النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
كتاب النكاح
مشروع، لكن لو ترك لئلا يغمها يؤجر لحديث ((مَنْ رَقَّ لأُمَّتِي رَقَّ اللّهُ لَهُ)) بزازية
(ونصفها للعبد) ولو مدبراً (ويمتنع عليه غير ذلك) فلا يحل له التسري أصلاً، لأنه
لا يملك إلا الطلاق (و) صح نكاح (حبلى من زنى لا) حبلى (من غيره) أي
الزنى لثبوت نسبه. ولو من حربي أو سيدها المقرّ به (وإن حرم وطؤها) ودواعيه
الفعل، فيكون عملاً بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تَعْدِلُوا فَواحِدَةَ﴾ [النساء ٣] فهذا وجه
ما فرق به في البحر أخذ من تنصيصهم على اللوم على التسرّي فقط. والتحقيق أنه إن أراد
اللوم على أصل الفعل بمعنى أنك فعلت أمراً قبيحاً فهو كافر في الموضعين، وإن كان
بمعنى أنك فعلت ما تركه لك أولى لما يلحقك من التعب في النفقة وكثرة العيال وإضرار
الزوجة بالتسرّي أو بالتزوج عليها ونحو ذلك فلا كفر في الموضعين، وإن لم يلاحظ شيئاً
من المعنيين فلا كفر في الموضعين أيضاً، لكن قالوا: يخشى عليه الكفر في الأول لأن
المتبادر منه اللوم على أصل الفعل دون الثاني لتبادر خلافه كما قلنا، هذا ما ظهر لي، والله
تعالى أعلم، فافهم. قوله: الحدیث من رق لأمتي) أي رحمها «رقّ الله له» أي أثابه وأحسن
إليه ط. قوله: (ولو مدبراً) مثله المكاتب وابن أم الذي من غير مولاها كما في الغاية ط.
قوله: (ويمتنع عليه) أي على العبد ولو مكاتباً كما في البحر. قوله: (أصلًا) أي وإن أذن له
به المولى. قوله: (لأنه لا يملك) أي في هذا الباب إلا الطلاق، فلا ينافي أنه يملك غيره
کالإقرار على نفسه ونحوه. قوله: (وصح نكاح حبلى من زنی) أي عندهما. وقال أبو
يوسف: لا يصح، والفتوى على قولهما، كما في القهستاني عن المحيط. وذكر التمرتاشي
أنها لا نفقة لها، وقيل لها ذلك، والأول أرجح لأن المانع من الوطء من جهتها، بخلاف
الحيض لأنه سماوي. بحر عن الفتح. قوله: (حبلى من غير الخ) شمل الحبلى من نكاح
صحيح أو فاسد أو وطء شبهة أو ملك يمين وما لو كان الحبل من مسلم أو ذمي أو حربيّ.
قوله: (لثبوت نسبه) فهي في العدة ونكاح المعتدة لا يصح ط. قوله: (ولو من حربي)
كالمهاجرة والمسبية. وعن أبي حنيفة أنه يصح، وصحح الزيلعي المنع وهو المعتمد.
وفي الفتح أنه ظاهر المذهب. بحر. قوله: (المقر به) بكسر القاف أشار به إلى أن ما في
الهداية من قوله: ولو زوّج أم ولده وهي حامل منه فالنكاح باطل، محمول على ما إذا أقرّ به
لقوله: وهي حامل منه. قال في النهر: قال في التوشيح: فعلى هذا ينبغي أنه لو زوجها بعد
العلم قبل اعترافه به أنه لا يجوز النكاح ويكون نفياً.
أقول: ومن هنا قد علمت أنه لو زوج غير أم ولده وهي حامل يجوز لأنه كان نفياً
فيما لا يتوقف على الدعوى ففيما يتوقف عليها أولى اهـ .. قوله: (ودواعيه) قال في
البحر: وحكم الدواعي على قولها كالوطء كما في النهاية اهـ. قال ح: والذي في
نفقات البحر جواز الدواعي، فليحرر اهـ.

١٤٢
كتاب النكاح
(حتى تضع) متصل بالمسألة الأولى لئلا يسقي ماؤه زرع غيره إذ الشعر ينبت
منه .
فروع: لو نكحها الزاني حلّ له وطؤها اتفاقاً، والولد له ولزمه النفقة؛ ولو
زوج أمته أو أم ولده الحامل بعد علمه قبل إقراره به جاز وكان نفياً دلالة. نهر
عن التوشيح (و) صح نكاح (الموطوءة بملك) یمین،
قلت: والذي في النفقات أن زوجة الصغير لو أنفق عليها أبوه ثم ولدت واعترفت
أنها حبلى من الزنى لا تردّ شيئاً من النفقة، لأن الحبلى من الزنى إن منع الوطء لا يمنع
من دواعيه اهـ. فيمكن الفرق بأن ما هنا فيمن كانت حبلى من الزنى ثم تزوجها، وما
في النفقات في الزوجة إذا حبلت من الزنى، فتأمل. ولا يمكن الجواب بأن ما في
النفقات على قول الإمام بدليل قول البحر هنا على قولهما، لأن الضمير في قولهما
يعود إلى أبي حنيفة ومحمد القائلين بصحة النكاح، وأما أبو يوسف فلا يقول بصحته من
أصله فافهم. قوله: (متصل بالمسألة الأولى) الضمير في متصل عائد على قول
المصنف ((وإن حرم وطؤها حتى تضع)) فافهم. قوله: (إذ الشعر ينبت منه) المراد ازدياد
نبات الشعر لا أصل نباته، ولذا قال في التبيين والكافي: لأن به يزداد سمعه وبصره
حدة كما جاء في الخبر اهـ. وهذه حكمته، وإلا فالمراد المنع من الوطء لما في الفتح،
قال رسول الله ﴿ه((لَا تَجِلَّ لَامْرِكْ يُؤْمِنُ بِالله وَاليَومِ الآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاؤُهُ زَرْعَ غَيرِهِ))(١)
يعني إتيان الحبلی. رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن اهـ شرنبلالية. قوله:
(اتفاقاً) أي منهما ومن أبي يوسف؛ فالخلاف السابق في غير الزاني كما في الفتح
وغيره. قوله: (والولد له) أي إن جاءت بعد النكاح لستة أشهر. مختارات النوازل، فلو
لأقل من ستة أشهر من وقت النكاح لا يثبت النسب، ولا يرث منه إلا أن يقول: هذا
الولد مني، ولا يقول من الزنى. خانية. والظاهر أن هذا من حيث القضاء، أما من
حيث الديانة فلا يجوز له أن يدّعيه، الأن الشرع قطع نسبه منه، فلا يحل له استلحاقه به.
ولذا لو صرح بأنه من الزنى لا يثبت قضاء أيضاً، وإنما يثبت لو لم يصرح لاحتمال
كونه بعقد سابق أو بشبهة حملًا لحال المسلم على الصلاح، وكذا ثبوته مطلقاً إذا جاءت
به لستة أشهر من النكاح، لاحتمال علوقه بعد العقد، وأن ما قبل العقد كان انتفاخاً لا
حملاً، ويحتاط في إثبات النسب ما أمكن.
مَطْلَبٌ فِيمَا لَوْ زَوَّجَ المَوْلِى أَمَتَهُ
قوله: (ولو زوج أمته الخ) هذا محترز قوله ((المقرّ به)) كما أوضحناه قبل. قوله:
(١) أخرجه أبو داود (٢١٥٨) (٢١٥٩) وأحمد ١٠٨/٤، ٣٨٥/٦.

١٤٣
كتاب النكاح
ولا يستبرئها زوجها بل سيدها وجوباً على الصحيح. ذخيرة (أو) الموطوءة (بزنى)
أي جاز نكاح من رآها تزني، وله وطؤها بلا استبراء، وأما قوله تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ
لَا يَنْكِحُهَا إِلَّ زَانٍ﴾ [النور: ٣] فمنسوخ بآية ﴿فَأَنْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾
[النساء: ٣] وفي آخر حظر المجتبى: لا يجب على الزوج
(ولا يستبرثها زوجها) أي لا استحباباً ولا وجوباً عندهما. وقال محمد: لا أحب أن يطأها
قبل أن يستبرئها، لأنه احتمل الشغل بماء المولى فوجب التنزّه كما في الشراء. هداية.
وقال أبو الليث: قوله أقرب إلى الاحتياط وبه نأخذ. بناية. ووفق في النهاية بأن محمداً
إنما نفى الاستحباب، وهما أثبتا الجواز بدونه فلا معارضة. واعترضه في البحر بأنه
خلاف ما في الهداية، لكن استحسنه في النهر بأنه لا ينبغي التردد في نفس الاستبراء
علی قول. قال: وبه يستغني عن ترجيح قول محمد.
قلت: إذا كان الصحيح وجوب الاستبراء على المولى يسوغ نفي استحبابه عن
الزوج لحصول المقصود؛ نعم لو علم أن المولى لم يستبرئها لا ينبغي التردّد في
استحبابه للزوج، بل لو قيل بوجوبه لم يبعد، ويقربه أنه في الفتح حمل قول محمد: لا
أحب، على أنه يجب لتعليله باحتمال الشغل بماء المولى فإنه يدل على الوجوب.
وقال: فإن المتقدمين كثيراً ما يطلقون أكره هذا في التحريم أو كراهة التحريم، وأحب
في مقابله اهـ.
قلت: وأصرح من ذلك قول الهداية: لأنه احتمل الشغل بماء المولى فوجب
التنزه كما في الشراء اهـ. ومثله في مختارات النوازل. قوله: (بل سيدها) أي بل يستبرئها
سيدها وجوباً في الصحيح، وإليه مال السرخسي؛ وهذا إذا أراد أن يزوجها وكان
يطؤها، فلو أراد بيعها يستحب، والفرق أنه في البيع يجب على المشتري فيحصل
المقصود فلا معنى لإيجابه على البائع. وفي المنتقى عن أبي حنيفة: أكره أن يبيع من
كان يطؤها حتى يستبرئها. ذخيرة. قوله: (وله وطؤها بلا استبراء) أيّ عندهما. وقال
محمد: لا أحب له أن يطأها ما لم يستبرئها. هداية. والظاهر أن الترجيح المارّ يأتي هنا
أيضاً، ولذا جزم في النهر هنا بالندب، إلا أن يفرق بأن ماء الزنى لا اعتبار له. بقي لو
ظهر بها حمل يكون من الزوج لأن الفراش له، فلا يقال: إنه يكون ساقياً زرع غيره،
لكن هذا ما لم تلده لأقل من ستة أشهر من وقت العقد، فلو ولدته لأقل لم يصح العقد
كما صرّحوا به: أي لاحتمال علوقه من غير الزنى بأن يكون بشبهة فلا يرد صحة تزوج
الحبلى من زنى. تأمل. قوله: (فمنسوخ بآية فَانْكِحُوا الخ) قال في البحر: بدليل
الحديث ((إِنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ صَلَى الله عَلَّيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنّ امْرَأْتِي لَا
تَدْفَعُ يَدَ لَاِسٍ، فَقَالَ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: طَلِّقْها، فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّهَا وَهِيَ جِيلَةٌ، فَقَال

١٤٤
كتاب النكاح
تطليق الفاجرة ولا عليها تسريح الفاجر إلا إذا خافا أن لا يقيما حدود الله فلا بأس
أن يتفرقا، فما في الوهبانية ضعيف كما بسطه المصنف (و) صح نكاح
(المضمومة إلى محرمة والمسمى) كله (لها) ولو دخل بالمحرمة
عَلَيْهِ الصَّلَةُ وَالسَّلَامُ: أَسْتَمْتِعْ بِها)(١). قوله: (تطليق الفاجرة) الفجور: العصيان كما
في المغرب. قوله: (ولا عليها) أي بأن تسيء عشرته أو تبذل له مالًا ليخالعها. قوله:
(إلا إذا خافا) استثناء منقطع، لأن التفريق حينئذ مندوب بقرينة قوله ((فلا بأس)) لكن
سيأتي من أول الطلاق أنه يستحب لو مؤذية أو تاركة صلاة، ويجب لو فات الإمساك
بالمعروف، فالظاهر أنه استعمل لا بأس هنا للوجوب اقتداء بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ
أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا أَفْتَدَتْ به﴾ [البقرة ٢٢٩] فإن نفي البأس
في معنى نفي الجناح، فافهم. قوله: (فما في الوهبانية الخ) تفريع على قوله ((وله
وطؤها بلا استبراء)).
قال المصنف في المنح: فإن قلت: يشكل على ما تقدم ما في شرح النظم
الوهباني من أنه لو زنت زوجته لا يقربها حتى تحيض لاحتمال علوقها من الزنى فلا
يسقي ماؤه زرع غيره، وصرح الناظم بحرمة وطئها حتى تحيض وتطهر، وهو يمنع من
حمله على قول محمد فإنه إنما يقول بالاستحباب.
قلت: ما ذكره في شرح النظم ذكره في النتف وهو ضعيف. قال في البحر: لو
تزوج بامرأة الغير عالماً بذلك ودخل بها لا تجب العدة عليها حتى لا يحرم على الزوج
وطؤها، وبه يفتى، لأنه زنى والمزني بها لا تحرم على زوجها؛ نعم لو وطئها بشبهة
وجب عليها العدة وحرم على الزوج وطؤها، ويمكن حمل ما في النتف على هذا اهـ.
قوله: (والمضمومة إلى محرمة) بالتشديد كأن تزوّج امرأتين في عقد واحد: إحداهما
محل، والأخرى غير محل لكونها محرماً أو ذات زوج أو مشركة، لأن المبطل في إحداهما
فيتقدر بقدره، بخلاف ما إذا جمع بين حرّ وعبد وباعهما صفقة واحدة حيث يبطل البيع
في الكل لما أنه يبطل بالشروط الفاسدة بخلاف النكاح. نهر. قوله: (والمسمى كله
لها) أي للمحللة عند الإمام نظراً إلى أن ضم المحرمة في عقد النكاح لغو كضم الجدار
لعدم المحلية، والانقسام من حكم المساواة في الدخول في العقد، ولم يجب الحد
بوطء المحرمة، لأن سقوطه من حكم صورة العقد لا من حكم انعقاده، فليس قوله بعد
الانقسام بناء على عدم الدخول في العقد منافياً لقوله بسقوط الحدّ لوجود صورة العقد
(١) أخرجه أبو داود من حديث ابن عباس ٥٤١/٢ (٢٠٤٩) والنسائي ١٦٩/٦ والبيهقي ١٥٤/٧ ومن رواية
عبد الله بن عمير مرسلاً الشافعي في المسند ١٥/٢ (٣٧) والنسائي ٦٧/٦ والطبراني في الكبير ٢١٦/١٩
والبيهقي ١٥٤/٧ وابن أبي شيبة ٤/ ١٨٤.

١٤٥
كتاب النكاح
فلها مهر المثل (وبطل نكاح متعة ومؤقت)
كما توهم. وعندهما يقسم على مهر مثليهما، وتمامه في البحر. قوله: (فلها مهر
المثل) أي بالغاً ما بلغ كما في المبسوط وهو الأصح، وما ذكره في الزيادات من أنه لا
يجاوز المسمى فهو قولهما كما في التبيين، وإنما وجب بالغاً ما بلغ على ما في
المبسوط، لأنها لم تدخل في العقد كما قدمناه عن البحر، فلا اعتبار للتسمية أصلاً.
فإن قلت: ما الفرق بينهما وبين ما إذا تزوّج أختين في عقدة واحدة ودخل بهما
حيث أوجبتم لكل منهما الأقل من مهر المثل والمسمى؟.
قلت: هو أن كل واحدة منهما محل لإيراد العقد عليها، وإنما الممتنع الجمع
بينهما، فلذلك قلنا بدخولهما في العقد، بخلاف ما هنا فإن المحرمة ليست محلّاً أصلًاً،
والله تعالى الموفق ح. قوله: (وبطل نكاح متعة(١) ومؤقت) قال في الفتح: قال شيخ
(١) أصل المتعة في اللغة: الانتفاع. يقال تمتعت بكذا واستمتعت بمعنى، والاسم المتعة. قال الجوهري ومن
متعة النكاح، ومتعة الطلاق، ومتعة الحج؛ لأنه انتفاع، والمراد بالمتعة هنا أن يتزوج الرجل المرأة مدة من
الزمن سواء أكانت المدة معلومة مثل أن يقول زوجتك ابنتي مثلاً شهراً. أو مجهولة مثل أن يقول زوجتك
ابنتي إلى قدوم زيد الغائب، فإذا انقضت المدة فقد بطل حكم النكاح، وإنما سمي النكاح لأجل بذلك
لانتفاعها بما يعطيها وانتفاعه بقضاء شهوته، فكان الغرض منها التمتع دون التوالد وغيره من أغراض
النكاح.
وقد كانت المتعة منتشرة عند العرب في الجاهلية، فكان الرجل يتزوج المرأة مدة ثم يتركها من غير أن
يرى العرب في ذلك غضاضة، فلما جاء الإسلام أقرهم على ذلك في أول الأمر، ولم نعلم أن النبي ◌َات
نهى عن المتعة إلا في غزوة خيبر في السنة السابعة من الهجرة فقد روي عن علي رضي الله عنه، أن
رسول الله 98: ((نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الانسية)) واستمر الأمر على ذلك
حتى فتح مكة حيث ثبت أن النبي # أباحها ثلاثة أيام، وفي بعض الروايات أنه أباحها يوم أوطاس، ولكن
الحقيقة أن ذلك كان في يوم الفتح، ومن قال يوم أوطاس فذلك لاتصالها بها، ثم حرمها رسول الله ﴿#
بعد ذلك إلى يوم القيامة.
فيعلم من هذا أن المتعة كانت مباحة قبل خيبر ثم حرمت في خيبر ثم أبيحت يوم الفتح ثم حرمت بعد
ذلك إلى يوم القيامة، فتكون المتعة مما تناولها التحريم والإباحة مرتين.
وقد نشأ هذا الاختلاف في المتعة بين الصحابة. فمنهم من يرى أن إباحة المتعة قبل خيبر كانت للضرورة
وللحاجة ثم لما ارتفعت الحاجة في خيبر نهى عنها رسول الله وَهير، ثم لما تجددت الحاجة عام الفتح أذن
فيها، ولما ارتفعت الحاجة نهى عنها، وعليه فتكون المتعة مباحة عند الحاجة، وبهذا كان يقول ابن عباس
- رضي الله عنهما . إلا أنه رجع عنه كما سيأتي بيانه ومنهم من يرى أن نهي النبي والقر عن المتعة يوم خيبر
كان نسخاً لها ثم رفع النسخ في يوم الفتح ثلاثة أيام، ثم نسخت بعد ذلك إلى يوم القيامة، وإلى هذا ذهب
جمهور الصحابة .
وقد اختلف الفقهاء بعد ذلك في المتعة هل هي محرمة فتكون من الأنكحة الفاسدة أو مباحة فتكون من
الأنكحة الصحيحة؟
فذهب الجمهور إلى القول بتحريمها وأنها من الأنكحة الفاسدة التي تفسخ مطلقاً قبل الدخول وبعده وهو
مذهب الأئمة الأربعة.
=

١٤٦
كتاب النكاح
.
= وذهب الإمامية من الشيعة إلى القول بإباحة نكاح المتعة إلى يوم القيامة بل منهم من تغالى في ذلك
وقال: إنها قربة، وعليه فالخلاف في المتعة بين الجمهور والإمامية، ولما لم أجد كتاباً من كتب الإمامية
أثق به لأستطيع استيفاء الكلام على مذهبهم في المتعة رأيت أن اكتفي بما قاله شرف الدين الصنعاني،
وهو من علماء الشيعة، فإنه بعد أن ذكر الحديث عن علي قال ما نصه، والحديث يدل على تحريم نكاح
المتعة للنهي عنه وهو النكاح المؤقت إلى أمد مجهول أو معلوم، وغايته إلى خمسة وأربعين يوماً، ويرتفع
النكاح بانقضاء الوقت المذكور في المنقطعة الحيض والحائض بحيضتين والمتوفى عنها بأربعة أشهر
وعشر، ولا يثبت لها مهر، ولا نفقة، ولا توارث، ولا عدة إلا الاستبراء بما ذكر، ولا نسب يثبت به إلا أن
يشترط، وتحرم المصاهرة بسببه هكذا ذكره في بعض كتب الإمامية.
استدل الإمامية على القول بإباحة المتعة بالكتاب، والأثر والمعقول والإجماع.
أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن﴾ فإنهم حملوا الاستمتاع في الآية على
المتعة وقالوا المراد بقوله تعالى: ﴿فآتوهن أجورهن﴾ أجر المتعة، ومما يؤيد أن الآية في المتعة قراءة أبي
وابن عباس ((فما استمتعتم به منهن إلى أجل)) فهي صريحة في المتعة.
وأما الأثر : . فأولًا ما روي أن ابن عباس كان يفتي بالمتعة، ووجه الدلالة من هذا أنهم قالوا: لو لم تكن
المتعة مباحة لما أفتى بها ابن عباس إذ لا يليق بمثله أن يفتي بها مع أنها محرمة.
وثانيا : - بما روي عن جابر - رضي الله عنه - قال: تمتعنا على عهد رسول الله # وأبي بكر وصدر من
خلافة عمر ثم نهانا عمر، ووجه الدلالة من هذا أن جابراً رضي الله عنه أخبر أنهم استمتعوا في زمن
النبي ®، وفي خلافة أبي بكر وفي صدر من خلافة عمر، وهذا يدل على أن المتعة مباحة، وإنما نهى
عنها عمر من باب السياسة الشرعية.
وأما المعقول : . فقد قالوا: إنها منفعة خالية من جهات القبح، ولا نعلم فيها ضرراً عاجلًا ولا آجلاً، وكل
ما هذا شأنه فهو مباح، فالمتعة مباحة.
وأما الإجماع : - فإنهم قالوا: أجمع أهل البيت على إباحتها.
وتناقش هذه الأدلة: التي تمسك بها الإمامية بما يأتي : .
أما الآية: فيقال لهم فيها: إنها بمعزل عن الدلالة لكم إذ هي محمولة على النكاح الدائم، وما يجب للمرأة
من المهر كاملاً إذا استمتع بها الزوج، ويؤيد هذا أنها وردت في سياق الكلام على النكاح بالعقد المعروف
بعد الكلام على أجناس يحرم التزوج بها، وتسمية المهر أجراً لا يدل على أنه أجر المتعة، فقد سمي المهر
أجراً في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن﴾ أي
مهورهن، وكقوله تعالى: ﴿فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن﴾ أي مهورهن. وها قراءة أبي وابن
عباس فهي شاذة والقراءة الشاذة لا تعارض القطعي وهي الآية الدالة على التحريم، وهي قوله تعالى: ﴿إلا
على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾ مع أن الدليلين إن تساويا في القوة وتعارضا في الحل والحرمة قدم
دليل الحرمة منهما ويقال لهم فيما روي عن ابن عباس إنه ثبت رجوعه عنه، وقد كان يفتي بها أولًا؛ لأنه
فهم من نهي النبي # يوم خيبر ثم أباحتها يوم الفتح ثم نهى عنها بعد ذلك. أن الإباحة كانت للضرورة
والنهي عند ارتفاعها يؤيد ذلك ما روي عن شعبة عن أبي جمرة قال: سمعت ابن عباس سئل عن متعة النساء
فرخص فيها فقال له: إنما ذلك في الحالة الشديد، وفي النساء قلة، فقال ابن عباس نعم، فإنه يعلم من هذا
أن ابن عباس يتأول في إباحة نكاح المتعة لمضطر إليه ثم توقف بعد ذلك لما ثبت له النسخ.
ومما يؤيد رجوع ابن عباس ما أخرجه الترمذي. أن ابن عباس قال إنما كانت المتعة في أول الإسلام، كان
الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه يقيم فتحفظ له متاعه، وتصلح له شأنه
حتى نزلت الآية ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم) فقال ابن عباس: فكل فرج سواهما حرام.
وقد روى رجوعه أيضاً البيهقي وأبو عوانة في صحيحه، وروي عنه أنه قال عند موته: اللهم إني أتوب
=
إليك من قولي في المتعة والصرف، وعليه فلا يصح الاحتجاج بفتوى ابن عباس وقد رجع عنها.
...

١٤٧
كتاب النكاح
= ويقال لهم في أثر جابر: إن قوله: ((تمتعنا الخ)) يحمل على تمتع لم يبلغه النسخ حتى نهى عنها عمر،
أو يكون جابر- رضي الله عنه - قال ذلك لفعلهم في زمن رسول الله # ثم لم يبلغه النسخ حتى نهى عنها
عمر فاعتقد أن الناس باقون على ذلك لعدم الناقل عنده، والقول بأن عمر هو الذي نهى عنها وأن ذلك من
قبيل السياسة الشرعية غير مسلم؛ فإن عمر إنما قصد الإخبار عن تحريم النبي # ونهيه عنها؛ إذ لا يجوز أن
ينهي عما كان النبي # أباحه ويقي على إباحته: ومما يؤيد أن نهيه عنها ليس من قبيل السياسة الشرعية بل
إنه نهى عنها لما علم نهي النبي#: ما روي من طريق سالم بن عبد الله عن عمر قال: صعد عمر المنبر
فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال:، ما بال رجال ينكحون هذه المتعة، وقد نهى رسول اللهير عنها ((لا أوتى
بأحد نکحها إلا رجمته».
ويقال لهم في المعقول: لا نسلم أنها منفعة خالية من جهات القبح ولا ضرر فيها في الآجل ولا في
العاجل. بل الضرر متحقق فيها؛ فإن فيها امتهان المرأة وضياع الأنساب، فإنه مما لا شك فيه أن المرأة التي
تنصب نفسها ليستمتع بها كل من يريد تصبح محتقرة في أعين الناس، وأيضاً فهو معقول في مقابلة النص
وهو باطل.
ويقال لهم في الإجماع أولاً: إن أجماع أهل البيت على فرض إجماعهم ليس بحجة فما بالك والإجماع لم
يصح عنهم، فهذا زيد بن علي وهو من أعلمهم يوافق الجمهور ثم إن الإمام علياً رضي الله عنه وهو رأس
الأئمة عندهم يقول بتحريمها، فقد روي من طريق جويرية عن مالك بن أنس عن الزهري أن عبد الله بن
محمد بن علي بن أبي طالب والحسن بن محمد حدثاه عن أبيهما أنه سمع علي بن أبي طالب يقول لابن
عباس: إنك رجل تائه أي مائل، إن رسول الله وَلقر نهى عن المتعة.
وأما الجمهور فقد استدلوا على تحريم نكاح المتعة بالكتاب والسنة والمعقول والإجماع.
أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم
غير ملومين﴾ ووجه الدلالة من هذه الآية الكريمة. أنها أفادت أن الوطء لا يحل إلا في الزوجة والمملوكة:
وامرأة المتعة لا شك أنها ليست مملوكة ولا زوجة. أما إنها ليست مملوكة فواضح، وأما أنها ليست زوجة
فلأنها لو كانت زوجة لحصل التوارث بينهما لقوله تعالى: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾ بالانفاق لا
توارث بينهما.
وثانياً لثبت النسب لقوله #: ((الولد للفراش وللعاهر الحجر)) وبالاتفاق لا يثبت النسب، وثالثاً لوجبت
العدة عليها لقوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم) الآية.
وأما السنة فأولًا: ما روى مالك عن ابن شهاب عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي بن أبي طالب
رضي الله عنه عن أبيهما عن علي بن أبي طالب أن رسول الله { قر ((نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن
لحوم الحمر الأنسية)) ووجه الدلالة من الحديث أن النبي 8# نهى عن المتعة والنهي يدل على فساد المنهي
عنه فيكون نكاح المتعة فاسداً، والحديث يدل على نسخ ما تقدم من إباحتها.
ثانياً: ما روي عن سبرة الجهني أنه غزا مع النبي # فتح مكة قال: فأقمنا بها خمسة عشر فأذن لنا
رسول الله # في متعة النساء، وذكر الحديث إلى أن قال: فلم أخرج منها حتى حرمها رسول اله ◌َ﴾ور،
وفي رواية أنه كان مع النبي # فقال: ((ياأيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله
قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخلّ سبيله ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً) رواه
أحمد ومسلم . ووجه الدلالة من الحديث أنه يدل برواياته على تحريم نكاح المتعة، وقد جاء في الرواية
الثانية التصريح بتحريمها إلى يوم القيامة، فيكون من ذلك نسخاً لإباحتها، وإذا ثبت ذلك فهي من الأنكحة
الفاسدة.
وأما المعقول: فقد قالوا: إن النكاح لم يشرع لقضاء الشهوة بل شرع لأغراض ومقاصد يتوسل به إليها،
واقتضاء الشهوة بالمتعة لا يقع وسيلة إلى المقاصد التي من أجلها شرع النكاح فلا يكون مشروعاً.
وأما الإجماع: فقد قالوا: إن الأمة امتنعت عن العمل بالمتعة مع ظهور الحاجة إلى ذلك، وما ذلك =

١٤٨
كتاب النكاح
الإسلام: في الفرق بينهما أن يذكر الوقت بلفظ النكاح والتزويج، وفي المتعة أتمتع أو
أستمتع اهـ: يعني ما اشتمل على مادة متعة. والذي يظهر مع ذلك عدم اشتراط الشهود
في المتعة وتعيين المدة، وفي المؤقت الشهود وتعيينها، ولا شك أنه لا دليل لهم على
تعيين كون المتعة الذي أبيح ثم حرم هو ما اجتمع فيه مادة م تع للقطع من الآثار بأنه
كان أذن لهم في المتعة، وليس معناه أن من باشر هذا يلزمه أن يخاطبها بلفظ أتمتع
= إلا لعلمهم بنسخها.
وقد نوقشت أدلة الجمهور بما يأتي:
أما حديث علي فقد قيل لهم فيه: إنه وقع فيه كلام حتى زعم ابن عبد البر أن ذكر النهي يوم خيبر غلط،
وقال السهيلي: ويتصل بهذا الحديث تنبيه على إشكال؛ لأنه فيه النهي عن نكاح المتعة يوم خيبر، وهذا
شيء لا يعرفه أهل السير ورواة الآثار، والذي يظهر أنه وقع تقديم وتأخير في لفظ الزهري، وقد أشار ابن
القيم إلى تقرير هذا التقديم والتأخير فقال: وأما نكاح المتعة فثبت عنه أنه أحلها عام الفتح، وثبت عنه أنه
نهى عنها عام الفتح، واختلف هل نهى عنها يوم خيبر على قولين، والصحيح أن النهي إنما كان عام الفتح،
وأن النهي يوم خيبر إنما كان عن الحمر الأهلية، وإنما قال علي لابن عباس: إن رسول الله 3 8# نهى يوم
خيبر عن متعة النساء، ونهى عن الحمر الأهلية محتجاً عليه في المسألتين فظن بعض الرواة أن التقييد بيوم
خیبر راجع إلى الفعلین فرواه بالمعنی ثم أفرد بعضهم أحد الفعلین وقیده بیوم خبر.
وترد هذه المناقشة بأن أصحاب الزهري اتفقوا على نهي النبي # عن المتعة يوم خيبر، وهم حفاظ ثقات
وزيادة الحافظ الثقة تقبل، ولهذا قال عياض: تحريمها يوم خيبر صحيح لا شك فيه، والقول بأنه وقع في
لفظ الزهري تقديم وتأخير يخالفه ظاهر الحديث، فإن ظاهره أن عام خيبر ظرف لتحريم نكاح المتعة.
ومما يؤيد هذا الظاهر حديث ابن عمر الذي أخرجه البيهقي بإسناد قوي أن رجلاً سأل عبد الله بن عمر عن
المتعة فقال: حرام، قال: فإن فلاناً يقول فيها، فقال: والله لقد علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
حرمها يوم خيبر، وما كنا مسامحين.
والذي يظهر لي أن القائلين بأن النهي يوم خيبر إنما كان عن لحوم الأهلية يحاولون بذلك استبعاد أن تكون
المتعة قد نسخت مرتين؛ لأنه ثبت النهي عنها يوم الفتح، ومعلوم أن يوم الفتح بعد خيبر إذ إن خيبر في
السنة السابعة من الهجرة وغزوة الفتح في السنة الثامنة، فيلزم من ذلك نسخها مرتين. ونحن نرى أن لا
داعي لهذه المحاولة ما دام الحديث ظاهر في أن يوم خيبر ظرف لتحريم نكاح المتعة، ولا مانع من نسخها
مرتين ولها نظير في الشريعة الإسلامية، وهو مسألة القبلة فقد نسخت مرتين، وذلك أن النبي # كان
يصلي بمكة إلى الكعبة ثم أمر بالصلاة إلى بيت المقدس بعد الهجرة تأليفاً لليهود وامتحاناً للمسلمين الذين
اتبعوه بمكة ثم حول إلى الكعبة ثانياً، وقيل لهم في حديث سبرة الجهني: إن القول بأن النبي # حرمها
إلى يوم القيامة معارض بما روي عنه أن النبي 98 نهى عن المتعة في حجة الوداع كما عند أبي داود.
ونرد هذه المناقشة بأن هذا اختلف فيه عن سبرة، والرواية عنه بأنها في الفتح أصح لأنهم في فتح مكة
شكوا للنبي 18 العزوبة، فرخص لهم فيها مدة ثم نسخها، وعلى تسليم صحة النهي عنها في حجة الوداع،
فنقول: إن النبي # أعاد النهي في حجة الوداع ليسمعه من لم يكن سمعه قبل، فأكذ ذلك حتى لا تبقى
شبهة لأحد يدعي تحليلها.
ويقال لهم في الإجماع: إنه غير مسلم فقد ثبت الجواز عن ابن عباس كما ثبت عن جماعة من التابعين.
ويجاب عن هذا بأن ابن عباس صح عنه أنه رجع عن القول بحل المتعة كما قدمنا فانعقد الإجماع على
تحريمها، وأما خلاف بعض التابعين فإنه إن صح عنهم لم يضر بعد تقرر التحريم قبل حدوثهم.

١٤٩
كتاب النكاح
وإن جهلت المدة أو طالت في الأصح، وليس منه ما لو نكحها على أن يطلقها
بعد شهر أو نوى مكثه معها مدة معينة، ولا بأس بتزوّج النهاريات. عيني (و) يحلّ
ونحوه، لما عرف أن اللفظ يطلق ويراد معناه؛ فإذا قيل تمتعوا فمعناه: أوجدوا معنى
هذا اللفظ، ومعناه المشهور أن يوجد عقداً على امرأة لا يراد به مقاصد عقد النكاح من
القرار للولد وتربيته، بل إلى مدة معينة ينتهي العقد بانتهائها، أو غير معينة بمعنى بقاء
العقد ما دام معها إلى أن ينصرف عنها فلا عقد، فيدخل فيه بمادة المتعة والنكاح
المؤقت أيضاً فيكون من أفراد المتعة، وإن عقد بلفظ التزويج وأحضر الشهود اهـ
ملخصاً. وتبعه في البحر والنهر. ثم ذكر في الفتح أدلة تحريم المتعة، وأنه كان في
حجة الوداع، وكان تحريم تأبيد لا خلاف فيه بين الأئمة وعلماء الأمصار إلا طائفة من
الشیعة، ونسبة الجواز إلى مالك کما وقع في الهداية غلط. ثم رجح قول زفر بصحة
المؤقت على معنى أنه ينعقد مؤبداً ويلغو التوقيت، لأن غاية الأمر أن المؤقت متعة
وهو منسوخ، لكن المنسوخ معناها الذي كانت الشريعة عليه وهو ما ينتهي العقد فيه
بانتهاء المدة، فإلغاء شرط التوقيت أثر النسخ، وأقرب نظير إليه نكاح الشغار وهو أن
يجعل بضع كل من المرأتين مهراً للأخرى، فإنه صح النهي عنه، وقلنا يصح موجباً لمهر
المثل لكل منهما فلم يلزمنا النهي، بخلاف ما لو عقد بلفظ المتعة وأراد النكاح
الصحيح المؤبد فإنه لا ينعقد وإن حضره الشهود، لأنه لا يفيد ملك المتعة كلفظ
الإحلال، فإن من أحلّ لغيره طعاماً لا يملكه فلم يصلح مجازاً عن معنى النكاح كما
مراه ملخصاً. قوله: (وإن جهلت المدة) كأن يتزوّجها إلى أن ينصرف عنها كما
تقدم ح. قوله: (أو طالت في الأصح) كأن يتزوجها إلى مائتي سنة، وهو ظاهر
المذهب، وهو الصحيح كما في المعراج، لأن التأقيت هو المعين لجهة المتعة. بحر.
قوله: (وليس منه الخ) لأن اشتراط القاطع يدل على انعقاده مؤيداً وبطل الشرط. بحر.
قوله: (أو نوى الخ) لأن التوقيت إنما يكون باللفظ. بحر. قوله: (ولا بأس بتزوج
النهاريات) وهو أن يتزوجها على أن يكون عندها نهاراً دون الليل. فتح. قال في
البحر: وينبغي أن لا يكون هذا الشرط لازماً عليها، ولها أن تطلب المبيت عندها ليلاً
لما عرف في باب القسم اهـ: أي إذا كان لها ضرة غيرها، وشرط أن يكون في النهار
عندها وفي الليل عند ضرتها، أما لو لا ضرة لها فالظاهر أنه ليس لها الطلب، خصوصاً
إذا كانت صنعته في الليل كالحارس، بل سيأتي في القسم عن الشافعية أن نحو
الحارس يقسم بين الزوجات نهاراً، واستحسنه في النهر. قوله: (ويحل له الخ) وكذا
يحل لها تمكينه من الوطء؛ نعم الإثم في الإقدام على الدعوى الباطلة كما في البحر،
وثبوت الحل مبني على قول الإمام بنفوذ القضاء بهذا النكاح باطناً، وكذا ينفذ ظاهراً

١٥٠
كتاب النكاح
(له وطء امرأة ادعت عليه) عند قاض (أنه تزوجها) بنكاح صحيح (وهي) أي
والحال أنها (محل للإنشاء) أي لإنشاء النكاح خالية عن الموانع (وقضى القاضي
بنكاحها ببينة) أقامتها (ولم يكن في نفس الأمر تزوجها، وكذا) تحلّ له (لو ادعى
هو نكاحها) خلافاً لهما، وفي الشرنبلالية عن المواهب، وبقولهما يفتى (ولو
اتفاقاً فتجب النفقة والقسم وغير ذلك. قوله: (عند قاض) هل المحكم مثله؟
لیحرر ط.
قلت: الظاهر نعم، لأنهم إنما فرقوا بينهما في أنه لا يحكم بقصاص وحدودية
على عاقلة. قوله: (بنكاح صحيح) احترز به عن الفاسد لأنه لا يفيد حل الوطء ولو
صدر حقيقة ط. قوله: (خالية عن الموانع) تفسير لكونها محلًا للإنشاء والموانع مثل
كونها مشركة أو محرماً له أو زوجة الغير أو معتدته ح. قوله: (وقضى القاضي بنكاحها)
ويشترط لنفاذ القضاء باطناً عند الإمام حضور شهود عند قوله قضيت، وبه أخذ عامة
المشايخ، وقيل: لا لأن العقد ثبت مقتضى صحة قضائه في الباطن، وما ثبت مقتضى
صحة الغير لا يثبت بشرائطه كالبيع في قوله أعتق عبدك عني بألف. وفي الفتح أنه
الأوجه، ويدل عليه إطلاق المتون. بحر. قلت: لكن ذكر في البحر في كتاب [القاضي
إلى القاضي] أن المعتمد الأول. قوله: (ولم يكن الخ) الجملة حالية. قوله: (خلافاً
لهما) راجع للمسألتين، وهذا بناء على أنه لا ينفذ القضاء باطناً عندهما بشهادة الزور ولو
في العقود والفسوخ، لأن القاضي أخطأ الحجة إذ الشهود كذبة، وله أن الشهود صدقة
عنده، وهو الحجة لتعذر الوقوف على حقيقة الصدق، وأمكن تنفيذ القضاء باطناً بتقديم
النكاح فينفذ قطعاً للمنازعة. وطعن فيه بعض المغاربة بأنه يمكنه قطع المنازعة
بالطلاق، فأجابه الأكمل بأنك إن أردت الطلاق غير المشروع فلا يعتبر، أو المشروع
ثبت المطلوب، إذ لا يتحقق إلا في نكاح صحيح. وتعقبه تلميذه قارئ الهداية بأن له
أن يريد غير المشروع ليكون طريقاً لقطع المنازعة. وتعقبهما تلميذه ابن الهمام بأن
الحق التفصيل وهو أنه يصلح لقطع المنازعة إن كانت هي المدعية. أما لو كان هو
المدعي فلا يمكنها التخلص منه إلا بالنفاذ باطناً مع أن الحكم أعم من دعواها أو
دعواه. قوله: (وبقولهما يفتى) قال الكمال: وقول الإمام أوجه. واستدل له بدلالة
الإجماع على أن من اشترى جارية ثم ادّعى فسخ بيعها كذباً وبرهن فقضى به حل للبائع
وطؤها واستخدامها مع علمه بكذب دعوى المشتري مع أنه يمكنه التخلص بالعتق وإن
كان فيه إتلاف ماله، فإنه ابتلي ببليتين، فعليه أن يختار أهونهما، وذلك ما يسلم له فيه
دينه اهـ. وللعلامة قاسم رسالة في هذه المسألة أطال فيها الاستدلال لقول الإمام،
فراجعها.

١٥١
كتاب النكاح
قضى بطلاقها بشهادة الزور مع علمها) بذلك نفذ و (حل لها التزوج بآخر بعد
العدة وحل للشاهد) زوراً (تزوجها وحرمت على الأول) وعند الثاني: لا تحل
لهما، وعند محمد: تحل للأول ما لم يدخل الثاني، وهي من فروع القضاء بشهادة
الزور كما سيجيء (والنكاح لا يصح تعليقه بالشرط) كتزوجتك إن رضي أبي لم
ينعقد النكاح لتعليقه بالخطر كما في العمادية وغيرها، فما في الدرر فيه نظر (ولا
إضافته إلى المستقبل) كتزوجتك غداً أو بعد غد لم يصح (ولكن لا يبطل) النكاح
(بالشرط الفاسد و) إنما (ببطل الشرط دونه) يعني لو عقد
قلت: وحيث كان الأوجه قول الإمام من حيث الدليل على ما حققه في الفتح
وفي تلك الرسالة فلا يعدل عنه لما تقرر أنه لا يعدل عن قول الإمام لضرورة أو ضعف
دليله كما أوضحناه في منظومة رسم المفتي وشرحها. قوله: (وحل للشاهد) وكذا لغيره
بالأولى لعدم علمه بحقيقة الحال. قوله: (لا تحل لهما) أي للزوج المقضي عليه
والزوج الثاني، أما الثاني فظاهر بناء على أن القضاء بالزور لا ينفذ باطناً عندهما. وأما
الأول فلأن الفرقة وإن لم تقع باطناً لكن قول أبي حنيفة أورث شبهة، ولأنه لو فعل
ذلك كان زانياً عند الناس فيحدونه، كذا في رسالة العلامة قاسم. قوله: (ما لم يدخل
الثاني) فإذا دخل بها حرمت على الأول لوجوب العدة كالمنكوحة إذا وطئت بشبهة
بحر. قوله: (وهي) أي هذه المسائل الثلاث. قوله: (كما سيجيء) أي في كتاب
القضاء. قوله: (والنكاح لا يصح تعليقه بالشرط) المراد أن النكاح المعلق بالشرط لا
يصح، لا ما يوهمه ظاهر العبارة من أن التعليق يلغو ويبقى العقد صحيحاً كما في
المسألة الآتية، وهذا منشأ توهم الدرر الآتي. قوله: (لتعليقه بالخطر) بفتح الخاء
المعجمة والطاء المهملة ما يكون معدوماً يتوقع وجوده اهـح. قوله: (فما في الدرر)
حيث قال: لا يصح تعليق النكاح بالشرط مثل أن يقول لبنته إن دخلت الدار زوجتك
فلاناً وقال فلان تزوجتها فإن التعليق لا يصح وإن صح النكاح. قوله: (فيه نظر) لأنه
صرح بعدم صحة النكاح المعلق في الفتح والخلاصة والبزازية عن الأصل والخانية
والتاترخانية وفتاوى أبي الليث وجامع الفصولين والقنية. ولعله اشتبه عليه النكاح
المعلق على شرط بالنكاح المشروط معه شرط فاسد وبينهما فرق واضح. شرنبلالية.
قوله: (كتزوجتك) بفتح كاف الخطاب. قوله: (لم يصح) كلام المتن غنيّ عنه. قوله:
(ولكن لا يبطل الخ) لما كان يتوهم أنه لا فرق بين النكاح المعلق بالشرط الفاسد
والمقرون بالشرط الفاسد، كما وقع لصاحب الدرر أتى بالاستدراك وإن كان الثاني
مسألة مستقلة، ولذا قال الشارح بعده ((بخلاف ما لو علقه بالشرط)) وفيه تنبيه على منشأً
وهم الدرر، فافهم. قوله: (يعني لو عقد) أتى بالعناية لإيهام كلام المصنف أن هذا من

١٥٢
كتاب النكاح
مع شرط فاسد لم يبطل النكاح، بل الشرط بخلاف ما لو علقه بالشرط (إلا أن
يعلقه بشرط) ماض (كائن) لا محالة (فيكون تحقيقاً) فينعقد في الحال، كأن خطب
بنتاً لابنه فقال أبوها زوجتها قبلك من فلان فكذبه فقال: إن لم أكن زوجتها لفلان
فقد زوجتها لابنك فقبل، ثم علم كذبه انعقد لتعليقه بموجود، وكذا إذا وجد
المعلق عليه في المجلس، كذا ذكره جواهر زاده وعممه المصنف بحثاً لكن في
النهر قبيل كتاب الصرف في مسألة التعليق برضا الأب، والحق الإطلاق فليتأمل
المفتي.
تتمة المسألة الأولى مع أنه مسألة مستقلة، وإنما أتى في أولها بالاستدراك للتنبيه المار.
قوله: (مع شرط فاسد) كما إذا قال تزوجتك على أن لا يكون لك مهر فيصح النكاح
ويفسد الشرط ويجب مهر المثل. قوله: (إلا أن يعلقه) استثناء من قوله ((لا يصح تعليقه
بالشرط)). قوله: (ماض) أي مستمر إلى الحال، وقيد به احترازاً عن تعليقه بمستقبل
((كائن لا محالة)) كمجيء الغد، وقوله ((كائن)) وإن كان اسم فاعل وهو حقيقة في المتلبس
بالفعل في الحال لكنه يستعمل بالمعنى الثاني، فافهم. قوله: (وكذا الخ) عطف على
قوله ((إلا أن يعلقه)) ومثاله ما في المنح عن الفصول العمادية: لو قال تزوجتك بألف
درهم إن رضي فلان اليوم: فإن كان فلان حاضراً فقال رضيت جاز النكاح استحساناً،
وإن كان غير حاضر لم يجزاه. قوله: (وعممه المصنف بحثاً) حيث قال بعد نقل كلام
العمادية: وينبغي أن يجري هذا التفصيل في مسألة التعليق برضا الأب، إذ لا فرق بينهما
فيما يظهر اهـ: أي لا فرق بين إن رضي أبي أو إن رضي فلان في التفصيل فيهما.
قلت: بل إذا جاز التعليق برضا فلان الأجنبي الحاضر يجوز تعليقه برضا الأب
بالأولى، لأن الأب له ولاية في الجملة وله حق الاعتراض لو الزوج غير كفء، وله
كمال الشفقة فيختار لها المناسب فكيف يقال بالجواز في الأجنبي دون الأب، على أنه
قد نص على هذا التفصيل في مسألة الأب أيضاً في الظهيرية حيث قال: لو كان الأب
حاضراً في المجلس فقبل جاز، فما بحثه المصنف موافق للمنقول. قوله: (لكن في
النهر) استدراك على ما بحثه المصنف. وعبارة النهر بعد أن ذكر كلام الظهيرية: وهو
مشكل، والحق ما في الخانية اهـ. والذي في الخانية هو قوله: تزوجتك إن أجاز أبي
أو رضي فقالت: قبلت لا يصح، لأنه تعليق والنكاح لا يحتمل التعليق اهـ.
قلت: الظاهر حمل ما في الخانية على ما إذا كان الأب غير حاضر في المجلس،
أو على أن ذلك هو القياس، لأنه في الخانية ذكر بعد ذلك مسألة التعليق برضا فلان
فقال: إن كان فلان حاضراً في المجلس ورضي جاز استحساناً، وإلا فلا وإن رضي اهـ.

١٥٣
كتاب النكاح / باب الولى
بَابُ الْوَلِيٍّ
(هو) لغة: خلاف العدو. وعرفاً: العارف بالله تعالى. وشرعاً: (البالغ العاقل
الوارث) ولو فاسقاً على المذهب ما لم يكن متهتكاً، وخرج نحو صبيّ ووصي
وبما قلنا يحصل التوفيق بين كلاميه ما لم يثبت الفرق بين الأب وغيره، وقد علمت من
عبارة الظهيرية عدمه، وأن الجواز في الأب ثابت بالأولى، ولم نر أحداً صرّح
بتصحیح خلاف هذا حتى يتبع، فافهم.
بَابُ الوليّ
لما ذكر النكاح وألفاظه ومحله شرع في بيان عاقده، وأخره لأنه ليس من شروط
صحته في جميع الصور، والولي فعيل بمعنى فاعل ط. قوله: (وعرفاً) أي في عرف أهل
أصول الدين. قال في البحر: وفي أصول الدين هو العارف بالله تعالى بأسمائه وصفاته
حسبما يمكن المواظب على الطاعات المجتنب عن المعاصي الغير المنهمك في
الشهوات واللذات كما في شرح العقائدح. قوله: (الوارث) كذا في الفتح وغيره. قال
الرملي: وذكره مما لا ينبغي، إذ الحاكم وليّ وليس بوارث اهـ.
قلت: وكذا سيد العبد فالتعريف خاص بالولي من جهة القرابة. قوله: (على
المذهب) وما في البزازية من أن الأب أو الجد إذا كان فاسقاً، فللقاضي أن يزوج من
الكفء. قال في الفتح: إنه غير معروف في المذهب. قوله: (ما لم يكن متهتكاً) في
القاموس: رجل منهتك ومتهتك ومستهتك: لا يبالي أن يهتك ستره اهـ. قال في الفتح
عقب ما نقلنا عنه آنفاً: نعم إذا كان متهتكاً لا ينفذ تزويجه إياها بنقص عن مهر المثل
ومن غير كفء، وسيأتي هذا اهـ.
وحاصله أن الفسق وإن كان لا يسلب الأهلية عندنا، لكن إذا كان الأب متهتكاً لا
ينفذ تزويجه إلا بشرط المصلحة، ومثله ما سيأتي من قول المصنف ((ولزم ولو بغبن
فاحش أو بغير كفء إن كان الولي أباً أو جداً لم يعرف منهما سوء الاختيار وإن عرف
لا)) اهـ. وبه ظهر أن الفاسق المتهتك وهو بمعنى سيئ الاختيار لا تسقط ولايته مطلقاً،
لأنه لو زوّج من كفء بمهر المثل صح كما سيأتي بيانه، وهذا خلاف ما مر عن
البزازية، ولا يمكن التوفيق بحمل ما مر على هذا لأن قوله فللقاضي أن يزوج من
الكفء يقتضي سقوط ولاية الأب أصلاً، فافهم. قوله: (نحو صبيّ) أي كمجنون
ومعتوه، غير أن الصبيّ خرج بقوله البالغ والمجنون والمعتوه بالعاقل ط. قوله:
(ووصيّ) أي ونحو وصيّ ممن ليس بوارث كعبد وككافر له بنت مسلمة ومسلم له بنت
كافرة كما سيأتي؛ نعم لو كان الوصي قريباً أو حاكماً يملك التزويج بالولاية كما سيأتي

١٥٤
كتاب النكاح / باب الولي
مطلقاً على المذهب (والولاية تنفيذ القول على الغير) تثبت بأربع: قرابة، وملك،
وولاء، وإمامة (شاء أو أبى) وهي هنا نوعان: ولاية ندب على المكلفة ولو
بكراً، وولاية إجبار على الصغيرة ولو ثيباً
في الشرح عند بيان الأولياء. قوله: (مطلقاً على المذهب) أي سواء أوصى إليه الأب
بذلك أم لا، وفي رواية يجوز، وكذا سواء عين له الموصي رجلاً في حياته أو لا،
خلافاً لما في فتح القدير كما سيأتي. قوله: (والولاية الخ) بفتح الواو، وما ذكره
تعريفها الفقهي كما في البحر، وإلا فمعناها اللغوي المحبة والنصرة كما في المغرب،
لكن ما ذكره تعريف لأحد نوعيها، وهو ولاية الإجبار بقرينة قوله ((وهي هنا نوعان)).
وأفاد أن المذكور في المتن غير خاص بهذا الباب، بل منه ولاية الوصي وقيم الوقف
وولاية وجوب صدقة الفطر بناء على أن المراد بتنفيذ القول ما يكون في النفس أو في
المال أو فيهما معاً، والمراد في هذا الباب ما يشمل الأول والثالث دون الثاني. قوله:
(تثبت) أي الولاية المذكورة، والمراد هنا ولاية الإجبار في هذا الباب فقط ففيه شبهة
الاستخدام، وإلا فالولاية المعرفة أعم کما علمت؛ وحیث کانت أعم فليس المراد بها
الثابتة لخصوص الولي المعروف بالبالغ العاقل الوارث حتى يرد أنه ليس في الملك
والإمامة إرث، وحينئذ فلا حاجة إلى التكلف في الجواب بأن المراد بالإرث المأخوذ
في تعريف الولي هو أخذ المال بعد الموت من باب عموم المجاز؛ فالإمام يأخذ مال
من لا وارث له ليضعه في بيت المال، والوليّ يأخذ كسب عبده المأذون في التجارة
بعد موته، وإن لم يكن ذلك إرثاً حقيقة فإنه كما قال ط: لا دليل على هذا المجاز،
والتعريف يصان عن مثل هذا، فافهم. قوله: (قرابة) دخل فيها العصبات والأرحام.
قوله: (وملك) أي ملك السيد لعبده أو أمته. قوله: (وولاء) أي ولاء العتاقة والموالاة
كما سيأتي. قوله: (وإمامة) دخل فيها القاضي المأذون بالتزويج؛ لأنه نائب عن الإمام.
قوله: (شاء أو أبى) احترز به عن ولاية الوكيل. قوله: (وهي هنا) فيه شبهة الاستخدام،
لأن الولاية المعرّفة خاصة بولاية الإجبار، وقيد بقوله: ((هنا)) احتراز عن الولاية في غير
النكاح كما قدمناه. قوله: (ولاية ندب) أي يستحب للمرأة تفويض أمرها إلى وليها كي
لا تنسب إلى الوقاحة. بحر. وللخروج من خلاف الشافعي في البكر، وهذه في
الحقيقة ولاية وكالة. قوله: (على المكلفة) أي البالغة العاقلة. قوله: (ولو بكراً) الأولى
أن يقول ((ولو ثيباً ليفيد أن تفويض البكر إلى وليها يندب بالأولى لما علمته من علة
الندب، إلا أن يكون مراده الإشارة إلى خلاف الشافعي بقرينة ما بعده: أي أنها تندب لا
تجب ولو بكراً عندنا خلافاً له. قوله: (ولو ثيباً) أشار إلى خلاف الشافعي فإنه يقول: إن
ولاية الإجبار منوطة بالبكارة فيزوجها بلا إذنها ولو بالغاً، لا إن كانت ثيباً ولو صغيرة،

١٥٥
كتاب النكاح / باب الولى
ومعتوهة ومرقوقة، كما أفاده بقوله (وهو) أي الولي (شرط) صحة (نكاح صغير
ومجنون ورقيق) لا مكلفة (فنفذ نكاح حرّة مكلفة بلا) رضا (ولي) والأصل أن كل
من تصرف في ماله تصرف في نفسه، وما لا فلا (وله) أي للولي
فالثيب الصغيرة لا تزوج عنده ما لم تبلغ لسقوط ولاية الأب. قوله: (ومعتوهة ومرقوقة)
بالجر فيهما عطفاً على قوله ((الصغيرة)) لعدم تقييدهما بالصغر، والأولى تعريفهما بأل
لئلا يتوهم عطفهما علی ثیباً. قوله: (صغير الخ) الموصوف محذوف: أي شخص
صغير الخ، فيشمل الذكر والأنثى. قوله: (لا مكلفة) الأولى زيادة حرة ليقابل
الرقيق ط. وهذا تصريح بمفهوم المتن ذكره ليفيد أن قوله ((فنفذ)) مفرع عليه. قوله:
(فنفذ الخ) أراد بالنفاذ الصحة، وترتب الأحكام من طلاق وتوارث وغيرهما لا اللزوم،
إذ هو أخص منها لأنه ما لا يمكن نقضه، وهذا يمكن رفعه إذا كان من غير كفء،
فقوله في الشرنبلالية: أي ينعقد لازماً في إطلاقه نظر. واحترز بالحرة عن المرقوقة ولو
مكاتبة أو أم ولد وبالمكلفة عن الصغيرة والمجنونة، فلا يصح إلا بولي كما قدمه، وأما
حديث ((أَيُّمَا أَمْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيِ إِذْنٍ وَلِّيها فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا
بَاطِلٌ))(١) وحسنه الترمذي، وحديث(لا نِگاحَ إلَّا پِوَلِيٍّ))(٢) رواه أبو داود وغيره،
فمعارض بقوله :﴿ الأَيْمُ ((أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيُّها))(٣) رواه مسلم وأبو داود والترمذي
والنسائي ومالك في الموطأ، والأيم من لا زوج لها بكراً أو لا، فإنه ليس للولي إلا
مباشرة العقد إذا رضيت، وقد جعلها أحق منه به، ويترجح هذا بقوة السند والاتفاق
على صحته، بخلاف الحديثين الأولين فإنهما ضعيفان أو حسنان؛ أو يجمع
بالتخصيص، أو بأن النفي للكمال، أو بأن يراد بالولي من يتوقف على إذنه: أي لا
نكاح إلا بمن له ولاية لينفي نكاح الكافر للمسلمة والمعتوهة والعبد والأمة، والمراد
بالباطل حقيقته على قول من لم يصح ما باشرته من غير كفء، أو حكمه على قول من
يصححه: أي للولي أن يبطله وكل ذلك سائغ في إطلاقات النصوص ويجب ارتكابه
لدفع المعارضة وتمام الكلام على ذلك مبسوط في الفتح. قوله: (والأصل الخ) عبارة
البحر: والأصل هنا أن كل من يجوز تصرفه في ماله بولاية نفسه الخ فإنه يخرج الصبيّ
المأذون، فإنه وإن جاز تصرفه في ماله لكن لا بولاية نفسه؛ لكن يرد على العكس
المحجورة فإنها تملك النكاح وإن لم تملك التصرف في مالها على قولهما بالحجر
(١) أخرجه الشافعي ١١/٢ (١٩) وأحمد ٦٦/٦ والدارمي ١٣٧/٢ وأبو داود ٥٦٦/٢ (٢٠٨٣) والترمذي ٣/
٤٠٧ (١١٠٢) وابن ماجه ٦٠٥/١ (١٨٧٩) والهيثمي في الموارد ص ٣٠٥ (١٢٤٨) والحاكم ١٦٨/٢.
(٢) أخرجه أحمد ٣٩٤/٤ والدارمي ١٣٧/٢ وأبو داود ٥٦٨/٢ (٢٠٨٥) والترمذي ٤٠٧/٣ (١١٠١) وابن ماجه
٦٠٥/١ (١٨٨١) وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد ص ٣٠٤ (١٢٤٣) والحاكم ١٦٩/٢.
(٣) مسلم ١٠٣٧/٢ (١٤٢١/٦٦٠).

١٥٦
كتاب النكاح / باب الولي
(إذا كان عصبة) ولو غير محرم كابن عم في الأصح. خانية. وخرج ذوو الأرحام
والأم، وللقاضي (الاعتراض في غير الكفء) فيفسخه القاضي ويتجدد بتجدد
النكاح (ما لم) يسكت حتى (تلد منه) لئلا يضيع الولد، وينبغي إلحاق الحبل
الظاهر به (ويفتی) في غير الكفء
على الحرّ فالأصل مبني على قول الإمام. تأمل. قوله: (إذا كان عصبة) أي بنفسه، فلا
يرد العصبة بالغير كالبنت مع الابن، ولا العصبة مع الغير كالأخت مع البنت كما في
البحرح. قوله: (في غير الكفء) أي في تزويجها نفسها من غير كفء، وكذا له
الاعتراض في تزويجها نفسها بأقل من مهر مثلها، حتى يتم مهر المثل أو يفرق القاضي
كما سيذكره المصنف في باب الكفاءة. قوله: (فيفسخه القاضي) فلا تثبت هذه الفرقة
إلا بالقضاء لأنه مجتهد فيه، وكل من الخصمين يتشبث بدليل، فلا ينقطع النكاح إلا
بفعل القاضي، والنكاح قبله صحيح يتوارثان به إذا مات أحدهما قبل القضاء، وهذه
الفرقة فسخ لا تنقص عدد الطلاق، ولا يجب عندها شيء من المهر إن وقعت قبل
الدخول وبعده لها المسمى، وكذا بعد الخلوة الصحيحة، وعليها العدة ولها نفقة العدة
لأنها كانت واجبة. فتح. ولها أن لا تمكنه من الوطء حتى يرضى الولي كما اختاره
الفقيه أبو الليث، لأن الولي عسى أن يفرق فيصير وطء شبهة؛ وأما على المفتى به
الآتي فهو حرام لعدم الانعقاد. أفاده في البحر. قوله: (ويتجدد) أي اعتراض الولي
بتجدد النكاح، كما لو زوجها الولي بإذنها من غير كفء فطلقها ثم زوجت نفسها منه
ثانياً كان لذلك الولي التفريق، ولا يكون الرضا بالأول رضا بالثاني. فتح. وقيد بتجديد
النكاح لأنه لو طلقها رجعياً ثم راجعها في العدة ليس للولي الاعتراض كما ذكره في
الذخيرة. قوله: (ما لم يسكت حتى تلد) زاد لفظ ((يسكت)) للإشارة إلى أن سكوته قبل
الولادة لا يكون رضاً، وأن هذه ليست من المسائل التي نزل فيها السكوت منزلة القول
كما ستأتي الإشارة إليها، ويفهم منه أنه لو لم يسكت بل خاصم حين علم فكذلك
بالأولى، فافهم؛ لکن یبقی الکلام فیما لو لم یعلم أصلاً حتى ولدت فهل له حق
الاعتراض؟ ظاهر المتن لا، وظاهر الشرح نعم. تأمل. قوله: (لئلا يضيع الولد) أي
بالتفريق بين أبويه، فإن بقاءهما مجتمعين على تربيته أحفظ له بلا شبهة، فافهم. قوله:
(وينبغي الخ) البحث لصاحب البحرح. قوله: (ويفتى في غير الكفء الخ) قيد بذلك
لئلا يتوهم عوده إلى قوله ((فينفذ نكاح الخ)) وللاحتراز عما لو تزوجت بدون مهر
المثل، فقد علمت أن للوليّ الاعتراض أيضاً، والظاهر أنه لا خلاف في صحة العقد،
وأن هذا القول المفتى به خاص بغير الكفء كما أشار إليه الشارح، ولم أر من أجرى
هذا القول في المسألتين، والفرق إمكان الاستدراك بإتمام مهر المثل، فلذا قالوا له

١٥٧
کتاب النكاح / باب الولى
(بعدم جوازه أصلا) وهو المختار للفتوى (لفساد الزمان) فلا تحل مطلقة ثلاثاً
نكحت غير كفء بلا رضا وليّ بعد معرفته إياه فليحفظ (و) بناء (على الأول)
الاعتراض حتى يتم مهر المثل أو يفرق القاضي، فإذا أتم المهر زال سبب الاعتراض،
بخلاف عدم الكفاءة، هذا ما ظهر لي، فافهم. قوله: (بعدم جوازه أصلاً) هذه رواية
الحسن عن أبي حنيفة، وهذا إذا كان لها وليّ لم يرض به قبل العقد فلا يفيد الرضا
بعده. بحر. وأما إذا لم يكن لها ولي فهو صحيح نافذ مطلقاً اتفاقاً كما يأتي، لأن وجه
عدم الصحة على هذه الرواية دفع الضرر عن الأولياء، أما هي فقد رضيت بإسقاط
حقها. فتح. وقول البحر: لم يرض به يشمل ما إذا لم يعلم أصلاً فلا يلزم التصريح
بعدم الرضا بل السكوت منه لا يكون رضا كما ذكرنا. فلا بد حينئذ لصحة العقد من
رضاه صريحاً، وعليه فلو سكت قبله ثم رضي بعده لا يفيد، فليتأمل. قوله: (وهو
المختار للفتوى) وقال شمس الأئمة: وهذا أقرب إلى الاحتياط، كذا في تصحيح
العلامة قاسم، لأنه ليس كل وليّ يحسن المرافعة والخصومة؛ ولا كل قاض يعدل؛ ولو
أحسن الوليّ وعدل القاضي فقد يترك أنفة للتردد على أبواب الحكام، واستثقالاً لنفس
الخصومات فيتقرّر الضرر فكان منعه دفعاً له. فتح. قوله: (نكحت) نعت لمطلقة،
وقوله ((بلا رضا)) متعلق بنكحت، وقوله ((بعد)) ظرف للرضا، والضمير في ((معرفته))
للولي وفي ((إياه)) لغير الكفء، وقوله ((بلا رضا)) نفي منصب على المقيد الذي هو رضا
الولي والقيد الذي هو بعد معرفته إياه، فيصدق بنفي الرضا بعد المعرفة وبعدمها
وبوجود الرضا مع عدم المعرفة، ففي هذه الصور الثلاثة لا تحل وإنما تحل في الصورة
الرابعة وهي رضا الولي بغیر الكفء مع علمه بأنه کذلك اهـح.
قلت: والأنسب أن يقول مع علمه به عيناً لما في البحر: لو قال الوليّ:
رضيت بتزوّجها من غير كفء، ولم يعلم بالزوج عيناً هل يكفي؟ صارت حادثة
الفتوى. وينبغي لا يكفي لأن الرضا بالمجهول لا يصح كما ذكره في الخانية فيما إذا
استأذنها الولي ولم يسمّ الزوج فقال لأن الرضا بالمجهول لا يتحقق، ولم أره
منقولاً اهـ. وأقره في النهر لكن ليس على عمومه، لما سيأتي في كلام الشارح أنها لو
فوّضت الأمر إليه يصح كقولها زوجني ممن تختاره ونحوه. قال الخير الرملي: ومقتضاه
أن الولي لو قال لها أنا راض بما تفعلين أو زوّجي نفسك ممن تختارين ونحوه أنه
يكفي، وهو ظاهر لأنه فوّض الأمر إليها ولأنه من باب الإسقاط اهـ. قوله: (فليحفظ)
قال في الحقائق شرح المنظومة النسفية: وهذا مما يجب حفظه لكثرة وقوعه اهـ. وقال
الكمال: لأن المحلل في الغالب يكون غير كفء، وأما لو باشر الولي عقد المحلل
فإنها تحل للأول اهـ. وفي البحر: وهذا كله إذا كان لها ولي، وإلا فهو صحيح مطلقاً

١٥٨
كتاب النكاح / باب الولى
وهو ظاهر الرواية (فرضا البعض) من الأولياء قبل العقد أو بعده (كالكل) لثبوته
لكل كملاً كولاية أمان وقود، وسنحققه في الوقف (لو استووا في الدرجة، وإلا
فللأقرب) منهم (حق الفسخ، وإن لم يكن لها ولي فهو) أي العقد (صحيح) نافذ
(مطلقاً) اتفاقاً (وقبضه) أي ولي له حق الاعتراض
اتفاقاً. قوله: (وهو ظاهر الرواية) وبه أفتى كثير من المشايخ، فقد اختلف الإفتاء.
بحر. لكن علمت أن الثاني أقرب إلى الاحتياط. قوله: (قبل العقد أو بعده) فيه أن
الرضا قبل العقد يصح على كل من الأول والثاني، وأما المبني على الأول فقط فهو
الرضا بعد العقد، فإنه يصح عليه لا على الثاني المفتى به كما قدمناه عن البحر،
وكلام المتن يوهم أنه على الثاني لا يكون رضا البعض كالكل، ولا وجه له، ولعل
الشارح قصد بما ذكره دفع هذا الإيهام. تأمل. قوله: (لثبوته لكل كملاً) لأنه حق
واحد لا يتجزأ، لأنه ثبت بسبب لا يتجزأ. بحر. قوله: (كولاية أمان وقود) فإذا أمن
مسلم حربياً ليس لمسلم آخر أن يتعرض للحربيّ أو لماله؛ وإذا عفا أحد أولياء
القصاص ليس لولي آخر طلبه ح. قوله: (وسنحققه في الوقف) حيث زاد على ما هنا
مما يقوم فيه البعض مقام الكل بعض مستحقي الوقف ينتصب خصماً عن الكل، وكذا
بعض الورثة، وكذا إثبات الإعسار في وجه أحد الغرماء، وولاية المطالبة بإزالة الضرر
العام عن طريق المسلمين. قوله: (ولا الخ) أي وإن لم يستووا في الدرجة، وقد
رضي الأبعد فللأقرب الاعتراض. بحر عن الفتح وغيره. قوله: (وإن لم يكن لها ولي
الخ) أي عصبة كما مر، والأولى التعبير به، وهذا الذي ذكره المصنف من الحكم
ذكره في الفتح بحثاً بصيغة: ينبغي أخذاً من التعليل بدفع الضرر عن الأولياء، وأنها
رضيت بإسقاط حقها، وجزم به في البحر فتبعه المصنف، والظاهر أنه لو كان لها
عصبة صغير فهو بمنزلة من لا وليّ لها لأنه لا ولاية له، وكذا لو كان عبداً أو كافراً
كما سيشير إليه الشارح عند قوله ((الولي في النكاح العصبة الخ)) كما سنبينه هناك،
وعلى هذا فلو بلغ أو عتق أو أسلم لا يتجدد له حق الاعتراض. وأما لو كان لها
عصبة غائب فهو كالحاضر، لأن ولايته لا تنقطع، بدليل أنه لو زوج الصغيرة حيث
هو صح، وإن كان لها ولي آخر حاضر على ما فيه من الخلاف كما سيأتي، والظاهر
أيضاً أن هذا في البالغة؛ أما الصغيرة فلا يصح لأنها لم ترض بإسقاط حقها؛ ألا ترى
أنها لو كان لها عصبة فزوجها غير كفء لم يصح، فكذا إذا لم يكن لها عصبة، هذا
كله ما ظهر لي تفقهاً من كلامهم ولم أره صريحاً. قوله: (مطلقاً) أي سواء نكحت
كفؤاً أو غيره ح. قوله: (اتفاقاً) أي من القائلين برواية ظاهر المذهب والقائلين برواية
الحسن المفتى بها. قوله: (أي ولي له حق الاعتراض) يوهم أن الولي في قوله ((وإن

١٥٩
كتاب النكاح / باب الولى
(المهر ونحوه) مما يدل على الرضا (رضا) دلالة إن كان عدم الكفاءة ثابتاً عند
القاضي قبل مخاصمته، وإلا لم يكن رضا كما (لا) يكون (سكوته) رضا ما لم
تلد، وأما تصديقه بأنه كفء، فلا يسقط حق الباقين. مبسوط (ولا تجبر البالغة
البكر على النكاح) لانقطاع الولاية بالبلوغ (فإن استأذنها هو) أي الولي وهو السنة
(أو و کیله أو رسوله أو زوّجها) وليها
لم يكن لها ولي)) المراد به ما يشمل الأرحام وليس كذلك كما علمت، فالمناسب
ذكر هذا التفسير هناك ليعلم المراد في الموضعين، ويرتفع الإيهام المذكور. قوله:
(ونحوه) بالرفع عطفاً على ((قبضه)) أي ونحو قبض المهر كقبض النفقة، أو المخاصمة
في أحدهما وإن لم يقبض، وكالتجهيز ونحوه. فتح. قوله: (إن كان الخ) كذا ذكره
في الذخيرة، وأقرّه في البحر والنهر والشرنبلالية وشرح المقدسي، وظاهره أن هذا
شرط في الرضا دلالة فقط، وأن مجرد العلم بعدم الكفاءة لا يكفي هنا، بخلاف الرضا
الصريح حيث يكفي فيه العلم فقط، لكن هذا مخالف لإطلاق المتون، ولم يذكره في
الفتح ولا في كافي الحاكم الذي جمع كتب ظاهر الرواية، وأيضاً فوجهه غير ظاهر،
إلا أن يكون الفرق انحطاط رتبة الدلالة عن الصريح، فليتأمل.
وصورة المسألة: أن تكون هذه المرأة تزوجت غير كفء فخاصم الولي وأثبت
عند القاضي عدم الكفاءة، فقبض الولي المهر قبل التفريق أو فرض القاضي بينهما ثم
تزوجته ثانياً بلا إذن الولي فقبض المهر. قوله: (كما لا يكون الخ) مكرّر بقوله المار
((ما لم يسكت حتى تلد)). قوله: (وأما تصديقه الخ) قال في البحر: قيد بالرضا لأن
التصديق بأنه كفء من البعض لا يسقط حق من أنكرها. قال في المبسوط: لو ادعى
أحد الأولياء أن الزوج كفء وأثبت الآخر أنه ليس بكفء يكون له أن يطالبه بالتفريق،
لأن المصدق ينكر سبب الوجوب، وإنكار سبب الشيء لا يكون إسقاطاً له اهـ.
وفي الفوائد التاجية: أقام وليها شاهدين بعدم الكفاءة وأقام زوجها بالكفاءة، لا
يشترط لفظ الشهادة لأنه إخبار اهـ. قوله: (ولا تجبر البالغة) ولا الحرّ البالغ والمكاتب
والمكاتبة ولو صغيرين. ح عن القهستاني. قوله: (البكر) أطلقها فشمل ما إذا كانت
تزوجت قبل ذلك، وطلقت قبل زوال البكارة فتزوج كما تزوج الأبكار، نص عليه في
الأصل. بحر. قوله: (وهو السنة) بأن يقول لها قبل النكاح فلان يخطبك أو يذكرك
فسكتت، وإن زوّجها بغير استثمار فقد أخطأ السنة وتوقف على رضاها. بحر عن
المحيط. واستحسن الرحمتي ما ذكره الشافعية من أن السنة في الاستئذان أن يرسل إليها
نسوة ثقات ينظرن ما في نفسها، والأم بذلك أولى لأنها تطلع على ما لا يطلع عليه
غيرها اهـ. قوله: (أو وكيله أو رسوله) الأول أن يقول: وكلتك تستأذن لي فلانة في

١٦٠
کتاب النكاح / باب الولى
وأخبرها رسوله أو فضولي عدل (فسكتت) عن رده مختارة (أو ضحكت غير
مستهزئة أو تبسمت أو بكت بلا صوت) فلو بصوت لم يكن إذناً ولا ردًّا حتى لو
رضيت بعده انعقد. معراج وغيره، فما في الوقاية والملتقى فيه نظر
كذا، والثاني أن يقول: اذهب إلى فلانة وقل لها إن أخاك فلاناً يستأذنك في كذا.
قوله: (وأخبرها رسوله الخ) أفاد أن قول المصنف ((أو زوّجها)) محمول على ما إذا
زوّجها في غيبتها، وهذا وإن كان خلاف المتبادر منه، لكن يرجحه دفع التكرار مع قوله
الآتي ((وكذا إذا زوجها عندها فسكتت)).
وفي البحر: واختلف فيما إذا زوجها غير كفء فبلغها فسكتت، فقالا لا يكون
رضا. وقيل في قول أبي حنيفة: يكون رضا، إن كان المزوج أباً أو جداً، وإن كان
غيرهما فلا، كما في الخانية أخذاً من مسألة الصغيرة المزوجة من غير كفء اهـ. قال في
النهر: وجزم في الدراية بالأول بلفظ قالوا. قوله: (أو فضولي عدل) الشرط في
الفضولي العدالة أو العدد، فيكفي إخبار واحد عدل أو مستورين عند أبي حنيفة، ولا
يكفي إخبار واحد غير عدل، ولها نظائر ستأتي في متفرّقات القضاء. قوله: (فسكتت)
أي البكر البالغة، بخلاف الابن الكبير فلا يكون سكوته رضا حتى يرضى بالكلام. كافي
الحاكم. قوله: (عن رده) قيل به، إذ ليس المراد مطلق السكوت، لأنها لو بلغها الخبر
فتكلمت بأجنبي فهو سكوت هنا فيكون إجازة؛ فلو قالت الحمد لله اخترت نفسي، أو
قالت: هو دباغ لا أريده، فهذا كلام واحد فهو ردّ. بحر. قوله: (مختارة) أما لو أخذها
عطاس، أو سعال حين أخبرت، فلما ذهب قالت لا أرضى، أو أخذ فمها ثم ترك
فقالت ذلك، صح ردها لأن سكوتها كان عن اضطرار. بحر. قوله: (غير مستهزئة)
وضحك الاستهزاء لا يخفى على من يحضره، لأن الضحك إنما جعل إذناً لدلالته على
الرضا، فإذا لم يدل على الرضا لم يكن إذناً. بحر وغيره. قوله: (أو بكت بلا صوت)
هو المختار للفتوى لأنه حزن على مفارقة أهلها. بحر: أي وإنما يكون ذلك عند .
الإجازة. معراج. قوله: (فما في الوقاية والملتقى) أي من أنه هو والبكاء بلا صوت
إذن ومعه رد. قوله: (فيه نظر) أي لمخالفته لما في المعراج، ولا يخفى ما فيه، فإن ما
في الوقاية والملتقى ذكر مثله في النقابة والإصلاح والمتون مقدمة على الشروح.
وفي الشارح الجامع الصغير لقاضيخان: وإن بكت كان رداً في إحدى الروايتين
عن أبي يوسف، وعنه في رواية: يكون رضا. قالوا: إن كان البكاء عن صوت وويل لا
يكون رضا، وإن كان عن سكوت فهو رضا اهـ. وبه ظهر أن أصل الخلاف في أن
البكاء هل هو رد أو لا، وقوله قالوا الخ توفيق بين الروايتين، فمعنى لا يكون رضا أنه
يكون رداً كما فهمه صاحب الوقاية وغيره، وصرح به أيضاً في الذخيرة حيث قال بعد