النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١
كتاب النكاح / باب القسم
(بلا فرق بين فحل وخصيّ وعنين ومجبوب ومريض وصحيح) وصبي دخل بامرأته
هذا، وقد صرح ابن مجد أن في تأسيس النظائر وغيره أنه إذا لم يوجد نص في
حكم من كتب أصحابنا يرجع إلى مذهب مالك.
وأقول: لم أر حكم ما لو تضرّرت من عظم آلته بغلظ أو طول وهي واقعة
الفتوی اهـ.
أقول: ما نقله عن ابن مجد غير مشهور، ولم أر من ذكره غيره؛ نعم ذكر في
الدرر المنتقي في باب الرجعة عن القهستاني عن ديباجة المصفي أن بعض أصحابنا مال
إلى أقواله يرورة.
هذا، وقد صرحوا عندنا بأن الزوجة إذا كانت صغيرة لا تطيق الوطء لا تسلم إلى
الزوج حتى تطيقه. والصحيح أنه غير مقدر بالسن، بل يفوض إلى القاضي بالنظر إليها
من سمن أو هزال. وقدمنا عن التاترخانية أن البالغة إذا كانت لا تحتمل لا يؤمر بدفعها
إلى الزوج أيضاً، فقوله: ((لا تحتمل)) يشمل ما لو كان لضعفها أو هزالها أو لكبر آلته.
وفي الأشباه من أحكام غيبوبة الحشفة فيما يحرم على الزوج وطء زوجته مع بقاء
النكاح، قال: وفيما إذا كانت لا تحتمله لصغر أو مرض أو سمنة اهـ. وربما يفهم من
سمنه عظم آلته. وحرّر الشرنبلالي في شرحه على الوهبانية أنه لو جامع زوجته فماتت
أو صارت مفضاة، فإن كانت صغيرة أو مكرمة أو لا تطيق تلزمه الدية اتفاقاً.
فعلم من هذا كله أنه لا يحل له وطؤها بما يؤدي إلى إضرارها، فيقتصر على ما
تطيق منه عدداً بنظر القاضي أو إخبار النساء، وإن لم يعلم بذلك فبقولها، وكذا في
غلظ الآلة، ويؤمر في طولها بإدخال قدر ما تطيقه منها أو بقدر آلة رجل معتدل الخلقة،
والله تعالى أعلم. قوله: (بلا فرق الخ) لأنه حيث علم أن وجوب القسم إنما هو
للصحبة والمؤانسة دون المجامعة، فلا فرق بين زوج وزوج. بحر. قوله: (ومريض)
قال في البحر: ولم أر كيفية قسمه في مرضه، حيث كان لا يقدر على التحوّل إلى بيت
الأخرى، والظاهر أن المراد أنه إذا صح ذهب عند الأخرى بقدر ما أقام عند الأولى
مريضاً اهـ.
ولا يخفى أنه إذا كان الاختيار في مقدار الدور إليه حال صحته ففي مرضه أولى،
فإذا مكث عند الأولى مدة أقام عند الثانية بقدرها. نهر.
قلت: وهذا إذا أراد أن يجعل مدة إقامته دوراً حتى لا ينافي ما يأتي من أنه لو أقام
عند إحداهما شهراً هدر ما مضى. قوله: (وصبيّ دخل بامرأته) الذي في البحر وغيره
بامرأتيه بالتثنية. قال في البحر: لأن وجوبه لحق النساء، وحقوق العباد تتوجه على
٣٨٢
كتاب النكاح / باب القسم
وبالغ لم يدخل. بحر بحثاً، وأقره المصنف، ومريضة وصحيحة (وحائض وذات
نفاس ومجنونة لا يخاف ورتقاء وقرناء) وصغيرة يمكن وطؤها ومحرمة ومظاهر
ومولى منها مقابلاتهن، وكذا مطلقة رجعية إن قصد رجعتها، وإلا لا. بحر.
الصبيان عند تقرر السبب. وفي الفتح: وقال مالك: ويدور وليّ الصبيّ به على نسائه،
وظاهره أنه لم يطلع على شيء عندنا، وينبغي أن يأثم الولي إذا لم يأمره بذلك ولم يدر
به اهـ. قال الخير الرملي: وقيد في الخانية الصبيّ بالمراهق فلا قسم على غيره، وليس
بقيد بل المميز الممكن وطؤه كذلك اهـ. قوله: (وبالغ لم يدخل) ومثله ما لو دخل
بالأولى ح. قوله: (بحر بحثاً) راجع إلى قوله: ((وبالغ لم يدخل)) قال في البحر: وفي
المحيط وإن لم يدخل الصغير بها فلا فائدة في كونه معها اهـ. وظاهره أن القسم على
البالغ لغير المدخول بها، لأن في كونه معها فائدة، ولذا إنما قيدوا بالدخول في امرأة
الصبيّ اهـ.
قلت: يظهر لي أن دخول الصبيّ غير قيد، وإنما المراد به الذي بلغ سنّ الدخول
وحصول الصحبة والاستئناس به، ولذا لم يقيد في الخانية بالدخول، بل قال:
والمراهق والبالغ في القسم سواء، فقوله في المحيط: وإن لم يدخل: أي لم يبلغ هذا
السن، بقرينة قوله فلا فائدة في كونه معها، إذ لا شك أن لها فائدة في كون المراهق
معها من الاستئناس به والعشرة معه زيادة على ما إذا كانت وحدها. وحينئذ فلا فرق بين
المراهق والبالغ في وجوب القسم كما هو صريح عبارة الخانية، وهو شامل لما بعد
الدخول وقبله، لأن سبب وجوبه عقد النكاح كما في البدائع، فإذا وجب عليه نفقتها
قبل الدخول وجب عليه القسم في البيتوتة معها ما لم ترض بالإقامة في بيت أهلها
لإصلاح شأنها، وإلا فهو ظالم لها. قوله: (ومجنونة لا تخاف) بضم التاء: أي لا يخاف
منها الزوج، بأن كانت لا تضرب ولا تؤذي، لأنها حينئذ تجب عليه نفقتها وسكناها،
وإلا فهي في حكم الناشزة. قوله: (يمكن وطؤها) عبر عنها في الخانية وغيرها
بالمراهقة. قال الخير الرملي في حاشية المنح: بخلاف ما لا يمكن وطؤها فإنه لا حق
لها، فاعلم ذلك ولا تغتّ بما في كثير من نسخ المنح: لا يمكن وطؤها، فإنه خطأ اهـ.
قوله: (ومحرمة) أي بحج أو عمرة أو بهما. قوله: (ومظاهر) بفتح الهاء، وقوله:
((ومولى)) بضم الميم وسكون الواو وفتح اللام منونة من الإيلاء، وقوله: ((منها)) تنازعه
كل من ((مظاهر ومولى)) ح. قوله: (ومقابلاتهن) أي مقابل ما ذكر من قوله: ((وحائض
الخ)» ط. قوله: (رجعية) منصوب على أنه صفة لمفعول مطلق محذوف: أي وكذا مطلقة
طلقة رجعية ح.
تنبيه: قال في النهر: ولم أر حكم المنكوحة إذا وطئت بشبهة وهي في العدة،
١
٣٨٣
كتاب النكاح / باب القسم
(ولو أقام عند واحدة شهراً في غير سفر ثم خاصمته الأخرى) في ذلك
(يؤمر بالعدل بينهما في المستقبل وهدر ما مضى وإن أثم به) لأن القسمة تكون
بعد الطلب (وإن عاد إلى الجور بعد نهي القاضي إياه عزّر) بغير حبس. جوهرة.
لتفويته الحق،
والمحبوسة بدين لا قدرة لها على وفائه والناشزة، والمسطور في كتب الشافعية أنه لا
قسم لها في الكل. وعندي أنه يجب للموطوءة بشبهة أخذاً من قولهم: إنه لمجرد
الإيناس ودفع الوحشة، وفي المحبوسة تردد. وأما الناشزة فلا ينبغي التردد في سقوطه
لها، لأنها بخروجها رضيت بإسقاط حقها اهـ.
واعترضه الحموي بأن الموطوءة بشبهة لا نفقة لها عليه في هذه العدة، ومعلوم
أن القسم عبارة عن التسوية في البيتوتة والنفقة والسكنى اهـ. زاد بعض الفضلاء أنه
يخاف من القسم لها الوقوع في الحرام، لأنها معتدة للغير، ويحرم عليه مسها وتقبيلها فلا
يجب لها، وكذا المحبوسة لأن في وجوبه عليه ضرراً به بدخوله الحبس. قوله: (ولو
أقام عند واحدة شهراً) أي قبل الخصومة أو بعدها. خانية. قوله: (في غير سفر) أما إذا
سافر بإحداهما ليس للأخرى أن تطلب منه أن يسكن عندها مثل التي سافر بها. ط عن
الهندية. قوله: (وهدر ما مضى) فليس لها أن تطلب أن يقيم عندها مثل ذلك. ط عن
الهندية .
والذي يقتضيه النظر أن يؤمر بالقضاء إذا طلبت لأنه حق آدمي وله قدرة على
إيفائه. فتح. وأجاب في النهر بما ذكره الشارح من التعليل. قال الرحمتي: ولأنه لا يزيد
على النفقة وهي تسقط بالمضيّ. قوله: (لأن القسمة تكون بعد الطلب) علة لقوله:
(هدر ما مضى)) وقدمنا عن البدائع أن سبب وجوب القسم عقد النكاح ولهذا يأثم بتركه
قبل الطلب، وهذا يؤيد بحث الفتح.
وقد يجاب بأن المعنى أن الإجبار على القسمة من القاضي يكون بعد الطلب، وإلا
لزم أنها لو طالبته بها ثم جار يلزمه القضاء، وهو مخالف لما قدمناه عن الخانية من قوله
قبل الخصومة أو بعدها، وكذا تعليل المسألة في البزازية وغيرها بأن القسم لا يصير ديناً
في الذمة فإنه يشمل ما بعد الطلب. قوله: (بعد نهي القاضي) أفاد أنه لا يعزّر بالمرة
الأولى، وبه صرح في البحر ط. قوله: (عزر بغير حبس) بل يوجعه عقوبة ويأمره
بالعدل، لأنه أساء الأدب وارتكب ما هو محرّم عليه وهو الجور. معراج. وهذا مستثنى
من قولهم: إن للقاضي الخيار في التعزير بين الضرب والحبس. بحر. قلت: ومثله ما
لو امتنع من الإنفاق على قريبه. قوله: (لتفويته الحق) الضمير للحبس. ويؤيده قول
٣٨٤
كتاب النكاح / باب القسم
وهذا إذا لم يقل إنما فعلت ذلك، لأن خيار الدور إليّ، فحينئذ يقضي القاضي
بقدره. نهر بحثاً (والبكر والثيب والجديدة والقديمة والمسلمة والكتابية سواء)
لإطلاق الآية.
(وللأمة والمكاتبة وأم الولد والمدبرة) والمبعضة (نصف ما للحرة) أي من
البيتوتة والسكنى معها، أما النفقة فبحالهما.
(ولا قسم في السفر) دفعاً للحرج
الجوهرة لأنه لا يستدرك الحق فيه بالحبس لأنه يفوت بمضيّ الزمان اهـ: أي لما مر أن
القسم للصحبة والمؤانسة، ولا شك أنه في مدة الحبس يفوتها ذلك، وكذا عللوا لعدم
الحبس بالامتناع من الإنفاق على قريبه، فافهم. قوله: (فحينئذ يقضي القاضي بقدره)
أي للتي خاصمت، ومفهومه أنه لو لم يقل ذلك يسقط ما مضى مع أن هذا بعد
المخاصمة والطلب، لما علمت من أن القسم لا يصير ديناً، وأطلق القدر مع أن فيه
كلاماً يأتي. قوله: (والبكر الخ) نص على الأوليين لأن فيهما خلاف الأئمة الثلاثة،
وعلى الأخيرة لدفع ما يتوهم من عدم مساواة الكتابية للمسلمة بسبب ارتفاعها عليها
بالإسلام. أفاده في النهر. ولعله لم يقتصر على قوله: ((والجديدة والقديمة)) ليشمل ما
لو كانت البكر والثيب جديدتين بأن تزوجهما معاً. تأمل. قوله: (لإطلاق الآية) أي قوله
تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء ١٢٩] أي في المحبة ﴿فَلاَ تَمِيلُوا﴾ في
القسم، قاله ابن عباس، وقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء ١٩] وغايته
القسم، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّ تَعْدِلُوا﴾ [النساء ٣] ولإطلاق أحاديث النهي،
ولأن القسم من حقوق النكاح، ولا تفاوت بينهما في ذلك. وأما ما روي من نحو
((لْبِكْرِ سَبْعٌ ولِلِّيبِ ثَلَاثٌ(١) فيحتمل أن المراد التفضيل في البداءة دون الزيادة،
فوجب تقدیم الدلیل القطعي کما في البحر. وفي شرح درر البحار أن الحدیث لا يدل
على نفي التسوية، بل على اختيار الدور بالسبع والثلاث جمعاً بينه وبين ما روينا. قوله:
(وللأمة الخ) أي إذا كان له زوجتان: أمة وحرّة، فللأمة النصف، وهذا إذا بوّأها السيد
منزلاً، ولم أر من ذكره وكأنه لظهوره. قوله: (أما النفقة) هي الأكل والشرب واللبس
والمسكن. قوله: (فيحالهما) أي إن كان كل من الزوج والزوجة غنيين فالواجب نفقة
الأغنياء، أو فقيرين فنفقة الفقراء، أو مختلفين فالوسط، وهذا هو المفتى به كما مر،
وقدمنا أن كلام المصنف والشارح محمول عليه، فافهم. قوله: (ولا قسم في السفر الخ)
لأنه لا يتيسر إلا بحملهن معه، وفي إلزامه ذلك من الضرر ما لا يخفى. نهر. ولأنه قد
(١) مسلم ١٠٨٣/٢ (١٤٦٠/٤٢).
٣٨٥
كتاب النكاح / باب القسم
(فله السفر بمن شاء منهن والقرعة أحب) تطييباً لقلوبهن.
(ولو تركت قسمها) بالكسر: أي نوبتها الضرّتها صح، ولها الرجوع في
ذلك) في المستقبل، لأنه ما وجب فما سقط، ولو جعلته لمعينة هل له جعله
لغيرها؟ ذكر الشافعي لا. وفي البحر بحثاً: نعم، ونازعه في النهر.
يثق بإحداهما في السفر وبالأخرى في الحضر، والقرار في المنزل لحفظ الأمتعة أو
لخوف الفتنة أو يمنع من سفر إحداهما كثرة سمنها فتعين من يخاف صحبتها في السفر
للسفر لخروج قرعتها إلزام للضرر الشديد، وهو مندفع بالنافي للحرج. فتح. وانظر ما
لو سافر بهن هل يقسم. قوله: (والقرعة أحب) وقال الشافعي مستحقة، لما رواه
الجماعة من «أنه# كان إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فمن خرج سهمها خرج بها معه)
قلنا: كان استحباباً لتطييب قلوبهن، لأن مطلق الفعل لا يقتضي الوجوب، مع أنه ﴾
لم يكن القسم واجباً عليه، وتمامه في الفتح والبحر. وهذا مع قوله قبله: فتعيين من
يخاف صحبتها الخ صريح في أن من خرجت قرعتها لا يلزمه السفر بها. قوله: (صح)
شمل ما لو كان بشرط رشوة منه أو منها وإن بطل الشرط كما أوضحه في الفتح، خلافاً
لما بحثه الباقاني، لأنه اعتياض عن حق لم يجب، ولذا لم يسقط حقها.
ولا يقال: إنه مثل أخذ العوض في النزول عن الوظائف، لأن من أجازه بناه
على العرف ولا عرف هنا، فتدبر. نعم ذكر بعض الشافعية أنه يستنبط من هذه المسألة
ومن خلع الأجنبي عن مال جواز النزول عن الوظائف بالدراهم، وأنه أفتى به شيخ
الإسلام زكريا من الشافعية، والشيخ نور الدين الدميري من المالكية، والشيشي من
الحنابلة .
قلت: واضطرب فيه رأي المتأخرين من الحنفية، وأفتى الخير الرملي بعدمه،
وسيأتي تمام الكلام عليه إن شاء الله تعالى في الوقف. قوله: (لأنه) أي حقها، وهو
القسم ما وجب: أي لم يجب بعد، فما سقط أي فلم يسقط بإسقاطها ح. قوله: (وفي
البحر بحثاً نعم) حيث قال: ولعل المشايخ إنما لم يعتبروا هذا التفصيل، لأن هذه
الهبة إنما هي إسقاط عنه، فكان الحق له سواء وهبت له أو لصاحبتها، فله أن يجعل
حصة الواهبة لمن شاءح. قوله: (ونازعه في النهر) حيث قال: أقول كون الحق له
فيما إذا وهبت لصاحبتها ممنوع. ففي البدائع في توجيه المسألة بأنه حق يثبت لها، فلها
أن تستوفي ولها أن تترك اهح.
أقول: وقد نقل المحقق ابن الهمام ما ذكره الشافعية وأقرّه، غير أنه قال: وفرّعوا
إذا كانت ليلة الواهبة تلي ليلة الموهوبة قسم لها ليلتين متواليتين، وإن كانت لا تليها
٣٨٦
كتاب النكاح / باب القسم
(ويقيم عند كل واحدة منهن يوماً وليلة) لكن إنما تلزمه التسوية في الليل، حتى
لو جاء للأولى بعد الغروب،وللثانية بعد العشاء فقد ترك القسم، ولا يجامعها في غير
نوبتها، وكذا لا يدخل عليها إلا لعيادتها ولو اشتد. ففي الجوهرة: لا بأس أن تقيم
عندها حتى تشفى أو تموت انتهى: يعني إذا لم يكن عندها من يؤنسها.
ولو مرض هو في بيته دعا كلّاً في نوبتها، لأنه لو كان صحيحاً وأراد ذلك ينبغي
أن يقبل منه. نهر (وإن شاء ثلاثاً) أي ثلاثة أيام ولياليها (ولا يقيم عند إحداهما أكثر إلا
بإذن الأخرى) خاصة
فهل له نقلها فيوالي لها ليلتين؟ على قولين للشافعية والحنابلة، والأظهر عندي أن
ليس له ذلك إلا برضا التي تليها في النوبة، لأنها قد تتضرر بذلك اهـ. فما استظهره
المحقق يقتضي ترجيح ما في النهر بالأولى. قوله: (لكن الخ) قال في الفتح: لا نعلم
خلافاً في أن العدل الواجب في البيتوتة والتأنيس في اليوم والليلة، وليس المراد أن
يضبط زمان النهار، فبقدر ما عاشر فيه إحداهما يعاشر الأخرى، بل ذلك في البيتوتة،
وأما النهار ففي الجملة اهـ: يعني لو مكث عند واحدة أكثر النهار كفاه أن يمكث عند
الثانية ولو أقل منه، بخلافه في الليل. نهر. قوله: (ولا يجامعها في غير نوبتها) أي ولو
نهاراً ط. قوله: (يعني إذا لم يكن الخ) هذا التقييد لصاحب النهر بحثاً وهو ظاهر،
وأطلقه في الشرنبلالية ط. قوله: (ولو مرض هو في بيته) هذا إذا كان له بيت ليس فيه
واحدة منهن، وإلا فإن لم يقدر على التحول إلى بيت الأخرى يقيم بعد الصحة عند
الأخرى بقدر ما أقام عند الأولى مريضاً كما قدمناه عن البحر. قوله: (ولا يقيم عند
إحداهما أكثر الخ) لم يبين ما لو أقام أكثر من ثلاثة أيام، هل يهدر الزائد أو يقيم عند
الأخرى بقدر ما أقام عند الأولى ثم يقسم بينهما ثلاثة وثلاثة أو يوماً ويوماً؟ والظاهر
الثاني، لأن هدر ما مضى فيما إذا أقام عند إحداهما لا على سبيل القسم كما تقدم،
وهنا في الإقامة على سبيل القسم فلا يهدر شيء، ويؤيده ما في الخانية من أنه لو أقام
عند الجديدة ثلاثة أيام أو سبعة أيام يقيم عند الأولى كذلك اهـ. لكن ظاهره أن له أن
يجعل الدور مستمراً ثلاثة أو سبعة، وهذا مخالف لما ذكره المصنف؛ ويؤيده ما قدمناه
عن شرح درر البحار في التوفيق بين الأدلة: أن الحديث يدل على اختيار الدور بالسبع
أو الثلاث. تأمل. وعن هذا نقل القهستاني عن الخانية والسراجية وغيرهما أن له أن
يقيم عند امرأته ثلاثة أو سبعة وعند أخرى كذلك اهـ. والذي في الخانية هو ما ذكرناه.
وفي كافي الحاكم الشهيد: يكون عند كل واحدة منهما يوماً وليلة، وإن شاء أن يجعل
لكل واحدة منهما ثلاثة أيام فعل. وروري عن الأشعث عن الحكم عن رسول الله مثلهذه
٣٨٧
كتاب النكاح / باب القسم
زاد في الخانية (والرأي في البداءة) في القسم (إليه) وكذا في مقدار الدور. هداية
وتبيين. وقيده في الفتح بحثاً بمدة الإيلاء أو جمعة، وبعممه في البحر، ونظر فيه في
النهر. قال المصنف: وظاهر بحثهما أنهما لم يطلعا على ما في الخلاصة من التقييد
بالثلاثة أيام كما عوّلنا عليه في المختصر، والله أعلم.
فروع: لو كان عمله ليلاً كالحارس ذكر الشافعية أنه يقسم نهاراً، وهو حسن،
أنه قال لأم سلمة حين دخل بها ((إِنْ شِئْتِ سَبْعَةٌ لَكِ، وَسَبْعَةٌ لَهُنَّ)(١)(٢) اهـ. ومقتضى
روايته الحديث أن له التسبيع، بل في غاية البيان إن شاء ثلث لكل واحدة، وإن شاء
سبع إلى غير ذلك. قوله: (زاد في الخانية) يوهم أن عبارة الخانية صريحة في الحصر
كعبارة الخلاصة، وليس كذلك، فإن الذي فيها عليه أن يسوّي بينهما فيكون عند كل
واحدة منهما يوماً وليلة أو ثلاثة أيام ولياليها، والرأي في البداية إليه اهـ. فالظاهر أن
هذا بيان للأفضل لا لنفي الزيادة بقرينة عبارته المارة. تأمل. قوله: (وقيده في الفتح)
أي قيد كلام الهداية المذكور، حيث قال: اعلم أن هذا الإطلاق لا يمكن اعتباره على
صراحته، لأنه لو أراد أن يدور سنة سنة ما يظن إطلاق ذلك، بل ينبغي أن يطلق له
مقدار مدة الإيلاء وهو أربعة أشهر، وإذا كان وجوبه للتأنس ورفع الوحشة وجب أن
تعتبر المدة القريبة، وأظن أن أكثر من جمعة مضارة إلا أن يرضيا اهـ. فقوله: ((وأظن
الخ)) إضراب إيطالي عن مدة الإيلاء، فيناسب أن تكون ((أو)) في قول الشارح ((أو جمعة))
بمعنى ((بل)) كما في قول الشاعر:
* كانوا ثمانين أو زادوا ثمانية *
ح. قوله: (وعممه في البحر) حيث قال: والظاهر الإطلاق، لأنه لا مضارة حيث
كان على وجه القسم لأنها مطمئنة بمجيء نوبتها. قوله: (ونظر فيه في النهر) حيث
قال: في نفي المضارة مطلقاً نظر لا يخفى اهـ.
قلت: وأيضاً فإن الاطمئنان بمجيء النوبة منتف مع طول المدة كسنة مثلاً
لاحتمال موته أو موتها مع ما فيه من تفويت المعنى الذي شرع القسم لأجله وهو
الاستئناس. قوله: (وظاهر بحثهما) أي صاحب الفتح والبحر كما في المنح ح. قوله:
(من التقييد بالثلاثة أيام) قد علمت ما ينافي هذا التقييد. قوله: (وهو حسن) كذا قاله
(١) أخرجه مسلم ٢/ ١٨٠٣ (١٤٦٠/٤٣) وأحمد ٣٨/٦، ٢٩٢ والطحاوي في معاني الآثار ٢٨/٣ وعبد الرزاق
١٠٦٤٤، وابن سعد ٨/ ٦٥ وابن أبي شيبة ٤/ ٢٧٧ والبيهقي ٧/ ٣٠٠.
(٢) في ط (قوله سبعة لك وسبعة لهن) كذا بالنسخة المقابلة على خط المؤلف بالتاء المربوطة، والذي في سائر
روايات مسلم ((سبعت)) في الموضعين بالتاء المجرورة.
٣٨٨
كتاب النكاح / باب الرضاع
وحقه عليها أن تطيعه في كل مباح يأمرها به، وله منعها من الغزل ومن كل ما يتأذى
من رائحته، بل ومن الحناء والنقش إن تأذى برائحته. نهر. وتمامه فيما علقته على
الملتقى.
بَابُ الرضَاعِ(١)
في النهر. قوله: (في كل مباح) ظاهره أنه عند الأمر به منه يكون واجباً عليها كأمز
السلطان الرعية به ط. قوله: (ومن أكل ما يتأذى به) أي برائحته كثوم وبصل. ويؤخذ
منه أنه لو تأذى من رائحة الدخان المشهور له منعها من شربه. قوله: (بل ومن الحناء)
ذكره في الفتح بحثاً أخذاً مما قبله. قوله: (وتمامه فيما علقته على الملتقى) وعبارته عن
(١) اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى أن يخلق الإنسان من ماء والديه ففي بطن أمه تراصت عظام جسمه
والتحمت أعصابه وتمت أعضاؤه من رأسه إلى قدمه وبعد الانفصال من أمه فما وزاد وصار اللبن جزءاً منه
بغذائه به فقويت عظامه واشتدت أعصابه، وتمكن كل منهما على القيام بالحركة، ولولا هذا الغذاء لتهدمت
أركانه ووقفت دقات قلبه وهبطت أنفاسه فهذا اللبن هو الغذاء الوحيد والسبب في قوته وهو الغذاء الذي لا
يصلح غيره للإنسان فهذا هو ابن النسب أما ابن الرضاع فلم يتحقق عنده ولم ينل من أمه رضاعاً إلا اللبن
فقط، ومعلوم أن اللبن منفصل من جسم المرأة فهو جزء منها أحسنت به إلى الرضيع لينمو ويقوى على
الحركة فتستحق من أن يقابل هذا الإحسان بإحسان مثله لا بالإيذاء والإضرار بها، والنزاع والشقاق اللذان قد
يكونان بين الزوجين والنكاح إذلال للمرأة لا يصح أن يكون لمن صار جزءاً منها برضاعه كيف يجوز نكاحها
وهي تشفق عليه دائماً وتخاف عليه ويظهر ذلك فيما وقع للرسول # مع مرضعته السيدة حليمة حينما
سمعت بشق صدره 18 فردته إلى أمه مخافة أن يصيبه سوء والرضيع يحن إلى أمه من الرضاع فيصيح إذا
غابت عنه، وقد سمى الله سبحانه وتعالى المرضعة أمّاً، وقد أوصى بها في كثير من كتابه فحرم نكاحها منعاً
لإيذائها ولما كان الرضاع لم يتحقق به لولد الرضاع سوى النمو فقط لم تثبت له جميع أحكام ولد النسب
ومعلوم أنه خلق من ماء والديه. [بحر البسيط].
فَإِنَّكَ الْمَرْءُ تَرْجُوهُ وَنَنتَظِرُ
آَمْنْ عَلَيْنَا رَسُولَ اللهِ فِي حَرَم
إِذْ قُوكَ يملَؤُهُ مِنْ مَخْضِهَا الدُّرَرُ
امنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ كُنْتَ تُوْضِعُهَا
بِمَا أَرْجَعَ النَّاسِ حِلْمَاً حِينَ يُخْتَبُرُ
إِنْ لَمْ تَتَلَرَكْنَا نِعْمَاكَ نَفْهُوْنَا
إِنَّا لَتَشْكُرُ آلاَءَ وَإِنْ كُفِرَتْ وَعِنْدَنَا بَعْدَ هَذَا أَلَيَزْمِ مُدْخَرُ
فقال النبي ۶﴾ («أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ فقالوا خيرتنا بين أموالنا وأحسابنا بل ترد علينا
أبناءنا ونساءنا فقال #ے «ما كان لي ولبني هاشم فهو لكم)) فحفظ # حرمة الرضاع وأکرمهم لأجله وجرى
على ما عهده العرب من غير إثبات لحرمة النسب ولا حكم بتحريم النكاح ولا بالمحرمية (حتى أتى الكتاب
بذلك) حتى أنزل الله في شأن الرضاع ما أنزل.
وأيضاً فقد روى أبو الطفيل أنه قال رأيت رسول الله # يقسم لحماً بالجعرانة إذ أقبلت امرأة فدنت إليه
فبسط لها ﴿ رداءه فجلست عليه فقلت من هذه؟ قالوا أمه التي أرضعته. فدل هذا الخبر على أن المرضعة
تکون أمًّا.
وروى محمد بن إسحاق أن الشما بنت الحارث بن عبد العزی کانت في سبي هوازن وهي أخت
رسول الله﴾ من الرضاعة فجيء بها حتى انتهت إلى رسول الله # وهي تقول أنا أخت رسول الله آ# من
الرضاعة فعرفها رسول الله﴿ وبسط لها رداءه وأجلسها عليه وخيرها بين المقام عنده مكرمة أو الرجوع إلى
قومها ممتعة فاختارت أن يمتعها وترجع إلى قومها ففعل.
٣٨٩
كتاب النكاح / باب الرضاع
(هو) لغة
الخانية معزياً للمنتقى: لو كان له امرأة وسراري أمر بيوم وليلة من أربع عندها، وفي
البواقي عند من شاء منهن، وكذا لو كان له ثلاث نسوة أمر بيوم وليلة عند كل منهن،
ويقيم في يوم وليلة عند من شاء من السراري؛ ولو له أربعة أقام عند كل يوماً وليلة ولم
یکن عند السراري إلا وقفة المار.
ويكره للرجل أن يطأ امرأته وعندها صبيّ يعقل أو أعمى أو ضرّتها أو أمتها أو
أمته اهـ. ثم قال: ولا يجمع بين الضرائر إلا بالرضا، ولو قالت لا أسكن مع أمتك ليس
لها ذلك، ولو أقام عند الأمة يوماً، فعتقت یقیم عند الحرة یوماً، وکذلك العکس اهـ:
أي لو أقام عند الحرة يوماً فعتقت زوجته الأمة يتحوّل إلى المعتقة، ولا يكمل للحرة
يومين تنزيلاً للحرية انتهاء منزلتها ابتداء كما في المعراج.
أقول: وما نقله أولًا عن المنتقى مبني على رواية الحسن المرجوع عنها كما تقدم
من أن للحرة يوماً وليلة من كل أربع، هكذا خطر لي. ثم رأيت الشرنبلالي صرح به
في رسالته [تجدد المسرات بالقسم بين الزوجات] وقال: ولم أر من نبه على ذلك.
ومبنى الرسالة على سؤال في رجل له زوجتان وجوار: يقسم للزوجين ثم يبيت
عند جواريه ما شاء ثم يرجع إلى زوجتيه ويقسم لهما. أجاب بالجواز أخذاً من قول ابن
الهمام: اللازم أنه إذا بات عند واحدة ليلة يبيت عند الأخرى كذلك، لا أنه يجب أن
يبيت عند واحدة منهما دائماً، فإنه لو ترك المبيت عند الكل بعض الليالي وانفرد لم
يمنع من ذلك اهـ: يعني بعد تمام دورهن، وسواء انفرد بنفسه أو كان مع جواريه اهـ
فافهم، والله سبحانه أعلم.
بَابُ الْرِضَاعٍ(١)
لما كان من المقصود من النكاح الولد وهو لا يعيش غالباً في ابتداء إنشائه إلا
= لقد كان لحرمة الرضاع في الجاهلية حق مرعي حكى محمد بن إسحاق أنه لما سبيت هوازن قبيلة
السيدة حليمة السعدية مرضعة الرسول # وغنمت أموالهم بحنين قدمت وفودهم على رسول الله وَلا فقام
فيهم زهير بن صُرَد فقال يا رسول الله : . ((إنما في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كن
أرضعنك ويكفلنك ولو أملجنا («أرضعنا)) الحارث بن أبي شمر أو النعمان بن المنذر ثم نزل منا بمثل ما
نزلت به رجونا عطفه وتأييده وعائدته وأنت خير المكفولين ثم أنشد:
بخلاف ولد الرضاع فولد النسب أصل وولد الرضاع فرع، والفرع لم تثبت له جميع أحكام الأصل لأنه لا
يساويه وأما الأخوات فهن كنفس المرء فكيف يهين المرء نفسه وأما العمات فهن بمنزلة الآباء واجب وأما
الخالات فهن بمنزلة الأمهات وبنت الأخ وبنات الأخت بمنزلة أولاد المرء فلا يليق إهانتهن كما لا يليق
إهانة بناته.
(١) يؤثر الرضاع في النكاح يعني في حرمته عند استيفاء شروطه ابتداءً ودواماً حتى لو طرأ على النكاح أبطله، =
٣٩٠
كتاب النكاح / باب الرضاع
بفتح وكسر: مص الثدي. وشرعاً(١):
بالرضاع وكان له أحكام تتعلق به وهي من آثار النكاح المتأخرة عنه بمدة وجب تأخيره
إلى آخر أحكامه، ثم قيل: كتاب الرضاع ليس من تصنيف محمد، إنما عمله بعض
أصحابه ونسبه إليه ليروجه، ولذا لم يذكره الحاكم أبو الفضل في مختصره المسمى
بالكافي مع التزامه إيراد كلام محمد في جميع كتبه محذوفة التعاليل وعامتهم على أنه من
أوائل مصنفاته، وإنما لم يذكره الحاكم اكتفاء بما أورده من ذلك في كتاب النكاح.
فتح. قوله: (بفتح وكسر) ولم يذكروا الضم مع جوازه لأنه بمعنى أن ترضع معه آخر
كما في القاموس. وفيه أن فعله جاء من باب علم في لغة تهامة: وهي ما فوق نجد،
ومن باب ضرب في لغة نجد؛ وجاء من باب كرم. نهر. زاد في المصباح لغة أخرى
من باب فتح مصدره رضاعاً ورضاعة بالفتح. قوله: (مص الثدي) قال في المصباح:
الثدي للمرأة، ويقال في الرجل أيضاً: قال ابن السكيت: يذكر ويؤنث اهـ. وهذا
التعريف قاصر لأنه في اللغة يعم المص ولو من بهيمة، فالأولى ما في القاموس: هو
= وفي ثبوت المحرمية، فيبيح النظر والخلوة وعدم نقض الوضوء باللمس، ويؤثر في إيجاب نصف مهر
المثل للزوج على الكبرى فيما لو أرضعت الصغرى كما أن للصغرى عليه نصف مهرها اعتباراً لما يجب له
بما يجب عليه وإن كان مقتضى إتلاف كل البضع وجوب كل المهر. ويؤثر أيضاً في سقوط المهر فيما لو
ارتضعت الصغيرة من نائمة أو مستيقظة ساكتة فيسقط مهرها؛ لأن الانفساخ حصل بسببها قبل الدخول، ولا
يؤثر في باقي الأحكام من إرث ونفقة وعتق بملك فيما لو ملك أحدهما الآخر، وسقوط القصاص، ورد
الشهادة فتقبل شهادة أحدهما على الآخر لضعفه عن النسب.
(١) الرضاع لغة: الرَّضاع، والرِّضاعِ، مَصُ الثَّذي، بفتح الراء وكسرها، مصدر: رضَع الصبيُّ النَّديّ بكسر
الضاد وفتحها، حكاهما ابن الأعرابي، وقال: الكسر أفصح، وأبو عبيد في ((المصنف)) ويعقوب في
((الإصلاح)) يرضّعٍ، ويرضِع بالفتح مع الكسر، والكسر مع الفتحِ رَضْعاً، كفلْسٍ، ورَضَعاً، كَفَرِسٍ،
ورَضَاعاً، ورِضاعاً ورَضاعة ورِضّاعة، ورَضيعاً، بفتح الراء وكسر الضَّاد، حكى السبعة ابن سيده والفراء في
المصادر، وغيرهما. قال المطرز في ((شرحه) امرأةٌ مُرضِع: إذا كانت تُرضع ولدها ساعة بعد ساعة، وامرأة
مُرضِعة: إذا كان ثديها في فَم ولدها. قال ثعلب: فَمِنْ هاهنا جاء القرآن: ﴿تَذْهَلُ كُلِّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا
أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: ٢]. ونقل الجرمي عن الفراء: المُرْضَعةُ، الأم، والمُرضِع: التي معها صبي ترضعه.
والولد: رضيع، ورَاضع، ورَضع، ومُرضِع: إذا أرضعته أمه.
انظر لسان العرب ١٦٦٠/٣، المصباح المنير: ٣١٢/١، المطلع: ٣٥٠.
واصطلاحاً:
عرفه الحنفية بأنه: مص لبن آدمية في وقت مخصوص.
وغرفه الشافعية بأنه: اسم لحصول لبن امرأة أو ما حصل منه في معدة طفل أو دماغه.
وعرفه المالكية بأنه: وصول لبن المرأة وإن كانت ميتة أو صغيرة لم تطق لجوف رضيع وإن بسعوط أو
حقنة تغذي أو خلط بغيره إلا أن يغلب عليه من الحولين أو بزيادة شهرين إلا أن يستغني ولو فيهما.
عرفه الحنابلة بأنه: مص لبن من له دون حولين لبناً أو شربه كالسعوط ثاب من حمل من ثدي امرأة.
انظر: تبيين الحقائق: ١٨١/٢، اللباب: ٣١، الشرح الصغير: ٣٢٧، كشف القناع: ٤٤٢/٥.
٣٩١
كتاب النكاح / باب الرضاع
(مص من ثدي آدمية) ولو بكراً أو ميتة
لغة شرب اللبن من الضرع والثدي(١) ط. قوله: (آدمية) خرج بها الرجل والبهيمة.
(١) استدل العلماء على تحريم الرضاع بأدلة ثلاثة أولها من الكتاب، وثانيها من السنة، وثالثها الإجماع.
أما الدليل الأول فهو قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات
الأخ وبنات الأخت أمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾ فهذه الآية صريحة في أن المحرم من
النسب سبعة أصناف، وهم الأم والبنت، والأخت، والعمة والخالة، وبنات الأخ، وبنات الأخت، وأن
المحرم بسبب الرضاع اثنان، وهما الأم، والأخت، وليس المراد تحريم ذواتهن بل تحريم نكاحهن، وما
يقصد به من التمتع بهن؛ لأن الذوات لا تحرم بل التحريم للأفعال، وهذا من قبيل دلالة الاقتضاء كقوله
تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ أي أكلها، ومن هذا علم أن للرضاع مدخلاً في التحريم كالنسب وما قال
الكرخي من أن الآية مجملة، وليست صالحة للاستدلال؛ لأنه وإن كان ليس المقصود تحريم الذوات بل
الأفعال إلا أن الأفعال كثيرة، وليس أحدهما أولى من الآخر فمدفوع، وذلك لأننا لا نسلم أن الآية مجملة
تدل على تحريم جميع الأفعال بل هي تدل على تحريم النكاح؛ لأنه قد توقف على تقديره صدق الكلام،
فوجب، والدليل على صحة هذا التقدير فهمه من الآية السابقة وهي قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح
آباؤكم من النساء إلّ ما قد سلف﴾ ولأن كل ما ورد من مثل ذلك يحمل على المقصود منه عرفاً كما حمل
قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ على الأكل، والدم على تناوله، وكما حمل حديث: ((لا يحل لامرئ
دم المسلم إلا بثلاث)، على إراقته، هذا ثم بعد أن بين الله المحرمات بالنسب عطف عليهن المحرمات
بالرضاع، وهن سبع أيضاً نظير المحرمات بالنَّسَبِ إلا أن الله سبحانه وتعالى اقتصر منهن على الأم
والأخت، وهما يدلان على البغية، وذلك لأن المحرمات بالنسب قسمان قسم بالولادة، والآخر بالأخوة أما
الأول فتحته الأم والبنت، وأما الآخر فخمسة أصناف، وهي الأخت، والخالة، والعمة وينت الأخ، وبنت
الأخت، فاقتصر من الأول على الأم، وهي تدل على البنت، وحيث حرمت الأم بالوالدية فلتحرم البنت
بالمولودية، واقتصر من الصنف الثاني على الأخت؛ لأنها عنوان باقيه إذ العمة أخت الأب، والخالة أخت
الأم، وبنات الأخت وبنات الأخ فروع الإخوة والآية وإن لم تكن نصاً إلا في الأم والأخت، إلا أن
النبي * بين المراد منها بقوله: ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)).
وأما الدليل الثاني الذي هو من السنة هو ما رواه البخاري عن النبي غير قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثني
مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة بنت عبد الرحمن أن عائشة زوج النبي # أخبرتها أن رسول الله الو
كان عندها، وأنها سمعت صوت رجل يستأذن في بيت حفصة قالت. فقلت: يا رسول الله هذا رجل
يستأذن في بيتك، فقال النبي #: أراه فلاناً لعم حفصة من الرضاعة قالت عائشة: لو كان فلاناً حياً لعمها
من الرضاعة دخل علي؟ فقال نعم الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة، ((وروى البخاري أيضاً قال: حدثنا
الحكم بن نافع أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير أن زينب بنت أبي سلمة أخبرته أن
أم حبيبة بنت أبي سفيان أخبرتها أنها قالت يا رسول الله انكح أختي بنت أبي سفيان، فقال أتحبين ذلك،
فقلت نعم لست لك بمخلية، وأحب من شاركني في خير أختي، فقال النبي #: إن ذلك لا يحل لي،
قلت: فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة قال بنت أم سلمة؟ قلت: نعم فقال: لو أنها لم تكن
ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها لابنة أخي من الرضاعة أرضعتني وأبا سلمة تُوَيبة، فلا تعرضن علي
بناتکن ولا أخواتکن.
وثالثاً ما روي عن مسلم- رضي الله تعالى عنه - أنه قال: أخبرنا ابن عيينة قال: سمعت ابن جدعان قال:
سمعت ابن المُسيَّب يحدث عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال: يا رسول الله هل لك في بنت
عمك بنت حمزة، فإنها أجمل فتاة في قريش، فقال: أما علمت أن حمزة أخي من الرضاعة، وأن الله حرم من
الرضاعة ما حرم من النسب؟))، فهذه الأحاديث الثلاثة دالة على أن الرضاع يحرم من النساء ما =
٣٩٢
كتاب النكاح / باب الرضاع
أو آيسة، وألحق بالمص الوجور والسعوط
بحر. قوله: (أو آيسة) ذكره في النهر أخذاً من إطلاقهم قال: وهو حادثة الفتوى. قوله:
(وألحق بالمص الخ) تعريض بالرد على صاحب البحر حيث قال: التعريف منقوض
طرداً، إذ قد يوجد المص ولا رضاع إن لم يصل إلى الجوف وعكساً، إذ قد يوجد
الرضاع ولا مص كما في الوجور والسعوط. ثم أجاب بأن المراد بالمص الوصول إلى
الجوف من المنفذين، وخصه لأنه سبب للوصول فأطلق السبب وأراد المسبب.
واعترضه في النهر بأن المص يستلزم الوصول إلى الجوف لما في القاموس:
مصصته شربته شرباً رقيقاً، وجعل الوجور والسعوط ملحقين بالمص(١) ح. وفي
= حرم بالنسب، وذلك؛ لأن الحديث الأول فيه دلالة صريحة في آخره على أن الرضاعة تحرم ما تحرمه
الولادة، والمراد بها النسب، والحديث الثاني يفيد أن بنت أبي سلمة حرّم نكاحها عليه السلام لسببين
الأول، لأنها ربيبته في حجره. والثاني لكونها بنت أخيه من الرضاع فلو فقدت أحد السببين حرمت
بالآخر، والحديث الثالث صريح في أن كل ما حرم بالنسب يحرم بالرضاع حيث قال النبي # لعلي عند
عرضه عليه نكاح بنت عمه حمزة يحرم من الرضاع ما يحرم بالنسب وأما الإجماع فهو أن الأمة قد تواترت على
أن الرضاع يحرم ما حرم النسب.
(١) الإسعاط هو صب اللبن في الأنف ليصل إلى الدماغ فصبه في الأذن والعين لا يقال له إسعاط.
والإيجار صب اللبن في الحلق ليصل إلى المعدة، وقد اختلف في التحريم بهما على أقوال ثلاثة:
فقال إمامنا الشافعي - رضي الله تعالى عنه . بالتحريم بالإيجار جزماً، وبالإسعاط على المذهب، ولا يخفى أن
التعبير بلفظ المذهب يشعر بالخلاف، وهناك طريقة أخرى تقطع بالتحريم أيضاً في الإسعاط.
وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: يجرم الإيجار دون الإسعاط، وقال عطاء وداود الظاهري بعدم التحريم
ـهما.
واستدل إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه - بقوله: # ((الرضاعة من المجاعة)) وقوله: ((الرضاع ما أنبت
اللحم وأنشز العظم)) علم من هذين الحديثين أن الحكمة في تحريم الرضاع هي تغذية الجسم، ولا شك أنها
موجودة في كل من الإيجار والإسعاط، فيتعلق بهما التحريم لذلك، قيل: إن قوله # لسهلة بنت سهيل
((أرضعيه خمساً يحرم بهن عليك)) دليل التحريم بالإيجار؛ لأنه # لم يرد بقوله: ((أرضعيه)) الإرضاع من الثدي
لأنها أجنبية عنه، وإنما أراد الصب في الحلق، وهو معنى الإيجار. وقيل أيضاً إن قوله {5 # ((بالغ في
الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) دليل على التحريم بالإسعاط لقياس التحريم بالإسعاط على الإفطار، ورد
بأنه قياس مع الفارق لاعتبار التغذية، ويبعد أن تكون بالإسعاط، وفيه ما تقدم.
استدل أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه بقوله : ((الرضاعة من المجاعة))، والإيجار يسد المجاعة بخلاف
الإسعاط. ورُدّ بأنه لا فرق في التغذية بين المعدة والدماغ، فإن الأدمان إذا وصلت للدماغ انتشرت في
العروق وغذتها كما تقدم.
والقياس على الحقنة قياس مع الفارق على القول بعدم التحريم بالحقن لوجود التغذية بالإسعاط دون
الحقنة، وأما على القول بالتحريم بها ففي أن الحقنة على هذا إنما ثبت بها التحريم قياساً على الإفطار بها،
وحينئذ يقال: إن الإسعاط يحصل به الإفطار فلِمَّ فرقت بينهما وقلت إن الإيجار يحرم دون الإسعاط؟. استدل
داود ومن وافقه بظاهر قوله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾ لتبادره في إرضاع الأم، ورد بأن المراد
نسبة الإرضاع إلى الأم لما تقدم من المعنى في الإرضاع، وهو صيرورة اللبن جزءاً من الرضيع، وهذا
المعنى متحقق في كل من الإيجار والإسعاط، وليس المراد الإرضاع بالفعل من الثدي.
٣٩٣
كتاب النكاح / باب الرضاع
(في وقت مخصوص) هو (حولان ونصف عنده وحولان) فقط (عندهما وهو
المصباح: الوجور بفتح الواو الدواء يصبّ في الحلق، وأوجرت المريض إيجاراً فعلت
به ذلك، ووجرته أجره من باب وعد لغة. والسعوط: كرسول دواء يصب في الأنف،
والسعوط كقعود مصدر، وأسعطته الدواء يتعدى إلى مفعولين. قوله: (في وقت
مخصوص) قد يقال: إنه لا حاجة إليه للاستغناء عنه بالرضيع، وذلك أنه بعد المدة لا
يسمى رضيعاً، نص عليه في العناية. نهر. وفيه نظر. والذي في العناية أن الكبير لا
يسمى رضيعاً، ذكره رداً على من سوى في التحريم بين الكبير والصغير(١). قوله: (عن
(١) اختلف الفقهاء في رضاع الكبير هل هو محرم أم لا؟ ذهب إلى الأول أم المؤمنين عائشة، وبه قال
الأوزاعي، وداود الظاهري، وذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والفقهاء إلى الثاني استدل المثبوت
للتحریم برضاع الكبير بما رواه الإمام الشافعي في مسنده قال حدثني مالك عن ابن شهاب أنه سئل عن
رضاعة الكبير فقال أخبرني عروة بن الزبير أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وكان من أصحاب النبي آ#
قد کان شهد بدراً، وکان قد تبنی سالماً الذي يقال له سالم مولى أبي حذيفة کما تبنی رسول الله ټ زيد
ابن حارثة، وأنكح أبو حذيفة سالماً، وهو يرى أنه ابنه، فأنكحه بنت أخيه فاطمة بنت الوليد بن عتبة
ابن ربيعة وهي يومئذ من المهاجرات الأول، وهي يومئذ أفضل أيامى قريش، فلما أنزل الله في زيد
ابن حارثة ما أنزل فقال: ﴿ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين
ومواليكم﴾ رد كل واحد من أولئك متبناه إلى أبيه فإن لم يُعلم أباه رده إلى الموالي فجاءت سهلة بنت
سهيل وهي امرأة أبي حذيفة وهي من بني عامر بن لؤي إلى رسول الله غير فقالت: يا رسول الله كنا نرى
سالماً ولداً، وكان يدخل علي، وأنا فُضْل وليس لنا إلا بيت واحد فقال النبي وغير فيما بلغنا «أرضعيه خمس
رضعات)) فيحرم بلبنها وكانت تراه ابناً من الرضاعة، فأخذت بذلك عائشة فيما كانت تحب أن يدخل عليها
من الرجال فكانت تأمر أختها أم كلثوم وبنات أختها يرضعن من أحبت أن يدخل عليها من الرجال والنساء
وأبى سائر أزواج رسول الله ﴿ أن يدخل عليهن بتلك الرضاعة أحد من الناس وقلن ما نرى الذي أمر
به* سهلة بنت سهيل إلا رخصة في سالم وحده من رسول الله * لا يدخل علينا بهذه الرضاعة أحد.
فقول النبي لسهلة أرضعيه خمس رضعات فيحرم الخ دليل على أن رضاعة الكبير تحرم، ودليل النافين هو
الكتاب والسنة أما دليل الكتاب فقوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ جعل الله عز
وجل تمام الرضاع حولين كاملين، وما حد الشرع بهذه الغاية إلا لأن الحكم يتغير بتغيرها لوجود حكمة هي
مفقودة بعد تمام تلك المدة، وأما السنة فأحاديث كثيرة منها ما رواه الدارقطني والبيهقي عن النبي ◌َّو قال:
((لا رضاع إلا ما كان في الحولين)) أي لا تحريم بالرضاع إلّ ما كان في الحولين، ففيه قصر الرضاع المحرم
على ما كان في الحولين فما بعدهما غير محرم، وما رواه الترمذي أن النبي قال: ((لا رضاع إلا ما فتق
الأمعاء، وكان قبل الحولين))، وأيضاً ما روي عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال: قال
رسول الله 8: ((لا رضاع إلا ما كان في الحولين)) كل هذه الأحاديث تدل على أن رضاع الكبير غير محرم
بمفهومها، ورضاع ما كان في الحولين محرم بمنطوقها وأجابوا عن حديث سالم المتقدم بأنه خاص بسالم،
فلا يتعدى حكمه إلى غيره يدل لذلك قول أم المؤمنين أم سلمة لعائشة رضي الله عنها: لا ندري هذا إلا
خاصاً بسالم، ولا ندري لعله رخصة لسالم، وبأنه منسوخ كما أجاب أصحاب المذهب الأول عن دليل
أصحاب المذهب الثاني، وهو الآية والأحاديث بأن ذلك وارد لبيان الرضاعة الموجبة للنفقة للمرضعة كما
يرشد إليه آخر الآية، وهو قوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾، ودفعوا ما ورد
على حديث سالم المستدلين به بأنه ليس منسوخاً؛ لأنه متأخر عن نزول آية الحولين؛ لأن سهلة قالت
لرسول الله#: كيف أرضعه وهو رجل كبير؟ فهذا القول يدل على استنكار رضاع الكبير بعد =
٣٩٤
كتاب النكاح / باب الرضاع
الأصح) فتح، وبه يفتى كما في تصحيح القدوري عن العون،
العون) كذا في عامة النسخ، وفي بعضها ((عن العيون)) بالياء بين العين والواو، وهو اسم
= اعتقاد التحريم المستفاد من الآية كما أنهم أجابوا عن حديث ((إنما الرضاعة من المجاعة)) بأن الراوية
لهذا الحديث هي عائشة، وهي القائلة بتحريم رضاع الكبير ففهما من الحديث هو ما قلناه سابقاً من أن
المراد بيان الرضاعة الموجبة للنفقة، ودفعوا دعوى الخصوصية المستشهد عليها بالقول الذي قالت أم سلمة
لعائشة: لا ندري بأن لا خصوصية، وقول أم سلمة لا ندري يفيد الظن، وقد أجابتها عائشة بقولها: أما لك
في رسول الله أسوة حسنة؟ فسكتت أم سلمة، ويأنه لو كان خاصاً لبينه # كما بين اختصاص أبي بردة
بالتضحية بالجذعة من المعز، وأجاب أصحاب المذهب الثاني عن قول أصحاب المذهب الأول، وهو أن
الآية والأحاديث لبيان النفقة إلى آخره بأن ذلك لا يمنع من أن المراد منها أيضاً بيان زمن الرضاعة الذي
جعله الله زمان من أراد تمامها وليس بعد التمام ما يدخل في حكم ما حكم الشارع به قبله، وعن قولهم:
لو كان خاصاً لبينه إلى آخره بأن البيان إنما يكون فيما لو فهم العموم كما وقع في اختصاص أبي بردة
بالتضحية، فإن النبي سئل هل تجوز الأضحية بالجذعة من المعز فبين بأن هذا خاص بأبي بردة فقط، وعن
قولهم بأن حديث سالم ليس منسوخاً بأنه لو سلمنا بأنه غير منسوخ لكن العمل به مظنون، ولا يجوز مع
القطع، وهو الآية؛ لأن دلالتها وإن كانت ظنية لكن تقويها اللغة: لأن الرضاعة لغة إنما تصدق على ما كان
في سن الصغر، وعلى اللغة ورد القرآن، وحديث: ((إنما الرضاعة من المجاعة))، وأيضاً فقد خالف أم
المؤمنين بقية أزواج الرسول، ولم يقل بالتحريم منهن غيرها ثم القول بالخصوصية في حديث سالم فيه
جمع بينه وبين ما ذكر من الأحاديث والآية، والقول بعدمه فيه تعارض، فكان القول بالخصوصية أولى،
وأيضاً فإن اعتبار رواية عائشة للحديث واجب، واعتبار رأيها ليس واجباً لجواز غفلتها، وقد جمع ابن تيمية
بين هذه الأحاديث بقوله: يعتبر الصغر في الرضاعة إلا إذا دعت الحاجة إلى ضرورته في الكبر كرضاع
الكبير الذي لا يستغنى عن دخوله على المرأة وشق احتجابها عنه كحال سالم مع امرأة أبي حذيفة وهو وإن
كان جمعاً حسناً إلا أنه مخالف للفقهاء، وقد يكون عند سالم ما لم يكن عند غيره حتى أن النبي ﴾ أجاز
السالم ما لم يجزه لغيره كحكمة يعلمها النبي # خفيت علينا (اختلف الفقهاء في تحديد زمن الرضاع على
أربعة مذاهب) الأول لإمامنا الشافعي أن زمنه محدود بحولين أي أربعة وعشرين شهراً، فلا تحريم برضاع
وجد بعدها ولو بلحظة، وهو قول أبي يوسف ومحمد ومذهب مالك في إحدی روایتیه، وعمر وابنه،
وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة، وأزواج رسول الله # سوى عائشة.
المذهب الثاني للإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان أنه محدود بحولين ونصف أي بثلاثين شهراً.
المذهب الثالث رواية مالك الثانية أنه محدود بحولين وشهر، وفي رواية عنه وشهرين أي بخمس أو ستة
وعشرين شهراً أما المذهب الرابع وهو لزفر بن الهزيل أنه محدود بثلاث سنين أي بستة وثلاثين شهراً، استدل
إمامنا الشافعي ومن وافقه بالكتاب والسنة أما الكتاب فقوله عز وجل: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين
كاملين﴾ قال رضي الله عنه في كتابه المسمى بالأم جعل الله عز وجل تمام الرضاع حولين كاملين، وقال
بعد ذلك: (فإن أرادا فصالاً عن تراض)) أي والله أعلم وكان ذلك قبل تمامهما فكان الفطام رخصة منه
تعالى للمولود من الوالدين حيث رأيا أن فصاله قبل تمام الحولين خير للرضيع من إتمامها لعلة به أو
بمرضعته مثلاً لا يمكن معها الرضاع وما جعل الله لغاية يكون الحكم بعد مضي هذه الغاية مخالفاً لما قبلها
لأن الحكمة التي كانت للحكم الأول فقدت وجاءت حكمة أخرى فليكن هناك حكم آخر معلل بتلك
الحكمة كما في القصر والأقراء وأما السنة فهو ما رواه، الدارقطني والبيهقي عن النبي وإ قال: ((لا رضاع
إلا ما كان في الحولين) وما حسنه الترمذي عن جابر عن النبي # قال لا رضاع إلّ ما فتق الأمعاء وكان قبل
الحولين ففيه قصر الرضاعة المحرمة على ما كان في الحولين وذلك يدل على سلب التحريم به بعدهما وما
رواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن جابر عن النبي # قال لا رضاع بعد فصال ولا يتم بعد =
٣٩٥
كتاب النكاح / باب الرضاع
لكن في الجوهرة أنه في الحولين ونصف، ولو بعد الفطام محرّم، وعليه الفتوى.
واستدلوا لقول الإمام بقوله تعالى: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهراً﴾ أي مدة كل
منهما ثلاثون
كتاب أيضاً، وهو الذي رأيته في النهر، وفي تصحيح القدوري أيضاً، فافهم. قوله:
(لكن الخ) استدراك على قوله: ((وبه يفتى)) وحاصله أنهما قولان، أفتى بكل منهما ط.
قوله: (أي مدة كل منهما ثلاثون) تقدير المضاف ليس لصحة الحمل، لأن الإخبار
بالزمان عن المعنى صحيح بلا تقدیر فافهم، بل لبيان حاصل المعنى.
قال في الفتح: ووجهه أنه سبحانه ذکر شیئین وضرب لهما مدة، فكانت لکل
واحدة منهما بكمالها كالأجل المضروب لدينين على شخصين، بأن قال: أجلت الدين
= احتلام وجه الاستدلال بهذا الحديث أن النبي #1 نفى الرضاع المحرم بعد الفصال والفصال يكون في
عامين لقوله تعالى وفصاله في عامين، وأما دليل الإمام أبي حنيفة، فهو قوله تعالى: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون
شهراً﴾ قال رضي الله عنه: معنى هذه الآية المراد بالحمل على الأكف لا الحمل في الأحشاء؛ لأنه يكون
في سنتين أما الحمل على الأكف هو عبارة عن مدة الرضاع، وهي ثلاثون شهراً ويجاب بأن في هذا حملاً
للآية على غير ظاهرها؛ لأن قوله تعالى: ﴿وفصاله﴾ معطوف على قوله: ﴿وحمله﴾، والعطف يقتضي
المغايرة، فالحمل والفصال يكونان في هذه المدة للحمل منها ستة أشهر، وللفصال منها ما يبقى وهو
عامين دليل ذلك أنه قال في آية أخرى: ﴿وفصاله في عامين﴾ فهذه الآي مبنية لمدة الفصال، فإذا أخذت
من الثلاثين بقيت أقل مدة الحمل، ويشهد لذلك ما رواه محمد بن إسحاق عن معمر بن عبد الله الجهني
قال: تزوج رجل منا امرأة من جهينة فولدت لتمام ستة أشهر، فانطلق زوجها، إلى عثمان فذكر ذلك له
فبعث إليها، فلما قامت لتلبس ثيابها بكت أختها، فقالت: ما يبكيك فوالله ما التبس بي أحد من خلق الله
غيره فيقضي الله فيّ ما يشاء، فلما أتى بها عثمان أمر برجمها فبلغ ذلك علياً، فأتاه فقال: ما تصنع؟ قال:
ولدت تماماً لستة أشهر، وهل يكون ذلك؟ فقال له علي: أما تقرأ القرآن؟ فقال: بلى قال أما سمعت الله
تعالى يقول: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهراً﴾، وقال: ﴿وفصاله في عامين﴾ فلم تجد قد بقي إلا ستة أشهر،
فقال عثمان: والله ما فطنت لهذا، عليّ بالمرأة، قال: ((فوجدوها قد فرغ منها)) وقد فهم عبد الله بن عباس
ذلك أيضاً عن عمر رضي الله عنه أنه جيء بامرأة وضعت لستة أشهر، فشاور في رجمها فقال ابن عباس: إن
خاصتكم بكتاب الله خاصتكم ثم ذكر هاتين الآيتين، ثم إن فهم الإمام مخالف لفهم أجلاء الصحابة، واستدل
زفر بن الهزيل على ما ذهب إليه بقوله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾ قال إن الآية مطلقة وغير
مقيدة، ويقول النبي # ((الرضاعة من المجاعة)) وهذا الحديث مطلق غير مقيد، والثلاث سنين سن يعتد
فيها بالرضاع، فوجب أن تحمل الآية والحديث عليها؛ لأنها تقييد لهما، ويجاب عن هذا بأن الآية والحديث
ليسا مطلقين بل مقيدان بالأحاديث الدالة على التحريم بما كان في الحولين والتقييد بالثلاث سنين لا دليل
عليه، واستدل مالك - رضي الله عنه - على روايتين الثانية بما استدل به زفر، والجواب عنه هو الجواب عن
دليل زفر، ثم لا فرق في التحريم بين أن يستغني الرضيع بالطعام عن اللبن أم لا خلافاً للإمام مالك حيث
قال: لا يثبت التحريم إلا إذا كان الرضيع غير مستغن بالطعام عن اللبن، وسندنا في التعميم اعتبار الحولين
فقط في التحريم المستفاد من القرآن دون نظر إلى شيءٍ آخر ولأن تعليق التحريم على الحولين أولى من
تعليقه على الاستغناء؛ لأن طريق الأول النص، وطريق الثاني الاجتهاد، والذي طريقه النص أولى مما طريقه
الاجتهاد.
٣٩٦
كتاب النكاح / باب الرضاع
غير أن النقص في الأول قام بقول عائشة: لا يبقى الولد أكثر من سنتين، ومثله لا
يعرف إلا سماعاً، والآية مؤولة لتوزيعهم الأجل على الأقل والأكثر، فلم تكن
دلالتها قطعية، على أن الواجب على المقلد العمل بقول المجتهد وإن لم يظهر دليله
كما أفاده في رسم المفتي، لكن في آخر الحاوي: فإن خالفا: قيل يخير المفتي،
الذي على فلان والدين الذي على فلان سنة، يفهم منه أن السنة بكمالها لكل. قوله:
(غير أن النقص) أي عن الثلاثين في الأول: يعني في مدة الحمل أي أكثر مدته قام:
أي تحقق وثبت. قوله: (لا يبقى الولد الخ) الذي في الفتح: الولد لا يبقى في بطن أمه
أكثر من سنتين ولو بقدر فلكة مغزل، وفي رواية: ولو بقدر ظل مغزل، وسنخرجه في
موضعه اهـ. وفلكة المغزل كتمرة معروفة. مصباح، وهو على تقدير مضاف، وقد جاء
صريحاً في شرح الإرشاد: ولو بدور فلكة مغزل؛ والغرض تقليل المدة. مغرب. قوله:
(ومثله لا يعرف إلا سماعاً) لأن المقدرات لا يهتدي العقل إليها. فتح: أي فهو في
حكم المرفوع المسموع من النبي وَله. قوله: (والآية مؤولة) أي قابلة للتأويل بمعنى
آخر، فلم تكن قطعية الدلالة على المعنى الأول فجاز تخصيصها بخبر الواحد. قوله:
(لتوزيعهم) أي العلماء كالصاحبين وغيرهما الأجل: أي ثلاثون شهراً على الأقل: أي
أقل مدة الحمل وهو ستة أشهر، والأكثر: أي أكثر مدة الرضاع وهو سنتان، فالثلاثون
بيان لمجموع المدتين لا لكل واحدة. قوله: (على أن الخ) ترق في الجواب. وفيه
إشارة إلى ما أورده في الفتح على دليل الإمام المارّ من أنه يستلزم كون لفظ ثلاثين
مستعملًا في إطلاق واحد في مدلول ثلاثين وفي أربعة وعشرين، وهو الجمع بين
الحقيقة والمجاز بلفظ واحد، ومن أن أسماء العدد لا يتجوّز بشيء منها في الآخر نص
عليه كثير من المحققين؛ لأنها بمنزلة الأعلام على مسمياتها اهـ.
وأجاب الرحمتي بأن حمله وفصاله مبتدآن، وثلاثون خبر عن أحدهما: أي الثاني
وحذف خبر الآخر، فأحد الخبرين مستعمل في حقيقته والآخر في مجازه فلا جمع في
لفظ واحد. وعن الثاني بأنه أطلق أشهر في قوله تعالى: ﴿الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾
[البقرة ١٩٧] على شهرين وبعض الثالث اهـ.
قلت: وفيه أن الشهر ليس من أسماء العدد، فالمناسب الجواب بما قاله
الجمهور من أن عشرة إلا اثنين أريد به ثمانیة کما أشار إليه في الفتح، لكن هذا خاص
بالاستثناء والكلام ليس فيه. قوله: (كما أفاده في رسم المفتي) المفيد لذلك الإمام
قاضيخان في فصل رسم المفتي من أول فتاواه بطريق الإشارة لا بصريح العبارة. قوله:
(لكن الخ) استدراك على قوله: ((الواجب على المقلد الخ)) فإنه يفيد وجوب اتباعه
سواء وافقه صاحباه أو خالفاه، وهو قول عبد الله بن المبارك. قوله: (قيل يخير المفتي)
2
٣٩٧
كتاب النكاح / باب الرضاع
والأصح أن العبرة لقوة الدليل، ثم الخلاف في التحريم، أما لزوم أجر الرضاع
للمطلقة فمقدّر بحولين بالإجماع (ويثبت التحريم) في المدة فقط ولو (بعد الفطام
والاستغناء بالطعام على) ظاهر (المذهب) وعليه الفتوى. فتح وغيره. قال في
المصنف كالبحر: فما في الزيلعي خلاف المعتمد، لأن الفتوى متى اختلفت رجح
ظاهر الرواية (ولم يبح الإرضاع بعد مدته) لأنه جزء آدمي والانتفاع به لغير ضرورة
حرام على الصحيح. شرح الوهبانية.
وفي البحر: لا يجوز التداوي
أي وقيل لا يخير مطلقاً كما علمت، فهذا قول ثان. قال في السراجية: والأول أصح
إن لم يكن المفتي مجتهداً، ومفاده اختيار القول الثاني: أي التخيير إن كان مجتهداً، ولا
يخفى أن تخيير المجتهد إنما هو في النظر في الدليل، وهذا معنى قول الحاوي:
والأصح أن العبرة لقوة الدليل، لأن قوة الدليل لا تظهر لغير المجتهد في المذهب.
تأمل. وتمام تحرير هذه المسألة في شرح أرجوزتي في رسم المفتي. قوله: (والأصح
أن العبرة لقوة الدليل) قال في البحر: ولا يخفى قوة دليلهما، فإن قوله تعالى:
﴿وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ [البقرة ٢٣٣] الآية، يدل على أنه لا رضاع بعد التمام، وأما
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضِ مِنْهُمَا﴾ [البقرة ٢٣٣] فإنما هو قبل الحولين
بدليل تقييده بالتراضي والتشاور، وبعدهما لا يحتاج إليهما. وأما استدلال صاحب
الهداية للإمام بقوله تعالى: ﴿وَحملُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُوَنَ شَهْراً﴾ [الأحقاف ١٥] بناء على أن
المدة لكل منهما كما مر، فقد رجع إلى الحق في باب ثبوت النسب من أن الثلاثين
لهما للحمل ستة أشهر والعامان للفصال اهـ. قوله: (أما لزوم أجر الرضاع الخ) وكذا
وجوب الإرضاع على الأم ديانة. نهر عن المجتبى. قوله: (في المدة فقط) أما بعدها
فإنه لا يوجب التحريم. بحر. قوله: (فما في الزيلعي) أي من قوله: وذكر الخصاف
أنه إن فطم قبل مضيّ المدة واستغنى بالطعام لم يكن رضاعاً، وإن لم يستغن تثبت به
الحرمة، وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله وعليه الفتوى. قوله: (لأن الفتوى الخ)
ولأن الأكثرين على الأول كما في النهر. قوله: (ولم يبح الإرضاع بعد مدته) اقتصر
عليه الزيلعي، وهو الصحيح كما في شرح المنظومة. بحر. لكن في القهستاني عن
المحيط: لو استغنى في حولين حل الإرضاع بعدهما إلى نصف، ولا تأثم عند العامة
خلافاً لخلف بن يعقوب اهـ. ونقل أيضاً قبله عن إجارة القاعديّ أنه واجب إلى
الاستغناء، ومستحب إلى حولين، وجائز إلى حولين ونصف اهـ.
قلت: قد يوفق بحمل المدة في كلام المصنف على حولين بقرينة أن الزيلعي
ذكره بعدها، وحينئذ فلا يخالف قول العامة. تأمل. قوله: (وفي البحر) عبارته: وعلى
٣٩٨
كتاب النكاح / باب الرضاع
بالمحرم في ظاهر المذهب، أصله بول المأكول كما مر.
(وللأب إجبار أمته على فطام ولدها منه قبل الحولين إن لم يضرّه) أي الولد
(الفطام، كما له) أيضاً (إجبارها) أي أمته (على الإرضاع، وليس له ذلك) يعني
الإجبار بنوعيه (مع زوجته الحرة) ولو (قبلهما) لأن حق التربية لها. جوهرة
(ویثبت به)
هذا: أي الفرع المذكور لا يجوز الانتفاع به للتداوي. قال في الفتح: وأهل الطب يثبتون
للبن البنت: أي الذي نزل بسبب بنت مرضعة نفعاً لوجع العين. واختلف المشايخ فيه:
قيل لا يجوز، وقيل يجوز إذا علم أنه يزول به الرمد. ولا يخفى أن حقيقة العلم متعذرة،
فالمراد إذا غلب على الظن وإلا فهو معنى المنع اهـ. ولا يخفى أن التداوي بالمحرم لا
يجوز في ظاهر المذهب، أصله بول ما يؤكل لحمه فإنه لا يشرب أصلاً اهـ. قوله:
(بالمحرم) أي المحرم استعماله طاهراً كان أو نجساً ح. قوله: (كما مر) أي قبيل فصل
البئر حيث قال: فرع: اختلف في التداوي بالمحرم وظاهر المذهب المنع كما في
إرضاع البحر، لكن نقل المصنف ثمة وهنا عن الحاوي: وقيل يرخص إذا علم فيه
الشفاء ويعلم دواء آخر كما خص الخمر للعطشان، وعليه الفتوى اهـح.
قلت: لفظ ((وعليه الفتوى)) رأيته في نسختين من المنح بعد القول الثاني كما
ذكره الشارح كما علمته، وكذا رأيته في الحاوي القدسي، فعلم أن ما في نسخة ط
تحريف، فافهم. قوله: (وللأب إجبار أمته الخ) لأنها لا حق لها في التربية في حال
رقمها، بل الحق له لأنها ملكه، وكذا الحكم في ولدها من غيره لأنه ملك له. رحمتي.
قلت: والظاهر أن للمولى إجبارها أيضاً، وإن شرط الزوج حرية الأولاد، لأن
الرضاع يهزلها ويشغلها عن خدمته. قوله: (على الإرضاع) الإطلاق شامل لولده منها أو
.من غيرها، ولولد أجنبي بأجرة أو بدونها، لأن له استخدامها بما أراد. قوله: (بنوعيه)
أي الإجبار على الفطام وعلى الإرضاع. قوله: (مع زوجته الحرة) أما زوجته الأمة
فالحق لسيدها وإن شرط الزوج حرية الأولاد فيما يظهر كما ذكرناه آنفاً، فافهم. قوله:
(ولو قبلهما) أي قبل الحولين، وهذا التعميم المستفاد من زيادة ((لو)) صحيح بالنسبة إلى
عدم الإجبار على الرضاع: أي ليس له إجبارها عليه في القضاء ما لم تتعين لذلك في
المدة بأن لم يأخذ ثدي غيرها أو لم يكن للأب لا للصغير مال كما سيأتي في الحضانة
والنفقة؛ أما بالنسبة إلى النوع الآخر وهو عدم الإجبار على الفطام فإنما يصح قبل
الحولين، وأما بعدهما فالظاهر أنه يجبرها على الفطام، لما أن الإرضاع بعدهما حرام
على القول بأن مدته الحولان. تأمل ح بزيادة.
قلت: وما استظهره مبني على ظاهر كلام المصنف السابق، وقدمنا الكلام فيه.
٣٩٩
كتاب النكاح / باب الرضاع
ولو بين الحربيين. بزازية (وإن قل) إن علم وصوله لجوفه من فمه أو أنفه
قوله: (ولو بين الحربيين) قال في البحر وفي البزازية: والرضاع في دار الإسلام ودار
الحرب سواء، حتى إذا وضع في دار الحرب وأسلموا وخرجوا إلى دارنا تثبت أحكام
الرضاع فيما بينهم اهـح. قوله: (وإن قل) أشار به إلى نفي قول الشافعي وإحدى
الروايتين عن أحمد أنه لا يثبت التحريم إلا بخمس رضعات مشبعات، لحديث مسلم
(لَتُحرِّمُ المَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ(١)) وقول عائشة رضي الله عنها: ((كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ
عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخَ(٢) بِخَمْسٍ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ نُجُرِّمْنَ، فَتُوُنِّي
رَسُولُ اللهِ﴿ وَهَي فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ القُرآنِ)) رواه مسلم (٣).
والجواب أن التقدير منسوخ صرح بنسخه ابن عباس وابن مسعود. وروي عن ابن
عمر أنه قيل له: إن ابن الزبير يقول لا بأس بالرضعة والرضعتين، فقال: قضاء الله خير من
قضائه. قال تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللاِّي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء ٢٣]
فهذا إما أن يكون ردّ للرواية بنسخها أو لعدم صحتها أو لعدم إجازته تقييد إطلاق الكتاب
بخبر الواحد، وهذا معنى قوله في الهداية: إنه مردود بالكتاب أو منسوخ به.
وأما ما روته عائشة فالمراد به نسخ الكل نسخاً قريباً، حتى أن من لم يبلغه كان
يقرؤها، وإلا لزم ضياع بعض القرآن كما تقوله الروافض، وما قيل ليكره نسخ التلاوة
مع بقاء الحكم فليس بشيء، لأن دعاء بقاء حكمه بعد نسخه يحتاج إلى دليل، وتمام
ذلك مبسوط في الفتح والتبيين وغيرهما(٤).
(١) أخرجه مسلم ٢/ ١٠٧٣ (١٧ / ١٤٥٠).
(٢) في ط (قوله ثم نسخ الخ) الذي في صحيح مسلم (ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله ټ وهن
الخ)).
(٣) أخرجه مسلم ١٠٧٥/٢ (٢٤/ ١٤٥٢).
(٤) اختلف الفقهاء في القدر المثبت للرضاع فمذهب إمامنا الشافعي أنه لا يثبت التحريم إلا بخمس رضعات
متفرقات وهو مذهب ابن مسعود وعائشة وعبد الله بن الزبير وعطاء وطاوس وسعيد بن جبير وعروة
والليث بن سعد وأحمد في ظاهر مذهبه وإسحاق وابن حزم وجماعة من أهل العلم،، وروي هذا المذهب عن
علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر والثوري، ومذهب الجمهور أن الرضاع الواصل إلى الجوف
يقتضي التحريم وإن قل، وقد حكاه صاحب البحر عن علي وابن عباس وابن عمر وهو مذهب أبي حنيفة
وأصحابه ومالك وزيد بن أوس. المذهب الثالث أن التحريم يثبت بثلاث رضعات وهو لداود الظاهري وبه
قال من الصحابة زيد بن ثابت ومن الفقهاء أبو ثور.
دليل الشافعي ومن وافقه هو ما رواه الإمام مسلم رضي الله عنه قال حدثنا يحيى بن يحيى قال قرأت على
مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة قالت كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات
يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله # وهن فيما يقرأ من القرآن وذكر هذا الحديث أبو
داود والنسائي والترمذي وابن ماجة وذكره إمامنا الشافعي في مسنده فقال أخبرنا سفيان عن يحيى بن سعيد
عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول نزل القرآن بعشر رضعات معلومات بحرمن ثم صيرن إلى =
٤٠٠
كتاب النكاح / باب الرضاع
= خمس فكان لا يدخل على عائشة إلا من استكمل خمس رضعات. معنى ذلك أن عائشة رضي الله عنها
كانت تقول إنه كان من بين آي القرآن الكريم آية عشر رضعات معلومات بحرمن ومعنى معلومات متحققات
وغير مشكوك فيها ومعنى ((يحرمن)): يوجبن الحرمة بين الرضيع وبين من وضع منها على الوجه الماضي في
بيان المحرمات ثم فسخت هذه الآية لفظاً ومعنى ونزل بعدها آية خمس معلومات واستمرت هذه الآية في
كتاب الله إلى قبيل وفاة رسول الله 18 ثم رفع لفظها وبقي حكمها يقرأ من القرآن بعد وفاة الرسول ومعنى
كون الحكم يقرأ أنه كان يذكر بعد وفاة رسول الله ويعمل به وقد اعترض هذا الحديث بعدة أوجه الوجه
الأول أنه لو كان من القرآن آية عشر رضعات إلى آخره ثم نسخت بآية خمس رضعات لكان هناك ما يدل
على نسخها لفظاً حتى يعلم الحكم منها مع أننا لم نجد ما يدل على ذلك.
الوجه الثاني أنه لو جاز نسخ آية بغير دليل لاحتج أعداء الدين بأن القرآن يتطرق إليه الاحتمال، وهذا يدل
على أنه محفوظ مع أن الله يقول: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾.
الوجه الثالث أنه لو كانت قرآنًا لكانت متواترة، وليس كذلك لأنها لم ترد إلَّ عن عائشة وهذه الأوجه
مدفوعة بأنه لا يلزم من نسخ الآية الثانية ذكر آية تدل على النسخ؛ لأن الحديث الذي ذكرته عائشة كاف في
ثبوت الحكم وهو كافٍ في الدلالة على النسخ، وعن قولهم إنه لو جاز نسخ آية إلى آخره بأن هذا مسلم إذا
لم يكن هناك ما يدل على النسخ، وقد قلنا إن حديث عائشة دال عليه واعترض على هذا بأن ذلك يجوّز
نسخ القرآن بخبر الواحد والقرآن قطعي، وخبر الواحد ظني ولا يجوز نسخ القطعي بالظني.
قلنا: لا نسلم أنه مقطوع بقرآنيته لأن القائل بذلك هي السيدة عائشة، فهو ظني فجاز نسخه بالظني.
واعترض على هذا بأن القرآن شرطه التواتر وما لم يتواتر ليس بقرآن.
أجيب بأن التواتر ليس بشرط؛ لأن الأئمة عملت بقراءة الآحاد في آيات كثيرة منها قراءة ابن مسعود فصيام
ثلاثة أيام متتابعات.
ومنها قراءة أبي: وله أخ أو أخت من أم، وقد وقع الإجماع على قرآنيته وعن قولهم لو جاز نسخه لأدى
إلى عدم حفظه إلى آخره بأنه محفوظ في الصدور لأن الحفظ ليس بالمصحف فقط بل وفي الصدور وقد
حفظ في صدور الصحابة ومن بعدهم جيلاً بعد جيل حتى وصل إلينا ويعمل به إلى الآن الدليل الثاني أن
أبا حذيفة تبنى سالماً وهو مولى لامرأة من الأنصار كما تبنى النبي 8# زيداً وكان من تبنى رجلاً في
الجاهلية دعاه الناس ابنه وورث ميراثه حتى أنزل الله عز وجل: ﴿ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم
تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين وموالیکم﴾ فردوا إلى آبائهم فمن لم يعلم له أب فمولى وأخ في الدين
فجاءت سهلة فقالت يا رسول الله كنا نرى سالماً ولداً يأوي معي ومع أبي حذيفة ويراني فضلى وقد أنزل
الله عز وجل فيهم ما قد علمت فقال: ((أرضعيه خمس رضعات فكان بمنزلة ولده من الرضاعة)).
رواه مالك وأحمد، ويدل هذا الحديث على أن الرضاع لا يحرم إلا إذا كان عدده خمساً فلو كان المحرم أقل
من الخمس لما قيده النبي صلى الله عليه وسلم بالخمس وإلا كان تقيده بالخمس لا فائدة فيه.
واعترض على هذا الدليل بأنه وارد في جواز رضاعة الكبير وهو منسوخ أو خاص بسالم فلا يجوز
الاستدلال به؛ لأن النسخ ببطل العمل به، والخصوصية لا يقاس عليها غيرها.
ويجاب بأن هذا الحدیث اشتمل علی حکمین حکم رضاع سالم، وهو کبیر.
والثاني أن یکون الرضاع خمساً فنسخ تحریم رضاع الكبير وبقي حکم العدد ونسخ الأول لا يلزم منه نسخ
الثاني وقد قال الأصوليون: نسخ أحد الحكمين لا يوجب نسخ الآخر دليل ذلك قوله تعالى: ﴿واللائي
يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن
الموت أو يجعل الله لهن سبيلاً﴾ اشتملت هذه الآية على حكمين أحدهما بيان عدد من تثبت به الشهادة على
الزنا، والآخر وجوب حبس من زنت حتى تموت في البيت، وقد استمر الحكم الأول ونسخ الحكم
الثاني، وخصوصية الحديث إنما كانت في رضاع الكبير.
وأما العدد فلا خصوصية فيه لأن حالة سهلة كانت تقتضي الترخيص بالأقل كما قد رخص لها في رضاع =