النص المفهرس
صفحات 501-520
٥٠١ كتاب الطلاق / بَابُ الصَّرِيحِ ولو عطف وقال وبائن أو ثم بائن ولم ينو شيئاً فرجعية؛ ولو بالفاء فبائنة. ذخيرة. (كما) يقع البائن (لو قال: أنت طالق طلقة تملكي بها نفسك) لأنها لا تملك نفسها إلا بالبائن. ولو قال أنت طالق على أن لا رجعة لي عليك له الرجعة؛ وقيل لا. جوهرة. ورجح في البحر الثاني؛ قوله: (ولو عطف الخ) محترز تقييد المصنف المسألة بدون عطف. قوله: (فرجعية) أي فهي طالق طلقة رجعية. ذخيرة. قوله: (ولو بالفاء فبائنة) أي إذا لم ينو شيئاً كما أفاده في الذخيرة بقوله: ((ولو عطف بالفاء)) وباقي المسألة بحالها، فهي طالق طلقة بائنة اهـ. ولعل وجه الفرق أن الفاء للتعقيب بلا مهلة، والطلاق الذي يعقبه البينونة لا يكون إلا بائناً؛ أما الواو فلا تقتضي التعقيب بل تصلح له وللتراخي الذي هو معنى ثم، والطلاق الذي تتراخى عنه البينونة لا يلزم كونه بائناً، فيكون قوله: ((وبائن)) لغواً، ولا تحمل الواو على التعقيب لأنه عند الاحتمال يراد الأدنى وهو الرجعي هنا، كما لا يراد تكرير الإيقاع لعدم النية؛ وانظر لِم لَم يتعين تكرير الإيقاع مع وجود مذاكرة الطلاق، فإن الأصل في العطف المغايرة، فكان ينبغي وقوع بائنتين مع الواو وثم، ومفهوم التقييد بعدم النية أنه لو نوى تكرير الإيقاع مع الحروف الثلاثة أو نوى بالبائن الثلاث أنه يقع ما نوى. قوله: (كما لو قال الخ) يشعر كلام المصنف في المنح أن هذا الفرع غير منقول حيث قال: فإنه يقع به الطلاق البائن، كما أفتى به مولانا صاحب البحر، واستظهر له بما في البدائع من قوله: إذا وصف الطلاق بصفة تدلّ على البينونة كان بائناً الخ. قوله: (تملكي بها نفسك) حقه أن يقال: ((تملكين)) لأنه مضارع مرفوع بالنون؛ نعم سمع حذفها في قول الشاعر: [الرجز] أَبِيتُ أَسِري وَتَّبِيتِي تَذْلُكِي وَجْهَكِ بِالعَثْبِ وَالمِسْكِ الذَّكِي وهو لغة خرّج عليها بعض المحققين حديث ((كما تكونوا يولى عليكم)) وحديث (لَا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَى تَحَابُّوا)). قوله: (لأنها لا تملك نفسها إلا بالبائن) صرح به في البدائع، وقال أيضاً: إذا وصف الطلاق بصفة تدل على البينونة كان بائناً اهـ. وهذه الصفة بمعنى قوله أنت طالق طلقة بائنة، لأن ملكها نفسها ينافي الرجعي الذي يملك هو رجعتها فيه بدون رضاها. قوله: (ورجح في البحر الثاني) وذلك أنه تقدم أنه إذا وصف الطلاق بضرب من الشدّة والزيادة يقع به البائن عندنا. وقال الشافعي: يقع به الرجعي لأنه خلاف المشروع، فيلغو كما إذا قال أنت طالق على أن لا رجعة لي عليك. ورده في الهداية بأنه وصفه بما يحتمله وبأن مسألة الرجعة ممنوعة: أي لا نسلم أنه يقع فيها الرجعي بل تقع واحدة بائنة، كما في العناية والفتح وغاية البيان ٥٠٢ كتاب الطلاق / بَابُ الصَّرِيحِ وخطأ من أفتى بالرجعي في التعاليق؛ وقول الموثقين تكون طالقاً طلقة تملك بها نفسها الخ؛ لكن في البزازية وغيرها قال للمدخولة: إن طلقتك واحدة فهي بائنة أو ثلاث ثم طلقها يقع رجعياً، لأن الوصف لا يسبق الموصوف، وكذا لو قال: إن دخلت الدار فكذا ثم قبل دخولها الدار قال جعلته بائناً أو ثلاثاً لا يصح لعدم وقوع الطلاق عليها انتهى. ومفاده وقوع الطلاق الرجعي في: متى تزوجت عليك فأنت طالق طلقة تملكين بها نفسك، إذ غايته مساواته لأنت بائن، والوصف لا يسبق الموصوف، كذا حرّره المصنف هنا وفي الكنايات. والتبيين. قال في البحر: فقد علمت أن المذهب في مسألة الرجعة وقول البائن. قوله: (وخطأ) أي نسبه إلى الخطإ، مثل فسقته نسبته إلى الفسق، وقوله وقول الموثقين بالجر قال ح: عطف تفسير على التعاليق، وهو بكسر الثاء المثلثة، وهم عدول دار القاضي ويسمون بالشهود وسموا موثقين لأنهم يوثقون من يشهد ببيان أنه ثقة اهـ. أو لأنهم یکتبون صكوك الوثائق. أفاده ط. قلت: وأصل المسألة التي ذكرها صاحب البحر. وقد ألف فيها رسالة أيضاً هي: أن رجلاً قال لزوجته: متى ظهر لي امرأة غيرك أو أبرأتني (١) من مهرك فأنت طالق واحدة تملكين بها نفسك ثم ظهر له امرأة غيرها وأبرأته من مهرها، فأجاب فيها بأنه بائن، وردّ على من أفتى بأنه رجعي. قوله: (لكن في البزازية الخ) انتصار لذلك المفتي. ورده الخير الرملي في حواشي المنح بأن المعلق في حادثة التعاليق هو الطلاق الموصوف بالبينونة. في مسألة البزازية: المعلق وصف البينونة فقط، والموصوف لم يوجد بعد، فهو في مسألة التعاليق، كأنه قال: إن تزوجت عليك فأنت طالق بائناً ولا قائل بمنعه. تأمل اهـ. والحاصل أنه في مسألة البزازية الأولى قد علقت الصفة وحدها على وجود الموصوف، والحكم في المعلق أنه لولا التعليق لوجد في الحال، ولا يمكن أن يوجد في الحال بينونة طلقة غير موجودة ولا كونها ثلاثاً، لأن الوصف لا يسبق موصوفه؛ وكذا في المسألة الثانية جعل الطلقة المعلقة بائنة أو ثلاثاً قبل وجودها، فيلزم أيضاً سبق الصفة موصوفها، فافهم. قوله: (ومفاده الخ) هذه عبارة المصنف في الكنايات مع بعض تغيير، وقد علمت الفرق بين المقيسة والمقيس عليها. قوله: (مساواته لأنت بائن) كان حق التعبير أن يقال: مساواته لهو بائن بناء على ما فهمه من أنه تعليق لوصف الطلاق فقط، وقد علمت عدم المساواة؛ نعم هو مساو لأنت بائن على ما قاله صاحب (١) في ط (قوله أو أبرأتني) هكذا بالأصل المقابل على خط المؤلف، ولعل الظاهر إسقاط الألف. ٥٠٣ كتاب الطلاق / بَابُ الصَّريح (بخلاف) أنت طالق (أكثره) أي الطلاق (بالتاء المثناة من فوق فإنه يقع به البحر من أنه تعليق للموصوف وصفته معاً فصار في معنى: متى تزوجت عليك فأنت بائن، فهذا نطق بالحق بلا قصد. تتمة: يقع كثيراً في كلام العوام: أنت طالق تحلي للخنازير وتحرمي عليّ، وأفتى في الخيرية بأنه رجعي، لأن قوله وتحرمي عليّ إن كان للحال فخلاف المشروع، لأنها . لا تحرم إلا بعد انقضاء العدة، وإن كان للاستقبال فصحيح ولا ينافي الرجعة؛ وكذلك أفتى بالرجعي في قولهم أنت طالق لا يردّك قاض ولا عالم، لأنه لا يملك إخراجه عن موضوعه الشرعي. وأيده في حواشيه على المنح بما في الصيرفية: لو قال أنت طالق ولا رجعة لي عليك فرجعية، ولو قال على أن لا رجعة لي عليك فبائن اهـ. وقال: إن قولهم لا یردك قاض الخ مثل قوله ولا رجعة لي علیك، لأن حذف الواو کإثباتها كما هو ظاهر، لا مثل على أن لا رجعة اهـ. قلت: والفرق أن على أن لا رجعة قيد للطلاق لأنه شرط فيه، فهو في معنى أنت طالق طلاقاً مشروطاً فيه عدم الرجعة: أي طلاقاً بائناً، فهو داخل تحت القاعدة من أنه إذا وصف الطلاق بضرب من الشدة والزيادة يقع به البائن كما مر عن الهداية. أما ولا رجعة لي عليك فليس صفة للطلاق، بل هو كلام مستأنف أخبر به عما هو خلاف الشرع، فإن الشرع هو وقوع الرجعي بأنت طالق؛ فقوله ولا رجعة لغو، مثل قوله: أنت طالق وبائن أو ثم بائن بلا نية كما مر، وكذا قولهم لا يردك قاض الخ ليس صفة للطلاق، بل هو صفة للمرأة فلم يدخل تحت القاعدة المذكورة؛ ومثله تحلي للخنازير وتحرمي عليّ، وقد خفي ذلك على الرحمتي فجزم بأن هذا وما في الصيرفية من الفرق بين المسألتين مخالف للقاعدة المذكورة؛ نعم لو قصد بقوله وتحرمي عليّ إيقاع الطلاق وقع به أخرى بائنة ما لم ينو به الثلاث فثلاث كما في أنت طالق وبائن كما قدمناه، ومثله قول العوام في زماننا أيضاً: أنت طالق كلما أحلك شيخ حرّمك شيخ، فإن مرادهم بالثاني تأبيد الحرمة، فهو بمنزلة قوله كلما حللت لي حرمت عليّ فكلما عقد عيلها بانت منه إلا أن يريد بذلك الكلام الإخبار عن الطلاق المذكور دون إنشاء التحريم ودون جعل هذه الجملة صفة للطلاق المذكور فلا تحرم أبداً، لأنه إخبار بخلاف المشروع، لكن العامي لا يفهم ذلك، بل الظاهر أنه يريد إنشاء تأبيد الحرمة؛ فيما وقع في فتاوى الشيخ إسماعيل الحائك من وقوع الرجعي به فقط مرة واحدة غير ظاهر، فاغتنم تحرير هذا المحل فإنه مما يخفى. قوله: (بالتاء المثناة من فوق) الظاهر أنه قيد بذلك ليعلم بالأولى ما إذا قاله بالثاء المثلثة، وليفيد أن هذا التحريف هنا لا يضرّ، لأن ذلك صار لغة عامية، وقد مر أن الطلاق يقع بالألفاظ المصحفة، فلا يرد ما اعترض به ٥٠٤ كتاب الطلاق / بَابُ الصَّرِيحِ الثلاث، ولا يدين في) إرادة (الواحدة) كما لو قال أكثر الطلاق أو أنت طالق مراراً أو ألوفاً أو لا قليل ولا كثير فثلاث هو المختار كما في الجوهرة. في الخيرية على المصنف من أن هذا ذهول منه، وأن المذكور في كلامهم ضبطه بالمثلثة، ولم نر أحداً ضبطه بالمثناة. وعبارة البحر: إلا أكثره بالثاء المثلثة فإنه يقع به الثلاث، ولا يدين إذا قال نويت واحدة. قوله: (ولا يدين في إرادة الواحدة) مفهومه أنه يدين في إرادة الثنتين. ووجهه أن أفعل التفضيل قد يراد به أصل الفعل: أي كثير الطلاق، فكان محتمل كلامه فيصدق ديانة اهـ ح. قلت: لكن يأتي ترجيح أن الكثير ثلاث لا اثنتان، وحينئذ فلا فرق بين أكثر وكثير، فافهم. قوله: (كما لو قال أكثر الطلاق) أي بالثاء المثلثة، وأشار به إلى ما قلنا من أن ضبطه بالمثناة ليس للاحتراز عن المثلثة. قوله: (أو أنت طالق مراراً) في البحر عن الجوهرة: لو قال أنت طالق مراراً تطلق ثلاثاً إن كان مدخولاً بها، كذا في النهاية اهـ. وذكر في البحر قبله بأكثر من ورقة عن البزازية: أنت عليّ حرام ألف مرة تقع واحدة اهـ. وما في البزازية ذكره في الذخيرة أيضاً، وذكره الشارح آخر باب الإيلاء. أقول: ولا يخالف ما في الجوهرة، لأن قوله ألف مرة بمنزلة تكريره مراراً متعددة، والواقع به في أول مرة طلاق بائن، ففي المرة الثانية لا يقع شيء، لأن البائن لا يلحق البائن إذا أمكن جعل الثاني خبراً عن الأول، كما في أنت بائن أنت بائن كما يأتي بيانه في الكنايات، بخلاف ما إذا نوى الثلاث بأنت حرام أو بأنت بائن فإنه يصح، لأنه لفظ واحد صالح للبينونة الصغرى، والكبرى، وقوله أنت طالق مراراً بمنزلة تكرار هذا اللفظ ثلاث مرات فأكثر، والواقع بالأولى رجعي، وكذا بما بعدها إلى الثالثة لأنه صريح والصريح يلحق الصريح ما دامت في العدة، ولذا قيد بالمدخول بها، لأن غيرها تبين بالمرة الأولى لا إلى عدة فلا يلحقها ما بعدها، فاغتنم تحرير هذا المقام فقد خفي على كثير من الأفهام. قوله: (أو ألوفاً) جمع ألف ح: أي فيقع به الثلاث ويلغو الزائد. قوله: (أو لا قليل الخ) عبارة الجوهرة: وإن قال أنت طالق لا قليل ولا كثير تقع ثلاثاً هو المختار، لأن القليل واحدة والكثير ثلاث، فإذا قال أوّلاً لا قليل فقد قصد الثلاث ثم لا یعمل قوله ولا کثیر بعد ذلك اهـ. قلت: لكن في الخلاصة والبزازية يقع الثلاث في المختار. وقال الفقيه أبو جعفر: ثنتان في الأشبه اهـ. وذكر في الذخيرة أن الأول اختيار الصدر الشهيد وعلله بما مر. ثم قال: وحكي عن أبي جعفر الهندواني أنه يقع ثنتان، لأنه لما قال لا قليل فقد قصد إيقاع الثنتين، لأن الاثنتين كثير فلا يعمل قوله ولا كثير بعد ذلك، وهذا القول أقرب إلى الصواب اهـ. ٥٠٥ كتاب الطلاق / بَابُ الصَّرِيحِ ولو قال: أقل الطلاق فواحدة؛ ولو قال عامة الطلاق أو أجله أو لونين منه أو أكثر الثلاث أو كبير الطلاق فثنتان، وكذا لا كثير ولا قليل على الأشبه مضمرات. وفي القنية: طلقتك آخر الثلاث تطليقات فثلاث، وطالق آخر ثلاث تطليقات فواحدة. والفرق دقیق حسن. وفي الخانية أنه الأظهر اهـ. وبه علم أنهما قولان مرجحان، ومبناهما على الاختلاف في الكثير. ففي البحر عن المحيط: ولو قال أنت طالق كثيراً ذكر في الأصل أنه يقع الثلاث، لأن الكثير هو الثلاث. وذكر أبو الليث في الفتاوى: يقع ثنتان اهـ. قلت: وينبغي أرجحية القول الأول، لأن الأصل من كتب ظاهر الرواية، وهو مقدم على ما في الفتاوى. قوله: (فواحدة) أي رجعية لعدم ما يفيد البائن، ولأن الرجعي أقل الطلاق. قوله: (ولو قال عامة الطلاق) إنما وقع به ثنتان لكثرة استعماله في الغالب وغالب الطلاق ثنتان ط. قوله: (أو أجله) كأنه تحريف من الكاتب. والذي في البحر جعله بضم الجيم وتشديد اللام، وكذا في الذخيرة. وجلّ الشيء: معظمه، أما الأجلّ فينبغي أن يكون ثلاثاً. رحمتي. والأحسن ما قاله ط من أنه إن نوى بالأجلّ الأعظم من جهة الكم فثلاث، أو من جهة موافقته للسنة فواحدة رجعية في طهر لا وطء فيه ولا في حيض قبله. قوله: (أو لونين منه) وهما طلقتان رجعيتان؛ ولو قال ثلاثة ألوان فثلاثة، وكذلك لو قال ألواناً من الطلاق فثلاثة، وإن نوى ألوان الحمرة والصفرة صح ديانة، وكذا ضروباً أو أنواعاً أو وجوهاً من الطلاق. ذخيرة. قلت: وينبغي فيما لو نوى ألوان الحمرة والصفرة أن يكون الواقع واحدة بائنة لما مر من أصل الإمام فيما إذا وصف الطلاق. قوله: (وكذا لا كثير ولا قليل) الذي في البحر عن المحيط أنه يقع به واحدة، وكذا في الذخيرة والبزازية والخلاصة والجوهرة وغيرها، فليراجع كتاب المضمرات؛ نعم لكلّ وجه: فوجه الواحدة أنه لما نفى الكثير أثبت القليل فلا يفيد نفيه بعد. ووجه الثنتين أن الكثير ثلاث والقليل واحدة، فإذا نفاهما ثبت ما بينهما. قوله: (والفرق دقيق حسن) وجه الفرق أنه أضاف الآخر إلى ثلاث معهودة ومعھودیتها بوقوعها، بخلاف المنکر اهـح. أقول: هذا بعد تسليمه إنما يتم بناء على ما ذكره الشارح تبعاً للبحر في أول باب الطلاق الصريح من تعريف لفظ ثلاث في الأولى وتنكيره في الثانية، مع أنه منكر في الصورتين كما رأيته في عدة كتب كالتاترخانية والهندية والذخيرة والبزازية؛ وقد ذكر الفرق في البزازية بأن الآخر هو الثالث، ولا يتحقق إلا بتقدم مثليه عليه، لكنه في ٥٠٦ كتاب الطلاق / بَابُ الصَّرِيحِ فروع: يقع بأنت طالق كل التطليقة واحدة، وكل تطليقة ثلاث، وعدد التراب واحدة، وعدد الرمل ثلاث، وعدد شعر إبليس أو عدد شعر بطن كفي الأولى أخبر عن إيقاع الثلاث، وفي الثانية وصف المرأة بكونها آخر الثلاث بعد الإيقاع وهي لا توصف بذلك، فبقي أنت طالق وبه تقع الواحدة اهـ. فمناط الفرق من التعبير بالفعل الماضي في الأول واسم الفاعل في الثاني لا من التعريف والتنكير فافهم ممكن(١) ومقتضاه أن لفظ آخر في الثانية مرفوع خبراً ثانياً عن أنت ليصير وصفاً للمرأة؛ أما لو كان منصوباً يكون وصفاً للطلاق فيساوي الصورة الأولى، واحتمال كونه منصوباً على الظرفية خبراً ثانياً بعيد. قوله: (يقع بأنت طالق الخ) لأن كلَّ إذا أضيفت إلى معرّف أفادت عموم الأجزاء، وأجزاء الطلقة لا تزيد على طلقة، وإذا أضيفت إلى منكر أفادت عموم الأفراد اهـح. ولذا کان قولك کل الرمان مأکول كاذباً لأن قشرہ لا یؤکل، بخلاف كل رمان بالتنكير، وهذا عند الخلو عن القرائن كما حررناه في باب المسح على الخفين. تنبيه: ذكر في الذخيرة: لو قال: كل الطلاق فواحدة، وهكذا نقل عنها في البحر، لكن في مختارات النوازل أنه يقع ثلاث. قلت: وهو الذي يظهر، لأن الطلاق مصدر يحتمل الثلاث، بخلاف الطلقة، على أنه ذکر في الذخيرة أیضاً أنت طالق الطلاق کله فهو ثلاث، ولا فرق یظهر بین کل الطلاق والطلاق كله. تأمل. قوله: (وعدة التراب واحدة) قال في الفتح: ولو شبه بالعدد فيما لا عدد له فقال طالق كعدد الشمس أو التراب أو مثله: فعند أبي يوسف رجعية، واختاره إمام الحرمين من الشافعية، لأن التشبيه بالعدد فيما لا عدد له لغو ولا عدد للتراب. وعند محمد: يقع ثلاث، وهو قول الشافعي وأحمد لأنه يراد بالعدد إذا ذكر الكثرة، وفي قياس قول أبي حنيفة واحدة بائنة، لأن التشبيه يقتضي ضرباً من الزيادة كما مر. أما لو قال مثل التراب يقع واحدة رجعية عند محمد اهـ. قوله: (وعدد الرمل ثلاث) أي إجماعاً كما في البحر عن الجوهرة وإنما كان التراب غير معدود لأنه اسم جنس إفرادي، بخلاف رمل لأنه اسم جنس جمعي لا يصدق على أقل من ثلاثة. نهر. وحاصله أن ما دلّ على الماهية صادقاً على القليل والكثير كالتراب والماء والعسل، فهو اسم جنس إفرادي، بخلاف ما لا يدل على أقل من ثلاث، وميز بين قليله وكثيره بالتاء كالرمل والتمر فهو اسم جنس جمعي، والجمع ذو أفراد أقلها ثلاث فيقع بإضافة العدد إليه ثلاث. قوله: (وعدد شعر إبليس الخ) أي تقع واحدة لو أضافه (١) في ط (قوله ممكن) هكذا بالأصل المقابل على خطه. ٥٠٧ كتاب الطلاق / بَابُ الصَّرِيحِ واحدة، وعدد شعر ظهر كفي أو ساقي أو ساقك أو فرجك أو عدد ما في هذا الحوض من السمك وقع بعدده إن وجد، وإلا لا، لست لك بزوج أو لست لي بامرأة أو قالت له لست لي بزوج فقال صدقت طلاق إن نواه خلافاً لهما. ولو أكد بالقسم أو سئل ألك امرأة؟ فقال لا، تطلق اتفاقاً، وإن نوى، إلى عدد مجهول النفي والإثبات، أو إلى عدد معلوم النفي كالمثالين كما في الفتح، ولم يذكر أنها بائناً أو لا. ومقتضى ما ذكره في عدد التراب أنها بائنة في قياس قول أبي حنيفة، ورجعية عند أبي يوسف، ويدل عليه ما نذكره قريباً عن المحيط من أنه يلغو ذكر العدد ويصير كأنه قال أنت طالق. قوله: (وقع بعدده) أي مما يقبله المحل والزائد لغوط. قوله: (وإلا لا) أي وإن لم يوجد شيء من الشعر بأن أطلي بالنورة مثلاً ولا وجد شيء من السمك لم يقع شيء، وهذا صحيح في غير مسألة السمك، أما فيهما فقد ذكر في الجوهرة وكذا في البحر عن الظهيرية أنه إذا لم يكن في الحوض سمك تقع واحدة، فكان الصواب ذكرها مع مسألة شعر إبليس وشعر بطن كفي. وقد ذكر في النهر أنه علل في المحيط مسألة السمك وشعر إبليس وبطن كفي بأنه إذا لم يكن شعر ولا سمك لم يعتبر ذكر العدد بل يصير لغواً وصار كأنه قال أنت طالق اهـ. وفي البحر عن محمد في الفرق بين مسألة ظهر كفي وقد أطلي ومسألة بطن كفي، أنه في الأولى لا يقع شيء؛ لأنه يقع على عدد الشعور النابتة، فإذا لم يكن عليه شعر لم يوجد الشرط؛ وفي الثانية تقع واحدة لأنه لا يقع على عدد الشعر اهـ. قلت: وحاصله أن ظهر الكف ومثله الساق والفرج لما كان محل الشعر غالباً وزواله لا يكون إلا بعارض صار العدد بمنزلة الشرط فلا يقع شيء عند عدمه، بخلاف ما إذا كان معلوم الانتفاء كشعر بطن كفي أو مجهوله ولا يمكن علمه كشعر إبليس أو يمكن، لكن انتفاؤه لا يتوقف على عارض كسمك الحوض فلا يتوقف على وجود عدد بل يقع الطلاق مطلقاً، لكن في مسألة السمك لما أمكن وجود العدد فإذا وجد وقع بقدره. قوله: (طلاق إن نواه) لأن الجملة تصلح لإنشاء الطلاق كما تصلح لإنكاره فيتعين الأول بالنية، وقيد بالنية لأنه لا يقع بدونها اتفاقاً لكونه من الكنايات، وأشار إلى أنه لا يقوم مقامها دلالة الحال، لأن ذلك فيما يصلح جواباً فقط وهو ألفاظ ليس هذا منها، وأشار بقوله طلاق إلى أن الواقع بهذه الكناية رجعي، كذا في البحر من باب الكنايات. قوله: (لا تطلق اتفاقاً وإن نوى ) ومثله قوله لم أتزوجك أو لم يكن بيننا نكاح، أو لا حاجة لي فيك. بدائع. لكن في المحيط ذكر الوقوع في قوله لا عند سؤاله. قال: ولو قال لا نكاح بيننا يقع الطلاق، والأصل إن نفي النكاح أصلاً لا يكون ٥٠٨ كتاب الطلاق / بَابُ الصَّرِيحِ لأن اليمين والسؤال قرينتا إرادة النفي فيهما. وفي الخلاصة: قيل له ألست طلقتها؟ تطلق ببلى لا بنعم. وفي الفتح: ينبغي عدم الفرق للعرف. وفي البزازية: قالت له أنا امرأتك، فقال لها أنت طالق كان إقراراً بالنكاح، وتطلق لاقتضاء الطلاق النكاح وضعاً. علم أنه حلف ولم يدر بطلاق أو غيره لغا، كما لوشك أطلق أم لا. ولو شك أطلق واحدة أو أكثر بنى على الأقل. طلاقاً بل يكون جحوداً ونفي النكاح في الحال يكون طلاقاً إذا نوى، وما عداه فالصحيح أنه على هذا الخلاف اهـ. بحر. قوله: (قرينتا إرادة النفي فيهما) وذلك لأن اليمين لتأكيد مضمون الجملة الخبرية فلا يكون جوابه الأخير، وكذا جواب السؤال والطلاق لا يكون إلا إنشاء فوجب صرفه إلى الإخبار عن نفي النكاح كاذباً. قوله: (وفي الخلاصة الخ) عبارة الخلاصة: ألست طلقتها؟ ووجد كذلك في بعض النسخ كما يفيده ما في ح. قال صاحب البحر في شرحه على المنار: وذكر في التحقيق أن موجب نعم تصديق ما قبلها من كلام منفي أو مثبت استفهاماً كان أو خبراً، كما إذا قيل لك قام زيد أو أقام زيد أو لم يقم زيد فقلت نعم كان تصديقاً لما قبله وتحقيقاً لما بعد الهمزة، وموجب بلى إيجاب ما بعد النفي استفهاماً كان أو خبراً، فإذا قيل لم يقم زيد فقلت بلى كان معناه قد قام، إلا أن المعتبر في أحكام الشرع العرف حتى يقام كل واحد منهما مقام الآخر اهـ. قوله: (وفي الفتح الخ) عبارته: والذي ينبغي عدم الفرق فإن أهل العرف لا يفرقون بل يفهمون منهما إيجاب المنفي. قوله: (وفي البزازية) أي في أوائل كتاب النكاح. قوله: (كان إقراراً بالنكاح وتطلق) أي فإذا كان أنكره، يلزمه مهرها ونفقة عدتها، وترثه لو مات في عدتها. قوله: (لاقتضاء الطلاق النكاح وضعاً ) لأن الطلاق لغة وشرعاً: رفع القيد الثابت بالنكاح فلا بد لصحته من سبق النكاح، لأن المقتضي ما يقدر لصحة الكلام، فكأنه قال نعم أنت امرأتي وأنت طالق؛ كما قالوا في: أعتق عبدك عني بألف. قلت: وهذا حيث لا مانع. ففي الخلاصة من النكاح عن المنتقى قال لها ما أنت لي بزوجة وأنت طالق فليس بإقرار بالنكاح. قال في البزازية: لقيام القرينة المتقدمة على أنه ما أراد الطلاق حقيقة اهـ: أي لأن تصريحه بنفي الزوجية ينافي اقتضاءها فلا يكون مراداً به حقيقة. قوله: (بنى على الأقل) أي كما ذكره الإسبيجابي، إلا أن يستيقن بالأكثر أو يكون أكبر ظنه. وعن الإمام الثاني: إذا كان لا يدري أثلاث أم أقل يتحرى؛ وإن استويا عمل ٥٠٩ کتاب الطلاق / بَابُ طلاق غير المدخول بها وفي الجوهرة: طلق المنكوحة فاسداً ثلاثاً له تزوجها بلا محلل، ولم يحك خلافاً. بَابُ طَلَاقٍ غَيْرِ المَذخُولِ بِهَا (قال لزوجته غير المدخول بها أنت طالق) يا زانية (ثلاثاً) فلا حد ولا لعان لوقوع الثلاث علیها وهي زوجته ثم بانت بعده، بأشد ذلك عليه. أشباه عن البزازية. قال ط: وعلى قول الثاني اقتصر قاضيخان؛ ولعله لأنه يعمل بالاحتياط خصوصاً في باب الفروج اهـ. قلت: ويمكن حمل الأول على القضاء والثاني على الديانة؛ ويؤيده مسألة المتون في باب التعليق لو قال: إن ولدت ذكراً فأنت طالق واحدة وإن ولدت أنثى فأنت طالق ثنتين فولدتهما ولم يدر الأول، تطلق واحدة قضاء وثنتين تنزهاً: أي ديانة. هذا وفي الأشباه أيضاً: وإن قال عزمت على أنه ثلاث يتركها، وإن أخبره عدول حضروا ذلك المجلس بأنها واحدة وصدقهم أخذ بقولهم. قوله: (له تزوجها بلا محلل) لأن الطلاق إنما يلحق المنكوحة نكاحاً صحيحاً، أو المعتدة بعدة الطلاق، أو الفسخ بالردة، أو الإباء عن الإسلام كما قدمناه عن البحرح: أي والمنكوحة فاسداً ليست واحدة ممن ذكر ط: أي فلا يتحقق الطلاق في النكاح الفاسد ولا ينقص عدداً لأنه متاركة، كما قدمناه عن البحر والبزازية في باب المهر عند الكلام على النكاح الفاسد، فحیث کان متارکة لا طلاقاً حقیقة کان له تزوجها بعقد صحیح بلا محلل، ويملك عليها ثلاث طلقات، والله تعالى أعلم. باب طلاقٍ غیرٍ المذخُولِ پِها قوله: (فلا حد ولا لعان الخ) أي عند الإمام بناء على أنه كلام واحد، وأن قوله: يا زانية ليس بفاصل بين الطلاق والعدد ولا بين الجزاء والشرط، في مثل: أنت طالق یا زانية إن دخلت الدار، فيتعلق الطلاق بالدخول ويقع الثلاث في أنت طالق يا زانية ثلاثاً، ولا حدّ عليه لوقوع القذف وهي زوجته، لما يأتى من أنه متى ذكر العدد كان الوقوع به ولا لعان أيضاً، لأن أثره التفريق بينهما وهو لا يتأتى بعد البينونة، وهو لايصح بدون أثره، ومثله: يا زانية أنت طالق ثلاثاً، بخلاف أنت طالق ثلاثاً يا زانية حيث يحد كما في لعان البحر لوقوع القذف بعد الإبانة. وعند أبي يوسف: يقع في مسألتنا وعليه الحد، لأنه جعل القذف فاصلاً فيلغو قوله: ثلاثاً، وكان الوقوع بقوله: أنت طالق فكان بعد الطلاق البائن لأنها غير مدخول بها فوجب الحداهـح ملخصاً مع زيادة. قوله: (لوقوع الثلاث الخ) كذا في البزازية، وصوابه لوقوع القذف، ويكون ٥١٠ كتاب الطلاق / بَابُ طلاق غير المدخول بها وكذا أنت طالق ثلاثاً يا زانية إن شاء الله تعلق الاستثناء بالوصف. بزازية (وقعن) لما تقرر أنه متى ذكر العدد كان الوقوع به، الضمير في بعده للقذف كما ظهر لك مما قررناه. قوله: (وكذا الخ) أي يقع الثلاث ولا حدّ ولا لعان كما هو مقتضى التشبيه بناء على أن المراد بالوصف ما وصفها به في قوله يا زانية وهو القذف، فإذا انصرف الاستثناء إليه ينتفي الحد واللعان، لأنه لم يبق قذفاً منجزاً وتقع الثلاث لعدم تعلقها بالاستثناء؛ وهذا التقرير هو الموافق لما في شرحه على الملتقى، ولعبارة البزازية ونصها: أنت طالق ثلاثاً يا زانية إن شاء الله يقع، وصرف الاستثناء إلى الوصف، وكذا أنت طالق يا طالق إن شاء الله، وكذا أنت طالق ياخبيثة إن شاء الله يصرف الاستثناء إلى الكل ولا يقع الطلاق، كأنه قال يا فلانة، والأصل عنده أن المذكور في آخر الكلام إذا كان يقع به طلاق أو يلزم به حد كقوله يا طالق يا زانية فالاستثناء على الوصف، وإن كان لا يجب به حد ولا يقع به طلاق كقوله يا خبيثة فالاستثناء على الكل اهـ. لكن قوله: وكذا أنت طالق يا خبيثة صوابه: ولو قال أنت طالق يا خبيئة كما عبر في الذخيرة وغيرها، لكنه تساهل لظهور المراد بذكر الأصل المذكور، وقوله: يقع: أي الطلاق دليل على أن المراد بالوصف القذف لا الطلاق، وإلا لم يصح قوله: وصرف الاستثناء إلى الوصف، وكذا ما قرره من الأصل. وأصرح منه قوله: في الذخيرة وغيرها: فالاستثناء على الآخر وهو القذف ويقع الطلاق، فافهم. ثم اعلم أن هذا الذي ذكره الشارح عن البزازية عزاه في الذخيرة إلى النوادر وهو ضعيف، فقد ذكر الفارسي في شرح تلخيص الجامع أن قوله يا زانية إن تخلل بين الشرط والجزاء كأنت طالق يا زانية إن دخلت الدار أو بين الإيجاب والاستثناء كأنت طالق يا زانية إن شاء الله لم يكن قذفاً في الأصح، وإن تقدم عليهما أو تأخر عنهما كان قذفاً في الحال. وعن أبي يوسف أن المتخلل لا يفصل، فلا يتعلق الطلاق بل يقع للحال ويجب اللعان. وعن محمد: يتعلق الطلاق ويجب اللعان. وجه ظاهر الرواية أن يا زانية نداء للإعلام بما يراد به فلا يفصل، ويتعلق الطلاق بالشرط فيتعلق القذف أيضاً، لأنه أقرب إلى الشرط اهـ ملخصاً، فهذا تصريح بأن انصراف الاستثناء إلى الكل هو الأصح وظاهر الرواية، وصرح بذلك في الذخيرة أيضاً، ومشى عليه الشارح في باب التعليق. قوله: (وقعن) جواب الشرط المقدر في قول المتن ((قال لزوجته)) وكان الأولى للشارح ذكره عقب قوله «ثلاثاً». قوله: (لما تقرر الخ) لأن الواقع عند ذكر العدد مصدر موصوف بالعدد: أي تطليقاً ثلاثاً فتصير الصيغة الموضوعة لإنشاء الطلاق متوقفاً حكمها عند ذكر العدد عليه. بحر. قال في الفتح: وبه اندفع قول الحسن البصري وعطاء وجابر بن زيد: إنه يقع عليها واحدة لبينونتها، ولا يؤثر العدد شيئاً. ٥١١ کتاب الطلاق / بابُ طلاق غیر المدخول بها وما قيل من أنه لا يقع لنزول الآية في الموطوءة باطل محض منشؤه الغفلة عما تقرر أن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب. وحمله في غرر الأذكار على كونها متفرّقة، فلا يقع إلا الأولى فقط. (وإن فرق) بوصف أو خبر أو جمل ونص محمد رحمه الله تعالى قال: وإذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً جميعاً فقد خالف السنة وأثم، وإن دخل بها أو لم يدخل سواء، بلغنا ذلك عن رسول الله وَلخير وعن ابن مسعود وابن عباس وغيرهم رضوان الله عليهم. قوله: (وما قيل الخ) رد على ما نقله في شرح المجمع عن كتاب المشكلات وأقره عليه، حيث قال: وفي المشكلات من طلق امرأته الغير مدخول بها ثلاثاً فله أن يتزوجها بلا تحليل، وأما قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَها فَلاَ تِحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيرهُ﴾ [البقرة ٢٣٠] ففي حق المدخول بها اهـ. ووجه الردّ أنه مخالف للمذهب: لأنه إما أن يريد عدم وقوع الثلاث عليها بل تقع واحدة كما هو قول الحسن وغيره وقد علمت رده، أو يريد أنه لا يقع شيء أصلاً. وعبارة الشارح تحتمل الوجهين، لكن كلام الدرر يعين الأول. أو يريد وقوع الثلاث مع عدا اشتراط المحلل. وقد بالغ المحقق ابن الهمام في رده حيث قال في آخر باب الرجعة: لا فرق في ذلك: أي اشتراط المحلل بين كون المطلقة مدخولاً بها أو لا لصريح إطلاق النص، وقد وقع في بعض الكتب أن غير المدخول بها تحل بلا زوج، وهو زلة عظيمة مصادمة للنص والإجماع، لا يحل لمسلم رآه أن ينقله فضلاً عن أن يعتبره لأن في نقله إشاعته، وعند ذلك ينفتح باب الشيطان في تخفيف الأمر فيه. ولا يخفى أن مثله مما لا يسوغ الاجتهاد فيه لفوات شرطه من عدم مخالفة الكتاب والإجماع، نعوذ بالله من الزيغ والضلال، والأمر فيه من ضروريات الدين لا يبعد إكفار مخالفه اهـ. قوله: (لعموم اللفظ) أي لفظ النص، فإنه يعم غير المدخول بها. وفيه أن الآية صريحة في المدخول بها لأن الطلاق ذكر فيها مفرقاً وتفريقه يخصها، ولا يكون في غير المدخول بها إلا بتجديد النكاح، فالأولى الاستناد إلى السنة، وهو ما ذكر عن الإمام محمد ط. قوله: (وحمله في غرر الأذكار) حيث قال: ولا يشكل ما في المشكلات، لأن المراد من قوله ثلاثاً: ثلاث طلقات متفرقات ليوافق ما في عامة كتب الحنفية اهـ فافهم. قلت: يؤيد هذا الحل قوله في المشكلات: وأما قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَها) [البقرة ٢٣٠] الخ فإنه ذكر في الآية مفرقاً فلذا أجاب عنه صاحب المشكلات بأن ما في الآية وارد في المدخول بها، فتأمل. قوله: (وإن فرق بوصف) نحو أنت طالق واحدة ٥١٢ کتاب الطلاق / بابُ طلاق غیر المدخول بها بعطف أو غيره (بانت بالأولى) لا إلى عدة (و) لذا (لم تقع الثانية) بخلاف الموطوءة حيث يقع الكل، وعم التفريق قوله (وكذا أنت طالق ثلاثاً متفرقات) أو ثنتين مع طلاقي إياك (ف) طلقها واحدة وقع (واحدة) كما لو قال نصفاً وواحدة على الصحيح. جوهرة. وواحدة، وواحدة أو خبر نحو: أنت طالق طالق طالق؛ أو أجمل نحو: أنت طالق أنت طالق أنت طالق ح، ومثله في شرح الملتقى. قوله: (بعطف) أي في الثلاثة، سواء كان بالواو أو الفاء أو ثم أو بل ح. وسيذكر المصنف مسألة العطف منجزة ومعلقة مع تفصيل في المعلقة. قوله: (أو غيره) الأولى أو دونه ط. قوله: (بانت بالأولى) أي قبل الفراغ من الكلام الثاني عند أبي يوسف. وعند محمد بعده: لجواز أن يلحق بكلامه شرطاً أو استثناء، ورجح السرخسي الأول، والخلاف عند العطف بالواو. وثمرته فيمن ماتت قبل فراغه من الثاني وقع عند أبي يوسف لا عند محمد، وتمامه في البحر والنهر. قوله: (ولذا) أي لكونها بانت لا إلى عدة ح. قوله: (لم تقع الثانية) المراد بها ما بعد الأولى، فيشمل الثالثة. قوله: (بخلاف الموطوءة) أي ولو حكماً كالمختلى بها فإنها كالموطوءة في لزوم العدة، وكذا في وقوع طلاق بائن آخر في عدتها، وقيل لا يقع، والصواب الأول كما مر في باب المهر نظماً وأوضحناه هناك. قوله: (حيث يقع الكل) أي في جميع الصور المتقدمة لبقاء العدة، ولا يصدق قضاء أنه عنى الأولى كما سيأتي في الفروع، إلا إذا قيل له ماذا فعلت؟ فقال طلقتها، أو قد قلت هي طالق، لأن السؤال وقع عن الأول فانصرف الجواب إليه. بحر. قوله: (أو ثنتين مع طلاقي إياك الخ) أي لأن مع هنا بمعنى بعد كما تقدم في قوله مع عتق مولاك إياك اهـح: أي فيكون الطلاق شرطاً، فإذا طلقها واحدة لا تقع الثنتان، لأن الشرط قبل المشروط. قوله: (كما لو قال نصفاً وواحدة) أي تقع واحدة لأنه غير مستعمل على هذا الوجه فلم يجعل كله كلاماً واحداً، وعزاه في المحيط إلى محمد. بحر: أي لأن المستعمل عطف الكسر على الصحيح. قوله: (لأنه جملة واحدة لأنه إذا أراد الإيقاع بهما ليس لهما عبارة يمكن النطق بها أخصر منهما)، وكذا لو قال واحدة وأخرى وقع ثنتان لعدم استعمال أخرى ابتداء. شهر. لا يقال: أنت طالق ثنتين أخصر منهما، لأن الكلام عند إرادة الإيقاع بالصحيح والكسر وبلفظ أخرى فقد يكون فيه غرض. على أنه إن لم يكن له غرض صحيح فالعبرة للفظ، ولفظ ثنتين لا يؤدي معنى النصف؛ ومعنى أخرى لغة وإن كان المراد بهما طلقة، بخلاف أنت طالق واحدة وواحدة فإنه يغني عنه طالق ثنتين، فعدوله عن ثنتين إليه قرينة على إرادة التفريق، وكذا نصفاً وواحدة، لأن نصف الطلقة في حكم ٥١٣ کتاب الطلاق / بَابُ طلاق غير المدخول بها ولو قال: واحدة وعشرين أو وثلاثين فثلاث لما مر. (والطلاق یقع بعدد قرن به لا به) نفسه الطلقة كما مر في محله فصار بمنزلة واحدة وواحدة، وهو من المتفرق بقرينة العدول عن الأصل من تقديم الصحيح على الكسر، فافهم. قوله: (لما مر) أي من قوله: ((لأنه جملة واحدة)) اهـح: أي أنه أخصر ما يتلفظ به إذا أراد الإيقاع بهذه الطريقة وهو مختار في التعبير لغة اهـ. بحر. لكنه ذكر ذلك في إحدى وعشرين لا في واحدة وعشرين، ثم نقل عن المحيط: لو قال واحدة وعشراً وقعت واحدة، بخلاف أحد عشر فثلاث لعدم العطف، وكذا لو قال واحدة ومائة أو واحدة وألفاً أو واحدة وعشرين تقع واحدة، لأن هذا غير مستعمل في المعتاد، فإنه يقال في العادة مائة واحدة وألف وواحدة، تجعل هذه الجملة كلاماً واحداً، بل اعتبر عطفاً. قال أبو يوسف: يقع الثلاث، لأن قوله: واحدة ومائة ومائة وواحدة سواء اهـ. وظاهره أن قول أبي يوسف في هذه المسائل غير المعتمد، لكن قال في النهر: وجزم الزيلعي به في واحدة وعشرين يومىء إلى ترجيحه . مَطْلَبْ: الطَّلَاقُ بَقَعُ بِعَدَدِ قُرِنَ بِهِ لَا بِهِ قوله: (والطلاق يقع بعدد قرن به لا به) أي متى قرن الطلاق بالعدد كان الوقوع بالعدد بدليل ما أجمعوا عليه من أنه لو قال لغير المدخول بها أنت طالق ثلاثاً طلقت ثلاثاً، ولو كان الوقوع بطالق لبانت لا إلى عدة فلغا العدد، ومن أنه لو قال أنت طالق واحدة إن شاء الله لم يقع شيء، ولو كان الوقوع بطالق لكان العدد فاصلاً فوقع. ثم اعلم أن الوقوع أيضاً بالمصدر عند ذكره، وكذا بالصفة عند ذكرها كما إذا قال أنت طالق البتة، حتى لو قال بعدها إن شاء الله متصلًا لا يقع؛ ولو كان الوقوع باسم الفاعل لوقع، ويدل عليه ما في المحيط: لو قال أنت طالق للسنة أو أنت طالق بائن فماتت قبل قوله: للسنة أو بأن لا يقع شيء لأنه صفة للإيقاع لا للتطليقة فيتوقف الإيقاع على ذكر الصفة وأنه لا يتصور بعد الموت اهـ. وكذا ما في عتق الخانية قال لعبده أنت حرّ البتة فمات العبد قبل البتة يموت عبداً. بحر من الباب المار عند قوله: أنت طالق واحدة أولا، وقال هنا: ويدخل في العدد أصله وهو الواحد ولا بد من اتصاله بالإيقاع، ولا يضرّ انقطاع النفس، فلو قال أنت طالق وسكت ثم قال ثلاثاً فواحدة، ولو انقطع النفس أو أخذ إنسان فمه ثم قال ثلاثاً على الفور فثلاث، ولو قال لغير المدخولة أنت طالق يا فاطمة أو يا زينب ثلاثاً وقعن؛ ولو قال أنت طالق اشهدوا ثلاثة فواحدة، ولو قال فاشهدوا فثلاث، كذا في الظهيرية اهـ. قلت: وحاصله أن انقطاع النفس وإمساك الفم لا يقطع الاتصال بين الطلاق ٥١٤ کتاب الطلاق / بابُ طلاق غیر المدخول بها عند ذكر العدد، وعند عدمه الوقوع بالصيغة. (فلو ماتت) يعم الموطوءة وغيرها (بعد الإيقاع قبل) تمام (العدد لغا) لما تقرّر. (ولو مات) الزوج أو أخذ أحد فمه قبل ذكر العدد (وقع واحدة) عملاً بالصيغة، لأن الوقوع بلفظه لا بقصده. (ولو قال) لغير الموطوءة (أنت طالق واحدة وواحدة) بالعطف وعدده، وكذا النداء لأنه لتعيين المخاطبة، وكذا عطف فاشهدوا بالفاء لأنها تعلق ما بعدها بما قبلها فصار الكل كلاماً واحداً. قوله: (عند ذكر العدد) أي عند التصريح به، فلا يكفي قصده كما يأتي فيما لو مات أو أخذ أحد فمه، فافهم. قوله: (بعد الإيقاع) المراد به ذكر الصيغة الموضوعة للإيقاع لولا العدد. قوله: (قبل تمام العدد) قدر لفظ (تمام)) تبعاً للبحر احترازاً عما لو قال أنت طالق أحد عشر فماتت قبل تمام العدد. قوله: (لغا) أي فلا يقع شيء. نهر. فيثبت المهر بتمامه ويرث الزوج منها ط. قوله: : (لما تقرر) أي من أن الوقوع بالعدد وهي لم تكن محلّاً عند وقوع العدد ح. أو لما تقرر من أن صدر الكلام يتوقف على آخره لوجود ما يغيره كالشرط والاستثناء، حتى لو قال أنت طالق إن دخلت الدار أو إن شاء # فماتت قبل الشرط أو الاستثناء لم تطلق، لأن وجودهما يخرج الكلام عن أن يكون إيقاعاً، بخلاف: أنت طالق ثلاثاً يا عمرة فماتت قبل قوله: يا عمرة طلقت لأنه غير مغير، وكذا أنت طالق وأنت طالق فماتت قبل الثاني، لأن كل كلام عامل في الوقوع إنما يعمل إذا صادفها وهي حية؛ ولو قال أنت طالق وأنت طالق إن دخلت الدار فماتت عند الأول أو الثاني لا يقع لما مر كما في البحر عن الذخيرة. قوله: (أو أخذ أحد فمه) أي ولم يذكر العدد على الفور عند رفع اليد عن فمه، أما لو قال ثلاثاً مثلاً على الفور وقعن كما مر. قوله: (عملاً بالصيغة) أشار إلى وجه الفرق بين موتها وموته، وهو أن الزوج وصل لفظ الطلاق بذكر العدد في موتها ولم يتصل في موته ذكر العدد بلفظ الطلاق، فبقي قوله: أنت طالق وهو عامل بنفسه في وقوع الطلاق كما في أخذ الفم إذا لم يقل بعده شيئاً حيث تقع واحدة. أفاده في البحر عن المعراج. قوله: (لأن الوقوع بلفظه لا بقصده) الضميران للزوج أو للعدد، وعلى الأول يكون التعليل لمنطوق العلة التي قبله، وعلى الثاني لمفهومها وهو عدم العمل بالعدد الذي قصد، فافهم. قوله: (بالعطف) أي بالواو فتقع واحدة، لأن الواو لمطلق الجمع أعم من كونه للمعية أو للتقدم أو التأخر، فلا يتوقف الأول على الآخر إلا لو كانت للمعية وهو منتف فيعمل كل لفظ عمله، فتبين بالأولى فلا يقع ما بعدها، ومثل الواو العطف بالفاء، وثم بالأولى لاقتضاء الفاء التعقيب، وثم للتراخي مع الترتيب ٥١٥ کتاب الطلاق / بابُ طلاق غير المدخول بها (أو قبل واحدة أ بعدها واحدة يقع واحدة) بائنة، ولا تلحقها الثانية لعدم العدة. (وفي) أنت طالق واحدة (بعد واحدة أو قبلها واحدة أو مع واحدة أو معها واحد ثنتان) الأصل أنه متى أوقع بالأول لغا الثاني، أو بالثاني اقترنا، لأن الإيقاع في الماضي إيقاع في الحال. (و) يقع (بأنت طالق واحدة وواحدة إن دخلت الدار ثنتان لو دخلت) فيهما؛ وأما ((بل)) في أنت طالق واحدة لا بل ثنتين فكذلك لأنها باق بالأولى، ولو كانت مدخولً بها تقع ثلاث لأنه أخبر أنه غلط في إيقاع الواحدة ورجع عنها إلى إيقاع الثنتين بدلها فصح إيقاعهما دون رجوعه؛ نعم لو قال لها طلقتك أمس واحدة لا بل ثنتين تقع ثنتان، لأنه خبر يقبل التدارك في الغلط، بخلاف الإنشاء. بحر ملخصاً. قوله: (أو قبل واحدة الخ) الضابط أن الظرف حيث ذكر بين شيئين إن أضيف إلى ظاهر كان صفة للأول كجاءني زيد قبل عمرو، وإن أضيف إلى ضمير الأول كان صفة الثاني كجاءني زيد قبله أو بعده عمرو، لأنه حينئذ خبر عن الثاني والخبر وصف للمبتدأ، والمراد بالصفة المعنوية والمحكوم عليه بالوصفية هو الظرف فقط، وإلا فالجملة في قبله عمرو حال من زيد لوقوعها بعد معرفة والحال وصف لصاحبها؛ ففي واحدة قبل واحدة أوقع الأولى قبل الثانية فبانت بها، فلا تقع الثانية وفي بعدها ثانية كذلك لأنه وصف الثانية بالبعدية، ولو لم يصفها بها لم تقع فهذا أولى، وهذا في غير المدخول بها، وفي المدخول بها تقع ثنتان لوجود العدة كما يأتي. قوله: (ثنتان) لأنه في واحدة بعد واحدة جعل البعدية صفة للأولى فاقتضى إيقاع الثانية قبلها، لأن الإيقاع في الماضي إيقاع في الحال لامتناع الاستناد إلى الماضي فيقترنان فتقع ثنتان، وكذا في واحدة قبلها واحدة، لأنه جعل القبلية صفة للثانية فاقتضى إيقاعها قبل الأولى فيقترنان، وأما مع فللقران. فلا فرق فيها بين الإتيان بالضمير، وإلا فاقتضى وقوعهما معاً تحقيقاً لمعناها. قوله: (متى أوقع بالأول) كما في قبل واحدة وبعدها واحدة فإن الأولى فيهما هي الواقعة لوصفها بأنها قبل الثانية أو بأن الثانية بعدها، وهو معنى كونها قبل الثانية فتكون الثانية متأخرة في الصورتين فلغت. قوله: (أو بالثاني اقترنا) المراد بالثاني المتأخر في إنشاء الإيقاع لا في اللفظ، وذلك كما في بعد واحدة أو قبلها واحدة فإنه أوقع فيهما واحدة وهي الأولى الموصوفة بأنها بعد الثانية، أو بأن الثانية قبلها، وهو معنى كونها بعد الثانية فيقترنان. ويحتمل أن يراد بالثاني اللفظ المتأخر، فإنه سابق في الإيقاع من حيث الإخبار لتضمن الكلام الإخبار عن إيقاع الثانية قبل الأولى. قوله: (ويقع الخ) من عطف الخاص على العام لدخوله تحت قوله: ((وإن فرق)) فكان الأولى ذكره عقبه. قوله: (ثنتان) أي إن اقتصر ٥١٦ کتاب الطلاق / بَابُ طلاق غير المدخول بها لتعلقهما بالشرط دفعة. (و) تقع (واحدة إن قدم الشرط) لأن المعلق كالمنجز. (و) يقع (في الموطوءة ثنتان في كلها) لوجود العدة؛ ومن مسائل قبل وبعد ما قيل: [الخفيف] مَا يَقُولُ الفَقِيهُ أَيَّدَهُ اللَّـهُ وَلَا زَالَ عِنْدَهُ الإِحْسَانُ فِي فَتِىّ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِشَهْرٍ قَبْلَ مَا بَعْدَ قَبْلِهِ رَمَضَانُ وينشد على ثمانية أوجه، فيقع بمحض قبل في ذي الحجة، وبمحض بعد عليهما، وإن زادت فثلاث. قوله: (لتعلقهما بالشرط دفعة) لأن الشرط مغير للإيقاع، فإذا اتصل المغير توقف صدر الكلام عليه فيتعلق به كل من الطلقتين معاً فيقعان عند وجود الشرط كذلك، بخلاف ما لو قدم الشرط فلا يتوقف لعدم المغير. قوله: (وتقع واحدة إن قدم الشرط) هذا عنده، وعندهما ثنتان أيضاً، ورجحه الكمال وأقره في البحر، قوله: ((لأن المعلق كالمنجز)) أي يصير عند وجود شرطه كالمنجز ولو نجزه حقيقة لم تقع الثانية، بخلاف ما إذا أخر الشرط لوجود المغير. زيلعي. تنبيه: العطف بالفاء كالواو فتقع واحدة إن قدم الشرط اتفاقاً على الأصح وتلغو الثانية، وثنتان إن أخره، وفي العطف بثم إن أخره تنجزت واحدة ولغا بعدها، ولو موطوءة تعلق الأخير وتنجز ما قبله، وإن قدم الشرط لغا الثالث وتنجز الثاني وتعلق الأول، فيقع عند الشرط بعد التزوج الثاني، ولو موطوءة تعلق الأول وتنجز ما بعده. وعندهما تعلق الكل بالشرط قدمه أو أخره، إلا أن عند وجود الشرط تطلق الموطوءة ثلاثاً وغيرها واحدة، وتمامه في البحر. قوله: (كلها) أي كل الصور التي ذكرها في العطف بلا تعليق بشرط، وفي قبل وبعد وفي الشرط المتقدم أو المتأخر. مَطْلَبُ فِي قَبَّل مَا بَعْدَهُ قَبْلَهُ رَمَضَانُ قوله: (ومن مسائل قبل وبعد ما قيل) أي ما قاله بعضهم نظماً من بحر الخفيف. ورأيت في شرح المجموع الأشموني شارح الألفية أن هذا البيت رفع للعلامة أبي عمرو بن الحاجب بأرض الشام وأفتى فيه وأبدع وقال: إنه من المعاني الدقيقة التي لا يعرفها أحد في مثل هذا الزمان، وإنه ينشد على ثمانية أوجه لأن ما بعد ((ما قد يكون قبلين أو بعدين أو مختلفين، فهذه أربعة أوجه كل منها قد يكون قبله قبل أو بعد صارت ثمانية)) والقاعدة في الجميع أنه كلما اجتمع فيه منها قبل وبعد فالغهما، لأن كل شهر حاصل بعد ما هو قبله وحاصل قبل ما هو بعده، ولا يبقى حينئذ إلا بعده رمضان فيكون شعبان، أو قبله رمضان فيكون شوالا الخ. قوله: (في ذي الحجة) لأن قبله ذا . ٥١٧ کتاب الطلاق / بابُ طلاق غير المدخول بها في جمادى الآخرة، وبقبل أولاً أو وسطاً أو آخراً في شوال، وببعد كذلك في شعبان لإلغاء الطرفين فيبقى قبله أو بعده رمضان. (ولو قال امرأتي طالق وله امرأتان أو ثلاث تطلق واحدة منهن، وله خيار القعدة، وقبل هذا القبل شوال، وقبل قبل القبل رمضان ط. قوله: (في جمادى الآخرة) لأن بعده رجباً؛ وبعد ذلك البعد شعبان وبعد بعد البعد رمضان ط. قوله: (في شوال) صوابه في شعبان ح: أي لأن فرض المسألة أن قبلاً ذكر مرة واحدة وتكرر بعد فيلغى لفظ قبل ولفظ بعد مرة ويبقى لفظ بعد الثاني هو المعتبر؛ فيصير كأنه قال بعده رمضان وهو شعبان كما مر. قوله: (ويبعد كذلك) أي أو لا وسطاً أو واسطاً أو آخراً ح. قوله: (في شعبان) صوابه في شوال ح: أي لنظير ما قلنا. قوله: (لإلغاء الطرفين) المراد بالطرفين قبل وبعد؛ وكأنه إنما أطلق عليهما طرفين لما بينهما من التقابل. وعبارة الفتح: يلغى قبل ببعد. وعبارة النهر: يلغى قبل وبعد لأن كل شهر بعد قبله وقبل بعده؛ فيبقى قبله رمضان وهو شوال، أو بعده رمضان وهو شعبان ح. قلت: وأما ما في البحر من أن الملغى الطرفان الأولان: يعني الحاليين عن الضمير سواء اختلفا أو اتفقا، وفرع عليه معتبراً للأخير المضاف للضمير فقط فهو خطأ مخالف لما قرره نفسه أولاً ولما قرره غيره. تنبيه: هذا كله مبني على أن ((ما)) ملغاة لا محل لها من الإعراب ويحتمل أن تكون موصولة أو نكرة موصوفة فتكون في محل جرّ بإضافة الظرف الذي قبله إليها؛ وفيه الأوجه الثمانية، لكن أحكامها تختلف. ففي محض قبل يقع في شوال، وفي محض بعد في شعبان، وفي قبل ثم بعدين في جمادى الآخرة، وفي بعد ثم قبلين في ذي الحجة، وفي الصور الأربع الباقية على عكس ما مر في إلغاء ((ما)) أي فما وقع منها في شوال أو في شعبان على تقدير الإلغاء يقع بعكسه على تقدير الموصولية أو الموصوفية، كما ذكره العلامة بدر الدين الغزي الشافعي. ورأيته بخطه معزياً إلى العلامة ابن الحاجب، وقال: إن للسبكي في ذلك مؤلفاً. قلت: وقد أوضحت هذه المسألة في رسالة كنت سميتها [إتحاف الذكيّ النبيه بجواب ما يقول الفقيه] وبينت فيها المقام بما لا مزيد عليه، وخلاصة ذلك أن قوله: بشهر قبل ما قبل قبله رمضان علی کون ((ما)) زائدة يكون رمضان مبتدأ والظرف الأول خبر عنه وهو مضاف إلى الثاني، لأن ((ما)) الزائدة لا تكف عن العمل نحو - فبما رحمة - وغير ما رجل، والثاني مضاف إلى الثالث، والجملة من المبتدأ والخبر صفة شهر، والرابط الضمير المضاف إليه الظرف الأخير؛ والمعنى: بشهر رمضان كائن قبل قبل قبله وهو ذو الحجة، وعلى كون ((ما)) موصولة يكون الظرف الأول صفة لشهر وهو مضاف إلى الموصول والظرف الثاني المضاف إلى الثالث خبر ٥١٨ كتاب الطلاق / بَابُ طلاق غير المدخول بها التعيين) اتفاقاً. وأما تصحيح الزيلعي فإنما هو في غير الصريح كامرأتي حرام كما مقدم عن رمضان والجملة صلة ((ما)) والعائد الضمير الأخير؛ والمعنى: بشهر كائن قبل الشهر الذي رمضان كائن قبل قبله، فالشهر الذي قبل قبله هو ذو الحجة، فالذي قبله هو شوال، وكذا يقال على تقدير ((ما)) نكرة موصوفة، وعلى هذا القياس في باقي الصور، وقد نظمت جميع ما مر من الصور فقلت: [الخفيف] خُذْ جَوَاباً عُقُودُهُ المَرْجانُ فِيهِ عَمَّا طَلَبْتَهُ تِبيانُ وَلِعَكْسِ ذُو حِجَّةٍ إِنَّانُ فَجُمَادى الأَخِيرُ فِي محضِ بَعْدٍ مَعَ بَعْدٍ وَعَكْسُهُ شَعْبَانُ ثُمَّ شَوَّالُ لَوْ تَكَّرَّرَ قَبْلُ مَعَ قَبْلِ وَمَا بَقي المِيزانُ أَلْغِ ضِدًّا بِضِدِّهِ وَهْوَ بَعْدٌ وُصِلَتْ أَوْ صِفَتُهَا فَالبَيَانُ ذَاكَ إِنْ تُلْغِ مَا وَأَمَّا إِذاَ ما وَلَعَكْسٍ شَعْبَانَ جَاءَ الزَّمَانُ جَاءَ شَوَّالُ فِي تَمَخُّض قَبْلِ فَهِوَ ثُمَّذُو حِجَّةٍ لعَكْسٍ أَوَانُ وَجَادى لِقَبْلِ مَا بَعْد بَعْدٍ وَسِوىَ ذَا بِعَكْسٍ إِلْغَائِها آقْهم فَهو تَحقِقُ مَنْ همُ الفْرَّسَانُ وتوضيح ذلك في رسالتنا المذكورة، والحمد لله رب العالمين. قوله: (وأما تصحيح الزيلعي الخ) رد على صاحب الدرر حيث ذكر ما ذكره المصنف وقال: هو الصحيح؛ احترازاً عما قيل يقع على كل واحدة طلاق، وعزاه إلى إيلاء الزيلعي. واعترضه في المنح بأن عبارة الزيلعي هكذا، وذكر في الفتاوى: إذا قال لامرأته أنت عليّ حرام والحرام عنده طلاق ولكن لم ينو الطلاق وقع الطلاق، ولو كان له أربع نسوة والمسألة بحالها تقع على كل واحدة منهن طلقة بائنة، وقيل تطلق واحدة منهن، وإليه البيان وهو الأظهر والأشبه. وفي إيلاء الفتح والبحر أن في المواضع التي يقع الطلاق بلفظ الحرام، إن كان له أكثر من زوجة واحدة تقع على كل تطليقة واحدة، بخلاف الصريح نحو: امرأته طالق وله أكثر من واحدة فلا تقع إلا واحدة. وأجاب الأوزجندي أنه لا يقع إلا على واحدة، وهو الأشبه، وعزاه في البحر إلى البزازية والخلاصة والذخيرة. وفي الفتح: الأشبه عندي ما في الفتاوى، لأن قوله حلال الله أو حلال المسلمين يعم كل زوجة على سبيل الاستغراق، كقوله هن طوالق لا البدل كإحداكن طالق، وحیث وقع بهذا اللفظ وقع بائناً. مَطْلَبٌ فِيمَا قَالَ: أَمْرَأْتُهُ طَالِقٍ وَلَهُ أَمْرَأَتَانٍ أَوْ أَكَثَرُ تُطَلَّقُ وَاحِدَةٌ وفي الخانية: امرأته طالق وله امرأتان معروفتان له أن يصرف الطلاق إلى أيتهما شاء، ولم يحك خلافاً، فظهر أن التصحيح في غير الصريح كحلال المسلمين ونحوه، ٥١٩ کتاب الطلاق / بَابُ طلاق غیر المدخول بها حرّره المصنف، وسيجيء في الإيلاء لكونه يعم كل زوجة لا كما زعم في الدرر أهـ كلام المنح ملخصاً. وسيأتي في الإيلاء عن النهر أن قول الزيلعي هنا: والمسألة بحالها: يعني التحريم، لا بقيد أنت عليّ حرام مخاطباً لواحدة، بل يجب فيه أن لا يقع إلا على المخاطبة اهـ. أقول: والحاصل أنه لا خلاف في امرأته طالق أن له أن يصرفه إلى أيتهما شاء، خلافاً لما في الدرر، ولا في أنت عليّ حرام أنه لا يقع إلا على المخاطبة فقط، خلافاً لما يوهمه كلام الزيلعي؛ وإنما الخلاف فيما يعم كل زوجة على سبيل الاستغراق، فاختار الأوزجندي أنه لا يقع إلا على واحدة فله صرفه إلى أيتهما شاء نظراً إلى أنه لفظ مفرد؛ واختار المحقق ابن الهمام أنه يقع على الكل لاستغراقه، وهذا هو الظاهر، ويدل على أن محل الخلاف ماقلنا إنه في الذخيرة حكاه في حلال المسلمين عليّ حرام، وهو صريح تعليل الفتح. والظاهر أنه لا خلاف في كل حل عليّ حرام، لأنه بعد التصريح بأداة العموم لا يمكن حمله على فرد خاص، بخلاف العموم المستفاد من الإضافة، ويظهر لي أن عدم الخلاف في الصريح لا لخصوص صراحته بل لكونه بلفظ امرأتي الذي عمومه بدليّ: أي صادق على واحدة لا بعينها أيّ واحدة كانت، مثل قوله: إحداهن طالق؛ حتى لو كان الصريح بلفظ عمومه استغراقي مثل: حلال الله طالق أو من يحل لي طالق أو من في عقد نكاحي طالق، جرى فيه الخلاف المذكور، وكان فيه ترجيح ابن الهمام أظهر. ويظهر من هذا أن قوله: امرأتي حرام لا يتأتى فيه الخلاف المذكور، لما علمت من أن عمومه بدلي لا استغراقي فهو مثل امرأتي طالق، وبه ظهر أن حمل الشارح تصحيح الزيلعي على امرأتي حرام غير مناسب للمقام، وقوله: ((كما حرره المصنف الخ)) فيه أنه مخالف لما قدمناه عن المصنف من قوله: ((فظهر أن الصحیح في غیر الصریح کحلال المسلمین ونحوه لکونه یعم کل زوجة» فالذي حرره المصنف هو الحمل على العام الاستغراقي كما اختاره ابن الهمام، فافهم. ويظهر مما قررناه أيضاً أن قوله: عليّ الطلاق كما هو الشائع في زماننا مثل قوله: امرأتي طالق، لأن معناه كما مر إن فعلت كذا لزم الطلاق ووقع. ولا يخفى أن هذا محتمل لأن يكون المراد لزم الطلاق من امرأة أو من أكثر ولا ترجيح لأحدهما على الآخر، فينبغي أن يثبت له صرفه إلى من شاء، وينبغي أن يكون قوله عليّ الحرام كذلك، لأن معناه: إن فعل كذا فامرأته حرام عليه. : تنبيه: لا فرق في ذلك بين المعلق والمنجز، وكذا لا فرق بين حلفه مرة أو أكثر، فله صرف الأكثر إلى واحدة. ففي البزازية عن فوائد شيخ الإسلام قال: حلال الله عليه حرام إن فعل كذا وفعله وحلف بطلاق امرأته إن فعل كذا وفعله وله امرأتان فأراد ٥٢٠ کتاب الطلاق / بَابُ طلاق غير المدخول بها (قال لنسائه الأربع بينكن تطليقة طلقت كل واحدة تطليقة، وكذا لو قال بينكن تطليقتان أو ثلاث أو أربع، إلا أن ينوي قسمة كل واحدة بينهن فتطلق كل واحدة ثلاثاً: ولو قال بينكن خمس تطليقات يقع على كل واحدة طلاقان هكذا إلى ثمان تطليقات فإن زاد عليها طلقت كل واحدة ثلاثاً) ومثله قوله أشركتكن في تطليقة. خانية. وفيها (قال لامرأتين لم يدخل بواحدة منهما امرأتي طالق امرأتي طالق ثم أن يصرف هذين الطلاقين في واحدة منهما أشار في الزيادات إلى أنه يملك ذلك اهـ. لكن إذا بانت إحداهما قبل وقوع الثاني ليس له صرفه إليها. ففي البزازية أيضاً من كتاب الأيمان: إن فعلت كذا فامرأته طالق وله امرأتان أو أکثر طلقت واحدة وإلیه البیان، وإن طلق إحداهما بائناً أو رجعياً ومضت عدتها ثم وجد الشرط تعينت الأخرى للطلاق وإن كان لم تنقض العدة فالبيان إليه اهـ. بقي شيء؛ وهو ما لو كان الطلاق ثلاثاً فهل له أن يوقع على كل واحدة طلقة أم لا بد أن يجمع الثلاث على واحدة؟ وعلى الأول فهل تكون كل واحدة من الثلاث بائنة لئلا يلغو وصف البينونة وهي صفة الأصل، أو تكون رجعية نظراً للواقع؟ ورأيت بخط شيخ مشايخنا السائحاني عن المنية: لو كان لرجل ثلاث نساء فقال امرأتي ثلاث تطليقات يقع ثلاث لكل واحدة، وعند أبي حنيفة: لكل واحدة منهن طلاقاً بائن وهو الأصح اهـ. وفيه مخالفة لما قدمناه من أنه لا خلاف في أن له صرفه إلى من شاء، فليتأمل. قوله: (قال لنسائه الخ) وجه وقوع الواحدة في هذه الصور أن بعض الطلقة طلقة كما مر، فيصيب كل واحدة في إيقاع طلقة بينهن ربعها، وفي طلقتين نصف طلقة، وفي ثلاث ثلاثة أرباع طلقة، وفي أربع طلقة كاملة. قوله: (فتطلق كل واحدة ثلاثاً) أي إلا في التطليقتين، فيقع على كل واحدة منهن طلقتان، كذا في كافي الحاكم الشهيد ومثله في الفتح والبحر. قوله: (يقع على كل واحدة طلاقان الخ) لأنه يصيب كل واحدة منهن في الخمس طلقة وربع طلقة، وفي الستّ طلقة ونصف، وفي السبع طلقة وثلاثة أرباع، وفي الثمان طلقتان، وهذا حيث لا نية له كما في الكافي والفتح احترازاً عما إذا نوى قسمة كل واحدة بينهن فإنه يقع على كل واحدة ثلاث. قوله: (ثلاثاً) لأنه يصيب كل واحدة من الثمانية طلقتان وتقسم التاسعة منهن، فيقع على كل طلقة ثالثة. قوله: (ومثله) أي مثل بين. قال في الفتح: فلفظ ((بين)) ولفظ ((الإشراك)) سواء، بخلاف ما لو طلق امرأتين كل واحدة واحدة ثم قال لثالثة أشركتك فيما أوقعت عليهما يقع عليها تطليقتان اهـ. وتمامه عند قوله في الباب السابق: ولو قال أنت طالق ثلاثة أنصاف تطليقة. قوله: (امرأتي طالق امرأتي طالق) مثله ما لو قال