النص المفهرس

صفحات 621-640

٦٢١
كتاب الطلاق / بَابُ التَّعْلِيقِ
أولا) كإن جاء زيد وبكر فأنت كذا (يقع) المعلق (إن وجد) الشرط (الثاني في
الملك وإلا لا) لاشتراط الملك حالة الحنث، والمسألة رباعية.
(علق الثلاث أو العتق) لأمته (بالوطء) حنث بالتقاء الختانين و(لم يجب)
عليه (العقر) في المسألتين (باللبث) بعد الإيلاج،
المتعلقة بالكلام، فإذا كلمت يقع وإلا بإن دخلت بعد الطلاق والعدة لم يصح وإن
كلمت، وإذا دخلت الدار في العدة وكلمت فيها طلقت.
مَطْلَبٌ لَوْ تَكَرَّرَتْ أَدَاةُ الشَّرْطِ بِلَ عَطْفٍ فَهُوَ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ
والحاصل أنه إذا كرّر أداء الشرط بلا عطف توقف الوقوع على وجودهما، لكن إن
قدم الجزاء عليهما أو أخره فالملك يشترط عند آخرهما وهو الملفوظ به أولاً على
التقديم والتأخير، وإن وسطه فلا بد من الملك عندهما، وإن كان بالعطف توقف على
أحدهما قدم الجزاء أو وسطه، فإن أخره توقف عليهما، وإن لم يكرر أداة الشرط فلا بد
من وجود الشيئين قدم الجزاء عليهما أو أخره. بحر ملخصاً. وتمامه فيه. قوله: (أولاً)
عطف على حقيقة.
قال في البحر: وأما الثاني: أعني ما ليسا شرطين حقيقة، وهو أن يكون فعلًا
متعلقاً بشيئين من حيث هو متعلق بهما نحو: إن دخلت هذه الدار وهذه، أو إن كلمت
أبا عمرو وأبا يوسف فكذا فإنهما شرط واحد، إلا أن ينوي الوقوع بأحدهما فاشتمال ط
للوقوع قيام الملك عند آخرهما، وكذا إذا كان فعلاً قائماً باثنين من حيث هو قائم بهما
نحو: إن جاء زيد وعمرو فكذا فإن الشرط مجيئهما اهـ. قوله: (إن وجد الشرط الثاني في
الملك) احتراز عن الشرط الأول فإنه على التفصيل كما علمت. وأما أصل التعليق
فشرط صحته الملك أو الإضافة إليه كما مر أول الباب، فالكلام فيما بعد صحة
التعليق. قوله: (والمسألة رباعية) لأنهما إما أن يوجدا في الملك أو خارجه أو الأول
فقط في الملك أو العكس، فإن كان الثاني في الملك وقع الطلاق سواء كان في الملك
أو لا، وإن كان الثاني خارج الملك لا يقع، سواء كان الأول في الملك أو لا اهـح.
ففي قوله إذا جاء زيد وبكر فأنت طالق إذا جاءا معاً وهي في ملكه أو طلقها وانقضت
عدتها فجاء زيد ثم تزوّجها فجاء عمر وطلقت، وإن جاء بعد العدة قبل التزوّج أو جاء
زيد في العدة وعمرو بعدها قبل التزوّج لا تطلق. قوله: (ولم يجب عليه العقر) أشار
بنفي العقر فقط إلى ثبوت الحرمة باللبث فإن الواجب عليه النزع للحال. والعقر
بالضم: مهر المرأة إذا وطئت بشبهة، وبالفتح: الجرح كما في الصحاح. بحر. وقد مر
الكلام عليه في باب المهر. قوله: (باللبث) بفتح اللام وسكون الباء: المكث، من لبث
كسمع، وهو نادر. لأن المصدر من فعل بالكسر قياسه التحريك إذا لم يتعدّ. بحر عن

٦٢٢
كتاب الطلاق / بَابُ التَّعْلِيقِ
لأن اللبث ليس بوطء (و) لذا (لم يصر به مراجعاً في) الطلاق (الرجعي إلا إذا
أخرج ثم أولج ثانياً) حقيقة أو حكماً بأن حرّك نفسه فيصير مراجعاً بالحركة
الثانية، ويجب العقر لا الحدّ لاتحاد المجلس.
القاموس. قوله: (لأن اللبث ليس بوطء) لأن الوطء: أي الجماع إدخال الفرج في
الفرج ولیس له دوام حتى يكون لدوامه حكم ابتدائه، كمن حلف لا يدخل هذا الدار
وهو فيها لا يحنث باللبث. بحر. قوله: (لم يصر به مراجعاً) أي عند محمد لأنه فعل
واحد فليس لآخره حكم فعل على حدة. وقال أبو يوسف: يصير مراجعاً لوجود المس
بشهوة وهو القياس. نهر. قال في البحر: وجزم المصنف بقول محمد دليل على أنه
المختار، وقيل ينبغي أن يصير مراجعاً عند الكل لوجود المساس بشهوة، كذا في
المعراج. وينبغي تصحيح قول أبي يوسف لظهور دليله اهـ. قوله: (في الطلاق الرجعي)
أي فيما إذا كان المعلق على الوطء طلاقاً رجعياً. قوله: (حقيقة أو حكماً الخ) لا يصح
جعله تعميماً لقوله ((ثم أولج ثانياً)) بعد قوله ((إذا أخرج)) لأنه بعد الإخراج لا يمكنه
تحريك نفسه إلا بعد إيلاج ثان حقيقة فيصير مراجعاً بالإيلاج الثاني لا بالتحريك، فيتعين
جعله تعميماً لمجموع قوله ((أخرج ثم أولج)) وعلى كل فقوله ((فيصير مراجعاً بالحركة
الثانية)) لا وجه لتقييدها بالثانية، إلا أن أتصور المسألة بما إذا أولج فقال إن جامعتك
فأنت طالق فإنه كما قال في البحر: إذا لم ينزع ولم يتحرّك حتى أنزل لا تطلق، فإن
حرّك نفسه طلقت ويصير مراجعاً بالحركة الثانية. قوله: (ويجب العقر) أي فيما إذا علق
الثلاث أو عتق الأمة ط. لأن البضع المحترم لا يخلو عن عقر أو عقر. بحر. قوله:
(لاتحاد المجلس) أي لا يجب الحدّ بالإيلاج ثانياً وإن كان جماعاً، لما فيه من شبهة أنه
جماع واحد بالنظر إلى اتحاد المقصود وهو قضاء الشهوة في المجلس الواحد، وقد كان
أوله غير موجب للحد فلا يكون آخره موجباً له وإن قال ظننت أنها عليّ حرام.
وبهذا اندفع ما يقال: إنه ينبغي أن يجب الحد في العتق لأنه وطء لا في ملك ولا
في شبهته وهي العدة، بخلاف الطلاق لوجود العدة. أفاده في المعراج. لكن روي عن
محمد: لو زنى بامرأة ثم تزوجها في تلك الحالة، فإن لبث على ذلك ولم ينزع وجب
مهران: مهر بالوطء: أي لسقوط الحد بالعقد، ومهر بالعقد وإن لم يستأنف الإدخال
لأن دوامه على ذلك فوق الخلوة بعد العقد. قال في النهر: وهذا يشكل على ما مر إذ
قد جعل لآخر هذا الفعل الواحد حكم على حدة اهـ. وأجاب ح تبعاً للحموي بأن هذا
مرويّ عن محمد وذاك قوله ((فلا تنافي)).
واعترضه ط بما في البحر عقب هذه المسألة من أن تخصيص الرواية بمحمد لا
يدل على خلاف، بل لأنها رويت عنه دون غيره اهـ فتأمل.

٦٢٣
كتاب الطلاق / بَابُ التّعْلِيقِ
(لا تطلق) الجديدة (في) قوله للقديمة (إن نكحتها) أي فلانة (عليك فهي طالق إذا
نكح) فلانة (عليها في عدة البائن) لأن الشرط مشاركتها في القسم ولم يوجد.
(فلو) نكح (في عدة الرجعي) أو لم يقل عليك (طلقت) الجديدة. ذكره
مسكين، وقيده في النهر بحثاً بما إذا أراد رجعتها، وإلا فلا قسم لها كما مر.
(قال لها أنت طالق إن شاء الله
قلت: والجواب الحاسم للإشكال من أصله أن اعتبار آخر الفعل هنا من جهة
كونه لخلوة مقرّرة للمهر بل فوقها لا من جهة كونه وطأ، ولا يمكن اعتبار ذلك في
إيجاب الحدّ وثبوت الرجعة، لأن الخلوة لا توجب ذلك، فافهم. قوله: (لأن الشرط
الخ) عبارة البحر: لأن الشرط لم يوجد، لأن التزوج عليها أن يدخل عليها من ينازعها
في الفراش ومن يزاحمها في القسم ولم يوجد. قوله: (وقيده) أي قيد الطلاق إذا نكحها
في عدة الرجعي بما ذكر أخذاً من مفهوم التعليل، وقال: إن هذه واردة على المصنف:
يعني صاحب الكنز.
قلت: وقد يقال: إن المزاحمة في القسم موجودة حكماً وإن لم يرد مراجعتها
وقت الطلاق لاحتمال تغير الإرادة بعده بإرادة المراجعة؛ كما لو تزوجها في حال سفره
أو حال نشوز الأولى فإن الذي يظهر الوقوع وإن لم توجد المزاحمة حقيقة وقت
التزوج، فتأمل. قوله: (كما مر) أي في باب القسم ح.
مَطْلَبٌ: مَسَائِلُ الاسِْنَاءِ وَالْمَشِيئَّةِ
قوله: (قال لها الخ) شروع في مسائل الاستثناء، وعقد لها في الهداية فصلاً على
حدة. قال في الفتح: وألحق الاستثناء بالتعليق لاشتراكهما في منع الكلام من إثبات
موجبه، إلا أن الشرط يمنع الكل والاستثناء البعض. وقدم مسألة إن شاء الله لمشابهتها
الشرط في منع الكل، وذكر أداة التعليق ولكنه ليس على طريقة لأنه منع لا إلى غاية،
والشرط منع إلى غاية تحققه كما يفيده: أكرم بني تميم إن دخلوا، ولذا لم يورده في
بحث التعليقات، ولفظ الاستثناء اسم توقيفي، قال تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم ١٨]
أي لا يقولون إن شاء الله.
مَطْلَبٌ: الاسِْنَاءُ يَتْبِتُ حكِمُهُ فِي صِيَغِ الإِخْبَارِ لَا فِي الأَمْرِ وَالنَّهيٍ
وللمشاركة في الاسم أيضاً اتجه ذكره في فصل الاستثناء وإنما يثبت حكمه في
صيغ الإخبار وإن كان إنشاء إيجاب لا في الأمر والنهي؛ فلو قال أعتقوا عبدي من بعد
موتي إن شاء الله لا يعمل الاستثناء فلهم عتقه؛ ولو قال بع عبدي هذا إن شاء الله كان
للمأمور بيعه. وعن الحلواني: كل ما يختص باللسان يبطله الاستثناء كالطلاق والبيع،

٦٢٤
كتاب الطلاق / بَابُ التَّعْلِيقِ
متصلًا) إلا لتنفس أو سعال أو جشاء أو عطاس أو ثقل لسان أو إمساك فم أو
فاصل مفید لتأکید أو تکمیل أو حدّ أو طلاق، أو نداء
بخلاف ما لا يختص به كالصوم لا يرفعه، لو قال نويت صوم غد إن شاء الله تعالى له
أداؤه بتلك النية، كذا في الفتح؛ ومعنى قوله ((توقيفي)) أنه وارد في اللغة لا
الاصطلاحي فقط.
مَطْلَبٌ: الاسِْشِنَاءُ يُطْلَقُ عَلَى الشَّرْطِ لُغَةً وَأَسْتِعْمَالًا
وفي حاشية البيضاوي للخفاجي من سورة الكهف: الاستثناء يطلق على التقييد
بالشرط في اللغة والاستعمال كما نص عليه السيرافي في شرح الكتاب. قال الراغب:
الاستثناء رفع ما يوجبه عموم سابق كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَاأَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ
مُحرَّمَاً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّ أَنْ يَكُونَ مِيتَةً﴾ [الأنعام ١٤٥] أو رفع ما يوجبه اللفظ،
كقوله امرأتي طَالق إن شاء الله اهـ. وفي الحديث ((مَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ فَقَالَ: إِن
شَاءَ اللهِ فَقَد أَسْتَثْنَى)) (١) اهـ ويأتي الخلاف في أنه إبطال أو تعليق. قوله: (متصلًا) احتراز
عن المنفصل، بأن وجد بين اللفظين فاصل من سكوت بلا ضرورة تنفس ونحوه أو من
كلام لغو كما يأتي، وقيد في الفتح السكوت بالكثير.
مَطْلَبْ: قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ ثَلَاثاً تَقَعُ وَاحِدَةٌ
وفي الخانية قال لزوجته أنت طالق وسكت ثم قال ثلاثاً، وإن كان سكوته
لانقطاع النفس تطلق ثلاثاً، وإلا تقع واحدة. وفي أيمان البزازية: أخذه الوالي وقال بالله
فقال مثله، ثم قال لتأتينّ يوم الجمعة فقال الرجل مثله فلم يأت لم يحنث، لأنه
بالحكاية والسكوت صار فاصلاً بين اسم الله تعالى وحلفه، وكذا فيما لو كان الحلف
بالطلاق اهـ. قوله: (إلا لتنفس) أي وإن كان له منه بد، بخلاف ما لو سكت قدر النفس
ثم استثنى لا يصح الاستثناء للفصل، كذا في الفتح. فعلم أن السكوت قدر النفس بلا
تنفس كثير، وأن السكوت للتنفس ولو بلا ضرورة. قوله: (أو إمساك فم) أي إذا أتى
بالاستثناء عقب رفع اليد عن فمه. قوله: (لتأكيد) نحو أنت طالق طالق إن شاء الله إذا
قصد التأكيد فإنه تقدم في الفروع قبيل الكنايات أنه لو كرّر لفظ الطلاق وقع الكل، فإن
نوى التأكيد دين اهـ. وكذا أنت حرّ حرّ إن شاء الله كما في البحرح. ويأتي تمام الكلام
على ذلك. قوله: (أو تكميل) نحو أنت طالق واحدة وثلاثاً إن شاء الله، بخلاف ثلاثاً
وواحدة إن شاء الله فيقع الثلاث كما في البحر، لأن ذكر الواحدة بعد الثلاث لغو،
(١) أخرجه الدارمي ١٨٥/٢، والترمذي ١٥٣١، ١٥٣٢، وأبو داود في كتاب النذور باب (١١) وابن ماجه
(٢١٠٤) وأحمد ١٠/٢ والطحاوي في المشكل ٢٧٥/٢ والشافعي كما في البدائع (١٢/١) والحاكم ٤/
٣٠٣ والبيهقي ٤٦/١٠.

٦٢٥
كتاب الطلاق / بَابُ التَّعْلِيقِ
كأنت طالق يا زانية أو يا طالق إن شاء الله صح الاستثناء. بزازية وخانية. بخلاف
الفاصل اللغو كأنت طالق رجعياً إن شاء الله وقع وبائناً لا يقع؛ ولو قال: رجعياً
أو بائناً يقع بنية البائن لا الرجعي. قنية، وقوّاه في النهر
بخلاف العكس. قوله: (كأنت طالق با زانية أو يا طالق إن شاء الله) مثالان: المفيد
الحد، والطلاق على سبيل النشر المرتب.
قال في البحر: وفي البزازية أنت طالق ثلاثاً يا زانية إن شاء الله يقع، وصرف
الاستثناء إلى الوصف، وكذا أنت طالق يا طالق إن شاء الله، وكذا أنت طالق يا صبية إن
شاء الله يصرف الاستثناء إلى الكل ولا يقع الطلاق، كأنه قال يا فلانة، والأصل عنده أن
المذكور في آخر الكلام إذا كان يقع به طلاق أو يلزمه حد، كقوله يا طالق يا زانية
فالاستثناء علی الکل اهـح.
أقول: في هذه العبارة تحريف وسقط، فالأول في قوله: وكذا أنت طالق یا
صبية، فإن صوابه: ولو قال أنت طالق يا صبية الخ، كما عبر في الذخيرة لمخالفته
حكم ما قبله، والثاني في قوله: والأصل الخ، فإن قوله: فالاستثناء على الكل مخالف
لقوله قبله: يقع، وصرف الاستثناء إلى الوصف: أي يقع الطلاق بقوله أنت طالق؛
ويصرف الاستثناء إلى الوصف؛ أي ما وصفها به من قوله يا طالق يا زانية فلا يقع به
طلاق ولا يلزمه حدّ؛ فالصواب قوله في الذخيرة: والأصل أن المذكور في آخر الكلام
إذا كان يقع به طلاق أو يجب به حدّ فالاستثناء عليه نحو قوله يا زانية أو يا طالق، وإن
كان لا يجب به حد ولا يقع به طلاق فالاستثناء على الكل نحو قوله يا خبيثة اهـ.
ثم اعلم أن هذا التفصيل نقله في الذخيرة بلفظ: وفي نوادر أبي الوليد عن أبي
يوسف الخ. ونقل قبله عن ظاهر الرواية انصراف الاستثناء إلى الكل بدون تفصيل
وقال: إنه الصحيح، ومثله في شرح تلخيص الجامع. فما مشى عليه في البزازية خلاف
الصحيح كما أوضحناه أول باب طلاق غير المدخول بها، ويوافقه قول الشارح هنا
((صح الاستثناء) فإن المتبادر منه انصراف الاستثناء إلى ذلك: أي الطلاق والوصف لا
إلى الوصف فقط، وحينئذ فلا يقع الطلاق ولا يلزمه حد ولا لعان، لكن هذا مخالف لما
مشى عليه في البزازية كما علمت فلا يناسب عزو الشارح المسألة إلى البزازية، فافهم.
قوله: (وقع) الأولى فإنه يقع، وإنما كان الفاصل هنا لغواً، لأنه لا فائدة في ذكر
الرجعي لكونه مدلول الصيغة شرعاً ط، وانظر لِمَ لم يجعل تأكيداً أو تفسيراً؟ كما قالوا
في حرّ حرّ أو حرّ وعتيق. قوله: (وقواه في النهر) اعلم أنه قال في القنية: لو قال أنت
طالق رجعياً أو بائناً إن شاء الله يسأل عن نيته، فإن عنى الرجعي لا يقع، وإن عنى البائن

٦٢٦
كتاب الطلاق / بَابُ التَّعْلِيقِ
(مسموعاً) بحيث لو قرّب شخص أذنه إلى فيه يسمع فصح استثناء الأصم.
خانية .
(لا يقع) للشك (وإن ماتت قبل قوله إن شاء الله) وإن مات يقع (ولا يشترط)
يقع ولا يعمل الاستثناء اهـ. قال في البحر: وصوابه إن عنى الرجعي يقع لعدم صحة
الاستثناء للفاصل، وإن عنى البائن لم يقع لصحة الاستثناء اهـ.
قال في النهر: أقول بل الصواب ما في القنية، وذلك أن معنى كلامه أنت طالق
أحد هذين، وبهذا لا يكون الرجعي لغواً وإن نواه، بخلاف ما إذا نوى البائن، وأما
البائن فلیس لغواً علی کل حال اهـ.
أقول:" لا يخفى ما في هذا الكلام من عدم الالتئام والتناقض التام. بيانه أن قوله:
وأما البائن فليس لغواً على كل حال يقتضي عدم الوقوع لصحة الاستثناء ومساواته
للرجعي الذي قال فيه إنه لا یکون لغواً وإن نواه، وحينئذ فلا يقع فيهما، وهو خلاف ما
في القنية، ومناقض لقوله: بخلاف ما إذا نوى البائن، فافهم، ولذا قال ح: إن الحق ما
في البحر، لأنه إذا نوى الرجعي فجملة أنت طالق تفيده، فكان قوله رجعياً أو بائناً الذي
هو بمعنی أحد هذين لغواً، بخلاف ما إذا نوی البائن فإن تلك الجملة لا تفيده فلم یکن
قوله رجعياً أو بائناً لغواً.
فإن قلت: لما نوى البائن كان قوله رجعياً لغواً إذا كان يكفيه أن يقول أنت طالق
بائناً. قلت: هو تركيب صحیح لغة وشرعاً، كما في إحدى امرأتيّ طالق، وحيث كان
مقصوده البائن وكان قوله أنت طالق غير مفيد للبائن، فهو خير بين أن يقول أنت طالق
رجعياً أو بائناً وينوي البائن، وبين أن يقول أنت طالق بائناً اهـ. قوله: (مسموعاً) هذا
عند الهندواني(١) وهو الصحيح كما في البدائع. وعند الكرخي ليس بشرط. قوله:
(بحيث الخ) أشار به إلى أن المراد بالمسموع ما شأنه أن يسمع وإن لم يسمعه المنشئ
لكثرة أصوات مثلا ط. قوله: (للشك) أي للشك في مشيئة الله تعالى الطلاق لعدم
الاطلاع عليها ح. قوله: (وإن ماتت قبل قوله إن شاء الله) لأن ما جرى تعليق لا تطليق،
وموتها لا ينافي التعليق لأنه مبطل، والموت أيضاً مبطل فلا يتنافيان، فيكون الاستثناء
صحيحاً فلا يقع عليها الطلاق، كذا في التبيين ح. قوله: (وإن مات يقع) أي إذا مات
الزوج وهو یریده یقع لأنه لم يتصل به الاستثناء وتعلم إرادته بأن یذکر لآخر ذلك قبل
الطلاق، وكذا في النهرح. قوله: (ولا يشترط فيه القصد) هو الظاهر من المذهب،
(١) أبو جعفر الهنداوني، محمد بن عبد الله بن محمد بن عمر، أخذ عن الأعمش إمام كبير من أهل بلخ. قال
السمعاني: كان يقال له أبو حنيفة الصغير مات ببخارى في ذي الحجة سنة ٣٩٢. وهو ابن اثنين وستين.
انظر: تاج التراجم (٦٣)، كشف الظنون ٤٦/١، الفوائد البهية (١٧٩).

٦٢٧
كتاب الطلاق / بَابُ التَّعْلِيقِ
فيه (القصد ولا التلفظ) بهما، فلو تلفظ بالطلاق وكتب الاستثناء موصولًا أو عكس
أو: أزال الاستثناء بعد الكتابة لم يقع. عمادية (ولا العلم بمعناه) حتى لو أتى
بالمشيئة من غير قصد جاهلاً لم يقع خلافاً للشافعي. وأفتى الشيخ الرملي
الشافعي فيمن حلف على شيء بالطلاق فأنشأ له الغير ظاناً صحته بعدم
الوقوع اهـ.
قلت: ولم أره لأحد من علمائنا، والله أعلم.
لأن الطلاق مع الاستثناء ليس طلاقاً. قال شداد بن حكيم(١) رحمه الله: وهو الذي صلى
بوضوء الظهو ظهر اليوم الثاني ستين سنة، خالفني في هذه المسألة خلف بن أيوب
الزاهد، فرأيت أبا يوسف في المنام فسألته، فأجاب بمثل قولي وطالبته بالدليل، فقال:
أرأيت لو قال أنت طالق فجرى على لسانه أو غير طالق أيقع؟ قلت لا، قال: هذا
كذلك. بزازية وفتح. قوله: (ولا التلفظ بهما) أي بالطلاق والاستثناء. قوله: (أو
عكس) أي كتب الطلاق وتلفظ بالاستثناء. قوله: (أو أزال الاستثناء الخ) أشار به إلى
قسم رابع، وهو ما إذا كتبهما معاً فإنه يصح أيضاً وإن أزال الاستثناء بعد الكتابة،
فافهم. قوله: (ولا العلم بمعناه) فصار كسكوت البكر إذا زوّجها أبوها ولا تدري أن
السكوت رضا يمشي به العقد عليها. فتح. قوله: (من غير قصد) راجع لقوله ((ولا
يشترط القصد)) وقوله ((جاهلاً)) راجع لقوله ((ولا العلم بمعناه) ح.
مَطْلَبٌ: فِيمَا لَوْ حَلَفَ وَأَنْشَأْ لَهُ آخَرُ
قوله: (وأفتى الشيخ الرملي الشافعي الخ) اعلم أن هذه المسألة مبنية عند
الشافعية على أن من أخذ بقول غيره معتمداً عليه لا يحنث، وفرعوا عليه ما لو فعل
المحلوف عليه معتمداً على إفتاء مفت بعدم حثه به وغلب على ظنه صدّقه لم يحنث
وإن لم يكن أهلاً للإفتاء، إذ المدار على غلبة الظن وعدمها لا على الأهلية. قالوا:
ومنه قول غير الحالف له بعد حلفه: إلا أن يشاء الله، ثم يخبره بأن مشيئة غيره تنفعه
فيفعل المحلوف عليه اعتماداً على خبر المخبر اهـ. وبهذا تعلم ما في عبارة الشارح من
الخفاء، لأن قوله: ((ظاناً صحته)) حال من الضمير في ((له)) وهو مشروط بالإخبار كما
علمته، وقوله: ((بعدم الوقوع)) متعلق بقوله: ((وأفتى)). قوله: (قلت الخ) اعلم أن
المقرر عندنا أنه يحنث بفعل المحلوف عليه ولو مكرهاً أو مخطئاً أو ذاهلاً أو ناسياً أو
ساهياً أو مغمى عليه أو مجنوناً، فإذا كان يحنث بفعله مكرهاً ونحوه فكيف لا يحنث بفعله
(١) شداد بن حكيم: من أصحاب ((زفر)) مات في آخر سنة ٢١٠.
انظر: الجواهر المضيئة ٢٤٧/٢ (٦٤١)، الفوائد البهية ٨٣، تاج التراجم ٢٢٩ أعلام الأخيار ١١٤.

٦٢٨
كتاب الطلاق / بَابُ التَّعْلِيقِ
ولو شهدا بها وهو لا يذكرها، إن كان بحال لا يدري ما يجري على لسانه
لغضب جاز له الاعتماد عليهما، وإلا لا. بحر. (ويقبل قوله إن ادعاه) وأنكرته
قصداً مع ظن عدم الحنث؟ نعم صرحوا في الأيمان بأنه لو حلف على ماض أو حال
يظن نفسه صادقاً لا يؤاخذ فيها إلا في ثلاث: طلاق، وعتاق، ونذر؛ وقد قال الشارح
هناك: فيقع الطلاق على غالب الظن إذا تبين خلافه، وقد اشتهر عن الشافعية
خلافه اهـ. قوله: (إن كان بحال الخ) أما لو لم يكن بتلك الحال لا يجوز له الاعتماد
عليهما، كما في الفتح وغيره.
قلت: ومقتضى هذا الفرع أن من وصل في الغضب إلى حال لا يدري فيها ما
يقول يقع طلاقه وإلا لم يحتج إلى اعتماد قول الشاهدين إنه استثنى، مع أنه مر أول
الطلاق أنه لا يقع طلاق المدهوش.
وأفتى به الخير الرملي فيمن طلق وهو مغتاظ مدهوش لأن الدهش من أقسام
الجنون. ولا يخفى أن من وصل إلى حالة لا يدري فيها ما يقول كان في حكم
المجنون، وقدمنا الجواب هناك بأنه ليس المراد بما هنا أنه وصل إلى حالة لا يدري ما
يقول بأن لا يقصده ولا يفهم معناه بحيث يكون كالنائم والسكران، بل المراد قد ينسى
ما يقول لاشتغال فكره باستيلاء الغضب، والله تعالى أعلم.
مَطْلَبٌ: فِيمَا لَوِ أَدَّعَى اَلْاسِْنَاءَ وَأَنْكَرَتِهِ الزَّوْجَةُ
قوله: (ويقبل قوله الخ) قال الخير الرملي في حواشي المنح: لم يذكر أهو
بيمينه، وكذلك صاحب البحر والنهر والكمال، ولم أره لأحد، وينبغي على ما هو
المعتمد أن يكون بيمينه إذا أنكرته الزوجة، وأما إذا لم تنكره فلا يمين عليه اللهم إلا إذا
اتهمه القاضي اهـ. قوله: (إن ادعاء وأنكرته) أي ادعى الاستثناء، ومثله الشرط كما في
الفتح وغيره. وقيد بإنكارها لأنه محل الخلاف إذ لو لم يكن له منازع، فلا إشكال في أن
القول قوله: كما صرح به في الفتح.
قلت: لكن في التاترخانية عن الملتقط: إذا سمعت المرأة الطلاق ولم تسمع
الاستثناء لا يسعها أن تمكنه من الوطء اهـ: أي فيلزمها منازعته إذا لم تسمع.
قال: في البحر: ولو شهدوا بأنه طلق أو خالع بلا استثناء أو شهدوا بأنه لم
يستثن تقبل، وهذا مما تقبل فيه البينة على النفي، لأنه في المعنى أمر وجودي، لأنه
عبارة عن ضم الشفتين عقيب التكلم بالموجب، وإن قالوا طلق ولم نسمع غير كلمة
الخلع والزوج يدعي الاستثناء فالقول له لجواز أنه قاله ولم يسمعوه والشرط سماعه لا
سماعهم على ما عرف في الجامع الصغير اهـ.
قال في النهر عقبه: وفي فوائد شمس الإسلام: لا يقبل قوله؛ وفي الفصول:
وهو الصحيح اهـ.

٦٢٩
كتاب الطلاق / بَابُ التَّعْلِيقِ
(في ظاهر المرويّ) عن صاحب المذهب (وقيل لا) يقبل إلا ببينة (وعليه
الاعتماد) والفتوى احتياطاً لغلبة الفساد. خانية. وقيل إن عرف بالصلاح فالقول له
(وحكم ما لم يوقف على مشيئته) فيما ذكر (كالإنس والجن) والملائكة والجدار
والحمار (كذلك)
قلت: وكذا لا يقبل قوله إذا ظهر منه دليل صحة الخلع كقبض البدل أو نحوه،
كما في جامع الفصولين. قال في التاترخانية: والمراد ذكر البدل لا حقيقة الأخذ،
فعلى هذا إذا ذكر البدل وقت الطلاق والخلع لا يصدّق قضاء في دعوى الاستثناء اهـ.
قوله: (وقیل لا یقبل الخ) قال الخير الرملي: أقول: حیثما وقع خلاف وترجيح لكل
من القولين فالواجب الرجوع إلى ظاهر الرواية، لأن ما عداها ليس مذهباً لأصحابنا.
وأيضاً كما غلب الفساد في الرجال غلب في النساء، فقد تكون كارهة له قتطلب
الخلاص منه فتفتري عليه فيفتي المفتي بظاهر الرواية الذي هو المذهب ويفّوض باطن
الأمر إلى الله تعالى، فتأمل وأنصف من نفسك.
قلت؛ الفساد وإن كان في الفريقين لكن أكثر العوام لا يعرفون أن الاستثناء مبطل
لليمين، وإنما يعلمه ذلك حيلة بعض من لا يخاف الله تعالى. وأيضاً فإن دعوى الزوج
خلاف الظاهر فإنه بدعوى الاستثناء يدعي إيطال الموجب بعد الاعتراف به، بخلاف ما
مر من أن القول قوله في وجود الشرط كدخولها الدار مثلاً، فإنه بعد قوله: إن دخلت
الدار فأنت طالق لم ينعقد الموجب للطلاق إلا بعد وجود الدخول وهو ينكره والظاهر
يشهد له، أما هنا فالظاهر خلاف قوله: وإذا عم الفساد ينبغي الرجوع إلى الظاهر. قال
في الفتنة: نقل نجم الدين النسفي عن شيخ الإسلام أبي الحسن أن مشايخنا أجابوا في
دعوى الاستثناء في الطلاق أن لا يصدق الزوج إلا ببينة، لأنه خلاف الظاهر وقد فسد
حال الناس اهـ. قوله: (وقيل إن عرف بالصلاح الخ) قائله صاحب الفتح حيث قال
عقب ما نقلناه عنه آنفاً: والذي عندي أن ينظر، فإن كان الرجل معروفاً بالصلاح
والشهود لا يشهدون على النفي ينبغي أن يؤخذ بما في المحيط من عدم الوقوع تصديقاً
له، وإن عرف بالفسق أو جهل حاله فلا لغلبة الفساد في هذا الزمان اهـ.
قلت: ولا يخفى أن هذا تحقيق للقول الثاني المفتى به، لأن المشايخ عللوه بفساد
الزمان: أي فيكون الزوج متهماً، وإذا كان صالحاً تنتفي التهمة فيقبل قوله فلا يكون هذا
قولاً ثالثاً، فتدبر. قوله: (وحكم من لم يوقف على مشيئته الخ) تعميم بعد تخصيص،
فإن الباري عزّ وجل ممن لا يوقف على مشيئته. وأفاد بالتمثيل أن المراد ما يعم من له
مشيئة لا يوقف عليها كإن شاء الإنس، ومن لا مشيئة له أصلاً كإن شاء الجدار أفاده ط.
قوله: (فيما ذكر) متعلق بحكم، والمراد بما ذكر التعليق بالمشيئة ح. قوله: (كذلك)

٦٣٠
كتاب الطلاق / بَابُ التَّعْلِيقِ
وكذا إن شرك كإن شاء الله وشاء زيد لم يقع أصلًا؛ ومثل إن: إلا، وإن لم،
وإذا، وما، وما لم يشأ؛ ومن الاستثناء: أنت طالق لولا أبوك، أو لولا حسنك،
أو لولا أني أحبك لم يقع. خانية. ومنه: سبحان الله. ذكره ابن الهمام في فتواه.
أي كالمعلق بمشيئة الله تعالى في عدم الوقوع ح. قوله: (وكذا إن شرك) بأن علق
بمشيئة الله تعالى مثلاً ومشيئة من يوقف على مشيئته. قوله: (لم يقع أصلا) أي وإن شاء
زيد. بحر. قوله: (ومثل إن إلا) أي إذا قال إلا أن يشاء الله تعالى فهو مثل إن شاء الله
تعالى، ويحتمل أن يراد إلا المركبة من إن الشرطية ولا النافية كما في قوله تعالى: ﴿إلاّ
تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِئَةٌ﴾ [الأنفال ٧٣]
تنبيه: ذكر في الولوالجية: رجل قال لا أكلمه إلا ناسياً فكلمه ناسياً ثم كلمه
ذاكراً حنث، بخلاف إلا إن أنسى فلا يحنث، والفرق أنه في الأول أطلق واستثنى الكلام
ناسياً فقط، وفي الثاني وقت اليمين بالنسيان، لأن قوله إلا أن بمعنى حتى فينتهي
اليمين بالنسيان. قوله: (وإن لم) أي إن لم يشا الله تعالى، فلو قال أنت طالق واحدة إن
شاء الله تعالى وأنت طالق ثنتين إن لم يشا الله تعالى (لا يقع) شيء، أما في الأولى
فللاستثناء، وأما في الثانية فلأنا لو أوقعناه علمنا أن الله تعالى شاءه، لأن الوقوع دليل
المشيئة، لأن كل واقع بمشيئة الله تعالى، وهو علق بعدم مشيئة الله تعالى الطلاق لا
بمشيئته جل وعلا فيبطل الإيقاع ضرورة. بحر وتمام الكلام على هذه المسألة في
التلويح عند الكلام على في الظرفية. قوله: (وما) أي ما شاء الله تعالى فلا يقع، أما
على كونها مصدرية ظرفية فظاهر للشك، وأما على كونها موصولًا اسمياً فكذلك، لأن
المراد أنت طالق الطلاق الذي شاء الله تعالى، ومشيئته لا تعلم فلا يقع، إذ العصمة ثابتة
بيقين فلا تزول بالشك. أفاده في النهر. قوله: (وما لم يشأ) ومعناه أنت طالق مدة عدم
مشيئة الله طلاقك، والوجه في عدم الوقوع ما ذكر في إن لم ط. قوله: (لولا أبوك الخ)
إنما كان هذا استثناء، لأن ((لولا)) تدل على امتناع الجزاء الذي هو الطلاق لوجود الشرط
الذي هو وجود الأب أو حسنها ط. قوله: (ذكره ابن الهمام في فتواه) كأن الشارح رأى
ذلك في فتوى معزوّة إلى ابن الهمام، لأنا لم نسمع أن له كتاب فتاوى. والظاهر أن
ذلك غير ثابت عنه لمخالفته لما ذكره في فتح القدير، حيث قال: ويتراءى خلاف في
الفصل بالذكر القليل، فإنه ذكر في النوازل لو قال: والله لا أكلم فلاناً أستغفر الله إن
شاء الله تعالى هو مستئن ديانة لا قضاء. وفي الفتاوى: لو أراد أن يحلف رجلًاً ويخاف
أن يستثني في السرّ يحلفه ويأمره أن يذكر عقب الحلف موصولًا سبحان الله أو غيره من
الكلام، والأوجه أن لا يصح الاستثناء بالفصل بالذكر اهـ. فهذا كما ترى صريح في أن
نحو: سبحان الله عقب اليمين فاصل مبطل للاستثناء، أما إنه استثناء فلم يقل به أحد،

٦٣١
كتاب الطلاق / بَابُ التَّعْلِيقِ
(قال أنت طالق ثلاثاً وثلاثاً إن شاء الله، وأنت حرّ وحرّ إن شاء الله) طلقت
ثلاثاً وعتق العبد (عند الإمام) لأن اللفظ الثاني لغو، ولا وجه لكونه توكيداً
للفصل بالواو، بخلاف قوله حرّ حرّ، أو حرّ وعتيق، لأنه توكيد وعطف تفسير
فيصح الاستثناء (وكذا) يقع الطلاق بقوله (إن شاء الله أنت طالق) فإنه تطليق
فافهم. قوله: (لأنه توكيد) راجع لقوله حرّ حرّ. قال في الفتح: وقياسه إذا کرر ثلاثاً
بلا واو أن يكون مثله اهـ. وقوله: ((وعطف تفسِير)) راجع لقوله ((حرّ وعتيق)) ففيه لفّ
ونشر مرتب، وإِنما لم يجعل حرّ حرّ من عطف التفسير، لأنه إنما يكون بغير لفظ الأول
كما في الفتح.
مَطْلَبٌ مُهِمٍّ: لَفْظُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ هَلْ هُوَ إِنْطَالٌ أَوْ تَعْلِيقٌ؟
قوله: (فإنه تطليق الخ) اعلم أن التعليق بمشيئة الله تعالى إبطال عندهما: أي رفع
لحكم الإيجاب السابق. وعند أبي يوسف: تعليق، ولهذا شرط كونه متصلاً كسائر
الشروط.
ولهما: أنه لا طريق للوصول إلى معرفة مشيئته تعالى فكان إبطالاً، بخلاف بقية
الشروط، وعلى كل لا يقع الطلاق في مثل أنت طالق إن شاء الله تعالى؛ نعم تظهر ثمرة
الخلاف في مواضع.
منها: ما إذا قدم الشرط ولم يأت بالفاء في الجواب، كإن شاء الله أنت طالق.
فعندهما لا يقع لأنه إبطال فلا يختلف. وعنده يقع لأن التعليق لا يصح بدون الفاء في
موضع وجوبها.
ومنها: ما إذا حلف لا يحلف بالطلاق وقاله حنث على التعليق لا الإبطال كما
يأتي، هذا ما قرّره الزيلعي وابن الهمام وغيرهما، ومثله في متن مواهب الرحمن حيث
قال: ويجعل: أي أبو يوسف إن شاء الله للتعليق وهما للإبطال، وبه يفتى. فلو قال: إن
شاء الله أنت كذا بلا فاء يقع على الأول، ويلغو على الثاني اهـ. لكن ذكر في متن
المجمع عكس ذلك حيث قال: وإن شاء الله أنت طالق يجعله تعليقاً وهما تطليقاً، وحمله
في البحر على ما تقدم، وفيه نظر، فإن مقابلة التعليق بالتطليق تقتضي عدم الوقوع على
قول أبي يوسف القائل بالتعليق والوقوع على قولهما، على أنه صرّح بذلك صاحب
المجمع في شرحه. ولا يخفى أن صاحب الدار أدرى، وصرح بذلك أيضاً في شرح
درر البحار حيث ذكر أولاً أن أبا يوسف يجعله تعليقاً، لأن المبطل لما اتصل بالإيجاب
أبطل حكمه، ثم قال: وجعلاه تنجيزاً، لأنه لما انتفى رابط الجملتين وهو الفاء بقي
قوله: ((أنت طالق)) منجزاً اهـ.

٦٣٢
كتاب الطلاق / بَابُ التَّعْلِيقِ
عندهما تعليق عند أبي يوسف لاتصال المبطل بالإيجاب فلا يقع كما لو أخر،
وقال في التاترخانية: وإن قال إن شاء الله أنت طالق بدون حرف الفاء فهذا استثناء
صحيح في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وفي الولوالجية: وبه نأخذ. وفي المحيط:
وقال محمد: هذا استثناء منقطع والطلاق واقع في القضاء ويدين إن أراد به الاستثناء؛
وذكر الخلاف على هذا الوجه في القدوري. وفي الخانية: لا تطلق في قول أبي
يوسف، وتطلق في قول محمد، والفتوى على قول أبي يوسف اهـ. ومثله في الذخيرة.
وذكر في الخانية قبل هذا أول باب التعليق مثل ما مر عن الزيلعي وغيره.
والحاصل أن أبا يوسف قائل بأن المشيئة تعليق ولكن اختلف في التخريج على
قوله، فقيل تلزم الفاء في الجواب كما في بقية الشروط فيقع بدونها، وقيل لا فلا يقع،
وإن محمداً قائل بأنها إيطال.
واختلف في التخريج على قوله، فقيل إنما تكون إبطالً إن صح الربط بوجود
الفاء في الجواب، فلو حذفت في موضع وجوبها وقع منجزاً وهو معنى كونها حينئذ
للتطليق، وقيل إنها عنده للإبطال مطلقاً فلا يقع وإن سقطت الفاء. وأما أبو حنيفة فقيل
مع أبي يوسف، وقيل مع محمد، وبهذا ظهر أن ما في البحر من أنه على القول بالتعليق
لا يقع الطلاق إذا لم يأت بالفاء، خلافاً لما توهمه في الفتح من أنه يقع فيه نظر، لما
علمت من اختلاف التخريج، وظهر أيضاً أن ما في الفتح من أن أبا يوسف قائل بأنها
للإبطال وأنه صرح في الخانية بذلك، فهو مخالف لما سمعته، على أن الذي رأيته في
الخانية التصريح بأنها عنده للتعليق، وكذا ما فيه من أن ما في شرح المجمع غلط،
وتبعه في النهر، فهو بعيد لما علمت من موافقته لعدة كتب معتبرة، ولتصريح القدوري
به بل هو أحد قولين، وقد خفي هذا على صاحب الفتح والبحر والنهر وغيرهم، فاغتنم
تحرير هذا المقام الذي زلت فيه أقدام الأفهام. قوله: (لاتصال المبطل بالإيجاب) علة
لقوله: ((تعليق)) كما مر عن شرح درر البحار، والمراد بالمبطل لفظ إن شاء الله، فإنه
استثناء صحيح وإن سقطت الفاء من جوابه كما مر عن التاترخانية، فيلغو الإيجاب وهو
قوله أنت طالق، فلا يقع.
واستشكله في البحر بأن مقتضى التعليق الوقوع عند عدم الفاء لعدم الرابط.
وأجاب الرملي بما في الولوالجية من أن المقصود منه إعدام الحكم لا التعليق، وفي
الإعدام لا يحتاج إلى حرف الجزاء، بخلاف قوله إن دخلت الدار فأنت طالق، لأن
المقصود منه التعليق فافترقا اهـ.
قلت: وهذا على أحد التخريجين، وهو ما مشى عليه في المجمع وغيره. أما
على التخريج الآخر من عدم صحة التعليق بدون الفاء وهو ما في الزيلعي وغيره فيقع

٦٣٣
كتاب الطلاق / بَابُ التَّعْلِيقِ
وقيل الخلاف بالعكس، وعلى كل فالمفتى به عدم الوقوع إذا قدم المشيئة ولم
يأت بالفاء، فإن أتى بها لم يقع اتفاقاً، كما في البحر والشرنبلالية والقهستاني
وغيرها، فليحفظ. وثمرته فيمن حلف لا يحلف بالطلاق وقاله حنث على التعليق
لا الإبطال (وبأنت طالق بمشيئة الله أو بإرادته أو بمحبته أو برضاه) لا تطلق، لأن
الباء للإلصاق، فكانت كإلصاق الجزاء بالشرط (وإن أضافه) أي المذكور من
المشيئة وغيرها (إلى العبد كان) ذلك (تمليكاً فيقتصر على المجلس) كما مر.
(وإن قال بأمره أو بحكمه أو بقضائه أو بإذنه أو بعلمه أو بقدرته يقع في
الحال أضيف إليه تعالى أو إلى العبد) إذ يراد بمثله التنجيز عرفاً (كقوله) أنت
كما مر، فافهم. قوله: (وقيل الخلاف بالعكس) يعني الخلاف في أن التعليق بالمشيئة
هل هو إيطال أو تعليق لا في مسألة المتن: أي فقيل إنه إبطال عند أبي يوسف تعليق
عند محمد، ولم يذكر هذا القائل أبا حنيفة، ويحتمل إرادة الخلاف في مسألة المتن: أي
قيل إنه يقع عند أبي يوسف لا عندهما كما مرّ عن الزيلعي وغيره، فافهم. قوله: (وعلى
كل الخ) أي سواء قيل إن التعليق أو الإبطال قول أبي يوسف أو قول غيره، فالمفتى به
عدم الوقوع، فما مشى عليه المصنف خلاف المفتى به. قوله: (لم يقع اتفاقاً) إذ لا
شك حينئذ في صحة التعليق. قوله: (وثمرته الخ) هذا الضمير لا مرجع له في كلامه،
لأنه راجع إلى أنه لو أخر الشرط وقال أنت طالق إن شاء الله أو قدمه، وأتى بالفاء في
الجواب، فهو إيطال عندهما تعليق عند أبي يوسف، وقدمنا أن ثمرة الخلاف تظهر في
مواضع منها مسألة المتن، وهي ما إذا قدم الشرط ولم يأت بالفاء في الجواب كما
قررناه سابقاً، ومنها هذه، وبيانها ما في الخانية حيث قال: ولو قال إن حلفت بطلاقك
فأنت طالق ثم قال لها أنت طالق إن شاء الله طلقت امرأته في قول أبي يوسف، ولا
تطلق في قول محمد، لأن على قول أبي يوسف أنت طالق إن شاء الله يمين لوجود
الشرط والجزاء، وعلى قول محمد ليس بيمين اهـ: أي لأنه عنده للإبطال، وقدمنا أن
الفتوى عليه، وبما ذكرناه علم أن الضمير في قوله: ((وقاله)) راجع إلى ما لو أخر الشرط
كأنت طالق إن شاء الله، أو قدمه وأتى بالفاء الرابطة كإن شاء الله فإنت طالق. قوله: (أو
برضاه) الرضا ترك الاعتراض على الفاعل وإن لم يكن معه محبة ط. قوله: (لأن الباء
للإلصاق) أي هو المعنى لها فيلتصق وقوع الطلاق بأحد هذه الأربعة، وهي غيب لا
يطلع عليها فلا تطلق بالشك ط. قوله: (وإن أضافه) أي بالباء. قوله: (أي المذكور)
جواب عن المصنف حيث أفرد الضمير ومرجعه متعدد ط. قوله: (فيقتصر على
المجلس) أي مجلس علمه، فإن شاء فيه طلقت، وإلا خرج الأمر من يده. قوله: (كما
مر) أي في فضل المشيئة ح. قوله: (إذ يراد بمثله التنجيز عرفاً) أي فلا يصدق في إرادة

٦٣٤
كتاب الطلاق / بَابُ التَّعْلِيقِ
طالق (يحكم القاضي، وإن) قال ذلك (باللام يقع في الوجوه كلها) لأنه للتعليل
(وإن) كان ذلك (بحرف ((في)) إن أضافه إلى الله تعالى لا يقع في الوجوه كلها)
لأن ((في)) بمعنى الشرط (إلا في العلم فإنه يقع في الحال) وكذا القدرة إن نوى
بها ضد العجز لوجود قدرة الله تعالى قطعاً كالعلم (وإن أضاف إلى العبد كان
تمليكاً في الأربع الأول) وما بمعناها كالهوى والرؤية (تعليقاً في غيرها) وهي
ستة، ثم العشرة إما أن تضاف لله أو للعبد، والعشرون إما أن تكون بباء أو لام أو
التعليق، والظاهر أنه يصدق ديانة. تأمل. قوله: (وإن قال ذلك) أي المذكور من
الألفاظ العشرة. قوله: (في الوجوه كلها) أي سواء أضيفت إلى الله تعالى أو إلى العبد.
قوله: (لأنه تعليل) أي تعليل الإيقاع كقوله طالق لدخولك الدار. فتح: أي والإيقاع لا
يتوقف على وجود علته كما مر، فلا يرد أن المشيئة ونحوها غير معلومة؛ ولا كون محبة
الله تعالى للطلاق معدومة لكونه أبغض الحلال إليه تعالى. قوله: (لأن في بمعنى
الشرط) فيكون تعليقاً بما لا يوقف عليه. فتح. قيل وفي قوله: ((بمعنى الشرط)) إشارة
إلى أنه لا يصير شرطاً محضاً حتى يقع الطلاق بعده، بل يقع معه. وتظهر الثمرة فيما لو
قال للأجنبية أنت طالق في نكاحك فتزوجها لا تطلق، كما لو قال مع نكاحك، بخلاف
إن تزوجتك. تلويح: أي لأن الطلاق لا يكون إلا متأخراً عن النكاح. قوله: (فإنه يقع
في الحال) لأنه لا يصح نفيه عن الله تعالى بحال، لأنه يعلم ما كان وما لم يكن، فكان
تعليقاً بأمر موجود فيكون إيقاعاً. زيلعي. قوله: (إن نوى بها ضد العجز) أي نوى
حقيقتها لأنها صفة منافية للعجز فيكون تعليقاً بأمر موجود، أما لو نوى بها التقدير فلا
يقع لأنه تعالى قد يقدّر شيئاً وقد لا يقدره. قوله: (والرؤية) الكثير فيها أن تكون مصدر
رأي البصرية ومصدر القلبية الرأي ومصدر الحلمية الرؤيا وقد يستعمل كل في الآخر،
وهذا منه لأن رؤية طلاقها بالقلب لا بالبصر. رحمتي. قوله: (ثم العشرة) الأظهر في
التركيب أن يقول فالحاصل أن العشرة الخ كما لا يخفى ح. قوله: (إما أن تكون بياء)
ترك إن من التقسيم كما ترك المصنف بقية الكلام عليها.
وحاصل حكمها أنها إبطال أو تعليق في العشرة إن أضيفت إلى الله تعالى،
وتمليك فيها إن أضيفت إلى العبد.
قال في البحر: والحاصل أنه إن أتى بإن لم يقع في الكل اهـ: إذا أضيفت إلى
الله تعالی فالأقسام حينئذ ثمانون اهح.
قلت: الذي ذكره المصنف كغيره أن الأربعة الأول للتمليك، وهذا وإن ذكره مع
الباء وفي لكنهما بمعنى الشرط وأصل أدوات الشرط هو (إن)) فلا تكون الستة الباقية

٦٣٥
كتاب الطلاق / بَابُ التَّعْلِيقِ
في فهي ستون. وفي البزازية؛ كتب الطلاق واستثنى بالكتابة صح، وعلى ما مر
عن العمادية فهي مائة وثمانون، وفي كيف شاء الله تطلق رجعية (أنت طالق ثلاثاً
إلا واحدة يقع ثنتان،
للتمليك أصلاً. ثم رأيت الزيلعي صرح بذلك حيث قال: فالحاصل أن هذه الألفاظ
عشرة: أربعة منها للتمليك وهي المشيئة وأخواتها. وستة ليست للتمليك وهي الأمر
وأخواته الخ. وعلى هذا فإذا أضيفت إلى العبد بإن الشرطية كانت الأربعة الأول
للتمليك فتتوقف على المجلس والستة الباقية للتعليق لا تتوقف عليه، فقوله في البحر:
لم يقع في الكل: أي لم يقع أصلاً إن أضيفت إلى الله تعالى، ولم يقع في الحال إن
أضيفت إلى العبد، فافهم. لكن يرد على البحر كما قال ط: إن هذا ينافي ما ذكره
المصنف في صورة العلم إذا أضيفت إليه تعالى فإنه يقع، وعلله بأنه تعليق بأمر موجود
فيكون تنجيزاً. قوله: (وعلى ما مر عن العمادية) أي من قوله: فلو تلفظ بالطلاق وكتب
الاستثناء موصولًا أو عكس أو أزال الاستثناء بعد الكتابة لم يقع. قوله: (فهي ما ئة
وثمانون) صوابه مائتان وأربعون، لأن ما في البزازية صورة هي كتابة الطلاق والاستثناء
معاً، وما في العمادية ثلاث صور، ويضرب أربعة في ستين تبلغ مائتين وأربعين وقد
تزيد، وذلك أن العشرة إما أن تضاف إلى الله تعالى أو إلى من يوقف على مشيئته من
العباد أو من لا يوقف أو إلى الثلاثة أو إلى اثنين منها، فهي سبعة تضرب في العشرة
تبلغ سبعين، وعلى كلّ إما بإن أو الباء أو اللام أو في تبلغ مائتين وثمانين. وعلى كل
إما أن يتلفظ بالطلاق والاستثناء وما بمعناه أو يكتبهما أو يمحوهما بعد الكتابة أو يمحو
الطلاق أو الإنشاء أو يتلفظ بالطلاق ويكتب الآخر أو بالعكس أو يمحو ما كتب، فهي
ثمانية في مائتين وثمانين وتبلغ ألفين ومائتين وأربعين. قوله: (تطلق رجعية) لأن
المضاف إلى مشيئة الله تعالى حال الطلاق وكيفيته من المفرد والمتعدد والرجعي والبائن
لا أصله، فيقع أقله لأنه المتيقن وهو الواحدة الرجعية. قوله: (أنت طالق ثلاثاً إلا
واحدة) شروع في استثناء التحصيل بعد الفراغ من استثناء التعطيل كما ذكره القهستاني.
مَطْلَبْ: أَحْكَامُ الاسْتِنَاءِ الوَضْعِيّ
وفي البحر: الاستثناء نوعان: عرفي وهو ما مر من التعليق بالمشيئة، ووضعي
وهو المراد هنا، وهو بيان بإلا أو إحدى أخواتها أن ما بعدها لم يرد بحكم الصدر.
ويبطل بخمسة: بالسكتة اختياراً، وبالزيادة على المستثنى منه، وبالمساواة، وباستثناء
بعض الطلقة، وبإبطال البعض كأنت طالق ثنتين وثنتين إلا ثلاثاً كما في الخانية اهـ
ملخصاً: أي لأن إخراج الثلاث من إحدى الثنتين لغو.
وفي الفتح عن المنتقى: أنت طالق ثلاثاً وثلاثاً إلا أربعاً فهي ثلاث عنده، لأنه
:

٦٣٦
كتاب الطلاق / بَابُ التَّعْلِيقِ
وفي إلا ثنتين واحدة، وفي إلا ثلاثاً) يقع (ثلاث) لأن استثناء الكل باطل إن كان
بلفظ الصدر أو مساويه، وإن بغيرهما كنسائي طوالق إلا هؤلاء أو إلا زينب وعمرة
وهند، وعبيدي أحرار إلا هؤلاء أو إلا سالماً وغانماً وراشداً وهم الكل صح كما
سيجيء في الإقرار.
يصير قوله وثلاثاً فاصلاً لغواً. وعندهما يقع ثنتان كأنه قال ستاً إلا أربعاً ولو قال ثلاثاً إلا
واحدة أو ثنتين طولب بالبيان، فإن مات قبله طلقت واحدة هو الصحيح، وفي رواية
ثنتين. قوله: (وفي الاثنتين واحدة) عن أبي يوسف لا يصح، وهو قول طائفة من أهل
العربية، وبه قال أحمد، وتحقيق ذلك في الفتح. قوله: (لأن استثناء الكل باطل) هذا
مقيد بما إذا لم يكن بعده استثناء يكون جبراً للصدر، فإن كان صح، وعلى هذا تفرّع ما
لو قال أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً إلا واحدة حيث يقع واحدة؛ ولو قال الاثنتين إلا واحدة
وقع ثنتان. نهر. وهذا من تعدد الاستثناء ويأتي بيانه، وإنما بطل استثناء الكل لأنه لا
يبقي بعده شيء يصير متكلماً به، والاستثناء لم يوضع إلا للتكلم بالباقي بعد الثنيا لا
لأنه رجوع بعد التقرر كما قيل، وإلا لصح فيما يقبل الرجوع؛ كما لو قال: أوصيت
لفلان بثلث مالي إلا ثلث مالي. أفاده في الفتح. قوله: (إن كان بلفظ الصدر) أي كما
مثل به في المتن، وکقوله نسائي طوالق إلا نسائي، وعبيدي أحرار إلا عبيدي كما في
البحرح.
وفي الفتح: ولو قال واحدة وثنتين إلا ثنتين أو قال ثنتين وواحدة إلا ثنتين يقع
الثلاث، وكذا ثنتين وواحدة إلا واحدة، لأنه في الأوليين إخراج الثنتين من الثنتين أو
من الواحدة، وفي الثالثة واحدة من واحدة فلا يصح؛ بخلاف ما لو قال واحدة وثنتين
إلا واحدة حيث تطلق ثنتين لصحة إخراج الواحدة من الثنتين، والأصل أن الاستثناء إنما
ينصرف إلى ما يليه، وإذا تعقب جملاً فهو قيد للأخيرة منها اهـ. قوله: (أو مساوية) نحو
أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة وواحدة وواحدة، وأنت طالق ثلاثاً إلا ثنتين وواحدة، ونحو
أنتن طوالق إلا زينب وعمرة وهندا وليس له رابعة، وأنتم أحرار إلا سالماً وغائماً
وراشداً وليس له رابع اهـح. قوله: (صح) أي صح الاستثناء في هذه الأمثلة، وكذا
قوله كلّ امرأة لي طالق إلا هذه وليس له سواها لا تطلق، لأن المساواة في الوجود لا
تمنع صحته إن عم وضعاً لأنه تصرف صيغي. بحر: يعني أنه ينظر فيه إلى صيغة
المستثنى منه، فإن عمت المستثنى وغير وضعاً صح الاستثناء، فإن كل امرأة يعم في
الوضع هذه وغيرها، وكذا لفظ نسائي يعم المسميات وغيرهن، بخلاف أنتن فإنه لا يعم
غير المسميات المخاطبات، وبخلاف ما إذا لم يكن فيه عموم أصلاً، ومنه ما في الفتح
حيث قال: ولو قال طالق واحدة وواحدة وواحدة إلا ثلاثاً بطل الاستثناء اتفاقاً لعدم

٦٣٧
كتاب الطلاق / بَابُ التَّعْلِيقِ
(ويعتبر) في (المستثنى كونه كلَّ أو بعضاً من جملة الكلام إلا من جملة الكلام
الذي يحكم بصحته) وهو الثلاث، ففي أنت طالق عشراً إلا تسعاً تقع واحدة، وإلا
ثمانية تقع ثنتان، وإلا سبعاً تقع ثلاث، ومتى تعدّد الاستثناء بلا واو كان كل
إسقاطاً مما يليه فيقع ثنتان بأنت طالق عشراً إلا تسعاً إلا ثمانية إلا سبعة، ويلزمه
خمسة بله على عشرة إلا ٩ إلا ٨ إلا ٧ إلا ٦ إلا ه إلا ٤ إلا ٣ إلا ٢ إلا واحدة،
وتقريبه أن تأخذ العدد الأول بيمينك والثاني بيسارك والثالث بيمينك والرابع
تعدد يصح معه إخراج شيء اهـ. وكذا ما في البحر: لو قال للمدخولة أنت طالق، أنت
طالق، أنت طالق إلا واحدة تقع الثلاث، وكذا لو قال أنت طالق واحدة وواحدة
وواحدة إلا واحدة لأنه ذكر كلمات متفرقة فيعتبر كل كلام في حق صحة الاستثناء كأنه
ليس معه غيره، وكذا هذه طالق وهذه وهذه إلاهذه، ولو قال: أنتنّ طوالق إلا هذه صح
الاستثناء اهـ. قوله: (تقع واحدة) ولو كان المعتبر ما يحكم بصحته من العشرة وهو
الثلاث لزم استثناء التسعة من الثلاث فيلغو ويقع الثلاث.
مَطْلَبُ: فِيمَا لَوْ تَعَدَّدَ الاسِْنَاءُ
قوله: (ومتى تعدد الاستثناء) أي وأمكن استثناء بعضه من بعض، بخلاف ما لا
يمكن كقاموا إلا زيداً إلا بكراً إلا عمراً، فإن حكم ما بعد الأول كحكمه. قال في
الفتح: وأصل صحة الاستثناء من الاستثناء قوله تعالى: ﴿إِلَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجّوهُمْ
أَجْعِينَ إِلَّ امْرَأَتهُ﴾ [الحجر: ٥٩، ٦٠]. قوله: (بلا واو) فإن كان بالواو كان الكل
إسقاطاً من الصدر، نحو: أنت طالق عشراً إلا خمساً وإلا ثلاثاً وإلا واحدة تقع
واحدة ح. قوله: (كان كل) أي كل واحد من المستثنيات إسقاطاً مما يليه: أي مما قبله،
فالضمير المستتر في يليه عائد على كل والبارز على ما فهو صلة جرت على غير من
هي له، لكن اللبس مأمون لعدم صحة إسقاط الأكثر من الأقل فلا يجب إبراز
الضمير اهـح. وبيان ذلك في مسألة الطلاق أن تسقط السبعة من الثمانية يبقى واحد
تسقطه من التسعة يبقى ثمانية تسقطها من العشرة يبقى ثنتان. قوله: (إن تأخذ العدد
الأول الخ) بيانه أن تعد الأوتار بيمينك: أي الأول والثالث والخامس والسابع والتاسع،
وهي تسعة وسبعة وخمسة وثلاثة وواحدة وجملتها خمسة وعشرون، وتعد الأشفاع
بيسارك: أي الثاني والرابع والسادس والثامن، وهي ثمانية وستة وأربعة واثنان وجملتها
عشرون تسقطها مما باليمين يبقى خمسة.
قلت: وله طريقة ثانية، وهي إخراج الأوتار وإدخال الأشفاع، بأن تخرج كل وتر
من شفع قبله بيانه أن تخرج التسعة من العشرة يبقى واحد تضمه إلى الثمانية تصير

٦٣٨
كتاب الطلاق / بَابُ التَّعْلِينِ
بيسارك وهكذا، ثم تسقط ما بيسارك مما بيمينك، فما بقي فهو الواقع (إخراج
بعض التطليق لغو، بخلاف إيقاعه، فلو قال أنت طالق ثلاثاً إلا نصف تطليقة وقع
الثلاث في المختار) وعن الثانية ثنتان. فتح.
وفي السراجية: أنت طالق إلا واحدة يقع ثنتان انتهى، فكأنه استثنى من
ثلاث مقدر.
(سألت امرأة الثلاث فقال أنت طالق خمسين طلقة فقالت المرأة ثلاث تكفيني
فقال ثلاث لك والبواقي لصواحبك وله ثلاث نسوة غيرها تطلق المخاطبة ثلاثاً لا
غيرها أصلاً) هو المختار الصيرورة البواقي لغواً، فلم يقع بصرفه لصواحبها شيء.
فروع: في أيمان الفتح ما لفظه، وقد عرف في الطلاق أنه لو قال: إن
تسعة، أخرج منها سبعة يبقى اثنان تضمها إلى الستة تصير ثمانية، أخرج منها خمسة يبقى
ثلاثة، تضمها إلى الأربعة تصير سبعة، أخرج منها ثلاثة يبقى أربعة، تضمها إلى الاثنين
تصير ستة، أخرج منها الواحد يبقى خمسة.
والطريقة الثالثة إسقاط كل مما يليه كما مر، بأن تسقط الواحد من الاثنين يبقى
واحد، أسقطه من الثلاثة يبقي اثنان، أسقطهما من الأربعة يبقى اثنان أيضاً، أسقطهما
من الخمسة يبقى ثلاثة أسقطها من الستة يبقى ثلاثة أيضاً، أسقطها من السبعة يبقى
أربعة، أسقطها من الثمانية يبقى أربعة أيضاً، أسقطها من التسعة يبقى خمسة، أسقطها
من العشرة يبقى خمسة. قوله: (فهو الواقع) أي المقرّ به ط. قوله: (وعن الثاني ثنتان)
لأن التطليقة لا تتجزأ في الإيقاع، فكذا في الاستثناء، فكأنه قال: إلا واحدة. والجواب
أن الإيقاع إنما لا يتجزأ المعنى في الموقع وهو لم يوجد في الاستثناء، فيتجزأ فيه،
فصار كلامه عبارة عن تطليقتين ونصف فتطلق ثلاثاً، كذا في الفتح.
وحاصله أن إيقاع نصف الطلقة مثلاً غير متصور شرعاً، فكان إيقاع للكل،
بخلاف استثناء النصف فإنه ممكن لكنه يلغو، لأن النصف الباقي تقع به طلقة.
قلت: والأقرب في الجواب أنه لما أخرج نصفاً له حكم الكل وأبقى نصفاً
كذلك أوقعنا عليه طلقة بما أبقى ولم يصح إخراجه لأنه لو صح لزم إخراج طلقة
حكمية من طلقة حكمية فيلغو. قوله: (فكأنه استثنى من ثلاث مقدر) قلت: وجهه أن
لفظ طالق لا يحتمل الثنتين لأنهما عدد محض، بل يحتمل الفرد الحقيقي أو الجنس:
أعني الثلاث، والأول لا يصح هنا لأنه يلزم منه إلغاء الاستثناء فتعين الثاني، فافهم.
قوله: (في أيمان الفتح) خبر عن ((ما)) وليس نعتاً لفروع، لأن الفرع الأول فقظ في
٠

٦٣٩
كتاب الطلاق / بَابُ التَّعْلِيقِ
دخلت الدار فأنت طالق، إن دخلت الدار فأنت طالق، إن دخلت الدار فأنت
طالق وقع الثلاث، وأقره المصنف ثمة.
إن سكنت هذه البلدة فامرأته طالق وخرج فوراً وخلع امرأته ثم سكنها قبل
العدة لم تطلق، بخلاف فأنت طالق فليحفظ.
إن تزوجتك وإن تزوجتك فأنت كذا لم يقع حتى يتزوجها مرتين، بخلاف
ما لو قدم الجزاء فليحفظ.
إن غبت عنك أربعة أشهر فأمرك بيدك ثم طلقها فاعتدت فتزوجت ثم
عادت للأول ثم غاب أربعة أشهر فلها أن تطلق نفسها ولو اختلفت، لا لأنه
أيمان الفتح ح. قوله: (وقع الثلاث) يعني بدخول واحد كما تدل عليه عبارة أيمان
الفتح، حيث قال: ولو قال لامرأته والله لا أقربك ثم قال والله لا أقربك فقربها مرة لزمه
کفارتان اهـ. والظاهر أنه إن نوی التأکید یدین ح.
قلت: وتصوير المسألة بما إذا ذكر لكل شرط جزاء. فلو اقتصر على جزاء.
واحد: ففي البزازية: إن دخلت هذه الدار فعبدي حر وهما واحد، فالقياس عدم الحنث
حتى تدخل دخلتين فيها، والاستحسان يحنث بدخول واحد ويجعل الباقي تكراراً
وإعادة اهـ. ثم ذكر إشكالاً وجوابه، وذكر عبارته بتمامها في البحر عند قوله: ((والملك
يشترط لآخر الشرطين)) وقوله: ((وهما واحد)) أي الداران في الموضعين واحد، بخلاف
ما لو أشار إلى دارين فلا بد من دخولين كما هو ظاهر. قوله: (لم تطلق) هذا مبني
على قول ضعيف كما حققناه عند قوله ((وزوال الملك لا يبطل اليمين)) فافهم. قوله:
(بخلاف ما لو قدم الجزاء) هكذا في بعض النسخ، وفي بعضها بخلاف ما لو لم يؤخذ
الجزاء وكلاهما صحيح، وأما ما في بعض النسخ، بخلاف ما لو أخر الأجزاء فقال ح:
صوابه قدم الجزاء، ومع ذلك فقد ترك ما إذا وسطه.
قال في النهر وفي المحيط: لو قال إن تزوجتك وإن تزوجتك فأنت طالق لم يقع
حتى يتزوجها مرتين، بخلاف ما إذا قدم الجزاء أو وسطه اهـ كلام النهر. وفصله في
الفتاوى الهندية فقال: وإن كرّر بحرف العطف فقال إن تزوجتك وإن تزوجتك، أو قال
إن تزوجتك فإن تزوجتك، أو إذا تزوجتك أو متى تزوجتك لا يقع الطلاق حتى
يتزوجها مرتين، ولو قدم الطلاق فقال أنت طالق إن تزوجتك وإن تزوجتك فهذا على
تزوج واحد، ولو قال إن تزوجتك فأنت طالق وإن تزوجتك طلقت بكل واحد من
التزويجين. قوله: (إن غبت عنك الخ) أقول: المسألة ذكرها في البحر عند قول الكنز:
وزوال الملك بعد اليمين لا يبطلها.

٦٤٠
كتاب الطلاق / بَابُ التَّعْلِيقِ
تنجیز، والأول تعليق.
دعاها للوقاع فأبت فقال متى يكون؟ فقالت غداً، فقال إن لم تفعلي هذا
المراد غداً فأنت كذا ثم نسياه حتى مضى الغد لا يقع.
حلف أن لا يأتيها فاستلقى فجاءت فجامعت إن مستيقظاً حنث.
إن لم أشبعك من الجماع فعلى إنزالها.
إن لم أجامعك ألف مرة فكذا فعلى المبالغة لا العدد.
وإن وطئتك فعلى جماع الفرج، وإن نوى الدوس بالقدم حنث به أيضاً.
ونصه في القنية: لو قال لها أمرك بيدك ثم اختلعت منه وتفرّقا ثم تزوجها ففي
بقاء الأمر بيدها روايتان: والصحيح أنه لا يبقى. قال: إن غبت عنك أربعة أشهر فأمرك
بيدك ثم طلقها وانقضت عدتها وتزوجت ثم عادت إلى الأول وغاب عنها أربعة أشهر
فلها أن تطلق نفسها اهـ. والفرق بينهما أن الأول تنجیز للتخيير فيبطل بزوال الملك،
والثاني تعليق التخيير فكان يميناً فلا يبطل. اهـ كلام البحر. وبه تعلم ما في كلام
الشارح من الإيجاز المخل.
والحاصل أن التخيير يبطل بالطلاق البائن إذا كان التخيير منجزاً، بخلاف
المعلق، وهذا ما وفق به في الفصول العمادیة بین کلامهم کما حررناه قبیل فصل
المشيئة. قوله: (لا يقع) لأن الحنث شرطه أن يطلب منها غداً وتمتنع ولم يطلق.
بحر. ونحوه في التاتر خانية عن المنتقى.
قلت: ومقتضاه أن النسيان لا تأثير له هنا، لكن سيأتي في الأيمان بأن تعليله
إمكان البرّ شرط لبقاء اليمين بعد انعقادها كما هو شرط لانعقادها، خلافاً لأبي يوسف.
ولا يخفى ما فيه، فإن إمكان البرّ محقق بالتذكر، على أنه يلزم أن يكون النسيان عذراً في
عدم الحنث في غير هذه الصورة أيضاً، وهو خلاف المنصوص، فافهم. قوله: (إن
مستيقظاً حنث) لأنه يسمى إتياناً منه. قال تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْتَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:
٢٢٣]. قوله: (فعلى إنزالها) أي تنعقد اليمين على أن يجامعها حتى تنزل لأن شبعها
يراد به كسر شهوتها به. قوله: (فعلى المبالغة لا العدد) فلا تقدير لذلك والسبعون كثير.
خانية. والظاهر أن محله ما لم ينو العدد، فإن نواه عملت نيته لأنه شدّد على نفسه ط.
قوله: (حنث به أيضاً) أي كما يحنث بالجماع فلا يصح نفيه المعنى المتبادر ويؤاخذ بما
نواه لأنه شدد على نفسه، فأيهما فعل حنث به.
بقي لو فعل كلّ منهما هل يحنث مرتين؟ الظاهر نعم، وينبغي أن لا يحنث في
الديانة إلا بما نوى. قال ط: ولو قال إن وطئت من غير ذكر امرأة ولا ضمير هنا فهو