النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
کتاب النكاح / باب المهر
قول المتأخرين (ولها خدمته لو) كان الزوج (عبداً) مأذوناً في ذلك، أما الحرّ
فخدمته حرام لما فيه من الإهانة والإذلال وكذا استخدامه. نهر في البدائع.
واعترضه المقدسي بأنه لا ضرورة تلجئ إلى صحة تسميته، بل تسمية غيره
تغني، بخلاف الحاجة إلى تعليم القرآن فإنها تحققت للتكاسل عن الخيرات في هذا
الزمان اهـ. وفيه أن المتأخرين أفتوا بجواز الاستئجار على التعليم للضرورة كما صرحوا
به، ولهذا لم يجز على ما لا ضرورة فيه كالتلاوة ونحوها، ثم الضرورة إنما هي علة
لأصل جواز الاستئجار، ولا يلزم وجودها في كل فرد من أفراده، وحيث جاز على
التعليم للضرورة صحت تسميته مهراً لأن منفعته تقابل بالمال كسكنى الدار، ولم يشترط
أحد وجود الضرورة في المسمى، إذ يلزم أن يقال مثله في تسمية السكنى، مثلاً أن
تسمية غيرها تغني عنها، مع أن الزوجة قد تكون محتاجة إلى التعليم دون السكنى
والمال.
واعترض أيضاً في الشرنبلالية بأنه لا يصح تسمية التعليم لأنه خدمة لها وليست
من مشترك مصالحهما: أي بخلاف رعي غنمها وزراعة أرضها، فإنه وإن كان خدمة لها
لكنه من المصالح المشتركة بينه وبينها. وأجاب تليمذه الشيخ عبد الحيّ بأن الظاهر
عدم تسليم كون التعليم خدمة لها، فليس كل خدمة لا تجوز، وإنما يمتنع لو كانت
الخدمة للترذيل. قال ط: وهو حسن، لأن معلم القرآن لا يعدّ خادماً للمتعلم شرعاً ولا
عرفاً اهـ.
قلت: ويؤيده أنهم لم يجعلوا استئجار الابن أباه لرعي الغنم والزراعة خدمة، ولو
كان رعي الغنم خدمة أو رذيلة لم يفعله نبينا وموسى عليهما الصلاة والسلام، بل هو
حرفة كباقي الحرف الغير المسترذلة يقصد بها الاكتساب، فكذا التعليم لا يسمى خدمة
بالأولى.
تنبيه: قال في النهر: والظاهر أنه يلزمه تعليم كل القرآن إلا إذا قامت قرينة على
إرادة البعض، والحفظ ليس من مفهومه كما لا يخفى اهـ: أي فلا يلزمه تعليمه على وجه
الحفظ عن ظهر قلبها. قوله: (ولها خدمته) لأن الخدمة إذا كانت بإذن المولى صار
كأنه يخدم المولى حقيقة. بحر. فليس فيه قلب الموضوع اهـح ولأن استخدام زوجته
إياه ليس بحرام، لأنه عرضة للاستخدام والابتذال لكونه مملوكاً ملحقاً بالبهائم. بدائع.
قوله: (مأذوناً في ذلك) أي في التزوج على خدمته، فلو بلا إذن مولاه لم يصح العقد.
قوله: (أما الحر) أي الزوج الحرّ. قوله: (فخدمته لها حرام) أي إذا خدمها فيها يخصها
على الظاهر ولو من غير استخدام، يدل على ذلك عطف الاستخدام عليه ط. قوله:
(وكذا استخدامه) صرح به في البدائع أيضاً. وقال: ولهذا لا يجوز للابن أن يستأجر أباه

٢٤٢
كتاب النكاح / باب المهر
(وكذا يجب) مهر المثل (فيما إذا لم يسمّ) مهراً (أو نفى إن وطئ) الزوج
(أو مات عنها إذا لم يتراضيا على شيء) يصلح مهراً (وإلا فذلك) الشيء (هو
الواجب، أو سمى خمراً أو خنزيراً،
للخدمة. قال في البحر: وحاصله أنه يحرم عليها الاستخدام، ويحرم عليه الخدمة.
قوله: (فیما إذا لم يسمّ مهراً) أي لم يسمه تسمية صحيحة أو سكت عنه نهر، فدخل
فيه ما لو سمى غير مال كخمر ونحوه، أو مجهول الجنس كدابة وثوب.
قال في البحر: ومن صور ذلك ما إذا تزوجها على ألف على أن ترد إليه ألفاً، أو
تزوجها على عبدها أو قالت زوّجتك نفسي بخمسين ديناراً وأبرأتك منها فقبل، أو
تزوجها على حكمها أو حكمه أو حكم رجل آخر، أو على ما في بطن جاريته أو
أغنامه، أو على أن يهب لأبيها ألف درهم، أو على تأخير الدين عنها سنة والتأخير
باطل، أو على إبراء فلان من الدین، أو على عتق أخيها أو طلاق ضرتها؛ وليس منه ما
لو تزوّجها على عبد الغير لوجوب قيمته إذا لم يجز مالكه، أو على حجة لوجوب قيمة
حجة وسط، لا مهر المثل والوسط بركوب الراحلة، أو على عتق أخيها عنها لثبوت
الملك لها في الأخ اقتضاء، أو تزوّجته بمثل مهر أمها وهو لا يعلمه لأنه جائز
بمقداره، وله الخيار إذا علم اهـ ملخصاً باختصار. قوله: (أو نفى) بأن تزوّجها على أن
لا مهر لها ط. قوله: (إن وطئّ الزوج) أي ولو حكماً. نهر: أي بالخلوة الصحيحة فإنها
كالوطء في تأكد المهر كما سيأتي. قوله: (أو مات عنها) قال في البحر: لو قال أو
مات أحدهما لكان أولى، لأن موتها کموته كما في التبیین اهـ.
وأعلم أنه إذا ماتا جميعاً فعنده لا يقضي بشيء، وعندهما يقضي بمهر المثل. قال
السرخسي: هذا إذا تقدم العهد بحيث يتعذر على القاضي الوقوف على مهر المثل، أما
إذا لم يتقادم يقضي بمهر المثل عنده أيضاً. حموي عن البرجندي أبو السعود.
تنبيه: استفتى الشيخ صالح ابن المصنف من الخير الرملي عما لو طلبت المرأة
مهر مثلها قبل الوطء أو الموت هل لها ذلك أم لا؟ فأجابه بما في الزيلعي من أن مهر
المثل يجب بالعقد، ولهذا كان لها أن تطالبه به قبل الدخول، فيتأكد ويتقرر بموت
أحدهما أو بالدخول على ما مر في المهر المسمى في العقد اهـ. وبه صرح الكمال وابن
ملك وغيرهما، وقد بسط ذلك في الخيرية فراجعها. قوله: (إذا لم يتراضيا) أي بعد
العقد. قوله: (وإلا) بأن تراضيا على شيء فهو الواجب بالوطء أو الموت، أما لو طلقها
قبل الدخول فتجب المتعة كما يأتي في قوله: ((وما فرض بعد العقد أو زيد لا
يتنصف)). قوله: (أو سمى خمراً أو خنزيراً) أي سمى المسلم لأن الكلام فيه، أما غير
المسلم فسيأتي في بابه، وكذا الميتة والدم بالأولى لأنه ليس بمال أصلاً، وشمل ما لو

٢٤٣
كتاب النكاح / باب المهر
أو هذا الخل وهو خمر، أو هذا العبد وهو حر) لتعذر التسليم (أو دابة) أو ثوباً أو
داراً و(لم يبين جنسها) لفحش الجهل (و) تجب (متعة لمفوضة) وهي من زوّجت
كانت الزوجة ذمية لأنه لا يمكن إيجاب الخمر على المسلم، لأنها ليست بمال في
حقه، وخرجٍ ما لو سمى عشرة دراهم ورطل خمر فلها المسمى ولا يكمل مهر المثل.
بحر ملخصاً. قوله: (أو،هذا الخل وهو خمر الخ) أي يجب مهر المثل إذا سمى حلالاً
وأشار إلى حرام عند أبي حنيفة، فلو بالعكس كهذا الحرّ فإذا هو عبد لها العبد المشار
إليه في الأصح، وأشار إلى وجوب مهر المثل بالأولى لو كانا حرامين، ولو كانا
حلالين وقد اختلفا جنساً كما إذا قال على هذا الدنّ من الخل فإذا هو زيت، وعلى هذا
العبد فإذا هو جارية، كان لها مثل الدن خلاًّ وعبد بقيمة الجارية كما في الذخيرة، إلا
أن الذي في الخانية أن لها مثل ذلك المسمى، ومقتضاه وجوب عبد وسط أو قيمته ولا
ينظر إلى قيمة الجارية. بحر ونهر ملخصاً.
قال في البحر: فصار الحاصل أن القسمة رباعية، لأنهما إما أن يكونا حرامين أو
حلالين أو مختلفين فيجب مهر المثل فيما إذا كانا حرامين أو المشار إليه حراماً، وتصح
التسمية في الباقيين. قال: وأشار المصنف بوجوب مهر المثل عيناً إلى أن المشار إليه
لو كان حراً حربياً فاسترقّ وملكه الزوج لا يلزمه تسليمه. وفي الأسرار أنه متفق عليه،
وكذا الخمر لو تخللت لم يجب تسليمها. قوله: (أو دابة أو ثوباً) لأن الثياب أجناس
كالحيوان والدابة، فليس البعض أولى من البعض بالإرادة فصارت الجهالة فاحشة.
بحر. ثم ذكر تعريف الجنس عند الفقهاء، وسيأتي الكلام عليه عند قول المصنف: ولو
تزوجها على فرس فالواجب الوسط أو قيمته».
مَطْلَبْ فِي أَحْكَامِ الْمُتْعَةِ
قوله: (وتجب متعة لمفوضة) بكسر الواو، من فوّضت أمرها لوليها وزوجها بلا
مهر، وبفتحها من فوضها وليها إلى الزوج بلا مهر.
واعلم أن الطلاق الذي تجب فيه المتعة ما يكون قبل الدخول في نكاح لا تسمية
فيه، سواء فرض بعده أو لا، أو كانت التسمية فيه فاسدة كما في البدائع. قال في
البحر: وإنما تجب فیما لم تصح فيه التسمية من كل وجه، فلو صحت من وجه دون
وجه لا تجب المتعة وإن وجب مهر المثل بالدخول، كما إذا تزوجها على ألف درهم
وكرامتها أو على ألف وأن يهدي لها هدية، فإذا طلقها قبل الدخول كان لها نصف
الألف لا المتعة، مع أنه لو دخل بها وجب مهر المثل لا ينقص عن الألف كما في غاية
البيان، لأن المسمى لم يفسد من كل وجه لأنه على تقدير كرامتها والإهداء يجب الألف
لا مهر المثل اهـ. وقدمنا عن البدائع في تعليل ذلك أنه لا مدخل لمهر المثل في

٢٤٤
كتاب النكاح / باب المهر
بلا مهر (طلقت قبل الوطء، وهي درع وخمار وملحفة لا تزيد على نصفه) أي
نصف مهر المثل لو الزوج غنياً (ولا تنقص عن خمسة دراهم) لو فقيراً
الطلاق قبل الدخول. قوله: (طلقت قبل الوطء) أي والخلوة. بحر. وقد مر أنها وطء
حكماً، والمراد بالطلاق فرقة جاءت من قبل الزوج ولم يشاركه صاحب المهر في سببها
طلاقاً كانت أو فسخاً: كالطلاق والفرقة بالإيلاء واللعان، والجب والعنة والردة: وإيائه
الإسلام وتقبيله ابنتها أو أمها بشهوة؛ فلو جاءت من قبلها: كردتها وإبائها الإسلام،
وتقبيلها ابنه بشهوة والرضاع، وخيار البلوغ والعتق، وعدم الكفاءة، فإنه لا متعة لها لا
وجوباً ولا استحباباً كما في الفتح، كما لا يجب نصف المسمى لو كان، وخرج ما لو
اشترى هو أو وكيله منكوحته من المولى فإن مالك المهر يشارك الزوج في السبب وهو
الملك فلذا لا تجب المتعة ولا نصف المسمى؛ بخلاف ما لو باعها المولى من رجل ثم
اشتراها الزوج منه فإنها واجبة كما في التبيين. بحر. قوله: (وهي درع الخ) الدرع:
بكسر المهملة ما تلبسه المرأة فوق القميص كما في المغرب، ولم يذكره في الذخيرة
وإنما ذكر القميص وهو الظاهر. بحر.
وأقول: درع المرأة قميصها والجمع أدرع؛ وعليه جرى العيني، وعزاه في البناية
لابن الأثير، فكونه في الذخيرة لم يذكره مبني على تفسير المغرب، والخمار: ما تغطي
به المرأة رأسها. والملحفة: بكسر الميم ما تلتحف به المرأة من قرنها إلى قدمها. قال
فخر الإسلام: هذا في ديارهم، أما في ديارنا فيزاد على هذا إزار ومكعب، كذا في
الدراية، ولا يخفى إغناء الملحفة عن الإزار، إذ هي بهذا التفسير إزار إلا أن يتعارف
تغايرهما كما في مكة المشرفة، ولو دفع قيمتها أجبرت على القبول كما في البدائع.
نهر. وما ذكر من الأثواب الثلاثة أدنى المتعة. شرنبلالية عن الكمال. وفي البدائع:
وأدنى ما تكتسي به المرأة وتستر به عند الخروج ثلاثة أثواب اهـ.
قلت: ومقتضى هذا مع ما مر عن فخر الإسلام من أن هذا في ديارهم الخ، أن
يعتبر عرف كل بلدة لأهلها فيها تكتسي به المرأة عند الخروج. تأمل.
ثم رأيت بعض المحشين قال: وفي البرجندي قالوا: هذا في ديارهم، أما في
ديارنا فينبغي أن يجب أكثر من ذلك، لأن النساء في ديارنا تلبس أكثر من ثلاثة أثواب
فيزاد على ذلك إزار ومكعب اهـ. وفي القاموس: المكعب الموشى من البرود
والأثواب اهـ: أي المنقوش. قوله: (لا تزيد على نصفه الخ) في الفتح عن الأصل
والمبسوط: المتعة لا تزيد على نصف مهر المثل لأنها خلفه، فإن كانا سواء فالواجب
المتعة لأنها الفريضة بالكتاب العزيز، وإن كان النصف أقل منها فالواجب الأقل، إلا أن
ينقص عن خمسة فيكمل لها الخمسة اهـ. وقول الشارح أوّلًا: ((لو الزوج غنياً) وثانياً:

٢٤٥
كتاب النكاح / باب المهر
(وتعتبر) المتعة (بحالهما) كالنفقة، به يفتى (وتستحب المتعة لمن سواها) أي
المفوّضة (إلا من سمى لها مهر وطلقت قبل وطء) فلا تستحب لها
((و فقيراً)) لم يظهر لي وجهه، بل الظاهر أنه مبني على القول باعتبار حال الزوج في
المتعة، وهو خلاف ما بعده، فليتأمل. قوله: (وتعتبر المتعة بحالهما) أي فإن كانا
غنيين فلها الأعلى من الثياب، أو فقيرين فالأدنى، أو مختلفين فالوسط، وما ذكره قول
الخصاف. وفي الفتح: إنه الأشبه بالفقه. والكرخي: اعتبر حالها، واختاره القدوري،
والإمام السرخسي: اعتبر حاله، وصححه في الهداية.
قال في البحر: فقد اختلف الترجيح. والأرجح قول الخصاف، لأن الولوالجي
صححه. وقال: وعليه الفتوى، كما أفتوا به في النفقة، وظاهر كلامهم أن ملاحظة
الأمرين: أي أنها لا تزاد على نصف مهر المثل ولا تنقص عن خمسة دراهم معتبرة على
جميع الأقوال كما هو صريح الأصل والمبسوط اهـ.
وذكر في الذخيرة اعتبار كون المتعة وسطاً، لا بغاية الجودة ولا بغاية الرداءة.
واعترضه في الفتح بأنه لا يوافق رأياً من الثلاثة.
وأجاب في البحر بأنه موافق للكل، فعلى القول باعتبار حالها لو فقيرة لها كرباس
وسط، ولو متوسطة فقزّ وسط، ولو مرتفعة فإبريسم وسط، وكذا يقال على القول
باعتبار حاله، وكذا على قول من اعتبر حالهما لو فقيرين فلها کرباس وسط، أو غنیین
فإبريسم وسط، أو مختلفين فقزّ وسط اهـ. وفي النهر: إن حمل ما في الذخيرة على هذا
ممكن. واعتراض الفتح عليه وارد من حيث الإطلاق فإنه يفيد أنه يجب من القزّ أبداً.
قوله: (أي المفوّضة) تفسير للضمير المجرور في سواها، وإنما أخرجها لأن متعتها
واجبة كما علمت. قوله: (إلا من سمى لها مهر الخ) هذا على ما في بعض نسخ
القدوري، ومشى عليه صاحب الدرر، لكن مشى في الكنز والملتقى على أنها تستحب
لها، ومثله في المبسوط والمحيط، وهو رواية التأويلات وصاحب التيسير والكشاف
والمختلف كما في البحر.
قلت: وصرح به أيضاً في البدائع، وعزاه في المعراج إلى زاد الفقهاء وجامع
الإسبيجابي. وعن هذا قال في شرح الملتقى: إنه المشهور. وقال الخير الرملي: إن ما
في بعض نسخ القدوري لا يصادم ما في المبسوط والمحيط.
قلت: فكيف مع ما ذكر في هذه الكتب؟ وعليه فكان ينبغي للمصنف إسقاط هذا
الاستثناء.
وفي البحر: وقدمنا أن الفرقة إذا كانت من قبلها قبل الدخول لا تستحب لها

٢٤٦
كتاب النكاح / باب المهر
بل للموطوءة، سمى لها مهراً أو لا، فالمطلقات أربع (وما فرض) بتراضيهما أو
بفرض قاض مهر المثل (بعد العقد) الخالي عن المهر (أو زيد) على ما سمى
فإنها تلزمه بشرط قبولها في المجلس، أو قبول ولي الصغيرة ومعرفة قدرها وبقاء
الزوجية على الظاهر. نهر.
المتعة أيضاً لأنها الجانية. قوله: (بل للموطوءة الخ) أي بل يستحب لها. قال في
البدائع: وكل فرقة جاءت من قبل الزوج بعد الدخول تستحب فيها المتعة، إلا أن يرتدّ
أو يأتي الإسلام، لأن الاستحباب طلب الفضيلة والكافر ليس من أهلها. قوله:
(فالمطلقات أربع) أي مطلقة قبل الوطء أو بعده سمى لها أو لا. فالمطلقة قبله إن لم
يسم لها فمتعتها واجبة، وإن سمى فغير واجبة ولا مستحبة أيضاً على ما هنا. والمطلقة
بعده متعتها مستحبة، سمى لها أو لا. قوله: (أو بفرض قاض مهر المثل) بنصب مهر
مفعول فرض. قال في البدائع: لو تزوجها على أن لا مهر لها وجب مهر المثل بنفس
العقد عندنا، بدليل أنها لو طلبت الفرض من الزوج يجب عليه الفرض، حتى لو امتنع
يجبره القاضي عليه، ولو لم يفعل ناب منابه في الفرض، وهذا دليل الوجوب قبل
الفرض. قوله: (فإنها تلزمه) أي الزيادة إن وطء أو مات عنها، وهذا التفريع مستفاد من
مفهوم قوله: ((لا ينصف)) أي بالطلاق قبل الدخول فيفيد لزومه وتأكده بالدخول، ومثله
الموت. قوله: (بشرط قبولها الخ) أفاد أنها صحيحة ولو بلا شهود، أو بعد هبة المهر
والإبراء منه، وهي من جنس المهر أو من غير جنسه. بحر. وسواء كانت من الزوج أو
ولي، فقد صرحوا بأن الأب والجد لو زوّج ابنه ثم زاد في المهر صح. نهر. وفي أنفع
الوسائل: ولا يشترط فيها لفظ الزيادة بل تصح بلفظها، وبقوله راجعتك بكذا إن قبلت
وإن لم يكن بلفظ زدتك في مهرك، وكذا بتجديد النكاح وإن لم يكن بلفظ الزيادة على
خلاف فيه، وكذا لو أقرّ لزوجته بمهر وكانت قد وهبته له فإنه يصح إن قبلت في مجلس
الإقرار وإن لم يكن بلفظ الزيادة. قوله: (ومعرفة قدرها) أي الزيادة، فلو قال زدتك في
مهرك ولم يعين لم تصح الزيادة للجهالة كما في الوقعان. بحر. قوله: (وبقاء الزوجية
الخ) أي الذي في البحر أن الزيادة بعد موتها صحيحة إذا قبلت الورثة عند أبي حنيفة
خلافاً لهما كما في التبيين من البيوع اهـ. وعزاه في أنفع الوسائل إلى القدوري، ثم
قال: ولم يذكر الزيادة بعد الطلاق البائن وانقضاء العدة في الرجعي. والظاهر أنه يجوز
عنده بالأولى، لأنه بالموت انقطع النكاح وفات محل التمليك، وبعد الطلاق المحل
باق، وقد ثبت لها ذلك عنده في الموت، ففي الطلاق أولى. وما ذكره في البحر
المحيط من رواية بشر عن أبي يوسف من أن الزيادة بعد الفرقة باطلة، يحمل على أنه
قول أبي يوسف وحده، لأنه خالف أبا حنيفة في الزيادة بعد الموت فيكون قد مشی

٢٤٧
كتاب النكاح / باب المهر
وفي الكافي: جدّد النكاح بزيادة ألف لزمه ألفان على الظاهر.
على أصله، ولم ينقل عن الإمام في الزيادة بعد البينونة شيء، فيحمل الجواب فيه على
ما نقل عنه في الزيادة بعد الموت اهـ. وتبعه في البحر. قال في النهر: والظاهر عدم
الجواز بعد الموت والبينونة، وإليه يرشد تقييد المحيط بحال قيام النكاح، إذ نقلوا أن
ظاهر الرواية أن الزيادة بعد هلاك المبيع لا تصح، وفي رواية النوادر: تصح، ومن ثم
جزم في المعراج وغيره بأن شرطها بقاء الزوجية، حتى لو زادها بعد موتها لم تصح،
والالتحاق بأصل العقد وإن كان يقع مستنداً إلا أنه لا بد أن يثبت أولاً في الحال ثم
يستند، وثبوته متعذر لانتفاء المحل فتعذر استناده، وما ذكره القدوري موافق لرواية
النوادر اهـ. قال ط: والذي يظهر أن ما في المحيط والمعراج مخرّج على قولهما فلا
ينافي ما في التبيين، وكون ظاهر الرواية عدم صحة الزيادة بعد هلاك المبيع لا يقتضي
أن يكون ظاهر الرواية هنا لفرق بين الفصلين قام عند المجتهد، فإنه في النكاح أمر الله
تعالى بعدم نسيان الفضل بين الزوجين، وهذه الزيادة من مراعاة الفضل، يؤيده مشروعية
المتعة فيه، بخلاف البيع اهـ. قوله: (وفي الكافي الخ) حاصل عبارة الكافي: تزوّجها
في السرّ بألف ثم في العلانية بألفين ظاهر المنصوص في الأصل أنه يلزم عنده الألفان
ويكون زيادة في المهر، وعنه أبي يوسف المهر هو الأول، لأن العقد الثاني لغو،
فيلغو ما فيه. وعند الإمام أن الثاني وإن لغا لا يلغو ما فيه من الزيادة، كمن قال لعبده
الأكبر سنا منه هذا ابني ما لغا عندهما لم يعتق العبد. وعنده وإن لغا في حكم النسب
يعتبر في حق العتق، كذا في المبسوط. وذكر في الفتح أن هذا إذا لم يشهدا على أن
الثاني هزل، وإلا فلا خلاف في اعتبار الأول، فلو ادعى الهزل لم يقبل بلا بينة، ثم
ذكر أن بعضهم اعتبر ما في العقد الثاني فقط بناء على أن المقصود تغيير الأول إلى
الثاني، وبعضهم أوجب كلا المهرين، لأن الأول ثبت ثبوتاً لا مردّ له والثاني زيادة
علیه، فيجب بكماله.
ثم ذكر أن قاضيخان أفتى بأنه لا يجب بالعقد الثاني شيء ما لم يقصد به الزيادة
في المهر، ثم وفق بينه وبين إطلاق الجمهور اللزوم بحمل كلامه على أنه لا يلزم عند
الله تعالى في نفس الأمر إلا بقصد الزيادة وإن لزم في حكم الحاكم لأنه يؤاخذه بظاهر
لفظه إلا أن يشهد على الهزل، وأطال الكلام فراجعه.
أقول: بقي ما إذا جدد بمثل المهر الأول، ومقتضى ما مر من القول باعتبار تغيير
الأول إلى الثاني أنه لا يجب بالثاني شيء هنا، إذ لا زيادة فيه، وعلى القول الثاني يجب
المهران.
تنبيه: في القنية: جدد للحلال نكاحاً بمهر يلزم إن جدده لأجل الزيادة لا

٢٤٨
٩
كتاب النكاح / باب المهر
وفي الخانية: ولو وهبته مهرها ثم أقرّ بكذا من المهر وقبلت صح، ويحمل
على الزيادة.
وفي البزازية: الأشبه أنه لا يصح بلا قصد الزيادة (لا ينصف) لاختصاص
التنصيف بالمفروض في العقد بالنص، بل تجب المتعة في الأول ونصف الأصل
في الثاني.
(وصح حطها) لكله أو بعضه (عنه) قبل أو لا
احتياطاً اهـ: أي لو جدده لأجل الاحتياط لا تلزمه الزيادة بلا نزاع كما في البزازية.
وينبغي أن يحمل على ما إذا صدقته الزوجة أو أشهد، وإلا فلا يصدق في إرادته
الاحتياط كما مر عن الجمهور، أو يحمل على ما عند الله تعالى، وسيأتي تمام الكلام
على مسألة مهر السرّ والعلانية في آخر هذا الباب. قوله: (ويحمل على الزيادة) لوجوب
تصحيح التصرّف ما أمكن، واشترط القبول لأن الزيادة في المهر لا تصح إلا به. فتح
عن التجنيس. قوله: (وفي البزازية) استدراك على ما في الخانية، وأقره في النهر، لكن
ارتضى في الفتح ما في الخانية، وهو الأوجه لأنه حيث ثبت جواز الزيادة في المهر
يحمل كلامه عليها بقرينة الهبة الدالة على إرادة الزيادة على ما كان عليه لقصد التعويض
عنه، فلا يصدق في أنه لم يرد الزيادة. تأمل. قوله: (لا ينصف) أي بالطلاق قبل
الدخول. بحر. وهذا خبر قوله: ((وما فرض الخ)). قوله: (بالمفروض) متعلق
باختصاص، وقوله: ((في العقد)) متعلق بالمفروض، وقوله: ((بالنص)) أي قوله تعالى:
﴿فَنِصْفُ مَافَرَضْتُمْ﴾ [البقرة ٢٣٧] متعلق باختصاص: أي وما فرض بعد العقد أو زيد
بعده ليس مفروضاً في العقد. قوله: (بل تجب المتعة في الأول) أي فيما لو فرض بعد
العقد، لأن هذا الفرض تعيين للواجب العقد وهو مهر المثل وذلك لا يتنصف، فكذا ما
نزل منزلته. نهر. وعند أبي يوسف: لها نصف ما فرض، والأول أصح كما في شرح
الملتقى. قوله: (ونصف الأصل في الثاني) أي فيما لو زاد بعد العقد.
مَطْلَبُ فِي حَطِّ الْمَهْرِ وَالْإِبْرَاءِ مِنْهُ
قوله: (وصح حطها) الحط: الإسقاط كما في المغرب، وقيد بحطها لأن حط
أبيها غير صحيح لو صغيرة، ولو كبيرة توقف عن إجازتها، ولا بد من رضاها.
ففي هبة الخلاصة: خوّفها الضرب حتى وهبت مهرها لم يصح لو قادراً على
الضرب اهـ. ولو اختلفا فالقول لمدعي الإكراه، ولو برهنا فبينة الطوع أولى. قنية. وأن
لا تكون مريضة مرض الموت. ولو اختلف مع ورثتها فالقول للزوج أنه كان في الصحة
لأنه ینکر المهر. خلاصة. ولو وهبته في مرضها فمات قبلها فلا دعوى لها بل لورثتها
بعد موتها، وتمام الفروع في البحر. قوله: (لكله أو بعضه) قيده في البدائع بما إذا كان

٢٤٩
كتاب النكاح / باب المهر
ويرتد بالرد كما في البحر.
(والخلوة) مبتدأ خبره قوله الآتي: كالوطء (بلا مانع حسي) كمرض
لأحدهما يمنع الوطء (وطبعي) كوجود ثالث عاقل. ذكره ابن الكمال، وجعله في
الأسرار من الحسي، وعليه فليس للطبعي مثال مستقل (وشرعي)
المهر ديناً: أي دراهم أو دنانير لأن الحط في الأعيان لا يصح. بحر. ومعنى عدم
صحته أن لها أن تأخذه منه ما دام قائماً فلو هلك في يده سقط المهر عنه لما في
البزازية: أبرأتك عن هذا العبد يبقى العبد وديعة عنده أهـ. نهر. قوله: (ويرتد بالرد) أي
كهبة الدين ممن عليه الدين، ذكره في أنفع الوسائل بحثاً وقال: لم أره. واستدل له في
البحر بما في مداينات القنية، قالت لزوجها أبرأتك ولم يقل قبلت، أو كان غائباً فقالت
أبرأت زوجي يبرأ إذا ردّه اهـ. قال في النهر: ولا يخفى أن المدعي إنما هو رد الحط،
وكأنه نظر إلى أن الحط إبراء معنى.
قوله: (كمرض لأحدهما يمنع الوطء) أي أو يلحقه به ضرر. قال الزيلعي: وقيل
هذا التفصيل في مرضها، وأما مرضه فمانع مطلقاً لأنه لا يعري عن تكسر وفتور عادة
وهو الصحيح اهـ. ومثله في الفتح والبحر والنهر.
قلت: إن كان التكسر والفتور منه مانعاً من الوطء أو مضرّاً له كان مثل المرأة في
اشتراط المنع أو الضرر، وإلا فهو كالصحيح، فما وجه كون مرضه مانعاً من صحة
الخلوة، إلا أن يقال: المراد أن مرضه في العادة يكون مانعاً من وطئه فلا فائدة في ذكر
التفصيل فيه، بخلاف مرضها فتأمل.
مَطْلَبُ فِي أَحْكَامِ الخَلْوَةِ
قوله: (وجعله في الأسرار من الحسي) قلت: وجعله في البحر مانعاً لتحقق
الخلوة حيث ذكر أن لإقامة الخلوة مقام الوطء شروطاً أربعة: الخلوة الحقيقية، وعدم
المانع الحسي أو الطبعي أو الشرعي، فالأول للاحتراز عما إذا كان هناك ثالث فليست
بخلوة، وعن مكان لا يصلح للخلوة كالمسجد والطريق العام والحمام الخ.
ثم ذكر عن الأسرار أن هذين من المانع الحسي، وعليه فالمانع الحسي ما يمنعها
من أصلها أو ما يمنع صحتها بعد تحققها كالمرض، فافهم. قوله: (فليس للطبعي مثال
مستقل) فإنهم مثلوا للطبعي بوجود ثالث وبالحيض أو النفاس، مع أن الأولى منهيّ
شرعاً وينفر الطبع عنه، فهو مانع حسي طبعي شرعي، والثاني طبعي شرعي؛ نعم
سيأتي عن السرخسي أن جارية أحدهما تمنع بناء على أنه يمتنع من وطء الزوجة
بحضرتها طبعاً مع أنه لا باس به شرعاً، فهو مانع طبعي لا شرعي، لكنه حسي أيضاً،

٢٥٠
كتاب النكاح / باب المهر
كإحرام لفرض أو نفل.
(و) من الحسي (رتق) بفتحتين: التلاحم (وقرن) بالسكون عظم (وعفل)
بفتحتين: غدة (وصغر) ولو بزوج (لا يطاق معه الجماع و) بلا وجود ثالث معهما
ولو نائماً أو أعمى (إلا أن يكون) الثالث (صغيراً) لا يعقل بأن لا يعبر عما يكون
فافهم. قوله: (كإحرام لفرض أو نفل) لحجّ أو عمرة قبل وقوف عرفة أو بعده قبل
طواف. وأطلق في إحرام النفل فعم ما إذا كان بإذنه أو بغير إذنه، وقد نصوا على أنه له
أن يحللها إذا كان بغير إذنه ط.
قلت: فالظاهر أن التعميم الأخير غير مراد لأن العلة الحرمة وهي مفقودة. قوله:
(ومن الحسي الخ) لما كان ظاهر العطف يقتضي أن الرتق وما عطف عليه يخرج عن
الموانع الثلاثة مع أنها من الحسي قدره الشارح ط. قوله: (بالسكون) نقل الخير الرملي
عن شرح الروض للقاضي زكريا أن القرن بفتح رائه أرجح من إسكانها. قوله: (عظم)
في البحر عن المغرب: القرن في الفرج: مانع يمنع من سلوك الذكر فيه، إما غدة
غليظة أو لحم أو عظم، وامرأة رتقاء بها ذلك اهـ. ومقتضاه ترادف القرن والرتق.
قوله: (وعفل) بالعين المهملة والفاء، وقوله: ((غدة)) بالغين المعجمة: أي في خارج
الفرج. ففي القاموس أنه شيء يخرج من قبل المرأة شبيه بالأدرة للرجال. قوله: (ولو
بزوج) الباء للمصاحبة: أي ولو كان الصغر مصاحب الزوج؛ يعني لا فرق بين أن يكون
الزوج أو الزوجة أو كل منهما صغيراً اهـ. قال في البحر: وفي خلوة الصغير الذي لا
يقدر على الجماع قولان، وجزم قاضيخان بعدم الصحة فكان هو المعتمد، ولذا قيد
في الذخيرة بالمراهق اهـ. وتجب العدة بخلوته وإن كانت فاسدة، لأن تصريحهم بوجوبها
بالخلوة الفاسدة شامل لخلوة الصبيّ، كذا في البحر من باب العدة. قوله: (لا يطاق
معه الجماع) وقدرت الإطاقة بالبلوغ، وقيل بالتسع، والأولى عدم التقدير كما قدمناه.
ولو قال الزوج تطيقه وأراد الدخول وأنكر الأب فالقاضي يريها لنساء ولم يعتبر السن،
كذا في الخلاصة. بحر. قوله: (وبلا وجود ثالث) قدر قوله: ((بلا)) ليكون عطفاً على
قوله: ((بلا مانع حسي) بناء على أنه طبعي فقط، لكن علمت ما فيه. قال ط: ولا
يتكرر مع ما تقدم لأن ذلك تمثيل من الشارح، وهذا من المصنف تقييد. قوله: (ولو
نائماً أو أعمى) لأن الأعمى يحس والنائم يستيقظ ويتناوم. فتح. ودخل فيه الزوجة
الأخرى وهو المذهب، بناء على كراهة وطئها بحضرة ضرتها. بحر.
قلت: وفي البزازية من الحظر والإباحة. ولا بأس بأن يجامع زوجته وأمته بحضرة
النائمين إذا كانوا لا يعلمون به، فإن علموا كره اهـ. ومقتضاه صحة الخلوة عند تحقق
النوم. تأمل.

٢٥١
كتاب النكاح / باب المهر
بينهما (أو مجنوناً أو مغمى عليه) لكن في البزازية: إن في الليل صحت لا في
النهار، وكذا الأعمى في الأصح (أو جارية أحدهما) فلا تمنع، به يفتى. مبتغى
(والكلب يمنع إن) كان (عقوراً) مطلقاً. وفي الفتح: وعندي أن كلبه لا يمنع
مطلقاً (أو) كان (للزوجة وإلا) يكن عقوراً
وفي البحر: وفصل في المبتغى في الأعمى، فإن لم يقف على حالة تصح، وإن
كان أصم إن كان نهاراً لا تصح، وإن كان ليلاً تصح اهـ.
قلت: الظاهر أنه أراد بالأصم غير الأعمى، أما لو كان أعمى أيضاً فلا فرق في
حقه بين النهار والليل. تأمل. قوله: (والمجنون والمغمى عليه) وقيل يمنعان فتح.
قلت: يظهر لي المنع في المجنون لأنه أقوى حالاً من الكلب العقور. تأمل. قوله:
(وكذا الأعمى (١)) قد علمت ما فيه من أنه لا يظهر الفرق بين الليل والنهار في حقه.
تأمل. قوله: (به يفتى) زاد في البحر عن الخلاصة أنه المختار. ثم قال: وجزم الإمام
السرخسي في المبسوط بأن كلّ منهما يمنع، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه لأنه يمتنع
من غشيانها بين يدي أمته طبعاً اهـ: أي وكذا بين يدي أمتها بالأولى لأنها أجنبية لا تحل
له. قلت: وجزم به أيضاً الإمام قاضيخان في شرح الجامع. وفي البدائع: لو كان
الثالث جارية له، روى أن محمداً كان يقول أولًا: تصح خلوته، ثم رجع وقال: لا
تصح اهـ. ولعل وجه الأول ما صرحوا به من أنه لا بأس بوطء المنكوحة بمعاينة الأمة
دون عكسه، لكن هذا يظهر في أمته دون أمتها، على أن نفي البأس شرعاً لا يلزم منه
عدم نفرة الطباع السليمة عنه، وحيث كان هو المنقول عن أئمتنا الثلاثة كما مر، وعزاه
أيضاً في الفتاوى الهندية إلى الذخيرة والمحيط. والخانية: لا ينبغي العدول عنه
لموافقته الدراية والرواية، ولذا قال الرحمتي: العجب كيف يجعل المذهب المفتى به ما
هو خلاف قول الإمام وصاحبيه مع عدم اتجاهه في المعنى !. قوله: (إن كان عقوراً
مطلقاً) أي سواء كان كلبه أو كلبها. قوله: (لا يمنع مطلقاً) أي عقوراً أو لا، وعلله في
الفتح بقوله: لأن الكلب قط لا يعتدي على سيده ولا على من يمنعه سيده عنه اهـ.
وحينئذ فلو رآه الكلب فوقها يكون سيده في صورة الغالب لها فلا يعدو عليه، وكذا لو
أمرها الزوج أن تكون فوقه، لأنها وإن كانت في صورة الغالبة له وأمكن أن يعدو عليها
الكلب لكن يمنعه سيده عنها فتصح الخلوة، فافهم. قوله: (أو كان للزوجة) أي أو كان
غير عقور وكان للزوجة فإنه يكون مانعاً، لكن مقتضى ما علل به في الفتح أنه لا فرق
بين كلبه وكلبها، لأن كلبها وإن رآها تحت الزوج يمكن أن تمنعه عنه فلا يعدو عليه
(١) في ط (قوله والمجنون والمغمى عليه) كذا بخط المحشي، وهو غير موافق لقول المصنف ((أو مجنوناً الخ)
کتبه نصر.

٢٥٢
كتاب النكاح / باب المهر
وكان له (لا) يمنع، وبقي منه عدم صلاحية المكان كمسجد وطريق وحمام
وصحراء وسطح
فتصح الخلوة. تأمل. قوله: (وكان له) بالواو. وفي بعض النسخ بأو وهو
تحريف اهـح: أي لأن الصور أربع: عقور له أو لها، وغير عقور كذلك، فذكر أولاً أن
المانع ثلاث صور عقور مطلقاً، وغير عقور هو لها، وبقي غير مانع. الصورة الرابعة
هي أن يكون غير عقور وكان له. قوله: (وبقي الخ) وبقي أيضاً من المانع الشرعي أن
يعلق طلاقها بخلوتها، فإذا خلا بها طلقت فيجب نصف المهر لحرمته وطئها. بحر عن
الواقعات. قال: وزاد في البزازية والخلاصة أنه لا تجب العدة في هذا الطلاق لأنه
يتمكن من الوطء، وسيأتي وجوبها في الخلوة الفاسدة على الصحيح فتجب العدة هنا
احتياطاً اهـ. ومشى الشارح فيما سيأتي بعد صفحة على ما في البزازية، ويأتي تمام
الكلام فيه، وسيأتي أيضاً عند قوله: ((ولو افترقا)» أن امتناعها من تمكينه في الخلوة
يمنع صحتها لو كانت ثيباً لا لو بكراً. قوله: (عدم صلاحية المكان) أي للخلوة
وصلاحیته، بأن یأمنا فيه اطلاع غیرهما علیھما کالدار والبيت ولو لم یکن له سقف،
وكذا المحل الذي عليه قبة مضروبة والبستان الذي له باب مغلق، بخلاف ما ليس له
باب وإن لم يكن هناك أحد. بحر. ولو كانا في مخزن من خان يسكنه الناس فردّ الباب
ولم يغلق والناس قعود في وسطه غير مترصدين لنظرهما صحت، وإن كانوا مترصدين
فلا. فتح. قوله: (كمسجد وطريق) لأن المسجد مجمع الناس فلا يأمن الدخول عليه
ساعة فساعة، وكذا الوطء فيه حرام. قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوَهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي
المَسَاجِدِ﴾ [البقرة ١٨٧] والطريق ممرّ الناس عادة وذلك يوجب الانقباض فيمنع الوطء.
بدائع .
قلت: ويؤخذ من قوله: ((وكذا الوطء فيه حرام الخ)) أنه مانع وإن كان خالياً وبابه
مغلق، فتأمل. وفي الفتح: ولو سافر بها فعدل عن الجادة بها إلى مكان خال فهي
صحيحة. قوله: (وحمام) أي بابه مفتوح، أما لو كان مقفولً عليهما وحدهما فلا مانع من
صحتها كما لا يخفى، فافهم. قوله: (وسطح) أي ليس على جوانبه ستر، وكذا إذا كان
الستر رقيقاً أو قصيراً بحيث لو قام إنسان يطلع عليهما. فتح. وفيه: ولا تصح في
المسجد والحمام. قال شداد: إن كانت ظلمة شديدة صحت لأنها كالساتر. وعلى
قياس قوله تصح على سطح لا ساتر له إذا كانت ظلمة شديدة.
والأوجه أن لا تصح، لأن المانع الإحساس ولا يختص بالبصر؛ ألا ترى إلى
الامتناع لوجود الأعمى ولا إبصار للإحسان اهـ.
قلت: الإحساس إنما يمكن إذا كان معهما أحد على السطح، أما لو كانا فوقه

٢٥٣
کتاب النكاح / باب المھر
وبیت بابه مفتوح، وما إذا لم يعرفها.
(وصوم التطوّع والمنذور والكفارات والقضاء غير مانع لصحتها) في
الأصح، إذ لا كفارة بالإفساد ومفاده أنه لو أكل ناسياً فأمسك فخلا بها أن تصح،
وكذا كل ما أسقط الكفارة. نهر (بل المانع صوم رمضان) أداء وصلاة الفرض فقط
وحدهما وأمنا من صعود أحد إليهما لم يبق الإحسان إلا بالبصر والظلمة الشديدة تمنعه
كما لا يخفى. تأمل. قوله: (وبيت بابه مفتوح) أي بحيث لو نظر إنسان رآهما، وفيه
خلاف .
ففي مجموع النوازل: إن كان لا يدخل عليهما أحد إلا بإذن فهي خلوة. واختار
في الذخيرة أنه مانع وهو الظاهر. بحر. ووجهه أن إمكان النظر مانع بلا توقف على
الدخول، فلا فائدة في الإذن وعدمه. قوله: (وما إذا لم يعرفها) لأن التمكن لا يحصل
بدون المعرفة، بخلاف ما إذا لم تعرفه. والفرق أنه متمكن من وطئها إذا عرفها ولم
تعرفه، بخلاف عكسه فإنه يحرم عليه، كذا في البحر. وفيه أنه إذا لم تعرفه يحرم عليها
تمكينه منها، فالظاهر أنها تمنعه من وطئها بناء على ذلك، فينبغي أن يكون مانعاً،
فتأمل ح.
قلت: إن هذا المانع بيده إزالته، بأن يخبرها أنه زوجها فلما جاء التقصير من جهته
يحكم بصحة الخلوة فيلزم المهر ط. قوله: (في الأصح) أي أصح الروايتين، لكن
صرح شراح الهداية بأن رواية المنع في التطوع شاذة، ويشير إليه قول الخانية: وفي
صوم القضاء والكفارات والمنذورات روايتان. والأصح أنه لا يمنع الخلوة، وصوم
التطوّع لا يمنعها في ظاهر الرواية، وقيل يمنع اهـ.
وقول الكنز: وصوم الفرض يدخل فيه القضاء والكفارات المنذورات فيكون
اختياراً منه لرواية المنع في غير التطوع، لأن الإفطار فيه بغير عذر جائز في رواية،
ويؤيد ما في الكنز تعبير الخانية بالأصح، فإنه يفيد أن مقابله صحيح، وكذا قول
الهداية: وصوم القضاء والمنذور كالتطوّع في رواية فإنه يفيد أن رواية كونهما كصوم
رمضان أقوى، وبهذا يتأيد ما بحثه في البحر بقوله: وينبغي أن يكون صوم الفرض ولو
منذوراً مانعاً اتفاقاً، لأنه يحرم إفساده، وإن كان لا كفارة فيه فهو مانع شرعي اهـ. قوله:
(إن تصح) أي الخلوة، لسقوط الكفارة بشبهة، خلاف الإمام مالك رحمه الله فإنه یری
فطره بأكله ناسياً ولا كفارة ط. قوله: (وكذا كل ما أسقط الكفارة) كشرب وجماع ناسياً
ونية نهاراً ونية نفلاط. قوله: (وصلاة الفرض فقط) قال في البحر: لا شك أن إفساد
الصلاة لغير عذر حرام فرضاً كانت أو نفلاً، فينبغي أن تمنع مطلقاً، مع أنهم قالوا: إن
الصلاة الواجبة لا تمنع كالنفل مع أنه يأثم بتركها.

٢٥٤
کتاب النكاح / باب المهر
(كالوطء) فيما يجيء.
(ولو) كان الزوج (مجبوباً أو عنيناً أو خصياً) أو خنثى، إن ظهر حاله، وإلا
فنكاحه موقوف، وما في البحر والأشباه ليس على ظاهره كما بسطه في النهر.
وأغرب منه ما في المحيط أن صلاة التطوّع لا تمنع إلا الأربع قبل الظهر لأنها
سنة مؤكدة، فلا يجوز تركها بمثل هذا العذر اهـ. فإنه يقتضي عدم الفرق بين السنن
المؤكدة وأن الواجبة تمنع بالأولی اهـ.
قلت: والحاصل أنهم لم يفرقوا في إحرام الحج بين فرضه ونفله، لاشتراكهما في
لزوم القضاء والدم. وفرقوا بينهما في الصوم والصلاة. أما الصوم فظاهر للزوم القضاء
والكفارة في فرضه، بخلاف نفله وما ألحق به، لأن الضرر فيه بالفطر يسير، لأنه لا
يلزم إلا القضاء لا غير كما في الجوهرة. وأما في الصلاة فالفرق بينهما مشكل، إذ ليس
في فرضها ضرر زائد على الإثم ولزوم القضاء، وهذا موجود في نفلها وواجبها؛ نعم
الإثم في الفرض أعظم وفي كونه مناطاً لمنع صحة الخلوة خفاء، وإلا لزم أن يكون
قضاء رمضان والكفارات كالنفل، ولعل هذا وجه اختيار الكنز إطلاق فرض الصوم كما
قدمناه، فكذا الصلاة ينبغي أن يكون فرضها ونقلها كفرض الصوم، بخلاف نفله لأنه
أوسع بدليل أنه يجوز إفطاره بلا عذر في رواية، ونفل الصلاة لا يجوز قطعه بلا عذر في
جميع الروايات فكان كفرضها، ولعل المجتهد قام عنده فرق بينهما لم يظهر لنا، والله
تعالى أعلم. قوله: (فيما يجيء) أي من الأحكام ط. قوله: (ولو مجبوباً) أي مقطوع
الذكر والخصيتين، من الجبّ: وهو القطع. قال في الغاية: والظاهر أن قطع الخصيتين
ليس بشرط في المجبوب، ولذا اقتصر الإسبيجابي على قطع الذكر. ح عن النهر.
قوله: (أو خصياً) بفتح الخاء المعجمة فعيل بمعنى مفعول، وهو من سلت خصيتاه
وبقي ذكره ح. قوله: (إن ظهر حاله) أي إن ظهر قبل الخلوة أن هذا الزوج والخنثى
رجل وظهر أن نكاحه صحيح فإن وطأه حينئذ جائز فتكون الخلوة كالوطء، وإن لم
يظهر فالنكاح موقوف لا يبيح الوطء فلا تكون خلوته كالوطء، فافهم. قوله: (وما في
البحر) حيث أطلق صحة خلوته ولم يقيد بظهور حاله، وما في الأشباه ستعرفه. قوله:
(في النهر) عبارته؛ ويجب أن يراد به من ظهر أحكامه أما المشكل فنكاحه موقوف إلى
أن يتبين حاله، ولهذا لا يزوّجه وليه من تختنه. لأن النكاح الموقوف لا يفيد إباحة النظر
كذا في النهاية اهـ: أي فلا یبیح الوطء بالأولى فلا تصح خلوته كالخلوة بالحائض بل
أولى، لأنه قبل التبين بمنزلة الأجنبي. ثم قال في النهر: وأفاد في المبسوط أن حاله
یتبین بالبلوغ، فإن ظهرت فيه علامة الرجل وقد زوجه أبوه امرأة حكم بصحة نكاحه من
حين عقد الأب، فإن لم يصل إليها أجل كالعنين، وإن زوّج رجلاً تبين بطلانه، وهذا

٢٥٥
كتاب النكاح / باب المهر
وفيه عن شرح الوهبانية أن العنة قد تكون لمرض أو ضعف خلقة أو كبر سن (في
ثبوت النسب) ولو من المجبوب (و) في (تأكد المهر) المسمى (و) مهر المثل بلا
صريح في عدم صحة خلوته قبل ذلك. وبهذا التقرير علمت أن ما نقله في الأشباه عن
الأصل: لو زوّجه أبوه رجلاً فوصل إليه جاز، وإلا فلا علم لي بذلك؛ أو امرأة فبلغ
فوصل إليها جاز، وإلا أجل كالعنين ليس على ظاهره، والله الموفق اهـ: أي أن ظاهر
ما في الأشباه أنه بمجرد وصول الرجل إليه: أي وطئه له أو بوصوله إلى المرأة يصح
النكاح ولو قبل البلوغ وظهور علامة فيه، وأن الوطء يحل قبل التبين، وأن الخلوة به
صحيحة، وأنه بعد البلوغ قد يتبين حاله وقد لا يتبين، مع أنه في المبسوط جزم بتبين
حاله بالبلوغ، وأنه قبل التبين يكون نكاحه موقوفاً، فهو صريح في عدم صحة الخلوة
قبل التبين لعدم حل الوطء، وفيه نظر؛ فإن قوله جاز معناه: جاز العقد لتبين حاله
بذلك، فقد صرحوا بأن ذلك رافع لإشكاله ولا يلزم منه حل الوطء؛ وقوله وإلا فلا
علم لي بذلك: أي إن لم تظهر فيه هذه العلامة لا أحكم بصحة العقد ولا بعدمها، بل
يتوقف ذلك على ظهور علامة أخرى، وقول المبسوط: إن حاله يتبين بالبلوغ مبني
على الغالب؛ وإلا فقد صرحوا بأنه قد يبقى حاله مشكلاً بعده، كما إذا حاض من فرج
النساء وأمنى من فرج الرجال؛ وقد يتبين حاله قبل البلوغ كأن يبول من أحد الفرجين
دون الآخر فتصح خلوته. والحاصل أن تقييد صحة الخلوة بتبين حاله ظاهر لعدم حل
الوطء قبله. قوله: (لمرض الخ) وكذا السحر، ويسمى المعقود كما سيأتي في بابه عن
الوهبانية. قوله: (في ثبوت النسب الخ) الذي حققه في البحر بحثاً، ثم رآه منقولًا عن
الخصاف أن الخلوة لم تقم مقام الوطء إلا في حق تكميل المهر ووجوب العدة. قال:
وما سواه فهو من أحكام العدة كالنسب: أي فإنه يثبت وإن لم توجد خلوة أصح، كما
في تزوّج مشرقيّ مغربية، أو من أحكام العدة كالبقية. والعجب من صاحب النهر حيث
تابع أخاه في هذا التحقيق ثم خالفه في النظم الآتي.
وما ذكره في البحر سبقه إليه ابن الشحنة في عقد الفرائد، لكنه أفاد أن المطلقة
قبل الدخول لو ولدت لأقل من ستة أشهر من حين الطلاق ثبت نسبة للتيقن بأن العلوق
قبل الطلاق وأن الطلاق بعد الدخول ولو ولدته لأكثر لا يثبت لعدم العدة، ولو اختلى
بها فطلقها يثبت وإن جاءت به لأكثر من ستة أشهر. قال: ففي هذه الصورة تكون
الخصوصية للخلوة. قوله: (ولو من المجبوب) لإمكان إنزاله بالسحاق، وسيأتي في
باب العنين أنه يثبت نسبه إذا خلا بها ثم فرق بينهما ولو جاءت به لسنتين. قوله: (وفي
تأكد المهر) أي في خلوة النكاح الصحيح؛ أما الفاسد فيجب فيه مهر المثل بالوطء لا
بالخلوة كما سيذكره المصنف في هذا الباب لحرمة الوطء فيه، فكان كالخلوة

٢٥٦
كتاب النكاح / باب المهر
تسمية و (النفقة والسكنى والعدة وحرمة نكاح أختها وأربع سواها) في عدتها
(وحرمة نكاح الأمة ومراعاة وقت الطلاق في حقها) وكذا في وقوع طلاق بائن
بالحائض. قوله: (والعدة) وجوبها من أحكام الخلوة سواء كانت صحيحة أم لا ط: أي
إذا كانت في نكاح صحيح، أما الفاسد فتجب فيه العدة بالوطء كما سيأتي. قوله: (في
عدتها) متعلق بنكاح، والأولى تأخيره بعد قوله: ((وحرمة نكاح الأمة)) أي لو طلق الحرة
بعد الخلوة بها لا يصح تزوجه أمة ما دامت الحرة في العدة ولو الطلاق بائناً. قوله:
(ومراعاة وقت الطلاق في حقها) بيانه أن الموطوءة طلاقها في الحيض بدعي فلا يحل بل
يطلقها واحدة في طهر لا وطء فيه وهو أحسن، أو ثلاثة متفرقة في ثلاثة أطهار لا وطء
فيها وهو حسن، بخلاف غير الموطوءة فإن طلاقها واحدة ولو في الحيض حسن، وإذا
كانت المختلى بها كالموطوءة توقت طلاقها بالطهر فلا يحل في مدة الحيض، فافهم.
قوله: (وكذا في وقوع طلاق بائن آخر الخ) في البزازية: والمختار أنه يقع عليها طلاق
آخر في عدة الخلوة، وقيل لا اهـ. وفي الذخيرة: وأما وقوع طلاق آخر في هذه العدة
فقد قيل لا يقع وقيل يقع، وهو أقرب إلى الصواب، لأن الأحكام لما اختلفت يجب
القول بالوقوع احتياطاً ثم هذا الطلاق يكون رجعياً أو بائناً، ذكر شيخ الإسلام أنه يكون
بائناً اهـ. ومثله في الوهبانية وشرحها.
والحاصل أنه إذا خلا بها خلوة صحيحة ثم طلقها طلقة واحدة فلا شبهة في
وقوعها، فإذا طلقها في العدة طلقة أخرى فمقتضى كونها مطلقة قبل الدخول أن لا تقع
عليها الثانية، لكن لما اختلفت الأحكام في الخلوة أنها تارة تكون كالوطء وتارة لا
تكون جعلناها كالوطء في هذا، فقلنا بوقوع الثانية احتياطاً لوجودها في العدة،
والمطلقة قبل الدخول لا يلحقها طلاق آخر إذا لم تكن معتدة، بخلاف هذه.
والظاهر أن وجه كون الطلاق الثاني بائناً هو الاحتياط أيضاً، ولم يتعرضوا
للطلاق الأول. وأفاد الرحمتي أنه بائن أيضاً لأنه طلاق قبل الدخول غير موجب للعدة،
لأن العدة إنما وجبت لجعلنا الخلوة كالوطء احتياطاً، فإن الظاهر وجود الوطء في
الخلوة الصحيحة، ولأن الرجعة حق الزوج وإقراره بأنه طلق قبل الوطء ينفذ عليه فيقع
بائناً، وإذا كان الأول لا تعقبه الرجعة يلزم كون الثاني مثله اهـ. ويشير إلى هذا قول
الشارح ((طلاق بائن آخر)) فإنه يفيد أن الأول بائن أيضاً، ويدل عليه ما يأتي قريباً من أنه
لا رجعة بعده، وسيأتي التصريح به في باب الرجعة، وقد علمت مما قررناه أن المذكور
في الذخيرة هو الطلاق الثاني دون الأول، فافهم. ثم ظاهر إطلاقهم وقوع البائن أولًاً
وثانياً كان بصريح الطلاق، وطلاق الموطوءة ليس كذلك فيخالف الخلوة الوطء في
ذلك.

٢٥٧
كتاب النكاح / باب المهر
آخر على المختار (لا) تكون كالوطء (في حق) بقية الأحكام كالغسل و (الإحصان
وحرمة البنات، وحلها الأول والرجعة والميراث) وتزويجها كالأبكار على المختار
وغير ذلك،
وأجاب ح: بأن المراد التشبيه من بعض الوجوه وهو أن في كل منهما وقوع
طلاق بعد آخر اهـ. وأما الجواب بأن البائن قد يلحق البائن في الموطوءة فلا يدفع
لمخالفة المذكورة، فافهم. قوله: (كالغسل) أي لا يجب الغسل على واحد منهما
بمجرد الخلوة، بخلاف الوطء. قوله: (والإحصان) فلو زنى بعد الخلوة الصحيحة لا
يلزمه الرجم لفقد شرط الإحصان وهو الوطء. قال في عقد الفرائد: وهذا إن لم يفهم
أنه خاص بالرجل فهو ساكت عن ثبوت الإحصان لها بذلك. والذي يظهر لي أنه لا
فرق بينه وبينها فيه، ولم أقف على نقل فيه صريح، والله أعلم.
قلت في البحر: ولم يقيموها مقام الوطء في حق الإحصان إن تصادقا على عدم
الدخول، وإن أقرّا به لزمهما حکمه، وإن أقرّ به أحدهما صدّق في حق نفسه دون
صاحبه كما في المبسوط اهـ. قوله: (وحرمة البنات) أي لم يقيموا الخلوة مقام الوطء
في ذلك، فلو خلا بزوجته بدون وطء ولا مس بشهوة لم تحرم عليه بناتها، بخلاف
الوطء والكلام في الخلوة الصحيحة كما صرح به في التبيين والفتح وغيرهما، فما حرره
في عقد الفرائد مما حاصله أن حرمة البنات بالخلوة الصحيحة لا خلاف فيها بين
الصاحبين، والخلاف في الفاسدة. قال الثاني: تحرم، وقال محمد: لا تحرم، فهو
ضعيف، وما ادعاه من عدم الخلاف ممنوع كما بسطه في النهر. قوله: (وحلها للأول)
أي لا تحل مطلقة الثلاث للزوج الأول بمجرد خلوة الثاني بل لا بد من وطئه لحديث
العسيلة. قوله: (والرجعة) أي لا يصير مراجعاً بالخلوة ولا رجعة له بعد الطلاق الصريح
بعد الخلوة. بحر: أي لوقوع الطلاق بائناً كما قدمناه. قوله: (والميراث) أي لو طلقها
ومات وهي في عدة الخلوة لا ترث بزازية. ومثله في البحر عن المجتبى.
وحكى ابن الشحنة في عقد الفرائد قولًا آخر: إنها ترث وإن تصادقا على عدم
الدخول بعد الخلوة. قال الرحمتي: وعلى هذا: أي ما في الشرح لو طلقها في مرضه بعد
الخلوة الصحيحة قبل الوطء ومات في عدتها لا ترث، وبه جزم الطواقي فيما كتبه على
هذا الشرح، وأقره عليه تلميذه حامد أفندي العمادي مفتي دمشق اهـ. قوله: (وتزويجها
كالأبكار) كان عليه أن يقول: كالثيبات، ليوافق ما قبله من المعطوفات، فإنها من خواص
الوطء دون الخلوة فالمعنى أنها ليست كالوطء في تزويجها كالثيبات بل تزوج كالأبکار.
أفاده ط. قوله: (على المختار) وما في المجتبى من أنها تزوج كما تزوج الثيب ضعيف
كما في البحر. قوله: (وغير ذلك) أي غير السبعة المذكورة من زيادة أربعة أخرى في

٢٥٨
كتاب النكاح / باب المهر
كما نظمه صاحب النهر فقال: [البسيط]
وَخُلْوَةُ الزَّوْجِ مِثْلُ الوَطْءِ فِي صُوَرٍ وَغَيرِهِ وَبِذَا العَقْدِ تحصِيلُ
إنفَاقُ سُكْنَى وَمَنْعُ الأُخْتِ مَقْبُولُ
رَاعَوا زمَانَ فِرَاقٍ فِيهِ تَرْحِيلُ
وَقِيلَ لا وَ الصَّوَابُ الأَوّلُ القِيلُ
وَرَجْعَةٌ وَكَذَا التَّوْرِيثُ مَعْقُولُ
تحرِيمُ بِنْتٍ نِكَاحُ البِكْرِ مَبْذُولُ
تَكْمِیلُ مَھرٍ وَأَعْدَادٍ كَذَا نَسَبٌ
وَأَزْبَعٍ وَكَذا قَالُوا الإِمَا وَلَقَدْ
وأَقَعُوا فيه تَطْلیقاً إذا لجَقًا
أَمَّا المَعَابِرُ فَالإِحْصَانُ يَا أَمَلي
سُقُوطُ وَطْءٍ وَإِحْلَالٍ لَهَا وَكَذَا
كَذَلِكَ الفَيُ
النظم المذكور، وهي: سقوط الوطء، والفيء، والتكفير، وعدم فساد العبادة.
وبقي مسألتان أيضاً لم يذكرهما لعدم تسليمهما، وهما أن الخلوة لا تكون إجازة
للنكاح الموقوف عند بعضهم، وأن المرأة لا تمنع نفسها للمهر بعدها عندهما. أما عند
أبي حنيفة فلها المنع بعد حقيقة الوطء كما أفاده في البحر، وزاد في الوهبانية أيضاً بقاء
عنة العنين، ويمكن دخولها في النظم كما يأتي. قوله: (وغيره) بالرفع عطفاً على مثل،
والضمير للوطء ح: أي ومغايرة للوطء في إحدى عشرة مسألة. قوله: (وبهذا العقد
تحصيل) جملة من مبتدأ وخبر، والعقد بكسر العين شبه الشعر المنظوم بعقد الدر
المنظوم. قوله: (تكميل مهر الخ) بيان لصور المماثلة. قوله: (وإعداد) بالكسر،
والمراد به العدة. قوله: (وأربع) بالجر عطفاً على الأخت. قوله: (الإما) جمع أمة،
وقصره للضرورة؛ ولو أسقط لام ولقد استغنى عن قصره. قوله: (فراق فيه ترحيل)
المراد به الطلاق اهـ ح.
وأما الترحيل، فهو من ترحل القوم من المكان: انتقلوا: أي طلاق فيه نقل
الزوجة من بيته أو من عصمته، فافهم. قوله: (وأوقعوا فيه) أي في الأعداد بمعنى
العدة اهـح. فالضمير عائد على مذكور وهو الأعداد المذكور في البيت الثاني فافهم.
قوله: (إذا لحقا) الضمير للتطليق والألف للإطلاق اهـح. والمراد بلحاقه وقوعه في
العدة بعد طلاق سابق عليه. قوله: (القيل) بدل من الأول ح. قوله: (ورجعة) أي في
صورتين كما قدمناه في قوله: ((والرجعة)). قوله: (سقوط وطء) أي ما يلزمه فيه الوطء
لا يسقط بالخلوة، فحق الزوجة في القضاء الوطء مرة واحدة، ولا يسقط عنه بالخلوة،
وكذا العنين إذا اختلى بها لا يسقط عنه الوطء بها، فللزوجة طلب التفريق، وعلى هذا
الحل يستغنى عن ذكر بقاء العنة المذكورة في الوهبانية، لكن يستغني به أيضاً عن ذكر
الفيء الآتي، فكان الأولى ذكرهما معاً أو إسقاطهما معاً. تأمل. قوله: (كذلك الفيء)

٢٥٩
كتاب النكاح / باب المهر
والتَّكْفِيرُ مَا فَسَدَتْ عِبَادَةٌ وَكَذَا بِالغسْلِ تَكْمِيلُ
(ولو افترقا فقالت بعد الدخول وقال الزوج قبل الدخول فالقول لها)
لإنكارها سقوط نصف المهر؛
يعني إن آلى منها ثم وطئها في المدة كان فيئاً، إن خلا بها لا اهـح. قوله: (التكفير)
يعني إن وطئ في نهار رمضان فعليه الكفارة، وإن خلا بها لا اهـح. وفي النهر: وعدّ
التكفير هنا مما لا ينبغي، إذ الكلام في الخلوة الصحيحة وصوم الأداء يفسدها كما
مرط. قوله: (ما فسدت عبادة) ما نافيه، يعني إن وطئها في عبادة يفسدها الوطء
فسدت، وإن خلا بها لا اهـح.
ويرد عليه ما ورد على سابقه، فإن ما يفسد بالوطء كالإحرام والصوم والصلاة
والاعتكاف المنذور يفسد الخلوة والكلام في الصحيحة، إلا أن يمثل بما لا يفسد
الخلوة على أحد القولين كصوم غير الأداء وصلاة النافلة. تأمل.
والحاصل أنه ينبغي إسقاط التكفير وفساد العبادة وزيادة فقد العنة، فتصير الأحكام
التي خالفت الخلوة فيها الوطء عشرة، وقد نظمتها في بيتين مقتصراً عليها للعلم بأن ما
سواها لا يخالف فيها الخلوة الوطء فقلت: [الطويل]
وَخُلْوَتَهُ كَالوَطْءٍ فِي غَيرِ عِشْرَةٍ مُطَالَبَةٍ بِالوَطْءِ إِحْصَانٍ تحلِيلٍ
وَفَيْءٍ وَإِرْثٍ رَجْعَةٍ فَقْدِ عَثَّةٍ وتحرِيمٍ بِئْتٍ عَقْدِ بِكْرٍ وَتَغْسِيلٍّ
قوله: (فقالت بعد الدخول) يطلق الدخول على الوطء وعلى الخلوة المجردة،
والمتبادر منه الأول، والمراد هنا الاختلاف في الخلوة مع الوطء، أو في الخلوة
المجردة لا في الوطء مع الاتفاق على الخلوة، لأن الخلوة مؤكدة لتمام المهر، فلو
كان الاختلاف بينهما في الوطء مع الاتفاق على الخلوة لم تظهر ثمرة للاختلاف.
قوله: (فالقول لها لإنكارها سقوط نصف المهر) كذا في القنية للزاهدي. ونظمه ابن
وهبان وقال في شرحه: إنه تتبع هذا الفرع فما ظفر به ولا وجد ما يناقضه، ووجهه
ماش على القواعد لأن القول للمنكر اهـ.
قلت: رأيته في حاوي الزاهدي أيضاً، وحكى فيه قولين، فذكر مامرّ معزياً إلى
المحيط وكتاب آخر، ثم عزا إلى الأسرار أن القول قوله، لأنه ينكر وجوب الزيادة على
النصف اهـ. ويظهر لي أرجحية القول الأول، ولذا جزم به المصنف، وذلك أن المهر
يجب بنفس العقد والدخول أو الموت مؤكد له، والطلاق قبلهما منصف له، فسبب
وجوب الكل متحقق والمنصف له عارض؛ والمرأة تنكر العارض وتتمسك بالسبب
المحقق الموجب للكل، ولذا تثبت لها المطالبة بتمام المهر قبل الدخول، ولا يعود
نصف المهر المقبوض إلى ملكه بالطلاق قبل الدخول إلا بالقضاء أو الرضا، ولا ينفذ

٢٦٠
کتاب النكاح / باب المھر
وإن أنكر الوطء ولو لم تمكنه في الخلوة، فإن بكراً صحت وإلا لا، لأن البكر
إنما توطأ كرهاً كما بحثه الطرسوسي وأقره المصنف.
(ولو قال: إن خلوت بك فأنت طالق فخلا بها، طلقت) بائناً لوجود الشرط
(ووجب نصف المهر)
تصرفه فيه قبل ذلك، وينفذ تصرف المرأة فيه، والزوج وإن أنكر الزيادة على النصف
لكنه مقرّ بسببها، كما لو أقرّ بالغصب وادعى الردّ وكذبه المالك فدعواه الرد إنكار
للضمان بعد الإقرار بسببه فلا يقبل. تأمل. قوله: (وإن أنكر الوطء) كذا في كثير من
النسخ، وكان المناسب أن يقول: وإن أنكر الدخول لما قررناه من أن الاختلاف بينهما
ليس في الوطء مع الاتفاق على الخلوة، وليكون إشاره إلى ردّ ما قاله في الأسرار: أي
أن إنكاره لا يعتبر لأنه في الحقيقة مدعّ لسقوط النصف بالعارض على السبب الموجب
للكل فكان إنكارها هو المعتبر. وفي بعض النسخ ((وإن أنكرت)) بالتاء، والمعنى: أن
القول لها وإن أنكرت أنه لم يطأها في هذا الدخول الذي ادعته، لكن الأولى أن يقول:
وإن اعترفت بعدم الوطء لأنه لم يدع الوطء حتى يقابل بإنكارها له. قوله: (إنما توطأ
كرهاً) لأنها تستحي بالطبع، فلم تكن بالامتناع مختارة لعدم تأكد المهر، بخلاف الثيب
لأن امتناعها يدل على اختيارها لعدم تأكد المهر. قوله: (كما بحثه الطرطوسي) أي في
أنفع الوسائل، والبحث في التفصيل المذكور، فإن الطرسوسي نقل أولًا عن الذخيرة:
إذا خلا بها ولم تمكنه من نفسها اختلف المتأخرون فيه. قال: وفي طلاق النوازل عليه
نصف المهر، ثم ذكر هذا التفصيل وقال: قلته على وجه التفقه ولم أظفر فيه بنقل.
والظاهر أنه أراد به التوفيق بين القولين، وذكر أيضاً أن هذا إذا صدقته في ذلك، فلو
كذبته فالقول قولها بيمينها لأنها منكرة. قوله: (وأقره المصنف) أي تبعاً لشيخه صاحب
البحر. قوله: (فخلا بها) أي خلوة صحيحة لأنها المتبادر من لفظ الخلوة اهـح: أي في
قول الحالف إن خلوت بك، فیراد بها الخالية عما يمنعها أو يفسدها مما مر، والمراد ما
يفسدها من غير التعليق، لما مر عن البحر من أن هذا التعليق مفسد لها فهو نظير
قولهم: الخلوة الصحيحة في النكاح الفاسد كالخلوة الفاسدة في النكاح الصحيح، مع
أنها في النكاح الفاسد فاسدة كما ذكره في البحر، فالمراد بالصحيحة فيه الخالية عما
يفسدها سوى فساد النكاح، فافهم. قوله: (بائناً) لتصريحهم بأن الطلاق الواقع بعد
الخلوة الصحيحة يكون بائناً. منح: أي فهنا أولى لعدم صحتها فإنها لا تماثل الوطء إلا
في وجوب العدة ط. قوله: (لوجود الشرط) علة لطلقت، وأما علة كونه بائناً فهي ما
قدمناه عن المنح. أفاده ح. قوله: (ووجب نصف المهر) في بعض النسخ بعد هذا
زيادة وهي لعدم الخلوة الممكنة من الوطء)) اهـ. أي لأنها بانت بمجرد الخلوة فكان