يكونوا فروعاً فقط، أو فروعاً وحواشي، أو فروعاً
وأصولًا، أو فروعاً وأصولًا وحواشي، أو أصولاً فقط، أو أصولاً وحواشي، فهذه ستة
أقسام. وبقي قسم سابع تتمة الأقسام العقلية وهو الحواشي فقط نذكره تتميماً للأقسام
وإن لم يكن من قرابة الولادة.

٣٥٧
كتاب الطلاق/ باب النفقة
القسم الأول: الفروج فقط: والمعتبر فيهم القرب والجزئية: أي القرب بعد
الجزئية دون الميراث كما علمت، ففي ولدين لمسلم فقير ولو أحدهما نصرانياً أو أنثى
تجب نفقته عليهما سوية. ذخيرة. للتساوي في القرب والجزئية وإن اختلفا في الإرث،
وفي ابن وابن ابن على الابن فقط لقربه. بدائع. وكذا تجب في بنت وابن ابن على البنت
فقط لقربها. ذخيرة. ويؤخذ من هذا أنه لا ترجيح لابن ابن على بنت بنت وإن كان هو
الوارث الاستوائهما في القرب والجزئية ولتصريحهم بأنه لا اعتبار للإرث في الفروع، وإلا
لوجبت أثلاثاً في ابن بنت، ولما لزم الابن النصراني مع الابن المسلم شيء. وبه ظهر أن
قول الرملي في حاشية البحر: إنها على ابن الابن لرجحانه مخالف لكلامهم.
القسم الثاني: الفروع مع الحواشي، والمعتبر فيه أيضاً القرب والجزئية دون
الإرث؛ ففي بنت وأخت شقيقة البنت فقط وإن ورثتا. بدائع وذخيرة. وتسقط الأخت
لتقديم الجزئية. وفي ابن نصراني وأخ مسلم على الابن فقط وإن كان الوارث هو
الأخ. ذخيرة: أي لاختصاص الابن بالقرب والجزئية. وفي بنت وأخ شقيق على ولد
البنت وإن لم يرث. ذخيرة: أي لاختصاصه بالجزئية وإن استويا في القرب الإدلاء كل
منهما بواسطة، والمراد بالحواشي هنا من ليس من عمود النسب: أي ليس أصلاً ولا
فرعاً: فيدخل فيه ما في الذخيرة: لو له بنت ومولى عتاقة فعلى البنت فقط وإن ورثا:
أي لاختصاصها بالجزئية.
القسم الثالث: الفروع مع الأصول، والمعتبر فيه الأقرب. جزئية: فإن لم يوجد
اعتبر الترجيح، إن لم يوجد اعتبر الإرث، ففي أب وابن تجب على ابن لترجحه ((بأنت
ومالك لأبيك)) ذخيرة وبدائع: أي وإن استويا في قرب الجزئية، مثله أم وابن لقول
المتون ولا يشارك الولد في نفقة أبويه أحد. قال في البحر: لأن لهما تأويلاً في مال
الولد بالنص؛ ولأنه أقرب الناس إليهما اهـ. فليس ذلك خاصاً بالأب كما قد يتوهم،
بل الأم كذلك. وفي جد وابن ابن على قدر الميراث أسداساً للتساوي في القرب،
وكذا في الإرث وعدم المرجح من وجه آخر. بدائع. وظاهره أنه لو له أب وابن ابن أو
بنت بنت فعلى الأب لأنه أقرب في الجزئية فانتفى التساوي ووجد القرب المرجح،
وهو داخل تحت الأصل المار عن الذخيرة والبدائع؛ وكذا تحت قول المتون: لا يشارك
الأب في نفقة ولده أحد.
القسم الرابع: الفروع مع الأصول والحواشي، وحكمه كالثالث، لما علمت من
سقوط الحواشي بالفروع لترجحهم بالقرب والجزئية، فكأنه لم يوجد سوى الفروع
والأصول، وهو القسم الثالث بعينه.

٣٥٨
كتاب الطلاق/ باب النفقة
القسم الخامس: الأصول فقط، فإن كان معهم أب فالنفقة عليه فقط لقول
المتون: لا يشارك الأب في نفقة ولده أحد، وإلا فإما أن يكون بعضهم وارثاً وبعضهم
غير وارث أو كلهم وارثين؛ ففي الأول يعتبر الأقرب جزئية، لما في القنية: له أم وجد
لأم فعلى الأم: أي لقربها؛ ويظهر منه أن أم الأب كأبي الأم. وفي حاشية الرملي: إذا
اجتمع أجداد وجدات فعلى الأقرب ولو لم يدل به الآخر اهـ. فإن تساووا في القرب
فالمفهوم من كلامهم ترجح الوارث، بل هو صريح قول البدائع في قرابة الولادة: إذا لم
يوجد الترجيح اعتبر الإرث اهـ. وعليه ففي جد لأم وجد لأب تجب على الجد لأب
فقط اعتباراً للإرث، وفي الثاني: أعني لو كان كل الأصول وارثين فكالإرث. ففي أم
وجد لأب تجب عليهما أثلاثاً في ظاهر الرواية خانية وغيرها.
القسم السادس: الأصول مع الحواشي، فإن كان أحد الصنفين غير وارث اعتبر
الأصول وحدهم ترجيحاً للجزئية، ولا مشاركة في الإرث حتى يعتبر فيقدم الأصل،
سواء كان هو الوارث أو كان الوارث الصنف الآخر. مثال الأول ما في الخانية: لو له
جد لأب وأخ شقيق فعلى الجد اهـ. ومثال الثاني ما في القنية: لو له جد لأم وعم
فعلى الجداه: أي لترجحه في المثالين بالجزئية مع عدم الاشتراك في الإرث لأنه هو
الوارث في الأول، والوارث هو العم في الثاني، وإن كان كل من الصنفين: أعني
الأصول والحواشيّ وارثاً اعتبر الإرث. ففي أم وأخ عصبى أو ابن أخ كذلك أو عم
كذلك، على الأم الثلث وعلى العصبة الثلثان. بدائع. ثم إذا تعدد الأصول في هذا
القسم بنوعيه ننظر إليهم ونعتبر فيهم ما اعتبر في القسم الخامس. مثلاً: لو وجد في
المثال الأول المارّ عن الخانية: جد لأم مع الجد لأب نقدم عليه الجد لأب لترجحه
بالإرث مع تساويهما في الجزئية. ولو وجد في المثال الثاني المار عن القنية أم مع
الجد لأم نقدمها عليه لترجحها بالإرث وبالقرب، وبهذا يسقط الإشكال الذي سنذكره
عن القنية كما ستعرفه، وكذلك لو وجد في الأمثلة الأخيرة مع الأم جد لأم نقدمها
عليه لما قلنا، ولو وجد معها جد لأب بأن كان للفقير أم وجد لأب وأخ عصبي أو ابن
أخ أو عم كانت النفقة على الجد وحده كما صرح به في الخانية.
ووجه ذلك أن الجد يحجب الأخ وابنه والعم لتنزيله حينئذ منزلة الأب، وحيث
تحقق تنزيله منزلة الأب صار كما لو كان الأب موجوداً حقيقة، وإذا كان الأب موجوداً
حقيقة لا تشاركه الأم في وجوب النفقة، فكذا إذا كان موجوداً حكماً فتجب على الجد
فقط، بخلاف ما لو كان للفقير أم وجد لأب فقط، فإن الجد لم ينزل منزلة الأب فلذا
وجبت النفقة عليهما أثلاثاً في ظاهر الرواية كما مر.

٣٥٩
كتاب الطلاق/ باب النفقة
النفقة على البنت أو بنتها لأنه (لا) يعتبر (الإرث) إلا إذا استويا كجد وابن ابن
فكإرثهما، إلا لمرجح كوالد وولد (فعلى ولده لترجحه، بأنت ومالك لأبيك)
القسم السابع: الحواشي فقط، والمعتبر فيه الإرث بعد كونه إذا رحم محرم
وتقديره واضح في كلامهم كما سيأتي، ثم هذا كله إذا كان جميع الموجودين موسرین،
فلو كان فيهم معسر، فتارة ينزل المعسر منزلة الميت وتجب النفقة على غيره وتارة ينزل
منزلة الحيّ وتجب على من بعده بقدر حصصهم من الإرث، وسيأتي بيانه أيضاً؛ فهذا
خلاصة ما اشتملت عليه تلك الرسالة النافية للجهالة، فعضّ عليه بالنواجذ، وكن له
أرغب آخذ، وإن أردت الزيادة على ذلك فارجع إليها، وعوّل عليها، فإنها فريدة في
بابها، نافعة لطلابها، وهي من محض فضل الله تعالى، فله في كل وقت ألف حمد
يتوال. قوله: (النفقة على البنت أو بنتها) لف ونشر مرتب، ففي الأول النفقة على
البنت وحدها للقرب، وفي الثاني على بنتها للجزئية؛ ومثله ابن نصراني وأخ مسلم وإن
كان الوارث هو الأخ كما قدمناه. قوله: (لأنه لا يعتبر الإرث) علة لقوله: ((النفقة على
البنت أو بنتها)). قوله: (إلا إذا استويا) أي في القرب والجزئية، ففي هذا المثال يجب
للفقير على جده سدس النفقة وعلى ابن ابنه باقيها، فإن هذا الفقير لو مات يرثان منه
كذلك، وقوله: ((إلا لمرجح)) استثناء من هذا الاستثناء: أي عند التساوي يعتبر الإرث
إلا إذا ترجح أحد المتساویین. فعلى من معه رجحان فتجب على ابنه دون أبيه مع
استوائهما في القرب.
ويردّ على هذا ما لو كان له ابن وبنت فإنهما استويا في القرب والجزئية مع عدم
المرجح والنفقة عليهما بالسوية، وكذا لو له ابن نصراني وابن مسلم مع أن المسلم
ترجح بكونه هو الوارث، فيتعين حمل قولهم: والمعتبر فيه القرب والجزئية لا الإرث
على ما إذا كان الواجب عليه النفقة فروعاً فقط أو فروعاً وحواشي، وهو القسم الأول،
والثاني من الأقسام السبعة المارّة. أما بقية الأقسام فيعتبر فيه الإرث على التفصيل المار
فیھا.
ثم اعلم أن قوله: ((والمعتبر فيه الخ)) الضمير فيه راجع إلى ما قبله من نفقة
الفروع والأصول على ما قدمناه عن الفتح ومثله في الذخيرة والبحر، وإن كان الأصوب
إرجاعه إلى نفقة الأصول فقط: أي نفقة الأصول الواجبة على الفروع، لما علمت من
أن عدم اعتبار الإرث على إطلاقه خاص بهم، لكن الشارح تابع صاحب الفتح في
إرجاعه الضمير إلى نوعين، فلذا أورد مسائل من كل منهما بعضها من نفقة الأصول
الواجبة على الفروع وبعضها من عكسه، فافهم. قوله: (لترجحه بأنت ومالك لأبيك)
أي بهذا الحديث الذي رواه عن النبي ◌ّهر جماعة من الصحابة كما في الفتح، وهو
٧٠

٣٦٠
كتاب الطلاق/ باب النفقة
وفي الخانية: له أم وأبو أب فكارثهما. وفي القنية: له أم وأبو أم فعلى الأم،
ولو له عم وأبو أم فعلى أبي الأم. واستشكله في البحر بقولهم: له أم وعم
فكارثهما. قال: ولو له أم وعم وأبو أم هل تلزم الأم فقط أم كالإرث؟ احتماله.
مؤوّل للقطع بأن الأب يرث السدس من ولده مع وجود ولد الولد، فلو كان ملكه لم
یکن لغيره شيء معه.
قال الرحمتي: وينبغي في جد وابن ابن وجوب النفقة على ابن الابن لهذا
المرجح، فإنهم جعلوه مطرداً في جميع الأصول مع الفروع، وينوا عليه مسائل: منها
أن الجد إذا ادعى ولد أمة ابن ابنه عند فقد الابن صحت دعواه ويتملكها بالقيمة كما هو
الحكم في الأب لهذا الحديث، فتأمل اهـ. قوله: (فكإرثهما) أي ثلاثاً، لأن كلا منهما
وارث فلا يرجح أحدهما على الآخر كما مر في القسم الخامس. قوله: (فعلى الأم)
أي لكونها أقرب من أبيها حيث كان أحدهما وارثاً والآخر غير وارث كما مر. قوله:
(فعلى أبي الأم) لأن الجزئية تقدم على غيرها عند عدم المشاركة في الإرث. قوله:
(واستشكله في البحر الخ) أصل الإشكال لصاحب القنية. وجهه أن وجوبها في أم وعم
كإرثها، نص عليه محمد في الكتاب، فيقتضي جعل العلم بمنزلة الأم، وفي المسألة
التي قبلها جعل أبو الأم متقدماً على العم، فيلزم أن يتقدم أيضاً على الأم لمساواتها
للعم، فيشكل جعل النفقة على الأم في مسألة أم وأبي أم، بل الظاهر جعلها على أبي
الأم لتقدمه عليها، وجعلها على الأم يقتضي تقدمها على أبيها، ويلزم منه تقدمها على
العم، لأن أباها متقدم عليه فكيف تكون عليهما كإرثهما. أفاده ط.
وحاصله أن هذه المسائل الثلاثة متناقضة. وأقول: لا تناقض فيها أصلاً، لما
علمت من أن الإرث إنما لا يعتبر في نفقة الأصول الواجبة على الفروع، أما في غيرها
من نفقة الفروع وذوي الرحم فله اعتبار فيها على التفصيل الذي قررناه في الضابط،
وحينئذ فما ذكر في المسألة الأولى من تقديم الأم على أبيها لكونها أقرب في الجزئية
مع عدم المشاركة في الإرث، وبذلك أجاب الخير الرملي أيضاً في دفع الإشكال. وما
في المسألة الثانية من تقديم أبي الأم على العم لاختصاصه بالجزئية مع عدم المشاركة
في الإرث أيضاً. وما ذكر في المسألة الثالثة من كونها على قدر الإرث لوجود
المشاركة في الإرث، لما قلنا من اعتبار الميراث في غير نفقة الأصول؛ فحيث وجدت
المشاركة في الإرث اعتبر قدر الميراث، فقد ظهر أن جهة التقديم في إيجاب النفقة أو
المشاركة فيها مختلفة في المسائل الثلاث فلا تناقض فيها أصلاً، فافهم، والله أعلم.
قوله: (قال الخ) أي صاحب البحر، وقد نقله أيضاً عن القنية حيث قال فيها: ويتفرّع
من هذه الجملة فرع أشكل الجواب فيه. وهو ما إذا كان له أم وعم وأبو أم موسورن،
......... ....