النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١ کتاب الطلاق / بَابُ الكتابات فمنه الطلاق الثلاث فيلحقهما، وكذا الطلاق على مال فيلحق الرجعي ويجب المال والبائن ولا يلزم المال كما في الخلاصة، فالمعتبر فيه اللفظ لا المعنى. أفحش الطلاق أو طلاق الشيطان أو طلقة طويلة أو عريضة الخ، فهذا كله صريح لا يتوقف على النية، ويقع به البائن ويلحق الصريح والبائن. قال في الخلاصة: والصريح يلحق البائن وإن لم يكن رجعياً. هذا، وفي المنصوري شرح المسعودي للراسخ المحقق أبي منصور السجستاني: المختلعة يلحقها صريح الطلاق إذا كانت في العدة، والكناية أيضاً تلحقها إذا كانت في حكم الصريح كاعتدي الخ. ثم قال: والكنايات والبوائن لا تلحقها: أي المختلعة، وإن كان الطلاق رجعياً يلحقها الكنايات، لأن ملك النكاح باق. قال في عقد الفرائد: هذا مؤيد لما في الفتح؛ ومعنى العطف في قوله المنصوري والبوائن ما أوقع من البوائن لا بلفظ الكنايات فإنه يلغو ذكر البائن كما أطبقوا عليه اهـ. ونقله في النهر وأقره. أقول: والصواب أن الواو في ((والبوائن) زائدة من الناسخ، وأن مراد، المنصوري الكنايات البوائن المقابلة للكنايات الرجعية التي ذكرها قبله، لما علمته من أن البوائن بغير لفظ الكناية من الصريح الذي يلحق البائن، وإلا صار منافياً لكلام الفتح لا مؤيداً له، فتدبر. قوله: (فمنه الخ) أي إذا عرفت أن قوله ((الصريح يلحق والبائن)) المراد بالصريح فيه ما ذكر ظهر أن منه الطلاق الثلاث فيلحقهما: أي يلحق الصريح والبائن؛ فإذا أبان امرأته ثم طلقها ثلاثاً في العدة وقع وهي واقعة حلب. قال في فتح القدير: الحق أنه يلحقها لما سمعت من أن الصريح وإن كان بائناً يلحق البائن، ومن أن المراد بالبائن الذي لا يلحق هو ما كان كناية اهـ. وتبعه تلميذه ابن الشحنة في عقد الفرائد، وكذا صاحب البحر والنهر والمنح والمقدسي والشرنبلالي وغيرهم، وهو صريح ما نقلناه آنفاً عن الخلاصة وأيده صاحب الدرر والغرر كما نذكره قريباً، خلافاً لمن رجح عدم وقوع الثلاث فإنه خلاف المشهور كما يأتي. قوله: (وكذا الطلاق على مال) أي أنه أيضاً من الصريح وإن كان الواقع به بائناً. قوله: (والبائن) بالنصب معطوف على قوله ((الرجعي)). قوله: (ولا يلزم المال) أي إذا أبانها ثم طلقها في العدة على مال وقع الثاني أيضاً، ولا يلزمها المال، لأن إعطاءه لتحصيل الخلاص المنجز، وأنه حاصل كما في البحر عن البزازية: أي بخلاف ما قبله، فإنه إذا طلقها رجعياً توقف الخلاص على انقضاء العدة؛ فإذا طلقها بعده بمال في العدة لزم المال لأنها بانت منه في الحال. قال في البحر: ثم اعلم أن المال وإن لم يلزم: أي في مسألتنا فلا بد في الوقوع من قبولها، لأن قوله أنت طالق على ألف تعليق طلاقها بالقبول، فلا يقع بلا وجود الشرط كما في البزازية، فالمعتبر فيه: أي في الصريح هنا اللفظ: أي كونه من ألفاظ ٥٤٢ كتاب الطلاق / بَابُ الكنايات على المشهور (لا) يلحق البائن (البائن) الصريح وإن كان معناه: أي الواقع به البائن، والمراد باللفظ ما يشمل المضمر كما في الكنايات الرجعية كما مر. قوله: (على المشهور) ردّ على ما ذكره بعضهم في واقعة حلب المذكورة آنفاً من أنه لا يقع الثلاث؛ لأنه بائن في المعنى والبائن لا يلحق البائن، واعتبار المعنى أولى من اعتبار اللفظ، وجعله الأصح المفتى به. أفاده المصنف. قلت: وفي الحاوي الزاهدي عازياً إلى الأسرار لنجم الدين قال لها أنت بائن، ثم قال في العدة أنت طالق ثلاثاً، لا يقع الثلاث عند أبي حنيفة لكون الثلاث بينونة غليظة في المعنى. وعندهما: يقع لكونها في اللفظ صريحاً. والأصح قوله، لأن الاعتبار للمعنى دون اللفظ، ثم عزا إلى شرح العيون مثله، ثم عزا إلى كتاب آخر. قال محمد: لا يقع الثلاث؛ والفتوى على قوله. ثم قال: وفي فصول الاسروشني مثله اهـ. وقد تكفل برده المصنف في المنح، ونقله عنه في الشرنبلالية وأقره. وقد تكرر أن الزاهدي ينقل الروايات الضعيفة فلا يتابع فيما ينفرد به، وقد وجد النقل عن الخلاصة والبزازية وغيرهما بما يخالفه كما قدمناه. وقد استدل في الدرر واليعقوبية على خلافه أيضاً كما نذكره قريباً، ويكفينا قدوة ما ذكره في فتح القدير وتابعه عليه من بعده كما قدمناه، فلذا اعتمده الشارح وجعله المشهور، ومما يدل عليه قطعاً أنه لو طلقها ثم خلعها ثم قال في عدة الخلع أنت طالق فهذا صريح لفظاً بائن معنى، وهو واقع قطعاً: فقد استدلوا على لحوق الصريح البائن بقوله تعالى: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَليَهِمَا فَيمَا اُفْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة ٢٢٩] يعني الخلع، ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَها فَلَا تِحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ [البقرة ٢٣٠] الخ، والفاء للتعقيب. قال في الفتح: فهو نص على وقوع الثالثة بعد الخلع اهـ. ومثله في الدرر عن التلويح. وفي حواشي الخير الرملي قال في مشتمل الأحكام: والبائن لا يلحق البائن: يعني البائن اللفظي، أما البائن المعنوي يلحق اللفظي مثل الثلاث من المبسوط اهـ. قوله: (لا يلحق البائن البائن) المراد بالبائن الذي لا يلحق هو ما كان بلفظ الكناية، لأنه هو الذي ليس ظاهراً في إنشاء الطلاق، كذا في الفتح. وقيد بقوله ((الذي لا يلحق)) إشارة إلى أن البائن الموقع أولاً أعم من كونه بلفظ الكناية أو بلفظ الصريح المفيد للبينونة كالطلاق على مال، وحينئذ فيكون المراد بالصريح في الجملة الثانية: أعني قولهم: ((والبائن يلحق الصريح لا البائن) هو الصريح الرجعي فقط دون الصريح البائن، وبه ظهر أن ما نقله الشارح أولاً عن الفتح من أن الصريح ما لا يحتاج إلى نية بائناً كان الواقع به أو رجعياً خاص بالصريح في الجملة الأولى: أعني قولهم ((الصريح يلحق الصريح والبائن)) كما دل عليه كلام الفتح الذي ذكرناه هنا، ويدل عليه أيضاً أمور: ٥٤٣ کتاب الطلاق / بَابُ الكتابات منها: ما أطبقوا عليه من تعليلهم عدم لحوق البائن البائن بإمكان جعل الثاني خبراً عن الأول؛ ولا يخفى أن ذلك شامل لما إذا كان البائن الأول بلفظ الكناية أو بلفظ الصريح. ومنها: ما في الكافي للحاكم الشهید الذي هو جمع كلام محمد في كتبه ظاهر الرواية حيث قال: وإذا طلقها تطليقة بائنة ثم قال لها في عدتها أنت عليّ حرام أو خلية أو برية أو بائن أو بتة أو شبه ذلك وهو يريد به الطلاق لم يقع عليها شيء، لأنه صادق في قوله هي عليّ حرام وهي مني بائن اهـ: أي لأنه يمكن جعل الثاني خبراً عن الأول، وظاهر قوله طلقها تطليقة بائنة أن المراد به الصريح البائن بقرينة مقابلته له بألفاظ الكناية. تأمل. ومنها: قول الزيلعي: أما كون البائن يلحق الصريح فظاهر، لأن القيد الحكمي باق من كل وجه لبقاء الاستمتاع اهـ. فهذا صريح في أن المراد بالصريح في الجملة الثانية هو الصريح الرجعي، إذ لا يخفى أن بقاء قيد النكاح من كل وجه وبقاء الاستمتاع لا يكون بعد الصريح البائن. ومنها: ما قدمناه من قول المنصوري: وإن كان الطلاق رجعياً يلحقها الكنايات، لأن ملك النكاح باق؛ فتقييده بالرجعي دليل على أن الصريح البائن لا يلحقه الكنایات؛ وكذا تعليله دليل على ذلك. ومنها: ما في التاترخانية قبيل الفصل السادس: ولو طلقها على مال أو خلعها بعد الطلاق الرجعي يصح، ولو طلقها بمال ثم خلعها في العدة لا يصح اهـ. فانظر كيف فرّق بين الرجعي والصريح البائن وهو الطلاق على مال، حيث جعل الخلع واقعاً بعد الأول لا بعد الثاني، فهذا صريح فيما قلناه من أن المراد بالصريح هنا الرجعي فقط، وبالبائن الأول ما يشمل البائن الصريح. ومنها: فرعان ذكرهما في البحر: الأول ما في القنية عن الأوزجندي: طلقها على ألف فقلت ثم قال في عدتها أنت بائن لا يقع اهـ. والثاني ما في الخلاصة من الجنس السادس من الخلع: لو طلقها بمال ثم خلعها في العدة لم يصح اهـ. فهذا أيضاً صريح فيما قلناه، وبه سقط ما في البحر، وتبعه في النهر من استشكاله الفرعين بناء على فهمه أن المراد بالصريح ما يشمل الصريح البائن. قال: وقد جعلوا الطلاق على مال من قبيل الصريح، وقالوا: إن البائن يلحق الصريح فينبغي الوقوع في الفرع الأول وصحة الخلع في الفرع الثاني. ثم قال في البحر: ولا مخلص إلا يكون المراد بعدم صحة الخلع عدم ٥٤٤ كتاب الطلاق / بَابُ الكنايات إذا أمكن جعله إخباراً عن الأول: لزوم المال، والدليل عليه أن صاحب الخلاصة صرح في عكسه، وهو ما إذا طلقها بمال بعد الخلع أنه يقع ولا يجب المال، ولا فرق بينهما كما لا يخفى اهـ. أقول: وهذا عجيب من مثله، أما أولًا فلأن المراد بالصريح في الجملة الثانية هو الرجعي فقط، بخلاف الصريح في الجملة الأولى كما دل عليه ما ذكرناه من تعليلاتهم وفروعهم، وعليه فلا إشكال في الفرعين أصلاً، بل هما دليلان على ما قلناه؛ وأما الثانية فلأن ما ذكره من المخلص بعيد جداً، بل المخلص ما قلناه، وأما ثالثاً فلأن دعواه عدم الفرق بين هذا الفرع وعكسه كما لا يخفى في غاية الخفاء للفرق الواضح بينهما، لأنه إذا طلقها بمال بعد الخلع إنما لا يجب المال، لأن إعطاء المال لتحصيل الخلاص المنجز وأنه حاصل كما قدمنا بيانه. أما إذا طلقها على مال قبل الخلع فلا وجه لسقوط المال، لأن الطلاق بدونه لا يحصل به الخلاص المنجز بل يتوقف إلى انقضاء العدة، فقد حصل بالمال ما هو المطلوب به، ولا يبطل بالخلع العارض بعده بعد تحقق المطلوب به، بل يبطل الخلع نفسه، لأن الخلاص المنجز حاصل قبله فلا يفيد. هذا ما ظهر لي في تقرير هذا المقام، الذي زلّت فيه أقدام الأفهام، فاغتنمه فإنه من جملة ما اختص به هذا الكتاب، بعون الملك الوهاب. ثم رأيت في الحواشي اليعقوبية على صدر الشريعة ما نصه: وأيضاً قولهم والبائن الغير الصريح يلحق الصريح ينبغي أن لا يكون على إطلاقه، لأنه لا يلحق الصريح البائن لاحتمال الخبرية عن الأول كما لا يخفى، إلا أن يدعي الفرق بين البائنين فلا يصح الخبر بأحدهما عن الآخر اهـ. وهذا عين ما فهمته بحمد الله تعالى من أن المراد بالصريح في الجملة الثانية الصريح الرجعي فقط، وقوله ((إلا أن يدعي الفرق الخ)) قد علمت مما قررناه أولاً عدم الفرق فإنه لا شبهة فيه لذي فهم، والله سبحانه أعلم. قوله: (إذا أمكن الخ) قيد في عدم لحاق البائن البائن، ومحترزه ما أفاده بقوله ((بخلاف أبنتك بأخری الخ» ط . قال في البحر: وينبغي أنه إذا أبانها ثم قال لها أنت بائن ناوياً طلقة ثانية أن تقع للثانية بنيته لأنه بنيته لا يصلح خبراً، فهو كما لو قال أبنتك بأخرى، إلا أن يقال: إن الوقوع إنما هو بلفظ صالح له وهو أخرى، بخلاف مجرد النية اهـ. وفيه أن اللفظ الثاني صالح، ولو أبدل صالح بمعين له لكان أظهر ط. أقول: ويدفع البحث من أصله تعبيرهم بالإمكان، وبأنه لا حاجة إلى جعله إنشاء متى أمكن جعله خبراً عن الأول لأنه صادق بقوله أنت بائن، على أن البائن لا يقع إلا ٥٤٥ كتاب الطلاق / بَابُ الكتابات كأنت بائن بائن، أو أبنتك بتطليقة فلا يقع لأنه إخبار فلا ضرورة في جعله إنشاء، بخلاف أبنتك بأخرى أو أنت طالق بائن، أو قال نويت البينونة الكبرى بالنية، فقولهم البائن لا يلحق البائن لاشك أن المراد به البائن المنوي، إذ غير المنوي لا يقع به شيء أصلًا، ولم يشترطوا أن ينوي به الطلاق الأول. فعلم أن قولهم ((إذا أمكن الخ)) احتراز عما إذا لم يمكن جعله خبراً كما في أبنتك بأخرى، لا عما إذا نوى به طلاقاً آخر فتدبر. وأما اعتدي اعتدي فإنه ملحق بالصريح كما تقدم، فلا ينافي ما هنا حيث أوقعوا به مكرراً. تأمل. قوله: (كأنت بائن بائن) كذا في بعض النسخ مكرراً، وفي بعضها ((كأنت بائن)) بدون تكرار وهو الأصوب، لأن المقصود التمثيل لإيقاع البائن على المبانة، ولأنه كما قال ط: ليس المراد الإخبار النحوي بل الإخبار عما صدر أولًا، ولأنه يوهم أن يلزم كونه في مجلس واحد وهو غير لازم اهـ. قوله: (أو أبنتك بتطليقة) عطف على بائن الثانية: أي أنت بائن أبنتك بتطليقة اهـ ح. وأشار به إلى أنه لا يشترط اتحاد اللفظين، فشمل ما إذا كان الأول بلفظ الكناية البائنة أو الخلع أو الطلاق الصريح إذا كان على مال، أو موصوفاً بمعنى ينبئ عن البينونة كما علم مما قدمناه بعد كون الثاني بلفظ الكناية البائنة كالخلع ونحوه مما يتوقف على النية ولو باعتبار الأصل كأنت حرام، بخلاف الكناية الرجعية فإنها في حكم الصريح فتلحق البائن كما مر. قوله: (فلا يقع) أي وإن نوى، لما في البحر عن الحاوي: ولا يقع بكنايات الطلاق شيء وإن نوى اهـ. قوله: (لأنه إخبار) أي يجعل إخباراً لأنه أمكن ذلك. قوله: (بخلاف أبنتك بأخرى) أي لو أبانها أولاً ثم قال في العدة أبنتك بأخرى وقع، لأن لفظ أخرى مناف لإمكان الإخبار بالثاني عن الأول. قوله: (أو أنت طالق بائن) لأن وقوعه بأنت طالق وهو صريح، ويلغو قوله ((بائن)) لعدم الحاجة إليه، لأن الصريح بعد البائن بائن، كذا في شرح المنار لصاحب البحر، وهو إشارة إلى ما ذكره في البحر عن الذخيرة من الفرق بين هذا وبين قوله للمبانة ((أبنتك بتطليقة)) وهو أنه إذا ألغينا بائناً يبقى قوله طالق وبه يقع؛ ولو ألغينا أبنتك يبقى قوله بتطليقة وهو غير مفيد اهـ. قلت: لكن يشكل عليه ما قطعناه في باب طلاق غير المدخول بها من أن الطلاق متی قید بعدد أو وصف أو مصدر فالوقوع بالقید، حتى لو قال: أنت طالق وماتت قبل قوله ثلاثاً أو بائن لم يقع، فهذا ينافي ما أطبقوا عليه من إلغاء الوصف هنا، إلا أن يجاب بأن اعتبار الوقوع به هنا لا يصح لسبق البينونة قبله ولوقوع البائن بالصريح هنا وإن لم يوصف، فتعين إلغاء الوصف كما علمت آنفاً. وبقي إشكال آخر مذكور مع جوابه في البحر. قوله: (أو قال نويت) أي بالبائن الثاني البينونة الكبرى: أي الحرمة الغليظة ٥٤٦ كتاب الطلاق / بَابُ الکنایات لتعذر حمله على الأخبار فيجعل إنشاء، ولذا وقع المعلق كما قال (إلا إذا كان) البائن (معلقاً بشرط) أو مضافاً (قبل) إيجاد (المنجز البائن) كقوله: إن دخلت الدار فأنت بائن ناوياً ثم أبانها ثم دخلت وبانت بأخرى لأنه لا يصلح إخباراً، ومثله وهي التي لا حل بعدها إلا بنكاح زوج آخر، وهذا هو المعتمد كما في البحر، وقيل لا يقع لأن التغليظ صفة البينونة، فإذا ألغت النية في أصل البينونة لكونها حاصلة لغت في إثبات وصف التغليظ. محيط. وهذا صريح في إلغاء نية البينونة؛ ومثله ما قدمناه آنفاً عن الحاوي فلا تصح نية بينونة أخرى، خلافاً لما بحثه في البحر كما مر. قال في الدرر: أقول: وهذا يدل قطعاً على أنه إذا أبانها ثم قال في العدة أنت طالق ثلاثاً يقع الثلاث، لأن الحرمة الغليظة إذا ثبتت بمجرد النية بلا ذكر الثلاث لعدم ثبوتها في المحل فلأن تثبت إذا صرح بالثلاث أولى، وتمامه فيه ونحوه في اليعقوبيّة. قوله: (لتعذر الخ) علة لقوله ((بخلاف الخ)). قوله: (ولذا) أي لتعذر حمله على الإخبار. قوله: (إلا إذا كان البائن معلقاً الخ) يشمل ما إذا آلى من زوجته ثم أبانها قبل مضيّ أربعة أشهر ثم مضت قبل أن يقربها وهي في العدة فإنه يقع خلافاً لزفر، بحر. قوله: (قبل إيجاد المنجز) سيذكر الشارح محترز القبلية، وتنجيز الثاني غير قيد، بل لو علقه جعل وقوع المعلق الأول فكذلك كما يذكره أيضاً. قوله: (ناوياً) لأنه كناية فلا بد له من نية. قوله: (لأنه لا يصلح إخباراً) أي لأن التعليق قبل فلا يصح إخباراً عنه، وكذا الإضافة ح. وأعاد التعليل وإن علم من قوله سابقاً ولذا وقع المعلق لطول الفصل، فافهم. قوله: (ومثله المضاف) الأولى ومثال المضاف، لأن المماثلة في الحكم فهمت من قوله ((سابقاً أو مضافاً)) ط. قوله: (وفي البحر الخ) مراده بهذا النقل الاستدلال على قوله ((ناوياً)) ح. قوله: (فيفتقر للنية) أي أو المذاكرة. قوله: (ولو قال إن دخلت) بيان لما إذا كانا معلقين كما في البحر. قوله: (ثم دخلت وبانت) أشار بالعطف بثم إلى أنه لا بد من كون التعليق الثاني قبل وجود شرط الأول: لأنها لو دخلت وبانت ثم قال إن كلمت زيداً فكلمته لا يقع، لأن الأول لما وجد شرطه قبل تعليق الثاني صار منجزاً، والمعلق لا يلحق إلا إذا كان التعليق قبل إيجاد المنجز كما علمته من كلام المتن، لأن قوله ثانياً فأنت بائن صادق بثبوت البينونة أولاً فيصلح كون الثاني خبراً عن الأول، وبه سقط ما قيل إن كلامه شامل لكون التعليق الثاني بعد وجود الشرط الأول أو قبله، وكذا سقط قول هذا القائل: إنّ تعذر جعله إخباراً عن الأول موجود في المعلق والمضاف، سواء كان التعليق أو الإضافة قبل التنجيز أو بعده، فينبغي عدم الفرق وإن اتفقت كلمتهم على اشتراط كونه قبل إيجاد المنجز اهـ. إذ لا يخفى أن التعليق بعد إيجاد المنجز يصلح كون المعلق فيه وهو البينونة الثانية خبراً عن المنجز الثابت أولًا، بخلاف ما ٥٤٧ كتاب الطلاق / بَابُ الكتابات المضاف کأنت بائن غداً ثم أبانها ثم جاء الغد يقع أخرى. وفي البحر عن الوهبانية: أنت بائن كناية معلقاً كان أو منجزاً فيغتفر للنية، ولو قال: إن دخلت الدار فأنت بائن، ثم قال إن کلمت زیداً فأنت بائن ثم دخلت وبانت ثم کلمت يقع أخرى. ذخيرة. وفي البزازية: إن فعلت كذا فحلال الله عليّ حرام ثم قال كذلك لأمر آخر ففعل أحدهما بانت، وكذا لو فعل الثاني على الأشبه فليحفظ، قيد بالقبلية لأنه لو أبانها أولاً ثم أضاف البائن أو علقه لم يصح كتنجيزه ببدائع. ويستثنى ما في قبله، فالوجه ما قالوه دون ما قبله، فتدبر. قوله: (ثم کلمت) فلو عکست: أي بأن كلمته أولاً ثم دخلت، فالظاهر أن الحكم كذلك لوجود العلة، لأن كلَّ من تعليقيه لا يصلح إخباراً عن الآخر لعدم كونها طالقاً عند كل من التعليقين اهـح. قوله: (وفي البزازية الخ) لا فرق بينه وبين ما في الذخيرة إلا في لفظ البائن والحرام. وفي إفادة أنه يقع بأيهما سبق من قوله ((ففعل أحدهما)) وهذا مؤيد لما بحثه المحشي. أفاده ط. قوله: (وكذا لو-فعل الثاني) أراد بالثاني الآخر لا الترتيب بدليل قوله «أحدهما)) ح. قوله: (قيد بالقبلية) أي بقوله في المتن قبل المنجز البائن. قوله: (لم يصح) لأنه يمكن جعله خبراً عن الأول المنجز كما قلنا. قوله: (ويستثنى الخ) أي من قولهم ((الصريح يلحق البائن)) وأنت خبير بأنه لم يقع الطلاق في هاتين الصورتين لعدم تناول لفظ المرأة معتدة البائن؛ حتى لو لم يذكر لفظ المرأة وقع. قال في النهر: وفي المنصوري شرح المسعودي: المختلعة يلحقها صريح الطلاق إذا كانت في العدة اهـ ح. مَطْلَبُ: المُخْتلعَةُ وَالْمُبَانَةُ لَيْسَتِ أَمْرَأَةً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وحاصله أن عدم الوقوع لكونها ليست امرأة له من كل وجه بل تسمى مختلعة ومبانته وإن كان أثر النكاح وهو العدة باقياً حتى لحقها الصريح إذا أضافه إليها بخطاب أو إشارة، وكذا لو نواها بالطلاق كما صرح به في كافي الحاكم، ومثله في الذخيرة حيث قال: كل امرأة لي لا تدخل المبانة بالخلع والإيلاء إلا أن يعينها: أي فعند عدم النية صارت في حكم الأجنبية فلا تسمى امرأته؛ ولذا قال في حاوي الزاهدي: قال لامرأته أنت طالق واحدة ثم قال إن كنت امرأة لي فأنت طالق ثلاثاً إن كان الطلاق الأول بائناً لا يقع الثاني، وإن كان رجعياً يقع الثاني اهـ. لكن يشكل على هذا ما في تعليق البحر عن المحيط: لو حلف لا تخرج امرأته من هذه الدار فطلقها وانقضت عدتها وخرجت يحنث، وكذا لو قال إن قبلت امرأتي فعبدي حرّ فقبلها بعد البينونة لأن الإضافة للتعريف لا للتقييد اهـ: أي لتعيين ذات المحلوف عليها لا بقيد كونها امرأة له، فإذا كان لفظ المرأة شاملاً لها بعد البينونة وانقضاء العدة ففي حال بقاء العدة كما في مسألتنا بالأولى. ٥٤٨ كتاب الطلاق / بَابُ الكتابات البزازية: كل امرأة له طالق لم يقع على المختلعة، ولو قال إن فعلت كذا فامرأته كذا لم يقع على معتدة البائن، ويضبط الكل ما قيل: [الرجز] كُلَّا أَجِزْ لَا بَائِناً مَعْ مِثْلِهِ إِلَّ إِذَا عَلَّقْتَهُ مِنْ قَبْلِهِ إِلَّ بِكُلِّ امْرَأَةٍ وَقَدْ خَلَغْ والَحَقُّ الصَّرِيخِ بَعْدُلَمْ يَقَعْ (کل فرقة هي فسخ من كل وجه) وقد يجاب بأن المعتبر في المعلق حالة التعليق لا حالة وجود الشرط، وهي في حالة التعليق كانت امرأة له من كل وجه ولذا وقع البائن المعلق قبل وجود البائن المنجز كما مر، وسنذكر تحقيق المسألة إن شاء الله تعالى في التعليق عند قوله «وزوال الملك لا يبطل اليمين)». قوله: (ويضبط الكل) بضم الباء وكسرها، والمراد بالكل صور اللحاق والمستثنى منها ط. قوله: (ما قيل) البيت الأول لوالد شيخ الإسلام عبد البرّ شارح النظم الوهباني كما في المنح، والبيت الثاني لصاحب النهرح. قوله: (كلا أجز) أي أجز كلا من وقوع الصريح والبائن بعد الصريح والبائن ح. ولا يخفى ما في قوله (كلَّ)) من الإبهام. نهر. قلت: وفي كثير من نسخ الشرح ((لحوقا) بدل ((كلَّا)) ولا يستقيم معه الوزن. قوله: (لا بائناً) عطف على ((كلَّا)) و ((مع)) بسكون العين للوزن بمعنى بعد كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَعَ الَعُسْرِ يُسْراً﴾ [الشرح ٦] نعت لقوله بائناً أي لا تجز بائناً كائناً بعد مثله، وهذا العطف كالاستثناء في المعنى كأنه قال: كلَّ أجز إلا بائناً بعد مثله، وقوله ((إلا إذا علقته من قبله)) استثناء من العطف الذي هو بمنزلة الاستثناء: أي لا تجز بائناً بعد بائن إلا إذا علقت البائن الواقع بعد المثل قبل المثل فضمير علقته للبائن الأول، وضمير قبله للمثل الذي هو البائن الثاني اهـح. والتعبير بالمثل مشعر بإخراج البينونة الكبرى، ولا يخفي ما في البيت من التعقيد، والأوضح ما قيل: [الطويل] صَرِيحُ طَلَاقٍ المرٍ، بَلْحَقُ مِثْلَهُ وَيَلْحَقُ أَيضاً بائِناً كَانَ قَبْلَهُ كَذَا عَكْسهُ لَاَ بائِنَّ بَعْدَ بِأَئِنِ سِوَى بِائِنٍ قَدْ كَانَ عُلِّقَ قَبْلَهُ قوله: (إلا بكل امرأة) استثناء ثان من قوله ((كلَّا أجز)) فإنه بعد إخراج البائن بعد البائن منه بقي البائن بعد الصريح والصريح بعد الصريح والصريح بعد البائن، فاستثني منه باعتبار هذا الأخير ما في البزازية من قوله كل امرأة لي طالق وكان له مختلعة فإنه صريح لحق بائناً ولم يقع لما قدمنا. و((باء) بكل بمعنى ((في)) و ((كل)) بالضم على الحكاية، والواو في قوله ((وقد خلع)) للحال، والحق مبني للفاعل معطوف على ((خلع)) و ((بعد)) مبني على الضم لقطعه عن الإضافة، و ((نية)) معناها وهو ظرف لا لحق: أي والحق الصريح بعد الخلع ح. قوله: (كل فرقة الخ) أفاد به أن قوله ((والصريح يلحق الصريح الخ)» إنما هو في الطلاق لا الفسخ. ٥٤٩ کتاب الطلاق / بَابُ الكتابات كإسلام وردة مع لحاق وخيار بلوغ وعتق (لا يقع الطلاق في عدتها) مطلقاً (وكل هذا، ويرد على الكلية الأولى إباء أحدهما عن الإسلام وارتداد أحدهما، وعلى الثانية الفرقة كاللعان كما يأتي بيانه. قوله: (كإسلام) أي إسلام الزوج لو امرأته مجوسية أبت الإسلام أو إسلام زوجة حربي هاجرت إلينا دونه، كذا بخط السائحاني. وذكر في الفتح أول كتاب الطلاق: إذا سبي أحد الزوجين لا يقع طلاقه عليها، وكذا لو هاجر أحدهما مسلماً أو ذمياً أو خرجا مستأمنين فأسلم أحدهما أو صار ذمياً فهي امرأته حتى تحيض ثلاث حيض فتقع الفرقة بلا طلاق فلا يقع عليها طلاقه، ثم قال: إذا أسلم أحد الزوجين الذميين وفرق بينهما بإباء الآخر فإنه يقع عليها طلاقه وإن كانت هي الآبية: أي وإن كانت مجوسية. قال: وبه ينتقض ما قيل: إذا أسلم أحد الزوجين لم يقع عليها طلاقه اهـ. قلت: وهو ردّ على ما في البزازية: إذا أسلم أحد الزوجين لا يقع على الآخر وتبعه الشارح، لكن ذكر الخير الرملي أن موضوع ما في البزازية في طلاق أهل الحرب. قلت: وعليه، فكان لفظ أسلم محرف عن سبي. تأمل. مسألة الإباء واردة على المصنف لأنها فسخ ولحق فيها الطلاق. قوله: (وردّة مع لحاق) أي إذا ارتدّ ولحق بدار الحرب فطلق امرأته لا يقع، وإن عاد مسلماً فطلقها في العدة يقع، والمرتدة إذا لحقت فطلقها زوجها ثم عادت مسلمة قبل الحيض، فعنده لا يقع، وعندهما يقع. خانية؛ وقيد باللحاق إذ بدونه يقع لأن الحرمة غير متأبدة فإنها ترتفع بالإسلام. فتح ومرّ تمامه في باب نكاح الكافر. وفي الذخيرة: ولو ارتدت المرأة ولم تلحق وطلقها في العدة وقع لا لو خالعها، لأنها بالارتداد بانت والمبانة يلحقها صريح الطلاق لا الخلع اهـ. ولا يخفى أن الفرقة بالردة فسخ ولو بدون لحاق، فهي واردة على المصنف. قوله: (وخيار بلوغ وعتق) وكذا الفرقة بحرمة المصاهرة كتقبيل ابن الزوج، لأنها حرمة مؤبدة فلا يفيد الطلاق فائدته كما في الفتح أول الطلاق، وصرح في موضع آخر بأنه لا يقع في الفرقة باللعان لأنه حرمة مؤبدة أيضاً. قلت: ومثله الفرقة بالرضاع، وصرح أيضاً بعدم اللحاق في الفسخ بعدم الكفاءة ونقصان المهر. وذكر في الذخيرة أيضاً عدم اللحاق في ملكها زوجها وقد طلقها قبل أن تبيعه أو تعتقه، لا لو أخرجته عن ملكها وهي في العدة فإنه يقع، لأنه ما دام عبداً لها لا نفقة عليه لها ولا سكنى فلا يقع طلاقه عليها، بخلاف ما إذا باعته أو أعتقته. فيقع. قوله: (مطلقاً) أي صريحاً أو كناية ح. ويفيده ما بعده. قوله: (وكل فرقة هي ٥٥٠ كتاب الطلاق / بَابُ الكتابات فرقة هي طلاق يقع) الطلاق (في عدتها) على نحو ما بينا. فروع: إنما يلحق الطلاق لمعتدة الطلاق، أما المعتدة للوطء فلا يلحقها. خلاصة . وفي القنية: زوج امرأته من غيره لم يكن طلاقاً ثم رقم، إن نوى طلقت طلاق) كالفرقة في الإيلاء واللعان والجبّ والعنة، وتقدم في باب المهر نظماً بيان الفرق، وبيان ما يكون منها فسخاً وما يكون طلاقاً. وما يتوقف منها على قضاء القاضي، وما لا يتوقف؛ وصرح في الذخيرة بأن معتدة اللعان يلحقها الطلاق، وهو خلاف ما قدمناه آنفاً عن الفتح، مع أن الفرقة باللعان طلاق لا فسخ، لكن تعلیله بأنها حرمة مؤبدة يرجح ما قاله، لكن سيأتي في بابه أنها حرمة مؤبدة ما داما أهلاً للعان، فإذا خرجا عن أهلية اللعان أو أحدهما له أن ينكحها، وكذا لو أكذب نفسه حد، وله أن ينكحها. تأمل. قوله: (على نحو ما بينا) أي من قوله ((الصريح يلحق الصريح الخ) ح. قوله: (إنما يلحق الطلاق لمعتدة الطلاق الخ) اعترضه في أول طلاق الفتح بأنه غير حاصر، لأن العدة قد تتحقق بدون الطلاق والوطء كما لو عرض الفسخ بخيار بعد مجرد الخلوة، إلا أن يجاب بأن الخلوة ملحقة بالوطء، ثم يقتضي أن عدة الفسخ لا يقع فيها طلاق مع أنه منقوض بما إذا أسلم أحدهما وأبت عن الإسلام فإنه يقع طلاقه عليها مع أن الفرقة فيها فسخ، وبما إذا ارتدّ أحدهما فإنه يقع طلاقه مع أن الفرقة بردته فسخ، خلافاً لأبي يوسف، وكذا بردتها إجماعاً اهـ. وهذا النقض وارد أيضاً على عبارة المتن کما قدمناه. فصار الحاصل أن الطلاق يلحق في عدة فرقة عن طلاق أو إباء أو ردة بدون لحاق بدار الحرب، ونظمت ذلك بقولي: [الرجز] وَيَلْحَقُ الطَّلَاقَ فُرْقَةُ الطَّلَاقْ أَوِ الإِبا أَوْ رِتَّةُ بِلَاَ لِحَاقْ وهو أحسن من قول المقدسي: [الرجز] فِي عِدَّةٍ عَنِ الطَّلاَقِ يَلْحَقُ أَوْ رِدَّةٍ أَوِ بِالإِباءِ يُفْرقُ قوله: (أما المعتدة للوطء فلا يلحقها) مثاله لو طلقها بائناً أو خالعها ثم بعد مضيّ حيضتين من عدتها مثلاً وطئها عالماً بالحرمة فلزمها عدة ثانية وتداخلتا، فإذا حاضت الثالثة فهي منهما ولزمها حيضتان أيضاً لإكمال الثانية؛ فلو طلقها في الحيضتين الأخيرتين لا يقع لأنها عدة وطء لا طلاق. أفاده في الذخيرة. قوله: (ثم رقم) أي رمز عازياً إلى كتاب آخر، لأن عادته ذكر حروف اصطلح عليها يرمز بها إلى أسماء الكتب. قوله: (إن نوى طلقت) لعل وجهه أن قوله زوجتك امرأتي فلانة يحتمل أن يكون على تقدير إن صح تزويجها منك، أو تقدير لأنها طالق مني، فإذا نوى الطلاق تعين الثاني ٥٥١ كتاب الطلاق / بابُ تَفْويض الطَّلَاقِ اذهبي وتزوجي تقع واحدة بلا نية، اذهبي إلى جهنم يقع إن نوى. خلاصة. وكذا اذهبي عني وافلحي وفسخت النكاح، وأنت علي كالميتة أو كلحم الخنزير أو حرام كالماء لأنه تشبيه بالسرعة، ولا يقع بأربعة طرق عليك مفتوحة وإن نوى ما لم يقل خذي أي طريق شئت. بَابُ تَفْويضِ اَلْطَّلَاقِ لما ذكر ما يوقعه بنفسه بنوعيه ذكر ما يوقعه غيره بإذنه. وأنواعه ثلاثة: فتطلق. قوله: (تقع واحدة بلانية) لأن تزوجي قرينة، فإن نوى الثلاث فثلاث. بزازية. ويخالفه ما في شرح الجامع الصغير لقاضيخان: ولو قال اذهبي فتزوجي وقال لم أنو الطلاق لا يقع شيء، لأن معناه إن أمكنك اهـ. إلا أن يفرق بين الواو والفاء وهو بعيد هنا. بحر. على أن تزوجي كناية مثل اذهبي فيحتاج إلى النية، فمن أين صار قرينة على إرادة الطلاق باذهبي مع أنه مذكور بعده؟ والقرينة لابد أن تتقدم كما يعلم مما مر في اعتدى ثلاثاً؛ فالأوجه ما في شرح الجامع، ولا فرق بين الواو والفاء، ويؤيده ما في الذخيرة اذهبي وتزوجي لا يقع إلا بالنية، وإن نوى فهي واحدة بائنة، وإن نوى الثلاث فثلاث. قوله: (وافلحي) في البدائع قال محمد: قال لها: افلحي يريد الطلاق يقع لأنه بمعنى اذهبي، تقول العرب أفلح بخير: أي ذهب بخير، ويحتمل اظفري بمرادك، يقال أفلح الرجل إذا ظفر بمراده. بحر. قوله: (وأنت عليّ كالميتة) أي يقع إن نوى، والمراد التشبية بما هو محرم العين كالخمر والخنزير والميتة، فالحكم فيه كالحكم في أنت عليّ حرام، بخلاف ما لو قال أنت عليّ كمتاع فلان فلا يقع وإن نوى. أفاده في الذخيرة: أي لأن متاع فلان ليس محرم العين وجعله كأنت عليّ حرام مبني على مذهب المتقدمين من توقع الوقوع به على النية. قوله: (لأنه تشبيه بالسرعة) الأولى في السرعة كأنه قال أنت حرام سريعاً كسرعة الماء في جريه، وقد مر أن أنت حرام ملحق بالصريح فلا يحتاج إلى نية، فلعل هذا مبني على غير المفتى به ط. قلت: وهو المتعين. قوله: (ما لم يقل خذي أيّ طريق شئت) أي فإن نوى ثلاث في رواية أسد عن محمد. وقال ابن سلام: أخاف أن يقع ثلاث لمعاني كلام الناس، كأنه يريد أن مراد الناس بمثله اسلكي الطريق الأربع، وإلا فاللفظ إنما يعطي الأمر بسلوك أحدها، والأوجه أن تقع واحدة بائنة. فتح. والله سبحانه أعلم. بَابُ تَفْويض الْطَلَّقِ أي تفويضه للزوجة أو غيرها صريحاً كان التفويض أو كناية؛ يقال: فوض له الأمر: أي ردّ إليه. حموي. فالكناية قوله اختاري أو أمرك بيدك، والصريح قوله طلقي نفسك. أبو السعود. قوله: (بنوعيه) أي الصريح والكناية ح. قوله: (وأنواعه) الضمير ٥٥٢ كتاب الطلاق / بابُ تَفْويض الطَّلَاقِ تفويض، وتوكيل، ورسالة. وألفاظ التفويض ثلاثة: تخيير، وأمر بيد، ومشيئة. (قال لها اختاري أو أمرك بيدك ينوي) تفويض (الطلاق) لأنها كناية فلا يعملان بلا نية عائد إلى ما يوقعه الغير لا للتفويض، وإلا يلزم تقسيم الشيء إلى نفسه وإلى غيره. أبو السعود. قوله: (تفويض وتوكيل) المراد بالتفويض تمليك الطلاق كما يأتي. وذكر في الفتح في فصل المشيئة أن صاحب الهداية جعل مناط الفرق بين التمليك والتوكيل مرة بأن المالك يعمل برأي نفسه، بخلاف الوكيل، ومرة بأنه عامل لنفسه بخلافه، ومرة بأنه يعمل بمشيئة نفسه بخلافه. قال: والفرق بين الرأي والمشيئة :أن العمل بالرأي عمل بما يراه أصوب بلا اعتبار كونه لنفسه أو غيره، والعمل بمشيئته: أي باختياره ابتداء بلا اعتبار مطابقة أمر الآمر ولا اعتبار معنى الأصوبية، ثم قال بعد ما بحث في الأولين أن الفرق الثالث أصوب. قوله: (ورسالة) كأن يقول لرجل: اذهب إلى فلانة وقل لها إن زوجك يقول لك اختاري، فهو ناقل لكلام المرسل لا منشئ لكلامه، بخلاف المالك والوكيل، لأنهم قالوا: إن الرسول معبر وسفير هذا ما ظهر لي. قوله: (ثلاثة) أي بالاستقراء بدأ المصنف منها بالاختيار لثبوته بصريح الإخبار ولم يجعل له فصلاً على حدة كصاحب الهداية، لأنه لم يسبقة شيء يفصل به عما قبله بخلاف الأخیرین، فاکتفی فیه بالباب. نهر. وحاصله أن التفويض أعم فناسب أن يترجم له بالباب، والثلاثة أنواعه فناسب أن يترجم لكل منها بفصل، لكن لم يترجم به للتخيير لأنه لم يسبقه كلام، وبه ظهر أن ترجمة المصنف الثاني بالباب غير مناسبة. قوله: (قال لها اختاري) أشار بعدم ذكر قبولها إلى أنه تمليك يتم بالمملك وحده، فلو رجع قبل انقضاء المجلس لم يصح، وقيد باقتصاره على التخيير المطلق، لأنه لو قال لها اختاري الطلاق فقالت اخترت الطلاق فهي واحدة رجعية، لأنه لما صرح بالطلاق كان للتخيير بين الإتيان بالرجعي، وتركه ط عن البحر. قوله: (أو أمرك بيدك) لا حاجة إليه لذكر أحكام الأمر باليد في فصل مستقل يأتي ط. قوله: (تفويض الطلاق) دلّ على هذا المضاف عقد الباب له كما في النهرح. قوله: (لأنهما كناية) أي من كنايات التفويض. شرنبلالية. قوله: (فلا يعملان بلا نية) أي قضاء وديانة في حالة الرضا، أما في حالة الغضب أو المذاكرة فلا يصدق قضاء في أنه لم ينو الطلاق، لأنهما مما تمحض للجواب كما مر، ولا يسعها المقام معه إلا بنكاح مستقبلي لأنها كالقاضي. أفاده في الفتح والبحر. ثم اعلم أن اشتراط النية إنما هو فيما إذا لم يذكر النفس أو ما يقوم مقامها في كلامه، وإنما ذكرت في كلامها فقط كما يأتي تحريره، فتنبه لذلك فإني لم أر من نبه ٥٥٣ كتاب الطلاق / بابُ تَفْويض الطَّلَاقِ (أو طلقي نفسك فلها أن تطلق في مجلس علمها به) مشافهة أو إخباراً (وإن طال) يوماً أو أكثر ما لم يوقته ويمضي الوقت قبل علمها (ما لم تقم) لتبدل مجلسها حقيقة (أو) حكماً بأن (تعمل ما يقطعه) عليه. قوله: (أو طلقي نفسك) هذا تفويض بالصريح ولا يحتاج إلى نية، والواقع به رجعي؛ وتصح فيه نية الثلاث كما سيذكره المصنف أول فصل المشيئة. قوله: (في مجلس علمها) أفاد أنه لا اعتبار بمجلسه، فلو خيرها ثم قام هو لم يبطل، بخلاف قيامها. بحر عن البدائع ط. قوله: (مشافهة) أي في الحاضرة أو إخباراً في الغائبة منصوبان على الحالية من علمها. قوله: (مالم يوقته الخ) فلو قال: جعلت لها أن تطلق نفسها اليوم اعتبر مجلس علمها في هذا اليوم، فلو مضى اليوم ثم علمت خرج الأمر عن يدها، وكذا كل وقت قيد التفويض به وهي غائبة ولم تعلم حتى انقضى بطل خيارها. فتح وبحر. وسيأتي فروع في التوقيت آخر الباب وأنه لا يبطل الموقت بالإعراض. قوله: (ويمضي الوقت) معطوف على ((يوقته)) المجزوم، وإثبات الياء فيه من تحريف النساخ أو على لغة كما هو أحد الأوجه التي يجاب بها عن قوله تعالى: ﴿إِنه مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف ٩٠] في قراءة رفع يصبر؛ فالمعنى لها أن تطلق في المجلس وإن طال مدة عدم توقيته، ومضيّ الوقت بأن لم يوقته أو وقته ولم يمض، فإن وقته ومضي سقط الخيار، وأما جعله مرفوعاً والواو فيه للحال فهو فاسد صناعة ومعنى؛ أما الأول فلأن جملة الحال التي فعلها مضارع مثبت لا تقترن بالواو، وأما الثاني فلصيرورة المعنى مدة لم يوقت في حال مضيّ الوقت وإذا لم يوقت كيف يمضي الوقت، فافهم؛ نعم في بعض النسخ ((فبمضي الوقت)) بالفاء والباء الجارة للمصدر والمعنى: فإن وقت فينتهي المجلس بمضي الوقت. قوله: (قبل علمها) ليس قيداً احترازيا، بل هو تنبيه على الأخفى ليعلم مقابله بالأولى كما هو عادة الشارح في مواضع لا تحصى، فافهم. قوله: (ما لم تقم الخ) الأولى أن يذكر له عاطفاً يعطفه على قوله ما لم يوقته، ولو قال ما لم تفعل ما يدل على الإعراض مكان أخصر وأفود، ليصح عطف قوله ((أو حكماً) على حقيقة، لأنه يغنيه عن قوله ((أو تعمل ما يقطعه)) ولأن بطلانه بكل قيام مطلقاً قول البعض. والأصح كما في البحر والنهر أنه لا بد أن يدل على الإعراض، وأثر الخلاف يظهر فيما لو قامت لتدعو الشهود كما يأتي، ولو أقامها أو جامعها بطل كما يأتي لتمكنها من المبادرة إلى اختيارها نفسها فعدم ذلك دليل الإعراض. قوله: (لتبدل مجلسها حقيقة) أفاد أن القيام يختلف به المجلس حقيقة وهو خلاف ما في ايضاح الإصلاح، فإنه قال: إن المجلس وإن لم يتبدل بمجرد القيام إلا أن الخيار يبطل به لأنه يدل على الإعراض، وهذا ظاهر من كلام صاحب الهداية. ٥٥٤ كتاب الطلاق / بابُ تَفْويض الطَّلاَقِ مما يدل على الإعراض، لأنه تمليك فيتوقف على قبولها في المجلس لا توكيل، فلم يصح رجوعه، حتى لو خيرها ثم حلف أن لا يطلقها فطلقت لم يحنث في الأصح (لا) تطلق (بعده) أي المجلس (إلا إذا زاد) على قوله طلقي نفسك وأخواته (متى شئت أو متى ما شئت أو إذا شئت أو إذا ما شئت) وفي التبيين: المجلس يتبدل تارة حقيقة بالتحول إلى مكان آخر؛ وتارة حكماً بالأخذ في عمل آخر اهط. قلت: وكأنّ الشارح حمل القيام على التحول، فإنه يقال قام عن مجلسه: إذا تحول عنه، لا مجرد القيام عن قعود، لما علمت من أن بطلانه بكل قيام مطلقاً خلاف الأصح. قوله: (مما يدل على الإعراض) قيد به لأنه لو خيرها فلبست ثوباً أو شربت لا يبطل خيارها، لأن اللبس قد يكون لتدعو شهوداً، والعطش قد يكون شديداً يمنع من التأمل، ودخل في العمل الكلام الأجنبي، وهذا في التخيير المطلق، أما المؤقت بشهر مثلاً فلا يبطل بذلك ما دام الوقت باقياً كما مر. أفاده في البحر ويأتي تمام الكلام فيما يكون إعراضاً ومالا يكون. قوله: (فيتوقف على قبولها في المجلس) أراد بالقبول الجواب، والضمير في ((يتوقف)) عائد على التطليق المفهوم من قوله ((فلها أن تطلق)) لا على التمليك لما صرحوا به من أن هذا التمليك يتم بالمملك وحده، ولا يتوقف على القبول لكونها تطلق بعد التفويض وهو بعد تمام التمليك كما أو ضحه في الفتح والنهر، وبه علم أن هذا التمليك لا يتوقف تمامه على القبول ولا على الجواب في المجلس، لأن الجواب: أي التطليق بعد تمامه، وإنما المتوقف على الجواب هو صحة التطليق، فافهم. قوله: (فلم يصح رجوعه) تفريع على كونه ليس توكيلاً، فإن الوكالة غير لازمة فلو كان توكيلاً لصح عزلها. قال في البحر عن جامع الفصولين: تفويض الطلاق إلیھا، قيل هو وكالة يملك عزلها، والأصح أنه لا يملكه اهـ. لكن إذا كان تمليكاً لا يلزم منه عدم صحة الرجوع، كما في المعراج قال: لا نتقاضه بالهبة فإنها تمليك ويصح الرجوع اهـ. وعلل له في الذخيرة بأنه بمعنى اليمين، إذ هو تعليق الطلاق بتطليقها نفسها، واعترضه في الفتح بأن هذا يجري في سائر الوكالات لتضمنه معنى إذا بعته فقد أجزته، مع أن الرجوع عنها صحيح، وإنما العلة هي كونه تمليكاً يتم بالمملك وحده بلا قبول، وتمامه في النهر، فافهم. قوله: (حتى لو خيرها الخ) تفريع ثان على عدم كونه توكيلاً بل هو تمليك، فإن علة الحنث وهو قول محمد كونها نائبة عنه وهو ممنوع كما في الفتح عن الزيادات لصاحب المحيط: أي لكونها صارت مالكة، وعليه فلو وكل رجلاً بطلاقها يحنث كما سيأتي في الأيمان إن شاء الله تعالى عند ذكر ما يحنث فيه بفعل مأموره. قوله: (وأخواته) الأولى وأختيه، وهما: اختاري؛ وأمرك بيدك؛ واعلم أن ما ذكره ٥٥٥ كتاب الطلاق / بابُ تَفْويض الطَّلَاقِ فلا يتقید بالمجلس (ولم يصحّ رجوعه) لما مر. (و) أما في (طلقي ضرّتك أو) قوله لأجنبي (طلق امرأتي) و (يصح رجوعه) منه ولم يقيد بالمجلس لأنه توكيل محض، وفي طلقي نفسك وضرتك كان تمليكاً في حقها توكيل في حق ضرتها. جوهرة (إلا إذا علقه بالمشيئة) فيصير تمليكاً لا توکیلاً. والفرق بينهما في خمسة أحكام: ففي التمليك لا يرجع ولا يعزل ولا يبطل بجنون الزوج ويتقيد بمجلس لا بعقل، فيصح تفويضه لمجنون المصنف هنا إلى قوله ((وجلوس القائمة)) سيذكره أيضاً في فصل المشيئة. قوله: (فلا يتقيد بالمجلس) أما في ((متى)) و ((متى ما)) فلأنهما لعموم الأوقات فكأنه قال: في أيّ وقت شئت فلا يقتصر على المجلس، وأما في ((إذا)) و ((إذا ما)) فإنهما و ((متى)) سواء عندهما، وأما عنده فيستعملان الشرط كما يستعملان للظرف، لكن الأمر صار بيدها فلا يخرج بالشك. ح عن المنح. قوله: (لما مر) أي من أنه ليس توكيلاً، بل لو صرح بتوكيلها لطلاقها يكون تمليكاً كما في البحر عن الفصولين. قوله: (أو قوله لأجنبي طلق امرأتي) قيد بالطلاق، لأنه لو قال: أمر امرأتي بيدك يقتصر على المجلس ولا يملك الرجوع على الأصح. بحر عن الخلاصة في فصل المشيئة. ولو جمع له بين الأمر باليد والأمر بالتطليق ففيه تفصيل مذكور هناك. قوله: (فيصح رجوعه) زاد الشارح الفاء لتكون في جواب ((أما)) التي زادها قبل. قوله: (لأنه توكيل محض) أي بخلاف طلقي نفسك، لأنها عاملة لنفسها فكان تمليكاً لا توكيلاً. بحر. قوله: (كان تمليكاً في حقها) لأنها عاملة فيه لنفسها، وقوله ((توكيلاً)) في حق ضرتها لأنها عاملة فيه لغيرها، والظاهر أنه ليس من عموم المجاز ولا من استعمال المشترك في معنييه، لأن حقيقة قوله ((طلقي واحدة)) وهي الأمر بالتطليق وإن اختلف الحكم المترتب عليه باختلاف متعلقه، كما قال الآخر طلق امرأتي وامرأتك فإنه وكيل وأصيل، فافهم. قوله: (فيصير تمليكاً) فلا يملك الرجوع لأنه فوّض الأمر إلى رأيه، والمالك هو الذي يتصرف عن مشيئته والوكيل مطلوب منه الفعل شاء أو لم يشأ. ط عن المنح. قوله: (لا توكيلاً) أي وإن صرح بالوكالة. بحر عن الخانية. قوله: (لا يرجع ولا يعزل) لا يلزم من عدم ملك الرجوع عدم ملك العزل؛ لأنه لو قال لأجنبيّ أمر امرأتي بيدك ثم قال عزلتك وجعلته بيدها لا يصح عزله مع أنه لم يرجع عن التفويض بالكلية، فافهم. قوله: (ولا يبطل بجنون الزوج) نظراً إلى أنه تعليق ط. قوله: (لا بعقل) هو الخامس ط. قوله: (فيصح) تفريع على الخامس. وبيانه ما في البحر عن المحيط: لو جعل أمرها بيد صبيّ لا يعقل أو مجنون ٥٥٦ كتاب الطلاق / بابُ تَفْويض الطَّلَاقِ وصبي لا يعقل، بخلاف التوكيل بحر؛ نعم لو جنّ بعد التفويض لم يقع. فهنا تسومح ابتداء لا بقاء عكس القاعدة، فليحفظ (وجلوس القائمة واتكاء القاعدة فذلك إليه ما دام في المجلس، لأن هذا تمليك في ضمنه تعليق، فإن لم يصح باعتبار التمليك يصح باعتبار معنى التعليق، فصححناه باعتبار التعليق، فكأنه قال: إن قال لك المجنون أنت طالق فأنت طالق، وباعتبار معنى التمليك يقتصر على المجلس عملًا بالشبھین اھ ط . قال في الذخيرة: ومن هذا استخرجنا جواب مسألة صارت واقعة الفتوى. صورتها: إذا قال لامرأته الصغيرة أمرك بيدك ينوي الطلاق فطلقت نفسها صح، لأن تقدیر کلامه: إن طلقت نفسك فأنت طالق. قوله: (وصبيّ لا يعقل) بشرط أن يتكلم، فيصح أن يوقع عليها الطلاق ولا يلزم من التعبير العقل. ظ عن البحر. قوله: (بخلاف التوكيل) أي في المسائل الخمس، لكن في الأخيرة بحث سأذكره في فصل المشيئة. قوله: (نعم لو جن) أي المفوّض إليه ط. قوله: (فهنا تسومح الخ) نظيره كما في البحر من فصل المشيئة: لو جنّ الوكيل بالبيع جنوناً يعقل فيه البيع والشراء ثم باع لا ينعقد بيعه، بخلاف ما لو وكل مجنوناً بهذه الصفة؛ لأنه في الأول كان التوكيل ببيع تكون العهدة فيه على الوكيل، وبعد ما جنّ تكون العهدة على الموكل فلا ينفذ، وفي الثاني إنما وكل ببيع عهدته على الموكل فينفذ عليه كما في الخانية وفي تفويض الطلاق وإن كان لا عهدة أصلاً، لكن الزوج حين التفويض لم يعلق إلا على كلام عاقل، فإذا طلق وهو مجنون لم يوجد الشرط، بخلاف ما إذا فوّض إلى مجنون ابتداء وإن لم يعقل أصلاً فإنه يصح باعتبار معنى التعليق، وفي التوكيل بالبيع لا يصح إلا إذا كان يعقل البيع والشراء كما مر، وكأنه بمعنى المعتوه، ومن فرعي التفويض والتوكيل بالبيع ظهر أنه تسومح في الابتداء ما لم يتسامح في البقاء، وهو خلاف القاعدة الفقهية من يتسامح في البقاء ما لم يتسامح في الابتداء اهـ ما في البحر ملخصاً. قلت: وهذه القاعدة عبر عنها في الأشباه بقوله: الرابعة يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في غيرها، ثم فرع عليها فروعاً، ثم فرع على عكسها فرعين غير هذين الفرعين، فتصير فروع العكس أربعة بزيادة هذين الفرعين. قوله: (وجلوس القائمة) في جامع الفصولين: ولو مشت في البيت من جانب إلى جانب لم يبطل اهـ. قال في البحر: ومعناه أن يخيرها وهي قائمة فمشت من جانب إلى آخر، أما لو خيرها وهي قاعدة في البيت فقامت بطل خيارها بمجرد قيامها لأنه دليل الإعراض اهـ. قلت: وفيه أن هذا قول البعض، وأن الأصح أنه لا بد أن يكون مع القيام دليل الإعراض كما مر. قوله: (واتكاء القاعدة) أما لو اضطجعت، فقيل لا يبطل، وقيل إن ٥٥٧ كتاب الطلاق / بابُ تَفْويض الطَّلَاقِ وقعود المتكئة ودعاء الأب) أو غيره (للمشورة) بفتح فضم المشاورة (و) دعاء (شهود للإشهاد) على اختيارها الطلاق إذا لم يكن عندها من يدعوهم، سواء تحوّلت عن مكانها أو لا في الأصح. خلاصة (وإيقاف دابة هي راكبتها لا يقع) المجلس، ولو أقامها أو جامعها مكرهة بطل لتمكنها من الاختيار (والفلك لها کالبیت وسیر دابتها کسیرها) حتی لا یتبدل المجلس بجري الفلك، ویتبدل بسیر الدابة لإضافته إليه، إلا أن تجيب مع سكوته أو يكون في محل يقودهما الجمال فإنه کالسفينة. هيأت الوسادة كما يفعل للنوم بطل. بحر عن الخلاصة. قوله: (للمشورة) فلو دعته لغيرها بطل، لما مر من أن الكلام الأجنبيّ دليل الإعراض. قوله: (بفتح وضم) أي فتح الميم وضم الشين، وكذا بسكون الشين مع فتح الميم والواو كما في المصباح. قوله: (إذا لم يكن عندها من يدعوهم) صادق بما إذا لم يكن عندها أحد أصلاً، أو عندها ولا يدعوهم، فلو عندها من يدعوهم فدعت بنفسها بطل، والظاهر أن هذا الحكم يجري في دعاء الأب للمشورة ط. قوله: (في الأصح) وقيل إن تحولت بطل بناء على أن المعتبر إما تبدل المجلس أو الإعراض، والأصح اعتبار الإعراض. أفاده في البحر. قوله: (لتمكنها من الاختيار) أي اختيارها نفسها، فعدم ذلك دليل الإعراض. بحر. قوله: (والفلك) أي السفينة. قوله: (حتى لا يتبدل الخ) لأن سيرها غير مضاف إلى راكبها بل إلى غيره من الريح ودفع الماء، فلا يبطل الخيار بسيرها بل بتبدل المجلس. فتح. قوله: (إلا أن تجيب مع سكوته) لأنها لا يمكنها الجواب بأسرع من ذلك فلا يتبدل حكماً، لأن اتحاد المجلس إنما يعتبر ليصير الجواب متصلاً بالخطاب وقد وجد إذا كان بلا فصل، كذا في الفتح. وفسر الإسراع في الخلاصة بأن يسبق جوابها خطوتها. نهر وظاهر قول الفتح: فلا يتبدل حكماً أنه لا يشترط هذا السبق، لأنه لا يحصل به التبدل لاحقيقة ولا حكماً. قوله: (فإنه كالسفينة) يعني بجامع أن السير في كل منهما غير مضاف إلى راكب، وقياس هذا أنها لو كانت على دابة وثمة من يقودها أن لا يبطل بسيرها. نهر. وأقره الرملي. قلت: قد يقال: إنه قياس مع الفارق، فإنهما لو كانا في محمل يقودهما آخر ينسب السير إلى القائد لعدم تمكن راكب المحمل من تسيير الدابة، بخلاف راكب الدابة فإنه يمكنه التسيير فينسب إليه وإن قاده غيره. تأمل. قال الرحمتي: وينبغي أن الدابة لو جمحت وعجزت عن ردها أن تكون كالسفينة، لأن فعلها حينئذ لا ينسب إلى الراكب كما يأتي في الجنايات. . ٥٥٨ كتاب الطلاق / بابُ تَفْوِيض ◌َلطَّلَاقِ (وفي اختاري نفسك لا تصح نية الثلاث) لعدم تنوّع الاختيار؛ بخلاف أنت بائن أو أمرك بيدك (بل تبين) بواحدة (إن قالت اخترت) نفسي (أو) أنا (أختار نفسي) استحساناً، بخلاف قوله طلقي نفسك فقالت تتمة: لا يبطل خيارها فيما لو نامت قاعدة أو كانت تصلي المكتوبة أو الوتر فأتمتها، أو السنة المؤكدة في الأصح، أو ضمت إلى النافلة ركعة أخرى، أو ليست من غير قيام، أو أكلت قليلاً، أو شربت، أو قرأت قليلاً، أو سبّحت، أو قالت لم لا تطلقني بلسانك. قال في الفتح: لأن المبدل للمجلس ما يكون قطعاً لكلام الأول وإفاضة في غيره، وليس هذا كذلك،. بل الكل يتعلق بمعنى واحد وهو الطلاق وتمامه في النهر. قوله: (لعدم تنوع الاختيار) لأن اختيارها إنما يفيد الخلوص والصفاء، والبينونة تثبت به مقتضى ولا عموم له. نهر: أي معنى اخترت نفسي اصطفيتها من ملك أحد لها وذلك بالبينوية فصارت البينونة مقتضى وهو ما يقدر ضرورة تصحيح الكلام، فإن اصطفاءها نفسها مع ملك الزوج لا يمكن فيقدر لأني أبنت نفسي؛ والمقتضى لا عموم له لأنه ضروري، فيقدر بقدر الضرورة وهو البينونة الصغرى، إذ بها تستخلص نفسها وتصطفيها من ملك الزوج فلا تصح نية الكبرى لعدم إحتمال اللفظ لها. رحمتي. قوله: (بخلاف أنت بائن) لأنه ملفوظ به لا مانع من عمومه؛ فإذا أطلق انصرف إلى الأدنى وهو البينونة الصغرى، ولو نوى الكبرى صح لأنه نوى محتمل لفظه؛ وكذا قوله ((أمرك بيدك)) ولا يصح إيقاع الرجعي لأنه تفويض بلفظ الكناية والواقع بها البائن، وهو يحتمل البينوتين فينصرف إلى الصغرى؛ وإن نوى الكبرى فأوقعتها بلفظها أو بنيتها صح لما قلنا. أفاده الرحمتي. قوله: (استحساناً) راجع إلى قوله ((أَوْ أَنَا أَختارُ نَفْسِي)) أي لو ذكرت بلفظ المضارع سواء ذكرت أنا أو لا، ففي القياس: لا يقع لأنه وعد. ووجه الاستحسان«قول عائشة رضي الله عنها لما خيرها النبي وَلا ير: بل أختار الله ورسوله(١)، واعتبره * جواباً، لأن المضارع حقيقة في الحال مجاز في الاستقبال كما هو أحد المذاهب، وقيل بالقلب، وقيل مشترك بينهما، وعلى الاشتراك يرجع هنا إرادة الحال بقرينة كونه إخباراً عن أمر قائم في الحال، وذلك ممكن في الاختيار لأن محله القلب، فيصح الإخبار باللسان عما هو قائم بمحل آخر حال الإخبار كما في الشهادة، بخلاف قولها أطلق نفسي لا يمكن جعله إخباراً عن طلاق قائم، لأنه إنما يقوم باللسان، فلو جاز لقام به الأمران في زمن واحد وهو محال، وهذا بناء على أن الإيقاع لا يكون بنفس أطلق لعدم التعارف، وقدمنا أنه لو تعورف جاز، ومقتضاه أن يقع به هنا لأنه إنشاء لا إخبار، كذا في الفتح ملخصاً. قال في النهر: وقيد المسألة في المعراج بما إذا لم ينو (١) أخرجه البخاري ٣٦٧/٩ (٥٢٦٢) ومسلم ١١٠٣/٢ (٢٤/ ١٤٧٧). ٥٥٩ كتاب الطلاق / بابٌ تَفْويض الطَّلَاقِ أنا طالق أو أنا أطلق نفسي لم يقع لأنه وعد. جوهرة، ما لم يتعارف أو تنو الإنشاء .. فتح (وذكر النفس أو الاختيارة في أحد كلاميهما شرط) صحة الوقوع بالإجماع (ويشترط ذكرها متصلًا، فإن كان منفصلاً فإن في المجلس صح) لأنها تملك فيه الإنشاء (وإلا لا) إلا أن يتصادقا على اختيار النفس فيصح وإن خلا كلامهما عن ذكر النفس. درر والتاجية. وأقره البهنسي والباقاني، لكن رده الكمال إنشاء الطلاق، فإن نواه وقع اهـ. والمناسب التعبير بضمير المؤنث، لأن المسألة هي قول المرأة أطلق نفسي. تأمل. قوله: (أنا طالق) ليس هذا في الجوهرة ولا في البحر والنهر والمنح والفتح، بل صرح في البحر في الفصل الآتي نقلًا عن الاختيار وغيره وسيذكره الشارح أيضاً هناك أنه يقع بقولها أنا طالق؛ لأن المرأة توصف بالطلاق دون الرجل اهـ. وعبارة الجوهرة: وإن قال طلقي نفسك فقالت أنا أطلق لم يقع قياساً واستحساناً اهـ؛ نعم ذكر في البحر في فصل المشيئة عن الخانية: قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً إن شئت فقالت أنا طالق لا يقع شيء اهـ. لكن عدم الوقوع لأنه علق الثلاث على مشيئتها الثلاث، ولا يمكن إيقاع الثلاث بلفظ طالق، فلا يقع شيء لأنه لم يوجد المعلق عليه، والذي قال في الذخيرة: لا يقع إلا أن تقول أنا طالق ثلاثاً، وبه علم أن لفظ أنا طالق يصلح جواباً، وإنما لم يقع هنا لما قلنا فتدبور. قوله: (أو تنو) مضارع مبني للمعلوم فاعله ضمير المرأة مجزوم بحذف الياء عطفاً على يتعارف المبني للمجهول ح. ثم هذا ليس من عبارة الفتح بل من زيادة الشارح أخذاً مما نقلناه آنفاً عن النهر عن المعراج. قوله: (أو الاختيارة) مصدر اختاري .. وأفاد أن ذكر النفس ليس شرطاً بخصوصه، بل هي أو ما يقوم مما يأتي. قوله: (في أحد كلاميهما) وإذا كانت النفس في كلاميهما فبالأولى، وإذا خلت عن كلاميهما لم يقع. بحر. قوله: (بالإجماع) لأن وقوع الطلاق بلفظ الاختيار عرف بإجماع الصحابة وإجماعهم في اللفظة المفسرة من أحد الجانبين. ط عن إيضاح الإصلاح. قوله: (لأنها تملك فيه الإنشاء) أي فتملك تفسيره أيضاً ط. قال في البحر عن المحيط والخانية: لو قالت في المجلس عنيت نفسي يقع لأنها ما دامت فيه تملك الإنشاء. قوله: (إلا أن يتصادقا) ظاهره ولو بعد المجلس. بحر. قوله: (والتاجية) نسبة إلى تاج الشريعة. قوله: (لكن رده الكمال) حيث قال: الإيقاع بالاختيار على خلاف القياس فيقتصر على مورد النص فيه، ولولا هذا لأمكن الاكتفاء بتفسير القرينة الحالية دون المقالية بعد أن نوى الزوج وقوع الطلاق به وتصادقاً عليه لكنه باطل، وإلا لوقع بمجرد النية مع لفظ لا يصلح له أصلاً ٤ ٥٦٠ كتاب الطلاق / بابُ تَفْوِيضِ الطَّلَاقِ ونقله الأکمل بقیل، والحق ضعفه. نهر. (فلو قال اختاري اختيارة أو طلقة) أو أمك (وقع لو قالت اخترت) فإن ذكر الاختيارة كذكر النفس إذ التاء فيه للوحدة، وكذا ذكر التطليقة وتكرار لفظ اختاري وقولها اخترت أبي أو أمي أو أهلي أو الأزواج يقوم مقام ذكر النفس والشرط، ذکر ذلك في کلام أحدهما كما مثلنا، كاسقني اهـ. قوله: (ونقله الأكمل) أي في العناية ط. قوله: (فلو قال الخ) تفريع على ما علم من أن الشرط ذكر النفس أو ما يقوم مقامها في تفسير الاختيار. قوله: (إذ التاء فيه للوحدة) أي واختيارها نفسها هو الذي يتحد مرة، بأن قال لها اختاري فقالت: اخترت نفسي تقع واحدة، ويتعدّد أخری کاختاري نفسك بثلاث تطليقات فقالت: اخترت وقعن، فلما قيده بالوحدة ظهر أنه أراد تخييرها في الطلاق فكان مفسراً ولا يرد أن هذا مناقض لما مرّ من أن الاختيار لا يتنوّع لأنه لا يلزم مما ذكرنا كون الاختيار نفسه يتنوع كالبينونة إلى غليظة وخفيفة حتى يصاب كل نوع منه بالنية من غير زيادة لفظ آخر. أفاده في الفتح. قوله: (وكذا ذكر التطليقة) وتقع بائنة إن في كلامها، بأن قالت اخترت نفسي بتطليقة، بخلافها في كلامه فإنه يقع بها طلقة رجعية لأنه تفويض بالصريح، وتصح فيه نية الثلاث كما مر. قوله: (وتكرار لفظ اختياري) لأن الاختيار في حقه الطلاق هو الذي يتكرر فكان متعيناً. ط عن الإيضاح. لكن في كون التكرار مفسراً كالنفس كلام يأتي قريباً. قوله: (وقولها اخترت أبي الخ) لأن الكون عندهم إنما يكون للبينونة وعدم الوصلة مع الزوج، بخلاف اخترت قومي أو ذا رحم محرم لا يقع، وينبغي أن يحمل على ما إذا كان لها أب أو أم، أما إذا لم يكن وكان لها أخ ينبغي أن يقع لأنها حينئذ تكون عنده عادة، كذا في الفتح. قال في النهر: ولم أر ما لو قالت اخترت أبي أو أمي وقد ماتا ولا أخ لها، وينبغي أن يقع لقيام ذلك مقام اخترت نفسي اهـ. والحاصل أن المفسر ثمانية ألفاظ: النفس، والاختيارة، والتطليقة، والتكرار، وأبي، وأمي، وأهلي، والأزواج، ويزاد تاسع وهو العدد في كلامه؛ فلو قال: اختاري ثلاثاً فقالت اخترت يقع ثلاث لأنه دليل إرادة اختيار الطلاق لأنه هو الذي يتعدد، وقولها اخترت ينصرف إليه فيقع الثلاث. أفاده في البحر. قوله: (والشرط الخ) إنما اكتفى بذكر هذه الأشياء في أحد الكلامین، لأنها إن کانت في کلامه تضمن جوابها إعادتها كأنها قالت فعلت ذلك، وإن كانت في كلامها فقد وجد ما يخص بالبينونة في اللفظ العامل في الإيقاع، فإذا وجدت نية الزوج تمت علة البينونة فتثبت، بخلاف ما إذا لم يذكر النفس ونحوها في شيء من الطرفين، لأن المبهم لا يفسر المبهم وللإجماع