النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
كتاب الطلاق/ باب الحضانة
خلافاً لما نقله المصنف عن جواهر الفتاوى.
وفي شرح النقاية للباقاني عن البحر المحيط: سئل أبو حفص عمن لها
إمساك الولد وليس لها مسكن مع الولد فقال: على الأب سكناهما جميعاً.؟
وقال نجم الأئمة: المختار أنه عليه السكنى في الحضانة،
لترديد المصنف، لأنه يحتمل أنه أراد بها الفتاوى السراجية المشهورة مع قوله: ((لكني
لم أقف على ذلك فيها)) فافهم، لكن قوله: ((إذا لم تكن منكوحة ولا معتدة لأبيه)) نقله
في البحر عن السراجية ولم أره فيها، فإن عبارة فتاوى قارئ الهداية: سأل هل تستحق
المطلقة أجرة بسبب حضانة ولدها خاصة من غير إرضاع له؟ فأجاب: نعم تستحق أجرة
على الحضانة، وكذا إذا احتاج إلى خادم يلزم به اهـ. وأفتى بذلك أيضاً صاحب البحر
في فتاواه، وكذا في الخيرية، ومشى عليه في النهر. وقدمنا أنه مفهوم من قولهم في
مسألة العمة والخال أن الأب معسر. قوله: (خلافاً لما نقله المصنف) حيث قال بعد
نقل كلام قارئ الهداية: لكن يشكل على هذا الإطلاق ما في جواهر الفتاوى، قال:
سئل قاضي القضاة فخر الدين قاضيخان عن المبتوتة هل لها أجرة الحضانة بعد فطام
الولد؟ فقال لا، والله تعالى أعلم اهـ.
قلت: يمكن حمل المبتوتة على المعتدة من طلاق بات، فهو مبني على إحدى
الروايتين في البائن كما قدمناه آنفاً، لكن التقييد بما بعد فطام الولد لم يظهر لي وجهه،
. ولعله لكونه الواقع في حادثة الفتوى.
مَطْلَبٌ فِي لُزُومٍ أُجْرَةٍ مَسْكَنِ الْحَضَائَةِ
قوله: (وقال نجم الأئمة: المختار أن عليه السكنى) في نفقات البحر عن
التفاريق: لا تجب في الحضانة أجرة المسكن. وقال آخرون: تجب إن كان للصبيّ مال،
وإلا فعلى من تجب عليه نفقته اهـ. وفي النهر: وينبغي ترجيح عدم الوجوب، لأن
وجوب الأجر لا يستلزم وجوب المسكن، بخلاف النفقة اهـ.
قلت: صاحب النهر ليس من أهل الترجيح، فلا يعارض ترجيحه ترجيح نجم
الأئمة، ولا سيما مع ضعف تعليله، فإن القول بوجوب أجرة المسكن ليس مبنياً على
وجوب الأجر على الحضانة بل على وجوب نفقة الولد، فقد تكون الحاضنة لا مسكن
لها أصلاً بل تسكن عند غيرها، فكيف يلزمها أجرة مسكن لتحضن فيه الولد؟ بل الوجه
لزومه على من تلزمه نفقته، فإن المسكن من النفقة. ونقل الخير الرملي عن المصنف
أنه اختلف في لزومه، والأظهر اللزوم كما في بعض المعتبرات قال الرملي: وهذا يعلم
من قولهم إذا احتاج الصغير لخادم يلزم الأب، فإن احتياجه إلى المسكن مقرر اهـ.
قلت: واعتمده ابن الشحنة مخالفاً لما اختاره ابن وهبان وشيخه الطرطوسي.

٢٦٢
كتاب الطلاق/ باب الحضانة
وكذا إن احتاج الصغير إلى خادم يلزم الأب به.
وفي كتب الشافعية: مؤنة الحضانة في مال المحضون لو له، وإلا فعلى
من تلزمه نفقته. قال شيخنا: وقواعدنا تقتضيه فيفتى به، ثم حرر أن الحضانة
كالرضاع، والله تعالى أعلم (ثم) أي بعد الأم بأن ماتت أو لم تقبل أو أسقطت
حقها أو تزوّجت بأجنبي (أم الأم) وإن علت عند عدم أهلية القربى (ثم أم الأب
وإن علت) بالشرط المذكور، وأما أم أبي الأم فتؤخر عن أم الأب بل عن الخالة
والحاصل أن الأوجه لزومه لما قلنا، لكن هذا إنما يظهر لو لم يكن لها مسكن،
أما لو كان لها مسكن يمكنها أن تحضن فيه الولد ويسكن تبعاً لها فلا لعدم احتياجه
إليه، فينبغي أن يكون ذلك توفيقاً بين القولين وبشير إليه قول أبي حفص: وليس لها
مسكن. ولا يخفى أن هذا هو الأرفق للمجانبين فليكن عليه العمل، والله الموفق،
فافهم. قوله: (وكذا الخ) قدمناه عن فتاوى قارئ الهداية. قوله: (قال شيخنا) يعني
الخير الرملي في حواشيه على البحر، فافهم. قوله: (وقواعدنا تقتضيه).
قلت: ما قدمناه قريباً عن خط شيخ مشايخنا السائحاني صريح في ذلك، فقد
وافق بحثه المنقول. قوله: (ثم حرر) أي الخير الرملي أن الحضانة كالرضاع: أي في
أنها لا أجر للأم فيها لو منكوحة أو معتدة، وإلا فلها الأجرة من مال الصغير إن كان له
مال، وإلا فمن مال أبيه أو من تلزمه نفقته، هذا خلاصة ما حط عليه رأيه بعد كلام
طويل، وقد علمت تأييده بما نقلناه عن خط السائحاني.
قلت: وهذا كله حيث لم يوجد متبرع بالحضانة، فإن وجد، فإما أن يكون أجنبياً
عن الصغير، أو لا. وعلى كل فإما أن يكون الأب معسراً أو لا، وعلى كل فإما أن
يكون للصغير مال أو لا، فإن كان أجنبياً يدفع للأهل للحضانة بأجر المثل ولو من مال
الصغير؛ وإن كان المتبرّع غير أجنبي، فإن كان الأب معسراً والصغير له مال أو لا يقال
للأم إما أن تمسكيه مجاناً أو تدفعيه للعمة مثلاً المتبرعة صوناً لماله لو له مال؛ وإن كان
الأب موسراً والصغير له مال فكذلك، لأن الأجرة حينئذ على الصغير، وإن كان الأب
موسراً ولا مال للصغير فالأم مقدمة وإن طلبت الأجرة نظراً للصغير بلا ضرر له في
ماله، هذا حاصل ما تحرّر للعبد الضعيف بناء على أن الحضانة كالرضاع، وتمام ذلك
في رسالتنا ((الإبانة عن أخذ الأجر على الحضانة)). قوله: (أو لم تقبل أو أسقطت
حقها) مبني على عدم الجبر كما لا يخفى ح. ومر الكلام فيه. قوله: (أو تزوجت
بأجنبي) أشمل من ذلك قول البحر: أو لم تكن أهلاً للحضانة فإنه يدخل ما لو كانت
فاجرة أو غير مأمونة. قوله: (عند عدم أهلية القربى) قيد لقوله: ((وإن علت)) لأن
البعيدة لا حق لها عند أهلية القربى. قوله: (بالشرط المذكور) هو عدم أهلية القربى.

٢٦٣
كتاب الطلاق/ باب الحضانة
أيضاً. بحر (ثم الأخت لأب وأم، ثم لأم) لأن هذا الحق لقرابة الأم (ثم) الأخت
(لأب) ثم بنت الأخت لأبوين ثم لأم، ثم لأب (ثم الخالات كذلك) أي
لأبوين، ثم لأم ثم لأب، ثم بنت الأخت لأب، ثم بنات الأخ (ثم العمات
كذلك) ثم خالة الأم كذلك، ثم خالة الأب كذلك، ثم عمات الأمهات والآباء
بهذا الترتيب؛ ثم العصبات بترتيب الإرث، فيقدم الأب
قوله: (بحر) أي أخذاً من قول الخصاف: إن أم أبي الأم لا تكون بمنزلة قرابة الأم من
قبل أمها، وكذا كل من كان من قبل أبي الأم اهـ. زاد في الولوالجية لأن هذا الحق
لقرابة الأم. قال في البحر، وظاهره تأخير أم أبي الأم عن أم الأب، بل عن الخالة
أيضاً، وقد صارت حادثة الفتوى اهـ. قال ط: ووجه ذلك أن الأخت لأم والخالات
متأخرات عن أم الأب، فإذا كنّ أولى من أم أبي الأم لكونهن من قرابة الأم فمن كانت
مقدمة عليهن وهي أم الأب أولى بالتقدم اهـ. تأمل. قوله: (ثم الأخت لأب وأم) أي
أخت الصغير، لأن قرابة الأب وإن كانت لا مدخل لها فيما يعتبر وهو الإدلاء بالأم
لكنها تصلح للترجيح، خلافاً لقول زفر باشتراكها مع الأخت لأم. أفاده الزيلعي. قوله:
(لأن هذا الحق) أي الحضانة، وهذا علة لكون الأخت لأم تلي الأخت الشقيقة. قوله:
(ثم الأخت لأب) تقديمها على الخالة هو ما مشى عليه أصحاب المتون اعتباراً لقرب
القرابة، وتقديم المدلي بالأم على المدلي بالأب عند اتحاد رتبتهما قربا. قال في البحر:
وهذه رواية كتاب النكاح. وفي رواية كتاب الطلاق: الخالة أولى لأنها تدلي بالأم وتلك
بالأب. قوله: (ثم بنت الأخت لأبوين ثم لأم) كونهما أحق من الخالة باتفاق الروايات
وأما بنت الأخت لأب ففي رواية أحق. والصحيح أن الخالة أحق منها كما في البحر
والزيلعي. قوله: (ثم لأب) هذا ساقط من بعض النسخ، وهو المناسب لما علمت من
أن الصحيح خلافه مع مخالفته لما بعده. قوله: (ثم الخالات) أي خالات الصغير. قوله:
(ثم بنت الأخت لأب) هذا هو الصحيح كما علمت، وبه صرح في الخانية أيضاً. قوله:
(ثم بنات الأخ) أي لأب وأم، أو لأم أو لأب فيما يظهرح: أي على الترتيب. قال
الزيلعي: وبنات الأخت أولى من بنات الأخ، لأن الأخت لها حق في الحضانة دون
الأخ، فكان المدلى بها أولى. قوله: (ثم العمات كذلك) أي تقدم العمة لأب وأم ثم
لأم ثم لأب، ولم يذكر بنات الخالة والعمة لأنه لا حق لهن لأنهن غير محرم. بحر.
ويأتي الكلام فيه. قوله: (ثم عمات الأمهات والآباء) قياس ما ذكره في الخالات تقديم
عمات الأم على عمات الأب، ويفيده ما مر من أن هذا الحق لقرابة الأم، وكذا ما في
كافي الحاكم من قوله: وكل من كان من قبل الأم فهو أولى ممن هو من قبل الأب.
قوله: (بهذا الترتيب) أي العمة لأبوين ثم لأم ثم لأب. قوله: (ثم العصبات) أي إن لم

٢٦٤
كتاب الطلاق/ باب الحضانة
ثم الجد ثم الأخ الشقيق، ثم لأب ثم بنوه كذلك، ثم العم ثم بنوه. وإذا
اجتمعوا فالأورع ثم الأسنّ. اختيار. سوى فاسق ومعتوه وابن عم المشتهاة وهو
غير مأمون، ثم إذا لم يكن عصبة فلذوي الأرحام،
يكن للصغير أحد من محارمه النساء. بحر. أو كان إلا أنه ساقط الحضانة لأنه
كالمعدوم. رملي. قوله: (ثم الجد) أي أبو الأب وإن علا. بحر. قوله: (ثم بنوه
كذلك) أي بنو الأخ الشقيق ثم بنو الأخ لأب، وكذا كل من سفل من أولادهم. بحر.
قوله: (ثم العم ثم بنوه) ينبغي أن يقول كذلك لما في البحر والفتح: ثم العم شقيق
الأب ثم لأب؛ وأما أولاده فيدفع إليهم الغلام لا الصغيرة لأنهم غير محارم. قوله: (وإذا
اجتمعوا الخ) أي كعمين ط. وينبغي إسقاطه والاستغناء عنه بما سيأتي، فإنه راجع
للكل ح. قوله: (سوى فاسق) استثناء من قوله ثم العصبات. قال في البحر: ولا
للعصبة الفاسق ولا إلى مولى العتاقة تحرّزاً عن الفتنة اهـ.
مَطْلَبُ: لَوْ كَانتِ الإِخْوَةُ أَو الأَعْمَامُ غَيرِ مَأْمُونِينَ لَا تُسَلَّمُ المَحْضُونَةُ إِلَيْهِمْ
وفي البدائع: حتى لو كانت الإخوة والأعمام غير مأمونين على نفسها أو مالها لا
تسلم إليها، وينظر القاضي امرأة ثقة عدلة أمينة فيسلمها إليها إلى أن تبلغ. قوله:
(ومعتوه) في نسخة ((ومعتق)) أي بكسر التاء لقول البحر المار: ولا إلى مولى العتاقة.
وفي الفتح: ويدفع الذكر إلى مولى العتاقة لأنه آخر العصبات، ولا تدفع الأنثى إليه اهـ.
قلت: ينبغي أنه لو كان مولى العتاقة امرأة أن تدفع الأنثى إليها دون الذكر.
تنبيه اشترط في البدائع في العصبة اتحاد الدين، حتى لو كان للصبيّ اليهودي
أخوان أحدهما مسلم يدفع لليهودي لأنه عصبته لا للمسلم اهـ. قوله: (وابن عم
المشتهاة الخ) أما إذا كانت لا تشتهي كبت سنة مثلاً فلا منع لأنه لا فتنة، وكذا إذا كانت
تشتهي وكان مأموناً. بحر بحثاً. وأيده بما في التحفة، وإن لم يكن للجارية غير ابن
العم فالاختيار للقاضي، إن رآه أصلح ضمها إليه وإلا توضع على يد أمينة اهـ.
قلت: ما في التحفة علله في شرحها البدائع بقوله: لأن الولاية في هذه الحالة
إليه فيراعي الأصح اهـ. وهو ظاهر في أنه لا حق لابن العم في الجارية مطلقاً، وأن
للقاضي دفعها لأجنبية ولو مأموناً حيث رأى المصلحة في ذلك، ولو كان الحق له لم
يكن للقاضي الاختيار. وقد ردّ الرملي ما بحثه في البحر بنحو ما قلنا، وبتعليلهم بأن
ابن العم غیر محرم وأنه لا حق لغير المحرم. قال: ولعل وجهه أنه لو ثبت له حضانتها
كانت عنده إلى أن تشتهي فتقع الفتنة، فحسم من أصله. قوله: (ثم إذا لم يكن عصبة
الخ) أفاد أن العصبات مقدمون على ذوي الأرحام الذكور، والمراد العصبة المستحق؛
إذ لو لم يستحق كابن عم الجارية يقدم عليه مثل الأخ لأم والحال كما صرح به في

٢٦٥
كتاب الطلاق/ باب الحضانة
فتدفع لأخ لأم، ثم لابنه، ثم للعم للأم، ثم للخال لأبوين، ثم لأم، برهان
وعيني بحر. فإن تساووا فأصلحهم ثم أورعهم ثم أكبرهم، ولا حق لولد عم
وعمة وخال وخالة لعدم المحرمية (و) الحاضنة (الذمية) ولو مجوسية (كمسلمة ما
لم يعقل ديناً) ينبغي تقديره بسبع سنين لصحة إسلامه حينئذ. نهر (أو) إلى أن
(يخاف أن يألف الكفر) فينزع منها وإن لم يعقل ديناً. بحر.
البدائع، والمراد بذوي الأرحام من كان منهم محرماً احترازاً عن ابن العمة والخالة كما
يأتي. قوله: (فتدفع لأخ لأم) كان ينبغي أن يذكر أولاً الجد لأم. ففي الهندية: إنه
أولى من الأخ لأم والخال اهـ. قوله: (ثم لأم) الذي في الشرنبلالية عن البرهان، وكذا
في الفتح: ثم لأب ثم لأم. قوله: (برهان وعيني بحر) كذا في بعض النسخ، وسقط
من بعضها لفظ بحر. وهو الأولى، لأنه في البحر لم يعزه إلى البرهان والعيني. قوله:
(فإن تساووا) كإخوة أشقاء مثلاً. قوله: (ولا حق لولد عم الأخ) كان المناسب التعبير
بالبنات بدل الولد، لأن الولد يشمل الذكر والأنثى، وقد مر أن ابن العم له حق في
الغلام دون الجارية. وأما الفرق بين الجارية المشتهاة وغيرها فقد علمت ما فيه فافهم.
وفي البحر: لا حق لبنات العمة والخالة لأنهن غير محرم، وكذلك بنات الأعمام
والأخوال بالأولى، كذا في کثیر من الكتب اهـ.
ووجه الأولوية أن العمة والخالة مقدمتان على العم والخال مع أنه لا حق
لبناتهما، ومقتضاه أنه لا حق لبنت العمة ونحوها في حضانة الجارية، ولا لابن العمة
في حضانة الغلام، وينبغي إجراء التفصيل المذكور في ابن العم هنا، ولم أر من ذكره.
تأمل. وسئلت عن صغير له جد أبو أم وبنت عمة ولا شبهة أن الحضانة للجد كما
علمته مما ذكرناه عن الهندية؛ أما لو كان الصغير أنثى، فإن قلنا: إن لبنت العمة حقاً
في الأنثى ينبغي تقديمها على الجد لأم لأن النساء أقدر لكنه خلاف ما مر عن الهندية،
فليتأمل. قوله: (والحاضنة الذمية) أشار إلى أن ما في الكنز من التقييد بالأم اتفاقي بل
كل حاضنة ذمية كذلك كما صرح به في خزانة الأكمل. بحر. قوله: (ولو مجوسية) بأن
أسلم زوجها وأبت. قوله: (بسبع سنين) فائدة هذا تظهر في الأنثى، لأن الذكر تنتهي
حضانته بالسبع. حموي. قوله: (أو إلى أن يخاف) أشار إلى أن قول المصنف ((أو
يخاف)) منصوب بأن مضمرة بعد ((أو)) التي بمعنى ((إلى)) كما في الفتح، وهذا زاده في
الهداية، فظاهره أنه إذا خيف أن يألف الكفر نزع منها وإن لم يعقل ديناً. بحر. قال ط:
ولم يمثلوا لآلف الكفر. والظاهر أن يفسر سببه بنحو أخذه لمعابدهم. وفي الفتح:
وتمنع أن تغذيه الخمر ولحم الخنزير، وإن خيف ضم إلى ناس من المسلمين. وقول
البحر: لم ينزع منها بل يضم إلى أناس من المسلمين، فيه تحريف. والظاهر أن لم

٢٦٦
كتاب الطلاق/ باب الحضانة
(و) الحاضنة (يسقط حقها بنكاح غير محرمة) أي الصغير، وكذا بسكناها
عند المبغضين له؛ لما في القنية: لو تزوجت الأم بآخر فأمسكته أم الأم في بيت
الراب فللأب أخذه.
وفي البحر: قد ترددت فيما لو أمسكته الخالة ونحوها في بيت أجنبي
عازبة، والظاهر السقوط قياساً على ما مر، لكن في النهر: والظاهر عدمه للفرق
البين بين زوج الأم والأجنبي. قال: والرحم فقط كابن العم كالأجنبي (وتعود)
زائدة وإلا تناقض. تأمل. قوله: (بنكاح غير محرمة) أي سواء دخل بها أو لا، وكان ينبغي
أن يقول غير محرمة النسبي، لأن الرضاعي كالأجنبي في سقوط حضانتها به. رملي.
قلت: ينبغي أنه لو لم يكن للغلام سوى ابني عم تزوّجت أمه أحدهما أن لا
يسقط حقها، لأن الآخر أجنبي مثله فلا فائدة في دفعه إليه، بل إبقاؤه عندها أولى.
واحترز عما كان زوج الجدة الجد أو زوج الأم أو الخالة العم ونحوه. قوله: (في بيت
الرابّ) بتشديد الباء اسم فاعل، من التربية: وهو زوج الأم والولد ربيب له. قوله:
(فللأب أخذه) أي إلا إذا لم يكن لها مسكن وطلبت من الأب أن يسكنها في مسكن فإن
السكنى في الحضانة عليه كما مر. قوله: (للفرق البين الخ) استظهر هذا الخير الرملي
أيضاً بقولهم: إن زوج الأم الأجنبي يطعمه نزراً: أي قليلاً، وينظر إليه شزراً: أي نظر
البغض، وهذا مفقود في الأجنبي عن الحاضنة. قال ح: وفي النفس من هذا الفرق
شيء، فإن الرابّ إذا كان كذلك فالأجنبي أولى كما هو المشاهد اهـ.
قلت: الأصوب التفصيل، وهو أن الحاضنة إذا كانت تأكل وحدها وابنها معها
فلها حق، لأن الأجنبيّ لا سبيل له عليها ولا على ولدها، بخلاف ما إذا كانت في
عيال ذلك الأجنبي أو كانت زوجة له، وأنت علمت أن سقوط الحضانة بذلك لدفع
الضرر عن الصغير، فينبغي للمفتي أن يكون ذا بصيرة ليراعي الأصلح للولد، فإنه قد
یکون له قریب مبغض له يتمنى موته ويكون زوج أمه مشفقاً عليه يعزّ عليه فراقه فیرید
قريبه أخذه منها ليؤذيه ويؤذيها أو لیأکل من نفقته أو نحو ذلك، وقد يكون له زوجة
تؤذيه أضعاف ما يؤذيه زوج أمه الأجنبي، وقد يكون له أولاد يخشى على البنت منهم
الفتنة لسكناها معهم، فإذا علم المفتي أو القاضي شيئاً من ذلك لا يحل له نزعه من
أمه، لأن مدار أمر الحضانة على نفع الولد؛ وقد مر عن البدائع: لو كانت الإخوة
والأعمام غير مأمونين على نفسها أو مالها لا تسلم إليهم؛ وقدمنا في العدة عن الفتح
عند قوله: إن المختلعة لا تخرج من بيتها في الأصح، أن الحق أن على المفتي أن
ينظر في خصوص الوقائع، فإن علم عجزها عن المعيشة إن لم تخرج أفتاها بالحل، لا
إن علم قدرتها. قوله: (قال) أي في النهر، وأصله للبحر حيث قال: ودخل تحت غير

٢٦٧
كتاب الطلاق/ باب الحضانة
الحضانة (بالفرقة) البائنة لزوال المانع، والقول لها في نفي الزوج وكذا في تطليقه
إن أبهمته لا إن عينته (والحاضنة) أما أو غيرها (أحق به) أي بالغلام حتى يستغني
عن النساء وقدر بسبع وبه يفتى لأنه الغالب. ولو اختلفا في سنه، فإن أكل
المحرم الرحم الذي ليس بمحرم كابن العم فهو كالأجنبي هنا اهـ: أي فإذا تزوجته سقط
حقها، وأنت خبير بأن هذا مفروض فيما إذا كان مستحق للحضانة أقرب منه فلو لم
يكن غيره وكان الولد ذكراً يبقى عند أمه؛ وكذا لو كان أنثى لا تشتهى أو كان مأموناً
على ما بحثه في البحر، فافهم. قوله: (البائنة) أما الرجعية فلا بد من انقضاء العدة
فيها. نهر. ومقتضاه العود في البائنة قبل انقضاء العدة مع أنها تعتدّ في بيت الزوج،
ولعل وجهه ارتفاع ولايته عليها فلا ضرر للولد عنده، وفي ذلك تأييد لما قدمناه من
التفصيل. تأمل. قال في الدر المنتقى: وكذا: أي تعود الحضانة لو زالت بجنون وردة،
ثم زال المانع. ذكره العيني وغيره، فالأحسن: ويعود الحق بزوال مانعه اهـ. قوله:
(لزوال المانع) أي ليس من قبيل عود الساقط حتى يقال إن الساقط لا يعود، فقولهم
يسقط حقها معناه منع منه مانع كقولهم تسقط النفقة بالنشوز والولاية بالجنون ثم تعود
بزوال ذلك. أفاده في النهر. وقد يقال: إن الساقط لم يعد بل عاد حق جديد لقيام
سببه، بخلاف سقوط الشفعة لأنه حق واحد كما مر، فتدبر. قوله: (والقول لها الخ) أي
لو ادعى تزوجها وأنكرت فالقول لها، ولو أقرّت به لكنها ادعت الطلاق، فإن لم تعين
الزوج فالقول لها لا إن عينته، وينبغي أن يكون مع اليمين في الفصلين. نهر. ووجه
الفرق أن دعواها طلاق المعين لما أبطلها الشرع بدون تصديقه لم يقبل قولها أصلاً.
قوله: (حتى يستغني عن النساء) بأن يأكل ويشرب ويستنجي وحده والمراد بالاستنجاء
تمام الطهارة بأن يتطهر بالماء بلا معين، وقيل مجرد الاستنجاء وهو التطهير من النجاسة
وإن لم يقدر على تمام الطهارة. زيلعي: أي الطهارة الشاملة للوضوء. قوله: (وقدر
بسبع) هو قريب من الأول بل عينه، لأنه حينئذ يستنجي وحده؛ ألا ترى إلى ما يروي
عنهوَ﴿ أنه قال: ((مُرُوا صِبْيَانَكُمْ إِذَا بَلَغُوا سَبْعاً)(١) والأمر بما لا يكون إلا بعد القدرة
على الطهارة. زيلعي. قوله: (وبه يفتى) وقيل بتسع سنين. قوله: (لأنه الغالب) أي
الاستغناء هو الغالب في هذا السن. قوله: (فإن أكل الخ) أفاد أن القاضي لا يحلف.
قوله: (لأنه الغالب) أي الاستغناء هو الغالب في هذا السن. قوله: (فإن أكل الخ) أفاد
أن القاضي لا يحلف أحدهما، بل ينظر فيما ذكر كما في البحر عن الظهيرية. ووجهه أن
اليمين للنكول ولا يملك أحدهما إبطال حق الولد من كونه عند أمه قبل السبع وعند أبيه
(١) أخرجه أحمد ١٨٧/٢ وأبو داود في الصلاة باب (٢٦) والبيهقي ١١/٢ وأبو نعيم في الحلية ٣٦/١٠
والدارقطني ٢٣٠/١.

٢٦٨
كتاب الطلاق/ باب الحضانة
وشرب ولبس واستنجى وحده دفع إليه ولو جبراً، وإلا لا (والأم والجدة) لأم أو
لأب (أحق بها) بالصغيرة (حتى تحيض) أي تبلغ في ظاهر الرواية. ولو اختلفا في
حيضها فالقول للأم. بحر بحثاً.
وأقول: ينبغي أن يحكم سنها ويعمل بالغالب. وعند مالك: حتى يحتلم
الغلام، وتتزوّج الصغيرة ويدخل بها الزوج. عيني (وغيرهما أحق بها حتى تشتهى)
وقدر بتسع، وبه يفتى، وبنت إحدى عشرة مشتهاة اتفاقاً. زيلعي (وعن محمد أن
الحكم في الأم والجدة كذلك) وبه يفتى لكثرة الفساد. زيلعي. وأفاد أنه لا
تسقط الحضانة بتزوّجها ما دامت لا تصلح للرجال إلا
بعدها. قوله: (ولو جبراً) أي إن لم يأخذه بعد الاستغناء أجبر عليه كما في الملتقى.
وفي الفتح: ويجبر الأب على أخذ الولد بعد استغنائه عن الأم لأن نفقته وصيانته
عليه بالإجماع اهـ. وفي شرح المجمع: وإذا استغنى الغلام عن الخدمة أجبر الأب أو
الوصيّ أو الولي على أخذه، لأنه أقدر على تأديبه وتعليمه اهـ. وفي الخلاصة وغيرها:
وإذا استغنى الغلام وبلغت الجارية فالعصبة أولى، يقدم الأقرب فالأقرب، ولا حق لابن
العم في حضانة الجارية اهـ.
قلت: بقي ما إذا اتنهت الحضانة ولم يوجد له عصبة ولا وصيّ، فالظاهر أنه
يترك عند الحاضنة، إلا أن يرى القاضي غيرها أولى له، والله أعلم. قوله: (وإلا) بأن
فقدت الأربعة أو بعضها لا يدفع إليه ط. قوله: (والجدة) أي وإن علت ط. قوله: (أي
تبلغ) وبلوغها إما بالحيض أو الإنزال أو السن ط. قال في البحر: لأنها بعد الاستغناء
تحتاج إلى معرفة آداب النساء والمرأة على ذلك أقدر، وبعد البلوغ تحتاج إلى التحصين
والحفظ، والأب فيه أقوى وأهدى. قوله: (في ظاهر الرواية) مقابله رواية محمد
الآتية. قوله: (فالقول للأم) لأنه يدعي سقوط حقها. بحر. قوله: (وأقول الخ) هو
لصاحب النهر حيث قال: وأقول ينبغي أن ينظر إلى سنها، فإن بلغت سناً تحيض فيه
الأنثی غالباً فالقول له، وإلا لها اهـ.
والذي ينبغي الرجوع إلى الصغيرة، فإن دعت البلوغ في سن يحتمله صدقت كما
هو المصرح به في باقي الأحكام. أفاده الرحمتي. قوله: (مشتهاة اتفاقاً) بل في محرمات
المنح: بنت تسع فصاعداً مشتهاة اتفاقاً. سائحاني. قوله: (كذلك) أي في كونها أحق بها
حتى تشتهي. قوله: (وبه يفتى) قال في البحر بعد نقل تصحيحه: ولحاصل أن الفتوى
على خلاف ظاهر الرواية. قوله: (وأفاد) أي المصنف بقوله: ((حتى تشتهي)) من غير تقييد
بما قبل التزوج. قوله: (بتزوجها) أي الصغيرة. قوله: (مادامت لا تصلح للرجال) فإن

٢٦٩
كتاب الطلاق/ باب الحضانة
في رواية عن الثاني إذا كان يستأنس. كما في القنية.
وفي الظهيرية: امرأة قالت: هذا ابنك من بنتي وقد ماتت أمه فأعطني
نفقته، فقال: صدقت لكن أمه لم تمت وهي في منزلي وأراد أخذ الصبي، يمنع
حتى يعلم القاضي أمه وتحضر عنده فتأخذه لأنه أقرّ بأنها جدته وحاضنته ثم ادعى
أحقية غيرها، وذا محتمل، فإن (أحضر الأب امرأة فقال هذه ابنتك وهذا) ابني
(منها وقالت الجدة لا) ما هذه ابنتي (وقد ماتت ابنتي أم هذا الولد فالقول للرجل
والمرأة التي معه، ويدفع الصبيّ إليهما) لأن الفراش لهما فيكون الولد لهما
(كزوجين بينهما ولد فادعى) الزوج (أنه ابنه لا منها) بل من غيرها (وعكست)
فقال هو ابني لا منه (حكم بكونه ابناً لهما) لما قلنا؛ وكذا لو قالت الجدة هذا
ابنك من بنتي الميتة فقال بل من غيرها، فالقول له ويأخذ الصبي منها؛ وكذا لو
أحضر امرأة وقال ابني من هذه لا من بنتك وكذبته الجدة وصدقتها المرأة فالأب
أولى به، لأنه لما قال هذا ابني من هذه المرأة فقد أنكر كونها جدته فيكون منكراً
لحق حضانتها وهي أقرت له بالحق انتهى ملخصاً.
صلحت تسقط وسيأتي في أول النفقات أن التي تشتهي للوطء فيما دون الفرج يلزمه
نفقتها، وكذا التي تصلح للخدمة أو للاستئناس إن أمسكها في بيته عند الثاني، واختاره
في التحفة اهـ. ومقتضاه أن صلوحها للرجال يكفي بالوطء فيما دون الفرج ولذا لزمه
نفقتها، بخلاف من تصلح للخدمة والاستئناس فقط حيث لا تلزمه نفقتها إلا إن رضي بها
وأمسكها في بيته. قوله: (في رواية الخ) فيه إشارة إلى ضعفها، وظاهره أنها إذا صلحت
للرجال قبل البلوغ وقد زوجها أبوها لا حضانة لأمها اتفاقاً، وهذا ظاهر على القول
المفتى به لا على ظاهر الرواية من قوله ((حتى تحيض)) فيحتاج إطلاقه إلى تقييد. أفاده
في البحر: أي تقييد قوله: ((حتى تحيض)) بما إذا لم تتزوج. قوله: (وفي الظهيرية الخ)
دخول على المتن ط. قوله: (لكن أمه) أي التي هي ابنتك. قوله: (لأن الفراش لهما)
لكون النكاح يثبت بالتصادق. قوله: (لما قلنا) من أن الفراش لهما. قوله: (وكذا لو
قالت الجدة) سماها جدة نظراً لزعمها. قوله: (فقال بل من غيرها) أي من امرأة أجنبية
عنك، وهذا هو الفرق بين هذه وبين المسألة الأولى، فإنه في الأولى اعترف بأنه من
ابنتها وأنها جدته. قوله: (وكذبته الجدة) بأن قالت: ما هذه أمه بل أمه ابنتي. ظهيرية.
قوله: (وصدقتها المرأة) بأن قالت: صدقت ما أنا بأمه، وقد كذب هذا الرجل ولكني
امرأته. ظهيرية. قوله: (لأنه لما قال هذا ابني من هذه المرأة) وكذا قوله: ((بل من
غيرها)). قوله: (انتهى ملخصاً) أي انتهى كلام الظهيرية حال كونها ملخصاً، أفاد به أنه لم

٢٧٠
كتاب الطلاق/ باب الحضانة
(ولا خيار للولد عندنا مطلقاً) ذكراً كان أو أنثى خلافاً للشافعي. قلت:
وهذا قبل البلوغ، أما بعده فيخير بين أبويه، وإن أراد الانفراد فله ذلك. مؤيد
زاده معزياً للمنية، وأفاده بقوله (بلغت الجارية مبلغ النساء، إن بكراً ضمها الأب
إلى نفسه) إلا إذا دخلت في السن واجتمع لها رأي فتسكن حيث أحبت حيث لا
خوف عليها (وإن ثيباً لا) يضمها (إلا إذا لم تكن مأمونة على نفسها) فللأب
والجد ولاية الضم لغيرهما كما في الابتداء. بحر عن الظهيرية.
يأت بعين عبارتها بل حذف بعضها اختصاراً، وهو كذلك وإن استوفى في صور المسألة،
فافهم. قوله: (ولا خيار للولد عندنا) أي إذا بلغ السن الذي ينزع من الأم يأخذه الأب،
ولا خيار للصغير لأنه لقصور عقله يختار من عنده اللعب، وقد صح أن الصحابة لم
يخيروا. وأما حديث أنه نَّ ((خير)) (١) فلكونه قال: ((اللهم اهده)» فوفق لا اختياراً لا نظر
[ ... ](٢) بدعائه عليه الصلاة والسلام، وتمامه في الفتح. قوله: (وأفاده) أي أفاد ما ذكر
من ثبوت التخيير والانفراد للبالغ مع زيادة تفصيل وتقييد لذلك، فافهم. قوله: (مبلغ
النساء) أي بما تبلغ به النساء من الحيض ونحوه، ولو حذفه لكان أصح. قوله: (ضمها
الأب إلى نفسه) أي وإن لم يخف عليها الفساد لو حديثة السنّ. بحر. والأب غير قيد،
فإن الأخ والعم كذلك عند فقد الأب ما لم يخف عليها منهما، فينظر القاضي امرأة
مسلمة ثقة فتسلم إليها، كما نص عليه في كافي الحاكم، وذكره المصنف بعد. قوله:
(إلا إذا دخلت في السن) عبارة الوجيز مختصر المحيط: إلا إذا كانت مسنة ولها رأي.
وفي كفاية المتحفظ وفقه اللغة: من رأى البياض فهو أشيب وأشمط ثم شيخ، فإذا ارتفع
عن ذلك فهو مسنّ. رحمتي. قوله: (لا لغيرهما الخ) الفرق أن الأب والجد كان لهما
ولاية الضم في الابتداء، فجاز أن يعيداها إلى حجرهما إذا لم تكن مأمونة أما غيرهما فلم
تكن له ولاية الضم في الابتداء فلا تكون له ولاية الإعادة أيضاً. بحر عن الظهيرية.
قلت: وفيه نظر، فإن المتون مصرحة بأنه إذا لم تكن امرأة فالحضانة للعصبات على
ترتيبهم، ففي ذلك إثبات ولاية الضم ابتداء لغير الأب والجد، إلا أن يريد بقوله: ((أما
غيرهما)) العصبة غير المحرم كابن العم ومولى العتاقة، فإن الأنثى لا تضم إليه كما مر.
وعبارة الفتح: إلا أن تكون غير مأمونة على نفسها لا يوثق بها فللأب أن يضمها
إليه، وكذا للأخ والعم الضم إذا لم يكن مفسداً، فإن كان فحينئذ يضعها القاضي عند
امرأة ثقة اهـ. وزاد الزيلعي: وكذا الحكم في كل عصبة ذي رحم محرم منها اهـ. وهذا
(١) أخرجه الشافعي في المسند ٦٢/٢ وسعيد بن منصور ٢/ ١١٠ وأحمد ٢٤٦/٢ والترمذي ٦٣٨/٣ (١٣٥٧)
وقال حسن صحيح، والبيهقي ٣/٨.
(٢) بياض في الأصل.

٢٧١
كتاب الطلاق/ باب الحضانة
والغلام إذا عقل واستغنى برأيه ليس للأب ضمه إلى نفسه إلا إذا لم يكن
مأموناً على نفسه فله ضمه لدفع فتنة أو عار، وتأديبه إذا وقع منه شيء، ولا نفقة
عليه إلا أن يتبرع. بحر. (والجد بمنزلة الأب فيه) فيما ذكر (وإن لم يكن لها أب
ولا جد، و) لكن (لها أخ أو عم فله ضمها إن لم يكن مفسداً، وإن كان) مفسداً
(لا) يمكن من ذلك (وكذا الحكم في كل عصبة ذي رحم محرم منها، فإن لم يكن
لها أب ولا جد ولا غيرهما من العصبات أو كان عصبة مفسد فالنظر فيها إلى
الذي مشى عليه المصنف بعد. قوله: (والغلام إذا عقل الخ) كان ينبغي الابتداء بمسألة
الغلام أو ذكرها آخراً لأن ما قبلها وما بعدها في الجارية؛ ثم المراد الغلام البالغ لأن
الكلام فيما بعد البلوغ. وعبارة الزيلعي: ثم الغلام إذا بلغ رشيداً فله أن ينفرد، إلا أن
يكون مفسداً مخوفاً عليه الخ. واحترز عما إذا بلغ معتوهاً. ففي الجوهرة: ومن بلغ
معتوهاً كان عند الأم سواء كان ابناً أو بنتاً اهـ. وفي الفتح: والمعتوه لا يخير ويكون عند
الأم اهـ. قال في البحر بعد نقله ما في الفتح: وينبغي أن يكون عند من يقول بتخيير
الولد؛ وأما عندنا فالمعتوه إذا بلغ السن المذكور: أي الذي ينزع فيه من الأم يكون عند
الأب اهـ. وتبعه في النهر، وهو الموافق للقواعد. تأمل. قوله: (فله ضمه) أي للأب
ولاية ضمه إليه. والظاهر أن الجد كذلك، بل غيره من العصبات كالأخ والعم، ولم أر
من صرح بذلك، ولعلهم اعتمدوا على أن الحاكم لا يمكنه من المعاصي، وهذا في
زماننا غير واقع، فيتعين الإفتاء بولاية ضمه لكل من يؤتمن عليه من أقاربه ويقدر على
حفظه، فإن دفع المنكر واجب على كل من قدر عليه لا سيما من يلحقه عاره، وذلك
أيضاً من أعظم صلة الرحم، والشرع أمر بصلتها ويدفع المنكر ما أمكن. قال تعالى:
﴿إِنَّ اللّه يَأْمُرُ بَالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهِي عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَّرِ وَالبَغْي
يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل ٩٠] ثم رأيت في حاشية البحر للرملي ذكر ذلك بحثاً
أيضاً وقال: ولم أره، ثم قال: ثم رأيت النقل فيه، وهو ما في المنهاج والخلاصة
والتاترخانية، وإن لم يكن للصبيّ أب وانقضت الحضانة فمن سواه من العصبة أولى
الأقرب فالأقرب، غير أن الأنثى لا تدفع إلا إلى محرم اهـ.
قلت: كلامنا فيما إذا بلغ الغلام، وما نقله فيما قبل البلوغ، ولذا لم يذكر فيه
التفصيل بين كونه مأموناً أو غيره. قوله: (فيما ذكر) أي من أحكام البكر والثيب
والغلام والتأديب ط. قوله: (وإن لم يكن لها) أي للبكر كما قدمناه عن الكافي، وكذا
الثيب كما علمته خلافاً لما مر عن الظهيرية، وقد صرح المصنف به بعد في قوله ((بلا
فرق في ذلك بين بكر وثيب)).
تنبيه حاصل ما ذكره في الولد إذا بلغ أنه إما أن يكون بكراً مسنة أو ثيباً مأمونة أو

٢٧٢
كتاب الطلاق/ باب الحضانة
الحاكم، فإن) كانت (مأمونة خلاها تنفرد بالسكنى، وإلا وضعها عند) امرأة (أمينة
قادرة على الحفظ، بلا فرق في ذلك بين بكر وثيب) لأنه جعل ناظراً للمسلمين.
ذكره العيني وغيره.
وإذا بلغ الذكور حدّ الكسب يدفعهم الأب إلى عمل ليكتسبوا أو يؤجرهم
وينفق عليهم من أجرتهم، بخلاف الإناث؛ ولو الأب مبذراً يدفع كسب الابن إلى
أمين كما في سائر الأملاك. مؤيد زاده معزياً للخلاصة (ليس للمطلقة) بائناً بعد
عدتها (الخروج بالولد من بلدة إلى أخرى بينهما تفاوت) فلو بينهما تفاوت بحيث
یمکنه أن یبصر ولده ثم يرجع في نهاره
غلاماً كذلك فله الخيار، وإما أن يكون بكراً شابة أو يكون ثيباً أو غلاماً غير مأمونين فلا
خيار لهم، بل يضمهم الأب إليه. قوله: (وإذا بلغ الذكور حدّ الكسب) أي قبل بلوغهم
مبلغ الرجال إذ ليس له إجبارهم عليه بعده. قوله: (بخلاف الإناث) فليس له أن
يؤجرهن في عمل أو خدمة. تاترخانية. لأن المستأجر يخلو بها وذلك سيىء في
الشرع. ذخيرة، ومفاده أنه يدفعها إلى امرأة تعلمها حرفة كتطريز وخياطة إذ لا محذور
فيه، وسيأتي تمامه في النفقات. قوله: (ولو الأب مبذراً) أي يخشى منه إتلاف كسب
الابن. قوله: (كما في سائر الأملاك) أي أملاك الصبيان. تاترخانية: أي فإن القاضي
ينصب لهم وصياً يحفظ لهم مالهم إذا كان الأب مبذراً. قوله: (ليس للمطلقة بائناً الخ)
أما المطلقة رجعية فحكمها حكم المنكوحة ليس لها الخروج، لأن حق السكنى
للزوج، وأما المعتدة فليس لها الخروج قبل انقضاء العدة مطلقاً. بحر. والظاهر أن
المتوفي عنها زوجها كالمطلقة في ذلك، فلا تملك ذلك بلا إذن الأولياء لقيامهم مقام
الأب، وما فيه إضرار بالولد ظاهر المنع اهـ رملي.
لا يقال: إن معتدة الموت تخرج يوماً وبعض الليل، لأن المراد هنا الانتقال إلى
بلدة أخرى، وليس لها ذلك في العدة. وأما بعد انقضائها فلم أره، وقول الرملي لقيام
الأولياء مقام الأب يفيد منعها من ذلك بعد العدة أيضاً، لكن سئل شيخ مشايخنا العلامة
الفقيه منلا علي التركماني عن يتيم في حضانة أمه له جدّ لأب تريد أمه السفر به من
بلدها التي تزوجت فيها إلى بلدة أخرى فهل لجده منعها؟ فأجاب بأن الواقع في كتب
المذهب متوناً وشروحاً تقييد المسألة بالمطلقة والأب، ولم نر من أجراها في غيرهما،
ومفاده أن الجد ليس له منعها، وما قاله الخير الرملي لم يستند فيه إلى نقل فينبغي
التوقف حتى نرى النقل الصريح فإن العلم أمانة، هذا حاصل ما رأيته بخطه رحمه الله
تعالى. ووجه توقفه التقييد بالأب والمطلقة، فيحتمل كونه للاحتراز بقرينة تخصيصهم

٢٧٣
كتاب الطلاق/ باب الحضانة
لم تمنع مطلقاً، لأنه كالانتقال من محلة إلى محلة. شمني (إلا إذا انتقلت من القرية
إلى المصر، وفي عكسه) لضرر الولد بتخلقه بأخلاق أهل السواد (إلا إذا كان) ما
انتقلت إليه (وطنها وقد نكحها ثمة) أي عقد عليها في وطنها ولو قرية في الأصح
إلا دار الحرب إلا أن يكونا مستأمنين
هذا الحكم بالأم المطلقة فقط، ويحتمل عدمه لما قاله الرملي، والله سبحانه أعلم.
قوله: (لم تمنع) إلا إذا انتقلت من مصر إلى قرية كما يأتي. قوله: (مطلقاً) سواء كان
وطناً لها أو لا، وقع العقد فيه أو لا. بحر. قوله: (من محلة إلى محلة) أي في بلد واحدة،
الظاهر أنه لو كان بين المحلتين تفاوت تمنع. قوله: (إلا إذا انتقلت الخ) قال الرملي في
حواشي المنح: هذا خطأ تبع فيه صاحب البحر، إذ ليس لها نقله من قرية إلى مصر بينهما
تفاوت. والعجب في حكم لم يقل به أحد جعله متناً بمجرد تقليده للبحر اهـ.
وفي ط عن الهندية عن المحيط: وإن أرادت نقله من قرية إلى مصر جامع وليس
ذلك مصرها ولا وقع النكاح فيها فليس لها ذلك، وإلا أن يكون المصر قريباً من القرية
على التفسير الذي قلنا اهـ. قوله: (وفي عكسه لا الخ) أي وفي انتقالها من المصر إلى
القرية لا تمكن من ذلك ولو كانت القرية قريبة لتضررّ الولد بتخلقه بأخلاق أهل
السواد: أي أهل القرى المجبولة على الجفاء. قوله: (إلا إذا كان الخ) استثناء من
قوله: ((وفي عكسه لا)) ومثله ما إذا انتقلت من قرية إلى مصر أو إلى قرية أو من مصر
إلى مصر، ولذا عمم الشارح بقوله: ((ما انتقلت إليه)) ويمكن جعله مستثنى من قوله:
((ليس للمطلقة الخروج)) ولكن كان حقه العطف بالواو، وأفاده ط. قوله: (أي عقد
عليها في وطنها) أفاد أن المراد بالنكاح مجرد العقد، وأن الإشارة بثمة للوطن، فلا بد
في جواز الانتقال إلى البلدة البعيدة من شرطين: كونها وطنها، وكون العقد فيها. وفي
رواية الجامع الصغير اشتراط العقد دون الوطن. قال الزيلعي: والأول أصح، لأن
التزوّج في دار ليس التزاماً للمقام فيها عرفاً فلا يكون لها النقلة إليها. قوله: (ولو قرية
في الأصح) أي ولو كان الوطن الواقع فيه العقد قرية، خلافاً لما في شرح البقالي فإنه
ضعيف كما في البحر. قوله: (إلا دار الحرب) استثناء من فيه العقد قرية خلافاً لما في
شرح البقالي فإنه ضعيف كما في البحر. قوله: (إلا دار الحرب) استثناء من الاستثناء
في المتن، وقوله: ((إلا أن يكونا مستأمنين)) استثناء من قوله: ((إلا دار الحرب)) أي لها
الانتقال إلى وطنها الذي نكحها فيه إن لم يكن دار الحرب والزوج مسلم أو ذمي، فلو
كانا حربيين مستأمنين فلها ذلك، كما في البدائع.
والحاصل أن عبارة المتن والشرح في غاية الخفاء مع التطويل، فالأظهر
والأخصر أن يقال: وللمطلقة الخروج بالولد من قرية إلى مصر قريبة، لا عكسه، ومن

٢٧٤
كتاب الطلاق/ باب الحضانة
(وهذا) الحكم (في الأم) المطلقة فقط (أما غيرها) كجدة وأم ولد أعتقت (فلا
تقدر على نقله) لعدم العقد بينهما (إلا بإذنه) كما يمنع الأب من إخراجه من بلد
أمه بلا رضاها ما بقيت حضانتها، فلو (أخذ المطلق ولده منها لتزوّجها) جاز (له
أن يسافر به إلى أن يعود حق أمه) كما في السراجية. وقيده المصنف في شرحه
بما إذا لم يكن له من ينتقل الحق إليه بعدها، وهو ظاهر.
وفي الحاوي: له إخراجه إلى مكان يمكنها أن تبصر ولدها كل يوم
بلدة إلى أخرى هي وطنها وقد نكحها فيها، ولو دار حرب لو زوجها حربياً مثلها فهذه
عبارة مؤجزة نافعة جامعة مانعة. قوله: (وهذا الحكم) أي الذي ذكر من الخروج
والتفصيل فيه ط. قوله: (كجدة) وغير الجدة من الحاضنات مثلها بالأولى كما في
البحر. قوله: (لعدم العقد بينهما) لأن العقد على الزوجة في وطنها دليل الرضا بإقامتها
بالولد فيه، ولا عقد بينه وبين الجدة. قوله: (إلا بإذنه) أي إذن الأب وکذا من له حق
الحضانة من الرجال ط. تأمل. قوله: (من إخراجه) أي إلى مكان بعيد أو قريب يمكنها
أن تبصره فيه ثم ترجع، لأنها إذا كانت لها الحضانة يمنع من أخذه منها فضلاً عن
إخراجه، فما في النهر من تقييده بالعبد أخذاً مما يأتي عن الحاوي غير صحيح، فافهم.
قوله: (من بلد أمه) الظاهر أن غيرها من الحاضنات كذلك ط. قوله: (ما بقيت
حضانتها) كذا في النهر، وفيه كلام. قوله: (فلو أخذ الخ) تفريع على مفهوم ما قبله.
وفي المجمع: ولا يخرج الأب بولده قبل الاستغناء وعلله في شرحه بما فيه من الإضرار
بالأم بإبطال حقها في الحضانة. قال في البحر: وهو يدل على أن حضانتها إذا سقطت
جاز له السفر به، ثم نقل كلام السراجية المذكور وقال: وهو صريح فيما قلنا اهـ. لكن
في الشرنبلالية عن البرهان: وكذا لا يخرج الأب به من محل إقامته قبل استغنائه وإن لم
يكن لها حق في الحضانة لاحتمال عوده بزوال المانع اهـ. وهو المفهوم مما يأتي عن
فتاوى الرملي، ويدل له ما في الحاوي كما تعرف، ولا ينافيه ما مر عن شرح المجمع
لاحتمال أن يريد بالحق الحال أو المستقبل. تأمل. قوله: (كما في السراجية) المراد بها
فتاوى سراج الدين قارىء الهداية. قوله: (وقيده المصنف الخ) وكذا قيده في النهر، ولا
حاجة إليه لأنها إذا تزوجت وكان لها أم أهل للحضانة أو غيرها فليس لأبيه أخذه منها
فضلاً عن السفر به. قوله: (وفي الحاوي) يعني القدسي. قوله: (إخراجه الخ) أنت خبير
بأن هذا محمول على ما إذا لم يكن لها حق الحضانة. لا تمكنه من أخذه منها فضلاً عن
إخراجه عنها إلى قرية أو بلدة قريبة أو بعيدة، خلافاً لما في النهر كما مر، فافهم، ثم لا
يخفى أنه مخالف لما مر عن السراجية ولما يأتي عن شيخه الرملي، بل ولما مر عن
المجمع والبرهان، لأن ما في الحاوي يشمل ما بعد الاستغناء، وهذا هو الأرفق بالأم،

٢٧٥
كتاب الطلاق/ باب النفقة
كما في جانبها، فليحفظ.
قلت: وفي السراجية: إذا سقطت حضانة الأم وأخذه الأب لا يجبر على أن
يرسله لها، بل هي إذا أرادت أن تراه لا تمنع من ذلك.
وأفتى شيخنا الرملي بأنه يسافر به بعد تمام حضانتها، وبأن غير الأب من
العصبات كالأب، وعزاه للخلاصة والتاتر خانية.
[فرع] خرج بالولد ثم طلقها فطالبته برده، إن أخرجه بإذنها لا يلزمه رده،
وإن بغير إذنها لزمه، كما لو خرج به مع أمه ثم ردها ثم طلقها فعليه رده. بحر.
والله تعالى أعلم.
بَابُ النَّفَقَةِ(١)
هي لغة: ما ينفقه الإنسان على عياله.
ويؤيده ما في التاترخانية: الولد متى كان عند أحد الأبوين لا يمنع الآخر عن النظر إليه
وعن تعهدهاهـ. ولا يخفى) أن السفر أعظم مانع. قوله: (كما في جانبها) أي كما أنها
إذا كان الولد عندها لها إخراجه إلى مكان يمكنه أن يبصر ولده كل يوم. قوله: (لا يجبر
على أن يرسله) وكذا يقال في جانبها وقت حضانتها ط. ويفيده ما قدمناه آنفاً عن
التاترخانية. قوله: (بأنه يسافر به بعد تمام حضانتها) لم أره في الخيرية في هذا
المحل. قوله: (وبأن غير الأب الخ) يوهم أن غير الأب له السفر به أيضاً إذا كان
عنده، ولم أر من ذكره، بل قال القهستاني: فلا يخرجه الأب إلا أن يستغني، ولا غيره
ممن يستحق الحضانة نظراً للصغير اهـ.
والذي أفتى به الرملي في الخيرية هو أنه إذا تزوّجت الأم بأجنبيّ وللصغير ابن
عم له طلبه. قال في المنهاج للعقيلي: وإن لم يكن للصبيّ أو انقضت الحضانة فيمن
سواه من العصبة أولى، الأقرب فالأقرب، غير أن الأنثى لا تدفع إلى غير المحرم،
ومثله في الخلاصة والتاترخانية وغيرهما اهـ. قوله: (لا يلزمه رده) بل يقال: اذهبي
وخذیه. نهر. قوله: (فعلیه رده) لأنه وإن أخرجه بإذنها لكنه لما خرجت معه لم تكن
راضية بفراقه، فإذا ردها وحدها ثم طلقها لزمه رده إليها، بخلاف ما إذا أذنت بإخراجه
وحده، والله سبحانه أعلم.
بَابُ النَّفَقَةِ(٢)
قوله: (هي لغة الخ) النفقة مشتقة من النفوق: وهو الهلاك، نفقت الدابة نفوقاً:
(١) مما لا يختلف فيه اثنان أن كل إنسان فقير إلى معاونة أخيه الإنسان، وعلى المعاونة مدارا المدينة، وأساس
العمران، ولها مظاهر لا يحدها حد، ولا يحصرها عد، نشاهد آثارها في أعمال الناس على اختلاف=

٢٧٦
كتاب الطلاق/ باب النفقة
= أنواعها، وإن كثيراً منهم يحسب إنما يعمل لنفسه ويسعى لإحيائها.
ومن أنواع المعاونة نوع جليل الأثر، عظيم النفع، يؤلف بين القلوب ويربط بين النفوس، وهو الإنفاق في
الخير بالمعنى الشامل الزكوات وصدقات التطوع، والهبات، والهدايا، والوصايا والأوقاف، وصلة الرحم.
ومن محاسن الشريعة الإسلامية، ومزاياها العظيمة، العناية بكل طرف من هذه الأطراف، وإعطاؤه حقه من
التشريع الذي يكفل القيام به على أتم وجه وأيسره.
ومن هذه الأطراف صلة الرحم، فقد حث عليها الشارع، وحذر من قطعها بوجه عام، وأوجب لذلك أموراً
وحرم أموراً على وجه خاص، ومما أوجبه لذلك نفقة الأقارب، فالنفقة على الوالدين عند احتياجهما، جزاء
النعمة الكبرى، والمنة العظمى، واليد السابقة منهما على الولد .. ، والنفقة على الأولاد تأسيس لعمارة
الكون، لولاه لتهدم بنيانه، وتصدعت أركانه، وعاد على الآباء أنفسهم وباله .. ، والنفقة على من ترثه جزاء
سابق للإرث منه، وإن كان لا يظهر في بعض الأفراد إلا أن العبرة بالمجموع، وفي ذلك إقرار بالنعمة ومنع
لجحودها .. ، والنفقة على ذوي الرحم صلة عظيمة تجتث عروق الحسد من منابتها، فإن المحتاج أول ما
يخطر بباله معاونة قريب له، لما يشعر به من الاتصال والاتحاد، فإذا جفاه، وأثر عليه سواه ضاق به صدره
واجتواه. وكان أقدر على إيذائه من الأجنبي الذي لا يعرف خباياه (قد يقول إنسان): إن السبيل الأجدى
لرقي الأمة ورفعة شأنها أن يوجب على كل غني فيها قسط من المال يتولى الحاكم أخذه وإنفاقه على
المحتاجين عموماً، وبهذا لا يحتاج إلى نفقة الأقارب (ونقول لهذا): إن يسر الإسلام اقتضى أن يقوم كل
غني بنفقة أقاربه المحتاجين: لأن المشروعات الواسعة قلما تخلو من خطر، ألا ترى أنه مهما كثرت ملاجئ
البر، ومصارف الصدقات لم يمكن فيها مراعاة العدالة التامة، فكثير من المحتاجين يقعون في اليأس؛ لأنه
لا حيلة لهم، وكثير ممن لا حاجة بهم يحتالون على الأخذ بتصنع الحاجة.
لهذا على الشارع بإيجاب نفقة الأقارب على أقاربهم، ولم يفته مراعاة الناحية العامة، فشرع جمع الصدقات
وتفرقتها من لم يجدوا من مال أقاربهم ما يقوم بكفايتهم.
(٢) الدليل على وجوب النفقة من المنقول آيات وأحاديث .. فمن الآيات:
أولاً قوله عزّ وجلّ: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾. ووجه دلالته على وجوب نفقة الزوجة: أن الضمير عائد
إلى النساء المزوَّجات، والمأمور بالمعاشرة هم الأزواج، و((المعروف)): هو الأمر، الذي اعتاده الناس.
فالمعنى - والله أعلم - وعاشروا أيها الأزواج نساءكم بالأمر المعروف بين الناس، وهو النفقة، ولين
الجانب. ونحو ذلك فعلى هذا يقال: الإنفاق على الزوجات معروف والمعروف مأمور به في ضمن الأمر
بالمعاشرة بالمعروف والمأمور به واجب.
ثانياً: قوله تعالى: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾. وجه الدلالة: أن الآية مسوقة لبيان بعض التشريع
الخاص بالزوجات، وجاء في سياقها هذه القاعدة الجليلة، وليس المراد بالمماثلة فيها، المماثلة في أعيان
الحقوق وأشخاصها، وإنما المراد: أن الحقوق بينهما متبادلة، فما من عمل يجب على المرأة للرجل إلا
وعلى الرجل عمل يقابله لها، إن لم يكن مثله في شخص، فهو مثله في جنسه.
وقد أحال في معرفة ما لهن، وما عليهن على المعروف بين الناس في معاشراتهم. ومن المعروف لهن
الإنفاق. فهو واجب لهن.
ثالثاً: قوله تعالى: ﴿وعلى المولود رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ هذه الجملة الشريفة من آية ﴿والولدات﴾
ذكرت في كتب الشافعية والحنفية، والمالكية دليلاً على وجوب نفقة الزوجة، وقبل بيان دلالتها يحسن بي
أن أذكر تمهيداً لذلك؛ فأقول:
إن المولود له، هو الوالد، وإنما عبر عنه بالمولود، دون الوالد والأب للإشعار بأن الأولاد لهم يدعون،
وإليهم ينسبون، والأمهات أوعية مستودعة لهم. وللتنبيه على محلة وجوب النفقة، كأنه يقول: إن هؤلاء
الوالدات، إنما حملن وولدن لك أيها الرجل، فعليك أن تنفق عليهن ما يكفيهن من الطعام واللباس.
والضمير في ((رزقهن)) و(كسوتهن)) عائد إلى الوالدات في صدر الآية وقد اختلف المفسرون في =

٢٧٧
كتاب الطلاق/ باب النفقة
هلكت؛ أو من النفاق وهو الرواج نفقت السلعة نفاقاً: راجت، ذكر الزمخشري أن كل
ما فاؤه نون وعينه فاء يدل على معنى الخروج والذهاب مثل نفق ونفر ونفس ونفي
ونفد. وفي الشرع: الإدرار على شيء بما فيه بقاؤه، كذا في الفتح. قلت: ولا يخفي
أن ما ذكره بيان لأصل مادتها ومأخذ اشتقاقها ووجه تسميتها، فإن بها هلاك المال
ورواج الحال، فلا ينافي قولهم أيضاً: إنها في اللغة ما ينفقه الإنسان على عياله
ونحوهم، فإنه بيان لحقيقة مدلولها، وأنها اسم عين لا حدث.
مَطْلبٌ: اللَّفْظُ جَامِدٌ وَمُشْتَقُّ
وعن هذا قالوا: إن اللفظ قسمان: جامد وهو مالم يوافق مصدراً بحروفه الأصول
ومعناه كرجل وأسد، ومشتق وهو خلافه. وهو قسمان: مطرد وغيره. فالأول: كاسم
الفاعل والمفعول وبقية المشتقات السبعة، فضارب مثلًا يطرد إطلاقه على كل من
اتصف بمعنى المشتق هو منه. والثاني: ما كان معنى المشتق منه مرجحاً للتسمية غير
داخل فيها كقارورة حتى لا يطرد في كل ما وجد فيه ذلك المعنى، فلا يصح إطلاق
قارورة على نحو البئر وإن وجد فيه قرار الماء فالنفقة من هذا القبيل لا من المطرد ولا
= المراد بالوالدات: فقيل المطلقات: وقيل: الزوجات: وقيل: ما يعمهما.
ومن الأحاديث : .
أولاً: ما رواه مسلم وغيره، من حديث جابر - رضي الله عنه - في خطبة النبي ﴿ في حجة الوداع. وفيها:
((فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن ألا يوطئن
فرشكم أحداً تكرهونه. فإن فعلن ذلك، فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم، ((رزقهن، وكسوتهن
بالمعروف».
وجه الدلالة: أن قوله ﴿ *: ((ولهن عليكم رزقهن)) صريح في وجوب إطعام النساء وكسوتهن بالمعروف،
وقوله قبل ذلك: ((ولكم عليهن الخ)) يدل على وجوب الإسكان. وما النفقة إلا هذه الأمور. وتوابعها.
ثانياً: ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما. من حديث عائشة - رضي الله عنها - (أن هنداً بنت عتبة؛ قالت: يا
رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح. ولیس یعطیني ما یکفيني، وولدي. إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم؛
فقال: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف))). وجه الدلالة: أن النبي # أمرها على سبيل الإباحة أن تأخذ
من مال أبي سفيان بدون إذنه ما يكفيها وولدها بالمعروف وإباحة ذلك تدل على أن ما يكفيها من الطعام
والكسوة، حق واجب عليه، أما السكنى فلا دلالة فيه عليها. فهو دال على بعض المدَّعى.
وأما المعقول: فهو: أن النفقة تجب جزاء الاحتباس، ومن كان محبوساً بحق شخص كانت نفقة عليه؛ لعدم
تفرغه لحاجة نفسه.
أصله القاضي، والوالي، والعامل في الصدقات، والمقاتلة، والمضارب إذا سافر بمال المضارب. كذا قال
الزيلعي الحنفي في شرح الكنز. وحاصله: قياس الزوجة على القاضي ومن ذكر معه بجامع الاحتباس لحق
الغير؛ إذ لا معنى للاحتباس إلا امتناع الشخص من التفرغ لحاجة نفسه. انظر الأم للشافعي جزء ٥
ص ٧٧، والجصاص جزء ١ ص ٣٧٤، في الباجي جزء ٤ ص ١٢٦، الرملي جزء ٢٤١/٦، وفتح القدير
جزء ٤٢١/٣، الزيلعي جزء ٣/ ٥٠، والبدائع ١٥/٤، المغني لابن قدامة ٢٢٩/٩، وشرح التحرير ٣٨٢/٢.

٢٧٨
كتاب الطلاق/ باب النفقة
وشرعاً: (هي الطعام والكسوة والسكنى) وعرفاً: هي الطعام (ونفقة الغير تجب
على الغير بأسباب ثلاثة (١): زوجية، وقرابة، وملك) بدأ بالأول لمناسبة ما مر أو
لأنها أصل الولد (فتجب للزوجة) بنکاح صحیح(٢)،
من الجامد غير المشتق، وبهذا التقرير اندفع ما أورده في البحر، فافهم. قوله: (وشرعاً
هي الطعام الخ) كذا فسرها محمد بالثلاثة لما سأله هشام عنها كما في البحر عن
الخلاصة. قوله: (وعرفاً) أي في العرف الطارئ في لسان أهل الشرع هي الطعام فقط،
ولذا يعطفون عليه الكسوة والسكنى، والعطف يقتضي المغايرة. رحمتي. وعبارة
المتون كالكنز والملتقى وغيرهما على هذا. قوله: (وملك) شامل لنفقة المملوك من
بني آدم والحيوانات والعقار كما في الدر المنتقى، لكن في الأخير لا يجبر قضاء، وفي
الثاني خلاف كما سيأتي آخر الباب. قوله: (لمناسبة ما مر) أي من النكاح والطلاق
والعدة. بحر. قوله: (أو لأنها أصل الولد) أي لأن القرابة لا تكون إلا بالتوالد، والولد
الذي تكوّن ابناً أو أباً أو أخاً أو عماً لا يحصل إلا بالزوجية فقدم الكلام عليها لتقدمها،
فافهم. قوله: (بنكاح صحيح) فلا نفقة على مسلم في نكاح فاسد لانعدام سبب
(١) قد اختلف العلماء في بيان من تجب لهم النفقة على خمسة مذاهب الأول: أنها تجب للأب والأم المباشرين
على الابن والبنت وللابن والبنت على أبيهما المباشر، دون أمهما.
ولا تجب لغير هذه الأصناف الأربعة من أصول وفروع وغيرهما وهذا مذهب المالكية، وهو أضيق
المذاهب.
الثاني: أنها تجب لعمودي النسب، الأصول وإن علوا، والفروع وإن سفلوا دون غيرهم من بقية الأقارب.
وهذا مذهب الشافعية وهو أوسع من الأول.
والثالث: أنها تجب الأصول والفروع جميعاً. ولكل ذي رحم محرم سواهما سواء كان وارثاً كالأخ، والأخت،
وابن الأخ لغير الأم والعم لغير الأم، أم لا كالعم لأم، والخال، والخالة، والعمة وابن الأخ لأم، وابن
الأخت، وبنت الأخ، بخلاف ذي الرحم الذي ليس بمحرم سواء كان وارثاً كابن العم لغير الأم، أم لا كابن
العم لأم، وولد الخال أو الخالة أو العمة.
وهذا مذهب الحنفية، وحماد بن أبي سليمان، وهو أوسع من المذهبين قبله.
- الرابع - أنها تجب الأصول والفروع جميعاً، ولكل موروث من غيرهم على من يرثه بفرض أو تعصيب،
وقيل: على من يرثه بالتعصيب فقط، وقيل: على من يرثه، ولو بالرحم.
وهذا مذهب الإمام أحمد: وفيه ثلاث - روايات في غير الأصول والفروع كما ترى.
- الأولى . أنها تجب للموروث على الوارث بالفرض كالأخ لأم والأخت أو بالتعصيب كالأخ الشقيق وابن
العم. والمولى المعتق وهذه هي المشهورة ويمثل ذلك قال الحسن ومجاهد والنخعي، وقتادة، والحسن
بن صالح وابن أبي لیلی، وأبو ثور.
- الثانية - أنها للموروث على الوارث بالتعصيب فقط.
وهذه رواية بكر بن محمد عن أبيه عن أحمد، وبمثلها قال الأوزاعي وإسحاق ومجاهد، وعطاء، وقضى بذلك
عمر .
- الثالثة - أنها تجب للموروث على الوارث. ولو بالرحم كالخال والخالة والعمة.

٢٧٩
كتاب الطلاق/ باب النفقة
= وهذه رواية مخرجة . خرجها أبو الخطاب . على مذهب أحمد في إرث ذوي الأرحام، فإنه يورثهم إن لم
يوجد ذو فرض ولا تعصيب.
والرواية الأولى والثانية: بينهما وبين قول الحنفية عموم من وجه وخصوص من وجه.
والثالثة ظاهرها أنها أعم عموماً مطلقاً؛ لأن حاصلها أنَّ النفقة تجب لكل الأقارب سواء أكانوا أصولاً أم
فروعاً أم حواشي وسواء أكانوا وارثين بالفرض أم بالتعصيب أم بالرحم. وتجب أيضاً للعتيق، وإن لم يكن
قريباً.
لكن من تأمل وجد بينهما عموماً وجهياً أيضاً؛ لأن الحنفية قد يوجبونها على ذي الرحم المحرم. وإن كان
محجوباً. وهذه الرواية لا توجبها عليه إن كان محجوباً.
. الخامس . أنها تجب للأصول والفروع جميعاً، ولکل موروث، ولكل ذي رحم محرم.
وهذا مذهب ابن حزم، ومراده بالموروث من يرثه المنفق من غير أن يحجبه أحد عن ميراث إن مات من
عصبة أو مولى له أسفل، وظاهره أنه يريد الإرث بالتعصيب فقط لكن قد علمت فيما مضى أنه أوجب على
الزوجة الغنية أن تنفق على زوجها العاجز عن نفقة نفسه؛ لأنه وارثة له، فتبين بهذا أن مراده بالموروث من
يورث بتعصيب أو فرض، فلعله اقتصر في البيان على الوارث بالتعصيب؛ لأن الوارث بالفرض هو البنت،
وبنت الابن، والأم والجدة، والأخت، والأخ لأم، والزوج والزوجة، والجميع داخلون في ذي الرحم
المحرم ما عدا الزوج والزوجة .
ونفقة الزوج على الزوجة لها بحث خاص، ونفقة الزوجة على زوجها قد قال بها فيما مضى، فلم يبق إلا
الإرث بالتعصيب فلذا اقتصر عليه هنا. فليتأمل.
وظهر بهذا أنه يعمم في الموروث فيتعدى به الأقارب، حتى يشمل الزوج، والمولى الأسفل أي العتيق،
فيكون أعم من المذاهب السالفة كلها ما عدا الرواية الأخيرة عن الإمام أحمد فإنها أعم منه؛ لشمولها إنفاق
ذي الرحم الذي ليس محرماً، ولا وارثاً بفرض أو تعصيب على ذي رحمه كإنفاق بنت العم على ابن عمها
الذي ليس له وارث بالفرض أو التعصيب.
ولعله أعم من هذه الرواية بالنظر لشموله إنفاق الزوجة على زوجها وإن كان مقتضى إطلاقهم الوارث في
مذهب أحمد، وتمثيلهم بالمعتق أنهم يوافقون ابن حزم في الزوجة، وإن لم يصرحوا بذلك.
انظر البدائع ٣٠/٤ المبسوط ٢٢٢/٥ المغني ٢٥٦/٩ وكشاف الصناع ٣١٣/٣.
(٢) اقتضت حكمة الله تعالى في بني آدم، أن يكون الرجل هو القائم بأمر المرأة، والقائد لزمامها؛ وذلك لما
منحه الله تعالى من القوة وكمال العقل، والقدرة على تحمل المصاعب، وتجشم الآلام الناشئة عن متاعب
الحصول على العيش، وحفظ كيان الأسرة حتى تظل قائمة في هذا الكون، مؤدية وظيفتها في عمارته
ويشهد لذلك قول الله تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾. وقول النبي ور: «لو أمرت أحداً أن يسجد
لأحدٍ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)»
وهذا يدل على أن المرأة يجب أن تكون رهن إشارة زوجها. وطوع أمره، فلا تعصي له أمراً، ولا تمنعه حقًّا
وجب له عليها، وقد أمر جلَّ شأنه المرأة بالقرار في بيت زوجها، ومنعها الخروج منه حرصاً على
المحافظة على حقوق الرجل، ومنعاً لما قد يفسد نظام العائلة، ويجرها إلى الخسارة.
وإن المرأة أمام هذه الأوامر الإلهية، التي يجب عليها أن تمتثلها. وتنقاد إليها، تكون من غير شك عاجزة
عن تحصيل قوتها. وتدبير عيشها .. وحينئذ فمن ذا الذي يقدم لها من القوت، ما يدفع عنها ألم الجوع،
ويحفظ حياتها، ومن الثياب ما تتقي به قيظ الحرِّ وزمهرير البرد، ومن المسكن ما تأمر فيه على نفسها
ومَتَاعِهَا؟ .. فلو لم يوجب الله جل شأنه ذلك على الرجل لزوجته، مع ما تقدم من أمرها بملازمة بيته
لأدَّی إلی ھلاكها.
هذا في المرأة التي في عصمة الزوج، وأما المطلقة، فإن كانت رجعيَّة، فهي في حكم الزوجة: لأن له
مراجعتها متى شاء، فليست مالكةً لأمرها. ولا متمكنة من التكسب، أو التزوج بغيره ما دامت في =

٢٨٠
كتاب الطلاق/ باب النفقة
فلو بان فساده أو بطلاقه رجع بما أخذته من النفقة. بحر
الوجوب وهو حق الحبس الثابت للزوج عليها بالنكاح، وكذا في عدته، لأن حق
الحبس وإن ثبت لكنه لم يثبت بالنكاح بل لتحصين الماء، ولأن حال العدة لا یکون
أقوى من حال النكاح(١). بدائع. قوله: (فلو بان فساده أو بطلانه الخ) لم يذكر في
البحر البطلان، وقدمناه في العدة عن الفتح وغيره عدم الفرق بين الفاسد والباطل في
النكاح، بخلاف البيع.
= العدة، وإن كانت بائناً، ففيها تختلف الأنظار.
فمن نظر إلى أنها محتبسة عن الزواج في العدة: العلاقة الزوجية السابقة، أوجب لها النفقة والسكنى، حاملاً
كانت أو حائلاً. ومن نظر إلى أن هذا الاحتباس، إنما هو حق لله تعالى، لم يوجب شيئاً منهما حاملاً كانت
أو حائلاً.
ومن نظر إلى أن الحامل مشغولة الرحم بماء الزوج، والحائل محتبسة لصيانة مائه، أوجب للأولى السكنى
والنفقة؛ لأنَّ اشتغال الرَّحم بمائه، ليس أقل شأناً من اشتغاله باستمتاعه السابق. وأوجب للبائنة السكنى؛
لأن بها تتم صيانة الماء المذكور وحفظه، ولم يوجب لها النفقة؛ لأن احتباسها ليس لحقه، وإنما هو لحق
الله تعالى.
(١) مما لاخلاف فيه بين العلماء أن استحقاق الزوجة النفقة تعلق بعقد الزواج، لكنهم اختلفوا: أتستحق من حين
العقد أم من حين التمكين، أم من حين الزفاف إلى منزل الزوج؟.
فذهب الشافعي في القديم، والحنفية في ظاهر الرواية، وابن حزم الظاهري، إلى أنها تستحق من حين
العقد ... وإن اختلفوا بعد ذلك في استحقاق الصغيرة التي لا تطيق الوطء، وزوجة المعسر والناشزة،
ونحوها على ما سيأتي.
وذهب الشافعي في الجديد، والمالكية، والحنابلة، إلى أنها لا تستحق إلا من حين التمكين بنحو عرض
نفسها على الزوج ... وإن اختلفوا في بعض الشروط على ما يأتي.
وذهب بعض متأخري الحنفية: إلى أنها لا تستحق إلا من حين زفافها إلى منزل الزوج، وهو مروي عن أبي
يوسف واختاره القدوري، وليست فتوى الحنفية عليه.
ولكل مذهب من هذه المذاهب حجة يستند إليها، وسأذكرها مبيناً وجه الاحتجاج بكل منها، وما يرد عليه
من المناقشات، وأختار ما تؤدي الموازنة إلى اختياره.
١ - من ذهب إلى أنها تستحق من حين العقد، فمستندهم ما يأتي:
أ . قوله 8# في خطبة حجة الوداع: ((ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف)) وهذا الدليل ذكره ابن حزم
في المحلى ... ووجه دلالته: أن الضمير في ((رزقهن)) و(كسوتهن)) راجع إلى النساء المذكورات في
الحديث قبل .. وهن الزوجات بقرينة قوله 18: ((فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة
الله)) وإضافة الرزق والكسوة إلى هذا الضمير للجنس: إذ لا معهود، فتفيد العموم فالحديث يدل على
وجوب كل رزق. وكل كسورة للزوجات، ومن ذلك الرزق والكسوة، قبل التمكين والزفاف.
(ويمكن أن يرد عليه من قبل المخالفين) أن الضمير عائد إلى النساء اللاتي أمر الرسول # بتقوى الله
فيهن، وهن المعاشرات إذ المرأة التي لم يعاشرها الزوج، لا يتصور ظلمه لها، فلا يدل الحديث على
وجوب النفقة، قبل المعاشرة ... ويؤيد هذا، قوله: ((أخذتموهن)) فإن ظاهره الأخذ من بيوت أهلهن
أضف إلى ذلك أن وجوب الرزق والكسوة، قيد بالمعروف، والمعروف، إنما هو الإنفاق بعد التمكين،
ولو عرف الإنفاق قبله لنقل عن عادات العرب قبل الإسلام أو بعده.
(وللمستدل أن يدفع ما ذكر): بأن النساء في الحديث عام، يتناول كل زوجة قبل الدخول =
تكملة رد المحتار على الدر المختار — pages 261-280 | ScribeTools Library