النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
كتاب النكاح / باب نكاح الكافر
لأن الطلاق لا يكون من النساء.
(وإياء المميز وأحد أبوي المجنون طلاق) في الأصح، وهو من أغرب
المسائل حيث يقع الطلاق من صغير ومجنون. زيلعي. وفيه نظر، إذ الطلاق من
القاضي وهو عليهما لا منهما فليسا بأهل للإيقاع بل للوقوع،
أقول: ما في الفتح صريح في الأول، حيث قال: إذا أسلم أحد الزوجين الذميين
وفّق بينهما بإباء الآخر فإنه يقع عليها طلاقه وإن كانت هي الآبية مع أن الفرقة فسخ،
وبه ينتقض ما قيل إذا أسلم أحد الزوجين لم يقع عليها طلاقه اهـ. نعم ظاهر ما في
المحيط يفيد أنه خاص بما إذا كان هو الآبي وهو قوله: كما لو وقعت الفرقة بالخلع
الخ، لأنها فرقة من جانبه فتكون طلاقاً، ومعتدة الطلاق يقع عليها الطلاق، أما لو كانت
هي الآبية تكون الفرقة فسخاً والفسخ رفع للعقد فلا يقع الطلاق في عدته. نعم في
البحر أول كتاب الطلاق أنه لايقع في عدة الفسخ إلا في ارتداد أحدهما وتفريق القاضي
بإياء أحدهما عن الإسلام.
وفي البزازية: وإذا أسلم أحد الزوجين لايقع على الآخر طلاقه، لكن قال الخير
الرملي: إن هذا في طلاق أهل الحرب: أي فيما لو هاجر أحدهما إلينا مسلماً، لأنه لا
عدة عليها.
قلت: إن هذا الحمل ممكن في عبارة البزازية دون عبارة طلاق البحر، فليتأمل.
وسيأتي تمام الكلام على ذلك آخر باب الكنايات. قوله: (لأن الطلاق لا يكون من
النساء) بل الذي يكون من المرأة عند القدرة على الفرقة شرعاً هو الفسخ؛ فينوب
القاضي منابها فيما تملكه. قوله: (وإياء المميز) أي تفرق القاضي بسبب الإباء، وإلا
فالإباء ليس بطلاق ح. قوله: (وأحد أبوي المجنون) أي إذا لم يوجد إلا أحدهما أباً أو
أماً، أما لو وجدا فلا بد من إباء كل منهما؛ لأنه لو أسلم أحدهما تبعه كما مر. قوله:
(طلاق في الأصح) يشير إلى أنه في غير الأصح يكون فسخاً. أبو السعود.
مَطْلَبٌ: الصَّبِيُّ وَالْمَجنونُ لَيْسَا بِأَهْلِ لإِيْقَاعِ طَلَاقٍ بَلْ لِلْوُقوعِ
قوله: (فليسا بأهل للإيقاع) أي إيقاع الطلاق منهما، بل هما أهل للوقوع: أي
حكم الشرع بوقوعه علیهما عند وجود موجبه.
وفي شرح التحرير قال صاحب الكشف وغيره: المراد من عدم شرعية الطلاق أو
العتاق في حق الصغير عدمها عند عدم الحاجة، فأما عند تحققها فمشروع. قال شمس
الأئمة السرخسي: زعم بعض مشايخنا أن هذا الحكم غير مشروع أصلاً في حق الصبيّ،
حتى أن امرأته لا تكون محلاً للطلاق، هذا وهم عندي، فإن الطلاق يملك بملك

٣٦٢
كتاب النكاح / باب نكاح الكافر
کما لو ورث قريبه.
ولو قال: إن جننت فأنت طالق فجنّ لم يقع، بخلاف إن دخلت الدار
فدخلها مجنوناً وقع.
(ولو أسلم أحدهما) أي أحد المجوسيين أو امرأة الكتابي (ثمة) أي في دار
النكاح، إذ لا ضرر في إثبات أصل الملك بل الضرر في الإيقاع، حتى إذا تحققت
الحاجة إلى صحة إيقاع الطلاق من جهته لدفع الضرر كان صحيحاً، فإذا أسلمت زوجته
وأبى فرق بينهما وكان طلاقاً عند أبي حنيفة ومحمد، وإذا ارتدّ والعياذ بالله تعالى وقعت
البينونة وكان طلاقاً في قول محمد. وإذا وجدته مجبوباً فخاصمته فرّق بينهما وكان طلاقاً
عند بعض المشايخ اهـ.
قلت: وحاصله أنه كالبالغ في وقوع الطلاق منه بهذه الأسباب، إلا أنه لا يصحّ
إيقاعه منه ابتداء للضرر عليه ومثله المجنون، وبه ظهر أنه لا حاجة إلى أنه إيقاع من
القاضي، لأن تفريق القاضي هنا كتفريقه بإباء البالغ عن الإسلام، وهو طلاق منه بطريق
النيابة، فكذا في الصبيّ والمجنون، لكن لما كان المشهور أنه لا يقع طلاقهما: أي
ابتداء وكان وقوعه منهما بعارض غريباً، قال الزيلعي وغيره: إنه من أغرب المسائل،
فافهم. قوله: (كما لو ورث قريبه) أي الرحم المحرم منه كأن ورث أباه المملوك لأخيه
من أم مثلاً فإنه يعتق عليه؛ وكما لو تزوج مملوكة أبيه فورثها منه انفسخ النكاح. قوله:
(لم يقع) لأنه علقه على ما ينافي وقوعه منه، فإن الجزاء وهو أنت طالق لا ينعقد سبباً
للطلاق إلا عند وجود الشرط فلا بد من كون الشرط صالحاً له، فهو كقوله: إن متّ
فأنت طالق، كذا ظهر لي. قوله: (وقع) لما صرحوا به من أن الأهلية إنما تعتبر وقت
التعليق لا وقت وجود الشرط، وليس الشرط هنا وهو دخول الدار منافياً لانعقاد الجزاء
سبباً للطلاق، بخلاف المسألة الأولى.
والحاصل أنه لابد في صحة التعليق من وجود الأهلية وقته وعدم منافاة الشرط
المعلق عليه للجزاء المعلق وهنا وجد كل منهما، بخلاف الأولى فإنه وجدت فيها
الأهلية وقت التعليق وفقد الآخر وهو عدم المنافاة، هذا ماظهر لي. قوله: (ولو أسلم
أحدهما ثمة) هذا مقابل قوله فيما مر «قوله أسلم أحد الزوجين المجوسيين أو امرأة
الكتابي الخ)) فإنه مفروض فيما إذا اجتمعا في دار الإسلام كما قدمناه، ولذا قال في
البحر هنا: أطلق في إسلام أحدهما في دار الحرب فشمل ما إذا كان الآخر في دار
الإسلام أو في دار الحرب أقام الآخر فيها أو خرج إلى دار الإسلام.
فحاصله أنه ما لم يجتمعا في دار الإسلام فإنه لا يعرض الإسلام على المصرّ،
سواء خرج المسلم أو الآخر لأنه لا يقضي لغائب ولا على غائب، كذا في

٣٦٣
كتاب النكاح / باب نكاح الكافر
الحرب وملحق بها كالبحر الملح (لم تبن حتى تحيض ثلاثاً) أو تمضي ثلاثة أشهر
(قبل إسلام الآخر) إقامة لشرط الفرقة مقام السبب، وليست بعدة لدخول غير
المدخول بها.
(ولو أسلم زوج الكتابية) ولو مآلاً كما مر (فهي له، و) المرأة (تبين بتباين
الدارين)
المحيط اهـ. قوله: (کالبحر الملح) قال في النھر: وينبغي أن یکون ما لیس بدار حرب
ولا. إسلام ملحقاً بدار الحرب كالبحر الملح، لأنه لاقهر لأحد عليه، فإذا أسلم أحدهما
وهو راكبه توقفت البينونة على مضي ثلاث حيض أخذاً من تعليلهم بتعذر العرض لعدم
الولاية اهـ. وهل حكم البحر الملح في غير هذه حكم دار الحرب، حتى لو خرج إليه
الذمي صار حربياً وانتقض عهده. وإذا خرج إليه الحربيّ وعاد قبل الوصول إلى داره
ينقض أمانه ويعشر ما معه. يحرر ط. قوله: (لم تبن حتى تحيض الخ) أفاد بتوقف
البينونة على الحيض أن الآخر لو أسلم قبل انقضائها فلا بينونة. بحر. قوله: (أو
تمضي ثلاثة أشهر) أي إن كانت لا تحيض لصغر أو كبر كما في البحر، وإن كانت حاملاً
فحتى تضع حملها. ح عن القهستاني. قوله: (إقامة لشرط الفرقة) وهو مضيّ هذه المدة
مقام السبب وهو الإباء، لأن الإباء لا يعرف إلا بالعرض، وقد عدم العرض لانعدام
الولاية ومست الحاجة إلى التفريق لأن المشرك لا يصلح للمسلم، وإقامة الشرط عند
تعذر العلة جائز، فإذا مضت هذه المدة صار مضيها بمنزلة تفريق القاضي وتكون فرقة
بطلاق على قياس قولهما. وعلى قياس قول أبي يوسف بغير طلاق لأنها بسبب الإباء
حكماً وتقديراً، بدائع.
وبحث في البحر أنه ينبغي أن يقال: إن كان المسلم هو المرأة تكون فرقة
بطلاق، لأن الآبي هو الزوج حكماً والتفريق بإبائه طلاق عندهما فكذا ما قام مقامه، وإن
كان المسلم الزوج فهي فسخ. قوله: (وليست بعدة) أي ليست هذه المدة عدة، لأن
غير المدخول بها داخلة تحت هذا الحكم، ولو كانت عدة لاختص ذلك بالمدخول بها،
وهل تجب العدة بعد مضيّ هذه المدة؟ فإن كانت المرأة حربية فلا لأنه لا عدة على
الحربية، وإن كانت هي المسلمة فخرجت إلينا فتمت الحيض هنا فكذلك عند أبي
حنيفة خلافاً لهما، لأن المهاجرة لا عدة عليها عنده خلافاً لهما كما سيأتي. بدائع
وهداية. وجزم الطحاوي بوجوبها. قال في البحر: ويبنغي حمله على اختيار قولهما.
قوله: (ولو أسلم زوج الكتابية) هذا محترز قوله فيما مر ((أو امرأة الكتابي)). قوله: (كما
مر) أي في قوله: ((كما لو كانت في الابتداء كذلك)) وأشار إلى أن الذي صرح به فيما
مر يمكن انفهامه من هنا بأن يراد بالكتابية الكتابية حالاً، أو مآلا. قوله: (فهي له) لأنه

٣٦٤
كتاب النكاح / باب نكاح الكافر
حقيقة وحكماً (لا) بـ (السبي، فلو خرج) أحدهما (إلينا مسلماً) أو ذمياً أو أسلم
أو صار ذا ذمة في دارنا (أو أخرج مسبياً) وأدخل في دارنا (بانت) بتباين الدار،
إذ أهل الحرب كالموتى. ولا نكاح بين حيّ وميت (وإن سبيا) أو خرجا إلينا
(معاً) ذميين أو مسلمين أو ثم أسلما أو صارا ذميين (لا) تبين لعدم التباين، حتى
لو كانت المسبية منكوحة مسلم أو ذمي لم تبن، ولو نكحها ئمة ثم خرج قبلها
بانت وإن خرجت قبله لا،
يجوز له التزوج بها ابتداء، فالبقاء أولى لأنه أسهل. نهر. قوله: (حقيقة وحكماً) المراد
بالتباين حقيقة تباعدهما شخصاً، وبالحكم أن لا يكون في الدار التي دخلها على سبيل
الرجوع بل على سبيل القرار والسكنى، حتى لو دخل الحربيّ دارنا بأمان لم تبن زوجته
لأنه في داره حكماً إلا إذا قبل الذمة. نهر. قوله: (لا بالسبي) تنصيص على خلاف
الشافعي فإنه عكس، وجعل سبب الفرقة السبي لا التباين، فتفرع أربع صور وفاقيتان
وخلافيتان، فقوله: ((فلو خرج أحدهما الخ)) وقوله: ((وإن سبياً الخ)) خلافيتان، وقوله:
((أو أخرج مسبياً)) وقوله: ((أو خرجا إلينا الخ) وفاقيتان. قوله: (فلو خرج أحدهما الخ)
هذه خلافية لوجود التباين دون السبي. قال في البدائع: ثم إن كان الزوج هو الذي
خرج فلا عدّة عليها بلا خلاف لأنها حربية، وإن كانت هي فذلك عنده خلافاً لهما اهـ.
وفي الفتح: لو كان الخارج هو الرجل يحل له عندنا التزوج بأربع في الحال وبأخت
امرأته التي في دار الحرب إذا كانت في دار الإسلام. قوله: (أو أخرج) هذه وفاقية
لوجود التباين والسبي. قوله: (وأدخل في دارنا) أفاد أنه لا يتحقق التباين بمجرد
السبي، بل لا بد من الإحراز في دارنا كما في البدائع. قوله: (كالموتى) ولهذا لو
التحق بهم المرتد يجري عليه أحكام الموتى ط. قوله: (وإن سبياً) هذه خلافية والتي
بعدها وفاقية لعدم السبي فيها. قوله: (أو ثم أسلما) عبارة البحر: أو مستأمنين ثم
أسلمه الخ، فأو هنا عاطفة لحال محذوفة على الحال السابقة وهي قوله: ((ذميين)) وثم
عاطفة لأسلما على تلك الحال المحذوفة. قوله: (حتى لو كانت الخ) تفريع على
اشتراط تباين الدارين حقيقة وحكماً. قوله: (لم تبن) لأن الدار وإن اختلفت حقيقة
لكنها متحدة حكماً، لأن فرض المسألة فيما إذا نكحها مسلم أو ذمي ثمة ثم سبیت،
ولا يمكن فرضها فيما لو نكحها هنا لأنه لا يصح، لأن تباين الدارين يمنع بقاء النكاح
فيمنع ابتداءه بالأولى كما قاله الرحمتي؛ ولو نكحها وهي هنا بأمان صارت ذمية، لأن
المرأة تبع لزوجها في المقام كمافي الفتح من باب المستأمن، فافهم. قوله: (ولو
نكحها) أي المسلم أو الذمي. قوله: (بانت) لتباين الدارين حقيقة وحكماً ط. قوله:
(وإن خرجت قبله لا) أي لا تبين لأن الزوج من أهل دار الإسلام، فإذا خرجت قبله

٣٦٥
كتاب النكاح / باب نكاح الكافر
وما في الفتح عن المحيط تحریف. نهر.
(ومن هاجرت إلينا) مسلمة أو ذمية (حائلاً بانت بلا عدة) فيحصل تزوجها؛
أما الحامل فحتى تضع على الأظهر،
صارت ذمية لا تمكن من العود لأنها تبع لزوجها في المقام كما علمت، فافهم. قوله:
(وما في الفتح الخ) قال في النهر: وفي المحيط: مسلم تزوّج حربية في دار الحرب
فخرج بها رجل إلى دار الإسلام بانت من زوجها بالتباين، فلو خرجت بنفسها قبل
زوجها لم تبن لأنها صارت من أهل دارنا بالتزامها أحكام المسلمين، إذ لا تمكن من
العود والزوج من أهل دار الإسلام فلا تباين.
قال في الفتح بعد نقله: يريد في الصورة الأولى: إذا أخرجها الرجل قهراً حتى
ملكها لتحقق التباين بينها وبين زوجها حينئذ حقيقة وحكماً. أما حقيقة فظاهر، وأما
حكماً فلأنها في دار الحرب حكماً وزوجها في دار الإسلام. قال في الحواشي
السعدية: وفي قوله وأما حكماً الخ بحث اهـ. ولعل وجهه ما مر من أن معنى الحكم
أن لا يكون في الدار التي دخلها على سبيل الرجوع بل على سبيل القرار، وهي هنا
كذلك إذ لا تمكن من الرجوع، ثم راجعت المحيط الرضوي فإذا الذي فيه مسلم تزوج
حربية في دار الحرب فخرج عنها الزوج وحده بانت؛ ولو خرجت المرأة قبل الزوج لم
تبن، وعلله بما مر وهذا لاغبار عليه. والظاهر أن ما وقع في نسخة صاحب الفتح
تحریف، والصواب ما أسمعتك اهح.
قلت: وما نقله في النهر عن المحيط ذكر مثله في كافي الحاكم الشهيد،
فالصواب في المسألة الأولى التي نقلها في الفتح عن المحيط أنها لا تبين لاختلاف
الدار حقيقة لا حكماً. قوله: (ومن هاجرت إلينا الخ) المهاجرة: التاركة دار الحرب
إلى دار الإسلام على عزم عدم العود، وذلك بأن تخرج مسلمة أو ذمية أو صارت
كذلك. بحر. وهذه المسألة داخلة فيما قبلها، لكن مامر فيما إذا خرج أحدهما مهاجراً
وقعت الفرقة بينهما، والمقصود من هذه أنه إذا كانت المهاجرة المرأة ووقعت الفرقة
فلا عدة عليها عند أبي حنيفة، سواء كانت حاملاً أو حائلاً فتزوج للحال، إلا الحامل
فتتربص لا على وجه العدة بل ليرتفع المانع بالوضع. وعندهما: عليها العدة. فتح. وبه
يظهر أن تقييد المصنف بالحائل: أي غير الحبلى لا وجه له، بخلاف قول الكنز:
وتنكح المهاجرة الحائل بلا عدة، فإنها للاحتراز عن الحامل كما علمت، لكنه يوهم أن
الحامل لها عدة كما توهمه ابن ملك وغيره، وليس كذلك. قوله: (على الأظهر) مقابله
رواية الحسن أنه يصح نكاحها قبل الوضع، لكن لا يقربها زوجها حتى تضع كالحبلى
من الزنا، ورجحنا الأقطع، لكن الأولى ظاهر الرواية. نهر. وصححها الشارحون

٣٦٦
كتاب النكاح / باب نكاح الكافر
لا للعدة بل لشغل الرحم بحق الغير (وارتداد أحدهما) أي الزوجين (فسخ) فلا
ينقص عدداً (عاجل) بلا قضاء (فللموطوءة) ولو حكماً (كل مهرها) لتأكده به
(ولغيرها نصفه) لو مسمى أو المتعة (لو ارتد) وعليه نفقة العدة (ولا شيء من
المهر والنفقة
وعليها الأكثر. بحر. قوله: (لا للعدة) نفي لقوهما: ولما توهمه ابن ملك وغيره. قوله:
(بل لشغل الرحم بحق الغير) أفاد به الفرق بينهما وبين الحامل من الزنى، فإن هذه حملها
ثابت النسب فيؤثر في منع العقد احتياطاً لئلا يقع الجمع بين الفراشين وهو ممتنع بمنزلة
الجمع وطأ كما في الفتح، بخلاف الحامل من الزنى فإن ماء الزنى لا حرمة له ولیس
فيه حق الغير فلذا صح نكاحها، فافهم. قوله: (فسخ) أي عند الإمام بخلاف الإباء عن
الإسلام. وسّى محمد بينهما بأو كلّ منهما طلاق. وأبو يوسف بأن كلّ منهما فسخ،
وفرق الإمام بأن الردة منافية للنكاح لمنافاتها العصمة، والطلاق يستدعي قيام النكاح
فتعذر جعلها طلاقاً، وتمامه في النهر.
قال في الفتح: ويقع طلاق زوج المرتدة عليه ما دامت في العدة، لأن الحرمة
بالردة غير متأبدة فإنها ترتفع بالإسلام، فيقع طلاقه عليها في العدة مستتبعاً فائدته من
حرمتها عليه بعد الثلاث حرمة مغياة بوطء زوج آخر، بخلاف حرمة المحرمية فإنها
متأيدة لا غاية لها فلا يفيد لحوق الطلاق فائدة اهـ. قلت: وهذا إذا لم تلحق بدار
الحرب.
ففي الخانية قبيل الكنايات: المرتد إذا لحق بدار الحرب فطلق امرأته لا يقع،
وإن عاد مسلماً وهي في العدة فطلقها يقع؛ والمرتدة إذا طلقها زوجها ثم عادت مسلمة
قبل الحيض، فعندهما يقع. قوله: (فلا ينقص عدداً) فلو ارتدّ مراراً وجدد الإسلام في
كل مرة وجدد النكاح على قول أبي حنيفة تحل امرأته من غير إصابة زوج ثان. بحر عن
الخانية. قوله: (بلا قضاء) أي بلا توقف على قضاء القاضي، وكذا بلا توقف على
مضيّ عدة في المدخول بها كما في البحر. قوله: (ولو حكماً) أراد به الخلوة
الصحيحة ج. قوله: (كل مهرها) أطلقه فشمل ارتداده وارتدادها. بحر. قوله: (لتأكده)
أي تأكد تمام المهر به: أي بالوطء الحقيقي أو الحكمي. قوله: (أو المتعة) أي إن لم
يكن مسمى. قوله: (لو ارتد) قيد في قوله: ((ولغيرها النصف الخ)). قوله: (وعليه نفقة
العدة) أي لو مدخولاً بها إذ غيرها لا عدة عليها. وأفاد وجوب العدة سواء ارتد أو
ارتدت بالحيض أو بالأشهر لو صغيرة أو آيسة أو بوضع الحمل كما في البحر. قوله:
(ولا شيء من المهر) أي في غير المدخول بها لأنها محل التفصيل بقوله: ((لو ارتد))
وقوله: ((لو ارتدت)). قوله: (والنفقة) قد علمت أن الكلام في غير المدخول بها، وهذه
١

٣٦٧
كتاب النكاح / باب نكاح الكافر
سوى السكنى). به يفتى (لو ارتدت) لمجيء الفرقة منها قبل تأكده، ولو ماتت
في العدة ورثها زوجها المسلم استحساناً، وصرحوا بتعزيرها خمسة وسبعين وتجبر
على الإسلام وعلى تجديد النكاح زجراً لها بمهر يسير كدينار، وعليه الفتوى.
ولوالجية. وأفتى مشايخ بلخ بعدم الفرقة بردتها زجراً وتيسيراً، لا سيما التي تقع
في المكفر ثم تنكر. قال في النهر: والإفتاء بهذا أولى من الإفتاء بما في النوادر،
لا نفقة لها لعدم العدة لا لكون الردة منها، لكن المدخول بها كذلك لا نفقة لها لو
ارتدت، ولذا قال في البحر: وحكم نفقة العدة كحكم المهر قبل الدخول، فإن كان هو
المرتد فلها نفقة العدة، وإن ارتدت فلا نفقة لها. قوله: (سوى السكنى) فلا تسقط
سكنى المدخول بها في العدة لأنها حق الشرع، بخلاف نفقة العدة، ولذا صح الخلع
على النفقة دون السكنى. والظاهر أن هذا مفروض فيما لو أسلمت، وإلا فالمرتدة
تحبس حتى تعود، وسيأتي أن المحبوسة كالخارجة بلا إذنه لا نفقة لها ولا سكنى.
قوله: (لو ارتدت) أطلقه فشمل الحرة والأمة والصغيرة والكبيرة. بحر. قوله: (قبل
تأكده) أي المهر فإنه يتأكد بالموت أو الدخول ولو حكماً. قوله: (ورثها زوجها
استحساناً) هذا إذا ارتدت وهي مريضة ثم ماتت أو لحقت بدار الحرب، بخلاف ردتها
في الصحة، ويخلاف ما لو ارتد هو فإنها ترثه مطلقاً إذا مات أو لحق وهي في العدة
كما في الخانية من فصل المعتدة التي ترث، وسيذكره المصنف أيضاً في طلاق
المريض. ووجهه أن ردته في معنى مرض الموت، لأنه إن لم يسلم يقتل فيكون فاراً
فترته مطلقاً، أما المرأة فلا تقتل بالردة فلم تكن فارة إلا إذا كانت ردتها في المرض.
قوله: (وصرّحوا بتعزيرها خمسة وسبعين) هو اختيار لقول أبي يوسف: فإن نهاية تعزير
الحرّ عنده خمسة وسبعون وعندهما تسعة وثلاثون. قال في الحاوي القدسي: وبقول أبي
يوسف: نأخذ. قال في البحر: فعلى هذا المعتمد في نهاية التعزير قول أبي يوسف
سواء كان في تعزير المرتدة أو لا. قوله: (وتجبر) أي بالحبس إلى أن تسلم أو تموت.
قوله: (وعلى تجديد النكاح) فلكل قاض أن يجدده بمهر يسير ولو بدينار رضيت أم لا،
وتمنع من التزوج بغيره بعد إسلامها. ولا يخفى أن محله ما إذا طلب الزوج ذلك. أما لو
سكت أو تركه صريحاً فإنها لا تجبر وتزوج من غيره، لأنه ترك حقه. بحر ونهر. قوله:
(زجراً لها) عبارة البحر: حسماً لباب المعصية، والحيلة للخلاص منه اهـ ولا يلزم من
هذا أن يكون الجبر على تجديد النكاح مقصوراً على ما إذا ارتدت لأجل الخلاص منه،
بل قالوا ذلك سدّاً لهذا الباب من أصله، سواء تعمدت الحيلة أم لا، كي لا تجعل ذلك
حيلة. قوله: (قال في النهر الخ) عبارته: ولا يخفى أن الإفتاء بما اختاره بعض أئمة بلخ
أولسى من الإفتاء في النوادر، ولقد شاهدنا من المشاقّ في تجديدها فضلاً عن جبره

٣٦٨
كتاب النكاح / باب نكاح الكافر
لكن قال المصنف: ومن تصفح أحوال نساء زماننا وما يقع منهن من موجبات
الردة مكرراً في كل يوم لم يتوقف في الإفتاء برواية النوادر.
قلت: وقد بسطت في القنية والمجتبى والفتح والبحر. وحاصلها أنها بالردة
تسترق وتكون فيئاً للمسلمين عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، ويشتريها الزوج من
الإمام أو يصرفها إليه لو مصرفاً.
ولو استولى عليها الزوج بعد الردة ملكها،
بالضرب ونحوه ما لا يعدّ ولا يحد. وقد كان بعض مشايخنا من علماء العجم ابتلى بامرأة
تقع فيما يوجب الكفر كثيراً ثم تنكر وعن التجديد تأبى، ومن القواعد: المشقة تجلب
التيسير، والله الميسر لكل عسير اهـ.
قلت: المشقة في التجديد لا تقتضي أن يكون قول أئمة بلخ أولى مما في النوادر،
بل أولى مما مر أن عليه الفتوى، وهو قول البخاريين، لأن ما في النوادر هو ما يأتي من
أنها بالردة تسترق. تأمل. قوله: (وقد بسطت) أي رواية النوادر. قوله: (والفتح) فيه أنه
لم يزد على قوله: ولا تسترق المرتدة ما دامت في دار الإسلام في ظاهر الرواية. وفي
رواية النوادر عن أبي حنيفة: تسترق اهـ. ثم رأيت صاحب الفتح بسط ذلك في باب
المرتد. قوله: (وحاصلها الخ) قال في القنية بعد ما مر عن الفتح: ولو كان الزوج
عالماً استولى عليها بعد الردة تكون فيئاً للمسلمين عند أبي حنيفة، ثم يشتريها من
الإمام أو يصرفها إليه إن كان مصرفاً، فلو أفتى مفت بهذه الرواية حسماً لهذا الأمر لا
بأس به اهـ. قال في البحر: وهكذا في خزانة الفتاوى، ونقل قوله: ((فلو أفتى مفت
الخ)) عن شمس الأئمة السرخسي اهـ.
قلت: ومقتضى قوله: ((ثم يشتريها الخ)) أنه إن كان مصرفاً لا يملكها بمجرد
الاستيلاء عليها، وقوله: ((تكون فيئاً)) قال ط: ظاهره لو أسلمت بعده لأن إسلام الرقيق
لا يخرجه عن الرق اهـ. قوله: (ولو استولى عليها الزوج) فيه اختصار مخل.
وعبارة القنية بعد ما تقدم قلت: وفي زماننا بعد فتنة التتر العامة صارت هذه
الولايات التي غلبوا عليها وأجروا أحكامهم فيها كخوارزم وما وارء النهر وخراسان
ونحوها صارت دار الحرب في الظاهر، فلو استولى عليها الزوج بعد الردة يملكها ولا
يحتاج إلى شرائها من الإمام، فيفتى بحكم الرقّ حسماً لكيد الجهلة ومكر المكرة على
ما أشار إليه في السير الكبير اهـ. فقوله: ((يملكها الخ)) مبنى على ظاهر الرواية من أنها
لا تسترق مادامت في دار الإسلام، ولا حاجة إلى الإفتاء برواية النوادر لما ذكره من
صيرورة دارهم دار حرب في زمانهم فيملكها بمجرد الاستيلاء عليها لأنها ليست في دار

٣٦٩
كتاب النكاح / باب نكاح الكافر
وله بيعها ما لم تكن ولدت منه فتكون كأم الولد. ونقل المصنف في كتاب
الغصب أن عمر رضي الله عنه هجم على نائخة فضربها بالدرة حتى سقط خمارها،
فقيل له: يا أمير المؤمنين قد سقط خمارها، فقال: إنها لا حرمة لها. ومن هنا قال
الفقيه أبو بكر البلخي حين مرّ بنساء على شط نهر كاشفات الرؤوس والذراع،
فقيل له: كيف تمر؟ فقال: لا حرمة لهن، إنما الشك في إيمانهن كأنهن حربيات
(وبقي النكاح إن ارتدا معاً)
الإسلام، فافهم. قوله: (وله بيعها الخ) ذكره في البحر بحثاً أخذاً من قول القنية:
يملكها، واستشهد لقوله: ((ما لم تكن الخ)) بما في الخانية: لو لحقت أم الولد بعد
ارتدادها بدار الحرب ثم سبيت وملكها الزوج يعود كونها أم ولده وأمومية الولد تتكرر
بتكرار الملك اهـ. قوله: (بالدرة) بالكسر: السوط، والجمع درر، مثل سدرة وسدر.
مصباح. قوله: (والذراع) أل للجنس، والمناسب لما قبله الأذرع بالجمع ط. قوله:
(فقال) تأكيد، فقال الأول ط. والداعي إليه طول الفاصل. قوله: (كأنهن حربيات) أي
فهن فيء مملوكات والرأس والذراع ليس بعورة من الرقيق. ووجه الأخذ من قول عمر
رضي الله تعالى عنه أنه إذا سقطت حرمة النائحة تسقط حرمة هؤلاء الكاشفات رؤوسهن
في ممرّ الأجانب لما ظهر له من حالهن أنهن مستخفات مستهينات، وهذا سبب مسقط
لحرمتهن، فافهم.
ثم اعلم أنه إذا وصلن إلى حال الكفر وصرن مرتدات فحكمهن ما مرّ من أنهن لا
يملكن ما دمن في دار الإسلام على ظاهر الرواية. وأما ما مر من أنه لا بأس من الإفتاء
بما في النوادر من جواز استرقاقهن، فذا بالنسبة إلى ردة الزوجة للضرورة لا مطلقاً، إذ
لا ضرورة في غير الزوجة إلى الإفتاء بالرواية الضعيفة، ولا يلزم من سقوط الحرمة
وجواز النظر إليهن جواز تملكهن في دارنا، لأن غايته أنهن صرن فيئاً ولا يلزم من
جواز النظر إليهن جواز الاستيلاء والتمتع بهن وطئاً وغيره، لأنه يجوز النظر إلى مملوكة
الغير ولا يجوز وطؤها بلا عقد نكاح. وبهذا ظهر غلط من ينسب نفسه إلى العلم في
زماننا في زعمه الباطل: أن الزانيات اللاتي يظهرن في الأسواق بلا احتشام يجوز
وطؤهن بحكم الاستيلاء، فإنه غلط قبيح يكاد أن يكون كفراً حيث يؤدي إلى استباحة
الزنى، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم.
فرع: في البحر عن الخانية: غاب عن امرأته قبل الدخول بها فأخبره بردتها خبر
ولو مملوكاً أو محدوداً في قذف وهو ثقة عنده أو غير ثقة، لكن أكبر رأيه أنه صادق، له
التزوج بأربع سوها؛ وإن أخبرت بردة زوجها له التزوج بآخر بعد العدة في رواية
الاستحسان. قال السرخسي: وهي الأصح. قوله: (إن ارتدا معاً) المسألة مقيدة بما إذا

٣٧٠
كتاب النكاح / باب نكاح الكافر
بأن لم يعلم السبق فيجعل كالغرقى (ثم أسلما كذلك) استحساناً (وفسد إن أسلم
أحدهما قبل الآخر) ولا مهر قبل الدخول لو المتأخر هي، ولو هو فنصفه أو
متعة .
(والولد يتبع خبر الأبوين ديناً) إن اتحدت الدار
لم يلحق أحدهما بدار الحرب، فإن لحق بانت وكأنه استغنى عنه بما قدمه من أن تباين
الدارين سبب الفرقة. نهر. قوله: (بأن لم يعلم السبق) أما المعية الحقيقية فمتعذرة.
وما في البحر: هي ما لو علم أنهما ارتدا بكلمة واحد ففيه بعد ظاهر؛ نعم ارتدادهما
معاً بالفعل ممكن، بأن حملا مصحفاً وألقياه في القاذورات أو سجدا للصنم معاً. نهر.
قوله: (كالغرقى) فإنه إذا لم يعلم سبق أحدهم بالموت ينزلون منزلة من ماتوا معاً ولا
يرث أحد منهم الآخر، فالتشبيه في أن الجهل بالسبق كحالة المعية ط. قوله: (كذلك)
أي معاً بأن لم يعلم السبق. قوله: (وفسد الخ) لأن ردة أحدهما منافية للنكاح ابتداء،
فكذا بقاء. نهر. وهذا تصريح بمفهوم قوله: ((ثم أسلما كذلك)) وسكت عن مفهوم
قوله: ((إن ارتدا معاً)) لأنه تقدم في قوله: ((وارتداد أحدهما فسخ عاجل)). قوله: (قبل
الآخر) وكذا لو بقي أحدهما مرتداً بالأولى. نهر. قوله: (قبل الدخول) أما بعده فلها
المهر في الوجهين، لأن المهر يتقرر بالدخول ديناً في ذمة الزوج والديون لا تسقط
بالردة. فتح. قوله: (لو المتأخر هي) لمجيء الفرقة من قبلها بسبب تأخرها. قوله:
(فنصفه) أي عند التسمية أو متعة عند عدمها.
مَطْلَبٌ: الوَلَدُ يَتْبَعُ خَيرِ الْأَبُوَينِ دِيْناً
قوله: (والولد يتبع خير الأبوين ديناً) هذا يتصوّر من الطرفين في الإسلام
العارض، بأن كانا كافرين فأسلم أو أسلمت ثم جاءت بولد قبل العرض على الآخر،
والتفريق أو بعده في مدة يثبت النسب في مثلها أو كان بينهما ولد صغير قبل إسلام
أحدهما فإنه بإسلام أحدهما يصير الولد مسلماً. وأما في الإسلام الأصلي فلا يتصور إلا
أن تكون الأم كتابية والأب مسلماً. فتح ونهر.
تنبيه: يشعر التعبير بالأبوين ولد الزنى. ورأيت في فتاوى الشهاب الشلبي قال:
واقعة الفتون في زماننا: مسلم زنى بنصرانية فأتت بولد فهل يكون مسلماً؟ أجاب بعض
الشافعية بعدمه وبعضهم بإسلامه. وذكر أن السبكي نص عليه وهو غير ظاهر، فإن
الشارع قطع نسب ولد الزنى، وبنته من الزنى تحل له عندهم فكيف يكون مسلماً؟ وأفتى
قاضي القضاة الحنبلي بإسلامه أيضاً، وتوقفت عن الكتابة، فإنه وإن كان مقطوع النسب
عن أبيه حتى لا يرثه فقد صرحوا عندنا بأن بنته من الزنى لا تحل له، وبأنه لا يدفع
زكاته لابنه من الزنى، ولا تقبل شهادته له، والذي يقوى عندي أنه لا يحكم بإسلامه على

٣٧١
كتاب النكاح / باب نكاح الكافر
مقتضى مذهبنا، وإنما أثبتوا الأحكام المذكورة احتياطاً نظراً لحقيقة الجزئية بينهما اهـ.
قلت: يظهر لي الحكم بالإسلام للحديث الصحيح ((كُلُّ مَولُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ
حَتَّى يَكُونَ أَبَوَاهُ هُمَا الَّذَانِ يُهُوَّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ(١)فإنهم قالوا: إنه جعل اتفاقهما ناقلًا له
عن الفطرة، فإذا لم يتفقا بقي على أصل الفطرة أو على ما هو أقرب إليها، حتى لو
كان أحدهما مجوسياً والآخر كتابياً فهو كتابي كما يأتي، وهنا ليس له أبوان متفقان فيبقى
على الفطرة، ولأنهم قالوا: إن إلحاقه بالمسلم منهما أو بالكتابي أنفع له، ولا شك أن
النظر لحقيقة الجزئية أنفع له. وأيضاً حيث نظروا للجزئية في تلك المسائل احتياطاً
فلينظر إليها هنا احتياطاً أيضاً، فإن الاحتياط بالدين أولى، ولأن الكفر أقبح القبيح فلا
ينبغي الحكم به على شخص بدون أمر صريح، ولأنهم قالوا في حرمة بنته من الزنى:
إن الشرع قطع النسبة إلى الزاني لما فيها من إشاعة الفاحشة، فلم يثبت النفقة والإرث
لذلك، وهذا لا ينفي النسبة الحقيقية، لأن الحقائق لا مردّ لها، فمن ادعى أنه لا بد من
النسبة الشرعية فعليه البيان.
تتمة: ذكر الاسروشني في سير أحكام الصغار أن الولد لا يصير مسلماً بإسلام
جده ولو أبوه ميتاً، وأن هذه من المسائل التي ليس فيها الجد كالأب، لأنه لو كان
تابعاً له لكان تابعاً لجد الجد وهكذا، فيؤدي إلى أن يكون الناس مسلمين بإسلام آدم
عليه السلام. وفيه أيضاً الصغير تبع لأبويه أو أحدهما في الدين، فإن انعدما فلذي اليد،
فإن عدمت فللدار، ويستوي فيما قلنا أن يكون عاقلاً أو غير عاقل لأنه قبل البلوغ تبع
لأبويه في الدين ما لم يصف الإسلام اهـ. فأفاد أن التبعية لا تنقطع إلا بالبلوغ أو
بالإسلام بنفسه، وبه صرح في البحر والمنح من باب الجنائز. وذكر أيضاً المحقق ابن
أمير حاج في شرح التحرير عن شرح الجامع الصغير لفخر الإسلام أنه لا فرق في
الصغير بين أن يعقل أو لا، وأنه نص عليه في الجامع الكبير وشرحه.
قلت: وفي شرح السير الكبير للإمام السرخسي قال بعد كلام ما نصه: وبهذا تبين
خطأ من يقول من أصحابنا إن الذي يعبر عن نفسه لا يصير مسلماً تبعاً لأبويه، فقد نص
ها هنا على أنه يصير مسلماً اهـ. وذكر قبله أيضاً أن التبعية تنقطع ببلوغه عاقلاً اهـ: أي
فلو بلغ مجنوناً تبقى التبعية، فقد تبين لك أن ما في القهستاني من أن المراد بالولد هنا
الطفل الذي لا يعقل الإسلام خطأ، كما سمعته من عبارة السرخسي، وإن أفتى به
(١) أخرجه البخاري (١٣٨٥) وأحمد ٢٣٣/٢ والترمذي (٢١٣٨) وأبو داود (٤٧١٤، ٤٧١٦) والحميدي
(١١١٣) ومالك في الموطأ (١٤١) وأبو نعيم في تاريخ اصفهان ٢٢٦/٢ وفي الحلية ٢٢٨/٩٠ والبيهقي
٦/ ٢٠٢.

٣٧٢٠
كتاب النكاح / باب نكاح الكافر
ولو حكماً، بأن كان الصغير في دارنا والأب ثمة، بخلاف العكس (والمجوسي،
ومثله) كوثني وسائر أهل الشرك (شرّ من الكتابي) والنصراني شرّ من اليهودي في
الدارين، لأنه لا ذبيحة له بل يخنق كمجوسي وفي الآخرة
الشهاب الشلبي لمخالفته لما نص عليه الإمام محمد في الجامع الكبير والسير الكبير،
ولما صرح به في هذه الكتب، ولإطلاق المتون أيضاً، فافهم. قوله: (ولو حكماً) أي
سواء كان الاتحاد حقيقة أو حكماً، كأن يكون خير الأبوين مع الولد في دار الإسلام أو
في دار الحرب، أو كان حكماً فقط كما مثل به الشارح. واحترز عن اختلافهما حقيقة
وحكماً بأن كان الأب في دارنا والصغيرة ثمة، وإليه أشار بقوله: ((بخلاف
العكس)) اهـح. قلت: وما في الفتح من جعله حكم العكس كما قبله قال في البحر: إنه
سهو. قوله: (والمجوسي شر من الكتابي) قال في النهر: أردف هذه الجملة لبيان أن
أحد الأبوين لو كان كتابياً والآخر مجوسياً كان الولد كتابياً نظراً له في الدنيا لاقترابه من
المسلمين بالأحكام من حل الذبيحة والمناكحة، وفي الآخرة من نقصان العقاب، كذا
في الفتح: يعني أن الأصل بقاؤه بعد البلوغ على ما كان عليه، وإلا فأطفال المشركين
في الجنة، وتوقف فيهم الإمام كما مر، ولم يدخله في حيز الجملة الأولى تحامياً عما
وقع في بعض العبارات من إطلاق الخير على الكتابي، بل الشرّ ثابت فيه غير أن
المجوسي شرّ اهـ. وعلى هذا فقوله: ((والولد یتبع خیر الأبوين دیناً) المراد به دین
الإسلام فقط لئلا تتكرر الجملة الثانية، فإنه ليس المراد منها مجرد بيان أن المجوسي شرّ
من الكتابي، إذ لا دخل له في بحثه، بل المراد بيان لازمه المقصود هنا وهو تبعية
الولد لأخفهما شراً فتحل مناكحته وذبيحته، وإنما لم يكتف عنها بالجملة الأولى بأن
يراد بالدين الأعم نخامياً عن إطلاق الخيرية على غير دين الإسلام، فافهم. قوله:
(وسائر أهل الشرك ممن لا دين له سماوياً. قوله: (والنصراني شرّ من اليهودي) كذا نقله
في البحر عن البزازية والخبازية. ونقل عن الخلاصة عكسه، ثم قال: إنه يلزم على
الأول كون الولد المتولد من يهودية ونصراني أو عكسه تبعاً لليهودي لا النصراني اهـ:
أي ولیس بالواقع. نهر.
قلت: بل مقتضى كلام البحر أنه الواقع لأنه قال: إن فائدته خفة العقوبة في
الآخرة، وكذا في الدنيا، لما في أضحية الولوالجية: يكره الأكل من طعام المجوسي
والنصراني، لأن المجوسي يطبخ المنخنقة والموقوذة والمتردية، والنصراني لا ذبيحة
له، وإنما يأكل ذبيحة المسلم أو يخنق، ولا بأس بطعام اليهودي لأنه لا يأكل إلا من
ذبيحة اليهودي أو المسلم اهـ: فعلم أن النصراني شرّ من اليهودي في أحكام الدنيا
أيضاً اهـ كلام البحر. قوله: (لأنه لا ذبيحة له) أي لا يذبح بدليل قوله: ((بل يخنق))

٣٧٣
کتاب النكاح / باب نكاح الكافر
أشد عذاباً. وفي جامع الفصولين: لو قال النصرانية خير من اليهودية أو
المجوسية كفر لإثباته الخير لما قبح بالقطعي لكن ورد في السنة أن المجوس
أسعد حالة من المعتزلة لإثبات المجوس
وليس المراد أنه لو ذبح لا تؤكل ذبيحته لمنافاته لا تقدم أول كتاب النكاح من حل
ذبيحته ولو قال المسيح ابن الله ح. قوله: (أشد عذاباً) لأن نزاع النصارى في الإلهيات
ونزاع اليهود في النبوات، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ أَلَيَهُودُ عُزَيْرٌ أَبَّنُ الله﴾ [التوبة ٣٠]
كلام طائفة منهم قليلة كما صرح به في التفسير، وقوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ
عَدَاوَةً﴾ [المائدة ٨٢] الآية لا يرد لأن البحث في قوة الكفر وشدته لا في قوة العداوة
وضعفها اهـ بزازية. قوله: (كفر الخ) قال في البحر: هذا يقتضي أنه لو قال: الكتابي
خير من المجوسي يكفر، مع أن هذه العبارة وقعت في المحيط وغيره، إلا أن يقال
بالفرق، وهو الظاهر لأنه لا خيرية لإحدى الملتين: أي اليهودية والنصرانية على
الأخرى في أحكام الدنيا والآخرة، بخلاف الكتابي بالنسبة إلى المجوسي للفرقة بين
أحكامهما في الدنيا والآخرة اهـ.
قلت: وهذا كلام غير محرر. وأما أولًا فلأنه مخالف لما حرره من أن النصراني شرّ
من اليهودي في الدنيا والآخرة كما تقدم؛ وأما ثانياً فلأن علة الإكفار هي إثبات الخير
لما قبح قطعاً لا لعدم خيرية إحدى الملتين على الأخرى لأنه لو كانت العلة هذه لم
يلزم الإكفار، وحينئذ فالقول بأن النصرانية خير من اليهودية مثل القول بأن الكتابي خير
من المجوسي، لأن فيه إثبات الخيرية له مع أنه لا خير فيه قطعاً وإن كان أقل شرّاً؛
فالظاهر عدم الفرق بين العبارتين، وأن ما في المحيط وغيره دليل على أنه لا يكفر
بذلك، ولعل وجهه أن لفظ ((خير)) قد يراد به ما هو أقل ضرراً كما يقال في المثل:
الرمد خير من العمى، وكقول الشاعر:
* ولكن قتل الحرّ خير من الأسر *
ثم رأيت في آخر المصباح أن العلماء قد يقولون هذا أصح من هذا، ومرادهم أنه
أقل ضعفاً، ولا يريدون أنه صحيح في نفسه اهـ. وهذا عين ما قلته، ولله الحمد حينئذ.
فالقول بالإكفار مبني على إرادة ثبوت الخيرية سواء استعمل أفعل التفضيل على بابه، أو
أريد أصل الفعل كما في ((أي الفريقين خير)) والقول بعدمه مبني على ما قلنا، والله
أعلم. قوله: (لكن ورد في السنة الخ) يوهم أن هذا حديث وليس كذلك. وعبارة
البزازية ((والمذكور في كتب أهل السنة الخ)). ووجه الاستدراك أن تعبير علماء أهل
السنة والجماعة بذلك دليل على جواز القول بأن النصرانية خير من اليهودية، وبأن
الكتابي خير من المجوسي، لأن فيه إثبات أسعدية المجوس وخيريتهم على المعتزلة.

٣٧٤
كتاب النكاح / باب نكاح الكافر
خالقين فقط وهؤلاء خالقاً لا عدد له. بزازية ونهر (ولو تمجس أبو صغيرة
نصرانية تحت مسلم) بانت بلا مهر ولو كان (قد ماتت الأم نصرانية) مثلاً وكذا
عكسه (لم تبن) لتناهي التبعية بموت أحدهما ذمياً أو مسلماً أو مرتداً فلم تبطل
قال في البزازية: أجيب عنه بأن المنهى عنه هو كونهم خيراً من كذا مطلقاً، لا كونهم
أسعد حالاً بمعنى أقل مكابرة وأدنى إثباتاً للشرك، إذ يجوز أن يقال: كفر بعضهم أخفّ
من بعض، وعذاب بعضهم أدنى من بعض وأهون، أو الحال بمعنى الوصف كذا قيل
ولا يتم اهـ: أي لا يتم هذا الجواب لأنه إذا صح تأويل هذا بما ذكر صح تأويل ذاك
بمثله، وكون أسعد مسنداً إلى الحال لأنه فاعل معنى، أو كون الحال بمعنى الوصف لا
يفيد. قال في النهر: لكن مقتضى ما مر عن جامع الفصولين القول بالكفر في
الصورتين، وهو الموافق للتعليل الأول، وكأنه الذي عليه المعول اهـ. وفيه أن ما مر
عن الفصولين مع تعليله هو محل النزاع، فالتحرير أن في المسألة قولين، وأن الذي عليه
المعوّل الجواز لما سمعت من وقوعه في كلامهم. قوله: (خالقين) هما النور المسمى
يزدان، والظلمة المسماة أهرمن ح. قوله: (خالقاً لا عدد له) أي حيث قالوا: إن
الحيوان يخلق أفعاله الاختيارية ح.
قلت: وتكفير أهل الأهواء فيه كلام، والمعتمد خلافه كما سيأتي بسطه إن شاء
الله تعالى في البغاة. قوله: (بانت) أي إن تمجست الأم أيضاً، ولا حاجة إلى هذه
الزيادة مع هذا الإيهام، والأحسن إبقاء المتن على حاله. وأظن أن الشارح زاد ألفاً في
قول المتن أبو صغيرة فصار أبوا بلفظ التثنية فأسقطها النساخ، فلتراجع النسخ.
وذكر ط عن الهندية أن مثل الصغيرة ما إذا بلغت معتوهة لبقائها تابعة للأبوين في
الدين، لأنه ليس للمعتوهة إسلام بنفسها حقيقة فكانت بمنزلة الصغيرة من هذا الوجه.
قوله: (بلا مهر) أي إن لم يدخل بها ح: قوله: (مثلًا) راجع إلى قوله: ((ماتت)) أي إن
الموت غير قيد، أو إلى قوله: ((نصرانية)) أي أو يهودية. قوله: (وكذا عكسه) بأن
تمجست أمها بعد أن مات أبوها نصرانياً. قوله: (لتناهي التبعية) أي انتهاء تبعية الولد
للأبوين. قوله: (بموت أحدهما ذمياً الخ) أي إذا مات أحد الكتابين ذمياً أو مسلماً ثم
تمجس الباقي منهما لا يتبعه الولد، وكذا لو مات أحدهما مرتداً، لأن حكم المرتد
الجبر على الإسلام فله حكم المسلم، حتى إن کسب إسلامه يرثه وارثه المسلم فهو
أقرب إلى الإسلام من الكتابي وغيره. قال في البحر: ولو مات أحد الأبوين في دارنا
مسلماً أو مرتداً ثم ارتد الآخر ولحق بها ثم بدار الحرب لم تبن ويصلي عليها إذا
ماتت، لأن التبعية حكم تناهى بالموت مسلماً، وكذا بالموت مرتداً لأن أحكام الإسلام
قائمة. قوله: (فلم تبطل) أي التبعية بكفر الآخر. قال ط: والأولى أن يقول: يتمجس

٣٧٥
كتاب النكاح / باب نكاح الكافر
بكفر الآخر.
وفي المحيط: لو ارتدا لم تبن ما لم يلحقا، ولو بلغت عاقلة مسلمة ثم
جنت فارتدا لم تبن مطلقاً.
مسلم تحته نصرانية فتمجسا أو تنصرا بانت.
الآخر لأنه كان أولًا كافراً، غاية الأمر أنه انتقل إلى حالة من الكفر شرّ من التي كان
عليها. بقي أن يقال: إن التبعية إنما تناهت وانقطعت عمن بقي من الوالدين بتمجسه لا
بموت أحدهما، لأنه لو أسلم من بقي تبعته ابنته اهـ. والجواب أن المراد انقطاع التبعية
عن الباقي منهما إذا انتقل إلى حالة دون التي كان عليها، لما تقرّر أن الولد إنما يتبع
خير الأبوين ديناً أو أخفهما شراً، فالمراد بالتبعية المتناهية هذه، فافهم. قوله: (لم تبن)
لأن البنت مسلمة تبعاً لهما وتبعاً للدار. بحر. قوله: (ما لم يلحقا) أي بالبنت؛ فإن
لحقا بها بدار الحرب بانت لانقطاع حكم الدار. بحر: أي بانت من زوجها لتباين
الدارين ولأنها صارت مرتدّة تبعاً لهما. قال في شرح تلخيص الجامع الكبير: وهذا
بخلاف ما إذا كانت الصغيرة تعقل وتعبر عن نفسها حيث لا تبين وإن لحقا بها، إلا إذا
ارتدت بنفسها فحينئذ تبين عندهما، خلافاً لأبي يوسف اهـ. فتأمله مع ما قدمنا من أن
التبعية لا تنقطع قبل البلوغ، وقيدنا بلحاقهما بالبنت لأنه إذا لحقا وتركاها فإنها لا تبين
كما قدمناه عن شرح التحرير. قال في النهر: في الفرق بين ما لو تمجسا أو ارتدا.
تأمل فتدبر اهـ.
قلت: الفرق ظاهر: وهو أن البنت بارتداد أبويها المسلمين تبقى مسلمة تبعاً لهما
وللدار، لأن المرتد مسلم حكماً لجبره على الإسلام، فلذا لم تبن من زوجها ما لم
يلحقا بها للتباين ونقطاع ولاية الجبر، بخلاف تمجس أبويها النصرانيين لأنها تتبعهما في
التمجس لعدم جبرهما على العود إلى النصرانية فصار كارتداد المسلمين مع لحاقهما،
ولا يمكن تبعيتها للدار مع بقاء تبعية الأبوين فلذا بانت من زوجها، فتدبر. قوله: (لم
تبن مطلقاً) أي سواء لحقا بها أو لا، لأنها مسلمة أصالة لا تبعاً، وكذلك الصبية العاقلة
أسلمت ثم جنت لأنها صارت أصلًا في الإسلام. بحر عن المحيط. قوله: (فتمجا)
أي المسلم وزوجته النصرانية معاً، وقوله: ((أو تنصرا)» صوابه: أو تهوداً، لأن موضوع
المسألة أن الزوجة نصرانية. قال في النهر: قيد بالردة لأن المسلم لو كان تحته نصرانية
فتهوّد وقعت الفرقة بينهما اتفاقاً.
واختلف الشيخان فيما لو تمجسا. قال أبو يوسف: تقع. وقال محمد: لا تقع.
لأبي يوسف أن الزوج لا يقرّ على ذلك والمرأة تقر، فصار كردة الزوج وحده. وفرق
محمد بأن المجوسية لا تحل للمسلم فأحدثها كالارتداد اهـ: أي فكأنهما ارتدا معاً. ثم

٣٧٦
كتاب النكاح / باب نكاح الكافر
(ولا) يصلح (أن ينكح مرتدّ أو مرتدة أحداً) من الناس مطلقاً.
(أسلم) الكافر (وتحته خمس نسوة فصاعداً أو أختان أو أم وبنتها بطل
نكاحهن إن تزوجهن بعقد واحد، فإن رتب فالآخر) باطل. وخيره محمد والشافعي
عملاً بحدیث فيروز.
قلنا: كان تخييره في التزوّج بعد الفرقة بلغت المسلمة المنكوحة ولم تصف
الذي في البحر عن المحيط تأخير تعليل أبي يوسف وظاهره اعتماده، وهو ظاهر قوله
في الفتح أيضاً: تقع الفرقة عند أبي يوسف خلافاً لمحمد، فلذا جزم به الشارح. قوله:
(مطلقاً) أي مسلماً أو كافراً أو مرتداً، وهو تأكيد لما فهم من النكرة في النفي ح.
قوله: (وخيره محمد) أي خير محمد هذا الذي أسلم في اختيار الأربع مطلقاً: أي أربع
نسوة: أي أربع كانت، وخيره أيضاً في اختيار أيّ الأختين شاء والبنت: أي يختار البنت
في هذه الصورة لا الأم أو يتركهما جميعاً، لأنه روى ((أَنَّ غَيْلَانَ الثقَفي(١) أَسْلَمَ وَتحتَهُ
عَشْرُ نِسْوَةٍ أَسْلَمْنَ مَعَهُ، فَخَيرِهُ النَّبِيُّ وَّهِ فَأَخْتَارَ أَرْبَعاً مِنْهُنَّ(٢) وَكَذَا فَيروزُ الدَّيْلَمِيَّ أَسْلَمَ
وَتحتَهُ أُخْتَانِ فَخَيرِهُ فَأَخْتَارَ إِحْدَاهُما(٣)) وإنما يختار البنت لأن نكاحها أمنع في نكاح الأم
من نكاح الأم لها.
ولهما أن هذه الأنكحة فاسدة، لكن لا نتعرّض لهم لأنا أمرنا بتركهم وما یدینون،
فإذا أسلموا يجب التعرض، وتخيير غيلان وفيروز كان في التزوج بعد الفرقة. ح عن
المنح. وقوله في التزوج بعد الفرقة: أي التزوج بعقد جديد، وما ذكره في نكاح البنت
إنما هو إذا لم يدخل بواحدة منهما؛ فإن دخل بإحداهما ثم تزوج الثانية فنكاحها باطل،
لأن الدخول محرم سواء كان بالأم أو البنت؛ وإن دخل بالثانية فقط، فإن كانت الأم بطل
نكاحهما جميعاً اتفاقاً، لأن نكاح البنت يحرم الأم، والدخول بالأم يحرم البنت، وإن
كانت البنت فكذلك عندهما، لا أن له تزوج البنت دون الأم. وعند محمد: نكاح البنت
هو الجائز قد دخل بها وهي امرأته، ونكاح الأم باطل، كذا في البدائع. قوله: (بلغت
المسلمة) سماها مسلمة باعتبار ما كان لها قبل البلوغ من الحكم بالإسلام تبعاً للأبوين؛
ولذا قيل سماها محمد مرتدة، وقوله: ((بانت)) أي من زوجها لأنها لم يبق لها دين
(١) في ط (قوله غيلان الديلمي) كذا في الأصل المقابل على خط المؤلف. والذي في منتقى الأخبار ((غيلان
الثقفي، وفيه عزو الحديث لأحمد وابن ماجه والترمذي.
(٢) أخرجه الشافعي في المسند ١٦/٢ (٤٣) وأحمد ٤٤/٢ والترمذي ٤٣٥/٣ (١١٢٨) وابن ماجه٦٢٨/١
(١٩٥٣) وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد ص ٣١١ (١٢٧٧) وأخرجه الدارقطني ٢٦٩/٣ (٩٤)
والحاكم ١٩٢/٢ والبيهقي ١٨١/٧.
(٣) أخرجه أبو داود ٦٧٨/٢ (٢٢٤٣) والترمذي ٤٣٦/٣ (١١٣٠) وقال حسن وابن ماجه ٦٢٧/١ (١٩٥١)
والبيهقي ٧/ ١٨٤ والدارقطني ٢٧٣/٣ (١٠٥).

٣٧٧
كتاب النكاح / باب القسم
الإسلام بانت ولا مهر قبل الدخول، وينبغي أن يذكر الله تعالى بجميع صفاته
عندها وتقرّ بذلك، وتمامه في الكافي.
بَابُ القَشم
بفتح القاف: القسمة، وبالكسر: النصيب.
الأبوين لزوال التبعية بالبلوغ، وليس لها دين نفسها فكانت كافرة لا ملة لها كذا في
شرح التلخيص. قوله: (وتمامه في الكافي) حيث قال: مسلم تزوج صغيرة نصرانية
ولها أبوان نصرانيان فكبرت وهي لا تعقل ديناً من الأديان ولا تصفه وهي غير معتوهة
فإنها تبين من زوجها، وكذلك الصغيرة المسلمة إذا بلغت عاقلة وهي لا تعقل الإسلام
ولا تصفه وهي غير معتوهة بانت من زوجها، كذا في المحيط. ولا مهر لها قبل
الدخول وبعده يجب المسمى ويجب أن يذكر الله تعالى بجميع صفاته عندهما ويقال لها:
أهو كذلك؟ فإن قالت نعم حكم بإسلامها، وإن قالت أعرفه وأقدر على وصفه ولا
أصفه بانت، ولو قالت لا أقدر على وصفه اختلف فيه، ولو عقلت الإسلام ولم تصفه
لم تبن، وإن وصفت المجوسية بانت عندهما خلافاً لأبي يوسف، وهي مسألة ارتداد
الصبي اهـط. وقوله ولو عقلت الإسلام: أي قبل البلوغ محترز قوله: ((بلغت)) وإنما لم
تين؛ لأنها مسلمة تبعاً لأبويها قبل البلوغ كما في شرح التلخيص، وبه استدل على نفي
وجوب أداء الإيمان على الصبي، وتمامه في أول الفصل الثاني من شرح التحرير.
وفي سير أحكام الصغار أن قوله يعقل الإسلام: يعني صفة الإسلام يدل على أن
من قال: ((لا إله إلا الله)) لا يكون مسلماً حتى يعلم صفة الإيمان، وكذلك إذا اشترى
جارية واستوصفها الإسلام فلم تعلم لا تكون مؤمنة. وصفة الإيمان ما ذكره في حديث
جبريل عليه السلام ((أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والبعث بعد
الموت، والقدر خيره وشرّه من الله تعالى)) اهـ. وقدمنا في الجنائز مثله عن الفتح، والله
أعلم.
بَابُ القَسم
قوله: (القسمة) في المغرب: القسم بالفتح مصدر قسم القسام المال بين
الشركاء: فرقه بينهم وعين أنصباءهم، ومنه القسم بين النساء اهـ: أي لأنه يقسم بينهن
البيتوتة ونحوها. وفي المصباح: قسمته قسماً من باب ضرب، والاسم القسم بالكسر،
ثم أطلق على الحصة والنصيب فيقال هذا قسمي والجمع أقسام مثل حمل وأحمال.
واقتسموا المال بينهم والاسم القسمة، وأطلقت على النصيب أيضاً وجمعها قسم مثل
سدرة وسدر. ويجب القسم بين النساء اهـ. فعلم أن القسم هنا مصدر على أصله،

٣٧٨
كتاب النكاح / باب القسم
(يجب) وظاهر الآية أنه فرض. نهر (أن يعدل) أي أن لا يجوز (فيه) أي في
القسم بالتسوية في البيتوتة (وفي الملبوس والمأكول) والصحبة
ويصح أن يراد به القسمة: أي الاقتسام أو النصيب. تأمل. قوله: (وظاهر الآية أنه
فرض) فإن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء ٣] أمر بالاقتصار على
الواحدة عند خوف الجور، فيحتمل أنه للوجوب، فيعلم إيجاب العدل عتد تعددهن كما
قاله في الفتح أو للندب، ويعلم إيجاب العدل من حيث إنه إنما يخاف على ترك الواجب
كما في البدائع؛ وعلى كل فقد دلت الآية على إيجابه. تأمل. قوله: (أي أن لا يجوز)
أشار به إلى التخلص عما اعترض به على الهداية حيث قال: وإذا كان الرجل امرأتان
حرتان فعليه أن يعدل بينهما، فإنه يفهم أنه لا يجب بين الحرّة والأمة. وأجاب في الفتح
بأن معنى العدل هنا التسوية، لا ضد الجور، فإذا كانا حرتين أو أمتين فعليه التسوية
بينهما وإن كانتا حرة وأمة فلا يعدل بينهما: أي لا يسوّي بل يعدل بمعنى لا يجور، وهو
أن يقسم للحرّة ضعف الأمة فالإيهام نشأ من اشتراك اللفظ اهـ. ولكن لما لم يقيد
المصنف هنا بحرة ولا غيرها ناسب أن يفسر كلامه بعدم الجور: أي عدم الميل عن
الواجب عليه من تسوية وضدها، فيشمل التسوية بين الحرتين أو الأمتين وعدمها بين
الحرة والأمة، وكذا في النفقة لعدم ثزوم التسوية فيها مطلقة كما يأتي. قوله: (بالتسوية
في البيتوتة) الأولى حذف قوله: ((بالتسوية)) لأنها لا تجب بين الحرة والأمة كما علمت
بل يجب عدمها.
وقد يجاب بأن المراد التسوية إثباتاً أو نفياً: أي يجب أن لا يجور بإثباتها بين الحرّة
والأمة وبنفيها بين الحرتين وبين الأمتين، ولم يذكر الإقامة في النهار لأنها تجب في
الجملة بلا تقدير كما سيأتي. قوله: (وفي الملبوس والمأكول) أي والسكنى؛ ولو عبر
بالنفقة لشمل الكل. ثم إن هذا معطوف على قوله ((فيه)) وضميره للقسم المراد به
البيتوتة فقط بقرينة العطف، وقد علمت أن العدل في كلامه بمعنى عدم الجور لا
بمعنى التسوية، فإنها لا تلزم في النفقة مطلقاً.
قال في البحر: قال في البدائع: يجب عليه التسوية بين الحرّتين والأمتين في
المأكول والمشروب والملبوس والسكنى والبيتوتة، وهكذا ذكر الولوالجي.
والحق أنه على قول من اعتبر حال الرجل وحده في النفقة. وأما على القول
المفتى به من اعتبار حالهما فلا، فإنه إحداهما قد تكون غنية والأخرى فقيرة، فلا يلزم
التسوية بينهما مطلقاً في النفقة اهـ. وبه ظهر أنه لا حاجة إلى ما ذكره المصنف في
المنح من جعله ما في المتن مبنياً على اعتبار حاله. قوله: (والصحبة) كان المناسب
ذكره عقب قوله في: ((البيتوتة)) لأن الصحبة: أي المعاشرة والمؤانسة ثمرة البيتوتة.

٣٧٩
كتاب النكاح / باب القسم
(لا في المجامعة) كالمحبة بل يستحب. ويسقط حقها بمرّة ويجب ديانة أحياناً
ففي الخانية: ومما يجب على الأزواج للنساء: العدل والتسوية بينهن فيما يملكه،
والبيتوتة عندهما للصحبة، والمؤانسة لا فيما لا يملكه وهو الحب والجماع. قوله: (لا
في المجامعة) لأنها تبتني على النشاط، ولا خلاف فيه.
قال بعض أهل العلم: إن تركه لعدم الداعية والانتشار عذر، وإن تركه مع الداعية
إليه لكن داعيته إلى الضرّة أقوى فهو مما يدخل تحت قدرته. فتح. وكأنه مذهب الغير،
ولذا لم يذكره في البحر والنهر. تأمل. قوله: (بل يستحب) أي ما ذكر من
المجامعة ح.
أما المحبة فهي ميل القلب وهو لا يملك. قال في الفتح: والمستحب أن يسوّى
بينهن في جميع الاستمتاعات من الوطء والقبلة، وكذا بين الجواري وأمهات الأولاد
ليحصنهن عن الاشتهاء للزنى والميل إلى الفاحشة، ولا يجب شيء لأنه تعالى قال:
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّ تَعدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء ٣] فأفاد أن العدل بينهن
ليس واجباً. قوله: (ويسقط حقها بمرة) قال في الفتح: واعلم أن ترك جماعها مطلقاً لا
يحل له، صرح أصحابنا بأن جماعها أحياناً واجب ديانة، لكن لا يدخل تحت القضاء
والإلزام إلا الوطأة الأولى ولم يقدروا فيه مدة. ويجب أن لا يبلغ به مدة الإيلاء إلا
برضاها وطيب نفسها به اهـ. قال في النهر: في هذا الكلام تصريح بأن الجماع بعد
المرة حقه لا حقها اهـ.
قلت: فيه نظر، بل هو حقه وحقها أيضاً، لما علمت من أنه واجب ديانة.
قال في البحر: وحيث علم أن الوطء لا يدخل تحت القسم فهل هو واجب
للزوجة؟
وفي البدائع: لها أن تطالبه بالوطء لأن حله لها حقها، كما أن حلها له حقه، وإذا
طالبته يجب عليه ويجبر عليه في الحكم مرة، والزيادة تجب ديانة لا في حكم عند بعض
أصحابنا، وعند بعضهم: عليه في الحكم اهـ.
وبه علم أنه كان على الشارح أن يقول: ويسقط حقها بمرة في القضاء: أي
لأنه لو لم يصبها مرة يؤجله القاضي سنة ثم يفسخ العقد. أما لو أصابها مرة واحدة
لم يتعرض له، لأنه علم أنه غير عنين وقت العقد، بل يأمره بالزيادة أحياناً لوجوبها
عليه إلا لعذر ومرض أو عنة عارضة أو نحو ذلك، وسيأتي في باب الظهار أن على
القاضي إلزام المظاهر بالتكفير دفعاً لضرر عنها بحبس أو ضرب إلى أن يكفر أو
يطلق، وهذا ربما يؤيد القول المارّ بأنه تجب الزيادة عليه في الحكم، فتأمل. قوله:

٣٨٠
كتاب النكاح / باب القسم
ولا يبلغ مدة الإيلاء إلا برضاها، ويؤمر المتعبد بصحبتها أحياناً، وقدره الطحاوي
بيوم وليلة من كل أربع لحرة وسبع لأمة .
ولو تضرّرت من كثرة جماعه لم تجز الزيادة على قدر طاقتها، والرأي في
تعيين المقدار للقاضي بما يظن طاقتها. نهر بحثاً
(ولا يبلغ مدة الإيلاء) تقدم عن الفتح التعبير بقوله: ويجب أن لا يبلغ الخ. وظاهره
أنه منقول، لكن ذكر قبله في مقدار الدور أنه لا ينبغي أن يطلق له مقدار مدة الإيلاء
وهو أربعة أشهر، فهذا بحث منه كما سيذكره الشارح، فالظاهر أن ما هنا مبني على
هذا البحث. تأمل. ثم قوله: وهو أربعة أشهر يفيد أن المراد إيلاء الحرة، ويؤيد
ذلك أن عمر رضي الله تعالى عنه لما سمع في الليل امرأة تقول: [الطويل]
فَوَ الله لَوْلَا الله تخشَى عَوَاقِبُهْ لَزُحْزِحَ مِنْ هَذَا السّرِيرِ جَوَانِبُهْ
فسأل عنها فإذا زوجها في الجهاد، فسأل بنته حفصة: كم تصبر المرأة عن
الرجل؟ فقالت: أربعة أشهر، فأمر أمراء الأجناد أن لا يتخلف المتزوّج عن أهله أكثر
منها، ولو لم يكن في هذه المدة زيادة مضارة بها لما شرع الله تعالى الفراق بالإيلاء
فيها. قوله: (ويؤمر المتعبد الخ) في الفتح: فأما إذا لم يكن له إلا امرأة واحدة فتشاغل
عنها بالعبادة أو السراري اختار الطحاوي رواية الحسن عن أبي حنيفة أن لها يوماً وليلة
من كل أربع ليال وباقيها له، لأن له أن يسقط حقها في الثلاث بتزوج ثلاث حرائر،
وإن كانت الزوجة أمة فلها يوم وليلة في كل سبع. وظاهر المذهب أن لا يتعين مقدار،
لأن القسم معنى نسبي، وإيجابه طلب إيجاده وهو يتوقف على وجود المنتسبين فلا
يطلب قبل تصوره، بل يؤمر أن يبيت معها ويصحبها أحياناً من غير توقيت اهـ.
ونقل في النهر عن البدائع أن ما رواه الحسن هو قول الإمام أولاً، ثم رجع عنه
وأنه ليس بشيء. قوله: (وسبع لأمة) لأن له أن يتزوّج عليها ثلاث حرائر فيقسم لهن
ستة أيام ولها يوم. قوله: (نهر بحثاً) حيث قال: ومقتضى النظر أنه لا يجوز له أن يزيد
على قدر طاقتها، أما تعيين المقدار فلم أقف عليه لأئمتنا؛ نعم في كتب المالكية
خلاف: فقيل يقضي عليهما بأربع في الليل وأربع في النهار، وقيل بأربع فيهما. وعن
أنس بن مالك: عشر مرات فيهما. وفي دقائق ابن فرحون باثنتي عشرة مرة. وعندي أن
الرأي فيه للقاضي، فيقضي بما يغلب على ظنه أنها تطيقه اهـ.
قال الحموي عقبه: وأقول: ينبغي أن يسألها القاضي عما تطيق، ويكون القول
لها بيمينها لأنه لا يعلم إلا منها، وهذا طبق القواعد؛ وأما كونه منوطاً بظن القاضي فهو
إن لم یکن صحيحاً فبعید.