النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ كتاب الطلاق رِضَاعٌ وَأَيْمَانٌ وَفَيْءٌ وَنَذْرُهُ قَبُولُ لِيدَاعِ كَذَا الصُّلْحُ عَنْ عَمْدٍ طَلَاقٌ عَلَى جَعْلٍ. تصح البراءة منه. قوله: (رضاع) يرد عليه ما ذكرناه في الاستيلاد، فإنه أيضاً فعل حسي ترتب عليه حكم آخر، وهذا لا ينحصر كما علمته؛ وكذا يقال مثله ما لو أكره على الخلوة بزوجته أو على وطئها فإنه يتقرّر عليه جميع المهر، وكذا لو أكره على وطء أم زوجته أو بنتها تحرم عليه زوجته. قوله: (وأيمان) جمع يمين. قال في الكافي في باب الإكراه على النذر واليمين: ولو أكره رجل بوعيد تلف حتى جعل على نفسه صدقة لله تعالى أو صوماً أو حجاً أو عمرة أو غزوة في سبيل الله تعالى أو بدنة أو شيئاً يتقرّب به إلى الله تعالى لزمه ذلك ولا ضمان على المكره، وكذلك لو أكرهه على اليمين بشيء من ذلك أو بغيره من الطاعات أو المعاصي اهـ. قوله: (وفيء) أي في الإيلاء بقول أو فعل. ذكره الشارح في الإكراه. قوله: (ونذره) قدمنا الكلام عليه قريباً. قوله: (قبول الإيداع) أخذ في البحر من قوله في القنية: أكره على قبول الوديعة فتلفت في يده فلمستحقها تضمين المودع اهـ بناء على أن الموقع بفتح الدال. قال في النهر بعد نقله: ثم ظهر لي أنه بكسر الدال، فليس من المواضع في شيء وذلك أنه في البزازية قال: أكره بالحبس على إيداع ماله عند هذا الرجل وأكره المودع أيضاً على قبوله فضاع، لا ضمان على المكره والقابض، لأنه ما قبضه لنفسه، كما لو هبت الريح فألقته في حجره فأخذه ليردّه فضاع في يده لا يضمن اهـ. قلت: وحاصله أن التعليل المذكور يدل على أن المستحق للوديعة في مسألة القنية ليس له تضمين المودع، بالفتح؛ لأنه إذا كان مكرهاً على قبولها لم يكن قابضاً لنفسه؛ فتعين أنه بالكسر لأنه دفعها باختياره فللمستحق تضمينه، ولكن مع هذا أيضاً لو صح قراءته بالفتح لم يكن من هذه المواضع أيضاً لأن الكلام فيما يصح مع الإكراه، وتضمينه يدل على أنه لم يصح قبوله للوديعة، لأن حكم المودع، بالفتح: عدم الضمان بالتلف، فتأمل. قوله: (كذا الصلح عن عمد) أي قبول القاتل الصلح عن دم العمد على مال، كذا في البحر: أي إذا أكره على أن يصالح صاحب الحق على مال أكثر من الدية أو أقل فصالحه بطل الدم ولم يلزم الجاني شيء كما في كافي الحاكم، وذكر قبله أنه لو أكره ولي دم العمد على أن صالح منه على ألف فلا شيء له غير الألف اهـ. وإنما لزم المال القاتل في الثانية لأنه غير مكره. قوله: (طلاق على جعل) أي قبول المرأة الطلاق على مال. بحر. فيقع الطلاق ولا شيء عليها من المال، ولو كان مكان التطليقة خلع بألف درهم كان الطلاق بائناً ولا شيء عليها، ولو كان هو المكره على الخلع على ألف وقد دخل بها وهي غير مكرهة وقع الخلع ولزمها الألف، وتمامه في ٤٤٢ كتاب الطلاق ... يَمِينِ بهِ أَتَتْ كَذَا العِثْقُ وَالإِسْلَمُ تَذْبِيرُ لِلعَبْدِ وَإِيجَابُ إِحْسَانٍ وَعِتْقٌ فَهَذِهِ تَصِحُّ مَعَ الإِكْرَاهِ عِشْرِينَ فِي العَدِّ الكافي. قوله: (يمين به أنت) أي بالطلاق وفاعل أتت ضمير اليمين ح. والمراد به تعليق الطلاق على شيء، كما إذا أكره على أن يقول: إن كلمت زيداً فزوجتي كذا. قوله: (كذا العنق) أي الإكراه على اليمين بالعتق. وأما الإكراه على نفس العتق فسيأتي، فافهم؛ كما لو أكره على أن قال: إن دخلت الدار فأنت حرّ، أو إن صليت أو أكلت أو شربت ففعل، يعتق العبد ويغرم الذي أكرهه قيمته، وتمامه في الكافي. قوله: (والإسلام) ولو من ذمي كما أطلقه كثير من المشايخ. وما في الخانية من التفصيل بين الذمي فلا يصح والحربي فيصح فقياس، والاستحسان صحته مطلقاً. أفاده الشارح في الإكراه ط، ولو كان أكرهه على الإقرار بالإسلام فيما مضى فالإقرار باطل، كذا في الكافي. قوله: (تدبير للعبد) بضم الراء من غير تنوين للضرورة ح، وتقييده بالعبد لمناسبة الروي والأمة مثله ط. قوله: (وإيجاب إحسان) أي إيجاب صدقة. بحر. وتقدم نقله عن الكافي. قوله: (وعتق) ويرجع بقيمة العبد على المكره إذا أعتقه لغير كفارة، وإلا فلا رجوع كما ذكره المصنف في الإكراه ط. وشمل العتق بفعل كما لو أكرهه على شراء محرمه، لكنه لا يرجع على المكره بشيء كما قدمناه عن الكافي، وبه صرح في البزازية من الإكراه خلافاً لما يوهمه ما نقله الشارح في الإكراه عن ابن الكمال، فافهم. قوله: (عشرين في العد) حال من فاعل تصح. قال في النهر: وهي ترجع إلى ستة عشر لدخول إيجاب الإحسان في النذر، ودخول الطلاق على جعل، واليمين بالطلاق في الطلاق، ودخول اليمين في العتيقة في العتق اهـح. وتقدم عن النهر أن قبول الإيداع ليس منها فعادت إلى خمسة عشر، وقدمنا أن الاستيلاد والرضاع من الأفعال الحسية المترتب عليها أمر آخر فلا ينبغي تخصيصها بالذكر فعادت إلى ثلاثة عشر، وقد زدت عليها خمسة أخر التقطتها من إكراه كافي الحاكم: الأولى: الخلع على مال، بأن أكره على خلع امرأته على ألف وقد تزوجها على أربعة آلاف ودخل بها والمرأة غير مكرهة فالخلع واقع ولها عليه (١) الألف؛ ولا شيء على الذي أكرهه، ولو كانت هي المكرهة كان الطلاق بائناً ولا شيء عليها. الثانية: الفسخ، كما لو أعتقت ولها زوج حرّ لم يدخل بها فأكرهت على أن اختارت نفسها في مجلسها بطل المهر عن الزوج ولا شيء على المكره، ولو كان دخل بها الزوج قبل ذلك فالمهر لمولاها على الزوج ولا يرجع على المكره. (١) في ط (قوله ولها عليه) لعل الصواب ((وله عليها)). ٤٤٣ كتاب الطلاق (أو هازلًا) لا يقصد حقيقة كلامه (أو سفيهاً) الثالثة: التكفير، كما لو أكره بوعيد تلف على أن يكفرْ يميناً قد حنث فيها ولا رجوع له على المكره، وإن أكرهه على عتق عبده هذا عنها لم يجزه وعلى المكره قيمته؛ ولو أكره بالحبس أجزأه عنها، وكذلك كل شيء وجب عليه لله تعالى من نذر أو هدي أو صدقة أو حجّ فأكره على أن يمضيه ولم يأمره المكره بشيء بعينه أجزأه، ولا ضمان على المكره. الرابعة: ما كان شرطاً لغيره كما لو علق عتق عبد على شرائه أو طلاق زوجته على دخول الدار فأكره على الشراء أو الدخول أو أكره على شراء ذي محرمه أو أمة قد ولدت منه ونحو ذلك، ويدخل فيه الرضاع فإنه شرط للمحرمية والاستيلاد: أي الوطء لطلب الولد فإنه شرط لثبوته منه أيضاً. الخامسة: ما قدمناه من التوكيل بالطلاق والعتق، فقد صارت ثماني عشرة صورة نظمتها بقولي: [الطويل] طَلَاقٌ وَإِعْتَاقٌ نِكَاحٌ وَرَجْعَةٌ ظِهَارٌ وَإِيلَاءٌ وَعَفْوٌ عَنِ العَمْدِ قَبُولٌ لِصُلْحِ العَمْدِ تَذْبِيرُ لِلعَبْدِ يَمِيِنَّ وَإِسْلَامٌ وَفَيءٌ وَنَذْرُهُ وَقَدْ زِدتُ خْسَّاً وَهْيَ خُلْعٌ عَلَى نَقْدٍ ثَلَاثٌ وَعَشْرٌ صَحَّحوُهَا لِمُكْرَهٍ وَفَسْخٌ وَتَكْفِيْرٌ وَشَرْطُ لِغَيرِهِ وَتَوِكِيلُ عِثْقٍ أُوْ طَلَاقٍ فَخُذْ عَدّي قوله: (أو هازلا) أي فيقع قضاء وديانة كما يذكره الشارح، وبه صرّح في الخلاصة معللًا بأنه مكابر باللفظ فيستحق التغليظ، وكذا في البزازية. وأما ما في إكراه الخانية: لو أكره على أن يقرّ بالطلاق فأقر لا يقع، كما لو أقر بالطلاق هازلاً أو كاذباً فقال في البحر: إن مراده لعدم الوقوع في المشبه به عدمه ديانة، ثم نقل عن البزازية والقنية: لو أراد به الخبر عن الماضي كذباً لا يقع ديانة، وإن أشهد قبل ذلك لا يقع قضاء أيضاً اهـ. ويمكن حمل ما في الخانية على ما إذا أشهد على أنه يقرّ بالطلاق هازلًا، ثم لا يخفى أن ما مر عن الخلاصة إنما هو فيما لو أنشأ الطلاق هازلًا؛ وما في الخانية فيما لو أقر به هازلاً فلا منافاة بينهما. قال في التلويح: وكما أنه يبطل الإقرار بالطلاق والعتاق مكرهاً كذلك يبطل الإقرار بهما هازلًا، لأن الهزل دليل الكذب كالإكراه، حتى لو أجاز ذلك لم يجز، لأن الإجازة إنما تلحق سبباً منعقداً يحتمل الصحة والبطلان، وبالإجازة لا يصير الكذب صدقاً، وهذا بخلاف إنشاء الطلاق والعتاق ونحوهما مما لا يحتمل الفسخ، فإنه لا أثر فيه للهزل اهـ. وبهذا اندفع ما أورده الرملي من المنافاة بين عبارة الخانية وغيرها. قوله: (لا يقصد حقيقة كلامه) بیان لمعنى الهازل، وفيه قصور. كتاب الطلاق خفيف العقل (أو سكران) ولو بنبيذ أو ففي التحرير وشرحه: الهزل لغة اللعب. واصطلاحاً: أن لا يراد باللفظ ودلالته المعنى الحقيقي ولا المجازي بل أريد به غيرهما، وهو ما لا تصح إرادته منه. وضده الجد، وهو أن يراد باللفظ أحدهما. قوله: (خفيف العقل) في التحرير وشرحه: السفه في اللغة: الخفة. وفي اصطلاح الفقهاء: خفة تبعث الإنسان على العمل في ماله بخلاف مقتضى العقل. مَطْلَبٌ فِي تَعْرِيفِ السَّكْرَانِ وَحُكْمِهِ قوله: (أو سكران) السكر: سرور يزيل العقل فلا يعرف به السماء من الأرض. وقالا: بل يغلب على العقل فيهذي في كلامه. ورجحوا قولهما في الطهارة والأيمان والحدود. وفي شرح بكر: السكر الذي تصح به التصرفات أن یصیر بحال يستحسن ما يستقبحه الناس وبالعكس، لكنه يعرف الرجل من المرأة. قال في البحر: والمعتمد في المذهب الأول. نهر. قلت: لكن صرح المحقق ابن الهمام في التحرير أن تعريف السكر بما مرّ عن الإمام إنما هو في السكر الموجب للحد، لأنه لو ميز بين الأرض والسماء كان في سكره نقصان وهو شبهة العدم فيندرئ به الحد. وأما تعريفه عنده في غير وجوب الحد من الأحكام فالمعتبر فيه عنده اختلاط الكلام والهذيان كقولهما. ونقل شارحه ابن أمير حاج عنه أن المراد أن يكون غالب كلامه هذياناً، فلو نصفه مستقيماً فليس بسكر، فيكون حكمه حكم الصحاة في إقراره بالحدود وغير ذلك لأن السكران في العرف من اختلط جدّه بهزله فلا يستقرّ على شيء، ومال أكثر المشايخ إلى قولهما، وهو قول الأئمة الثلاثة، واختاروه للفتوى لأنه المتعارف، وتأيد بقول عليّ رضي الله عنه: إذ سكر هذى، رواه مالك والشافعي، ولضعف وجه قوله: ثم بين وجه الضعف، فراجعه. وبه ظهر أن المختار قولهما في جميع الأبواب، فافهم. وبين في التحرير حكمه أنه إن كان سكره بطريق محرم لا يبطل تكليفه فتلزمه الأحكام وتصح عباراته من الطلاق والعتاق، والبيع والإقرار، وتزويج الصغار من كفء، والإقراض والاستقراض، لأن العقل قائم، وإنما عرض فوات فهم الخطاب بمعصيته، فبقي في حق الإثم ووجوب القضاء، ويصح إسلامه كالمكره لا ردته لعدم القصد. وأما الهازل فإنما كفر مع عدم قصده لما یقول بالاستخفاف لأنه صدر منه عن قصد صحيح استخفافاً بالدين، بخلاف السكران. قوله: (بنبيذ) أي سواء كان سكره من الخمر أو الأشربة الأربعة المحرمة أو غيرها من الأشربة المتخذة من الحبوب والعسل عند محمد. قال في الفتح: وبقوله يفتى، لأن السكر من كل شراب محرم. وفي البحر عن البزازية: المختار في زماننا لزوم ٤٤٥ كتاب الطلاق حشیش الحد ووقوع الطلاق اهـ. وما في الخانية من تصحيح عدم الوقوع فهو مبني على قولهما من أن النبيذ حلال والمفتى به خلافه. وفي النهر عن الجوهرة أن الخلاف مقيد بما إذا شربه للتداوي، فلو للهو والطرب فيقع بالإجماع. (١) مَطْلَبٌ فِي الْحَشِيشَةِ وَالأَفْيونِ وَأَلْبَنْجِ قوله: (وحشيش(٢)) قال في الفتح: اتفق مشايخ المذهبين من الشافعية والحنفية بوقوع طلاق من غاب عقله بأكل الحشيش، وهو المسمى بورق القنب لفتواهم بحرمته بعد أن اختلفوا فيها. فأفتى المزني(٣) بحرمتها، وأفتى أسد بن عمرو بحلها، لأن (١) قال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه السكران هو الذي اختل كلامه المنظوم، وانكشف سرّه المكنون، وقال الغزالي رحمه الله تعالى: السكر عبارة عن استيلاء أبخرة متصاعدة من المعدة على معادن الفكر، وقال إمام الحرمين للسكران حالات ثلاث إحداها وهي حالة ابتداء السكر أن تعتريه هزّة ونشاط إذا دبّت الخمر فيه، ولم تستول على عقله، وتسمى حالة النشوة، الثانية غاية السكر وهو أن يصير طافحاً يسقط كالمغشي عليه لا يتكلم ولا يكاد يتحرك. الثالثة متوسطة بينهما بأن تختلط أحواله فلا تنتظم أقواله وأفعاله، ويبقى تميز ونطق، قال: والاتفاق في الحالة الأولى على الوقوع، وفي الثانية على عدم الوقوع، وإنما الخلاف في الثالثة، والمحققون على أنه يرجع في حدّ السكران إلى العرف فمتى انتهى تغير الشارب إلى حالة يقع عليه اسم السكران فيها عرفاً فهو محط كلام الفقهاء ومحل اختلافهم، وأن الخلاف جار في الثانية أيضاً، ولم يحصل اتفاق إلّ في الأولى .. والسكران على ضربين: أحدهما أن يسكر بشرب مسكر مطرب، والثاني: أن يسكر بشرب دواء غير مطرب فإن سكر بشرب مسكر مطرب فعلى ضربين: أحدهما بأن لا ينسب فيه إلى معصية إما لأنه شرب وهو لا يعلم أنه مسكر، وإما لأنه أكره عليه أو أوجر الشراب فهذا في حكم المغلوب على عقله بجنون أو إغماء أو نوم أو عته، فلن يقع عليه طلاق لارتفاع الإثم عنه، والثاني: أن يكون عاصياً فيه لعلمه أنه مسكر وقد شربه مختاراً ويقال له: السكران المتعدي، وهو مراد الفقهاء وعند إطلاق لفظ السكران؛ لأنه الذي يختص بهذه الأحكام، وأما غير المتعدي فکبقية غیر المکلفین لا يختص بحکم دونهم، وقد اختلف فيه الأئمة، فذهب الشافعي وأبو حنيفة ومالك وأكثر الفقهاء إلى وقوع طلاقه. وعن عثمان رضي الله تعالى عنه ومجاهد وربيعة والليث بن سعد وداود أن طلاقه لا يقع، وبه قال من أصحاب الشافعي المزني وأبو ثور ومن أصحاب أبي حنيفة الطحاوي والكرخي، وحكى المزني في جامعه الكبير عن الشافعي في القديم في ظهار السكران قولين: أحدهما: وهو المنصوص عليه في كتبه .. والمشهور من مذهبه أنه ينفذ ظهاره، وثانيهما: لا ينفذ قال: وحكم ظهاره وطلاقه واحد، فيكون في طلاقه قول مخرج للشافعي بعدم الوقوع، قال الماوردي: وهذا القول قد تفرّد المزني بنقله، ولم يساعده فيه غيره من أصحاب القديم، ولا وجد في شيء من كتبه القديمة اهـ، وقد كان هذا القول الذي نقله المزني عن الشافعي في القديم بعدم نفوذ ظهار السكران منشأ خلاف بين المتأخرين من الأصحاب، فمنهم من رأى صحّة تخريجه قولًا ثانياً للشافعي في القديم في غير الظهار، وقال: لأن المزني وإن تفرّد بنقله فهو ثقة فيما يرويه ضابط لما ينقله ويحكيه، وهؤلاء انقسموا إلى فرقتين فرقة خرجته في جميع تصرفات السكران سواء كانت له بالنكاح أو عليه فالطلاق أو له وعليه فالبيع، قالوا فإن النص وإن ورد في جنس التصرفات التي عليه وهو الظهار إلا أنه يلحق بها ماله طرداً للباب، والأخرى قصرت التخريج على جنس المنصوص من التصرفات التي عليه فقط، وذهب الأكثرون من الأصحاب إلى أنه لا يصح هذا التخريج، وليس في طلاق السكران ولا في شيء من تصرفاته، إلا قول واحد أنه ينفذ، لأن المزني وإن كان ثقة ضابط لكن = ٤٤٦ كتاب الطلاق أو أفيون أو بنج زجراً، به يفتى. تصحيح القدوري. المتقدمين لم يتكلموا فيها بشيء لعدم ظهور شأنها فيهم، فلما ظهر من أمرها من الفساد كثير وفشا عاد مشايخ المذهبين إلى تحريمها. وأفتوا بوقوع الطلاق ممن زال عقله بها اهـ. قوله: (أو أفيون أو بنج) الأفيون: ما يخرج من الخشخاش. والبنج: بالفتح نبت مسبت. وصرح في البدائع وغيرها بعدم وقوع الطلاق بأكله معللاً بأنزوال عقله لم یکن بسبب هو معصية. والحق التفصيل، وهو إن كان للتداوي لم يقع لعدم المعصية، وإن للهو وإدخال الآفة قصداً فينبغي أن لا يتردد في الوقوع. وفي تصحيح القدوري عن الجواهر: وفي هذا الزمان إذا سكر من البنج والأفيون يقع زجراً، وعليه الفتوى، وتمامه في النهر. قوله: (زجراً) أشار به إلى التفصيل المذكور، فإنه إذا كان للتداوي لا يزجر عنه لعدم قصد المعصية ط. قوله: (اختلف = أصحاب القديم به أعرف، ولم ينقلوه .... استدل من ذهب إلى أن طلاقه غير واقع بأنه مفقود الإرادة كالمكره، وبأنه زائل العقل فلم يقع طلاقه كالمجنون، وبأنه غير مميز كالضبي، وبما ورد في خبر ماعز أنه قال له حين أقر بالزنا: أبك جنون؟ فقال: لا وقال: أشربت الخمر؟ فقال: لا فقام رجل فاستنكهه، فلم يجد به ريح خمر فحدّه، فلولا أن السكر يسقط الإقرار لم يكن لسؤاله عنه وَغير فائدة، واستدل من قال بوقوع طلاقه بأنه مؤاخذ بسكره، فوجب أن يؤاخذ بما ينشأ عنه كما أن من جنى جناية فرت لما كان مؤاخذاً بها كان مؤاخذاً بسرايتها؛ ولأن رفع الطلاق تخفيف ورخصة، وإيقاعه تغليظ وعزيمة، فإذا وقع على الصاحي وهو غير آثم كان إيقاعه على السكران أولى؛ ولأن السكران لا يستدل على سكره بعلم ظاهر هو معذور فيه، وإنما يعرف من جهته، وهو فاسق مردود الخبر وربما تساكز تصنعاً، فلم يجز أن يعدل عن يقين الحكم السابق بالتوهم الطارق، ولا يجوز قياسه على المجنون والمكزه والصبي؛ لأن مع الإكراه والجنون والصبا علم ظاهر يدلّ على فقد الإرادة بخلاف السكران؛ ولأنهم غير مؤاخذين بالإكراه والجنون والصبا، فلم يؤاخذوا بما حدث فيها كما أن من قطع يد سارق فسرت منها إلى نفسه لا يؤاخذ بالسراية؛ لأنه غير مؤاخذ بالقطع فكان غير مؤاخذ بالسراية، والجواب عن الحديث أنه ليس في سؤاله # ذكر للمتعدي، فيحتمل أنه جوّز أن إقراره بسكر لم يتعدّ به فسأله عنه، وأما السكران بشرب دواء غير مطرب كشارب البنج وما في معناه، فهذا على وجهين: أحدهما أن يقصد به التداوي، ولا يقصد به السكر، فلن يقع طلاقه وهو في حكم المغشي عليه، لأنّه مباح لا يؤاخذ به، والثاني: أن يقصد به السكر دون التداوي، وفيه وجهان: أحدهما: أنه في حكم السكز من الشراب المطرب في وقوع طلاقه، ومؤاخذته بسكره على ما تقدم كمؤاخذته بسكره بالمطرب ومعصيته بتناوله كمعصيته بتناول الشراب؛ والوجه الثاني وبه قال أبو حنيفة إنه لا يقع طلاقه، ولا يؤاخذ بأحكامه، ويكون في حكم المغشي عليه، وإن كان عاصياً، لأنّ الشراب مسكر يدعو النفوس إلى تناوله فغلظ حكمه بوقوع الطلاق ردعاً عنه، وهذا غير مطرب والنفوس منه نافرة، ولذلك لم يغلظ بالحدّ، فوجب أن لا يغلظ بوقوع الطلاق، وفي حكم من شرب دواء مسكراً لغير تداو كل من زال تميزه بسبب تعدى به كمن ألقى نفسه من شاهق جبل فيجري فيه القولان، والله أعلم. (٢) في ط قول المحشي (وحشيش) كذا بالأصل المقابل على خط المؤلف، والذي في نسخ الشارح ((أو حشيش)). (٣) في ط المزني من أصحاب الإمام الشافعي، وأسد بن عمرو صاحب الإمام أبي حنيفة. ٠٠ ٤٤٧ كتاب الطلاق واختلف التصحيح فيمن سكر مكرهاً أو مضطراً؛ نعم لو زال عقله بالصداع أو بمباح لم يقع. وفي القهستاني معزياً للزاهدي أنه لو لم يميز ما يقوم به الخطاب كان تصرفه باطلاً اهـ. واستثنى في الأشباه من تصرفات السكران سبع مسائل: منها الوكيل بالطلاق صاحياً، لكن قيده البزازي بكونه على مال وإلا وقع مطلقاً؛ ولم يوقع التصحيح الخ) فصحح في التحفة وغيرها عدم الوقوع. وجزم في الخلاصة بالوقوع. قال في الفتح: والأول أحسن، لأن موجب الوقوع عند زوال العقل ليس إلا التسبب في زواله بسبب محظور وهو منتف. وفي النهر عن تصحيح القدوري أنه التحقيق. قوله: (نعم لو زال عقله بالصداع) لأن علة زوال العقل الصداع والشرب علة العلة، والحكم لا يضاف إلى علة العلة إلا عند عدم صلاحية العلة، وتمامه في الفتح. هذا، وقد فرض المسألة في الفتح والبحر فيما إذا شرب خمراً فصدع. ويخالفه ما في الملتقط: لو كان النجيذ غير شبيد فصدع فذهب عقله بالصداع لا يقع طلاقه، وإن كان النبيذ شديداً حراماً فصدع فذهب عقله يقع طلاقه اهـ. فقد فرق بين ما إذا كان بطريق مجرم وغير محرم ،كما ترى، فتأمل. قوله: (أو بمباح) كما إذا سكر من ورق الرمان فإنه لا يقع طلاقه ولا عتاقه. ونقل الإجماع على ذلك صاحب التهذيب كذا في الهندية ط. قلت: وكذا لو سكر ببنج أو أفيون تناوله لا على وجه المعصية بل للتداوي كما مر. قوله: (وفي القهستاني الخ) هذا مبني على تعريف السكران الذي تصح تصرفاته عندنا بأنه من معه من العقل ما يقوم به التكليف. وتعجب منه في الفتح وقال: لا شك أنه على هذا التقدير لا يتجه لأحد أن يقول لا تصح تصرفاته. قوله: (منها الوكيل بالطلاق صاحباً) أي فإنه إذا طلق سكران لا يقع. ومنها الردة. ومنها: الإقرار بالحدود الخالصة. ومنها: الإشهاد على شهادة نفسه. ومنها: تزويج الصغيرة بأقل من مهر المثل أو الصغير بأكثر فإنه لا ينفذ. ومنها: الوكيل بالبيع لو سكر فباع لم ينفذ على موكله. ومنها: الغصب من صاح ورده عليه وهو سكران، كذا، في |الأشباه. قلت: لكن اعترضه محشيه الحموي في الأخيرة بأن المنقول في العمادية أن الغاصب يبرأ بالرد عليه من الضمان فحكمه فيه كالصاحي، وكذا في مسألة الوكالة بالطلاق بأن الصحيح الوقوع، نص عليه في الخانية والبحر. قوله: (لكن قيده البزازي) قال في النهر عن البزازية: وكله بطلاقها على مال فطلقها في حال السكر فإنه لا يقع، وإن كان التوكيل والإيقاع حال السكر وقع ولو بلا مال وقع مطلقاً، لأن الرأس لا بد منه لتقدیر البدل اهـ. ٤٤٨ كتاب الطلاق الشافعي طلاق السكران، واختاره الطحاوي والكرخي. في التاتر خانية عن التفريق: والفتوى عليه (أو أخرس) ولو طارئاً إن دام للموت به يفتى، وعليه فتصرفاته موقوفة. واستحسن الكمال اشتراط كتابته (بإشارته) المعهودة، فإنها تكون كعبارة الناطق استحساناً (أو مخطئاً) بأن أراد التكلم بغير الطلاق فجرى على أقول: والتعليل يفيد أنه لو وكله بطلاقها على ألف فطلقها في حال السكر وقع مطلقاً ح. قوله: (واختاره الطحاوي والكرخي) وكذا محمد بن سلمة، وهو قول زفر كما أفاده في الفتح. قوله: (عن التفريق) صوابه عن التفريد؛ بالدال آخره لا بالقاف كما رأيته في نسخ التاترخانية. قوله: (والفتوى عليه) قد علمت مخالفته لسائر المتون ح. وفي التاترخانية؛ طلاق السكر واقع إذا سكر من الخمر أو النبيذ وهو مذهب أصحابنا. قوله: (إن دام للموت) قيد في ((طارئاً)) فقط ح. قال في البحر: فعلى هذا إذا طلق من اعتقل لسانه توقف، فإن دام به إلى الموت نفذ، وإن زال بطل اهـ. : قلت: وكذا لو تزوج بالإشارة لا يحل له وطؤها لعدم نفاذه قبل الموت، وكذا سائر عقوده، ولا يخفى ما في هذا من الحرج. قوله: (به يفتى) وقدر التمرتاشي الامتداد بسنة. بحر. وفي التاترخانية عن الينابيع: ويقع طلاق الأخرس بالإشارة، يريد به الذي ولد وهو أخرس أو طرأ عليه ذلك ودام حتى صارت إشارته مفهومة، وإلا لم تعتبر. قوله: (واستحسن الكمال الخ) حيث قال: وقال بعض الشافعية: إن كان يحسن الكتابة لا يقع طلاقه بالإشارة لاندفاع الضرورة بما هو أدل على المراد من الإشارة. وهو قول حسن، وبه قال بعض مشايخنا اهـ. قلت: بل هذا القول تصريح بما هو المفهوم من ظاهر الرواية. ففي كافي الحاكم الشهيد ما نصه: فإن كان الأخرس لا يكتب وكان له إشارة تعرف في طلاقه ونكاحه وشرائه وبيعه فهو جائز، وإن كان لم يعرف ذلك منه أو شك فيه فهو باطل اهـ. فقد رتب جواز الإشارة على عجزه عن الكتابة، فيفيد أنه إن كان يحسن الكتابة لا تجوز إشارته. ثم الكلام كما في النهر إنما هو في قصر تصرفاته على الكتابة، وإلا فغيره يقع طلاقه بكتابته كما يأتي آخر الباب، فما بالك به. قوله: (بإشارته المعهودة) أي المقرونة بتصويت منه، لأن العادة منه ذلك فكانت الإشارة بياناً لما أجمله الأخرس. بحر عن الفتح، وطلاقه المفهوم بالإشارة إذا كان دون الثلاث فهو رجعي، كذا في المضمرات. ط عن الهندية. قوله: (بأن أراد التكلم بغير الطلاق) بأن أراد أن يقول سبحان الله فجرى على لسانه أنت طالق تطلق، لأنه صريح لا يحتاج إلى النية، لكن في .-- ٤٤٩ كتاب الطلاق لسانه الطلاق أو تلفظ به غير عالم بمعناه أو غافلاً أو ساهياً أو بألفاظ مصحفة يقع قضاء فقط، بخلاف الهازل واللاعب فإنه يقع قضاء وديانة، لأن الشارع جعل هزله به جداً. فتح (أو مريضاً أو كافراً) لوجود التكليف. وأما طلاق الفضولي والإجازة قولاً وفعلاً فكالنكاح. بزازية (و) بناء على اعتبار الزوج المذكور (لا يقع القضاء كطلاق الهازل واللاعب. ط عن المنح. وقوله كطلاق الهازل واللاعب مخالف لما قدمناه ولما يأتي قريباً. وفي فتح القدير عن الحاوي معزياً إلى الجامع الأصغر أن أسداً سأل عمن أراد أن يقول زينب طالق فجرى على لسانه عمرة، على أيهما يقع الطلاق؟ فقال: في القضاء تطلق التي تسمى، وفيما بينه وبين الله تعالى لا تطلق واحدة منهما، أما التي سمى فلأنه لم يردها، وأما غيرها فلأنها لو طلقت طلقت بمجرد النية. قوله: (غير عالم بمعناه) كما لو قالت لزوجها؛ اقرأ عليّ اعتدي أنت طالق ثلاثاً ففعل، طلقت ثلاثاً في القضاء لا فيما بينه وبين الله تعالى إذا لم يعلم الزوج ولم ينو. بحر عن الخلاصة. قوله: (أو غافلًا أو ساعياً) في المصباح: الغفلة غيبة الشيء عن بال الإنسان وعدم تذكره له. وفيه أيضاً سها عن الشيء يسهو: غفل قلبه عنه حتی زال عنه فلم يتذكره. وفرقوا بين الساهي والناسي بأن الناسي إذا ذكر تذكر والساهي بخلافه اهـ. فالظاهر أن المراد هنا وصورته أن يعلق طلاقها على دخول الدار بالغافل الناسي بقرينة عطف الساهى عليه. مثلًا فدخلها ناسياً التعليق أو ساهياً. قوله: (أو بألفاظ مصحفة) نحو طلاغ وتلاغ وطلاك وتلاك كما يذكره أول الباب الآتي. قوله: (يقع قضاء) متعلق بالمخطئ وما بعده ح. لكن في وقوعه في الساهي والغافل على ما صوّرناه لا يظهر التقييد بالقضاء، إذ لا فرق في مباشرة سبب الحنث بين التعمد وغيره. تنبيه: في الحاوي الزاهدي: ظن أنه وقع الثلاث على امرأته بإفتاء من لم يكن أهلًا للفتوى وكلف الحاكم كتابتها في الصك فكتبت، ثم استفتى ممن هو أقل للفتوى فأفتى بأنه لا يقع والتطليقات الثلاث مكتوبة في الصك بالظن فله أن يعود إليها ديانة ولكن لا يصدق في الحكم اهـ. قوله: (واللاعب) الظاهر أنه عطف على الهازل للتفسیرح. قوله: (جعل هزله به جداً) لأنه تكلم بالسبب قصداً فیلزمه حکمه وإن لم يرض به، لأنه مما لا يحتمل النقض كالعتاق والنذر واليمين. قوله: (أو مريضاً) أي لم يزل عقله بالمرض بدليل التعليل ط. قوله: (أو كافراً) أي وقد ترافعا إلينا، لأنه لا يحكم بالفرقة إلا في ثلاث كما مر في نكاح الكافر ط. قوله: (لوجود التكليف) علة لهما، وهو جرى على المعتمد في الكفار أنهم مكلفون بأحكام الفروع اعتقاداً وأداء ط. قوله: (فكالنكاح) أي فكما أن نكاح الفضولي صحيح موقوف على الإجازة بالقول أو بالفعل ٤٥٠ كتاب الطلاق طلاق المولى على أمرأة عبده) لحديث ابن ماجه ((الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ))(١) إلا إذا قال زوّجتها منك على أن أمرها بيدي أطلقها كما شئت فقال العبد قبلت، وكذا إذا قال العبد: إذا تزوجتها فأمرها بيدك أبداً كان كذلك. خانية (والمجنون) فكذا طلاقه ح. فلو حلف لا يطلق فضولي: إن أجاز بالقول حنث، وبالفعل لا. بحر. والإجازة بالفعل يمكن أن تكون بأن يدفع إليها مؤخر صداقها بعد ما طلق الفضولي كما أفاده في النهر، لكن في حاشية الخير الرملي أنه نقل في جامع الفصولين عن فوائد صاحب المحيط أن بعث المهر إليها ليس بإجازة لوجوبه قبل الطلاق، بخلاف النكاح، وأنه نقل عن مجموع النوازل في الطلاق والخلع قولين في قبض الجعل: هل هو إجازة، أم لا فراجعه اهـ. قلت: وقد يحمل ما في الفوائد على بعث المعجل، فلا ينافي ما في النهر. تأمل. قوله: (لحديث ابن ماجه) رواه عن ابن عباس من طريق فيها ابن لهيعة، ورواه الدارقطني أيضاً من غيرها كما في الفتح، ومراده تقوية الحديث، لأن ابن لهيعة متكلم فيه، فقد اختلف المحدثون في جرحه وتوثيقه. قوله: (الطلاق لمن أخذ بالساق) كناية عن ملك المتعة. قوله: (إلا إذا قال) أي المولى عند تزويج أمته من عبده وصوّرها بما إذا بدأ المولى، لأنه لو بدأ العبد فقال زوجني أمتك هذه على أن أمرها بيدك تطلقها كما شئت فزوّجها مته يجوز النكاح ولا يكون الأمر بيد المولى، كما في البحر عن الخانية ولم يذكر وجه التفريق. وذكره في الخانية في مسألة قبلها، وهي إذا تزوج امرأة على أنها طالق جاز النكاح وبطل الطلاق. وقال أبو الليث: هذا إذا بدأ الزوج وقال تزوجتك على أنك طالق؛ وإن ابتدأت المرأة فقالت زوجت نفسي منك على أني طالق، أو على أن يكون الأمر بيدي أطلق نفسي كلما شئت فقال الزوج قبلت، جاز النكاح ويقع الطلاق ويكون الأمر بيدها، لأن البداءة إذا كانت من الزوج كان الطلاق والتفويض قبل النكاح فلا يصح، أما إذا كانت من المرأة يصير التفويض بعد النكاح، لأن الزوج لما قال بعد كلام المرأة قبلت، والجواب يتضمن إعادة ما في السؤال صار كأنه قال قبلت على أنك طالق أو على أن يكون الأمر بيدك، فيصير مفوضاً بعد النكاح اهـ. قوله: (وكذا الخ) هذه الصورة حيلة لصيرورة الأمر بيد المولى بلا توقف على قبول العبد، لأنه في الأولى قد تم النكاح بقول المولى زوجتك أمتي فيمكن العبد أن لا يقبل فلا يصير الأمر بيد المولى. أفاده في البحر. قوله: (والمجنون) قال في التلويح؛ الجنون اختلال القوة المميزة بين الأمور الحسنة والقبيحة المدركة للعواقب، بأن لا تظهر آثارها وتتعطل أفعالها، إما لنقصان جبل عليه دماغه في أصل الخلقة، وإما لخروج مزاج الدماغ عن الاعتدال بسبب خلط أو آفة، وإما لاستيلاء (١) أخرجه ابن ماجه بلفظ إنما الطلاق وفيه قصة (٢٠٨٢) والدارقطني ٣٨/٤ والبيهقي ٧/ ٣٧٠. ٤٥١ كتاب الطلاق إلا إذا علق عاقلاً ثم جرّ فوجد الشرط، أو كان عنيناً أو مجبوباً أو أسلمت وهو كافر وأبى أبواه الإسلام وقع الطلاق. أشباه (والصبي) ولو مراهقاً أو أجازه بعد البلوغ، أما لو قال أوقعته وقع لأنه ابتداء إيقاع، وجوّزه الإمام أحمد (والمعتوه) من العته، وهو اختلال في العقل (والمبرسم) من البرسام بالكسر علّة كالجنون الشيطان عليه وإلقاء الخيالات الفاسدة إليه بحيث يفرح ويفزع من غير ما يصلح سبباً اهـ. وفي البحر عن الخانية: رجل عرف أنه كان مجنوناً فقالت له امرأته طلقتني البارحة فقال أصابني الجنون ولا يعرف ذلك إلا بقوله، كان القول قوله اهـ. قوله: (إلا إذا علق عاقلا الخ) كقوله إن دخلت الدار فدخلها مجنوناً، بخلاف إن جننت فأنت طالق فجن لم يقع، كذا ذكره الشارح في باب نكاح الكافر فالمراد إذا علق على غير جنونه. قوله: (أو كان عنيناً) أي وفرق القاضي بينه وبين زوجته بطلبها بعد تأجيله سنة، لأن الجنون لا يعدم الشهوة كما سيأتي في بابه إن شاء الله تعالى. قوله: (أو مجبوباً) أي وفرّق القاضي بينهما في الحال بطلبها. قوله: (وقع الطلاق) جواب ((إذا)) ووقوعه المسائل الأربع للحاجة، ودفع الضرر لا ينافي عدم أهليته للطلاق في غيرها كما مر تحقيقه في باب نكاح الكافر. قوله: (والصبيّ) أي إلا إذا كان مجبوباً وفرق بينهما أو أسلمت زوجته فعرض الإسلام عليه مميزاً فأبى وقع الطلاق. رملي. قال: وقد أفتيت بعدم وقوعه فيما إذا زوجه أبوه امرأة وعلق عليه متى تزوج أو تسرى عليه فكذا فكبر فتزوج عالماً بالتعليق أو لا اهـ. قوله: (أو أجازه بعد البلوغ) لأنه حين وقوعه وقع باطلاً والباطل لا يجاز ط. قوله: (لأنه ابتداء إيقاع) لأن الضمير في أوقعته راجع إلى جنس الطلاق، ومثله ما لو قال أوقعت ذلك الطلاق، بخلاف قوله أوقعت الذي تلفظته، فإنه إشارة إلى المعين الذي حكم ببطلانه، فأشبه ما إذا قال أنت طالق ألفاً ثم قال ثلاثاً عليك والباقي على ضراتك، فإن الزائد على الثلاث ملغى. أفاده في البحر. قوله: (وجوزه الإمام أحد) أي إذا كان مميزاً یعقله بأن یعلم أن زوجته تبین منه كما هو مقرر في متون مذهبه، فافهم. قوله: (من العته) بالتحريك من باب تعب. مصباح. قوله: (وهو اختلال في العقل) هذا ذكره في البحر تعريفاً للجنون وقال: ويدخل فيه المعتوه. وأحسن الأقوال في الفرق بينهما أن المعتوه هو القليل الفهم المختلط الكلام الفاسد التدبير، لكن لا يضرب ولا يشتم، بخلاف المجنون اهـ. وصرح الأصوليون بأن حكمه كالصبي، إلا أن الدبوسيّ قال: تجب عليه العادات احتياطاً. ورده صدر الإسلام بأن العته نوع جنون فيمنع وجوب أداء الحقوق جميعاً كما بسطه في شرح التحرير. قوله: (بالكسر الخ) أي كسر الباء. قال في البحر: وفي بعض كتب الطب أنه ورم حارّ يعرض للحجاب الذي ٤٥٢ كتاب الطلاق (والمغمى عليه) هو لغة المغشي (والمدهوش) فتح. وفي القاموس: دهش بين الكبد والأمعاء ثم يتصل بالدماغ. قوله: (هو لغة الْمغشي) قال في التحرير: الإغماء آفة في القلب أو الدماغ تعطل القوى المدركة والمحركة عن أفعالها مع بقاء العقل، مغلوباً وإلا عصم منه الأنبياء، وهو فوق النوم فلزمه ما لزمه وزيادة كونه حدثاً ولو في جميع حالات الصلاة ومنع البناء، وبخلاف النوم في الصلاة إذا اضطجع حالة النوم له البناء. قوله: (وفي القاموس دهش) أي بالكسر كفرح. ثم إن اقتصاره على ذكر التحير غير صحيح، فإنه في القاموس قال بعده: أو ذهب عقله حياء أو خوفاً اهـ. وهذا هو المراد هنا، ولذا جعله في البحر داخلً في المجنون. مَطْلَبٌ فِي طَلَاقِ الْمَذْهُوشِ وقال في الخيرية: غلط من فسره هنا بالتحير، إذ لا يلزم من التحير وهو التردد في الأمر ذهاب العقل. وسئل نظماً فيمن طلق زوجته ثلاثاً في مجلس القاضي وهو مغتاظ مدهوش، فأجاب نظماً أيضاً بأن الدهش من أقسام الجنون فلا يقع، وإذا كان يعتاده بأن عرف منه الدهش مرة يصدق بلا برهان اهـ. قلت: وللحافظ ابن القيم الحنبلي رسالة في طلاق الغضبان قال فيها: إنه على ثلاثة أقسام: أحدها أن يحصل له مبادي الغضب بحيث لا يتغير عقله ويعلم ما يقول ويقصده، وهذا لا إشكال فيه. الثاني أن يبلغ النهاية فلا يعلم ما يقول ولا يريده، فهذا لا ريب أنه لا ينفذ شيء من أقواله. الثالث من توسط بين المرتبتين بحيث لم يصر كالمجنون فهذا محل النظر، والأدلة تدل على عدم نفوذ أقواله اهـ ملخصاً من شرح الغاية الحنبلية. لكن أشار في الغاية إلى مخالفته في الثالث حيث قال: ويقع طلاق من غضب خلافاً لابن القيم اهـ. وهذا الموافق عندنا لما مر في المدهوش، لكن يرد عليه أنا لم نعتبر أقوال المعتوه مع أنه لا يلزم فيه أن يصل إلى حالة لا يعلم فيها ما يقول ولا یریده. وقد يقال بأن المعتوه لما كان مستمراً على حالة واحدة يمكن ضبطها. اعتبرت فيه، واكتفى فيه بمجرد نقص العقل، بخلاف الغضب فإنه عارض في بعض الأحوال، لكن يرد عليه الدهش فإنه كذلك. والذي يظهر لي أن كلًا من المدهوش والغضبان لا يلزم فيه أن يكون بحيث لا يعلم ما يقول، بل يكتفى فيه بغلبة الهذيان واختلاط الجد بالهزل، كما هو المفتى به في السكران على ما مر، ولا ينافيه تعريف الدهش بذهاب العقل، فإن الجنون فنون، ولذا فسره في البحر باختلال العقل وأدخل فيه العته والبرسام والإغماء والدهش، ويؤيد ٤٥٣ كتاب الطلاق الرجل: تحير، ودهش بالبناء للمفعول فهو مدهوش وأدهشه الله (والنائم) لانتفاء الإرادة، ولذا لا يتصف بصدق ولا كذب ولا خبر ولا إنشاء، ولو قال: أجزته أو أوقعته لا يقع، لأنه أعاد الضمير إلى غير معتبر. جوهرة. ولو قال: أوقعت ذلك ما قلنا قول بعضهم: العاقل من يستقيم كلامه وأفعاله إلا نادراً، والمجنون ضده. وأيضاً فإن بعض المجانين يعرف ما يقول ويريده، ويذكر ما يشهد الجاهل به بأنه عاقل ثم يظهر منه في مجلسه ما ينافيه، فإذا كان المجنون حقيقة قد يعرف ما يقول ويقصده فغيره بالأولى، فالذي ينبغي التعويل عليه في المدهوش ونحوه إناطة الحكم بغلبة الخلل في أقواله وأفعاله الخارجة عن عادته؛ وكذا يقال فيمن اختل عقله لكبر أو لمرض أو المصيبة فاجأته، فما دام في حال غلبة الخلل في الأقوال والأفعال لا تعتبر أقواله وإن كان يعلمها ويريدها، لأن هذه المعرفة والإرادة غير معتبرة لعدم حصولها عن إدراك صحيح كما لا تعتبر من الصبيّ العاقل؛ نعم يشكل عليه ما سيأتي في التعليق عن البحر، وصرح به في الفتح والخانية وغيرهما، وهو: لو طلق فشهد عنده اثنان أنك استثنيت وهو غير ذاكر، إن كان بحيث إذا غضب لا يدري ما يقول وسعه الأخذ بشهادتهما، وإلا لا اهـ. فإن مقتضاه أنه إذا كان لا يدري ما يقول يقع طلاقه، وإلا فلا حاجة إلى الأخذ بقولهما إنك استثنيت، وهذا مشكل جداً، إلا أن يجاب بأن المراد بكونه لا يدري ما يقول أنه لقوة غضبه قد ينسى ما يقول ولا يتذكره بعد، وليس المراد أنه صار يجري على لسانه ما لا يفهمه أو لا يقصده، إذ لا شك أنه حينئذ يكون في أعلى مراتب الجنون، ويؤيد هذا الحمل أنه في هذا الفرع عالم بأنه طلق وهو قاصد له، لكنه لم يتذكر الاستثناء لشدة غضبه، هذا ما ظهر لي في تحرير هذا المقام، والله أعلم بحقيقة المرام. ثم رأيت ما يؤيد ذلك الجواب، وهو أنه قال في الولوالجية: إن كان بحال لو غضب يجري على لسانه ما لا يحفظه بعده جاز له الاعتماد على قول الشاهدین، فقوله لا يحفظه بعده صريح فيما قلنا، والله أعلم. قوله: (لأنه أعاد الضمير إلى غير معتبر) أشار به إلى أن الفرق بين كلام الصبيّ وبين كلام النائم هو أن كلام الصبيّ معتبر في اللغة والنحو، غاية الأمر أن الشارع ألغاه، بخلاف كلام النائم فإنه غير معتبر عند أحد امح. قلت: وهو مأخوذ من قول الشارح، ولذا لا يتصف بصدق ولا كذب ولا خبر ولا إنشاء. وفي التحرير: وتبطل عباراته من الإسلام والردة والطلاق، ولم توصف بخبر وإنشاء وصدق وكذب كألحان الطيور اهـ. ومثله في التلويح، فهذا صريح في أن كلام النائم لا يسمى كلامه لغة ولا شرعاً بمنزلة المهمل. وأما فساد صلاته به فلأن إفسادها لا ٤٥٤ كتاب الطلاق الطلاق أو جعلته طلاقاً وقع. بحر(وإذا ملك أحدهما الآخر) كله (أو بعضه بطل النكاح، ولو حرّرته حين ملكته فطلقها في العدة أو خرجت الحربية) إلينا (مسلمة ثم خرج زوجها كذلك) مسلماً فطلقها في العدة ألغاه الثاني في المسألتين (وأوقعه يتوقف على كون الكلام معتبراً في اللغة أو الشرع، لأنها تفسد بالمهمل أكثر من غيره، فقد اتضح الفرق بين كلامه وكلام الصبيّ، فافهم. ثم لا يخفى أنه لا حاجة إلى الفرق بينهما في قوله: ((أجزته)) لأنه لا يقع فيهما، لأن الإجازة لما ينعقد موقوفاً، وكل من طلاق الصبي والنائم وقع باطلاً لا موقوفاً، كما هو الحكم في تصرفات الصبيّ التي هي ضرر محض كالطلاق والعتق، بخلاف المتردد بين النفع والضرر كالبيع والشراء والنكاح فإنه ينعقد موقوفاً حتى لو بلغ فأجازه صح كما قدمناه قبيل باب المهر، وإنما يحتاج إلى الفرق بينهما في قوله: ((أوقعته)) فإنه قدم في الصبيّ أنه يقع لأنه ابتداء إيقاع، ولم يجعل في النائم كذلك. وتوضيح الفرق أن كلام الصبيّ له معنى لغوي وإن لم يلزمه الشرع بموجبه، فصح عود الضمير في ((أوقعته)) إلى جنس الطلاق الذي تضمنه قوله لزوجته طلقتك، بخلاف النائم فإن كلامه لما لم يعتبر لغة أيضاً كان مهملاً لم يتضمن شيئاً، فقد عاد الضمير على غير مذكور أصلاً، فكأنه قال: ((أوقعت)) بدون ضمير، فلم يصح جعله ابتداء إيقاع. قوله: (أو جعلته طلاقاً) كذا عبارة البحر. والذي رأيته في التاترخانية: أو قال جعلت ذلك الطلاق طلاقاً باسم الإشارة کالتي قبلها. قلت: ويشكل الفرق، فإن اسم الإشارة كالضمير في عوده إلى ما سبق فينبغي عدم الوقوع هنا أيضاً. وقد يجاب بأن اسم الإشارة لما لغا مرجعه اعتبر لفظ الطلاق المذكور بعده فصار كأنه قال أوقعت الطلاق أو جعلت الطلاق طلاقاً، فصح جعله ابتداء إيقاع، بخلاف الضمير إذا لغا مرجعه كما قررناه. وفي التاترخانية: ولو قال أوقعت ما تلفظت به حالة النوم لا يقع شيء اهـ. وهو ظاهر كما مر في طلاق الصبي. قوله: (وإذا ملك أحدهما الآخر) يعني ملكاً حقيقياً، فلا تقع الفرقة بين المكاتب وزوجته إذا اشتراها لقيام الرق والثابت له حق الملك وهو لا يمنع بقاء النكاح كما في الفتح. شرنبلالية. قوله: (ألغاه الثاني) أي قال أبو يوسف: لا يقع الطلاق في المسألتين وأوقعه محمد فيهما، لأن العدة قائمة والمعتدة محل للطلاق. ولأبي يوسف أن الفرقة وقعت بملك أحد الزوجين صاحبه أو بتباين الدارين فخرجت المرأة من محلية الطلاق، وبالعدة لا تثبت المحلية كما في النكاح الفاسد، قيد بالتحرير والمهاجرة لأن الطلاق قبلهما لا يقع اتفاقاً، لأن العدة لم يظهر أثرها في حق : ٤٥٥ كتاب الطلاق الثالث) فیھما (واعتبار عدده بالنساء) وعند الشافعي بالرجال (فطلاق حرة ثلاث، وطلاق أمة ثتان) مطلقاً . (ويقع الطلاق بلفظ العتق بنية) أو دلالة حال (لا عكسه) لأن إزالة الملك أقوى من إزالة القيد. فروع: کتب الطلاق، الطلاق، وإنما يظهر أثرها في حق التزوج بزوج آخر، كذا في المصفى اهـ. ابن ملك على المجمع. تنبيه: قال في الشرنبلالية: لم يذكر المصنف عكس المسألة الأولى، وهو ما لو حرّها بعد شرائه ثم طلقها في العدة والحكم وقوع الطلاق في قول محمد وأبي يوسف الأول. ورجع أبو يوسف عن هذا وقال: لا يقع، وهو قول زفر، وعليه الفتوى. قاله قاضيخان. فعليه تكون الفتوى على ما مشى عليه المصنف تبعاً للمجمع من عدم وقوع الطلاق فیما لو حررته هي بعد شرائها إیاه اهـ. مَطْلَبٌ: اعْتِيَارُ عَدَدِ الطَّلَاقِ بِالنِّسَاءِ قوله: (واعتبار عدده بالنساء) لقوله ﴿ ((طَلَاقُ الأَمَةِ طَلْقَتَانِ وَعِدَّتُها حَيْضَتَانِ))(١) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني عن عائشة ترفعه. وقال الترمذي: حديث غريب؛ والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب رسول الله صلفر وغيرهم. وفي الدارقطني قال القاسم وسالم: عمل به المسلمون، وتمامه في الفتح؛ وحقق أنه إن لم يكن صحيحاً فهو حسن. قوله: (مطلقاً) راجع إلى الحرة والأمة: أي سواء كانت الحرة أو الأمة تحت حرّ أو عبد ط. قوله: (ويقع الطلاق الخ) يعني إذا قال لامرأته أعتقتك، تطلق إذا نوى أو دل عليه الحال. وإذا قال لأمته طلقتك، لا تعتق، لأن إزالة الملك أقوى من إزالة القيد، وليست الأولى لازمة للثانية فلا تصح استعارة الثانية للأولى، ويصح العكس. درر. ٠ مَطْلَبٌ فِي الطَّلاَقِ بَالكِتَابَةِ قوله: (كتب الطلاق الخ) قال في الهندية: الكتابة على نوعين: مرسومة، وغير مرسومة. ونعني بالمرسومة أن يكون مصدراً ومعنوناً مثل ما يكتب إلى الغائب؛ وغير المرسومة أن لا يكون مصدراً ومعنوناً، وهو على وجهين: مستبينة، وغير مستبينة فالمستبينة ما يكتب على الصحيفة والحائط والأرض على وجه يمكن فهمه وقراءته؛ (١) أخرجه الدارمي ٢/ ١٧٠ وأبو داود ٦٣٩/٢ (٢١٨٩) والترمذي ٤٨٨/٣ (١١٨٢) وابن ماجه ٦٧٢/١ (٢٠٨٠). ٤٥٦ كتاب الطلاق إن مستبيناً على نحو لوح وقع إن نوى، وقيل مطلقاً، ولو على نحو الماء فلا مطلقاً . ولو كتب على وجه الرسالة والخطاب؛ كأن يكتب: يا فلانة، إذا أتاك كتابي هذا فأنت طالق، طلقت بوصول الكتاب. جوهرة. وغير المستبينة ما يكتب على الهواء والماء وشيء لا يمكن فهمه وقراءته. ففي غير المستبينة لا يقع الطلاق وإن نوى؛ وإن كانت مستبينة لكنها غير مرسومة إن نوى الطلاق يقع، وإلا لا؛ وإن كانت مرسومة يقع الطلاق نوى أو لم ينو. ثم المرسومة لا تخلو أما إن أرسل الطلاق بأن كتب: أما بعد فأنت طالق، فكما كتب هذا يقع الطلاق وتلزمها العدة من وقت الكتابة؛ وإن علق طلاقها بمجيء الكتاب بأن كتب: إذا جاءك كتابي فأنت طالق فجاءها الكتاب فقرأته أو لم تقرأ يقع الطلاق، كذا في الخلاصة ط. قوله: (إن مستبيناً) أي ولم يكن مرسوماً: أي معتاداً، وإنما لم يقيده به لفهمه من مقابله وهو قوله: ((ولو كتب على وجه الرسالة الخ)) فإنه المراد بالمرسوم. قوله: (مطلقاً) المراد به في الموضعين نوى أو لم ينو، وقوله: ((ولو على نحو الماء» مقابل قوله: ((إن مستبيناً)). قوله: (طلقت بوصول الكتاب) أي إليها، ولا يحتاج إلى النية في المستبين المرسوم، ولا يصدق في القضاء أنه عنى تجربة الخط. بحر. ومفهومه أنه يصدق ديانة في المرسوم. رحمتي. ولو وصل إلى أبيها فمزقه ولم يدفعه إليها، فإن كان متصرفاً في . جميع أمورها فوصل إليه في بلدها وقعٍ، وإن لم يكن كذلك فلا ما لم يصل إليها، وإن أخبرها بوصوله إليه ودفعه إليها ممزّقاً: إن أمكن فهمه وقراءته وقع، وإلا فلا. ط عن الهندية . وفي التاترخانية: كتب في قرطاس: إذا أتاك كتابي هذا فأنت طالق، ثم نسخه في آخر أو أمر غيره بنسخه ولم يمله عليه فأتاها الكتابان، طلقت ثنتين قضاء إن أقرّ أنهما كتاباه أو برهنت؛ وفي الديانة: تقع واحدة بأيهما أتاها ويبطل الآخر؛ ولو قال للكاتب: اكتب طلاق امرأتي، كان إقراراً بالطلاق وإن لم يكتب؛ ولو استكتب من آخر كتاباً بطلاقها وقرأه على الزوج فأخذه الزوج وختمه وعنونه وبعث به إليها فأتاها، وقع إن أقرّ الزوج أنه كتابه، أو قال للرجل ابعث به إليها، أو قال له اكتب نسخة وابعث بها إليها؛ وإن لم يقرّ أنه كتابه ولم تقم بينة لكنه وصف الأمر على وجهه لا تطلق قضاء ولا ديانة، وكذا كل كتاب لم يكتبه بخطه ولم يمله بنفسه لا يقع الطلاق ما لم يقرّ أنه كتابه اه ملخصاً. قوله: (کتب لامرأته الخ) صورته: له امرأة تدعى زينب ثم تزوج في بلدة أخرى امرأة تدعى عائشة فبلغ زينب فخاف منها، فكتب إليها: كل امرأة لي غيرك وغير عائشة طالق، ثم محا قوله وغير عائشة اهـ ح. ٤٥٧ كتاب الطلاق / بَابُ الصَّرِيحِ وفي البحر: كتب لامرأته: كل امرأة لي غيرك وغير فلانة طالق ثم محا اسم الأخيرة وبعثه لم تطلق، وهذه حيلة عجيبة، وسيجيء ما لو استثنى بالكتابة. بَابُ الضّرِيحِ (صريحه ما لم يستعمل إلا فيه) ولو بالفارسية (كطلقتك وأنت طالق ومطلّقة) قلت: وينبغي أن يشهد على كتابه ما محاه لئلا يظهر الحال فيحكم عليه القاضي بطلاق عائشة. تأمل. قوله: (عجيبة) وجه العجب نفع الكتابة بعد محوها ط. قوله: (وسيجيء ما لو استثنى بالكتابة) أي في باب التعليق عند قوله قال لها أنت طالق إن شاء الله متصلاً اهح. وفي الهندية: وإذا كتب الطلاق واستثنى بلسانه أو طلق بلسانه واستثنى بالكتابة هل يصح؟ لا رواية لهذه المسألة وينبغي أن يصح، كذا في الظهيرية ط. والله سبحانه وتعالى أعلم. بَابُ الضّرِيحِ لما قدم ذكر الطلاق نفسه وأقسامه الأولية السني والبدعي وبعض أحكام تلك الكليات، ذكر أحكام بعض جزئياتها مضافة إلى المرأة أو إلى بعضها، وما هو صريح منها أو كناية، فصار كتفصيل يعقب إجمالاً. قوله: (ما لم يستعمل إلا فيه) أي غالباً كما یفیده كلام البحر. وعرفه في التحرير بما يثبت حكمه الشرعي بلا نية، وأراد بـ((ما)) اللفظ أو ما يقوم مقامه من الكتابة المستبينة أو الإشارة المفهومة، فلا يقع بإلقاء ثلاثة أحجار إليها أو بأمرها بحلق شعرها وإن اعتقد الإلقاء والحلق طلاقاً كما قدمناه، لأن ركن الطلاق اللفظ أو ما يقوم مقامه مما ذكر كما مر. قوله: (ولو بالفارسية) فما لا يستعمل فيها إلا في الطلاق فهو صريح يقع بلا نية، وما استعمل فيها استعمال الطلاق وغيره فحكمه حكم كنايات العربية في جميع الأحكام. بحر. وفي حاشيته للخير الرملي عن جامع الفصولين أنه ذكر كلاماً بالفارسية معناه: إن فعل كذا تجري كلمة الشرع بيني وبينك، ينبغي أن يصح اليمين على الطلاق لأنه متعارف بينهم فیه اهـ. قلت: لكن قال في [نور العين] الظاهر أنه لا يصح اليمين لما في البزازية من كتاب ألفاظ الكفر: إنه قد اشتهر في رساتيق شروان أن من قال: جعلت كلما أو عليّ كلما أنه طلاق ثلاث معلق، وهذا باطل ومن هذيانات العوام اهـ. فتأمل. ٤٥٨ كتاب الطلاق / بَابُ الصَّرِيحِ بالتشديد قيد بخطابها لأنه لو قال: إن خرجت يقع الطلاق أو لا تخرجي إلا بإذني فإني حلفت بالطلاق فخرجت لم يقع لتركه الإضافة إليها (ويقع بها) أي بهذه مَطْلَبٌّ: ((سن بوش) يَقَعُ بِهِ الرَّجْمِيُّ تنبيه: قال في الشرنبلالية: وقع السؤال عن التطليق بلغة الترك هل هو رجعي باعتبار القصد؟ أو بائن باعتبار مدلول ((سن بوش)) أو ((بوش أول)) لأن معناه خالية أو خلية؟ فینظر اهـ. قلت: وأفتى الرحيمي تلميذ الخير الرملي بأنه رجعي وقال: كما أفتى به شيخ الإسلام أبو السعود. ونقل مثله شيخ مشايخنا التركماني عن فتاوى علي أفندي مفتي دار السلطنة وعن الحامدية. قوله: (بالتشديد) أي تشديد اللام في ((مطلقة)) أما بالتخفيف فيلحق بالكناية. بحر. وسيذكره في بابها. قوله: (لتركه الإضافة) أي المعنوية فإنها الشرط والخطاب من الإضافة المعنوية، وكذا الإشارة نحو هذه طالق، وكذا نحو امرأتي طالق وزينب طالق اهـ ح. أقول: وما ذكره الشارح من التعليل أصله لصاحب البحر أخذاً من قول البزازية في الأيمان: قال لها: لا تخرجي من الدار إلا بإذني فإني حلفت بالطلاق، فخرجت لا يقع لعدم ذكر حلفه بطلاقها، ويحتمل الحلف بطلاق غيرها فالقول له اهـ. ومثله في الخانية. وفي هذا الأخذ نظر، فإن مفهوم كلام البزازية أنه لو أراد الحلف بطلاقها يقع، لأنه جعل القول له في صرفه إلى طلاق وغيرها، والمفهوم من تعليل الشارح تبعاً للبحر عدم الوقوع أصلاً لفقد شرط الإضافة، مع أنه لو أراد طلاقها تكون الإضافة موجودة ويكون المعنى: فإني حلفت بالطلاق منك أو بطلاقك، ولا يلزم كون الإضافة صريحة في كلامه لما في البحر لو قال: طالق، فقيل له من عنيت؟ فقال امرأتي طلقت امرأته اهـ. على أنه في القنية قال عازياً إلى البرهان صاحب المحيط: رجل دعته جماعة إلى شرب الخمر فقال إني حلفت بالطلاق أني لا أشرب وكان كاذباً فيه ثم شرب طلقت. وقال صاحب التحفة: لا تطلق ديانة اهـ. وما في التحفة لا يخالف ما قبله لأن المراد طلقت قضاء فقط، لما مر من أنه لو أخبر بالطلاق كاذباً لا يقع ديانة، بخلاف الهازل، فهذا يدل على وقوعه وإن لم يضفه إلى المرأة صريحاً؛ نعم يمكن حمله على ما إذا لم يقل إني أردت الحلف بطلاق غيرها فلا يخالف ما في البزازية. ويؤيده ما في البحر لو قال: امرأة طالق أو قال طلقت امرأة ثلاثاً وقال لم أعن امرأتي يصدق اهـ. ويفهم منه أنه لو لم يقل ذلك تطلق امرأته، لأن العادة أن من له امرأة إنما يحلف بطلاقها لا بطلاق غيرها، فقوله إني حلفت بالطلاق ينصرف إليها ما لم يرد غيرها لأنه يحتمله كلامه، بخلاف ما لو ذكر اسمها أو اسم أبيها أو أمها أو ولدها فقال: عمرة طالق أو بنت فلان أو بنت فلانة أو أم فلان، فقد صرحوا بأنها تطلق، وأنه لو قال: لم أعن امرأتي لا يصدق قضاء إذا کانت امرأته كما وصف كما ٤٥٩ كتاب الطلاق / بَابُ الصَّرِيحِ الألفاظ وما بمعناها من الصريح، ويدخل نحو طلاغ وتلاغ وطلاك وتلاك أو (( ط ل ق)) سيأتي قبيل الكنايات، وسيذكر قريباً أن من الألفاظ المستعملة: الطلاق يلزمني، والحرام يلزمني، وعليّ الطلاق، وعليّ الحرام، فيقع بلانية للعرف الخ، فأوقعوا به الطلاق مع أنه ليس فيه إضافة الطلاق إليها صريحاً، فهذا مؤيد لما في القنية، وظاهره أنه لا يصدق في أنه لم يرد امرأته للعرف، والله أعلم. قوله: (وما بمعناها من الصريح) أي مثل ما سيذكره من نحو: كوني طالقاً واطلقي ويا مطلقة بالتشديد، وكذا المضارع إذا غلب في الحال مثل أطلقك كما في البحر. قلت: ومنه في عرف زماننا: تكوني طالقاً، ومنه: خذي طلاقك فقالت أخذت، فقد صحح الوقوع به بلا اشتراط نية كما في الفتح، وكذا لا يشترط قولها أخذت كما في البحر. وأما ما في البحر من أن منه: شئت طلاقك، ورضيت طلاقك، ففيه خلاف. وجزم الزيلعي بأنه لا بد فيهما من النية كما ذكره الخير الرملي: أي فيكون كناية لأن الصريح لا يحتاج إلى النية. وأما ما في البحر أيضاً من أنه منه: وهبت لك طلاقك وأودعتك طلاقك ورهنتك طلاقك فسيذكر الشارح تصحيح الوقوع به. وأما أنت الطلاق فليس بمعنى المذكورات، لأن المراد بها ما يقع به واحدة رجعية وإن نوى خلافها كما صرح به المصنف؛ وأنت الطلاق تصح فيه نية الثلاث كما ذكره عقبه. وأما أنت أطلق من فلانة، ففي النهر عن الولوالجية أنه كناية. قال: فإن كان جواباً لقولها إن فلاناً طلق امرأته وقع ولا يدين كما في الخلاصة، لأن دلالة الحال قائمة مقام النية، حتى لو لم تكن قائمة لم يقع إلا بالنية اهـ فافهم. مَطْلَبٌ: مِنَ الصَّرِيحِ الأَلْفَاظُ الْمُصَحَّفَةُ قوله: (ويدخل نحو طلاغ وتلاغ الخ) أي بالغين المعجمة. قال في البحر: ومنه الألفاظ المصحفة وهي خمسة، فزاد على ما هنا تلاق. وزاد في النهر إبدال القاف لاماً. قال ط: وينبغي أن يقال: إن فاء الكلمة إما طاء أو تاء، واللام إما قاف أو عين أو غين أو كاف أو لام، واثنان في خمسة بعشرة تسعاً منها مصحفة، وهي ما عدا الطاء مع القاف اهـ. قوله: (أو ط ل ق) ظاهر ما هنا ومثله في الفتح والبحر أن يأتي بمسمى أحرف الهجاء، والظاهر عدم الفرق بينها وبين أسمائها . ففي الذخيرة من كتاب العتق: وعن أبي يوسف فيمن قال لأمته: ألف نون تاء حاء راء هاء، أو قال لامرأته ألف نون تاء طاء ألف لام قاف أنه إن نوى الطلاق والعتاق تطلق المرأة وتعتق الأمة، وهذا بمنزلة الكناية، لأن هذه الحروف يفهم منها ما هو ٤٦٠ ١ كتاب الطلاق / بَابُ الصَّرِيحِ أو ((طلاق باش)) بلا فرق بين عالم وجاهل، وإن قال تعمدته تخويفاً لم يصدق قضاء، إلا إذا أشهد عليه قبله، به يفتى؛ ولو قيل له طلقت امرأتك فقال نعم أو بلی بالهجاء طلقت. بحر (واحدة رجعية، المفهوم من صريح الكلام، إلا أنها لا تستعمل كذلك فصارت كالكناية في الافتقار إلى النية اهـ. وأنه خبير بأنه إذا افتقر إلى النية لا يناسب ذكره هنا، لأن الكلام فيما يقع به الرجعية وإن لم ينو، وسيصرح الشارح أيضاً بعد صفحة بافتقاره إلى النية، وذكره أيضاً في باب الكناية، وقدمناه أيضاً أول الطلاق عن الفتح. وفي البحر: يقع بالتهجي كأنت ط ل ق، وكذا لو قيل له طلقتها فقال: ((نعم) أو (ب ل ى) بالهجاء وإن لم يتكلم به أطلقه في الخانية ولم يشترط النية، وشرطها في البدائع اهـ. قلت: عدم التصريح بالاشتراط لا ينافي الاشتراط، على أن الذي في الخانية هو مسألة الجواب بالتهجي والسؤال بقول القائل طلقتها قرينة على إرادة جوابه فيقع بلا نية، بخلاف قوله ابتداء أنت طالق بالتهجي. تأمل. قوله: (أو طلاق باش) كلمة فارسية. قال في الذخيرة: ولو قال لها سه طلاق باش، أو قال بطلاق باش تحكم النية، وكان الإمام ظهير الدين يفتي بالوقوع في هذه الصورة بلا نية. قوله: (بلا فرق الخ) هذا ذكره في الألفاظ المصحفة، فكان عليه ذكره عقبها بلا فاصل. قوله: (تعمدته) أي التصحيف تخويفاً لها بلا قصد الطلاق. قوله: (طلقت امرأتك) وكذا تطلق لو قيل له ألست طلقت امرأتك؟ على ما بحثه في الفتح من عدم الفرق في العرف بين الجواب بنعم أو بلى كما سيأتي في الفروع آخر هذا الباب. قوله: (طلقت) أي بلا نية على ما قررناه آنفاً. قوله: (واحدة) بالرفع فاعل قوله: ((ويقع)) وهو صفة لموصوف محذوف: أي طلقه واحدة. أفاده القهستاني. قوله: (رجعية) أي عند عدم ما يجعل بائناً. مَطْلَبُ: الصَّرِيحُ نَوْعَانِ: رَجْمِيٌّ، وَبَائِنٌ ففي البدائع أن الصريح نوعان: صريح رجعي، وصريح بائن. فالأول أن يكون بحروف الطلاق بعد الدخول حقيقة غير مقرون بعوض، ولا بعدد الثلاث نصاً ولا إشارة، ولا موصوف بصفة تنبئ عن البينونة أو تدل عليها من غير حرف العطف، ولا مشبه بعدد أو صفة تدل عليها. وأما الثاني فبخلافه، وهو أن يكون بحروف الإبانة وبحروف الطلاق، لكن قبل الدخول حقيقة أو بعده، لكن مقروناً بعدد الثلاث نصاً أو إشارة، أو موصوفاً بصفة تنبئ عن البينونة أو تدل عليها من غير حرف