النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
كتاب الطلاق/ باب الإيلاء
ولم يطأ (و) لزم (الكفارة أو الجزاء) المعلق (إن حنث) بالقربان.
(و) المدة (أقلها للحرّة أربعة أشهر، وللأمة شهران) ولا حدّ لأكثرها، فلا
إيلاء بحلفه على أقل من الأقلين. وسببه كالسبب في الرجعي، وألفاظه صريح
و كناية.
بمضيّ المدة جزاء لظلمه، لكن ذكر في الفتح أول الباب أن الإيلاء لا يلزمه المعصية
إذ قد يكون برضاها لخوف غيل على الولد وعدم موافقة مزاجها ونحوه فيتفقان عليه
لقطع لجاج النفس. قوله: (ولم يطأ) عطف تفسير، والمراد بالوطء حقيقته عند القدرة
أو ما يقوم مقامه كالقول عند العجز، فالمراد ولم يفىء: أي لم يرجع إلى ما حلف
عليه. قوله: (والكفارة أو الجزاء) بالعطف بأو، وفي بعض النسخ بالواو موافقاً لما في
الدرر وشرح المصنف، وهي بمعنى أو، لأن المراد بيان نوعيه بقرينة قوله الآتي: ففي
الحلف بالله تعالى وجبت الكفارة وفي غيره وجب الجزاء: أي المعلق عليه كالحج
والعتق والطلاق ونحو ذلك. ويمكن حمل الواو على معناها، إذ يمكن اجتماع الكفارة
والجزاء، في نحو والله لا أقربك وإن قربتك فعليّ حج كذا قيل. وفيه أنهما إيلاء أن
يجب بالحنث في أحدهما الكفارة وفي الآخر الجزاء وإن وقع عند البر طلاق واحد
بدليل ما قالوا في: والله لا أقربك إذا كرره ثلاثاً ولم ينو التأكيد أنه أيمان ثلاثة يجب
لكل كفارة ويقع بها طلقة واحدة كما سيأتي آخر الباب، فافهم. قوله: (إن حنث
بالقربان) أي الوطء حقيقة، فلا يحنث بالفيء باللسان عن العجز عن الوطء لأنه غير
المحلوف عليه؛ ولو وطئ بعده في المدة حنث كما سيأتي. قوله: (أربعة أشهر) لا
خلاف أنه إن وقع في غرة الشهر اعتبرت مدته بالأهلة، ولو وقع وفي بعضه فلا رواية
عن الإمام. وقال الثاني: تعتبر بالأيام. وعن زفر اعتبار بقية الشهر بالأيام والشهر
الثاني والثالث بالأهلة، ويكمل أيام الشهر الأول بالأيام من أول الشهر الرابع(١). نهر
عن البدائع. قوله: (وللأمة شهران) يعم ما لو كان زوجها حرّاً، ولو أعتقت في أثناء
المدة بعد ما طلقت انتقلت إلى مدة الحرائر. نهر. ومثله في البدائع. قوله: (فلا إيلاء)
أي في حقّ الطلاق. بدائع: أي لا في حق الحنث، فلو قال لحرة والله لا أقربك
شهرين ولم يقربها فيهما لم تطلق، ولو قربها فيهما حنث. قوله: (وسببه كالسبب في
الرجعي) هو الداعي من قيام المشاجرة وعدم الموافقة. نهر. ومثله في شرح درر
البحار، وكأنه خص الرجعي لكونه أشبهه في البينونة مآلاً على ما مر. تأمل. قوله:
(صريح وكناية) وقيل ثلاثة: صريح وما يجري مجراه وكناية؛ فالصريح لفظان الجماع
(١) في ط (قوله من أول الشهر الرابع الخ) صوابه ((الخامس) وكذا قوله: ((والثالث)) صوابه ((والرابع)) أيضاً.

٦٢
كتاب الطلاق/ باب الإيلاء
(ف) -من الصريح (لو قال والله) وكل ما ينعقد به اليمين (لا أقربك)
والنيك، أما القربان والمباضعة والوطء فهي كنايات تجري مجرى الصريح. قال في
الفتح: والأولى جعل الكلّ من الصريح، لأن الصراحة منوطة بتبادر المعنى لغلبة
الاستعمال فيه سواء كان حقيقة أو مجازاً لا بالحقيقة، وإلا لوجب كون الصريح لفظ
النيك فقط. وفي البدائع: الافتضاض في البكر يجري مجرى الصريح اهـ. وستأتي ألفاظ
الكناية .
وفي البحر: لو ادعى في الصريح أنه لم يعن الجماع لا يصدق قضاء ويصدق
ديانة. والكناية: كل لفظ لا يسبق إلى الفهم بمعنى الوقاع منه ويحتمل غيره، ولا يكون
إيلاء بلا نية ويدين في القضاء. قوله: (فمن الصريح الخ) ذكر منه أربعة ألفاظ، وأشار
إلى أنه بقي غيرها، فإن منه قوله للبكر: لا أفتضك كما مر. وفي المنتقى: لا أنام
معك إيلاء بلا نية، وكذا لا يمس فرجي فرجك، وهذا يخالف ما في البدائع من أن لا
أبيت معك في فراش كناية، وما في جوامع) الفقه من أنه لو قال: لا يمس جلدي
جلدك لا يصير مولياً، لأنه يمكن أن يلف ذكره بشيء. أفاده في الفتح. وظاهره ما في
الجوامع أنه ليس صريحاً ولا كناية.
قلت: والذي يظهر ما في المنتقى من أن اللفظين من الصريح، لما علمت من أن
الصراحة منوطة بتبادر المعنى، والمتبادر من قولك فلان نام مع زوجته هو الوطء؛ نعم
لا يتبادر ذلك من قولك بات معها في فراش وتبقى المخالفة في مسألة المس، وما ذكر
من الإمكان لا ينافي التبادر، وإلا لزم أن تكون المباضعة كذلك لأنه بمعنى وضع
البضع على البضع: أي الفرج، فيمكن أن يقال: لا يلزم منه الجماع، وكذا
الافتضاض: أي إزالة البكارة يمكن بأصبع ونحوها. تأمل. قوله: (لو قال والله الخ) قيد
بالقسم، لأنه لو قال: لا أقربك ولم يقل والله لا يكون مولياً. ذكره الإسبيجابي. بحر:
أي لأنه لا بد من لزوم ما يشق. قوله: (وكل ما ينعقد به اليمين) كل مبتدأ حذف خبره
تقديره كذلك. قال في البحر: وأراد بقوله والله ما ينعقد به اليمين كقوله تالله وعظمة الله
وجلاله وكبريائه، فخرج ما لا ينعقد به كقوله وعلم الله لا أقربك، وعليه غضب الله
تعالى وسخطه إن قربتك اهـ ط. قوله: (لا أقربك) أي بلا بيان مدة، أشار إلى أنه
كالمؤقت بمدة الإيلاء، لأن الإطلاق کالتأبيد، ومثله لو جعل له غاية لا يرجى وجودها
في مدة الإيلاء، كقوله في رجب لا أقربك حتى أصوم المحرم، وكقوله إلا في مكان
كذا أو حتى تفطمي ولدك وبينهما أربعة أشهر فأكثر، ولو أقل لم يكن مولياً، وكذا
حتى تطلع الشمس من مغربها أو حتى تخرج الدابة أو الدجال استحساناً لأنه في العرف
للتأبید، وكذا إن کان یرجی وجودها في مدته، لکن لا یتصور بقاء النكاح معه کحتی

٦٣
كتاب الطلاق/ باب الإيلاء
لغير حائض. ذكره سعدي، لعدم إضافة المنع حينئذ إلى اليمين (أو) والله (لا
تموتي أو أموت أو أطلقك ثلاثاً أو حتى أملكك أو أملك شقصاً منك وهي أمة؛ وإن
تصور بقاؤه كحتى أشتريك لا يكون مولياً، لأن مطلق الشراء لا يزيل النكاح لأنه قد
يشتريها لغيره، ولو زاد لنفسي فكذلك لأنه قد يكون الشراء فاسداً لا يملك إلا بالقبض؛
حتى لو قال لنفسي وأقبضك كان مولياً فيصير تقديره لا أقربك ما دمت في نكاحي؛
ولو قال حتى أعتق عبدي أو أطلق زوجتي فهو إيلاء عندهما خلافاً لأبي يوسف. ولا
خلاف في عدمه في حتى أدخل الدار أو أكلم زيداً كما في النهر وغيره. قوله: (لغير
حائض الخ) في غاية البيان معزياً للشامل: حلف لا يقربها وهي حائض لم يكن مولياً،
لأن الزوج ممنوع عن الوطء بالحيض فلا يصير المنع مضافاً لليمين اهـ. وبهذا علم أن
الصريح وإن كان لا يحتاج إلى النية لا يقع به لوجود صارف، كذا في البحر. وقيده
الشرنبلالي بحثاً بما إذا كان عالماً بحيضها. وفصل سعدي في حواشي العناية بحمل ما
في الشامل على ما إذا قال لا أقربك ولم يقيد بمدة، أما لو قال أربعة أشهر فإنه يكون
مولياً ولو كانت حائضاً، وهذا معنى قول الشارح هنا ((لغير حائض)) وقوله بعده في
المقيد: ((ولو لحائض)) وأوضحه في النهر بأنه إذا قيده بأربعة أشهر يكون قرينة على
إضافة المنع إلى اليمين اهـ.
أقول: هذا كله مبني على أن قول الشامل وهي حائض ليس من كلام الزوج،
لكن ذكر المقدسي أنه حال من مفعول يقربها لا من فاعل حلف: أي فهو من كلام
الزوج.
قلت: وربما أفاده ما في كافي الحاكم حيث قال: وإن حلف لا يقربها وهي
حائض لم يكن مولياً، وإن حلف لا يقربها حتى تفعل شيئاً تقدر على فعله قبل مضيّ
أربعة أشهر لم يكن مولياً وإن تأخر ذلك أربعة أشهر لم يضرّه اهـ. فقوله حتى تفعل من
كلام الزوج قطعاً، فكذا قوله وهي حائض، وقد أفاد علته بما ذكره بعده، وهي أن مدة
الحيض يمكن مضيها قبل أربعة أشهر فلا يصير مولياً زادت عليها، ويؤيده تعليل
الولوالجي بقوله: لأنه منع نفسه عن قربانها في مدة الحيض وأنه أقل من أربعة
أُشھر اهـ.
ولو كانت العلة ما مر من كون الزوج ممنوعاً عن الوطء بالحيض الخ لكان
الواجب ذكر ذلك في شروط صحة الإيلاء بأن يقال: يشترط في صحته أن لا يكون
الزوج ممنوعاً عن وطئها وقت الإيلاء.
ويرد عليه أنه يشمل ما إذا كانت محرمة أو معتكفة أو صائمة أو مصلية، مع أنه
سيأتي أنه يصح الإيلاء. وهي محرمة وإن كان بينها وبين الحرم أكثر من أربعة أشهر،

٦٤
كتاب الطلاق/ باب الإبلاء
أقربك) لا أجامعك لا أطؤك لا أغتسل منك من جنابة (أربعة أشهر) ولو لحائض
لتعيين المدة (أو إن قريتك فعلي حج أو نحوه) مما يشق، بخلاف فعلي صلاة
ركعتين فليس بمول لعدم مشقتهما، بخلاف فعلي مائة ركعة، وقياسه أن يكون
مولياً بمائة ختمة أو اتباع مائة جنازة ولم أره (أو فأنت طالق أو عبده حرّ) ومن
الكناية: لا أمسك، لا آتيك، لا أغشاك، لا أقرب فراشك، لا أدخل عليك؛
ولا يكون فيؤه باللسان بل بالجماع، لأن الإحرام مانع شرعي وهو لا يسقط حقها في
الجماع، فقد صح الإيلاء مع علمه بأنه ممنوع عن قربانها شرعاً في مدة أربعة أشهر،
ففي حالة الحيض يصح بالأولى، فما كان الجواب عن حالة الإحرام فهو الجواب عن
حالة الحيض، فاغتنم تحرير هذا المقام والسلام. قوله: (لتعيين المدة) أي لأن ذكر
المدة قرينة على أن المنع لليمين لا للحيض، بخلاف ما إذا لم يذكرها كما مر. قوله:
(أو نحوه مما يشق) كقوله فعليّ عمرة أو صدقة أو صيام أو هدى أو اعتكاف أو يمين
أو كفارة يمين أو فأنت طالق، أو هذه الزوجة أخرى أو فعبدي حر أو فعليّ عتق لعبد
مبهم أو فعليّ صوم يوم، بخلاف صوم هذا الشهر لأنه يمكنه قربانها بعد مضيه بلا شيء
يلزمه؛ ولو قال فعليّ ابتاع جنازة أو سجدة تلاوة أو قراءة القرآن أو تسبيحة أو الصلاة
في بيت المقدس لم يكن مولياً. في الذخيرة خلاف محمد، لأنها تلزم بالنذر، كذا في
الفتح. وأشار في الفتح إلى الجواب عن قول محمد بأن المدار على لزوم ما يشق لا
على صحة النذر، وإلا لزم أن يكون مولياً بالتعليق على صلاة ركعتين. والمذهب أنه
يسقط النذر بصلاتها في غير بيت المقدس. قوله: (لعدم مشقتهما) أي وإن لزماه
بالحنث لصحة النذر بهما، وأشار إلى أنه لا تعتبر المشقة العارضة بنحو كسل كما لا
تعتبر العارضة بالجبن في نحو فعليّ غزو كما مر. قوله: (وقياسه الخ) هذا البحث
لصاحب النهر، وهو في غير محله لما تقدم من أن المولى هو الذي لا يمكنه قربان
زوجته إلا بشيء مشق يلزمه فلا بد من كونه لازماً وكونه مشقاً(١)، ولا يصح النذر بقراءة
القرآن وصلاة الجنازة وتكفين الموتى كما في أيمان القهستاني، فإذا لم يصح نذره
أمكنه قربانها بلا شيء يلزمه أصلاً؛ كما لو قال: إن قربتك فعليّ ألف وضوء فلا يكون
مولياً فافهم. قوله: (فأنت طالق أو عبده حرّ) كان ينبغي ذكره قبل قوله أو نحوه، فإن
قربها تطلق رجعية ويعتق العبد. وظاهره وإن لم يكن ممن يشق عليه لأنه في الأصل
مشق كما أفاده ط. وقدمنا أنه لو باع العبد سقط الإيلاء ولو عاد إلى ملكه عاد، ولو قال
فعليّ ذبح ولدي يصح، ويلزمه بالحنث ذبح شاه كما في البدائع. قوله: (ومن الكناية الخ)
(١) في ط (قوله بشيء مشق وكونه مشقاً) كذا بالأصل المقابل على خطه والمعروف من كتب اللغة بأيدينا
«شاق» لا مشق.

٦٥
كتاب الطلاق/ باب الإبلاء
ومن المؤبد نحو: حتى تخرج الدابة أو الدجال، أو تطلع الشمس من مغربها (فإن
قربها في المدة) ولو مجنوناً (حنث) وحينئذ (ففي الحلف بالله وجبت الكفارة،
وفي غيره وجب الجزاء وسقط الإبلاء) لانتهاء اليمين (وإلا) يقربها (بانت بواحدة)
بمضيها، ولو ادعاء بعد مضيها لم يقبل قوله إلا ببينة (وسقط الحلف لو) كان
(مؤقتاً) ولو بمدتين، إذ بمضيّ الثانية تبين بثانية وسقط الإيلاء
ومنها لا أجمع رأسي ورأسك لا ألمسك لا أضاجعك لأغيظنك لأسوأنك. فتح.
والأخيران باللام الجوابية. وذكر أيضاً أنه عدّ منها في البدائع الدنوّ، وكذا لا أبيت
معك؛ وتقدم الكلام على الأخير. قوله: (ومن المؤبد الخ) لأنه يذكر في العرف
للتأبيد، ولأن له أمارات سابقة تدل على أنه لا يقع في مدة أربعة أشهر، وكان المناسب
ذكر هذه الجملة عند قول المصنف الآتي: ((لا لو كان مؤبداً)) كما في الفتح. قوله:
(فإن قربها في المدة الخ) إنما ذكره وإن أغنى عنه قوله سابقاً: ((وحکمه الخ)) لیرتب
عليه ما بعده اهـ. قوله: (ولو مجنوناً) لأن الأهلية تعتبر وقت الحلف لا وقت الحنث.
قوله: (وجبت الكفارة) ولو كفر قبل الحنث لا تعتبر. بحر. قوله: (وجب الجزاء)
سيأتي في الأيمان أن في مثله يخير بين الوفاء بما التزمه من النذر أو كفارة اليمين.
رحمتي: أي على الصحيح الذي رجع إليه الإمام شرنبلالية وهذا إن بقي الإيلاء، فلو
سقط بموت العبد المحلوف بعتقه فلا يجب شيء كما علمت. قوله: (وسقط الإيلاء)
عطف على حنث، فلو مضت أربعة أشهر لا يقع طلاق لانحلال اليمين بالحنث، وسواء
حلف على أربعة أشهر أو أطلق أو على الأبد. بحر. قوله: (بانت بواحدة) أي بطلقة
واحدة، وقوله بمضيها: أي بسبب مضيّ المدة، وأشار إلى أنه لا حاجة إلى إنشاء
تطليق أو الحكم بالتفريق خلافاً للشافعي كما أفاده في الهداية. قوله: (ولو ادعاه) أي
القربان في المدة. قوله: (لم يقبل قوله إلا ببينة) أي على إقراره في المدة أنه جامعها.
بحر. لأنه في المدة يملك الإنشاء فيملك الإخبار فصح إشهاده عليه، وتقدم في
الرجعة نظيره وأنه من أعجب المسائل. قوله: (ولو بمدتين الخ) بأن حلف على ثمانية
أشهر كما في الدرّ المنتقى تبعاً للقهستاني، وهو مخالف لما في الكنز وغيره من قوله:
وسقط الإيلاء لو حلف على أربعة أشهر فإنه يقتضي أنه لو حلف على مدتين أو أكثر لا
يسقط، وهو معنى قوله إذ بمضيّ الثانية تبين بثانية، لكن الشارح أنه يسقط بعد مضيّ
المدتين. قوله: (تبين بثانية) يعني إذا تزوجها ثانياً وإلا فهو على غير الأصح الآتي في
المؤبد إذ لا فرق يظهر بينهما. ثم رأيت القهستاني قال: وفي الثانية: أي في مسألة
المدتين إذا بانت ثم تزوجها ثانياً ثم مضت أربعة أشهر أخرى بانت بواحدة أخرى
وسقط الإيلاء اهـ.

٦٦
كتاب الطلاق/ باب الإبلاء
(لا لو كان مؤبداً) وكانت طاهرة كما مر وفرع عليه (فلو نكحها ثانياً وثالثاً ومضت
المدتان بلاء) أي قربان (بانت بأخريين) والمدة من وقت التزوج (فإن نكحها بعد
زوج آخر لم تطلق) لانتهاء هذا الملك، بخلاف ما لو بانت بالإيلاء بما دون
وفي الولوالجية: والله لا أقربك سنة فمضى أربعة أشهر فبانت ثم تزوّجها ومضى
أربعة أشهر أخرى بانت أيضاً، فإن تزوجها ثالثاً لا يقع لأنه بقي من السنة بعد التزوج
أقل من أربعة أشهر. قوله: (لا لو كان مؤبداً) أي لا يسقط الحلف: أي الإيلاء لو كان
مؤبداً قال في الفتح: هو أن يصرح بلفظ الأبد أو يطلق فيقول لا أقربك إلا أن تكون
حائضاً فليس بمول أصلا اهـ. قوله: (وكانت طاهرة) هو معنى قول الفتح: إلا أن تكون
حائضاً، وقد علمت فيه مما مر. قوله: (وفرع عليه فلو نكحها) أي فرّع هذا الكلام،
وضمير عليه لقوله: ((لا لو كان مؤبداً) وأفاد أنه لا يتكرر الطلاق بدون تزوج لعدم منع
حقها. وقيل لو بانت بمضيّ أربعة أشهر بالإيلاء ثم مضت أربعة أخرى وهي في العدة
وقعت أخرى، فإن مضت أربعة أخرى وهي في العدة وقعت أخرى، والأول أصح لأن
وقوع الطلاق جزاء الظلم، وليس للمبانة حق فلا يكون ظالماً كما في الزيلعي؛ ووافقه
في الفتح والنهر، وعليه المتون. قوله: (والمدة من وقت التزوج) سواء كان التزوج في
العدة أو بعد انقضائها.
قال في النهر: واختلف في اعتبار ابتداء مدته. ففي الهداية: وعليه جرى في
الكافي أنها من وقت التزوج، وقيد في النهاية والعناية تبعاً للتمرتاشي والمرغيناني بما
إذا كان التزوج بعد انقضاء العدة، فإن كان فيها اعتبر ابتداؤه من وقت الطلاق. قال
الزيلعي: وهذا لا يستقيم (١) إلا على قول من قال بتكرر الطلاق قبل التزوج وقد مر
ضعفه. قال في الفتح: فالأولى الإطلاق كما في الهداية ح. قوله: (فإن نكحها) أي
المولى الذي انتهى ملكه بالثلاث ح: أي نكحها (٢) قبل أن تتزوج بغيره، وكذا بعده
ولكنها مسألة الهدم الآتية. قوله: (لانتهاء هذا الملك) فهذه المسألة فرع ما إذا علقٍ
طلاقها بالدخول مثلاً ثم نجز الثلاث فتزوجت بغيره ثم أعادها فدخلت لا تطلق، خلافاً
لزفر؛ وكذا لو آلى منها ثم طلقها ثلاثاً بطل الإيلاء، حتى لو مضت أربعة أشهر وهي
في العدة لم يقع الطلاق خلافاً(٣) لزفر؛ ولو تزوجها بعد زوج آخر في الإيلاء المؤبد لا
(١) في ط (قوله وهذا لا يستقيم الخ) أقول: بل لا يستقيم أيضاً على ذلك القول: فإن أصحاب ذلك يحسبون
المدة من وقت الطلاق على كل حال، ويحتاج الفرق بين ما إذا تزوجت بعد العدة حيث لم تحسب مدتها،
وبين ما إذا تزوجت فيها حيث احتسب من وقت الطلاق، فالظاهر أنه قول ثالث.
(٢) في ط (قوله أي نكحها الخ) هذا لا يناسب ذكره هنا، فإن فرض المسألة فيما إذا طلق ثلاثاً، وحينئذ لا
يمكن تزوجها قبل زوج آخر. والظاهر أن محل هذا الكلام عند قول المصنف: فلو نكحها ثانياً وثالثاً.
(٣) في ط (قوله لم يقع الطلاق خلافاً الخ) لعل هذا سبق قلم، وإلا فبعد تنجيز الثلاث لا يتصور وقوع طلاق
آخر إجماعاً وهو واضح.

٦٧
كتاب الطلاق/ باب الإبلاء
ثلاث أو أبانها تنجيز الطلاق، ثم عادت بثلاث يقع بالإيلاء، خلافاً لمحمد كما مر
في مسألة الهدم (وإن وطئها) بعد زوج آخر (كفر) لبقاء اليمين للحنث (والله لا
أقربك شهرين وشهرين بعد هذين الشهرين) إيلاء (التحقق) المدة
يعود الإيلاء خلافاً له. فتح. قوله: (يتنجيز الطلاق) أي بتنجيز طلقة أو طلقتين ح.
قوله: (ثم عادت بثلاث) بأن تزوجها بعد زوج آخر بناء على قولهما إن الزوج الثاني
يهدم ما دون الثلاث ويثبت حلاً جديداً فتعود للأول بثلاث لا بما بقي. قوله: (يقع
بالإيلاء) الضمير عائد إلى الثلاث باعتبار معنى الطلاق الثلاث. والأولى أن يقول: تقع
بالتاء الفوقية: يعني تطلق كلما مضى عليها أربعة أشهر لم يجامعها فيها حتى تبين
بثلاث، كذا قال في الفتح والنهر والتبيين.
قلت: ولا بد من تقييده بأن يتزوجها بعد كل مدة على ما هو الأصح ليكون
الطلاق جزاء الظلم كما مر، وكأنهم أطلقوه هنا لقرب العهد، فتأمل. قوله: (خلافاً
لمحمد) فعنده لا تقع الثلاث، بل ما بقي من واحدة أو ثنتين بناء على قوله: إن الثاني
لا يهدم ما دون الثلاث كما مر قبيل هذا الباب ومر اعتماد قوله. قوله: (بعد زوج آخر)
مكرر بما ذكره المصنف قبل، وكان الأولى للمصنف في التعبير أن يقول: وكفر إن
وطئ، ليكون عطفاً على جواب الشرط؛ وهو قوله: ((لم تطلق)). قوله: (لبقاء اليمين
للحنث) أي لحق الحنث وإن لم تبق في حق الطلاق، فصار كما لو قال لأجنبية لا
أقربك لا يكون بذلك مولياً، وتجب الكفارة إذا قربها. زيلعي. قوله: (بعد هذين
الشھرین) قید اتفاقي، لأنه لو قال شھرین وشھرین کان الحکم کذلك كما صرح به في
التبيين ح. ومثله في الفتح والبحر. قوله: (لتحقق المدة) أي أربعة أشهر، ولهذا لو قال
لا أكلم فلاناً يومين ويومين كان كقوله لا أكلمه أربعة أيام، والأصل في جنس هذه
المسائل أنه متى عطف من غير إعادة حرف النفي ولا تكرار اسم الله تعالى يكون يميناً
واحداً، ولو أعاد حرف النفي أو كرر اسم الله تعالى يكون يمينين وتتداخل مدتهما.
بيانه لو قال: والله لا أكلم زيداً يومين ولا يومين(١) يكون يمينين ومدتهما واحدة، حتى
لو كلمه في اليوم الأول أو الثاني يحنث فيهما ويجب عليه كفارتان، وإن كلمه في اليوم
الثالث لا يحنث لانقضاء مدتهما، وكذا لو قال والله لا أكلم زيداً يومين والله لا أكلم زيداً
يومين لما ذكرنا؛ ولو قال والله لا أكلمه يومين ويومين كان يميناً واحداً ومدته أربعة
أيام، حتى لو كلمه فيهما تجب عليه كفارة واحدة، وعلى هذا لو قال والله لا أكلمه يوماً
ويومين كانت يميناً واحدة إلى ثلاثة أيام، حتى لو كلمه فيها تجب كفارة واحدة؛ ولو
(١) في ط (قوله يومين ولا يومين) هكذا في الزيلعي، وما وقع في حاشية ح ((يوماً ولا يومين)) فهو تحريف.

٦٨
كتاب الطلاق/ باب الإيلاء
(ولو مكث يوماً) أراد به مطلق الزمان إذ الساعة كذلك. بحر (ثم قال والله لا
أقربك شهرين) لم يكن مولياً (قال بعد الشهرين الأولين) أوّلاً لنقص المدة، لكن
إن قاله اتحدت لكفارة وإلا تعددت
قال والله لا أكلمه يوماً ولا يومين، أو قال والله لا أكلمه يوماً والله لا أكلمه يومين يكون
يمينين، فمدة الأولى يوم ومدة الثانية يومان، حتى لو كلمه في اليوم الأول يجب عليه
كفارتان، وفي اليوم الثاني كفارة واحدة، ولو كلمه في اليوم الثالث لا يحنث لانقضاء
مدتهما؛ وعلى هذا لو قال والله لا أقربك شهرين ولا شهرين، أو قال والله لا أقربك
شهرين والله لا أقربك شهرين لا يكون مولياً، لأنهما يمينان فتتداخل مدتهما، حتى لو
قربها قبل مضي شهرين تجب عليه كفارتان، ولو قربها بعض مضيهما لا يجب عليه شيء
لانقضاء مدتهما. زيلعي.
قلت: وحاصله أنه يحكم بتعدد اليمين بإعادة حرف النفي أو بتكرار اسم الله
تعالى؛ ومتى كانت اليمين متعددة كانت المدة متحدة: أي تكون المدة في اليمين
الأولى داخلة في مدة اليمين الثانية، ومتى كانت اليمين متحدة كانت المدة متعددة: أي
تكون المدة الثانية غير الأولى، وقد تتعدد المدة مع تعدد اليمين بأن نص على مغايرة
المدة، فيجب في كل مدة كفارة واحدة، كما يأتي في المسألة الثانية. قوله: (ولو
مكث يوماً) يعني بعد قوله والله لا أقربك شهرين. قوله: (إذ الساعة كذلك) أي
الزمانية، فالمراد أن يفصل بين الحلفين بفاصل (١). قوله: (قال بعد الشهرين الأولين
أولًا) أي أن التقييد بالظرف هنا اتفاقي كما في المسألة الأولى. قوله: (لنقص المدة)
أي بقدر الفاصل بين الحلفين وهو اليوم مثلاً، لأن مدة الامتناع عن قربانها في الحلف
الأول شهران وفي الثاني شهران بعدهما، وبين الحلفين مدة لم يلزمه شيء بقربانها فيها
فلم توجد مدة الإيلاء؛ بخلاف المسألة الأولى فإن الأربعة أشهر فيها لا فاصل بينها
كما مر، وهذا إن قال هنا بعد الشهرين الأولين فإنه نص على تغاير المدة وإن تعدد
القسم، أما إذا لم يقله تتحد المدة لتعدد القسم بتكرار اسمه تعالى بلا موجب لتعدد
المدة فلم توجد مدة الإيلاء أيضاً. قوله: (لكن إن قاله الخ) استدراك على ما ذكره من
عدم الفرق بين ذكر الظرف وعدمه: أي أنه لا فرق بينهما من حيث إنه لا يكون مولياً،
ولكن بينهما فرق من جهة أخرى أفادها في الفتح وغيره، وهي إنه إن قاله تتعين مدة
اليمين الثانية، كذا في البحر والنهر: أي تصير مرادة بعينها غير داخلة فيما قبلها، وعبر
(١) في ط (قوله بفاصل) هل يشترط أن يكون الفاصل مدة تسع الوطء، الظاهر نعم، ولكن لم أره فليراجع. ثم
سمعت من شيخنا الإطلاق، وليس للنفس ميل إليه، والظاهر أن يكون السكوت اختياراً كالفاصل في
الاستثناء شمس الأئمة الكردي. هو أول من قرأ الهداية على مؤلفها كما في حاشية سعدي على العناية.

٦٩
كتاب الطلاق/ باب الإبلاء
(أو قال؛ والله لا أقربك سنة إلا يوماً) لم يكن مولياً للحال،
الشارح عن هذا بقوله: ((اتحدت الكفارة)) أخذاً من قوله في الفتح في هذه الصورة: فلو
قربها في الشهرين الأولين لزمته كفارة واحدة، وكذا في الشهرين الآخرين، لأنه لم
يجتمع على الشهرين يمينان بل على كل شهرين يمين واحدة اهـ. وما توارد عليه شراح
الهداية من أنه يلزمه بالقربان كفارتان، قال في الفتح: إنه خطأ لما علمت. قال في
النهر: لأنه إذا كان لكل يمين مدة على حدة فلا تداخل بين المدتين حتى تلزمه
الكفارتان، إلا أن يراد القربان في مدتيهما، كذا في الحواشي السعدية. وعندي أن هذا
الحل مما يجب المصير إليه اهـ.
قلت: وما وقع في الفتح وتبعه عليه في البحر من قوله: ولكن تتداخل المدتان،
فلو قربها في الشهرين الأولين لزمته كفارة واحدة الخ سبق قلم، وصوابه: لا تتداخل،
ولم أر من نبه علیه، ولکن المعنی وسوابق الكلام ولواحقه تدل علیه، وکذا صريح ما
نقلناه عن النهر. وأما إذا لم يقل بعد الشهرين الأولين تصير مدتهما واحدة وتتأخر الثانية
عن الأولى بيوم، كذا في البحر والنهر، وعبر الشارح عن هذا بقوله: ((وإلا تعددت)) أي
وإن لم يقله تعددت الكفارة أخذاً من قوله في الفتح: لم يكن مولياً لتداخل المدتين،
فتتأخر المدة الثانية عن الأولى بيوم واحد أو ساعة بحسب ما فصل بين اليمينين.
فالحاصل من اليمينين الحلف على شهرين ويوم أو ساعة على حسب الفاصل اهـ.
قلت: وحاصله أنه لما قال لا أقربك شهرين ثم بعد يوم مثلاً قال كذلك اتحدت
المدتان لتعدد القسم كما مر، لكن اليوم الفاصل بين اليمينين دخل في اليمين الأولى
دون الثانية، فلزم تكميل الشهرين في اليمين الثانية بزيادة يوم على الشهرين، وهذا اليوم
الزائد دخل في اليمين الثانية دون الأولى عكس اليوم الفاصل، ولزم من هذا تداخل
المدتين ما عدا اليومين المذكورين؛ لأنه لم يجتمع عليهما يمينان، فلو قربها في أحدهما
تلزمه كفارة واحدة، بخلاف بقية المدة لدخولها تحت اليمينين فتتعدد فيها الكفارة، هذا
ما ظهر لي في هذا المقام. قوله: (إلا يوماً) مثله الساعة. ط عن الحموي. قوله: (لم
يكن مولياً للحال) لأنه استثنى يوماً منكراً فيصدق على كل يوم من أيام السنة حقيقة
فيمكنه قربانها قبل مضيّ أربعة أشهر من غير شيء يلزمه، وصرفه إلى الأخير كما يقوله
زفر إخراج له عن حقيقته، وهي التنكير إلى التعيين بلا حاجة؛ بخلاف قوله: إلا نقصان
يوم، لأن النقصان لا يكون عرفاً إلا من آخرها؛ وبخلاف قوله أجرتك داري أو أجلت
ديني سنة إلا يوماً فإنه يراد به الأخير لحاجة تصحيح العقد وتأخير المطالبة؛ وبخلاف
قوله: والله لا أكلم زيداً سنة إلا يوماً، لأن الحامل وهو المغايظة اقتضى عدم كلامه في
الحال فتأخر، والإيلاء قد يكون عن تراض كما مر، وإن كان عن مغايظة لكن لزوم

١
٧٠
كتاب الطلاق/ باب الإيلاء
بل إن قربها وبقي من السنة أربعة أشهر فأكثر صار موليا، وإلا لا، ولو حذف سنة
لم يكن مولياً حتى يقربها فيصير مولياً، ولو زاد إلا يوماً أقربك فيه لم يكن مولياً
أبداً، لأنه استثنى كل يوم يقربها فيه، فلم يتصوّر منعه أبداً (أو قال وهو بالبصرة:
والله لا أدخل مكة وهي بها لا) يكون مولياً لأنه يمكنه أن يخرجها منها فيطأها (آلي
من المطلقة رجعياً صح) لبقاء الزوجية ويبطل بمضي العدة.
(ولو آلى من مبانته أو أجنبية نكحها بعده) أي بعد الإيلاء ولم يضفه للملك
أحد المكروهين فيه لو تأخر عارض جهة المغايظة فتساقطا وعمل بمقتضى اللفظ وهو
التنكير، هذا حاصل ما في البحر والنهر. قوله: (بل إن قربها) أي في يوم ولم يقربها
بعده. قوله: (صار مولياً) أي إذا غربت الشمس من ذلك اليوم لا بمجرد القربان،
بخلاف قوله سنة إلا مرة، فإنه إذا قربها صار مولياً من ساعته. بحر. قوله: (وإلا لا) أي
وإن لم يبق أربعة أشهر لا يصير مولياً. قوله: (فيصير مولياً) أي مؤبداً لأن ما بعد اليوم
المستثنى لا غاية له فيجري عليه ما مر من حكم الإيلاء المؤبد، ولو حذف قوله إلا
يوماً وتركها سنة صار مولياً ووقع عليه طلقتان فقط كما في البحر عن الولوالجية وقدمنا
عبارتها. قوله: (لم يكن مولياً أبداً) سواء قربها أو لا. بحر. قوله: (وهي بها) أي قال
ذلك، والحال أن زوجته بمكة. قوله: (فيطأها) أي في المدة من غير شيء يلزمه، فإن
كان لا يمكنه بأن كان بين الموضعين ثمانية أشهر صار مولياً على مافي جوامع الفقه،
وأما على ما ذكره قاضيخان فالعبرة لأربعة أشهر. والذي يظهر ضعفه لإمكان خروج كل
منهما إلى الآخر فليتقيان في أقل من ذلك. بحر. وفيه أنه لم يتحقق الإيلاء على كل
من القولين لأنه الحلف على ترك قربانها والحلف هنا على عدم الدخول. وقد يجاب
بأنه من كنايته فلا يكون مولياً به إلا بالنية ط. قوله: (لبقاء الزوجية) فيتناولها قوله
تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة ٢٢٦].
واعترض بأن الإيلاء جزاء الظلم بمنع حقها من الجماع والرجعية لا حق لها فيه
لا قضاء ولا ديانة حتى استحب له مراجعتها بدون الجماع فلا يكون ظالماً. وأجاب
شمس الأئمة الكردي بأن الحكم في المنصوص مضاف إلى النص لا إلى المعنى،
وتمامه في العناية. قال في الفتح: ألا ترى لا يثبت الإيلاء وإن أسقطت حقها في
الجماع لخوف الغيل على ولد أو غيره، فعلم أن التعليل بالظلم باعتبار بناء الأحكام
على الغالب. قوله: (ويبطل بمضي العدة) أي بمضيها قبل تمام مدته، أما لو كانت من
ذوات الأقراء وامتدّ طهرها بانت بمضي مدته. نهر. قوله: (من مبانته) أي بثلاث أو
بائن. نهر. قوله: (نكحها) أي الأجنبية بعده، فلو مضى أربعة أشهر وهي في نكاحه ولم
يقربها لم تبن، وأما لو نكح المبانة (١) فنذكره قريباً عن الخانية. قوله: (ولم يضفه للملك)
(١) في ط (قوله وأما لو نكح المبانة الخ) أي المبانة بعد الإيلاء كما هو موضوع مسألة الخيانة الآتية، =

٧١
كتاب الطلاق/ باب الإبلاء
كما مر (لا) يصح لفوات محله، ولو وطئها كفر لبقاء اليمين؛ ولو آلى فأبانها، إن
مضت مدته وهي في العدة بانت بأخرى، وإلا لا. خانية (عجز) عجزاً حقيقياً لا
حکمیاً كإحرام لكونه باختياره
أما إذا أضافه بأن قال إن تزوجتك فوالله لا أقربك كان مولياً ط. قوله: (كما مر) في
شرح قول المصنف ((وشرطه محلية المرأة)) ط. قوله: (لفوات محله) لأن شرطه محلية
المرأة بكونها منكوحته وقت تنجيز الإيلاء كما قدمه المصنف. قوله: (لبقاء اليمين) أي
في حق وجوب الكفارة عند الحنث، لأن انعقاد اليمين يعتمد التصور حساً لا شرعاً؛
ألا ترى أنها تنعقد على ما هو معصية. فتح. قوله: (ولو آلى) أي من زوجته فأبانها بعده
صح، أشار به إلى بقاء النكاح بعده غير شرط. قوله: (وإلا لا) أي وإن لم تمض المدة
في العدة بل بعدها لا تبين. وفي الخانية أيضاً(١): إن تزوجها قبل انقضاء العدة كان
الإيلاء على حاله، حتى لو تمت أربعة أشهر من وقت الإيلاء بانت بأخرى، وإن
تزوجها بعد انقضاء العدة كان مولياً، وتعتبر مدته من وقت التزوج. قوله: (عجز عن
وطئها) ظاهر صنيعه أن العجز حدث بعد الإيلاء مع أنه يشترط في العجز دوامه من
وقت الإيلاء إلى مضيّ مدته كما يأتي التصريح به، فالمراد به العجز القائم لا العارض؛
ثم رأيت في الهندية عن الفتح: هذا إذا كان عاجزاً من وقت الإيلاء إلى مضي أربعة
أشهر الخ. ثم قال: وإن كان الإيلاء معلقاً بالشرط فإنه تعتبر الصحة والمرض في حق
جواز الفيء باللسان حال وجود الشرط لا حالة التعليق اهـ. قوله: (عجزاً حقيقياً) بأن
لا يكون المانع عن الوطء شرعياً فإنه لو كان شرعياً يكون قادراً عليه حقيقة عاجزاً عنه
حكماً كما في البدائع. قوله: (لا حكمياً كإحرام) أي كما إذا آلى من امرأته وهي محرمة
أو هو محرم وبينهما وبين الحج أربعة أشهر، فإن فيأه لا يصح إلا بالفعل وإن كان
عاصياً، كذا في التاترخانية عن شرح الطحاوي. وعلله في الفتح والبحر بأنه المتسبب
باختياره بطريق محظور فيما لزمه فلا يستحق تخفيفاً اهـ. وقوله فيما لزمه: أي من وقوع
الطلاق، وهو متعلق بالمتسبب، والطريق المحظور هو الإيلاء فإنه فعله باختياره، فكان
متسبباً فيما لزمه به مع قدرته على الجماع حقيقة فصار ظالماً بمنع حقها وهو حق عبده
فلا يسقط وإن عجز عنه حكماً بسبب الإحرام، ولا يكون عجزه الحكمي سبباً للتخفيف
بالفيء باللسان لأنه بمباشرته المحظور لم يستحق التخفيف، وإنما استحقه في العجز
الحقيقي لأنه لا تكليف بما لا يطاق، فصار كالعاصي بسفره إذا عجز عن الماء يباح له
التيمم، هذا ما ظهر لي. قوله: (لكونه باختياره) أي لكون الإيلاء لا الإحرام كما ظهر
= وليس المراد أنه آلى من المبانة ثم تزوجها، لأن الحكم في هذه المسألة كالحكم في الأجنبية.
(١) في ط (قوله وفي الخانية أيضاً الخ) موضوع المسألة ما ذكره الشارح بقوله: ((ولو آلى فأبانها)) أي آلى من
زوجته فأبانها کما نبهنا علیه قريباً.

٧٢
كتاب الطلاق/ باب الإيلاء
(عن وطئها لمرض بأحدهما أو صغرها أو رتقها) أو جبه أو عنته (أو بمسافة لا
يقدر على قطعها في مدة الإيلاء أو لحبسه) إذا لم يقدر على وطئها في السجن
كما في البحر عن الغاية، وقوله (لا بحق) لم أره لغيره فليراجع، وكذا حبسها
ونشوزها ففيئه (نحو) قوله بلسانه (فئت إليها) أو راجعتك أو أبطلت الإيلاء أو
لك مما قررناه ولا سيما في صورة إحرام المرأة، وهذا يؤيد ما قلنا من أن حيضها غير
مانع من صحة الإيلاء، لأن غايته أنه مانع شرعي، وإلا لزم أن لا يصح في مسألة
الإحرام كما قدمناه. قوله: (أو صغرها) أما صغره فهو مانع من صحة الإيلاء كما
قدمناه. قوله: (أو رتقها) رتقت المرأة من باب تعب فهي رتقاء: إذا انسدّ مدخل الذكر
من فرجها ولا يستطاع جماعها. مصباح. قوله: (أو جبه أو عنته) أي كونه مجبوباً أو
عنيناً. قوله: (أو بمسافة الخ) عطف على قوله: ((لمرض)). قوله: (في مدة الإبلاء) أي
أربعة أشهر أو أكثر كما صرح به في الفتح وكافي الحاكم الشهيد؛ وقال: وإن كان أقل
من أربعة أشهر لم يجز الفيء إلا بالجماع: أي وإن منعه سلطان أو عدوّ ولأنه نادر على
شرف الزوال كما في الفتح. قوله: (أو لحبسه الخ) قال في الفتح: واختلف في
الحبس، فصحح الفيء باللسان بسببه في البدائع، وفي شرح الطحاوي خلافه وهو
جواب الرواية، نص عليه الحاكم في الكافي؛ ووفق في البدائع بحمل ما في الكافي
وشرح الطحاوي على إمكان الوصول إلى السجن بأن تدخل عليه فيجامعها والحبس
بحق لا يعتبر في الفيء باللسان ويظلم يعتبر اهـ. فما ذكره الشارح هو التوفيق المذكور.
وأفاد في الفتح بقوله: والحبس بحق الخ، أن هذا الخلاف والتوفيق إنما هو فيما
إذا كان الحبس بظلم، فلو بحق لا يعتبر أصلاً لأنه قادر على الخروج منه بإيفاء الحق،
ويحتمل أن يكون إشارة إلى توفيق آخر، وعليه مشى المقدسي. قوله: (فليراجع)
قال ح: راجعناه فرأيناه منقولًا في الفتاوى الهندية عن غاية السروجي. قلت: ولقد أبعد
في النجعة (١) فإنه مذكور في الفتح كما سمعته. قوله: (وكذا حبسها) أي سواء كان
بحق أو بظلم، لأن العذر إذا لم يكن منه لم يقدر على رفعه. رحمتي. قوله:
(ونشوزها) قال في البحر: ودخل تحت العجز أن تكون ممتنعة منه، أو كانت في مكان
لا يعرفه وهي ناشزة، أو حال القاضي بينهما لشهادة الطلاق الثلاث للتزكية. قوله:
(ففيؤه الخ) أي المبطل للإيلاء في حق الطلاق، أما في حق بقاء اليمين باعتبار الحنث
فلا، حتى لو وطئها بعد الفيء باللسان في مدة الإيلاء لزمه كفارة لتحقق الحنث. بحر
لأن اليمين لا تنحل إلا بالحنث، والحنث إنما يحصل بفعل المحلوف عليه، والقول
ليس محلوفاً عليه فلا تنحل اليمين. بدائع. قوله: (بلسانه) قيد به لأن المريض لوفاء
(١) النجعة: اسم من الانتجاع، وهو طلب الكلام، ومنه أبعد من النجعة، كذا في المغرب.

٧٣
كتاب الطلاق/ باب الإيلاء
رجعت عما قلت ونحوه، لأنه آذاها بالمنع فيرضيها بالوعد (فإن قدر على الجماع
في المدة ففيؤه الوطء في الفرج) لأنه الأصل (فإن وطئ في غيره) كدبر (لا)
یکون فیئاً، ومفاده اشتراط دوام العجز من وقعت الإيلاء إلى مضيّ مدته،
بقلبه لا بلسانه لا يعتبر. بحر عن الخانية. وقيل يعتبر إن صدّقته والأول أوجه. فتح.
قوله: (ونحوه) كرجعتك وارتجعتك، فقول المصنف نحو: ((قوله الخ)) لبيان أن لفظ
فئت غير قيد، وقول الشارح هنا ((ونحوه)) لبيان أنه لم يستوف ألفاظه، لأن المراد يدل
على الفيء فافهم. قوله: (فإن قدر على الجماع الخ) شمل ما إذا كان قادراً وقت
الإيلاء ثم عجز بشرط أن يمضي زمن يقدر على وطئها بعد الإيلاء، وما إذا كان عاجزاً
وقته ثم قدر في المدة، وقيد بكونه في المدة لأنه لو قدر عليه بعدها لا يبطل. بحر.
قوله: (لأنه الأصل) أي واللسان خلفه، وإذا قدر على الأصل قبل حصول المقصود
بالبدل بطل كالمتيمم إذا رأى الماء في صلاته. بحر. قوله: (فإن وطىء في غيره) كذا
إذا وطئها حال الحيض أو قبلها بشهوة أو لمسها أو نظر إلى فرجها بشهوة كما في
الهندية ط .
قلت: لكن الذي في الهندية خلاف ما نقله عنها في مسألة الحيض، ونصها:
المريض المولى إذا جامع امرأته فيما دون الفرج لا يكون ذلك فيئاً منه، وإن قربها في
حالة الحيض يكون فيئاً، كذا في الظهيرية اهـ. ويؤيده ما قدمناه عن التاترخانية من
صحة الفيء بالوطء حال الإحرام، فإن المانع الشرعي موجود في كل منهما، فافهم.
قوله: (ومفاده الخ) أي مفاد قوله فإن قدر على الجماع الخ أنه يشترط لصحة الفيء
باللسان دوام العجز.
قلت: ومفاد هذا الشرط أنه لو زال العجز بطل الفيء باللسان وإن وجد في المدة
عجز غيره، لما في جامع الفصولين في طلاق المريض: إذا آلى مريض ثم مرضت
امرأته قبل برئه ثم برئ وبقيت مريضة إلى مضيّ المدة، فإن فيئه بجماع عندنا، وعند
زفر بلسانه .
لنا أنه اختلف سبب الرخصة، إذ كلا المرضين يوجب جواز الفيء بلسانه،
واختلاف أسباب الرخصة يمنع الاحتساب بالرخصة الأولى على الثانية، وتصير الأولى
كأن لم تكن، كمسافر تيمم لعدم الماء ثم مرض مرضاً يبيح له التيمم بانفراده، كذا هنا
مرض المرأة يبيح الفيء بلسانه فلا يبني حكمه على مرض الزوج اهـح. وقد لخص
الشارح هذه العبارة في باب التيمم؛ لكن في الفتح والبدائع: ولو آلى إيلاء مؤبداً وهو
مريض وبانت بمضي المدة ثم صح وتزوجها هو مريض ففاء بلسانه لم يصح عندهما،

٧٤
كتاب الطلاق/ باب الإيلاء
وبه صرح في الملتقى. وفي الحاوي: آلى وهو صحيح ثم مرض لم يكن فيؤه
إلا الجماع. وبقي شرط ثالث ذكره في البدائع، وهو قيام النكاح وقت الفيء
باللسان، فلو أبانها ثم فاء بلسانه بقي الإيلاء.
(قال لامرأته أنت عليّ حرام)
وصح عند أبي يوسف، وهو الأصح على ما قالوا لأن الإيلاء وجد منه وهو مریض
وعاد حكمه وهو مريض، وفي زمان الصحة هي مبانة لا حق لها في الوراء فلا يعود
حكم الإيلاء فيه. ولهما أنه إذا صح في المدة الثانية فقد قدر على الجماع حقيقة فسقط
اعتبار الفيء باللسان في تلك المدة وإن كان لا يقدر على جماعها إلا بمعصية كما مر
فيما إذا كان محرماً اهـ. فهنا اختلف سبب الرخصة ولم يعتبر على قول أبي يوسف،
فتأمل. ولعل الجواب أن اختلاف أسباب الرخصة إنما يمنع الاحتساب بالرخصة الأولى
إذا اجتمع السبيان في وقت واحد، فإنه حينئذ يعتبر الأول ويلغو الثاني، فإذا زال الأول
لم يعتبر الثاني بعد الحكم بإلغائه، بخلاف ما إذا وجد الثاني بعد زوال الأول فإن الثاني
يعمل عمله لعدم ما يلغيه كما في المسألة الثانية، ويدل على ذلك أنهم لم يعللوا قول
الإمامين باختلاف أسباب الرخصة كما سمعت، فاغتنم هذا التحرير فإنه مفرد. قوله:
(وبه صرح في الملتقى) قلت: وكذا في البدائع. قوله: (وفي الحاوي الخ) من فروع
الشرط المذكور كما في البدائع. قوله: (ثم مرض) أي بعد مضي مدة من صحته يقدر
فيها على الجماع، فإن كان لا يقدر لقصرها ففيؤه بالقول، لأنه ليس بمفرط في ترك
الجماع فكان معذوراً. بدائع. قوله: (وبقي شرط ثالث) أي زائد على ما مر من اشتراط
العجز واشتراط دوامه. قوله: (وهو قيام النكاح) بأن تكون زوجته غير بائنة منه. قوله:
(بقي الإيلاء) فإن تزوجها ومضت المدة تبين منه؛ لأن الفيء بالقول حال قيام النكاح
إنما يرفع الإيلاء في حق حكم الطلاق لحصول إيفاء حقها به ولا حق لها حال البينونة.
بخلاف الفيء بالجماع فإنه يصح بعد ثبوت البينونة حتى لا يبقى الإيلاء بل يبطل، لأنه
حنث بالوطء فانحلت اليمين وبطلت ولم يوجد الحنث، وها هنا لا تنحلّ اليمين ولا
يرتفع الإيلاء. بدائع.
مَطْلَبٌ فِي قَوْلَهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ
قوله: (قال لامرأته أنت عليّ حرام: إيلاء إن نوى التحريم الخ) أقول: هكذا عبارة
المتون هنا، وعبارتها في كتاب الأيمان: كل حلّ عليّ حرام، فهو على الطعام والشراب،
والفتوى على أنه تبين امرأته من غير نية. وذكر في الهداية هناك أنه ينصرف إلى الطعام
والشراب للعرف، فإنه يستعمل فيما يتناول عادة، فيحنث إذا أكل وشرب ولا يتناول
المرأة إلا بالنية، وإذا نواها كان إيلاء، ولا تصرف اليمين عن المأكول والمشروب، وهذا

٧٥
كتاب الطلاق/ باب الإبلاء
ونحو ذلك كأنت معي في الحرام (إيلاء إن نوى التحريم أو لم ينو شيئاً، وظهار
إن نواه، وهدر إن نوى الكذب) وذا ديانة، وأما قضاء فإيلاء. قهستاني (وتطليقة
كله جواب ظاهر الرواية. ثم ذكر اختيار المشايخ المتأخرين أنه تبين امرأته بلا نية.
وحاصله أن ظاهر الرواية انصرافه للطعام والشراب عرفاً، وإذا نوى تحريم المرأة
لا يختص بها، بل يصير شاملًا لها وللطعام والشراب، وبه ظهر أن ما هنا من التفصيل
بين نية تحريم المرأة أو الظهار أو الكذب أو الطلاق خاص بما إذا لم يكن اللفظ عاماً،
بخلاف ما إذا كان عاماً مثل كل حل أو حلال الله أو حلال المسلمين فإنه ينصرف
للطعام والشراب بلانية للعرف، وللمرأة أيضاً إن نواها، والفتوى على قول المتأخرين
بانصرافه إلى الطلاق البائن عاماً كان أو خاصاً، فاغتنم هذا التحرير. قوله: (ونحو
ذلك) أي من الألفاظ الخاصة كما علمت. قوله: (إيلاء الخ) أي مطلق في معنى
المؤبد وقد مر حكمه. قال في الدر: فإن هذا اللفظ مجمل فكان بيانه إلى المجمل، فإن
قال: أردت به التحريم أو لم أرد به شيئاً كان يميناً ويصير به مولياً، لأن تحريم الحلال
يمين. قوله: (وظهار إن نواه) لأن في الظهار حرمة، فإذا نواه صح لأنه محتمله. درر.
قوله: (وهدر) بالتحريك أي باطل. قوله: (إن نوى الكذب) لأنه نوى حقيقة كلامه، إذ
حقيقته وصفها بالحرمة وهي موصوفة بالحل فكان كذباً.
وأورد: لو كان حقيقة كلامه لانصرف إليه بلا نية مع أنه بلا نية ينصرف إلى
اليمين. والجواب أن هذه حقيقة أولى فلا تنال إلا بالنية واليمين، الحقيقة الثانية
بواسطة الاشتهار. بحر عن الفتح. وحاصله أن الأولى حقيقة لغوية والثانية عرفية.
قوله: (وأما قضاء فإيلاء) أي لا يصدق في القضاء أنه أراد الكذب، لأن تحريم الحلال
يمين بالنص، هذا قول شمس الأئمة السرخسي. قال في الفتح وهذا هو الصواب على
ما عليه العمل والفتوى كما سنذكره، والأول قول الحلواني وهو ظاهر الرواية، لكن
الفتوى على العرف الحادث اهـ.
وحاصله أن فيه عرفين: عرف أصلي وهو كونه يميناً بمعنى الإيلاء. وعرف
حادث وهو إرادة الطلاق. وما قاله شمس الأئمة من أنه لا يصدق في القضاء، بل يكون
إيلاء مبني على العرف الأصلي، والفتوى على العرف الحادث، لأن كلام كل عاقد
وحالف ونحوه يحمل على عرفه وإن خالف ظاهر الرواية، كما قالوا من أن الحاكم أو
المفتي ليس له أن يحكم أو يفتي بظاهر الرواية ويترك العرف، فكذا الصواب ما قاله
شمس الأئمة من أنه لا يصدق قضاء، ولكن حمله على الإيلاء ليس هو الصواب في

٧٦
كتاب الطلاق/ باب الإيلاء
بائنة) إن نوى الطلاق وثلاث إن نواها، ويفتي بأنه طلاق بائن وإن لم ينوه) لغلبة
العرف،
زماننا، بل الصواب حمله على الطلاق لأنه العرف الحادث المفتى به، فقوله في الفتح:
وهذا هو الصواب على ما عليه العمل والفتوى احتراز عن إرادة (١) اليمين: أي الإيلاء
الذي هو العرف الأصلي، وبهذا التقرير سقط ما في البحر والنهر من أن فيه نظراً، لأن
العمل والفتوى إنما هو في انصرافه إلى الطلاق من غير نية لا في كونه يميناً اهـ. قوله:
(إن نوى الطلاق) أي أو دلت عليه الحال. نهر: أي بأن كان في حال مذاكرة الطلاق،
أما في حالة الرضا أو الغضب فلا بد من النية لأنه مما يصلح سباً كما مر في الكنايات،
فافهم. وشمل نية الطلاق ما إذا نوى واحدة أو ثنتين في الحرة وما إذا طلقها واحدة ثم
قال أنت عليّ حرام ناوياً ثنتين فإنه وإن تم به الثلاث يقع بالحرام إلا واحدة كما في
البحر، وسيأتي في الفروع آخر الباب خلافاً لما يوهمه كلام الفتح من أنه لا يقع به شيء
كما سنذكره. قوله: (وثلاث إن نواها) لأن هذا اللفظ من الكنايات على ما مر وفيها
تصح نية الثلاث. نهر. ولا تصح نية الثنتين لأنهما عدد محض كما مر إلا إذا كانت أمة.
قوله: (وإن لم ينوه) هذا في القضاء، وإما في الديانة فلا يقع ما لو ينو، وعدم نية
الطلاق صادق بعدم نية شيء أصلاً وبنية الظهار أو الإيلاء، فإنه لا يصدق قضاء كما
صرح به الزيلعي، حيث قال: وعن هذا لو نوى غيره لا يصدق قضاء ح.
قلت: الظاهر أنه إذا لم ينو شيئاً أصلاً يقع ديانة أيضاً. قال في البحر: وذكر
الإمام ظهير الدين: لا نقول لا تشترط النية لكن يجعل ناوياً عرفاً اهـ. وفي الفتح:
فصار كما إذا تلفظ بطلاقها لا يصدق في القضاء بل فيما بينه وبين الله تعالى اهـ. فهذا
ظاهر فيما قلنا، فافهم. قوله: (لغلبة العرف) إشارة إلى ما في البحر؛ حيث قال: فإن
قلت إذا وقع الطلاق بلا نية ينبغي أن يكون كالصريح فيكون الواقع به رجعياً. قلت:
المتعارف به إيقاع البائن، كذا في البزازية اهـ.
أقول: وفي هذا الجواب نظر، فإنه يقتضي أنه لو لم يتعارف به إيقاع البائن يقع
به الرجعي كما في زماننا، فإن المتعارف الآن استعمال الحرام في الطلاق، ولا يميزون
بين الرجعي والبائن فضلاً عن أن يكون عرفهم فيه البائن، وعلى هذا فالتعليل بغلبة
(١) في ط (قوله احتراز عن إرادة الخ) لعل هذا سبق قلم، وأصل العبارة احتراز عن تصديقه في نية الكذب
كما يدل عليه سياق الكلام. وقد أبقى شيخنا العبارة على حالها، وأفاد أن قول المحشي ((احتراز عن إرادة
اليمين)) معناه: أنه احتراز عن قول السرخسي: وحمل مرجع الضمير في قول الكمال، وهذا هو الصواب
على قول ذكره أولاً ولم يذكره المحشي هنا. قال: ويدل عليه قول الكمال: ((على ما عليه العمل والفتوى))
فإن ما عليه الفتوى والعمل إنما هو الحكم بالطلاق لا الإيلاء.

٧٧
كتاب الطلاق/ باب الإبلاء
ولذا لا يحلف به إلا الرجال، ولو لم تكن له امرأة.
العرف لوقوع الطلاق به بلانية، وأما كونه، بائناً فلأنه مقتضى لفظ الحرام، لأن
الرجعي لا يحرم الزوجة ما دامت في العدة، وإنما يصح وصفها بالحرام بالبائن، وهذا
حاصل ما بسطناه في الكنايات، فافهم.
تنبيه قال الخير الرملي في حاشية المنح في کتاب الأيمان: أقول أکثر عوام بلادنا
لا يقصدون بقولهم أنت محرمة عليّ أو حرام عليّ أو حرمتك عليّ إلا حرمة الوطء
المقابل لحله، ولذلك أكثرهم يضرب مدة لتحريمها، ولا يريد قطعاً إلا تحريم الجماع
إلى هذه المدة، ولا شك أنه يمين موجب للإيلاء. تأمل. فقلّ من حقق هذه المسألة
على وجهها، وانظر إلى قولهم لا نقول لا تشترط النية، لكن يجعل ناوياً عرفاً، فهو
صريح في اعتبار العرف، فإن لم يكن العرف كذلك بل كان مشتركاً تعين اعتبار النية
وتصديق الحالف كما هو مذهب المتقدمین اهـ.
وفي أيمان الفتح: وقال البزدوي في مبسوطه: لم يتضح لي عرف الناس في
هذا: أي في كل حل عليّ حرام، لأن من لا امرأة به يحلف به كما يحلف ذو الحليلة،
ولو كان العرف مستفيضاً في ذلك لما استعمله إلا ذو الحليلة، فالصحيح أن نقول إن
نوى الطلاق يكون طلاقاً، فأما من غير دلالة فالاحتياط أن يقف الإنسان فيه ولا يخالف
المتقدمین.
واعلم أن مثل هذا اللفظ لم يتعارف في ديارنا، بل المتعارف فيه حرام عليّ
كلامك ونحوه كأكل كذا ولبسه دون الصيغة العامة، وتعارفوا أيضاً: الحرام يلزمني،
ولا شك في أنهم يريدون الطلاق معلقاً فإنهم يزيدون بعده لا أفعل كذا فهي طلاق،
ويجب إمضاؤه عليهم.
والحاصل أن المعتبر في انصراف هذه الألفاظ عربية أو فارسية إلى معنى بلانية
التعارف فيه، فإن لم يتعارف سئل عن نيته، وفيما ينصرف بلا نية لو قال أردت غيره
يصدق ديانة لا قضاء اهـ مافي الفتح، وتبعه في البحر.
قلت: والمتعارف في ديارنا إرادة الطلاق بقولهم عليّ الحرام لا أفعل كذا دون
غيره من الألفاظ المذكورة. قوله: (ولذا لا يحلف به إلا الرجال) أي حيث يقال: إن
فعلت كذا فكل حلال عليه حرام. قوله: (ولو لم تكن له امرأة) قال في البزازية: وفي
المواضع التي يقع الطلاق بلفظ الحرام إن لم تكن له امرأة إن حنث لزمته الكفارة،
والنسفى على أنه لا تلزمه اهـ. ومثله في البحر.
قلت: وفي الظهيرية ما يفيد التوفيق فإنه قال: وإن حلف بهذا اللفظ أنه ما كان

٧٨
كتاب الطلاق/ باب الإيلاء
أو حلفت به المرأة كان يميناً، كما لو ماتت أو بانت لا إلى عدة ثم وجد الشرط
لم تطلق امرأته المتزوجة، به يفتى لصيرورتها يميناً ولا تنقلب طلاقاً، ومثله أنت
معي في الحرام، والحرام يلزمني، وحرمتك عليّ، وأنت محرمة، أو حرام عليّ
أو لم يقل عليّ، وأنا عليك حرام، أو محرم،
فعل كذا، وقد كان فعل ولم تكن له امرأة لا يلزمه شيء لأنه جعل يميناً بالطلاق، ولو
جعلناه يميناً بالله تعالى فهو غموس، وإن حلف على أمر في المستقبل ففعل وليس له
امرأة كان عليه الكفارة، لأن تحريم الحلال يمين اهـ. فيحمل كلام النسفي على الحلف
على غير المستقبل.
وبما قررناه ظهر لك أن ما في أيمان النهاية عن النوازل إن لم تكن له امرأة تلزمه
الكفارة، معناه إذا حلف على أنه لا يفعل كذا في المستقبل وحنث بفعله، لا كما حمله
عليه في البحر هناك من أن معناه إذا أكل أو شرب وقال لانصرافه عند عدم الزوجة إلى
الطعام والشراب اهـ. لأن انصرافه إلى ذلك قبل تغير العرف بإرادة الطلاق من لفظ
الحرام، أما بعده فيصير يميناً عند عدم الزوجة كما سمعت من كلامهم، ويأتي قريباً
ا مثله. قوله: (أو حلفت به المرأة) قال في البحر: قيد بالزوج؛ لأن الزوجة لو قالت
لزوجها أنا عليك حرام أو حرّمتك صار يميناً، حتى لو جامعها طائعة أو مكرهة
تحنث اهـ. وقوله طائعة أو مكرهة أولى من قول الفتح: فلو مكنته حنثت وكفرت.
قوله: (كما لو ماتت الخ) نص عبارة البزازية: وإذا كان له امرأة وقت الحلف وماتت
قبل الشرط أو بانت لا إلى عدة ثم باشر الشرط الصحيح أنه لا تطلق امرأته المتزوجة،
وعليه الفتوى، لأن حلفه صار حلفاً بالله تعالى وقت الوجود فلا ينقلب طلاقاً اهـ.
وهكذا نقل العبارة في البحر عن البزازية. ولا يخفى أن التعليل لا يناسب ما قبله، وفي
العبارة سقط يدل عليه ما نقله عن الخانية ونصه: وإن كان له امرأة وقت اليمين فماتت
قبل الشرط أو بانت لا إلى عدة ثم باشر الشرط لا تلزمه كفارة اليمين، لأن يمينه
انصرفت إلى الطلاق وقت وجودها، وإن لم تكن له امرأة وقت اليمين فتزوج امرأة ثم
باشر الشرط اختلفوا فيه. قال الفقيه أو جعفر: تبين المتزوجة. وقال غيره: لا تطلق،
وعليه الفتوى لأن يمينه جعلت يميناً بالله تعالى وقت وجودها فلا تصير طلاقاً بعد
ذلك اهـ.
قلت: ومثله في أيمان البحر عن الظهيرية، فقد سقط من عبارة البزازية قوله: ثم
باشر الشرط إلى قوله ثانياً ثم باشر الشرط. قوله: (ومثله) أي مثل أنت عليّ حرام،
والأولى ذكر هذه الجملة عند أول المسألة كما فعل في النهر. قوله: (والحرام يلزمني)
هذا ذكره في الفتح كما قدمناه، ومثله عليّ الحرام كما مر. قوله: (أو لم يقل عليّ)

٧٩
كتاب الطلاق/ باب الإيلاء
أو حرّمت نفسي عليك، أو أنت علي كالحمار أو كالخنزير. بزازية.
(ولو كان له) أربع (نسوة) والمسألة بحالها (وقع على كل واحدة منهن
طلقة) بائنة (وقيل تطلق واحدة منهن) وإليه البيان كما مر في الصريح (وهو
الأظهر) والأشبه. ذكره الزيلعي والبزازي وغيرهما. وقال الكمال: الأشبه عندي
الأول، وبه جزم صاحب البحر في فتاواه، وصححه في جواهر الفتاوى، وأقرّه
رد على صاحب خزانة الأكمل حيث اشترطه كما أوضحه في البحر عن القنية، وقدمناه
في الكنايات عن البحر أنه إذا أضاف الحرمة أو البينونة إليها كأنت بائن أو حرام وقع
من غير إضافة إليه، وإن إضاف إلى نفسه كأنا حرام أو بائن لا يقع من غير إضافة إليها،
وإن خيرها فأجابت بالحرمة أو البينونة فلا بد من الجمع بين الإضافتين: أنت حرام
عليّ أو أنا حرام عليك، أنت بائن مني أو أنا بائن منك اهـ. قوله: (أو حَرمت نفسي
عليك) في هذا يشترط أن يقول عليك. نهر. لأنه أضاف الحرمة إلى نفسه. قال في
البزازية: حتى لو قال حرمت نفسي ولم يقل عليك ونوى الطلاق لا يقع. قوله: (أو
أنت عليّ كالحمار الخ) قال في البزازية: وإن قال أنت عليّ كالحمار والخنزير أو ما
كان محرم العين فهو كقوله أنت عليّ حرام. وإن لم ينو هل يكون يميناً؟ فقد اختلفوا
فيه اه .. ومقتضاه أنه لو لم ينو الطلاق لا يكون طلاقاً لعدم العرف، بخلاف أنت عليّ
حرام فإن العرف فيه قام مقام النية كما مر، فافهم. قوله: (والمسألة بحالها) سيأتي عن
النهر بيانه. قوله: (كما مر في الصريح) أي في باب طلاق غير المدخول بها أنه لو
طلق بالصريح كقوله امرأتي طالق وله أربع مثلاً يقع على واحدة منهن بلا حكاية
خلاف، وقدمنا بسطه هناك. قوله: (ذكره الزيلعي) الضمير عائد إلى المذكور متناً
وشرحاً من قوله: ((ولو كان له الخ)). قوله: (وقال الكمال) عبارته: وفي الفتاوى: لو
قال لامرأته أنت عليّ حرام أو حلال الله عليّ حرام فهذا على ثلاثة أوجه، إلى أن قال:
وإن كان له أربع طلقت كل واحدة طلقة، وعلى فتوى الأوزجندي والإمام مسعود
الكشاني تقع واحدة، وإليه البيان. قال في الذخيرة: والخلاصة هو الأشبه.
وعندي أن الأشبه ما في الفتاوى، لأن قوله حلال الله أو حلال المسلمين يعم كل
زوجة، فإذا كان فيه عرف في الطلاق يكون بمنزلة قوله هن طوالق، لأن حلال الله
يشملهن على سبيل الاستغراق لا على سبيل البدل كما في قوله إحداكن طالق اهـ.
وأنت خبير بأن تعليله صريح في أن محل الخلاف والترجيح هو اللفظ العام لا الخاص
كأنت عليّ حرام، وإن كان مذكوراً في عبارة الفتاوى، إذ لا يخفى على أحد أنه لا
يدخل فيه سوى المخاطبة، فليس النزاع فيه كما يأتي عن النهر: ويدل على ذلك أيضاً

٨٠
كتاب الطلاق/ باب الإيلاء
المصنف في شرحه لكن في النهر يجب أن يكون معنى قول الزيلعي والمسألة
بحالها: يعني التحريم لا بقيد أنت عليّ حرام مخاطباً لواحدة كما في المتن، بل
يجب فيه أن لا يقع إلا على المخاطبة اهـ.
قلت: يعني بخلاف حلال الله أو حلال المسلمين فإنه يعم، وبه يحصل
التوفيق فليحفظ.
أنه في الذخيرة قد حكى الخلاف المذكور في حلال المسلمين عليّ حرام، كذا في
البزازية. قوله: (لكن في النهر الخ) استدراك على ما مر من («قول الزيلعي والمسألة
بحالها)) فإنه يوهم أن المراد المسألة المذكورة قبله في الكنز، وهي: أنت عليّ حرام،
مع أن هذا لا يمكن جريان الخلاف فيه، فيجب كون المراد الإتيان بلفظ حرام، لكن لا
بالخطاب مع واحدة كما وقع في المتن، بل على وجه عام كحلال الله أو حلال
المسلمين عليّ حرام، فإن هذا هو محل النزاع كما علمته من عبارة الكمال. قوله:
(قلت الخ) بيان لقول النهر ((لا بقيد أنت عليّ حرام الخ)). وحاصله أنه ليس مراد
الزيلعي اللفظ الخاص بل العام كما قلنا. قوله: (وبه يحصل التوفيق) أي بما ذكره في
النهر وذلك بحمل القول بأنه يقع على كل واحدة منهم طلقة على ما إذا كان اللفظ
عاماً، والقول بأنه تطلق واحدة منهن فقط على ما إذا كان اللفظ خاصاً، هذا هو المتبادر
من كلام الشارح ولا يخفى ما فيه، فإن الزيلعي قد ذكر الخلاف، وقد حملنا كلامه
على أن مراده ما إذا كان اللفظ عاماً فيكون الخلاف فيه، وهو صريح كلام الفتح
والذخيرة والبزازية كما علمت. وأيضاً كيف يصح في أنت عليّ حرام أن يقال يقع على
واحدة من الأربع وإليه البيان؟ بل لا يقع إلا على المخاطبة فقط.
وأما ما ذكره الشارح في باب طلاق غير المدخول بها من حمله كلام الزيلعي
على نحو امرأتي عليّ حرام، وتفرقته بينه وبين امرأتي طالق حيث جعل الخلاف
المذكور جارياً في الأول دون الثاني، وعزاه هناك إلى المصنف فقد ذكرنا هناك أنه
مخالف لكلام المصنف، فإن المصنف حمل كلام الزيلعي على حلال المسلمين،
وحققنا هناك عدم الفرق بين قوله امرأتي حرام وامرأتي طالق، وأنه في كل منهما يقع
على واحدة وإليه البيان. لأن لفظ امرأتي عمومه بدلي يصدق على واحدة منهن لا
بعينها، بخلاف حلال المسلمين فإن عمومه استغراقي يعم الكل دفعة واحدة، وإذا كان
لا خلاف في قوله امرأتي طالق في أنه لا يقع إلا على واحدة يقال مثله في امرأتي
حرام، وكون أحدهما صريحاً والآخر كناية لا يوجب الفرق، ومن ادعاه فعليه البيان.
والحاصل أنه لا خلاف في إنّ أنت عليه حرام يخص المخاطبة، وفي أن كل حل