النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
كتاب النكاح / باب الرضاع
لا غير، فلو التقم الحلمة ولم يدر أدخل اللبن في حلقه أم لا لم يحرم، لأن في
المانع شكاً. ولوالجية.
تنبيه: نقل ط عن الخيرية أنه لو قضى شافعي بعدم الحرمة برضعة نفذ حكمه،
وإذا رفع إلى حنفي أمضاه اهـ. فتأمل. قوله: (لا غير) يأتي محترزه في قول المصنف:
والاحتقان والإقطار في أذن وجائفة وآمة. قوله: (فلو التقم الخ) تفريع على التقييد
بقوله: ((إن علم)).
وفي القنية: امرأة كانت تعطي ثديها صبية واشتهر ذلك بينهم ثم تقول: لم يكن
= الكبير، والرخصة تسهيل ولا سهولة في هذا العدد بل هو تشديد إن قلنا إن الرضعة كافية في التحريم
أصحاب المذهب الثاني استدلوا على أن الرضعة الواحدة كافية في التحريم بقوله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي
أرضعنكم﴾ فإطلاق الرضاع يقتضي أن التحريم يثبت ولو بمرة واحدة، وتوقف الحرمة على العدد يقتضي
التقييد ولا تقييد في الآية وبهذا احتج ابن عمر على ابن الزبير حين قال لا تحرموا إلا بخمس رضعات فقال
كتاب الله أولى من قضاء ابن الزبير واستدلوا أيضاً بقول النبي وي﴿ يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب بدون
تقييد بعدد الرضاع وبقوله وير: ((الرضاعة من المجاعة)) والرضعة الواحدة تَسُدَّ الجوعة وبقوله ول# المروي
في الصحيحين عن عقبة بن الحارث أنه تزوج أم يحيى بنت أبي أهاب فجاءت امرأة سوداء فقالت قد
أرضعتكما قال فذكرت ذلك للنبي # فأعرض عني قال فتنحيت فذكرت ذلك له فقال وكيف وقد زعمت
أنها قد أرضعتكما فنهاه عنها وفي رواية دعها عنك فهذا الحديث ليس فيه ذكر العدد ولم يسأل الرسول عقبه
هل تحقق العدد أم لا وحكم بالفرقة وذكر الرضاع واحتجوا أيضاً بالقياس فقال الرضاع يثبت التحريم به بمرة
قياساً على الوطء وعقد النكاح فالوطء يثبت تحريم بنت الموطوءة بمرة واحدة والعقد مرة واحدة يثبت به
تحريم أم المعقود عليها والجامع بين الرضاع وبين ما ذكر أن كلّ منهما يثبت به التحريم بمرة واحدة وقياساً
على شرب الخمر فيثبت به حكم الحدّ بمرة واحدة بجامع أن كلّ منهما شرب يتعلق به حكم ويجاب عن
الدليل الأول بأن الآية ليست مطلقة بل مقيدة بالأحاديث الدالة على شرط العدد وبينت المراد منها كما
بينت المطلوب من عدد الركعات في الصلاة والمقدار الواجب في إخراج الزكاة وقد جاء القرآن مطلقاً وقيد
بالحديث وبهذا الجواب يجاب عما ورد من السنة مطلقاً وما ذكر من قول عمر كتاب الله أولى من قضاء
الزبير يجاب عنه بأن الأولوية مسلمة إن كان حكمه بدون اعتماد على شيءٍ من الكتاب أو السنة.
أما وقد اعتمد على روايته عن النبي فلا يقال إن كتاب الله أولى من قضائه لأنه ليس بقضائه ويجاب عن
حديث الرضاعة من المجاعة بأنه وارد لنفي تحريم المصة لأنها لا تسد الجوعة وليس فيه ما يدل على أن
الرضعة الواحدة محرمة ويجاب عن حديث عقبة بأنه وإن جاء عن ذكر العدد لا يلزم منه ما ذكرتم لأن ذكر
العدد جاء في غيره وهي زيادة يجب الأخذ بها حملاً له مطلق على المقيد وترك سؤال النبي عقبه عن العدد لا
ينهض دليلاً لكم لاحتمال أن النبي تركه لسبق بيان منه ولا حجة مع الاحتمال ويجاب عن استدلالهم
بالقياس بأنه قياس مع الفارق وذلك لأن الأصل لم يعر عن جنس الأستباحة بخلاف الفرع فقد عري عن
الأستباحة وبأن القياس يكون حيث لا نص من الشارع لكنه قد نص واستدل أصحاب المذهب الثالث على
أن التحريم يكون بالثلاث يقول النبي والفو لا تحرم المصة ولا المصتان ولا الرضعة ولا الرضعتان فهذا
الحديث يدل على أن الثلاث فما فوقها تحرم ودلالته على ذلك بمفهومه وقالوا ثانياً إن أول مراتب الجمع
الثلاث ويجاب عن الحديث بأن حديث السيدة عائشة صريح في اعتبار الخمس كما أنه صريح في عدم تعلق
التحریم بما دونها فمفهوم ما استدللتم به مدفوع بما رويناه من حديث عائشة المتقدم وقد جرى قوله {ڑ:
لا تحرم المصة إلى آخر مجرى قوله # إنما الربا في النسيئة فظاهره تقييد جواز الربا في المنجز وليس
كذلك للنصوص الدالة على الربا فيها ويجاب عن قولهم إن أول مراتب الجمع الثلاث بأنه مدفوع بالنص.

٤٠٢
كتاب النكاح / باب الرضاع
ولو أرضعها أكثر أهل قرية ثم لم يدر من أرضعها فأراد أحدهم تزوجها،
إن لم تظهر علامة ولم يشهد بذلك جاز. خانية (أمومية المرضعة للرضيع،
و) يثبت (أبوّة زوج مرضعة) إذا كان (لبنها منه له) وإلا لا كما سيجيء (فيحرم منه)
أي بسببه (ما يحرم من النسب)
في ثديي لبن حين ألقمتها ثديي ولم يعلم ذلك إلا من جهتها، جاز لابنها أن يتزوج
بهذه الصبية اهـ ط .
وفي الفتح: لو أدخلت الحلمة في فيّ الصبيّ وشكت في الارتضاع لا تثبت
الحرمة بالشك، ثم قال: والواجب على النساء أن لا يرضعن كل صبيّ من غير
ضرورة، وإذا أرضعن فليحفظن ذلك وليشهرنه ويكتبنه احتياطاً اهـ. وفي البحر عن
الخانية: يكره للمرأة أن ترضح صبياً بلا إذن زوجها إلا إذا خافت هلاكه. قوله: (ثم لم
يدر) أي لم يدر من أرضعها منهم فلا بد أن تعلم المرضعة. قوله: (إن لم تظهر علامة)
لم أر من فسرها، ويمكن أن تمثل بتردد المرأة ذات اللبن على المحل الذي فيه الصبية
أو كونها ساكنة فيه فإنه أمارة قوية على الإرضاع ط. قوله: (ولم يشهد بذلك) بالبناء
للمجهول والجار والمجرور نائب الفاعل. قوله: (جاز) هذا من باب الرخصة كي لا
ينسدّ باب النكاح، وهذه المسألة خارجة عن قاعدة: الأصل في الإرضاع التحريم؛
ومثلها ما لو اختلطت الرضيعة بنساء يحصرن، وهذا بخلاف المسألة الأولى فإنه لا
حاجة إلى إخراجها لأن سبب الحرمة غير متحقق فيها؛ كذا أفاده في الأشباه. قوله:
(أمومية) بالرفع فاعل ((يثبت)) قال القهستاني: والأمومة مصدر هو كون الشخص أماً اهـ.
قوله: (وأبوة زوج مرضعة لبنها منه) المراد باللبن الذي نزل منها بسبب ولادتها من رجل
زوج أو سيد، فليس الزوج قيداً بل خرج مخرج الغالب. بحر. وأما إذا كان اللبن من
زنى ففيه خلاف سيذكره الشارح؛ ويأتي الكلام فيه. قوله: (له) أي للرضيع وهو متعلق
بالأبوة ح: أي لأنه مصدر معناه. كونه أباً. ط. قوله: (كما سيجيء) أي في قوله:
(طلق ذات لبن)) ح. قوله: (أي بسببه)، أشار إلى ((أن)) من بمعنى باء السببية ط. قوله:
(ما يحرم من النسب) معناه أن الحرمة بسبب الرضاع معتبرة بحرمة النسب، فشمل زوجة
الابن والأب من الرضاع لأنها حرام بسبب النسب فكذا بسبب الرضاع، وهو قول أكثر
أهل العلم، كذا في المبسوط. بحر(١).
(١) اختلف الفقهاء في التحريم بسبب لبن الفحل على مذهبين (الأول) أن التحريم بلبن الفحل كالتحريم بلبن
المرأة، فكما أن لبنها يثبت تحريمها وأصولها وفروعها وحواشيها، فكذلك يثبت تحريم الأب وأصوله
وفروعه وحواشيه، فلو ارتضعت أنثى بلبن نسب إلى شخص فتحرم عليه وأصوله وفروعه وحواشيه وهذا
مذهب الشافعي وبه قال الإمام أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، والليث بن سعد، والأوزاعي وإسحاق،
وسبقهم بهذا علي بن أبي طالب وابن عباس وعائشة من الصحابة، ومن التابعين عطاء، وطاوس ومجاهد . =

٤٠٣
كتاب النكاح / باب الرضاع
= الثاني أنه لا تحريم به، فلو ارتضعت به طفلة لا حرمة بينها وبين من نسب إليه اللبن، وأصوله وفروعه
وحواشيه، فيجوز لأحدهم التزوج بمن ارتضعت بهذا اللبن، وهو مذهب ابن عمر، وابن الزبير، ورافع بن
خديج، وسعيد بن المسيَّب، وسليمان بن يسار، وأبو سلمة بن عبد الرحمن من التابعين، والنخعي، وربيعة
ابن عبد الرحمن، وحماد بن سليمان، وداود بن علي من الفقهاء، دليل أصحاب المذهب الأول الكتاب
والسنة أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾ فالله سبحانه وتعالى
عطف على قوله: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ قوله: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾، وهذا الدليل وإن لم
يذكر فيه إلا الأم والأخوات إلا أن المراد منها تحريم جميع من سبق ذكرهن، ومنهن العمة، وهي أخت
الأب، فالأب يكون أولى؛ لأن العمة ليس لها دخل في إيجاد اللبن بل تحريمها تابع للأب، والدليل على
إرادة العموم من الآية هو قول النبي 8#1: ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)) وإنما التخصيص في الآية
بالأمهات والأخوات، لأن الأمهات هن اللاتي باشرن الإرضاع، والأخوات مشاركات للرضيع في اللبن
فهن ألصق به من غيرهن، وأيضاً قال عطاء المراد بقوله تعالى: ﴿وأخواتكم من الرضاعة﴾ أخوات الأب
مستشهداً بقول الرسول لأم المؤمنين عائشة ((ائذني لأفلح، فإنه عمك)) وحيث ثبتت العمومة بين المرتضعة
وبين أخي صاحب اللبن، فلتثبت الأخوة بينها وبين ابن صاحب اللبن من باب أولى، فالسنة مبينة للمراد
من الكتاب، وليست مخالفة له؛ لأنها على الرأي الأول مثبتة تحريم ما سكت عنه الكتاب أو مبينة للمراد من
الأخوات وهو العمومة فالآية خاصة على الأول، وعامة على الثاني وأما السنة فهو ما رواه الإمام مسلم
قال: أخبرنا مالك عن عبد الله بن أبي بكرة عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي # أخبرتها أن
النبي * كان عندها، وأنها سمعت صوت رجل يستأذن في بيت حفصة قالت عائشة: (فقلت يارسول الله
هذا رجل يستأذن في بيتك فقال رسول الله #: أُراه فلاناً لعم حفصة من الرضاعة فقلت يا رسول الله لو
كان فلاناً لعمها من الرضاعة حياً يدخل علي فقال رسول الله #1: نعم إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة))،
وأيضاً روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: دخل عليّ أفلح أخو أبي القعيس
بعد ما نزلت آية الحجاب، فاستترت منه، فقال تستترين مني وأنا عمك؟، فقالت من أين؟ قال: أرضعتك
امرأة أخي، فقالت: إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل، فدخل رسول الله ﴿ وحدثته، فقال: إنه
عمك، فليلج عليك ((وفي رواية تربت يداك أو يمينك)) قال النووي في شرح مسلم: اختلف العلماء في عم
عائشة المذكور فقال أبو الحسن القايسي: هما عمان لعائشة من الرضاعة أحدهما أخو أبيها أبي بكر من
الرضاعة، ارتضع هو وأبو بكر رضي الله عنه، من امرأة واحدة، والثاني أخو أبيها من الرضاعة هو، أبو
القعيس، وقيل: هو عم واحد، وهذا غلط، فإن عمها في الحديث الأول ميت، وفي الثاني حي جاء
يستأذن، والصواب ما قاله القابسي يقويه ما ذكره القاضي أنه لو كان واحداً لفهمت حكمه من المرة الأولى
ولم تحتجب عنه بعد ذلك، هذان الحديثان استفيد منهما أن عم المرتضعة محرم عليها، ويجوز له خلوته بها،
وليس لها أن تحتجب عنه أخذ هذا من الدخول الذي أقره *، والعمومة لم تثبت إلا عن طريق من نسب
إليه اللبن فالحرمة ثابتة له من باب أولى، والدليل العقلي على ذلك هو أن ولد النسب منسوب إلى أبيه
لكونه مخلوقاً من مائه، فالولد ولد له ولأمه وإن كانت الأم هي التي باشرت الإرضاع والولادة، وحيث إن
اللبن حدث عنه وبسببه ولولاه ما وجد غالباً فليكن اللبن له كما أنه لها، وإذا كان اللبن لهما وجب أن
تتعدى الحرمة إليه فيكون محرماً على الرضيع كما حرمت هي عليه.
ولم نر لأصحاب المذهب الثاني دليلاً على صحة مذهبهم اللهم إلا شبهاً ألبست عليهم الأمر فحكموا
بجواز وطء الفحل لأولاده من الرضاع، وسنذكرها للرد عليها فنقول: الشبهة الأولى: قالوا الله سبحانه
وتعالى لم يذكر في كتابه من المحرمات بالرضاع سوى الأم والأخت بقوله: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم
وأخواتكم من الرضاعة﴾، وأباح غيرهن بقوله: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ فلو كان غيرهن محرماً لذكره؛
ولأن اللام في قوله: ((اللَّتي أرضعنكم)) للعهد، والمعهود الرضاعة المذكورة، وهي رضاعة الأم فقط،
والعمل بالحديث زيادة على النص، والزيادة على النص نسخ، والجواب عن هذه الشبهة أن الله اقتصر على =

٤٠٤
كتاب النكاح / باب الرضاع
رواه الشيخان.
وقد استشكل في الفتح الاستدلال على تحريمها بالحديث، لأن حرمتها بسبب
الصهرية لا النسب، ومحرمات النسب هي السبع المذكورة في آية التحريم، بل قيد
الأصلاب فيها يخرج حليلة الأب والابن من الرضاع فيفيد حلها، وتمامه فيه. قوله:
(رواه الشيخان) أشار به إلى أنه حدیث، لكن فيه تغییر اقتضاه ترکیب المتن وهو زيادة
الفاء ووضع المضمر موضع الظاهر، وأصله ((يحرّمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يحرّمُ مِنَ النَّسَبِ))(١)
= تحريم الأم والأخت؛ لأن الأولى مباشرة للإرضاع والثانية مشاركة للرضيع في اللبن، والآية مجملة بين
الحديث المراد منها، والعمل بالحديث وإن كان فيه زيادة على النص لكن الزيادة على النص ليست نسخاً
عندنا، وهي وإن لم يذكر فيها إلا صنفان فليس فيها نص على إباحة ما عداهما؛ لأن ذكر الشيء لا يدل
على سقوط الحكم عن غيره، والسنة الصحيحة بينت أن كل ما حرم من النسب يحرم من الرضاع، وأما قوله
تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ فمعناه ما وراء ذلكم المجمل الذي بين المراد منه الحديث.
الشبهة الثانية: قالوا: أجمعت الصحابة على عدم التحريم بلبن الفحل، فقد أخرج الشافعي عن زينب بنت أم
سلمة أنها قالت: كان الزبير يدخل عليّ وأنا أمتشط أرى أنه أبي، وأن ولده إخوتي؛ لأن امرأته أسماء
أرضعتني، فلما كان بعد الحيرة أرسل إليّ عبد الله بن الزبير يخطب ابنتي أم كلثوم على أخيه حمزة بن الزبير
وكان لِلكلبية فقالت: وهل تحل له؟ فقال: إنه ليس لك بأخ إنما إخوتك من ولدت أسماء دون من ولد
الزبير من غيرها قال: فأرسلت فسألت والصحابة متوافرون وأمهات المؤمنين فقالوا: إن الرضاع لا يحرم
شيئاً من قبل الرجل، فهذا إجماع منهم، ويجاب عن هذه الشبهة بأن دعواهم الإجماع باطلة فقد خالف في
ذلك الإمام علي بن أبي طالب وابن عباس - رضي الله عنهما - ومع مخالفتهما يبطل الإجماع، وأيضاً فإن
سكوت بقية الصحابة على مثل هذه الواقعة لا يعد إجماعاً منهم، لأن السكوت ليس دليلاً على الرضا لجواز
أن السكوت كان لعدم وصول مثل هذه الواقعة إليهم، ولم يذكر في الرواية المفتون بأن اللبن لا يحرم من
قبل الفحل، وصدر الحديث دليل لنا على التحريم لأن الزبير كان يدخل على زينب وهي تمتشط معتقداً
بنوتها له بتلك الرضاعة.
الشبهة الثالثة: قالوا إن الفحل لو نزل له لبن فأرضع به طفلاً لم يصر أباً له فمن باب أولى لا يكون أباً له
بلبن غيره كزوجته، ويجاب عنها بأن لبن الفحل لم يخلق لغذاء الطفل بخلاف لبن المرأة، فإنه خلق لغذائه
حتى لو ارتضع به من بلغ أكثر من الحولين لم يحرم؛ لأنه في هذه الحالة لا يكون غذاءً (الشبهة الرابعة):
قالوا: لو كان اللبن لهما لكانت أجرة الرضاع بينهما لكن التالي باطل؛ لأن الأجرة تختص بها دونه، فبطل ما
أدَّى إليه، وهو كون اللبن لهما، وثبت أنه للمرضعة لا للفحل، وجوابها أن هناك وجهاً لأصحاب الشافعي
أن الأجرة للحضانة، والرضاع تبع، وعلى هذا يسقط الدليل، ولهم وجه آخر وهو أن الأجرة إنما هي على
فعل الرضاع؛ لأنه مشاهد معلوم، وليست ثمناً للبن للجهالة به وعدم رؤيته، وليس للفحل فعل في الرضاع
لهذا لم يأخذ منه الأجرة، وأيضاً فإنا نمنع الملازمة؛ لأنه لا يلزم من كون اللبن لهما أن تكون الأجرة
بينهما؛ لأنها أحق بها منه كما لو حفر شخصان بثْراً فاستقى أحدهما من مائه، فيكون أحق بما استقاه
لمباشرته دون الآخر قال ابن القيم في هذا المقام المستفاد من السنة أن لبن الفحل محرم، وأن التحريم ينتشر
منه كما ينتشر من المرأة، وهذا هو الحق الذي لا يجوز أن يقال بغيره، ولا عبرة بمخالفة من خالف صحابياً
كان أو غيره، لأن سنة رسول الله ﴿ أحق بالاتباع من غيرها، فنسأل الله أن يجعلنا من المتمسكين بها.
(١) مسلم ٢/ ١٠٧١ (١٤٤٦/١١) وأحمد ٣٣٩/١ والبغوي في التفسير ٥٠٢/١ والطبراني في الكبير ٩٤/٢
وابن سعد ١١٤/٨ ويلفظ يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة البخاري (٥٠٩٩) ومسلم ١٠٦٨/٢ (٢)
١٤٤٤).

٤٠٥
كتاب النكاح / باب الرضاع
واستثنى بعضهم إحدى وعشرين صورة، وجمعها في قوله: [البسيط]
يُفَارِقُ النَّسبِ الإِرْضَاعُ فِي صُوَرٍ كَأُمِّ نَافِلَةٍ أَوْ جَدَّةِ الوَلَدِ
وَأُمَّ أُخْتٍ وَأُخْتِ ابْنٍ .
وتقدم أنه يجوز رواية الحديث بالمعنى للعارف، على أن المصنف لم يقصد رواية
الحديث ط. قوله: (يفارق النسب الإرضاع) بنصب النسب ورفع الإرضاع ح. ولعله
إنما نسبت إليه المفارقة وإن كان مفاعلة من الجانبين، لأنه الفرع والنسب هو الأصل
المعتبر في التحریم، والمفارقة غالباً تکون من العارض ط. قوله: (في صور) أي سبع،
وإنما كانت إحدى وعشرين باعتبار تعلق الرضاع بالمضاف أو المضاف إليه أو بهما كما
سيأتي إيضاحه. ولا يخفى عليك أن المذكور في البيتين ستّ صور، فإن قوله: ((وأم
أخ)) مكرر مع قوله: ((وأم أخت)) إذ كل واحدة من هذه المذكورات كذلك، فإن أخت
البنت مثل أخت الابن وأم الخالة مثل أم الخال، وقس عليه ح. قوله: (كأم نافلة) أشار
بالكاف إلى عدم الحصر في ذلك؛ لما قال في الفتح: إن المحرم في الرضاع وجود
المعنى المحرم في النسب، فإذا انتفى في شيء من صور الرضاع انتفت الحرمة،
فيستفاد أنه لا حصر فيما ذكر اهـ فافهم. والنافلة: الزيادة، تطلق على ولد الولد لزيادته
على الولد الصلبي، وتقدم أن كل صورة من هذه السبع تتفرع إلى ثلاث صور، فولد
ولدك إذا كان نسبياً وله أم من الرضاع تحل لك، بخلاف أمه من النسب لأنها حليلة
ابنك، وإن كان رضاعياً بأن رضع من زوجة ابنك ولهذا الرضيع أم نسبية أو رضاعية
أخرى تحل لك. قوله: (أو جدة الولد) صادق بأن يكون الولد رضاعياً بأن رضع من
زوجتك وله جدة نسبية أو جدة أم أم أخرى أرضعته، وبأن يكون نسبياً له جدة
رضاعية، بخلاف النسبية فلا تحل لك لأنها أمك أو أم زوجتك. واحترز بجدة الولد عن
أم الولد لأنها حلال من النسب وكذا من الرضاع. قوله: (وأم أخت) صادق بأن يكون
كل منهما من الرضاع كأن يكون لك أخت من الرضاع لها أم أخرى من الرضاع
أرضعتها وحدها، وبأن تكون الأخت فقط من الرضاع لها أم نسبية، وبأن تكون الأم
فقط من الرضاع كأن تكون لك أخت نسبية لها أم رضاعية، بخلاف النسبية لأنها إما
أمك أو حليلة أبيك. قوله: (وأخت ابن) أي كل منهما رضاعي، أو الأول رضاعي
والثاني نسبي، أو العكس؛ بخلاف ما إذا كان كل منهما نسبياً، فلا تحل أخت الابن
لأنها إما بنتك أو ربيبتك، ومن هنا يعلم ما إذا رضع ولدك من أم أمه فإن أمه لا تحرم
عليك لكونها أخت ابنك رضاعاً. أفاده الرملي ط. وأخت البنت كأخت الابن.
وأورد أنه يتصور الحل في أخت ابنه وبنته نسباً بأن يدعي شريكان في أمة
ولدها، فإذا كان لكل منهما بنت من غير الأمة حل لشريكه التزوّج بها وهي أخت ولده

٤٠٦
كتاب النكاح / باب الرضاع
وَأُمِّ أَخٍ وَأُمّ خَالٍ وَعَمَّةٍ أَبْنٍ أَعْتَمِدٍ
(إلا أم أخيه وأخته) استثناء منقطع، لأن حرمة من ذكر بالمصاهرة لا
بالنسب فلم يكن الحديث متناً، ولا لما استثناه الفقهاء فلا تخصيص بالعقل كما
نسباً من الأب. وألغز بها في شرح الوهبانية وأجاب عنها. شرنبلالية. قوله: (وأم أخ)
الكلام فيه كالكلام في أم الأخت، وفيه ما مر عن ح. قوله: (وأم خال) فيه الصور
الثلاث، أما إذا كانا نسبيين فلا تحل، لأن أم خالك من النسب جدتك أو منكوحة
جدك. قوله: (وعمة ابن) فيه الصور الثلاث أيضاً بأن يكون كل منهما رضاعياً كأن
رضع صبيّ من زوجتك ورضع أيضاً من زوجة رجل آخر له أخت، فهذه الأخت عمة
ابنك من الرضاع، أو الأول رضاعياً فقط بأن يكون ذلك الرضيع ابنك من النسب، أو
الثاني فقط بأن يكون ابنك من الرضاع له عمة من النسب؛ بخلاف ما لو كان كل منهما
من النسب فإن العمة لا تحل لك لأنها أختك. قوله: (استثناء منقطع الخ) جواب عن
قول البيضاوي: إن استثناء أخت ابنه وأم أخيه من الرضاع من هذا الأصل ليس بصحيح
فإن حرمتهما في النسب بالمصاهرة دون النسب اهـ. فعدم الصحة مبني على جعل
الاستثناء متصلًا. وفيه جواب أيضاً عن قوله في الغاية: إن هذا تخصیص للحديث بدلیل
عقلي. وبيان الجواب ما قاله الزيلعي: إن هذا سهو، فإن الحديث يوجب عموم الحرمة
لأجل الرضاع حيث وجدت الحرمة لأجل النسب وحرمة أم أخيه من النسب، لا لأجل
أنها أم أخيه بل لكونها أمه أو موطوءة أبيه؛ ألا ترى أنها تحرم عليه وإن لم يكن له أخ؟
وكذا أخت ابنه من النسب إنما حرمت عليه لأجل أنها بنته أو بنت امرأته بدليل حرمتها
وإن لم يكن له ابن، وهذا المعنى يوجب الحرمة في الرضاع أيضاً حتى لا يجوز له أن
يتزوج بأمه ولا موطوءة أبيه ولا بنت امرأته، كل ذلك من الرضاع، فبطل دعوى
التخصيص اهـ. وحاصله يرجع إلى أن الاستثناء منقطع كما قال الشارح لعدم تناول
الحدیث له.
هذا، وقد اعترض ح قول الشارح تبعاً للبيضاوي: إن حرمة من ذكر بالمصاهرة
بأن فيه نظراً من وجهين:
الأول: أن المصاهرة لا تتصور في عمة ولده لأنها أخته الشقيقة أو لأب أو لأم،
وكذا في بنت عمة ولده لأنها بنت أخته الشقيقة أو لأب أو لأم.
الثاني: أن المصاهرة في الصور السبعة الباقية إنما تتصوّر على تقدير واحد فقط.
وعلى التقدير الآخر أو التقديرين الآخرين، فالحرمة بالنسب لا بالمصاهرة.
بيان ذلك أن أم أخيك إنما تكون حرمتها بالمصاهرة إذا كان الأخ أخاً لأب، فإن
أمه حينئذ امرأة أبيك، بخلاف الأخ الشقيق أو لأم فإن حرمة أمه بالنسب لأنها أمك،

٤٠٧
كتاب النكاح / باب الرضاع
قيل، فإن حرمة أم أخته وأخيه نسباً لكونها أمه أو موطوءة أبيه،
وحرمة أخت ابنك النسبي إنما تكون بالمصاهرة إن كان أخت الابن لأمه لأنها ربيبتك،
بخلافها شقيقة أو لأب فإنها بنتك، وحرمة جدة ابنك إنما تكون بالمصاهرة إذا كانت أم
أمه لأنها أم امرأتك، بخلافها أم أبيه لأنها أمك، وحرمة أم عمك إنما تكون بالمصاهرة
لو العم لأب، بخلافه لولد شقيقاً أو لأم لأنها جدتك، ومثل العم أو الخال، وحرمة
بنت ولدك إنما تكون بالمصاهرة لو كانت الأخت لأم لأنها بنت ربيبتك، بخلافها شقيقة
أو لأب لأنها بنت ينتك، وحرمة أم ولد ولدك إنما تكون بالمصاهرة إذا كانت أم ابن
ابنك لأنها حليلة ابنك، بخلاف أم بنت بنتك فإنها بنتك، فقد ظهر أن التعليل بهذا غير
صحيح، بل التعليل الصحيح ما ذكره بقوله: فإن حرمة أم أخته الخ كما سنبينه اهـ.
أقول: والجواب عن الأول أن قول الشارح ((إن حرمة من ذكر بالمصاهرة)) المراد
بمن ذكر هو أم أخيه وأخته، لأنه هو الذي سبق ذكره دون بقية الصور الآتية، ولأنه
ذكر بعده تعليلاً آخر شاملاً للجميع وهو قوله: ((فإن حرمة أم أخته وأخيه الخ)» مع
قوله: ((وقس عليه أخت ابنه الخ)) كما سنوضحه. وعن الثاني: أعني قوله: ((إن
المصاهرة إنما تتصور على تقدير واحد فقط)) بأن المراد هو ذلك التقدير.
وبيان ذلك أن الحديث دل على أن كل ما يحرم من النسب يحرم نظيره من
الرضاع، فيقال: تحرم الأم نسباً فكذا تحرم الأم رضاعاً،. وتحرم البنت نسباً فكذا تحرم
البنت رضاعاً، وهكذا إلى آخر المحرمات النسبية، فأم أخيك الشقيق أو لأم إنما تحرم
لكونها أمك لا لكونها أم أخيك، ولذا تحرم عليك ولو لم يكن لك أخ منها، فلا يحسن
أن يقال: تحرم أم الأخ الشقيق أو لأم لأنه يتكرر مع قولهم تحرم الأم، فعلم أن المراد
أم الأخ لأب فقط، ولما ورد عليه أن أم الأخ لأب إنما حرمت بالمصاهرة، والحديث
إنما رتب حرمة الرضاع على حرمة النسب لا على حرمة المصاهرة.
أجاب بأن الاستثناء منقطع، وكذا يقال: أخت الابن إذا كانت شقيقة أو لأب إنما
تحرم لكونها بنتك، وقد علم تحريم البنت من النسب فيراد بها الأخت لأم لأنها ربيبتك،
فلم تعلم حرمتها من محرمات النسب فلم تكن تكراراً، لكن لما لم تدخل في الحديث
كان استثناؤها منقطعاً، وهكذا يقال في البواقي.
والحاصل أن الحديث لما رتب حرمة الرضاع على حرمة النسب وكان ما يحرم
من النسب من نظائر هذه المستثنيات قد يحرم من النسب على تقدير ومن المصاهرة على
تقدير لم يصح أن يراد منه التقدير الأول، لأنه يلزم منه التكرار بلا فائدة، فتعين إرادة
التقدير الثاني وإن كان الاستثناء فيه منقطعاً، دفعاً للتكرار وتنبيهاً على بيان ما يحل لزيادة
التوضيح؛ هذا غاية ما يمكن توجيه كلامهم به، والله تعالى أعلم، فافهم. قوله: (وهذا

٤٠٨
كتاب النكاح / باب الرضاع
وهذا المعنى مفقود في الرضاع (و) قس عليه (أخت ابنه) وبنته (وجدة ابنه) وبنته
(وأم عمه) وعمته وأم خاله وخالته، وكذا عمة ولده وبنت عمته وبنت أخت ولده
وأم أولاد أولاده فهؤلاء من الرضاع حلال للرجل، وكذا أخو ابن المرأة لها؛
فهذه عشر صور تصل باعتبار الذكورة والأنوثة إلى عشرين، وباعتبار ما يحل له أو
المعنى مفقود في الرضاع) لأن أم أخته وأخيه رضاعاً ليست أمه ولا موطوءة أبيه.
قوله: (وقس عليه الخ) أي قس على ما ذكر من المعنى أخت ابنه وبنته الخ بأن تقول:
إنما حرمت عليه أخت ابنه وبنته نسباً لكونها بنته أو بنت امرأته، وهذا المعنى مفقود في
الرضاع، وكذا جدة ابنه وبنته نسباً إنما حرمت عليه لكونها أمه أو أم امرأته، وهذا
مفقود في الرضاع، وهكذا البواقي.
وبهذا التقرير علم أن التعليل المذكور بقوله: ((فإن حرمة أم أخته الخ)» جار في
جميع الصور، لكن لكل صورة عبارة تليق بها فلذا قال: ((وقس عليه الخ)) وإن ضمير
((عليه)) راجع إليه لا إلى أم أخته وأخيه، حتى يرد أنه لا معنى لجعل البعض مقيساً
والبعض مقیساً عليه، فافهم. قوله: (و کذا عمة ولده) لم یذکروا خالة ولده لأنها حلال
من النسب أيضاً لأنها أخت زوجته. بحر. قوله: (وبنت عمته) أي عمة ولده، وتحرم
من النسب لأنها بنت أخته، وأما بنت عمة نفسه فإنها حلال نسباً ورضاعاً ط. قوله:
(وبنت أخت ولده) وتحرم من النسب لأنها بنت بنته أو بنت ربيبته ط. قوله: (للرجل)
متعلق بالمستثنى في قوله ((إلا أم أخته الخ)) يعني أن شيئاً من النسوة المذكورات لا يحرم
للرجل إذا كانت من الرضاع اهـح عن المنح. وهذا بالنظر إلى المتن وإلا فهو متعلق
بقول الشارح ((حلال)). قوله: (وكذا أخو ابن المرأة لها) في ذكر هذه العاشرة نظر، فإنها
من مقابلات التسعة لا قسم مباين للتسعة كما سنبينه. أفاده ح. قوله: (باعتبار الذكورة
والأنوثة) أي في المضاف إليه، فتصير مع الذكورة أم أخيه وأخت ابنه وجدة ابنه وأم
عمه وأم خاله وعمة ابنه وبنت عمة ابنه وبنت أخت ابنه وأم ولد ابنه، ومع الأنوثة أم
أخته وأخت بنته وجدة بنته وأم عمته وأم خالته وعمة بنته وبنت عمة بنته وبنت أخت
بنته وأم ولد بنته اهـح. فهذه ثمانية عشر، وعدها عشرين بالنظر إلى العاشرة المكررة.
قوله: (وباعتبار ما يحل له) أي إذا نسب الحل للرجل، بأن يقال: تحل له أم أخيه وأخت
ابنه إلى آخر الأمثلة المذكورة. قوله: (أو لها) أي إذا نسب الحل لها، بأن يقال: يحل
لها أبو أخيها وأخو ابنها وجد ابنها وأبو عمها وأبو خالها وخال ولدها وابن خالة ولدها
وابن أخت ولدها وابن ولد ولدها، وإنما قلنا: وخال ولدها وابن خالة ولدها، وكان
القياس أن نقول: وعم ولدها وابن عمة ولدها، لأنهما لا يحرمان عليهما من النسب
أيضاً كما صرح به في البحر. أفاده ح. وأفاد ط أنه يمكن تقرير المقام بحل آخر، فيقال

٤٠٩
كتاب النكاح / باب الرضاع
لها إلى أربعين؛ مثلاً: يجوز تزوجه بأم أخيه وتزوجها بأبي أخيها، وكل منها يجوز
أن يتعلق الجار والمجرور: أعني من الرضاع تعلقاً معنوياً بالمضاف كالأم، كأن
تکون له أخت نسبية لها أم رضاعیة، أو بالمضاف إليه کالأخ کان یکون له أخ
في مقابلة تزوجه أم أخيه وأخته تزوجها أخا ابنها وبنتها، وفي أخت ابنه أو بنته أو
أخيها أو أختها، وفي جدة ابنه أو بنته جد ابنها أو بنتها، وفي أم عمه ابن أخي ابنها،
وفي أم عمته ابن أخي بنتها، وفي أم خاله ابن أخت ابنها، وفي أم خالته ابن أخت
بنتها، وفي عمة ولده عم ولدها، وفي بنت عمة ولده خالها؛ وفي مقابلة تزوجها بأخي
ابنها تزوجه بأم أخيه وهي المكررة اهـ. لكن الصواب في الثامنة والتاسعة أن يقال: وفي
عمة ولده أبو ابن أخيها، وفي بنت عمة ولده أبو ابن خالها، فافهم. والذي قرره ح هو
الذي في البحر وهو الأوفق لقول الشارح ((وتزوجها بأبي أخيها)).
وحاصله أن تبدل المضاف الأول المؤنث بمذكر مقابل له وتبدل الضمير المذكر
بضمير المؤنث، فتبدل الأم بالأب والأخت بالأخ والجدة بالجد وهكذا، وتذكر
الضمير، فتقول في أم أخيه أبو أخيها، وفي أخت ابنه أخو ابنها، وفي جدة ابنه جد
ابنها الخ.
وحاصل التقرير الثاني أن تنظر إلى كل صورة، وتنظر إلى نسبة المرأة فيها إلى
الزوج فتسميها باسم تلك النسبة؛ مثلاً: إذا تزوج أم أخيه أو أخته تكون المرأة قد
تزوجت أخا ابنها أو بنتها، وإذا تزوج أخت ابنه أو بنته تكون قد تزوجت أبا أخيها أو
أختها وهكذا، ولا يخفى أن هذا تكرار محض وإنما اختلف بالتعبير فقط، فافهم. قوله:
(وتزوجها بأبي أخيها) كذا في بعض النسخ، ومثله في البحر، وهو الأوفق لما قرره ح
كما علمت. وفي بعض النسخ ((بابن أخيها)) وهو كذلك في النهر ولا وجه له، فإن هذا
لا يقابل تزوجه بأم أخيه على التقريرين المارين. ووقع في بعض نسخ البحر التعبير
بأخي ابنها، وهو موافق لما قرره ط كما مر، وفيه ما علمت. قوله: (وكل منها) أي من
الأربعين ح. وفي بعض النسخ ((منهما)) بضمير التثنية: أي كل من الاعتبارين اللذين بلغ
العدد فيهما أربعين، فافهم. قوله: (الجار والمجرور) أي المقدر بعد الاستثناء المدلول
عليه بالمستثنى منه، والتقدير: فيحرم من الرضاع ما يحرم من النسب إلا أم أخيه من
الرضاع فإنها لا تحرم اهـح. قوله: (تعلقاً معنوياً) على أنه صفة أو حال لأنه معرفة غير
محضة، لأن التعريف الإضافي هنا كالتعريف الجنسي، وأما تعلقه الصناعي فباستقرار
محذوف وجوباً، وتمام ذلك في ح عن البحر. قوله: (كالأخ) الأولى أن يقول
كالأخت، أو يقول في الأول كأن يقول له أخ نسبي، إلا أن يقال مراده التنويع في
المضاف إليه ذكورة وأنوثة ح. قوله: (كأن يكون له أخ نسبي له أم رضاعية) تبع في

٤١٠
كتاب النكاح / باب الرضاع
نسبي له أم رضاعية، أو بهما كأن يجتمع مع آخر على ثدي أجنبية ولأخيه رضاعاً
أم أخرى رضاعية فهي مائة وعشرون، وهذا من خواص كتابنا.
(وتحل أخت أخيه رضاعاً) يصح اتصاله بالمضاف كأن يكون له أخ نسبي له
أخت رضاعية وبالمضاف إليه كأن يكون لأخيه رضاعاً أخت نسباً وبهما، وهو
ظاهر (و) كذا (نسباً) بأن يكون لأخيه لأبيه أخت لأم، فهو متصل بهما لا
بأحدهما للزوم التكرار كما لا يخفى؟
(ولا حلّ بين رضيعي امرأة) لكونهما أخوين وإن اختلف الزمن والأب (ولا)
حل (بين الرضيعة وولد مرضعتها)
هذه العبارة النهر. قال ح: وصوابه كأن يكون له أخ رضاعي له أم نسبية كما لا يخفى.
قوله: (وهذا من خواص كتابنا) اعلم أن ابن وهبان في شرح منظومته أوصلها إلى نيف
وستين، وبينها صاحب البحر وزاد عليها حتى أوصلها إلى إحدى وثمانين وقال: إنه من
خواصّ هذا الكتاب، وأوصلها في النهر إلى مائة وثمانية وقال: إنها من خواص كتابه،
فأراد الشارح أن يوصلها إلى مائة وعشرين بزيادة العاشرة من الصور لتكون من خواص
كتابه كما قال، لكنها ما تمت له. أفاده ح: أي بل بقي العدد مائة وثمانية. قوله: (وهو
ظاهر) كأن يكون له أخ رضاعي رضع مع بنت من امرأة أخرى. قوله: (فهو) أي قوله:
نسباً ط. قوله: (للزوم التكرار) لأنه إذا اتصل بالمضاف فقط كان المضاف إليه من
الرضاع أو بالمضاف إليه فقط كان المضاف من الرضاع، وهما داخلان في قوله: ((وتحل
أخت أخيه رضاعاً) ح. قوله: (لكونهما أخوين) أي شقيقين إن كان اللبن الذي شرباه
منها لرجل واحد أو لأم إن لم يكن كذلك، وقد يكونان لأب كما إذا كان لرجل امرأتان
وولدتا منه فأرضعت كل واحدة صغيراً فإن الصغيرين أخوان لأب، حتى لو كان أحدهما
أنثى لا يحل النكاح بينهما كما ذكره مسكين ح. قوله: (وإن اختلف الزمن) كأن أرضعت
الولد الثاني بعد الأول بعشرين سنة مثلاً وكان كل منهما في مدة الرضاع. قوله: (وولد
مرضعتها) أي من النسب؛ أما الذي من الرضاع فإنه وإن کان کذلك لكنه فهم حکمه من
قوله: ((ولا حل بين رضيعي امرأة)) ح. وأطلقه فأفاد التحريم وإن لم ترضع ولدها
النسبي، بخلاف ما إذا كان الولدان أجنبيين فإنه لا بد من ارتضاعهما من امرأة واحدة
كما أفادته الجملة الأولى، ولهذا لم يستغن بها عن هذه الجملة، وما في البحر والمنح
رده في النهر، وشمل أيضاً ما لو ولدته قبل إرضاعها للرضيعة أو بعده ولو بسنين.
فرع: في البحر عن آخر المبسوط: لو كانت أم البنات أرضعت أحد البنين وأم
البنين أرضعت إحدى البنات لم يكن للابن المرتضع من أم البنات أن يتزوّج واحدة
:

٤١١
كتاب النكاح / باب الرضاع
أي التي أرضعتها (وولد ولدها) لأنه ولد الأخ (ولبن بكر بنت تسع سنين) فأكثر
(محرم) وإلا لا. جوهرة (وكذا) يحرم (لبن ميتة) ولو محلوباً، فيصير ناكحها محرماً
للمينة فييممها ويدفنها بخلاف وطئها، وفرق بوجود التغذي لا اللذة (ومخلوط
بماء أو دواء أو لبن أخرى أو لبن شاة إذا غلب لبن المرأة،
منهن، وكان لإخوته أن يتزوجوا بنات الأخرى، إلا الابنة التي أرضعتها أمهم وجدها
لأنها أختهم من الرضاعة. قوله: (أي التي أرضعتها) تفسير للمضاف إلى الضمير.
قوله: (ولبن بكر) المراد بها التي لم تجامع قط بنكاح أو سفاح وإن كانت العذرة غير
باقية كأن زالت بنحو وثبة. حموي. والحرمة لا تتعدى إلى زوجها، حتى لو طلقها قبل
الدخول له التزوج برضيعتها، لأن اللبن ليس منه. قهستاني ط؛ أما لو طلقها بعد
الدخول فليس له التزوج بالرضيعة لأنها صارت من الربائب التي دخل بأمها. بحر عن
الخانية. قوله: (وإلا لا) أي وإن لم تبلغ تسع سنين فنزل لها لبن لا يحرم. جوهرة.
لأنهم نصوا على أن اللبن لا يتصوّر إلا ممن تتصور منه الولادة فيحكم بأنه ليس لبناً كما
لو نزل البكر ماء أصفر لا يثبت من إرضاعه تحريم كما في شرح الوهبانية. قوله: (ولو
محلوباً) سواء حلب قبل موتها فشربه الصبيّ بعد موتها أو حلب بعد موتها. بحر. قوله:
(فيصير ناكحها) أي ناكح الرضيعة المعلومة من المقام. أفاده ح. قوله: (محرماً للميتة)
لأنها أم امرأته. بحر. قوله: (فييممها) أي بلا خرقة إذا ماتت بين رجال فقط، أما غير
المحرم فييممها بخرقة، وقيل تغسل في ثيابها. أفاده ط. قوله: (ويدفنها) لأن الأولى
بالدفن المحارم ط. قوله: (بخلاف وطئها) أي الميتة فإنه لا يتعلق به حرمة المصاهرة.
قوله: (وفرق بوجود التغذي لا اللذة) لأن المقصود من اللبن التغذي والموت لا يمنع
منه، والمقصود من الوطء اللذة المعتادة وذلك لا يوجد في الميتة. بحر عن الجوهرة.
وإذا انتفت اللذة المعتادة بالوطء لكون الميتة ليست محلًا له عادة صارت كالبهيمة أبلغ،
لأن الموت منفر طبعاً فيلزم انتفاء قصد الولد الذي هو في الحقيقة علة حرمة
المصاهرة، فالمراد نفي اللازم بانتفاء الملزوم فلا يرد أن اللذة ليست هي العلة، فافهم.
قوله: (ومخلوط) عطف على لبن ميتة: أي وكذا يحرم لبن امرأة مخلوط بماء الخ اهـح.
ومثل الماء كل مائع بل والجامد كذلك. أفاده في النهي ط. قوله: (إذا غلب لبن
المرأة) أي على أحد المذكورات، وفسر الغلبة في أيمان الخانية من حيث الإجزاء.
وقال هنا: فسرها محمد في الدواء بأن يغيره عن كونه لبناً. وقال الثاني: إن غير الطعم
واللون لا إن غير أحدهما. نهر، ونحوه في البكر. ووفق في الدر المنتقى فقال: تعتبر
الغلبة بالإجزاء في الجنس، وفي غيره بتغير طعم أو لون أو ريح كما روي عن أبي
يوسف اهـ. إلا أنه اعتبر التغير في غير الجنس بوصف واحد والمذكور آنفاً أنه لا يعتبر

٤١٢
كتاب النكاح / باب الرضاع
وكذا إذا استويا) إجماعاً لعدم الأولوية. جوهرة. وعلق محمد الحرمة بالمرأتين
مطلقاً، قيل وهو الأصح (لا) يحرم (المخلوط بطعام) مطلقاً وإن حساه حسواً
إلا إذا غير الطعم واللون؛ نعم يوافقه ما في الهندية من اعتبار أحد الأوصاف إلا أنه لم
يعزه لأبي يوسف ط. قوله: (وكذا إذا استويا) أي لبن المرأة وأحد المذكورات ح.
قوله: (لعدم الأولوية) علة الاستواء لبن المرأتين، وأفاد به ثبوت التحريم منهما. وأما
علة استواء لبن المرأة مع الباقي فهي أن لبنها غير مغلوب فلم يكن مستهلكاً كما في
البحر. قوله: (وعلق محمد الخ) مقابل لما أفاده كلام المصنف من أنه لو كان لبن إحدى
المرأتين غالباً تعلق التحريم به فقط، ولو استويا تعلق بهما. قوله: (مطلقاً) أي تساويا
أو غلب أحدهما لأن الجنس لا يغلب الجنس ح. قوله: (قيل وهو الأصح) قال في
البحر: وهو رواية عن أبي حنيفة. قال في الغاية: وهو أظهر وأحوط. وفي شرح
المجمع: قيل إنه الأصح اهـ. وهو الشرنبلالية: ورجح بعض المشايخ قول محمد، وإليه
مال صاحب الهداية لتأخيره دليل محمد كما في الفتح اهـ ح. قوله: (مطلقاً) أي سواء
كان غالباً أو مغلوباً عند الإمام. وقال: إن كان غالباً يحرم، والخلاف مقيد بالذي لم
تمسه النار، فإذا طبخ فلا تحريم مطلقاً اتفاقاً، وبما إذا كان الطعام ثخيناً، أما إذا كان
رقيقاً يشرب اعتبرت الغلية اتفاقاً، قيل وبما إذا لم يكن اللبن متقاطراً عند رفع اللقمة،
أما معه فيحرم اتفاقاً، والأصح عدم اعتبار التقاطر على قوله. نهر. قوله: (وإن حساء
حسواً) في القاموس: حسا زيد المرق: شربه شيئاً بعد شيء. بحر، وما أفاده من أنه لا
يحرم وإن حساه مخالف لما ذكرناه آنفاً عن النهر، وكذا ما جزم به في الفتح من أن الطعام
لو كان رقيقاً يشرب اعتبرنا غلبة اللبن إن غلب وأثبتنا الحرمة، وكذا ما في الخانية: لو
حساه حسواً تثبت الحرمة في قولهم جميعاً، وكذا في البحر عن المستصفي وقال: إن
وضع محمد في الأكل يدل عليه اهـ: أي يدل على أن الشرب محرم؛ نعم نقل ح عن
مجمع الأنهر عن الخانية أنه قيل: إنه لا تثبت الحرمة بكل حال، وإليه مال السرخسي
وهو الصحیح کما في أكثر الكتب اهـ.
قلت: والذي رأيته في الخانية وكذا في البحر عنها هو ما نقلناه عنها آنفاً، وليس
فيها ما ذكره عن السرخسي، والمنقول عن السرخسي ليس في الحسو بل في غيره.
ففي الذخيرة: قيل إنما لا تثبت الحرمة على قول أبي حنيفة إذا كان لا يتقاطر اللبن عند
حمل اللقمة، فلو يتقاطر تثبت؛ وقيل لا تثبت وإليه مال شمس الأئمة السرخسي. وذكر
شيخ الإسلام: إنما لا تثبت على قول أبي حنيفة إذا أكل لقمة لقمة، فلو حساه حسواً
تثبت اهـ. فما قاله شمس الأئمة إنما هو عدم اعتبار التقاطر عند الأكل وهو الأصح كما
مر عن النهر، وصرح بتصحيحه أيضاً في الهداية وغيرها، وكلامنا فيما إذا كان الطعام

٤١٣
كتاب النكاح / باب الرضاع
وكذا لو جبنه، لأن اسم الرضاع لا يقع عليه. بحر (و) لا (الاحتقان والإقطار في
الأذن) وإحليل (وجائفة وآمة، و) لا (لبن رجل) ومشكل إلا إذا قال النساء: إنه لا
يكون على غزارته إلا للمرأة وإلا لا. جوهرة (و) لا لبن (شاة) وغيرها لعدم
الكراهة.
(ولو أرضعت
رقيقاً يشرب حسواً، وهذا تثبت به الحرمة كما سمعته، ولم أر من صحح خلافه؛ ولا
يقال: يلزم من تقاطر اللبن عند رفع اللقمة أن يكون الطعام رقيقاً يشرب، لأنه لو كان
كذلك لم يكن التقاطر من اللبن وحده بل يكون منهما معاً، فعلم أن المراد كون الطعام
ثخيناً لا يشرب، ولفظ اللقمة مشعر بذلك أيضاً، فافهم. قوله: (وكذا لو جبنه) قال في
البحر: ولو جعل اللبن مخيضاً أو رائباً أو شيرازاً أو جبناً أو أقطاً أو مصلا فتناوله الصبيّ
لا تثبت به الحرمة، لأن اسم الرضاع لا يقع عليه، وكذا لا ينبت اللحم ولا ينشر العظم
ولا يكتفي به الصبيّ في الاغتذاء فلا محرم اهح.
وفي القاموس: اللبن المخيض: ما أخذ زبده. والشيراز: اللبن الرائب
المستخرج ماؤه. والأقط مثلث ويحرك: شيء يتخذ من المخيض الغنمي. والمصل:
اللبن يوضع في وعاء خوص أو خزف ليقطر ماؤه اهـ ط. قوله: (ولا الاحتقان) في
المصباح: حقنت المريض: إذا أوصلت الدواء إلى باطنه من مخرجه بالمحقنة واحتقن
هو، والاسم الحقنة مثل الغرفة من الاغتراف، ثم أطلقت على ما يتداوى به، والجمع
حقن مثل الغرفة وغرف اهـ بحر.
والمناسب أن يقال ((ولا الحقن)) أي حقن الصبيّ باللبن، إذ الاحتقان من احتقن،
وهو فعل قاصر، والصبي لا يحتقن بنفسه بل يحقنه غيره، ولا يصح أخذه من احتقن
المبني للمجهول لأنه لا يبنى من القاصر، ولا يلزم من تفسير الاحتقان في تاج المصادر
بعمل الحقنة تعديته المفعول الصريح كالصبي في عبارة الهداية حيث قال: إذا احتقن
الصبي، خلافاً لما في النهاية والمعراج كما حققه في الفتح، وتنظير النهر فيه نظر،
فتدبر. قوله: (والإفطار) في بعض النسخ ((الاقتطار)) من الافتعال، والظاهر أنه تحريف.
قوله: (وجائفة) الجراحة في الجوف. والآمة بالمد والتشديد: الجراحة في الرأس تصل
إلى أم الدماغ. قوله: (ومشكل) أي خنثى مشكل. قوله: (إلا إذا قال الخ) لأنه حينئذ
يتضح أنه امرأة كما ذكروه في باب الخنثى فيثبت به التحريم. رحمتي. قوله: (وإلا لا)
تكرار لأنه علم من إطلاق قوله: ((ومشكل)) بدليل الاستثناء. قوله: (لعدم الكرامة) لأن
ثبوت الحرمة بالرضاع بطريق الكرامة للجزئية فلم تعتبر الشاة أم الصبيّ وإلا لكان
الكبش أباه، والأختية فرع الأمية، وتمام تحقيقه في الفتح. قوله: (ولو أرضعت

٤١٤
كتاب النكاح / باب الرضاع
الكبيرة) ولو مبانة (ضرتها) الصغيرة، وكذا لو أوجره رجل في فيها (حرمتا) أبداً
إن دخل بالأم
الكبيرة) أطلقها فشمل المدخولة وغيرها، وسواء كان لبنها منه أو من غيره وقع الإرضاع
قبل الطلاق أو بعده في عدة رجعي أو بائن بينونة صغرى أو كبرى، فقوله: ((ولو مبانة))
يفهم منه حكم الرجعية بالأولى، لأن الزوجية قائمة من كل وجه، ثم التقيد بها ليس
احترازياً، لأن أخت الكبيرة وأمها بنتها نسباً ورضاعاً إن دخل بالكبيرة مثلها للزوم
الجمع بين المرأة وبنت أختها في الأول وبين الأختين في الثاني وبين المرأة وبنت بنتها
في الثالث، وليس له أن يتزوج بواحدة منهما قط ولا المرضعة أيضاً، وإن لم يكن
دخل بالكبيرة في الثالث فإن المرضعة لا تحل له لكونها أم امرأته، ولا الكبيرة لكونها أم
أم امرأته، وتحل الصغيرة لكونها ابنة ابنة امرأته ولم يدخل بها، وتمامه فى البحر ط.
قوله: (ضرتها الصغيرة) أي التي في مدة الرضاع، ولا يشترط قيام نكاح الصغيرة وقت
إرضاعها، بل وجوده فيما مضى كاف لما في البدائع: لو تزوج صغيرة فطلقها ثم تزوج
كبيرة لها لبن فأرضعتها حرمت عليه لأنها صارت أم منكوحة كانت له فتحرم بنكاح
البنت اهـ بحر. وإن كان دخل بالأم حرمت الصغيرة أيضاً، لا لأنه صار جامعاً بينهما،
بل لأن الدخول بالأمهات يحرم البنات، والعقد على البنات يحرم الأمهات، والرضاع
الطارئ على النكاح كالسابق.
وفي الخانية: لو زوّج أم ولده بعبده الصغير فأرضعته بلبن السيد حرمت على
زوجها وعلى مولاها، لأن العبد صار ابناً للمولى فحرمت عليه لأنها كانت موطوءة
أبيه، وعلى المولى لأنها امرأة ابنه اهـ نهر. قوله: (وكذا لو أوجره) أي لبن الكبيرة
رجل في فيها: أي الصغيرة، وأشار إلى أن الحرمة لا تتوقف على الإرضاع بل المدار
على وصول لبن الكبيرة إلى جوف الصغيرة، فتبين كلاهما منه، ولكل نصف الصداق
على الزوج، ويغرم الرجل للزوج نصف مهر كل واحدة منهما إن تعمد الفساد بأن
أرضعها من غير حاجة، بأن كانت شبعى، ويقبل قوله إنه لم يتعمد الفساد. بحر.
قوله: (إن دخل بالأم) سواء كان اللبن منه أو من غيره، وسواء وقع الإرضاع في النكاح
أو بعد الطلاق ولو بائناً ولو بعد العدة، أما إذا كان اللبن منه ووقع الإرضاع في النكاح
أو عدة الرجعى أو البائن أو بعد العدة حرمتا أبداً وانفسخ النكاح في الأوليين. أما حرمة
الصغيرة فلأنها صارت بنته وينت مدخولته رضاعاً، وأما حرمة الكبيرة فلأنها أم بنته وأم
معقودته رضاعاً. وإذا كان اللبن من غيره حرمتا أيضاً وانفسخ النكاح في الأوليين، أما
حرمة الصغيرة فلأنها بنت مدخولته رضاعاً، وأما حرمة الكبيرة فلأنها أم معقودته رضاعاً.
أفاده ح. وذكر في البحر أن النكاح لا ينفسخ، لأن المذهب عند علمائنا أن النكاح لا يرتفع

٤١٥
كتاب النكاح / باب الرضاع
أو اللبن منه وإلا جاز تزوج الصغيرة ثانياً (ولا مهر الكبيرة إن لم توطأ) لمجيء
الفرقة منها (والصغيرة نصفه) لعدم الدخول (ورجع) الزوج (به على الكبيرة)
بحرمة الرضاع والمصاهرة بل يفسد، حتى لو وطئها قيل التفريق لا يحد، نص عليه محمد في
الأصل اهـ. ثم قال: وينبغي أن يكون الفساد في الرضاع الطارئ على النكاح: أي كما هنا؛
أما لو تزوجها فشهدا أنها أخته ارتفع النكاح، حتى لو وطئها يحدّ، ولها التزوج بعد العدة من
غير متاركة اهـ. قال الرملي: لكن سيأتي أنه لا تقع الفرقة إلا بتفريق القاضي، فراجعه.
تأمل اهـ. قوله: (أو اللبن منه) هذا يقتضي إمکان انفراد کون اللبن منه عن کونها مدخولة،
وهو فاسد لأنه يلزم من کون اللبن منه أن تكون مدخولة. وفي نسخة (واللبن منه» بالواو،
وهي فاسدة أيضاً لأنها تقتضي عدم حرمتها إذا كانت مدخولة واللبن من غيره، وهو ظاهر
البطلان، فالصواب إسقاطها اهـح.
قلت: والشارح متابع للبحر والنهر والمقدسي. وأجاب عنه ط بإمكان أن تكون
حبلى من زناه بها فنزل لها لبن فأرضعتها به فقد حرمتا واللبن منه مع عدم تحقيق
الدخول اهـ. وفيه أن الحبل من الزنى دخول بها، وحمل الدخول المذكور على الدخول
في النكاح اللاحق لا فائدة فيه بعد تحقق الدخول في الزنى السابق. وأجاب السائحاني
بالحمل على ما إذا طلق ذات لبنه ثلاثاً ثم تزوجها بعد زوج آخر وبقي لبنها فأرضت به
ضرتها وفيه ما علمت. والأحسن الجواب بأن قوله: ((إن دخل بالأم)) على تقدير قولنا
واللبن من غيره؛ وقوله: ((أو اللبن منه)) عطف على هذا المقدر وهو القرينة على هذا
التقدير لتحصل المقابلة بين المتعاطفين؛ ولو قال: واللبن منه أولا، لكان أوضح وأولى.
قوله: (وإلا) أي وإن لم تكن مدخولة ولبنها حينئذ من غيره قطعاً، وهذا شامل لما إذا كان
الإرضاع قبل الطلاق أو بعده، فإن كان قبله انفسخ نكاحهما لكونه جامعاً بين البنت وأمها
رضاعاً. وله أن يعيد العقد على البنت لعدم الدخول بالأم، وإن كان بعده لا ينفسخ نكاح
البنت، وحرمت الأم أبداً في الصورتين للعقد على البنت، وكلام الشارح قاصر على
الصورة الأولى اهـح. قوله: (إن لم توطأ) فلو وطئت لها كمال المهر مطلقاً، لكن لا
نفقة لها في هذه العدة إذا جاءت الفرقة من قبلها وإلا فلها النفقة. بحر. قوله: (لمجيء
الفرقة منها) فصار كردتها، وبه يعلم أنها لو كانت مكرهة أو نائمة فارتضعتها الصغيرة أو
أخذ شخص لبنها فأوجر به الصغيرة أو كانت الكبيرة مجنونة كان لها نصف المهر لانتفاء
إضافة الفرقة إليها. بحر. قوله: (لعدم الدخول) تعليل لتنصيف المهر، وأما علة أصل
استحقاقها له فهي وقوع الفرقة لا من جهتها، والارتضاع وإن كان فعلها وبه وقع الفساد
لكن لا يؤثر في إسقاط حقها لعدم خطابها بالأحكام كما لو قتلت مورثها، ولأنها مجبورة
طبعاً عليه، وإنما سقط مهرها بارتداد أبويها ولحاقها بهما مع أنها لا فعل منها أصلاً، لأن

٤١٦
كتاب النكاح / باب الرضاع
وكذا على الموجر (إن تعمدت الفساد) بأن تكون عاقلة طائعة متيقظة عالمة
بالنكاح وبإفساد الإرضاع ولم تقصد دفع جوع أو هلاك (وإلا لا)، لأن التسبب
يشترط فيه التعدي، والقول لها إن لم يظهر منها تعمد الفساد. معراج.
(طلق ذات لبن فاعتدت وتزوجت) بآخر (فحبلت وأرضعت فحکمه من
الأول) لأنه منه بيقين فلا يزول بالشك ويكون ربيباً للثاني (حتى تلد) فيكون اللبن
من الثاني، والوطء بشبهة كالحلال، قيل وكذا الزنى، والأوجه لا. فتح.
الردة محظورة في حق الصغيرة أيضاً، وإضافة الحرمة إلى ردتها التابعة أبويها والارتضاع لا
حاظر فيستحق النظر فتستحق المهر اهـ ملخصاً من الفتح وغيره. قوله: (لعدم الدخول) إذ
لا يتأتى في الرضيعة. قوله: (وكذا على الموجر) أي يرجع الزوج عليه بما لزم الزوج
وهو نصف صداق كل منهما كما قدمناه. بحر. وقدمنا عنه أيضاً أن الشرط فيه أيضاً تعمد
الفساد. قوله: (إن تعمدت الفساد) قيد في الرجوع عليها، أما سقوط مهرها قبل الوطء
فلا يشترط له تعمد الفساد. ط عن أبي السعود. قوله: (بأن تكون عاقلة) فلا رجوع على
المجنونة والمكرهة والنائمة. وفيه أن اشتراط العلم يغني عن قوله: ((عاقلة متيقظة)) أفاده
في النهر. قوله: (ولم تقصد الخ) فول أرضعتها على ظن أنها جائعة ثم ظهر أنها شبعانة
لا تكون متعمدة. بحر. قوله: (يشترط فيه) أي في التضمين به التعدي كحافر البئر، إن
كان في ملكه لا يضمن وإلا ضمن، وتمامه في البحر. قوله: (والقول لها) أي في أنها لم
تتعمد مع يمينها. بحر. قوله: (طلق ذات لبن) أي منه، بأن ولدت منه؛ لأنه لو تزوج
امرأة ولم تلد منه قط ونزل لها لبن وأرضعت ولداً لا يكون الزوج أباً للولد، لأن نسبته
إليه بسبب الولادة منه. وإذا انتفت انتفت النسبة فكان كلبن البكر، ولهذا لو ولدت للزوج
فنزل لها لبن فأرضعت به ثم جف لبنها ثم درّ فأرضعته صبية فإن لابن زوج المرضعة
التزوج بهذه الصبية، ولو كان صبياً كان له التزوج بأولاد هذا الرجل من غير المرضعة.
بحر عن الخانية. قوله: (ويكون ربيباً للثاني) فيحل له التزوج ببنات الثاني من غير
المرضعة. بحر. قوله: (والوطء بشبهة كالحلال) صورته: وطئت امرأة بشبهة فحبلت
وولدت ثم تزوجت ثم أرضعت صبياً كان ابناً للواطئ بشبهة لا للزوج، ومثله صورة
الزنى اهـح. قوله: (فتح) وذلك حيث قال: ولبن الزنى كالحلال، فإذا أرضعت به بنتاً
حرمت على الزاني وآبائه وأبنائه وإن سفلوا. وفي التجنيس عن الجرجاني: ولعم الزاني
التزوج بها كالمولودة من الزاني لأنه لم يثبت نسبها من الزاني، والتحريم على آباء الزاني
وأولاده للجزئية ولا جزئية بينها وبين العم، وإذا ثبت هذا في المتولدة من الزنى فكذا في
المرضعة بلبن الزنى: قال في الخلاصة: وكذا لو لم تحبل من الزنى وأرضعت لا بلبن
الزنى تحرم على الزاني كما تحرم بنتها عليه.

٤١٧
كتاب النكاح / باب الرضاع
(قال) لزوجته (هذه رضيعتي ثم رجع) عن قوله (صدق) لأن الرضاع مما
يخفى فلا يمنع التناقض فيه (ولو ثبت عليه، بأن قال) بعده (هو حق كما قلت
ونحوه) هكذا فسر الثبات في الهداية وغيرها
وذكر الوبري أن الحرمة تثبت من جهة الأم خاصة ما لم يثبت النسب، فحينئذ
تثبت من الأب، وكذا ذكر الإسبيجابي وصاحب الينابيع، وهو أوجه، لأن الحرمة من
الزنى للبعضية وذلك في المولود نفسه لأنه مخلوق من مائه دون اللبن، إذ ليس اللبن
كائناً من منيه لأنه فرع التغذي وهو لا يقع إلا بما دخل من أعلى المعدة لا من أسفل
البدن كالحقنة فلا إنبات فلا حرمة، بخلاف ثابت النسب لأن النص أثبت الحرمة منه.
وإذا ترجح عدم حرمة الرضيعة بلبن الزاني على الزاني فعدمها على من ليس اللبن منه
أولى، خلافاً لما في الخلاصة، ولأنه يخالف المسطور في الكتب المشهورة، إذ يقتضي
تحريم بنت المرضعة بلبن غير الزوج على الزوج بطريق أولى اهـ. كلام الفتح ملخصاً.
وحاصله أن في حرمة الرضيعة بلبن الزنى على الزاني وكذا على أصوله وفروعه
روايتين، كما صرح به القهستاني أيضاً، وإن الأوجه رواية عدم الحرمة، وإن ما في
الخلاصة من أنها لو رضعت لا بلبن الزاني تحرم على الزاني، مردود لأن المسطور في
الكتب المشهورة أن الرضيعة بلبن غير الزوج لا تحرم على الزوج كما تقدم في قوله:
((طلق ذات لبن الخ) وكلام الخلاصة يقتضي تحريمها بالأولى، وما في الفتاوى إذا
خالف ما في المشاهير من الشروح لا يقبل، هذا تقرير كلام الفتح، وقد وقع في فهمه
خبط كثير، منه ما ادعاه في البحر من أن محل الخلاف أصول الزاني وفروعه، وأنها لا
تحل للزاني اتفاقاً اهـ.
والحاصل كما قال في البحر أن المعتمد في المذهب أن لبن الزاني لا يتعلق به
التحريم، وظاهر المعراج والخانية أن المعتمد ثبوته اهـ.
قلت: وذكر في شرح المنية أنه لا يعدل عن الدراية إذا وافقتها رواية، وقد
علمت أن الوجه مع رواية عدم التحريم. قوله: (قال لزوجته) التقييد بالزوجة لقوله بعده
((فرّق بينهما)) وإلا فقوله ذلك الأجنبية قبل العقد عليها كذلك. قوله: (هكذا فسر الثبات
في الهداية وغيرها) أتى بذلك للرد على من جعل تكرار الإقرار ثباتاً أيضاً مثل قوله:
(هو حق)) ونحوه، وجزم في البحر بأنه ليس مثله، وهذه المسألة صارت واقعة الفتوى
في زمن العلامة عبد البر بن الشحنة، خالفه فيها بعض معاصريه وعقد لها مجالس عديدة
بأمر السلطان قايتباي، وكتب خطوط العلماء من المذاهب الأربعة كما ذكره المقدسي
في شرحه، وسرد فيه نصوص أئمتنا. ثم قال: ظاهر هذه العبارت أن الثبات على
الإقرار المانع عن الرجوع هو أن يقول ما قلته حق، أو ما أقررت به ثابت، وأما تكرار الإقرار

٤١٨
كتاب النكاح / باب الرضاع
فلا يكون مانعاً،. وقد لوّح المصنف في مسائل شتى من المنح آخر الكتاب إلى تلك الواقعة،
وأنها عرضت على شيخ الإسلام زكريا الشافعي فأجاب بما فيه كفاية اهـ.
قلت: وزأيتها في فتاوى شيخ الإسلام زكريا فقال بعد عرض النقول من كلام
أئمتنا ما صورته: صريح هذه النقول ومنطوقها مع العلم بوقوع العطف التفسير في
الكلام الفصيح ومع النظر إلى ما هو واجب من الجمع بين كلام الأئمة المذكورين
وغيرهم، ومن النظر إلى المعنى المفهوم من كلامهم شاهد بأن المراد بالثبات والدوام
والإصرار واحد بأن المقرّ بأخوة الزنضاع ونحوها إن ثبت على إقراره لا يقبل رجوعه
عنه وإلا قبل، وبأن الثبات عليه لا يحصل إلا بالقول بأن يشهد على نفسه بذلك، أو
يقول هو حق أو كما قلت أو ما في معناه؛ کقوله هو صدق أو صواب أو صحيح أو لا
شك فيه عندي، إذ لا ريب أنفقوله صدق آكد من قوله هو كما قلت، فكلام من جمع
بين هو حق وكما قلت كما فعل في السراج الهندي محمول على التأكيد، وكلام من
اقتصر على بعضها ولو بطريق الحصر مؤول بتقدير أو مافي معناه كما قلنافي قوله
تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِليَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهَّ وَاحِدٌ﴾ [الأنبياء ١٠٨] وقوله وَّهِ ((إِنَّمَا الرِّبَا
فِي النَّسِيئَةِ))(١) وليس في منطوق النصوص المذكورة أن التكرار يقوم مقام قوله: ((هو
حق)) أو ما في معناه حتى يمتنع الرجوع بعده؛ نعم يؤخذ من قول صاحب المبسوط:
ولكن الثابت على الإقرار كالمجدّد له بعد العقد أنه إذا أقرّ بذلك قبل العقد ثم أقربابه
بعده يقوم مقام ذلك اهـ.
قلت: لكن مراد صاحب المبسوط بقوله كالمجدد الخ: أي مع الثبات، لأن
مراده بيان أن الإقرار قبل العقد بمنزلة الإقرار بعده في إثبات الحرمة لأن عبارته هكذا:
ولكن الثابت على الإقرار كالمجدد له بعد العقد وإقراره بالحرمة بعد العقد صحيح
موجب للفرقة، فكذلك إذا أقرّ به قبل العقد وثبت عليه حتى تزوجها. ثم قال في مسألة
الإقرار بعد العقد: ولو ثبت على هذا النطق وقال هو حق وشهدت عليه الشهود بذلك
فرقّت بينهما اهـ.
وفي البدائع: أما الإقرار، فهو أن يقول لامرأة تزوجها هي أختي من الرضاع
ويثبت على ذلك ويصرّ عليه فيفرّق بينهما، وكذلك إذا أقر بهذا قبل النكاح وأصر على
ذلك ودام عليه لا يجوز له أن يتزوجها اهـ.
قلت: ووجه ذلك أن الرضاع لما كان مما يخفى لأنه لا يعلمه إلا بالسماع من غيره
(١) مسلم في كتاب المساقاة (١٠٢، ١٤٠) والطيالسي كما في المنحة (٦٣٦١) والشافعي كما في المسند.
(١٣٠٣) والنسائي ٢٨١/٧ وابن ماجة (٢٢٥٧) وأحمد ٢٠٨/٥.

٤١٩
كتاب النكاح / باب الرضاع
(فرّق بينهما وإن أقرّت) المرأة بذلك (ثم أكذبت نفسها وقالت أخطأت وتزوجها
جاز، كما لو تزوجها قبل أن تكذب نفسها) وإن أصرت عليه لأن الحرمة ليست
إليها. قالوا: وبه يفتى في جميع الوجوه. بزازية.
ومفاده أنها لو أقرّت بالثلاث من رجل حل لها تزوجه (أو أقرا بذلك جميعاً
ثم أكذبا أنفسهما وقالا) جميعاً (أخطأنا ثم تزوجها) جاز (وكذا) الإقرار (في النسب
لم يمنع التناقض فيه لاحتمال أنه لما أقرّ به بناء على ما أخبره به غيره تبين له كذبه
فرجع عن إقراره، ولا فرق في ذلك بين كونه أقرّ مرة أو أكثر، بخلاف ما إذا شهد على
إقراره، أو قال هو حق أو نحوه، فإنه يدل على علمه بصدق المخبر، وأنه جازم به فلا
يقبل رجوعه بعده. قوله: (فرق بينهما) أي ولو جحد بعد ذلك، لأن شرط الفرقة وهو
الثبات قد وجد فلا ينفعه الجحود بعده. ذخيرة. قوله: (جاز) أي صح النكاح. قوله:
(لأن الحرمة ليست إليها) أي لم يجعلها الشارع لها فلا يعتبر إقرارها بها ط. قوله: (في
جميع الوجوه) أي سواء أقرّت قبل العقد أو لا، وسواء أصرت عليه أو لا، بخلاف
الرجل فإن إصراره مثبت للحرمة كما علمت.
ويفهم مما في البحر عن الخانية أن إصرارها قبل العقد مانع من تزوجها به،
ونحوه في الذخيرة، لكن التعليل المذكور يؤيد عدمه. قوله: (بزازية) ذكر ذلك في
البزازية آخر كتاب الطلاق حيث قال: قالت لرجل: إنه أبي رضاعاً وأصرت عليه، يجوز
أن يتزوجها إذا كان الزوج ينكره، وكذا إذا أقرّ به ثم أكذبته فيه لا يصدق على قولها،
لأن الحرمة ليست إليها، حتى لو أقرت به بعد النكاح لا يلتفت إليه؛ وهذا دليل على
أن لها أن تزوج نفسها منه في جميع الوجوه، وبه يفتى اهـ. قوله: (ومفاده الخ) هذا
ذكره في الخلاصة عن الصغرى للصدر الشهيد بلفظ: وفيه دليل على أنها لو ادعت
الطلقات الثلاث وأنكر الزوج حلّ لها أن تزوج نفسها منه، وذكره في البزازية آخر
الطلاق بقوله: قالت طلقني ثلاثاً ثم أرادت تزويج نفسها منه ليس لها ذلك أصرت عليه
أو أكذبت نفسها، ونص في الرضاع على أنها إذا قالت: هذا ابني رضاعاً وأصرت عليه
جاز له أن يتزوجها، لأن الحرمة ليست إليها. قالوا: وبه يفتى في جميع الوجوه اهـ كلام
البزازية، فقوله: ((ونص الخ) يريد به الاستدلال على أن لها التزوج به في مسألة الطلاق
كما فعل في الخلاصة، وبهذا يعلم ما في كلام الشارح قبيل باب الإيلاء حيث ذكر
عبارة البزازية هذه وأسقط قوله: ((ونص في الرضاع الخ)). قوله: (حل لها تزوجه) لأن
الطلاق في حقها مما يخفى لاستقلال الرجل؛ فصح رجوعها. نهر أي حلّ في الحكم،
أما فيما بينها وبين الله تعالى فلا إذا كانت عالمة بالثلاث ح. قوله: (أو أقرا بذلك) أي

٤٢٠
كتاب النكاح / باب الرضاع
ليس يلزمه إلا ما ثبت عليه) فلو قال: هذه أختي أو أمي وليس نسبها معروفاً ثم
قال وهمت صدق، وإن ثبت عليه فرّق بينهما (و) الرضاع (حجته حجة المال)
وهي شهادة عدلين أو عدل وعدلتين لكن لا تقع الفرقة إلا بتفريق القاضي
بأخوة الرضاع: أي ولم يصر الرجل على إقراره، فإنه إذا أصرّ لا ينفعه إكذاب نفسه
بعده كما مر. قوله: (وإن ثبت عليه فرق بينهما) أي إذا لم يكن لها نسب معروف
وكانت تصلح أماً له أو بنتاً له فيفرق بينهما لظهور السبب بإقراره مع إصراره. وإن كان
لها نسب معروف أو لا تصلح أماً له أو بنتاً له لا يفرق بينهما وإن دام على ذلك، لأنه
كاذب في إقراره بيقين. بدائع. قوله: (حجته الخ) أي دليل إثباته وهذا عند الإنكار لأنه
يثبت بالإقرار مع الإصرار كما مر. قوله: (وهي شهادة عدلين الخ) أي من الرجال.
وأفاد أنه لا يثبت بخبر الواحد امرأة كان أو رجلاً قبل العقد أو بعده، وبه صرح في
الكافي والنهاية تبعاً، لما في رضاع الخانية: لو شهدت به امرأة قبل النكاح فهو في
سعة من تكذيبها، لكن في محرمات الخانية إن كان قبله والمخبر عدل ثقة لا يجوز
النكاح، وإن بعده وهما كبيران فالأحوط التنزه، وبه جزم البزازي معللاً بأن الشك في
الأول وقع في الجواز، وفي الثاني في البطلان، والدفع أسهل من الرفع.
ويوفق بحمل الأول على ما إذا لم تعلم عدالة المخبر أو على ما في المحيط من
أن فيه روايتين، ومقتضاه أنه بعد العقد لا يعتبر اتفاقاً، لكن نقل الزيلعي عن المغني:
وكراهية الهداية أن خبر الواحد مقبول في الرضاع الطارئ بأن كان تحته صغيرة فشهدت
واحدة بأن أمه أو أخته أرضعتها بعد العقد.
قلت: ويشير إليه ما مرّ من قول الخانية: وهما كبيران، لكن قال في البحر بعد
ذلك: إن ظاهر المتون أنه لا يعمل به مطلقاً، فليكن هو المعتمد في المذهب.
قلت: وهو أيضاً ظاهر كلام كافي الحاكم الذي هو جمع كتب ظاهر الرواية؛
وفرق بينه وبين قبول خبر الواحد بنجاسة الماء أو اللحم، فراجعه من كتاب
الاستحسان.
تنبيه: في الهندية: تزوج امرأة فقالت امرأة أرضعتكما فهو على أربعة أوجه: إن
صدقاها فسد النكاح ولا مهر إن لم يدخل؛ وإن كذباها وهي عدلة فالتنزه المفارقة
والأفضل له إعطاء نصف المهر لو لم يدخل، والأفضل لها أن لا تأخذ شيئاً؛ ولو دخل
فالأفضل دفع كماله والنفقة والسكنى، والأفضل لها أخذ الأقل من مهر المثل والمسمى
لا النفقة والسكنى ويسعه المقام معها، وكذا لو شهد غير عدول أو امرأتان أو رجل
وامرأة؛ وإن صدقها الرجل وكذبتها فسد النكاح والمهر بحاله، وإن بالعكس لا يفسد
ولها أن تحلفه، ويفرق إذا نكل اهـ. قوله: (وعدلتين) أي ولو إحداهما المرضعة، ولا