النص المفهرس

صفحات 581-600

٥٨١
كتاب الطلاق / بَابُ: الأُمْرُ بِالبَدِ
(قال لها أنت طالق إن شئت فقالت شئت إن شئت أنت، فقال شئت ينوي
الطلاق أو قالت شئت إن كان كذا لمعدوم) أي لم يوجد بعد كإن شاء أبي أو إن
جاء الليل وهي في النهار (بطل) الأمر لفقد الشرط.
(وإن قالت شئت إن كان الأمر قد مضى) أراد بالماضي المحقق وجوده،
كإن كان أبي في الدار وهو فيها، أو إن كان هذا ليلاً وهي فيه مثلاً (طلقت) لأنه
تنجيز (قال لها أنت طالق متى شئت أو متى ما شئت أو إذا شئت أو إذا ما شئت
فردت الأمر لا یرتد،
المعلق بالمشيئة، فافهم. قوله: (أي لم يوجد بعد) لما كان قوله ((لمعدوم)) صادقاً على
ما مضى وانقطع مع أن التعليق به تنجيز خصصه بقوله ((أي لم يوجد بعد» ح، وإنما
أطلقه المصنف اعتماداً على ما ذكره في مقابله. قوله: (كإن شاء الخ) مثل بمثالين،
إشارة إلى أنه لا فرق بين أن يكون المعلوم محقق المجيء أو محتمله ح. قوله: (بطل
الأمر الخ) أي حال الطلاق. قال في البحر: لأنه علق الطلاق بمشيئتها المنجزة وهي
أتت بالمعلقة فلم يوجد الشرط، قيد بقوله ((شئت)) مقتصرة عليه، لأنها لو قالت شئت
طلاقي الخ وقع، لأنها إذا لم تذكر الطلاق لا تعتبر النية بلا لفظ صالح للإيقاع.
ويستفاد منه أنه لو قال شئت طلاقك وقع بالنية، لأن المشيئة تنبئ عن الوجود
لأنها من الشيء وهو الموجود، بخلاف أردت طلاقك لأنه لا ينبئ عن الوجود، فقد
فرّق الفقهاء بين المشيئة والإرادة في صفات العبد وإن كانا مترادفين في صفاته تعالى
كما هو اللغة فيهما، وأحببت ورضيت مثل أردت اهـ. قوله: (وإن قالت) أي في
المجلس. بحر. قوله: (أراد بالماضي المحقق وجوده) أي سواء وجد وانقضى، مثل
إن كان فلان قد جاء وقد جاء أو كان حاضراً كما مثل الشارح. قوله: (مثلاً) راجع إلى
قوله ((ليلًا)). قوله: (لأنه تنجيز) أي لأن التعليق بكائن تنجيز، ولذا صح تعليق الإبراء
بكائن. ولا يرد أنه لو قال هو كافر إن كنت كذا وهو يعلم أنه قد فعله مع أن المختار
أنه لا يكفر، لأن الكفر يبتنى على تبدل الاعتقاد، وتبدله غير واقع مع ذلك الفعل،
وتمامه في البحر. قوله: (فردت الأمر) بأن قالت لا أشاء. نهر. قوله: (لا يرتد) فلها
بعد ذلك أن تشاء، لأنه لم يملكها في الحال شيئاً بل أضافه إلى وقت مشيئتها فلا
یکون تملیكاً قبله فلا يرتد بالرد، كذا في الهداية.
وقد يقال: إنه ليس تمليكاً في حال أصلاً بل هو تعليق للطلاق على مشيئتها،
وقولها طلقت إيجاد للشرط الذي هو مشيئتها، وليس الواقع إلا طلاقه المعلق؛ نعم هذا
صحیح في قوله طلقي نفسك إن شئت. فتح.

٥٨٢
كتاب الطلاق / بَابُ: الأُمْرُ بِالبَدِ
ولا يتقيد بالمجلس ولا تطلق) نفسها (إلا واحدة) لأنها تعم الأزمان لا الأفعال،
فتملك التطليق في كل زمان لا تطليق بعد تطلق (ولها تفريق الثلاث في كلما
شئت، ولا تجمع) ولا تثنی
وأجاب في البحر بما في المحيط من أنه يتضمن معنى التعليق، وهو لازم لا
يقبل الإبطال. ومعنى التمليك لأن المالك هو الذي يتصرف عن مشيئته وإرادته، وهي
عاملة في التطليق لنفسها، والمالك هو الذي يعمل لنفسه، وجواب التمليك يقتصر
على المجلس.
وفي الجامع: أنت طالق إن شئت أو أحببت أو هويت ليس بيمين، لأنه تمليك
معنى تعليق صورة، ولهذا يقتصر على المجلس، والعبرة للمعنى دون الصورة اهـ.
وفائدته: أنه لا يحنث في يمينه لا يحلف [ ... ] اهـ.
أقول: وقوله وجواب التمليك يقتصر على المجلس خاص بما إذا علق بأداة لا
تفيد عموم الوقت كإن وكيف وحيث وكم وأين، بخلاف ما يدل على العموم وهو
المذكور هنا، وتقدم أيضاً أول الفصل. قوله: (ولا يتقيد بالمجلس) أما في كلمة
(متى) و ((متى ما)) فلأنها للتوقيت وهي عامة في الأوقات كلها، كأنه قال في أي وقت
شئت. وأما إذا وإذا ما فكمتى عندهما وعند الإمام وإن كانت تستعمل للشرط، فكما
تستعمل له تستعمل للوقت، لكن الأمر صار بيدها فلا يخرج بالقيام عن المجلس
بالشك؛ نعم لو قال أردت مجرد الشرط لنا أن نقول يتقيد بالمجلس ويحلف لنفي
التهمة. نهر. وتمامه في الفتح. قوله: (لأنها تعم الأزمان) تعليل لعدم التقييد
بالمجلس، كما أن قوله ((لا الأفعال)) علة لقوله ((ولا تطلق إلا واحدة)) ط. قوله: (لا
تطليقاً) كذا في بعض النسخ بالنصب عطفاً على التطليق، وفي أكثر النسخ ((لا تطليق))
ويمكن تأويله بجعل ((لا)) نافية للجنس، والخبر محذوف دل عليه ما قبله، والتقدير: لا
تطليق بعد تطليق مملوك لها، فافهم. قوله: (ولا تجمع ولا تثني) عبارة الهداية: فلا
تملك الإيقاع جملة وجمعاً. قال في العناية: قيل: معناهما واحد، وقيل: الجملة أن
تقول طلقت نفسي ثلاثاً، والجمع أن تقول طلقت نفسي واحدة وواحدة وواحدة، هذا
هو الظاهر اهـ: يعني في تفسير الجمع، فكأنه يشير إلى ما في الدراية حيث فسر
الجمع بأن تقول طلقت وطلقت وطلقت. قال: والأول أصح: يعني كونهما بمعنى
واحد، كذا في النهر. ويمكن أن يراد بالجملة الثنتان وبالجمع الثلاث، ويكون قوله
((ولا تجمع ولا تثني)) إشارة إلى ذلك، ثم اعلم أن مافي الدراية من تفسير الجمع، بأن
تقول طلقت وطلقت وطلقت وأن الأصح خلافه، يفيد أن لها أن تطلق ثلاثاً متفرقة في
مجلس واحد على الأصح، وإليه يشير ما في العناية أيضاً حيث فسره بطلقة واحدة

٥٨٣
كتاب الطلاق / بَابُ: الأَمْرُ بِاليَدِ
لأنها لعموم الإفراد.
وواحدة وواحدة، فإنه جمع لاتحاد العامل، بخلاف ما في الدراية فإنه تفريق لا جمع
لتكرر الفعل، وعلى هذا فما في القهستاني من قوله تطلق ثلاثاً متفرقة: أي في ثلاثة
مجالس، فلا تطلق نفسها في كل مجلس أكثر من واحدة، لأن ((كلما)) لعموم الإفراد فلا
تطلق ثلاثاً مجتمعة اهـ. مبني على خلاف الأصح، إلا أن يحمل قوله أكثر من واحدة
على المجتمعة بقرينة قوله فلا تطلق ثلاثاً مجتمعة. تأمل. ويدل على ما قلنا ما في
جامع الفصولين: أمرك بيدك كلما شئت، فلها أن تختار نفسها كلما شاءت في المجلس
أو بعده حتى تبين بثلاث، إلا أنها لا تطلق نفسها في دفعة واحدة أكثر من واحدة اهـ
فإن مقتضاه أن لها أن تطلق في مجلس واحد ثلاثاً متفرقة، إلا أن يفرق بين أنت طالق
وأمرك بيدك؛ لكن في غاية البيان قال: وهذه من مسائل الجامع الصغير، وصورتها:
محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة في رجل قال لامرأته أنت طالق كلما شئت، قال لها
أن تطلق نفسها وإن قامت من مجلسها وأخذت في عمل آخر واحدة بعد واحدة حتى
تطلق نفسها ثلاثاً الخ. قال في غاية البيان: لأن كلمة ((كلما)) لتعميم الفعل فلها مشيئة
بعد مشيئة إلى أن تستوفي الثلاث، فإذا قامت من المجلس أو أخذت في عمل آخر
بطلت مشيئتها المملوكة لها في ذلك المجلس بوجود دليل الإعراض، ولكن لها مشيئة
أخرى بحكم كلما اهـ. فهذا صريح في أن لها تفريق الثلاث في مجلس واحد اهـ.
وأصرح منه ما في التاترخانية عن المحيط: ولو قال لها أنت طالق كلما شئت فلها
ذلك أبداً كلما شاءت في المجلس وغيره واحدة بعد واحدة حتى تطلق ثلاثاً اهـ فافهم.
تنبيه: قال في الفتح: فلو طلقت ثلاثاً أو ثنتين وقع عندهما واحدة، وعنده لا يقع
شيء اهـ. وفي البحر عن المبسوط: كلما شئت فأنت طالق ثلاثاً فقالت شئت واحدة
فهذا باطل، لأن معنى كلامه كلما شئت الثلاث اهـ.
قلت: فأفاد أن تفزيق الثلاث إنما هو فيما إذا لم يصرح بالعدد. وفي كافي
الحاكم: كلما شئت فأنت طالق ثلاثاً فشاءت واحدة فذلك باطل، وكذا فأنت طالق
واحدة فشاءت ثلاثاً، وكذا لو قال فأنت طالق ولم يقل ثلاثاً فشاءت ثلاثاً اهـ: أي جملة،
فلو متفرّقة ولو في مجلس جاز كما علمت. قوله: (لأنها لعموم الإفراد) بكسر الهمزة:
أي الانفراد، كذا ضبطه الشارح في شرحه على المنار، وكذا ضبطه ح وقال: هو
مصدر، فیوافق تعبيرهم بالانفراد ويجوز فتحها اهـ.
وفي شرح العيني: لأن «كلما)) تعم الأوقات والأفعال عموم الانفراد لا عموم
الاجتماع، فيقتضي إيقاع الواحدة في كل مرة إلى ما لا يتناهى، إلا أن اليمين تصرف

٥٨٤
كتاب الطلاق / بَابُ: الأُمْرُ بِالبَدِ
(ولو طلقت بعد زوج آخر لا يقع) إن كانت طلقت نفسها ثلاثاً متفرّقة وإلا
فلها تفريقها بعد زوج آخر، وهي مسألة الهدم الآتية (أنت طالق حيث شئت أو
أين شئت لا تطلق إلا إذا شاءت في المجلس وإن قامت من مجلسها قبل مشيئتها
لا) مشيئة لها لأنهما للمكان
إلى الملك القائم اهـ. قوله: (لا يقع) لأن التعليق إنما ينصرف إلى الملك القائم وهو
الثلاث، فباستغراقه ينتهي التفويض. بحر. قوله: (وإلا) أي وإن لم تطلق نفسها أصلاً
أو طلقت نفسها ثلاثاً في مجلس أو طلقت نفسها واحدة فقط أو ثنتين في مجلس ح.
مَطْلَبٌ فِي مَسْأَلَةِ الْهَدْمِ
قوله: (وهي مسألة الهدم الآتية) أي في آخر باب الرجعة، وهي أن الزوج الثاني
يهدم ما دون الثلاث كما يهدم الثلاث، فمن طلق امرأته واحدة أو أكثر ثم عادت إليه بعد
زوج آخر عادت إليه بملك جديد فيملك عليها ثلاث طلقات، وهذا عندهما. وعند
محمد: إنما يهدم الثاني الثلاث فقط لا ما دونها، فمن طلق امرأته ثنتين ثم عادت إليه بعد
زوج آخر عادت إليه بما بقي وهو طلقة واحدة، فإذا طلقها بعد العود طلقة واحدة لا
تحرم عليه حرمة غليظة عندهما، وعنده تحرم. وكذا إذا قال: كلما دخلت الدار فأنت
طالق فدخلتها مرتين ووقع عليها الطلاق وانقضت عدتها ثم عادت إليه بعد زوج آخر؛
فعندهما تطلق كلما دخلت الدار إلى أن تبين بثلاث طلقات، خلافاً لمحمد كما ذكره
الزيلعي في باب التعليق عند قوله: وتعليق الثلاث يبطل تنجيزه. وعبارة البحر هنا:
قیدنا بکونه بعد الطلاق الثلاث لأنها لو طلقت نفسها واحدة أو ثنتین ثم عادت إليه بعد
زوج آخر فلها أن تفرق الثلاث، خلافاً لمحمد، وهي مسألة الهدم الآتية اهـ. وهو
موافق لما نقلناه عن الزيلعي، ومثله في الفتح وغاية البيان، وهذا صريح في أنها بعد
العود لها أن تطلق نفسها ثلاثاً متفرقة عندهما. وعند محمد: تطلق ما بقي فقط. فتفريق
الثلاث مبني على قولهما أو على قول محمد، فافهم. ونعم يشكل على هذا التعليل
المار بأن التعليق إنما ينصرف إلى الملك القائم وهو الثلاث، فإنه يقتضي أنها لو طلقت
نفسها ثنتين ثم عادت إليه بعد زوج آخر ليس لها أن تطلق نفسها أصلاً عندهما، لأنها
عادت إليه بملك حادث وطلقات الملك الأول هدمها الزوج الثاني.
ولا إشكال على قول محمد من أنها تطلق واحدة فقط، لأنها الباقية لكون الزوج
الثاني لم يهدم ما دون الثلاث عنده. ثم رأيت المحقق في الفتح أفاد الجواب عن ذلك
في باب التعليق بما حاصله أن قولهم إن المعلق طلقات هذا الملك الثلاث مقيد بما
دام مالكاً لها، فإذا زال ملكه لبعضها صار المعلق ثلاث مطلقة. قوله: (لأنهما للمكان)
فيحث ظرف مكان مبني على الضم، وأين ظرف مكان يكون استفهاماً، فإذا قيل أين

٥٨٥
كتاب الطلاق / بَابُ: الأُمْرُ بِالبَدِ
ولا تعلق للطلاق به فجعلا مجازاً عن إن لأنها أم الباب.
(وفي كيف شئت يقع) في الحال (رجعية، فإن شاءت بائنة أو ثلاثاً وقع) ما
شاءته (مع نيته) وإلا فرجعية لو موطوءة وإلا بانت وبطل الأمر، وقول الزيلعي
والعيني قبل الدخول صوابه بعده، فتنبه.
زيد لزم الجواب بتعيين مكانه، ويكون شرطاً أيضاً وتزاد فيه ((ما)) فيقال: أينما تقم أقم.
بحر عن المصباح. قوله: (ولا تعلق للطلاق به) ولذا لو قال أنت طالق بمكة أو في مكة
كان تنجيزاً للطلاق كما مر فتكون طالقاً في كل مكان في الحال، بخلاف الزمان فإن
الطلاق يتعلق به. قوله: (فجعلا مجازاً عن إن الخ) جواب عن إيرادين.
أحدهما: أنه إذا ألغى ذكر المكان صار أنت طالق شئت، وبه يقع الحال كأنت
طالق دخلت الدار.
ثانيهما: أنه إذا كان مجازاً عن الشرط فلم حمل على ((إن)) دون ((متى)) مما لا يبطل
بالقيام عن المجلس؟ والجواب عن الأول أنه جعل الظرف مجازاً عن الشرط، لأن كلّ
منهما يفيد ضرباً من التأخير وهو أولى من إلغائه بالكلية. وعن الثاني بأن حمله على
(إن)) أولى لأنها أم الباب، ولأنها حرف الشرط وفيه يبطل بالقيام. أفاده في الفتح.
قوله: (ويقع في الحال رجعية الخ) أي تطلق طلقة رجعية بمجرد قوله ذلك شاءت أو
لا، ثم إن قالت شئت بائنة أو ثلاثاً وقد نوى الزوج ذلك تصير كقوله للموافقة، وهذا
عنده. أما عندهما فما لم تشأ لم يقع شيء، فعنده أصلاً الطلاق لا يتعلق بمشيئتها بل
صفته، وعندهما يتعلقان معاً، وتمامه في الفتح: وكتبت في حاشيتي على شرح المنار
الفرق بين هذا التفويض وعامة التفويضات حيث لم تحتج إلى نية الزوج أن المفوض ها
هنا حال الطلاق وهو متنوّع بين البينونة والعدد فيحتاج إلى النية لتعيين أحدهما، بخلاف
عامة التفويضات. قوله: (وإلا فرجعية) صادق بما إذا شاءت خلاف ما نوى وبما إذا لم
ينو شيئاً، والمراد الأول لما في الفتح: وإن اختلفا بأن شاءت بائنة والزوج ثلاثاً أو على
القلب فهي رجعية، لأنه لغت مشيئتها لعدم الموافقة، فبقي إيقاع الزوج بالصريح، ونيته
لا تعمل في جعله بائناً أو ثلاثاً ولو لم تحضر الزوج نية لم يذكره في الأصل، ويجب أن
تعتبر مشيئتها، حتى لو شاءت بائنة أو ثلاثاً ولم ينو الزوج يقع ما أوقعت بالاتفاق
الخ اهـ. قوله: (لو موطوءة) قيد لقوله ((رجعية)) في الموضعين، وتقدم في باب المهر
نظماً أن المختلى بها كالموطوءة في لزوم العدة، وكذا في وقوع طلاق آخر في عدتها،
فافهم. قوله: (وإلا) أي بأن كانت غير مدخول بها طلقت طلقة بائنة وخرج الأمر من
يدها لفوات محليتها بعدم العدة، كذا في الفتح. أما المختلى بها فتلزمها العدة كما
علمت فتطلق رجعية ولا يخرج الأمر من يدها، فافهم. قوله: (وقول الزيلعي) عبارته:

:
٥٨٦
كتاب الطلاق / بَابُ: الأَمْرُ بِالبَدِ
(وفي كم شئت أو ما شئت لها أن تطلق ما شاءت) في مجلسها ولم يكن
بدعياً للضرورة (وإن ردت) أو أتت بما يفيد الإعراض (ارتدّ) لأنه تمليك في
الحال، فجوابه کذلك.
(قال لها طلقي) نفسك (من ثلاث ما شئت تطلق ما دون الثلاث، ومثله
اختاري من الثلاث ما شئت) لأن من تبعيضية. وقالا: بيانية، فتطلق الثلاث،
والأول أظهر.
وثمرة الخلاف تظهر في موضعين فيما إذا قامت عن المجلس قبل المشيئة، وفيما إذا
كان ذلك قبل الدخول فإنه يقع عنده طلقة رجعية، وعندهما: لا يقع شيء والرد
كالقيام اهـح. قوله: (لها أن تطلق ما شاءت) أي واحدة أو ثنتين أو ثلاثاً، ويتعلق أصل
الطلاق بمشيئتها بالاتفاق، بخلاف مسألة كيف شئت على قوله، لأن کم اسم للعدد،
وما شئت تعميم للعدد، والواحد عدد على اصطلاح الفقهاء، فكان التفويض في نفس
العدد، والواقع ليس إلا العدد إذا ذكر، فصار التفويض في نفس الواقع فلا يقع شيء ما
لم تشأ. فتح.
تنبيه: لم يذكر اشتراط النية من الزوج وشرطه الشارح في شرحه على المنار،
وكذا في شرح المرقاة. وذكر في الكشف أنه رأى بخط شيخه معلماً بعلامة البزدوي أن
مطابقة إرادة الزوج شرط، لأنه لما كان للعدد المبهم احتيج إلى النية، وأقره في
التقرير، لكن ظاهر الهداية والفتح وغيره أنه لا يشترط، واستظهره صاحب البحر في
شرحه على المنار لأنه لا اشتراك، لأن المفوض إليها القدر فقط وله أفراد فلا إبهام،
بخلافه في كيف لأن المفوض إليها الحال وهو مشترك كما قدمناه. قلت: وهو ظاهر
المتون أيضاً. قوله: (في مجلسها) لأنه تمليك فيقتصر عليه كما مر. قوله: (ولم يكن
بدعياً) قال في البحر: وأفاد بقوله ((ما شاءت)) أن لها أن تطلق أكثر من واحدة من غير
كراهة، ولا يكون بدعياً إلا ما أوقعه الزوج لأنها مضطرة إلى ذلك، لأنها لو فرقت خرج
الأمر من يدها اهـ.
قلت: كذا لو كانت حائضاً، وقد مر التصريح به في أول الطلاق. قال ط: ويقال
نظير ذلك في ((كيف شئت)) السابق إذا وقعت ثلاثاً مع النية. قوله: (وإن ردت) بأن
قالت لا أطلق. فتح. قوله: (بما يفيد الإعراض) كالنوم والقيام عن المجلس. قوله:
(لأنه تمليك في الحال) احتراز عن «إذا)) و (متى)) يعني هذا تمليك منجز غير مضاف
إلى وقت في المستقبل فاقتضى جواباً في الحال. فتح. قوله: (والأول أظهر) لأنه لو
كان المراد البيان لكفى قوله طلقي ما شئت، كما في النهر عن التحريرح.

٥٨٧
كتاب الطلاق / بَابُ: الأُمْرُ بِالبَدِ
فروع: قال: أنت طالق إن شئت وإن لم تشائي طلقت للحال.
ولو قال: إن كنت تحبين الطلاق فأنت طالق، وإن كنت تبغضينه فأنت طالق
لم تطلق، لأنه يجوز أن لا تحبه ولا تبغضه، ويجوز أن تشاء ولا تشاء؛ ولو قال
لهما: أشدكما حباً للطلاق أو أشدكما بغضاً له طالق
مَطْلَبُ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شِئْتٍ وإِنْ لَمْ تَشَائِي
قوله: (إن شئت وإن لم تشائي) اعلم أنه إذا جعل المشيئة وعدمها شرطاً واحداً أو
المشيئة والإباء فإنها لا تطلق أبداً للتعذر، كأنت طالق إن شئت ولم تشائي، أو إن شئت
أو أبيت، وإن كرر ((إن)) وقدّم الجزاء كأنت طالق إن شئت وإن لم تشائي فشاءت في
مجلسها أو لم تشأ تطلق، لأنه جعل كلَّ منهما شرطاً على حدة، كقوله أنت طالق إن
دخلت الدار أو لم تدخلي، وإن آخر الجزاء كإن شئت وإن لم تشائي فأنت طالق لا
تطلق أبداً، لأنه مع التأخير صارا كشرط واحد وتعذر اجتماعهما، بخلاف ما إذا أمكن
فلا تطلق حتى يوجدا كإن أكلت وإن شربت فأنت طالق، وإن کرّر ((إن)) وأحدهما
المشيئة والآخر الإباء كأنت طالق إن شئت وإن أبیت وقع شاءت أو أبت، وإن سكتت
حتى قامت من المجلس لا يقع، لأن كلّ منهما شرط على حدة والإباء فعل كالمشيئة
فأيهما وجد لا يقع، وإذا انعدما لا يقع، وكذا لو لم يكرر إن وعطف بأو كأنت طالق إن
شئت أو أبيت لأنه علقه بأحدهما؛ ولو قال إن شئت فأنت طالق وإن لم تشائي فأنت
طالق طلقت للحال، بخلاف إن كنت تحبين الطلاق فأنت طالق وإن كنت تبغضين فأنت
طالق، لأنه يجوز أن لا تحبّ ولا تبغض فلم يتيقن شرط الوقوع، ولا يجوز أن تشاء ولا
تشاء فيكون أحد الشرطين ثابتاً لا محالة فوقع؛ ولو قال أنت طالق إن أبيت أو كرهت
فقالت أبيت تطلق، ولو قال إن لم تشائي فأنت طالق فقالت لا أشاء لا تطلق، لأن
أبيت صيغة لإيجاد الإباء، فقد علق بالإباء منها وقد وجد فوقع؛ وقوله وإن لم تشائي
صيغة للعدم لا للإيجاد، فصار بمنزلة إن لم تدخلي الدار، وعدم المشيئة لا يتحقق
بقولها لا أشاء، لأن لها أن تشاء من بعد، وإنما يتحقق بالموت. بحر عن المحيط.
وذكر بعده أنه لو علقه بعدم مشيئة نفسه فهو كذلك، بخلاف إن لم يشأ فلان فقال لا
أشاء. والفرق أن شرط البرّ في الأجنبي مشيئة طلاقها في المجلس وبقوله لا أشاء تبدل
المجلس لأنه اشتغال بما لا يحتاج إليه، إذ يكفيه في الإيقاع السكوت حتى يقوم. قوله:
(لم تطلق) محله ما إذا قالت لا أحبّ ولا أبغض أو سكتت، أما لو قالت أحب أو أبغض
طلقت لأن التعليق بالمحبة ونحوها تعليق على الإخبار بذلك ولو كان مخالفاً لما في
الواقع كما سيأتي. قوله: (ولا يجوز أن تشاء ولا تشاء) لأن المشيئة تنبئ عن الوجود
ولا واسطة بين الوجود وعدمه. قوله: (أو أشدكما بغضاً له) هذه مسألة ثانية، وقوله

٥٨٨
كتاب الطلاق / بَابُ التَّعْلِيقِ
فقالت كلّ أنا أشد حباً له لم يقع لدعوى كل أن صاحبتها أقل حباً منها فلم يتم
الشرط، ثم التعليق بالمشيئة أو الإرادة أو الرضا أو الهوى أو المحبة يكون تمليكاً
فيه معنى التعليق، فيتقيد بالمجلس كأمرك بيدك، بخلاف التعليق بغيرها.
بَابُ التّغْلِيقِ
(هو) لغة من علقه تعليقاً. قاموس: جعله معلقاً.
(فقالت كل أنا أشد حباً له الخ)) جواب المسألة الأولى، وترك جواب المسألة الثانية
لكونه معلوماً بالمقايسة تقديره: فقالت كل أنا أشد بغضاً له لم يقع لدعوى كل أن
صاحبتها أقل بغضاً منها فلم يتم الشرط ح. قوله: (فقالت كل الخ) أي وكذبهما الزوج
كما قيده في حاكم الحاكم، ومقتضاه لو صدقهما وقع عليهما، لأن أفعل التفضيل
ينتظم الواحد والأكثر، كما سيأتي في الوقف فيما لو شرط النظر للأرشد. تأمل. قوله:
(فلم يتم الشرط) لأنها غير مصدقة في الشهادة على صاحبتها. بحر: أي لأنها لا تكون
أشد حباً أو بغضاً إلا إذا كانت الأخرى أقل وهي لا تصدق على ما في قلب الأخرى
فلم يثبت كونها أشد من الأخرى، ويقال في الأخرى كذلك فلم يثبت أشدية واحدة
منهما فلم يتم شرط الوقوع على واحدة منهما، ومقتضى التعليل أنه لو قالت واحدة
منهما فقط أنا أشد لم يقع عليها، إلا أن يقال في أن دعوى كل منهما تكذیب کل
للأخرى، بخلاف دعوى إحداهما، وسيأتي في التعليق أنه لو قال إن كنت تحبين كذا
فأنت كذا وفلانة فقالت أحب تصدق في حق نفسها. تأمل. قوله: (ثم التعليق بالمشيئة
الخ) وكذا التعليق بكل ما هو من المعاني التي لا يطلع عليها غيرها. بحر ط. قوله:
(فيتقيد بالمجلس) وكذا إذا كانت كاذبة في الإخبار بالمحبة والبغض يقع، بخلاف
التعليق بالحيض ونحوه، ثم إن هذا تفريع على التمليك، قيل والأولى زيادة ولا يملك
الرجوع عنه، ليتفرغ على كونه تعليقاً فإنه ظهر من تفريعه على التمليك.
قلت: وفيه أن المراد بيان ما خالف التعليق بهذه المذكورات التعليق بغيرها وعدم
الرجوع عنه مما توافق فيه الجميع، فافهم. قوله: (بخلاف التعليق بغيرها) كالتعليق على
الحيض أو على دخول الدار فإنه تعليق محض لا يتقيد بالمجلس، وكذا لا يقع في نفس
الأمر بالإخبار كذباً كما سيأتي، والله سبحانه وتعالى أعلم.
بَابُ الْتَّغْلِيقِ
ذكره بعد بيان تنجيز الطلاق صريحاً وكناية؛ لأنه مركب من ذكر الطلاق والشرط،
فاخره عن المفرد. نهر.
مَطْلَبٌ فِيمَا لَوْ حَلَفَ لَا يحِلِفُ فَعَلَّقَ
قوله: (من علقه تعليقاً) كذا في البحر والأولى أن يقول: وهو مصدر علقه جعله

٥٨٩
كتاب الطلاق / بَابُ التَّعْلِيقِ
واصطلاحاً (ربط حصول مضمون جملة بحصول مضمون جملة أخرى) ويسمى يميناً
مجازاً،
معلقاً ط: أي لأن كلامه يوهم اشتقاق المصدر من الفعل وهو خلاف المختار، لكن
المراد بيان المادة لإفادة أن المراد به لغة مطلق التعليق الشامل للحسي والمعنوي.
قوله: (واصطلاحاً ربط الخ) فهو خاص بالمعنوي، والمراد بالجملة الأولى في كلامه
جملة الجزاء، وبالثانية جملة الشرط، وبالمضمون ما تضمنته الجملة من المعنى، فهو في
مثل إن دخلت الدار فأنت طالق، ربط حصول طلاقها بحصول دخولها الدار. قوله:
(ويسمى يميناً مجازاً) لما في النهر من أن التعليق في الحقيقة إنما هو شرط جزافاً،
فإطلاق اليمين عليه مجاز لما فيه من معنى السببية اهـ. وفيه أن هذا بيان للجملة الشرطية
المتضمنة للتعليق المعرّف بالربط الخاص كما علمت، وهذا الربط يسمى يميناً.
قال في الفتح: إن اليمين في الأصل القوة، وسمیت إحدى اليدين باليمين لزيادة
قوتها على الأخرى، وسمي الحلف بالله تعالى يميناً لإفادته القوة على المحلوف عليه
من الفعل أو الترك بعد تردّد النفس فيه، ولا شك في أن تعليق المكروه للنفس على أمر
بحيث ينزل شرعاً عند نزوله يفيد قوة الامتناع عن ذلك الأمر وتعليق المحبوب لها: أي
للنفس على ذلك يفيد الحمل عليه فكان يميناً اهـ. لكن هذا يحتمل أنه حقيقة أو مجازاً
في اللغة.
وفي أيمان البحر: ظاهر ما في البدائع أن التعليق يمين في اللغة أيضاً، قال: لأن
محمد أطلق عليه يميناً، وقوله حجة في اللغة اهـ. فأفاد أنه يمين لغة واصطلاحاً، ولذا
قال في معراج الدراية: اليمين يقع على الحلف بالله تعالى وعلى التعليق.
قلت: لكن مقتضى كلام الفتح المارّ أن المراد به التعليق على أمر اختياري
للمعلق ليفيد قوة الامتناع عن الأمر المحلوف عليه أو قوة الحمل عليه، نحو: إن
بشرتني بكذا فأنت حر فغيره من التعليق لا يسمى يميناً، مثل إن طلعت الشمس أو إن
حضت فأنت كذا؛ لكن في تلخيص الجامع وشرحه للفارسي: لو حلف لا يحلف بيمين
حنث بتعليق الجزاء بما يصلح شرطاً، سواء كان الشرط فعل نفسه أم فعل غيره أم مجيء
الوقت، كأنت طالق إن دخلت أو إن قدم زيد أو إذا جاء غد، وكذا إذا جاء رأس
الشهر، أو إذا أهلّ الهلال والمرأة عن ذوات الحيض دون الأشهر، لوجود ركن اليمين
وهو تعليق الجزاء، ووجود اليمين شرط الحنث فيحنث، إلا أن يعلق بعمل من أعمال
القلب كإن شئت أو أردت أو أحببت أو هويت أو رضيت، أو بمجيء الشهر كإذا جاء
رأس الشهر والمرأة من ذوات الأشهر فلا يحنث؛ أما الأول فلأنه مستعمل في التمليك
ولذا يقتصر على المجلس فلم يتمحض للتعليق، وأما الثاني فلأنه مستعمل في بيان

٥٩٠
كتاب الطلاق / بَابُ التَّعْلِيقِ
وقت السنة، لأن رأس الشهر في حقها وقت وقوع الطلاق السني فلم يتمحض
للتعليق، ولهذا لم يحنث بتعليق الطلاق بالتطليق كأنت طالق إن طلقتك لاحتمال إرادة
الحكاية عن الواقع من كونه مالكاً لتطليقها فلم يتمحض للتعليق، ولا بقوله لعبده إن
أديت إليّ ألفاً فأنت حرّ وإن عجزت فأنت رقيق وإن وجد الشرط والجزاء، لأنه تفسير
الكتابة فلم يتمحض للتعليق، ولا لقوله أنت طالق إن حضت حيضة، لأن الحيضة
الكاملة لا وجود لها إلا بوجود جزء من الطهر فيقع في الطهر، فأمكن جعله تفسيراً
الطلاق السنة فلم يتمحض للتعليق؛ وإنما لم نحنثه بما لم يتمحض للتعليق في هذه
الصور، لأن الحلف بالطلاق محظور، وحمل كلام العاقل على وجه فيه إعدام المحظور
أولى، وقد أمكن حمله هنا على ما يحتمله من التمليك أو التفسير فلا يحمل على الحلف
بالطلاق، وإنما حنث في قوله إن حضت فأنت طالق لوجود شرط الحنث وهو اليمين
بذكر ركنه وهو الجزاء والشرط، وقوله إن حضت لا يصلح تفسيراً للطلاق البدعي لتنوع
البدعي إلى أنواع فلم يمكن جعله تفسيراً، بخلاف السنيّ فإنه نوع واحد، وإنما حنث
فيما لو قال لها أنت طالق إن طلعت الشمس مع أن معنى اليمين وهو الحمل أو المنع
مفقود، ومع أن طلوع الشمس متحقق الوجود لا يصلح شرطاً، لأنه لا خطر في
وجوده. لأنا نقول: الحمل والمنع ثمرة الیمین وحكمته، فقد تم الرکن في الیمین دون
الثمرة والحكمة، إذ الحكم الشرعي في العقود الشرعية يتعلق بالصورة لا بالثمرة
والحكمة، ولذا لو حلف لا يبيع فباع فاسداً حنث لوجود ركن البيع وإن كان المطلوب
منه وهو انتقال الملك غير ثابت، ولا تسلم عدم الخطر لاحتمال قيام الساعة في كل
زمان اهـ ملخصاً.
مَطْلَبُ: لَا يُحتَثُ بِتَعْلِيقِ الطَّلاَقِ بِالنَّطْلِيقِ
وحاصله أن كل تعليق يمين سواء كان تعليقاً على فعله أو فعل غيره أو على مجيء
الوقت وإن لم توجد فيه ثمرة اليمين وهي الحمل أو المنع فيحنث به في حلفه لا
يحلف، إلا إذا أمكن صرفه عن صورة التعليق إلى جعله تمليكاً أو تفسيراً لطلاق السنة
أو لبيان الواقع أو للكتابة كما في هذه المسائل الخمس المستثناة، كما سيأتي في كتاب
الأيمان إن شاء الله تعالى، وبهذا يتضح ما قاله في البحر من أن تعبير المصنف بالتعليق
أولى من قول الهداية باب اليمين بالطلاق، لأن التعلیق یشمل الصوري کھذہ الخمس،
وبعضها قد ذكر في هذا الباب مع أنها ليست يميناً كما علمت، وقوله في النهر: إنه لا
يحنث فيها لأنها ليست يميناً عرفاً فلا ينافي كونها يميناً في اصطلاح الفقهاء ساقط لما
علمت من أن عدم الحنث فيها لعدم تمحضها تعليقاً وأنها ليست يميناً عندهم. وأيضاً

٥٩١
كتاب الطلاق / بَابُ التَّعْلِيقِ
وشرط صحته كون الشرط معدوماً على خطر الوجود؛ فالمحقق كإن كان السماء
فوقنا تنجيز، والمستحيل كإن دخل الجمل في سم الخياط لغو
لو كان ذلك مبنياً على العرف فما الفرق في العرف بين إن حضت وإن حضت حيضة
حتى كان الأول يميناً دون الثاني. قوله: (كون الشرط) أي مدلول فعل الشرط. قوله:
(على خطر الوجود) أي متردداً بين أن يكون وأن لا يكون لا مستحيلاً ولا متحققاً لا
محالة، لأن الشرط للحمل والمنع وكل منهما لا يتصور فيهما. شرح التحرير. قوله:
(فالمحقق) محترز قوله ((معدوماً) ح. قوله: (تنجيز) ليس على إطلاقه بل فيما لبقائه
حكم ابتدائه، كقوله لعبده إن ملكتك فأنت حرّ عتق حين سكت، وقوله لها إن أبصرت
أو سمعت أو صححت وهي بصيرة أو سمعية أو صحيحة طلقت الساعة، لأن ذلك أمر
يمتد، فكان لبقائه حكم الابتداء، بخلاف إن حضت أو مرضت وهي حائض أو مريضة
فعلى حيضة مستقبلة، لأن الحيض والمرض مما لا يمتد. أفاده في البحر.
ووجهه كما في الخانية أن الحيض والمرض وإن كان يمتدّ إلا أن الشرط لما علق
بالجملة أحكاماً لا تتعلق بكل جزء منه فقدجعل الكل شيئاً واحداً، فافهم. قوله:
(والمستحيل) محترز قوله ((على خطر الوجود» ح. قوله: (لغو) فلا يقع أصلاً، لأن غرضه
منه تحقيق النفي حيث علقه بأمر محال، وهذا يرجع إلى قولهما إمكان البّ شرط انعقاد
اليمين، خلافاً لأبي يوسف. وعلى هذا ظهر ما في الخانية: لو قال لها إن لم تردي عليّ
الدينار الذي أخذتيه من كيسي فأنت طالق فإذا الدينار في كيسه لا تطلق. بحر. ومنه ما
في القنية: سكران طرق الباب فلم يفتح له فقال إن لم تفتحي الباب الليلة فأنت طالق.
ولم يكن في الدار أحد لا تطلق. نهر ومنه مسائل ستأتي في الفروع آخر الباب.
مَطْلَبُ: إِنْ لَمْ تَنَزَّوَّجِي بِقُلَانٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ
تنبيه: في فتاوی الکازروني عن فتاوی المحقق عبد الرحمن المرشدي أنه سئل عمن
قال لزوجته أنت طالق إن لم تتزوجي بفلان. فأجاب لا خفاء في أن مراد الزوج بهذا
التعليق إنما هو عدم تزوجها بفلان بعد زوال سلطانه عنها بانفصال العصمة وانقضاء العدة
وهي حينئذ في غير ملكه فيكون لغواً فيلغو الشرط ويبقى قوله أنت طالق فتطلق منجزاً كما
اختاره بعض المتأخرين من علماء اليمن، بناء على استحالة وجود الشرط المعلق عليه
الطلاق حالة بقائها في عصمة الزوج، واختار بعض منهم صحة التعليق وجعله ممكناً،
وأوقع الطلاق في آخر جزء من حياته أو حياتها لأنه في معنى العدم، والعدم متحقق
مستمر، لكنه لما علقه بالمستقبل صلح جميع زمان الاستقبال لوجوده فلا يتعين له وقت
آخر إلى أن ينتهي إلى آخر جزء من الحياة فيتضيق فيقع. ولحظ بعضهم أنه شرط إلزامي،
فكأنه يريد إلزامها بعدم تزوجها بفلان وهو إلزام ما لا يلزم، فيلغو ويقع الطلاق منجزاً.
.--

٥٩٢
كتاب الطلاق / بَابُ التَّعْلِيقِ
وكونه متصلاً إلا لعذر وأن لا يقصد به المجازاة، فلو قالت يا سفلة فقال: إن
كنت كما قلت فأنت كذا تنجيز كان كذلك أولا وذكر المشروط، فنحو أنت طالق
إن لغو،
أقول: ولو قيل بأن مراد الزوج التعليق بعدم إرادتها التزوج بفلان بعد الطلاق
صوناً لكلام العاقل عن الإلغاء لم يبعد، ويكون في ذلك القول قولها مع يمينها كما في
نظائره من الأمور القلبية، نحو إن كنت تحبيني، فإن قالت له لم أرد التزوج به بعدك وقع
الطلاق، وإلا فلا اهـ ملخصاً. ثم نقل الكازروني هذه المسألة ثانياً عن الحدادي
صاحب الجوهرة، أجاب عنها سراج الدين الهاملي رواية عن شيخه علي بن نوح بأنها
تطلق وتتزوج من أرادت. قال الكازروني: وهو الذي ينبغي أن يعوّل عليه: أي بناء
على أنه تعليق بمستحيل أو شرط إلزامي(١). قوله: (وکونه متصلا الخ) أي بلا فاصل
أجنبي، وسيأتي الكلام عليه عند قوله قال لها أنت طالق إن شاء الله متصلًاً.
مَطْلَبٌ: التَّعْلِيقُ المُرَادُ بهِ المُجَازَاُ دُونَ الشَّرْطِ
قوله: (وأن لا يقصد به المجازاة الخ) قال في البحر: فلو سبته بنحو قرطبان
وسفلة، فقال: إن كنت كما قلت فأنت طالق تنجز، سواء كان الزوج كما قالت أو لم
يكن، لأن الزوج في الغالب لا يريد إلا إيذاءها بالطلاق، فإن أراد التعليق يدين، وفتوى
أهل بخارى عليه كما في الفتح اهـ: يعني على أنه للمجازاة دون الشرط كما رأيته في
الفتح، وكذا في الذخيرة. وفيها: والمختار والفتوى أنه إن كان في حالة الغضب فهو
على المجازاة، وإلا فعلى الشرط اهـ. ومثله في التاترخانية عن المحيط. وفي
الولوالجية: إن أراد التعليق لا يقع ما لم يكن سفلة، وتكلموا في معنى السفلة. عن أبي
حنيفة أن المسلم لا يكون سفلة إنما السفلة الكافر وعن أبي يوسف أنه الذي لا يبالي ما قال
وما قيل له. وعن محمد أنه الذي يلعب بالحمام ويقامر. وقال خلف: إنه من إذا دعي
لطعام يحمل من هناك شيئاً. والفتوى على ما روي عن أبي حنيفة لأنه هو السفلة
مطلقاً اهـ. والقرطبان: الذي لا غيرة له. قوله: (تنجيز) الأولى تنجز بصيغة الماضي لأنه
جواب قوله ((فلو قال)). قوله: (وذكر المشروط) أي فعل الشرط لأنه مشروط لوجود
الجزاء. قوله: (لغو) أي فلا تطلق لأنه ما أرسل الكلام إرسالاً، وكذا لو قال أنت طالق
(١) في ط (قوله أو شرط إلزامي) قلت: ورأيت من وصايا خزانة الأكمل ما يؤيده، حيث قال: أوصى لأمته أن
تعتق على أن لا تتزوج ثم مات فقالت: لا أتزوج فإنها تعتق من ثلثه، فإن تزوجت بعده لم تبطل الوصية،
وكذا لو قال هي حرة على أن تثبت على الإسلام أو على أن لا ترجع عن الإسلام، فإن أقامت على
الإسلام ساعة فهي حرة من ثلثه ولا تبطل بارتدادها بعد؛ وكذا نصراني قال إن ثبتت على النصرانية بعده أو
على الإسلام، وإن أوصى لأم ولده إن لم تتزوج أبداً إن وقت وقتاً فهو كما قال، فإن تزوجت بعد ذلك
بطلت وصيته، وكذا إن قال لأمته هي حرة إن لم تتزوج شهراً.

٥٩٣
كتاب الطلاق / بَابُ التَّعْلِيقِ
به يفتى. ووجود رابط حيث تأخر الجزاء كما يأتي (شرط الملك) حقيقة كقوله
لقنه: إن فعلت كذا فأنت حرّ أو حكماً، ولو حكماً (كقوله لمنكوحته) أو معتدته
(إن ذهبت فأنت طالق، أو الإضافة إليه) أي الملك الحقيقي عاماً أو خاصاً، كإن
ثلاثاً لو لا أو إلا أو إن كان أو إن لم يكن. بحر. قوله: (به يفتى) هو قول أبي يوسف.
وقال محمد: تطلق للحال. بحر. قوله: (ووجود رابط) أي كالفاء وإذا الفجائية ح. قوله:
(كما يأتي) أي عند قوله ((وألفاظ الشرط)) ح. قوله: (شرطه الملك) أي شرط لزومه(١)
فإن التعليق في غير الملك والمضاف إليه صحيح موقوف على إجازه الزوج، حتى قال
أجنبيّ لزوجة إنسان إن دخلت الدار فأنت طالق توقف على الإجازة، فإن أجازة لزم
التعليق فتطلق بالدخول بعد الإجازة لا قبلها، وكذا الطلاق المنجز من الأجنبي موقوف
على إجازة الزوج، فإذا أجازه وقع مقتصراً، على وقت الإجازة، بخلاف البيع فإنه
بالإجازة يستند إلى وقت البيع. والضابط فيه أن ما صح تعليقه بالشرط(٢) يقتصر وما لا
يصح يستند. بحر. قوله: (حقيقة) أشار إلى أن المراد ما يشمل تعليق الطلاق والعتق،
وكذا النذر كإن شفى الله مريضي فللَّه عليّ أن أتصدق بهذا الثوب، اشترط ملكه له حالة
التعليق. أفاده الرحمتي. قوله: (أو حكماً) أي أو كان الملك حكماً كملك النكاح فإنه
ملك انتفاع بالبضع لا ملك رقبة.
ثم إن هذا الحكمي إن كان النكاح قائماً فهو حكمي حقيقة، وإن كان بعد الطلاق
وهي في العدة فهو حكمي حكماً، وإلى هذا أشار بقوله ((ولو حكماً) ط. قوله:
(لمنكوحته أو معتدته) فيه نشر مرتب. قال في البحر: وقدمنا آخر الكنايات عند قوله
((والصريح يلحق الصريح)) أن تعليق طلاق المعتدة فيها صحيح في جميع الصور، إلا إذا
كانت معتدّة عن بائن وعلق بائناً كما في البدائع اعتباراً للتعليق بالتنجيز. قوله: (أو
الإضافة إليه) بأن يكون معلقاً بالملك كما مثل، وكقوله إن صرت زوجة لي أو سبب
الملك كالنكاح: أي التزوّج، وكالشراء في إن اشتريت عبداً، بخلاف قوله لعبد مورثه
إن مات سيدك فأنت حرّ فإنه لا يصح التعليق، لأن الموت ليس بموضوع للملك بل
لإبطاله.
ثم اعلم أن المراد هنا بالإضافة معناها اللغوي الشاملة للتعليق المحض وللإضافة
(١) في ط (قوله أي شرط لزومه الخ) لعل هذا التقدير خاص بالمتزوجة، وأما الخالية عن الأزواج فالملك فيه
شرط صحة، حتى لو قال رجل لامرأة خالية عن الزوج أنت طالق أو إن دخلت الدار فأنت طالق كان قوله:
لاغياً لعدم الملك.
(٢) في ط (قوله ما صح تعليقه بالشرط الخ) أي والموقوف معلق في المعنى على إجازة المالك، والتعليق
الحقيقي يقتصر على وقت الشرط فيصح هذا في الطلاق دون البيع فيستند.

٥٩٤
كتاب الطلاق / بَابُ التَّعْلِيقِ
ملكت عبداً أو إن ملكتك لمعين فكذا أو الحكمي كذلك (كإن) نكحت امرأة أو
إن (نكحتك فأنت طالق) وكذا كل امرأة، ويكفي معنى الشرط إلا في المعينة
باسم أو نسب أو إشارة، فلو قال: المرأة التي أتزوجها طالق تطلق بتزوجها
الاصطلاحية، كأنت طالق يوم أتزوجك كما أشار إليه في الفتح، وقد أطال في البحر
في بيان الفرق بينهما، فراجعه. قوله: (فكذا) أي فهو حرّ أو فأنت حر. قوله: (أو
الحكمي) عطف على الحقيقي ح. قوله: (كذلك) أي عاماً أو خاصاً، وأشار بذلك
إلى خلاف مالك رحمه الله حيث خصه بالخاص بامرأة أو بمصر أو قبيلة أو بكارة أو
ثيوبة ككل بكر أو ثيب. قوله: (كإن نكحت امرأة) أي فهي طالق، وحذفه لدلالة ما
بعده عليه. قوله: (أو إن نكحتك) لا فرق بين كونها أجنبية أو معتدة كما في البحر.
قوله: (وكذا كل امرأة) أي إذا قال: كل امرأة أتزوجها طالق، والحيلة فيه ما في البحر
من أنه يزوجه فضولي، ويجيز بالفعل كسوق الواجب إليها، أو يتزوجها بعد ما وقع
الطلاق عليها، لأن كلمة كل لا تقتضي التكرار اهـ. وقدمنا قبل فصل المشيئة ما يتعلق
بهذا البحث.
فرع: قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق إن كلمت فلاناً فكلم ثم تزوج لا يقع
الطلاق عليها، وإن كلم ثم تزوج ثم كلم طلقت المتزوجة بعد الكلام الأول. خانية.
وانظر ما في الفصل العاشر(١) من الذخيرة. قوله: (باسم أو نسب) الذي في البحر
وغيره: ونسب بالواو. قال: فلو قال فلانة بنت فلان التي أتزوجها طالق فتزوجها لم
تطلق اهـ: أي لأنه لما لغا الوصف بالتزوج بقي قوله فلانة بنت فلان طالق وهي أجنبية
ولم توجد الإضافة إلى الملك فلا يقع إذا تزوجها. قوله: (أو إشارة) التعريف بالإشارة
في الحاضرة وبالاسم والنسب في الغائبة، حتى لو كانت المرأة حاضرة عند الحلف لا
يحصل التعريف بذكر اسمها ونسبها ولا تلغو الصفة، ويتعلق الطلاق بالتزوج.
وعليه ما في الجامع: رجل اسمه محمد بن عبد الله وله غلام فقال إن كلم غلام
محمد بن عبد الله هذا أحد فامرأته طالق وأشار الحالف إلى الغلام لا إلى نفسه ثم كلم
الغلام بنفسه تطلق؛ لأن الحالف حاضر، فتعريفه بالإشارة أو الإضافة ولم يوجد
فبقي منكراً فدخل تحت اسم النكرة. أفاده في البحر عن جامع شيخ الإسلام. قوله:
(١) في ط (قوله وانظر ما في الفصل العاشر) حاصل ما ذكره صاحب البحر في هذه المسألة أنه لو قدم الشرط
بأن قال كلمت زيداً فكل الخ يكون الشرط حصول كلام قبل التزوج، وأما لو عكس بأنه أخر الشرط
انعكس الحكم، وكان الشرط حصول كلام التزوج؛ حتى لو كلم ثم تزوج تطلق في المسألة الأولى دون
الثانية، ولو كلم بعد هذا التزوج على المسألة الثانية تطلق لحصول الشرط وهو الكلام بعد التزوج.

٥٩٥
كتاب الطلاق / بَابُ التَّعْلِيقِ
ولوقال هذه المرأة الخ لا لتعريفها بالإشارة، فلغا الوصف (فلغا قوله الأجنبية إن
زرت زيداً فأنت طالق فنكحها فزارت) وكذا كل امرأة اجتمع معها في فراش فهي
طالق فتزوجها لم تطلق، وكل جارية أطؤها حرّة، فاشترى جارية فوطئها لم تعتق
لعدم الملك والإضافة إليه.
وأفاد في البحر أن زيارة المرأة في عرفنا لا تكون إلا بطعام معها يطبخ عند
المزور فليحفظ.
(كما لغا إيقاعه) الطلاق (مقارناً لثبوت ملك) كأنت طالق مع نكاحك،
(فلغا الوصف) أي قوله ((أتزوجها)) فصار كأنه قال هذه طالق كقوله لامرأته هذه المرأة
التي تدخل الدار طالق فإنها تطلق للحال دخلت أو لا. بحر. وإنما لم تطلق
الأجنبية لعدم الملك وعدم الإضافة إليه لإلغاء الوصف، بخلاف امرأته. قوله: (لعدم
الملك والإضافة إليه) أما في مسألة المتن فظاهر، وكذا فيما بعدها لأن الاجتماع في
فراش لا يلزم كونه عن نكاح، كما أن وطء الجارية لا يلزم كونه عن ملك؛ ومثل
ذلك ما لو قال لوالديه إن زوّجتماني امرأة فهي طالق ثلاثاً فزوجاه بلا أمره لا تطلق،
لأنه غير مضاف إلى ملك النكاح، لأن تزويجهما له بلا أمره لا يصح. بحر عن
المحيط. ثم قال: لا فرق بين كونه بأمره أو بلا أمره كما في المعراج اهـ.
قلت: لكن في الخانية في صورة الأمر أن الصحيح أنه يصح اليمين وتطلق اهـ.
وهو مشكل، لأن الكلام في وجود شرط التعليق وهو الملك أو الإضافة إليه، وتزويج
الأبوين غير سبب للملك من كل وجه لأنه قد يكون بأمره وبدونه؛ اللهم إلا أن يكون
مراد الخانية ما إذا قال إن زوّجتماني بأمري فحينئذ يصح اليمين وتطلق، وإلا فلا وجه
للتفصيل المذكور قبل صحة التعليق، فالأوجه ما في المعراج. قوله: (وأفاد في البحر
الخ) قلت: هذا العرف في دمشق الآن غير مطرد، بل كان وبان؛ نعم بقي بين أطراف
الناس. وقال ط: قلت العرف الجاري في مصر الآن أنها تعدّ زائرة ولو معها شيء غير
ما يطبخ. قوله: (كما لغا الخ) أصل ذلك ما في البحر عن المعراج: ولو أضافه إلى
النكاح لا يقع، كما لو قال أنت طالق مع نكاحك أو في نكاحك ذكره في الجامع،
بخلاف أنت طالق مع تزوجي إياك فإنه يقع، وهو مشكل. وقيل الفرق أنه لما أضاف
التزوج إلى فاعله واستوفى مفعوله جعل التزويج مجازاً عن الملك لأنه سببه، وحمل مع
على بعد تصحيحاً له وفي نكاحك لم يذكر الفاعل؛ فالكلام ناقص فلا يقدر بعد النكاح
فلا يقع ويصح النكاح اهـ. وأشار الشارح إلى هذا الفرق بقوله ((لتمام الكلام الخ)).
ومقتضاه أنه لو قال: مع نكاحي إياك؛ أو قال: مع تزوجك انعكس الحكم، لكن

٥٩٦
كتاب الطلاق / بَابُ التَّعْلِيقِ
ويصح مع تزوّجي إياك لتمام الكلام بفاعله ومفعوله (أو زواله) كمع موتي أو
موتك.
فائدة: في المجتبى عن محمد في المضافة لا يقع، وبه أفتى أئمة خوارزم
انتهى. وهو قول الشافعي. وللحنفي تقليده بفسخ قاض
قال ح: وفي النفس من هذا التعليل شيء، فإن قوله مع نكاحك على تقدير مع نكاحي
إياك والمقدر كالملفوظ، وإلى هذا الضعف أشار بصيغة التمريض اهـ.
قلت: الأظهر الفرق بأنه عند عدم التصريح بالفاعل يحتمل تزوّجه لها أو تزوج
غيره لها، لكن مقتضى هذا عدم الفرق بين النكاح والتزوّج في أنه إن صرح بذكر الفاعل
يقع فيهما، وإلا فلا فيهما، فتأمل.
وأقرب من هذا كله ما استنبطه بعض فضلاء الدرس أن التزوج يعقب التزويج،
فإذا قارن الطلاق التزوج وجد الملك قبله بالتزويج فيصح وتطلق، بخلاف مع نكاحك
لأنه مقارن للملك. قوله: (كمع موتي أو موتك) لإضافته لحالة منافية للإيقاع في
الأول والوقوع في الثاني كما تقدم في باب الصريح. قوله: (في المجتمع عن محمد في
المضافة) أي في اليمين المضافة إلى الملك.
وعبارة المجتبى على ما في البحر: وقد ظفرت برواية عن محمد أنه لا يقع، وبه
كان يفتي كثير من أئمة خوارزم اهـ. وأما ما في الظهيرية من أنه قول محمد وبه يفتى،
فذاك غير ما نحن فيه كما يأتي بيانه قريباً، فافهم. قوله: (وللحنفي تقليده الخ) أي
تقليد الشافعي.
مَطْلَبٌ فِي فَسْخِ أَلَيَمِينِ المُضَافَةِ إِلَى الملكِ
قال في البحر: وللحنفي أن يرفع الأمر إلى شافعي يفسخ اليمين المضافة، فلو
قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق ثلاثاً فتزوجها فخاصمته إلى قاض شافعي وادعت
الطلاق فحكم بأنها امرأته وأن الطلاق ليس بشيء حلّ له ذلك، ولو وطئها الزوج بعد
النكاح قبل الفسخ ثم فسخ يكون الوطء حلالاً إذا فسخ، وإذا فسخ لا يحتاج إلى تجديد
العقد، ولو قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق فتزوج امرأة وفسخ اليمين ثم تزوج امرأة
أخرى لا يحتاج إلى الفسخ في كل امرأة؛ وكذا في الخلاصة. وفي الظهيرية أنه قول
محمد، وبقوله يفتى اهـ.
قلت: ومفهومه أن عندهما يحتاج إلى الفسخ في كل امرأة، وبه صرح في الظهيرية
أيضاً، فالخلاف هنا فيما إذا فسخ القاضي الشافعي اليمين في امرأة ثم تزوج الحالف
امرأة أخرى، فعندهما لا يكفي الفسخ الأول، بل يقع الطلاق على الثانية ما لم يفسخ
ثانياً. وعند محمد: يكفي لأنها يمين واحدة فلا يحتاج إلى فسخها ثانياً، وبقول محمد

٥٩٧
كتاب الطلاق / بَابُ التَّعْلِيقِ
بل محكم بل إفتاء عدل
يفتى. ولا يخفى أن هذا مبني على صحة اليمين عنده، وأنه يقع بها الطلاق، فلا ينافي
ما مر عن المجتبى من أن عدم الوقوع رواية عنه، فمن زعم أنه في الظهيرية جعل عدم
الوقوع قول محمد لا رواية عنه وأنه المفتى به فقد وهم، فافهم.
ثم قال في البحر: وإذا عقد أيماناً على امرأة واحدة، فإذا قضي بصحة النكاح
بعده ارتفعت الأيمان كلها، وإذا عقد على كل امرأة يميناً على حدة لا شك أنه إذا فسخ
على امرأة لا ينفسخ على الأخرى، وإذا يمينه بكلمة ((كلما)) فإنه يحتاج إلى تكرار الفسخ
في كل يمين اهـ. فهي أربع مسائل في شرح المجمع للمصنف، فإن أمضاه قاض حنفي
بعد ذلك كان أحوط اهـ. ومحل الفسخ من الشافعي إذا كان قبل أن يطلقها ثلاثاً، لأنه لو
فسخ تطلق ثلاثاً بالتنجيز بعد النكاح فلا يفيد كما في الخانية. وفيها أيضاً شرطه أن لا
يأخذ القاضي عليه ما لا، فلو أخذ لا ينفذ عند الكل إلا إن أخذ على الكتابة قدر أجرة
المثل، فلو أزيد لا ينفذ، والأولى أن لا يأخذ مطلقاً أهـ.
تنبيه: ذكر في البحر في كتاب القاضي عن الولوالجية: لو قال لها أنت طالق البتة
فترافعا إلى قاض يراها رجعية وهو يراها بائنة فإنه يتبع رأي القاضي عند محمد، فيحل له
المقام معها. وقيل إنه قول أبي حنيفة. وعند أبي يوسف: لا يحل هذا إن قضى له، فإن
قضى عليه بالبينونة والزوج لا يراها يتبع القاضي إجماعاً، هذا كله إذا كان الزوج عالماً له
رأي واجتهاد، فلو عامياً اتبع رأي القاضي سواء قضى له أو عليه، وهذا إذا قضى له؛
أما إذا أفتى له فهو على الاختلاف السابق، لأن قول المفتي في حق الجاهل بمنزلة رأيه
واجتهاده اهـ: أي فيلزم الجاهل اتباع قول المفتي كما يلزم العالم اتباع رأيه واجتهاده،
وبهذا علم أنه لا حاجة إلى التقليد مع القضاء، لأن القضاء ملزم سواء وافق رأي الزوج
أو خالفه، وكذا مع الإفتاء لو الزوج جاهلاً. قوله: (بل محكم) في الخانية: حكم
المحكم كالقضاء على الصحيح. وفي البزازية وعن الصدر أقول: لا يحل لأحد أن
يفعل ذلك. وقال الحلواني: يعلم ولا يفتى به لئلا يتطرّق الجهال إلى هدم
المذهب اهـ. بحر. قوله: (بل إفتاء عدل الخ) عطف على مجرور الباء وهو فسخ. وفي
البحر عن البزازية: وعن أصحابنا ما هو أوسع من ذلك، وهو أنه لو استفتى ففيهاً عدلاً
فأفتاه ببطلان اليمين حل له العمل بفتواه وإمساكها. وروى أوسع من هذا، وهو أنه لو
أفتاه مفت بالحلّ ثم أفتاه آخر بالحرمة بعد ما عمل بالفتوى الأولى فإنه يعمل بفتوى
الثاني في حق امرأة أخرى لا في حق الأولى، ويعمل بكلا الفتوتين(١) في حادثتين لكن
لا یفتی به اهـ.
(١) في ط (قول المحشي الفتوتين) وقع فيما سيعترض به على الشارح من أن الصواب ((الفتويين)) قاله نصر.

٥٩٨
كتاب الطلاق / بَّابُ التَّعْلِيقِ
وبفتوتين في حادثتين، وهذا يعلم ولا يفتى به. بزازية.
(ويبطل تنجيز الثلاث) للحرّة والثنتين للأمة (تعليقه) للثلاث، وما دونها
قلت: يعني أن المفتي لا يفتي صاحب الحادثة بما يتوصل به إلى فسخ اليمين،
فلا يقول له ارفع الأمر إلى شافعي أحكمه في ذلك أو استفته، بل يقول عليه الطلاق،
لأن عليه أن يجيب بما يعتقده، وليس له أن يدله على ما يهدم مذهبه، وليس المراد أن
لا يفتيه بفسخ اليمين إذا فعل صاحب الحادثة شيئاً من ذلك، لما علمت من أن الجاهل
يلزمه اتباع رأي القاضي والمفتي. وأن قضاء القاضي في محلّ الاجتهاد يرفع الخلاف،
فإذا فعل شيئاً عن ذلك فعلى الحنفي أن يفتيه بصحة الفسخ.
لا یقال: إذا کان ذلك قول محمد فکیف لا یفتیه به، لما علمت من أن ذلك رواية
عن محمد، وأن قوله كقول الشيخين بالوقوع، وأن ما في الظهيرية لا ينافي ذلك كما
قررناه آنفاً، وليس للمفتي الإفتاء بالرواية الضعيفة، وكونها أفتى بها كثير من أئمة
خوارزم لا ينافي ضعفها، ولذا تقدم عن الصدر أنه لا يحل لأحد أن يفعل ذلك، وكذا
ما يقدم عن الحلواني من أنه يعلم ولا يفتى به، فلو ثبتت هذه الرواية عن محمد أو
كانت صحيحة لبنوا الحكم عليها ولم يحتاجوا إلى بنائه على مذهب الشافعي، فهذا يدل
على أنها رواية شاذة كما يشير إليه كلام المجتبى المار، فافهم.
هذا، وفي البحر عن البزازية: والتزوّج فعلً أو من فسخ اليمين في زماننا،
وينبغي أن يجيء إلى عالم ويقوله له ماحلف واحتياجه إلى نكاح الفضولي فيزوجه العالم
امرأة ويجيز بالفعل فلا يحنث، وكذا إذا قال لجماعة لي حاجة إلى نكاح الفضولي فزوجه
واحد منهم، أما إذا قال الرجل اعقد لي عقد فضولي يكون توكيلاً اهـ. قوله: (وبفتوتين)
صوابه ((ويفتويين)) بياءين إحداهما منقلبة عن الألف المقصورة والثانية ياء التثنية كما في
تثنية حبلى وقصوى، قال في الألفية: [الرجز]
آخِرُ مَقْصُورٍ تُغَنّى اجْعَلْهُ يَا إِنْ كَانَ عَنْ ثَلَاثَةٍ مُرْتَقِبًا
مَطْلَبُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِمْ لَيْسَ لِلْمُقَلِّدِ الرُّجُوعُ عَنْ مَذْهَبِهِ
قوله: (في حادثتين) قيد به لأن المستفتي إذا عمل بقول المفتي في حادثة فأفتاه
آخر بخلاف قول الأول ليس له نقض عمله السابق في تلك الحادثة؛ نعم له العمل به في
حادثة أخرى، كمن صلى الظهر مثلاً مع مس امرأة أجنبية مقلداً لأبي حنيفة فقلد الشافعي
ليس له إبطال تلك الظهر؛ نعم يعمل بقول الشافعي في ظهر آخر، وهذا هو المراد من
قول من قال: ليس للمقلد الرجوع عن مذهبه، وتقدم تمام الكلام على ذلك أول الكتاب
في رسم المفتي. قوله: (ولا يفتى به) علمت وجهه آنفاً. قوله: (تعليقه للثلاث) هذا

٥٩٩
كتاب الطلاق / باب التعليق
إلا المضافة إلى الملك كما مر (لا تنجيز ما دونها).
اعلم أن التعليق يبطل بزوال الحل لا بزوال الملك، فلو علق الثلاث أو ما
دونها بدخول الدار ثم نجز الثلاث ثم نكحها بعد التحليل بطل التعليق فلا يقع
بدخولها شيء، ولو كان نجز ما دونها لم يبطل فيقع المعلق كله، وأوقع محمد
بقية الأول وهي مسألة الهدم الآتية، وثمرته فيمن علق واحدة ثم نجز ثنتين ثم
نكحها بعد زوج آخر فدخلت له رجعتها خلافاً لمحمد،
خاص بالحرة، وقولهم وما دونها يعم الحرة والأمة، وتقديره في الأمة: ويبطل تنجيز
الثنتين في الأمة تعليق ما دون الثلاث وهو صادق بالثنتين وبالواحدة. وظاهر عبارة الشارح
أن ضمير تعليقه للزوج المعلق، وهو أولى من عوده على الطلاق، لأن الأصل إضافة
المصدر إلى فاعله كما ذكره في النهر ط. قوله: (إلا المضافة إلى الملك) أي في نحو:
كلما تزوجت امرأة فهي طالق ثلاثاً ثم تزوجها فإنها تطلق، لأنها ما نجزه غير ما علقه، فإن
المعلق طلاق ملك حادث فلا يبطله تنجیز طلاق ملك قبله. قوله: (كما مر) لم يتقدم
ذلك في كلامه صريحاً. ويمكن أن يكون مراده ما قدمه في فصل المشيئة فيما لو قال لها
أنت طالق كلما شئت فطلقت بعد زوج آخر لا يقع إن كانت طلقت نفسها ثلاثاً متفرقة.
قوله: (يبطل بزوال الحل) وذلك بوقوع الثلاث وقوله لا بزوال الملك: أي بوقوع ما
دونها، فإن الملك وإن زال به عند انقضاء العدة لكن الحل ثابت، فإن له أن يعود إليها بلا
زوج آخر محلل، بخلاف الثلاث، فإن وقوعها يزيل الحل بالكلية بحيث لا يعود إلا
بمحلل؛ ولما كان المعلق هو طلقات هذا للملك بطل التعليق بزوالها لا بزوال ما دونها.
قوله: (بطل التعليق) أي لزوال الحل بتنجيز الثلاث. قوله: (لم يبطل) لأنه لم يزل الحل
بتنجيز ما دون الثلاث وإن زال الملك. قوله: (فيقع المعلق كله) لأن بطلان التعليق
بزوال الحل ولم يزل فيبقى التعليق، فإذا وجد المعلق عليه وهو دخول الدار يقع المعلق
وهو الثلاث، ولا ينافيه قولهم إن المعلق طلقات هذا الملك وقد زال بعضها، لأنه مقيد
بما إذا كانت الثلاث باقية، فإذا زال بعضها صار المعلق ثلاثاً مطلقة، كما أفاده في الفتح
وقدمناه قبل هذا الباب. قوله: (بقية الأول) أي ما بقي من طلقات النكاح الأول. قوله:
(وهي مسألة الهدم الآتية) قدمنا قبل هذا الباب الكلام عليها. وحاصلها أن الزوج الثاني
يهدم الثلاث وما دونها عندهما، وعند محمد يهدم الثلاث فقط. قوله: (وثمرته) أي ثمرة
الخلاف في مسألة الهدم. قوله: (له رجعتها) أي عندهما، لأن الزوج الثاني عدم الواحدة
الباقية وعادت المرأة إلى الأول بملك جدید فيملك عليها ثلاث طلقات فإذا دخلت الدار
تقع واحدة من الثلاث ويبقى منها ثنتان فيملك الرجعة. قوله: (خلافاً لمحمد) فعنده لا
يملك الرجعة لعودها بما بقي من الملك الأول وهي واحدة، وقد وقعت بالدخول ط.

٦٠٠
كتاب الطلاق / بَابُ التَّعْلِيقِ
وكذا يبطل بلحاقه مرتداً بدار الحرب خلافاً لهما، وبفوت محل البر كإن كلمت
فلاناً أو دخلت هذه الدار فمات أو جعلت بستاناً كما بسطناه فيما علقناه،
وستجيء مسألة الكوز بفروعها.
قوله: (وكذا يبطل) أي التعليق، وهذا عطف على المتن ح. قوله: (بلحاقه) بفتح اللام.
ط عن القاموس. قوله: (خلافاً لهما) أي للصاحبين، فعندهما لا يبطل التعليق، لأن زوال
الملك لا يبطله، وله أن بقاء تعليقه باعتبار قيام أهليته وبالارتداد ارتفعت العصمة فلم يبق
تعليقه لفوات الأهلية، فإذا عاد إلى الإسلام لم يعد ذلك التعليق الذي حكم بسقوطه.
بحر عن شرح المجمع للمصنف. قوله: (ويفوت محل البّ الخ) نقله في البحر عن الثاني،
لكن بلفظ ((ومما يبطله فوت محل الشرط كفوت محل الجزاء، كما إذا قال إن كلمت فلاناً
الخ)) والتمثيل المذكور لفوات محل الشرط، فإن الشرط هو كلمت ودخلت: أي
مضمونهما وهو الكلام والدخول؛ ومحلهما هو فلان والدار المشار إليها، وفوت محل
الجزاء كموت المرأة التي هي محل الطلاق، فإن بفوت هذين المحلين يبطل التعليق، لأن
التعليق لا بد أن يكون على خطر الوجود وقد تحقق عدمه.
ولا يقال: يمكن حياة زيد بعد موته وإعادة البستان داراً لأن يمينه انعقدت على
حياة كانت فيه. كما قالوا في ليقتلن فلاناً، وما أعيد بعد البناء دار أخرى غير المشار
إليها كما صرحوا به في أيضاً في لا يدخل هذه الدار. تأمل.
مَطْلَبٌ فِي مَسْأَلَةِ الكُوزِ
قوله: (وستجيء مسألة الكوز بفروعها) أي في باب اليمين في الأكل والشرب من
کتاب الأيمان.
وحاصلها أن إمكان تصوّر البر في المستقبل شرط انعقاد اليمين وشرط بقائها
خلافاً لأبي يوسف، فلو حلف ليشربن ماء هذا الكوز اليوم ولا ماء فيه أو كان فيه
فصبّ قبل مضيّ اليوم لا يحنث عندهما لعدم انعقادها في الأول ولبطلانها في الثاني،
وإن لم يقل اليوم ولا ماء فيه فكذلك لعدم انعقادها. أما إن كان فيه ماء فصبّ فإنه
يحنث اتفاقاً لا انعقادهما بإمكان البر ثم يحنث بالصب، لأن البر يجب عليه كما فرغ، فإذا
صب فات البر فيحنث كما لو مات الحالف والماء باق، بخلاف المؤقتة فإنه لا يجب
عليه البر إلا في آخر أجزاء الوقت المعين. ومن فروعها ليقتلن زيداً اليوم، أو ليأكلن
هذا الرغيف اليوم، أو ليقضين دينه غداً فمات زيد أو أكل الرغيف غيره قبل مضي
اليوم، أو قضى الدين أو أبرأه فلان قبل الغد لم يحنث، وتمامه في البحر من الأيمان.
أقول: وإنما لم يذكر هذا التفصيل في المسألة السابقة، لأن شرط الحنث فيها