النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ كتاب النكاح قبل الدخول) وادّعى كل منهما أنها الأولى ولا بينة لهما، فإن اختلف مهراهما: فإن علما فلكل ربع مهرها، إلا فلكل نصف أقل المسميين (وإن لم يكن مسمى المذكور ح. قوله: (وادعى كل منهما أنها الأولى) أما إذا قالتا: لا ندري أيّ النكاحين أول، لا يقضى لهما بشيء لأن المقضى له مجهول وهو يمنع صحة القضاء، كمن قال لرجلين: لأحدهما عليّ ألف، لا يقضى لأحدهما شيء إلا أن يصطلحا بأن يتفقا على أخذ نصف المهر، فيقضى لهما به، وهذا: أي دعوى كل منهما، زاد أبو جعفر الهندواني، وظاهر الهداية تضعيفه لكنه حسن. بحر. وتمامه فيه. قوله: (ولا بينة لهما) مثله ما لو كان لكل منهما بينة على السبق كما في الفتح وغيره: أي لتهاترهما: قال ح: فلو أقامت إحداهما البينة على السبق فنكاحها هو الصحيح، والثاني باطل نظير ما قدمنا في قوله ((ونسي الأول)). قوله: (فإن اختلف مهراهما) محترز قوله ((متساويين قدراً وجنساً)) وهو صادق باختلافهما قدراً فقط، كأن يكون مهر إحداهما وزن ألف درهم من الفضة والأخرى وزن ألفين منها، وجنساً فقط كأن يكون مهر إحداهما وزن ألف درهم من الفضة والأخرى وزن ألف درهم من الذهب وقدراً وجنساً کان یکون مهر إحداهما وزن ألف درهم من الفضة والأخرى وزن ألف درهم من الذهب. قوله: (فإن علما الخ) اعلم أن هذا التفصيل مأخوذ من الدرر. واعترضه محشوه بأنه لم يوجد لغيره، والذي وجد في أكثر الكتب أن المسمى لهما إن كان مختلفاً يقضى لكل واحدة منهما بربع مهرها المسمى، والذي وجد في بعضها أنه يقضى لهما بالأقل من نصفي المهرين المسميين، فلو كان مهر إحداهما مائة درهم والأخرى ثمانين يقضي على القول الأول للأولى بخمسة وعشرين درهماً والثانية بعشرين، وعلى الثاني بنصف أقل المهرين المسميين وهو أربعون ثم ينصف بينهما، فيكون لكل منهما عشرون درهماً، كذا في حاشيته لنوح أفندي. وفي شرحه للشيخ إسماعيل: أن الاحتياط الثاني وهو الموجود في الكافي والكفاية، معللاً بأن فيه يقيناً. والظاهر أن المصنف: أي صاحب الدرر أراد أن يوفق بين القولين: بأن الأول فيما إذا كان ما سمي لكل واحدة منهما بعينها معلوماً كالخمسمائة لفاطمة والألف لزاهدة، والثاني فيما إذا لم يكن معلوماً كذلك بأن يعلم أنه سمى لواحدة منهما خمسمائة وللأخرى ألف، إلا أنه نسي تعيين كلّ منهما، لكن سياق ما في الكافي والكفاية لا يؤدّي انحصاره في ذلك، ولذا قيل: لو حمل على اختلاف الرواية كان أولى. إذا تقرّر ذلك علمت أن قول الشارح تبعاً للدرر، وإلا فلكل نصف أقل المسمیین غیر صحیح، كما نبه عليه في الشرنبلالية وغيرها لاقتضائه أن تأخذ مهراً كاملاً مع أن الواجب عليه نصف مهر، فالصواب ما في بعض نسخ الشرح، وهو ((وإلا فنصف أقل المسميين لهما)) وهذا بناء على ما في الدرر من التوفيق وقد علمت ما فيه. قوله: (وإن لم يكن مسمى) ١٢٢ کتاب النكاح فالواجب متعة واحدة لهما) بدل نصف المهر (وإن كانت الفرقة بعد الدخول وجب لكل واحدة مهر كامل) لتقرره بالدخول، أي وإن لم يكن واحد من المهرين مسمى فالواجب متعة، وإذا سمى لإحداهما دون الأخرى فلمن لها المسمى أخذ ربعه، والتي لم يسم لها تأخذ نصف المتعة ح. ومثله في شرح الشيخ إسماعيل. قوله: (وجب لكل واحدة مهر كامل) قال في الفتح: فلو كان التفريق بعد الدخول وجب لكل منهما مهرها كاملاً، وفي النكاح الفاسد يقضى بمهر كامل وعقر كامل، وجب حمله على ما إذا اتحد المسمى لهما قدراً وجنساً، أما إذا اختلفا فيتعذر إيجاب عقر، إذ ليست إحداهما أولى بجعلها ذات العقر من الأخرى لأنه فرع الحكم بأنها الموطوءة في النكاح الفاسد، هذا مع أن الفاسد ليس حكم الوطء فيه إذا سمى العقر، بل الأقل من المسمى ومهر المثل اهـ. ومثله في البحر سوى قوله: مع أن الفاسد الخ، والظاهر أن صاحب الفتح عبر أولًا بأنه يجب لكل مهر كامل، ثم بالعقر تبعاً لما وقع في كلام غيره، ثم حقق أن الواجب في النكاح الفاسد بعد الوطء هو الأقل من المسمى ومهر المثل، فعلم أنه المراد بالعقر. وفي المغرب: العقر صداق المرأة إذا وطئت بشبهة اهـ. ولا يخفى أن الوطء في النكاح الفاسد وطء بشبهة، وقد صرح في الكنز وغيره بأن الواجب في النكاح الفاسد الأقل من المسمى ومهر المثل، فعلم أن اقتصار البحر على التعبير بالعقر صحيح، فافهم. والحاصل أنك قد علمت أن أحد النكاحين في مسألة النسيان صحيح والآخر فاسد، وبعد الدخول يجب في الصحيح المسمى، وفي الفاسد العقر: أي الأقل من المسمى ومهر المثل، وحيث لم تعلم صاحبة الصحيح من الفاسد يقسم المهران بالوصف المذكور بينهما، فيكون لكل واحدة مهر كامل. ثم اعلم أن الصور أربع: لأنه إما أن يتحد المسمى لهما أو يختلف، وعلى كل إما أن يتحد مهر مثلهما أيضاً أو يختلف، فإن اتحد المسميان والمهران فلا شبهة في أنه يجب لكل منهما مهرها كاملاً، وأما إذا اتحد المسميان، واختلف المهران كأن سمى لهند مائة ومهر مثلها تسعون، ولأختها دعد مائة أيضاً ومهر مثلها ثمانون، فالواجب لذات النكاح الصحيح المسمى وهو مائة ولذات الفاسدة العقر، وهو متردد هنا بين التسعين والثمانين، ويتعذر إيجاب أحدهما إذ ليست إحداهما أولى بكونها ذات العقر، فلذا قيد المحشي قول الفتح: ويجب حمله: أي حمل وجوب المهر كاملاً لكل منهما على ما إذا اتحد المسمى لهما بما إذا اتحد مهر مثلهما أيضاً؛ وأما قول الفتح: وأما إذا اختلفا: أي المسميان فيتعذر إيجاب العقر، ففى إطلاقه نظر لأنه ظاهر فيما إذا اختلف المهران أيضاً، كأن سمى لهند مائة ومهر مثلها ثمانون ولدعد تسعين ومهر مثلها ستون مثلًاً، ١٢٣ كتاب النكاح ومنه يعلم حكم دخوله بواحدة (وكذا الحكم فيما جمعهما من المحارم) في نكاح (و) حرم (نكاح) المولى (أمته، و) العبد (سيدته) فهناك تعذر إيجاب العقر، وتعذّر أيضاً إيجاب المسمى، لأن إحداهما ليست بأولى من الأخرى بكونها ذات النكاح الصحيح أو ذات النكاح الفاسد حتى نوجب لهما أحد المسميين بعينه، وأحد العقرين بعينه لاختلاف كل منهما. وأما إذا اختلف المسميان واتحد المهران كأن سمى لهند مائة ولدعد تسعين ومهر مثل كل منهما ثمانون فلا يتعذّر إيجاب العقر لأنه ثمانون على كل حال، سواء كانت ذات النكاح الفاسد هنداً أو دعداً، بل يتعذر إيجاب المسمى، ثم إنه لم يعلم من كلام الفتح الحكم في الصور الثلاث. وقال ط: والظاهر أنه عند تعذر إيجاب العقر يجب لكل الأقل من المسمى ومهر مثلها. قلت: وفيه نظر لأن ذلك تنقيص لحقهما وترك لبعض المتيقن، إذ لا شك أن فيهما ذات نكاح صحيح ولها المسمى كاملاً ولا سيما إذا اتحد المسميان، على أنه لم يعلم منه حكم ما إذا لم يتعذر إيجاب العقم، بل الذي يظهر ما قرره شيخنا حفظه الله تعالى، وهو أنه حيث جهل ذات الصحيح منهما وذات الفاسد وكان لإحداهما المسمى وللأخرى العقر أن يأخذ المتيقن ويقتسماه بينهما في الصور الأربع، فإذا اتحد كل من المسميين والمهرين يعطيان أحد المسميين وأحد المهرين، وإذا اتحد الأولان فقط يعطيان أحد المسميين وأقل المهرين، وإذا اختلف الأولان فقط يعطيان أقل المسمين وأحد المهرين، وإذا اختلف الأولان والأخيران يعطيان أقل المسميين وأقلّ المهرين، والله سبحانه وتعالى أعلم. قوله: (ومنه یعلم حکم دخوله بواحدة) یعني أن المدخول بها يجب لها نصف المسمى ونصف الأقل من مهر المثل والمسمى، لأنها إن كانت سابقة وجب لها جميع المسمى، وإن كانت متأخرة وجب لها الأقل من مهر المثل والمسمى، فتأخذ نصف كل منهما غير المدخول بها يجب لها ربع المسمى، لأنها إن كانت سابقة وجب لها نصف المسمى، وإن كانت متأخرة لا يجب لها شيء فيتنصف النصف اهـ ح. قلت: وهذا الذي ذكره الشارح مأخوذ من الشرنبلالية، ويجب تقییده بما إذا دخل بإحداهما مع إقراره بأنه لا يعلم أيهما أسبق نكاحاً. أما لو دخل بإحداهما على وجه البيان فإنه يقضى بنكاحها، كما قدمناه عن شرح درر البحار وغيره، وحينئذ فيجب لها جميع المسمى لها ويفرق بينه وبين الأخرى ولا شيء لها، لأنه ظهر أنها المتأخرة فيكون نكاحها باطلًا، وقد مر أن الباطل لا يجب فيه المهر إلا بالدخول. قوله: (وكذا الخ) الأحسن قول الزيلعي: وكل ما ذكرنا من الأحكام بين الأختين فهو الحكم بين كل من لا يجوز جمعه من المحارم. قوله: (وحرم نكاح المولى أمته الخ) أي ولو ملك بعضها، وكذا المرأة لو لم تملك سوى سهم واحد منه. فتح. زاد في الجوهرة: وكذا إذا ملك ١٢٤ كتاب النكاح لأن المملوكية تنافي المالكية؛ نعم لو فعله المولى احتياطاً كان حسناً، أحدهما صاحبه أو بعضها فسد النكاح، وأما المأذون والمدبر إذا اشتريا زوجتهما لم يفسد النكاح لأنهما لا يملكانها بالعقد؛ وكذا المكاتب لأنه لا يملكها بالعقد وإنما يثبت له فیھا حق الملك، وکذا قال أبو حنيفة فیمن اشتری زوجته، وهو فیھا بالخیار لم يفسد نكاحها على أصله أن خيار المشتري لا يدخل المبيع في ملكه اهـ. قوله: (لأن المملوكية الخ) علة للمسألتين. قال في الفتح: لأن النكاح ما شرع إلا مثمراً ثمرات مشتركة في الملك بين المنتاكحين، ومنها ما تختص هي بملكه كالنفقة والسكنى والقسم والمنع من العزل إلا بإذن. ومنها: ما يختص هو بملكه كوجوب التمكين والقرار في المنزل والتحصن عن غيره. ومنها: ما يكون الملك في كل منها مشتركاً كالاستمتاع مجامعة ومباشرة والولد في حق الإضافة، والمملوكية تنافي المالكية فقد نافت لازم عقد النكاح، ومنافي اللازم مناف للملزوم، وبه سقط ما قيل: يجوز كونها مملوكة من وجه الرق مالكة من جهة النكاح، لأن الفرض أن لازم النكاح ملك كل واحد لما ذكرنا على الخلوص والرق يمنعه. قوله: (نعم لو فعله الخ) يشير إلى أن المراد بالحر في قوله ((وحرم)) مطلق المنع لا خصوص ما يتبادر منها من المنع على وجه يترتب عليه الإثم، وإلا امتنع فعل الحرام للتنزّه عن أمر موهوم في تزوج السيد أمته، أو المراد بها نفي وجود العقد الشرعي المثمر لثمراته كما يشير إليه ما مر عن الفتح، وهذا معنى ما في الجوهرة؛ وكذا في البحر عن المضمرات: المراد به في أحكام النكاح من ثبوت المهر في ذمة المولى وبقاء النكاح بعد الإعتاق، ووقوع الطلاق عليها وغير ذلك. أما إذا تزوجها متنزهاً عن وطئها حراماً على سبيل الاحتمال فهو حسن، لاحتمال أن تكون حرّة أو معتقة الغير أو محلوفاً عليها بعتقها، وقد حنث الحالف وكثيراً ما يقع لا سيما إذا تداولتها الأيدي اهـ. مَطْلَبٌ مُهِمٌّ فِي وَطْءِ السَّرَارِي اللاِي يُؤْخَذْنَ غَنِيمَةً فِي زَمَانِتَا قلت: ولا سيما السراري اللاتي يؤخذن غنيمة في زماننا للتيقن بعدم قسمة الغنيمة، فيبقى فيهن حق أصحاب الخمس وبقية الغانمين؛ وما ذكره الشارح في الجهاد عن المفتي أبي السعود من أنه في زمانه وقع من السلطان التنفيل العام فبعد إعطاء الخمس لا تبقى شبهة في حل وطئهن اهـ. فهو غير مفيد. أما أولاً فلأن التنفيل العام غير صحيح، سواء شرط فيه السلطان أخذ الخمس أو لا، لأن فيه إيطال السهام المقدرة كما نص على ذلك الإمام السرخسي في شرح السير الكبير. وأما ثانياً: فلأن تنفيل سلطان زمانه لا يبقى إلى زماننا. وأما ثالثاً فلأنه نفى الشبهة بإعطاء الخمس. ومن المعلوم في زماننا أن كل من وصلت يده من العسكر إلى شيء يأخذه ولا يعطي خمسه، ١٢٥ كتاب النكاح وفيه ما لا يخفى في عدم عدها خامسة ونحوه من عدم الاحتياط (و) حرم نكاح (الوثنية) بالإجماع (وصح نكاح كتابية) فينبغي أن يكون العقد واجباً إذا علم أنها مأخوذة من الغنيمة، ولذا قال بعض الشافعية: إن وطء السراري اللاتي يجلبن اليوم من الروم والهند والترك حرام؛ وأما قوله في الأشباه بعد نقله ذلك عنه في قاعدة الأصل في الأبضاع التحريم أن هذا ورع لا حكم لازم، فإن الجارية المجهولة الحال المرجع فيها إلى صاحب اليد إن كانت صغيرة، وإلى إقرارها إن كانت كبيرة، وإن علم حالها فلا إشكال اهـ. فهذا إنما هو في غير ما علم أنها أخذت من الغنيمة، أما ما علم فيها ذلك ففيها ما ذكرناه، لكن قد يقال: إنه يحتمل أن يكون باعها الإمام أو أحد من العسكر وأجاز الإمام بيعه، أما بدون ذلك فقد نص في شرح السير الكبير على أن بيع الغازي سهمه قبل القسمة باطل كإعتاقه، لكن العقد عليها لا يرفع الشبهة لأنها إذا كانت غنيمة تكون مشتركة بين الغانمين وأصحاب الخمس فلا يصح تزويجها نفسها، بل الرافع للشبهة شراؤها من وكيل بيت المال أو التصدق بها على فقير ثم شراؤها منه. وسيأتي إن شاء الله تعالى تمام تحرير هذه المسألة في الجهاد. قوله: (وفيه الخ) هذا مأخوذ من الشرنبلالية. وقوله («ونحوه)) أي كعدم القسم لها وعدم إيقاع الطلاق عليها، وعدم ثبوت نسب ولدها بلا دعوى، لكن لا يخفى أن الاحتياط في العقد عليها إنما هو عند احتمال عدم صحة الملك احتمالً قوياً ليقع الوطء حلالً بلا شبهة، ولا يلزم من العقد عليها لذلك أن لا يعدها على نفسه خامسة ونحوه، بل نقول: ينبغي له الاحتياط في ذلك أيضاً. قوله: (وحرم نكاح الوثنية) نسبة إلى عبادة الوثن، هو ما له جثة: أي صورة إنسان من خشب أو حجر أو فضة أو جوهر تنحت، والجمع أوثان؛ والصنم صورة بلا جثة، هكذا فرق بينهما كثير من أهل اللغة. وقيل لا فرق، وقيل يطلق الوثن على غير الصورة، كذا في البناية. نهر. وفي الفتح: ويدخل في عبدة الأوثان عبدة الشمس والنجوم والصور التي استحسنوها والمعطلة والزنادقة والباطنية والإباحية. وفي شرح الوجيز: وكل مذهب يكفر به معتقده اهـ. قلت: وشمل ذلك الدروز والنصيرية والتيامنة، فلا تحل مناكحتهم، ولا تؤكل ذبيحتهم لأنهم ليس لهم كتاب سماوي. وأفاد بحرمة النكاح حرمة الوطء بملك اليمين كما يأتي، والمراد الحرمة على المسلم لما في الخانية: وتحل المجوسية والوثنية لكل كافر إلا المرتد. قوله: (كتابية)(١) أطلقه فشمل الحربية (٢) والذمية والحرّة والأمة(٣). (١) النكاح من أشد الروابط وأمتن الصلات التي تربط الناس بعضهم ببعض. ومن أقوى الدواعي للرحمة والإخاء ورد بذلك نص القرآن قال تعالى: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾. ١٢٦ كتاب النكاح . = كيف لا، وبه يخلو الزوج إلى زوجته، ويفضي إليها بما في قرارة نفسه وخفايا ضميره. فإن كانت تلك الزوجة كتابية أمكن الزوج المسلم أن يوضح لها الإسلام وممارسته، وتعاليمه ومزاياه، ويكشف لها عما غمض عليها منه، وغالباً ما تجد هذه الأمور مكاناً في نفسها لملائمة طبيعتها وتأثرها بما يلقى إليها خصوصاً، وفي النساء رقة تساعد على ذلك. وإنما تثمر هذه البذور ثمرتها إذا كانت المرأة كتابية لا مشركة لما بين الإسلام وأهل الكتاب من قرب وشبه، وإذ الكل يدين بكتاب منزل ورسول مبين، ومن هنا يخطر الإسلام مودة أهل الكتاب وصلتهم، ولم يمنع معاشرتهم، كيف وفي الاختلاط إزالة ما عساه يكون عالقاً بالأذهان من الشكوك والأوهام. أما المشركة فهي لعداوتها للإيمان. صَمَّت أذنها عن دعوته، وصرفت نفسها عن التأمل والنظر في مزاياه، فقسا منها القلب وجمد العقل، فناسب ذلك خطر الإسلام التزوج بها لعدم تحقق الغاية المرجوة من الزوج بها. فهي لا تتحرز عن خيانة لزوجها طبعت عليها منذ نشأتها حيث لا دين لها يحرم عليها الشر أو يردها عن مباشرة الضر أو يهديها لعمل الخير بل هي موكولة إلى ما نشأت عليه من أوهام الجاهلية وخرافات الوثنية، ووساوس الشيطان، وفضلاً عن ذلك فولدها معرض للتخلق بأخلاق الشرك واعتقاد أصوله بما تلقيه أمه في نفسه سراً من غير علم الوالد، ومثل هذا غير متحقق في الكتابية، لأنها موحدة بعيدة عن الخرافات، فلا غرو أن حرمت المشركة وأحلت الكتابية. ثم المشركة باختيارها الشرك ما ثبت أمرها في الدين على حجة أو دليل حتى يساعدها هذا على فهم ما يلقى إليها من براهين إن تدبرتها أخذت بها إلى سبيل الحق، وهدتها إلى الطريق القويم، ولكن اعتقادها الناشىء عن التقليد الأعمى وكونها وجدت الآباء عليه صَمَّ آذانها عن الدعوة الحقة فلا تنفع فيها موعظة، ولا تفيدها الحجج والبراهين. ومن هنا انعدمت مقاصد النكاح في التزوج بها فحرمه الشارع الحكيم على المسلمين. ذهب أكثر أهل العلم، والفقهاء الأربعة على القول بحل زواج المسلم بالكتابية الحرة التي بدار الإسلام، ونقل عن ابن عمر والهادي من الزيدية، والإمامية من الشيعة القول بتحريمها على المسلم. استدل المحرمون: بالكتاب، والأثر، والمعقول. أما الكتاب : - فأولًا: قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ وجه الدلالة أن الله تعالى حرم المشركات بالنهي الوارد في الآية، والكتابية مشركة فيحرم نكاحها، وتشهد اللغة والكتاب والسنة بشرك الكتابية . أما اللغة فكون الشرك معناه الإشراك بين شيئين، ومن جعلت عيسى أو عزيزاً ابناً لله فقد أشركت معه غيره في العبودية، وأما الكتاب فقد نطق بشركها في قوله تعالى: ﴿سبحانه وتعالى عما يشركون﴾. ونسب إليهم القول بالابنية لله، وهو عين الشرك قال تعالى: ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله﴾ وكذلك السنة الصحيحة وصفتهم بالشرك فقد روى البخاري في صحيحه عن الليث عن نافع عن ابن عمر كان إذا سئل عن نكاح الرجل النصرانية أو اليهودية قال: حرم الله المشركات على المؤمنين، ولا أعلم شيئاً من الاشراك أعظم من أن تقول المرأة: ربها عيسى، وهو عبد من عباد الله. صرح الحديث بشركهم، ونطق بعلة تسميتهم، وكيف لا تكون الكتابية مشركة وقد توفرت فيها علة النهي المقتضية للتحريم وتحقق فيها الوصف الذي نعتت به المشركات في قوله تعالى: ﴿أولئك يدعون إلى النار﴾. ونوقشت الآية : - تمنع كون الكتابية مشركة من وجوه: أولاها: أن يعرف ما ورد من وصفهم بالشرك إلى غير الحقيقة بأن يقال أطلق لفظ الشرك عليهم باعتبار فعلهم كما صح أن يطلق على المرائي بفعله . أما الوجه الثاني - أن يوجه الوارد بأن اليهود والنصارى لما ابتدعوا الشرك من عندهم مع أنه ليس من أصل دينهم شرك - إذ الأصل فيه اتباع الكتب المنزلة التي ١٢٧ كتاب النكاح =. وردت بالتوحيد - صح إطلاق اسم الشرك عليهم، وكون العلة المذكورة في عجز الآية المحرمة للمشركات متحققة في الكتابية لا تجعلهما متحدتين في الحقيقة، فالفرق بينهما فيها مقرر معروف فضلاً عما في المشركة من الاشتهار بالعداوة الدينية والتظاهر بالمخالفة، وليست الكتابية كذلك، لأنها رضيت بالقهر والغلبة على أمرها، ودفعت الجزية نظير أمانها. ولو جرينا على القول القائل يكون قوله تعالى: ﴿أولئك يدعون إلى النار﴾ علة لقوله: ﴿ولأمة مؤمنة خير من مشركة﴾ تخرج العلة المذكورة عن دلالتها إذ تكون علة للأفضلية والخيرية لا للتحريم، وعليه فلا اشتراك بين المشركة والكتابية في العلة، فلا تحرم الكتابية. واستدلوا ثانياً من الكتاب بقوله تعالى: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ وجه الدلالة أن الله حرم على المؤمنين تمسكهم بالكافرات، وجعلهم في عصميتهم، وذلك مقتضى النهي الوارد في الآية، فكان هذا دليلاً على تحريم ابتداء نكاحهن؛ لأنه مفض إلى المنهي عنه. ونوقشت تلك الآية بمناقشتين: أولاهما: أن قوله تعالى: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ اللام في الكوافر لتعريف العهد، والمعهودات كن مشركات عبدة أوثان أو الآية نزلت في مشركات الحديبية، وعليه فلا تتناول الآية الكتابيات، وعلى أن الخطاب متوجه لمن كان في عصمته كافرة مشركة تاركاً لها بدار الحرب تخرج الآية عن الدلالة، وقد فهم الصحابة رضوان الله عليهم منها ذلك، فطلق عمر امرأتين كانتا مشركتين بمكة حين نزلت الآية بالحديبية. ثانيهما: أن الآية نزلت بالحديبية حين هاجر رسول الله إلى المدينة، وأنزل الله سورة الممتحنة، وفيها الأمر بامتحان المهاجرات، فهي واردة في ذلك، ثم أنزل الله حل الكتابيات بعد ذلك في آية أخرى في سورة المائدة هي قوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب﴾. واستدلوا ثالثاً بالأثر: ما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فرق بين من تزوجوا بكتابيات وأزواجهن، وحين نكح طلحة يهودية، وحذيفة بن اليمان نصرانية غضب غضباً شديداً فقالا: نطلق يا أمير المؤمنين فلا تغضب فقال: ((إن حل طلاقهن فقد حل نكاحهن، ولكن أنتزعهن منكم). دل هذا على عدم جواز نكاح الكتابيات للمسلمين؛ لأنه لو كان نكاحهن حلالاً جائزاً لما غضب عمر، ولأنكر عليه الصحابة، ولضح طلاقهن، فتفريقه وعدم إجازته الطلاق دليل على الحرمة. ونوقش: بأن المروي عن عمر غير جيد. قال ابن عطية بل قيل: إنه غريب. والذي بإسناد جيد عنه أنه قال للذين تزوّجوا من الكتابيات: ((طلقوهن، فطلقوهن إلا حذيفة، فقال له عمر: طلقها قال: تشهد أنها حرام؟ قال هي خمرة طلقها، فلما كان بعد طلقها، فقيل له: ألا طلقتها حين أمرك عمر؟ قال: كرهت أن يرى الناس أني ركبت أمراً لا ينبغي لي). نطق هذا الأثر في نهايته بعدم حرمة الكتابية، ودل على عدم التحريم أيضاً طلب عمر الطلاق من المتزوجين، ويؤيده ما نقل ابن وهب وابن المنذر نقلاً صحيحاً عن عمر قوله بجواز نكاح الكتابيات. واستدلوا بالمعقول من وجهين: أولهما: أن الكتابية امرأة تعارض دليل حلها، وهو قوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب﴾ مع دليل تحريمها، وهو قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات﴾ وفي مثل هذا يلزم الرجوع إلى الأصل، وهو التحريم؛ لأن الأبضاع مما يلزم الاحتياط فيها فيحرم نكاح الكتابية لذلك. ونوقش: بتسليم كون الأصل في النكاح الحرمة وأنه لا بد من نص دال على الحل لكن قوله تعالى بعد تعداد محرمات النكاح في سورة النساء ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ لا يخلو من أن تكون نازلة بعد تحريم المشركات أو قبلها، فإن كانت بعدها صح القول بأنها ناسخة لآية البقرة، وإن كانت متقدمة عنها وآية البقرة متأخرة تكون المشركة مستثناة من العموم في آية الحل، وعلى كل حال فالكتابيات داخلات في عموم = ١٢٨ كتاب النكاح . = آية الحل غير مخرجات منها لما سبق بيانه من أن اسم المشرك لا ويتناول الكتابي، وتكون آية المائدة وهي قوله: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب﴾ جاءت مؤكدة للحل الوارد في العموم. رافعة لتوهم حرمتهن كما فهم بعض الصحابة . ثانيهما: أن الكتابية متمسكة بكتاب دار أمر القول فيه بين حالين هما التغيير أو النسخ، والمغير تزول عنه صفة الكتاب والمنسوخ ترتفع أحكامه، وحينئذ يكون لا فرق بينه وبين ما لم يكن، وعليه تكون الكتابية في حكم من لا كتاب لها، ومن هذا شأنها لا يحل نكاحها لتحقق النقص الفاحش فيها فساوت عابدة الوثن. ونوقش: بأن من لها كتاب مغير أو منسوخ يصح أن تندرج تحت من لها شبهة كتاب نظراً لكتابها المغير وصحة دينها في أصله، فلا مساواة بينها وبين من لا كتاب لها أصلاً، وتفرقة الشارع بينهما في الأحكام دليل على ذلك، فقد حقن دماء الأولى دون الثانية، وكذا أحل ذبيحتها دون الأخرى، فناسب أن يفترقا في حكم النكاح. واستدل المجوزون: بالكتاب والسنة: أولاً: الكتاب: وهو قوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ عطف الله المحصنات في الآية على الطيبات المصرح بحلها في صدر الآية، والمحصنات معناها الحرائر أو العفيفات فتكون الآية دليلاً على حل الحرائر أو العفيفات من أهل الكتاب؛ لأن قضية العطف التشريك في الحكم، وهذه الآية محكمة ليس بمنسوخ حكمها على القول بعدم تناول آية البقرة - وهي قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات﴾. للكتابيات. إذ تكون كل من الآيتين جار على أفراده، وعليه فلا نسخ ولا تخصيص، وعلى أن آية البقرة متناولة للكتابيات تكون هذه الآية مخصصة للعموم أو ناسخة على الخلاف المعروف في علم الأصول. فإن ورد على هذا - عدم تسليم تفسير المحصنات بالحرائر أو العفيفات، وتفسيرها بالمسلمات؛ لأن المراد بهن اللاتي كن كتابيات فأسلمن. استناداً إلى قوله تعالى: ﴿من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ وقوله: ﴿وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله﴾ وإلى أن الصحابة قبل نزول آية المائدة كانوا يتحرجون عن الزواج بالكتابيات اللاتي أسلمن فأنزل الله هذه الآية بياناً لحلهن. أجيب عن ذلك. بأن تفسير المحصنات بالمسلمات غير صحيح من وجوه متعددة. الوجه الأول: أن الله تعالى قد ذكر المؤمنات في قوله: ﴿والمحصنات من المؤمنات قبلها، فانتظم في هذا سائر المؤمنات ممن كن كتابيات أو مشركات فأسلمن ومن نشأن على دين الإسلام، فإذا عطف بعد ذلك المحصنات من الذين أوتوا الكتاب لم يكن من الجائز أن يراد بالجملة المعطوفة ما أفادته الجملة قبلها إذ المؤمنات اللاتي كن كتابيات إن كن قد انقرضن فلا فائدة؛ لأنه لا يتصور الخطاب بحل الأموات. للمخاطبين الأحياء، وإن كن أحياء، ودخلن في دين الإسلام فالحل معلوم من الجملة قبلها، ولا حاجة إلى التكرار ولا إلى خلو الكلام عن الفائدة؛ لأنه عبث عليه تعالى محال. الوجه الثاني: أن في القول بهذا التأويل الذي ذهب إليه ابن عمر صرف اللفظ عن ظاهره بلا مقتض، وهو غير جائز. الوجه الثالث: أن تفسير المحصنات بالمسلمات تفسير إرادة لا لغة أما تفسيرها بالعفيفات فتفسير لغة؛ لأن الإحصان في اللغة عبارة عن المنع، ومعنى المنع يحصل بالعفة والصلاح كما يحصل بالحرية والإسلام، والنكاح إذا الكل مانع المرأة عن ارتكاب الفاحشة، فيتناولهن عموم المحصنات، ومما يرجح تفسيرها بالعفيفات ورود الإحصان بمعنى العفة في كلام الله تعالى: ﴿محصنات غِير مسافحات ولا متخذات أخدان﴾ . الوجه الرابع: عدم قول أحد من أهل العلم بأن المراد من قوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب﴾ = ١٢٩ كتاب النكاح = طعام من كانوا أهل كتاب فأسلموا مرجح لعدم تفسير المحصنات من الذين أوتوا الكتاب «بمن كن أهل كتاب فأسلمن))، وكيف يراد ذلك وقوله: والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب تفيد حصول الوصف في حال الإباحة وهو منفي على تلك الإرادة. أما تأييد المدعي دعواه بما ورد في الآيتين: ﴿من أهل الكتاب أمة﴾ ﴿وإن من أهل الكتاب﴾ الآية فلا يفيده، لأن تقييدهما بالإيمان دليل على أنه لم يرد بهم أهل الكتاب عند الإطلاق بل أراد بهم طائفة معينة منهم ذلك، لأن لفظ أهل الكتاب إذا أطلق من غير تقييد انصرف إليهم من غير إرادة من أسلم منهم، فإن أريد نوع آخر جاء اللفظ مقيداً دون إطلاق كما في الآيتين المذكورتين، وعليه نذكر آية المائدة مطلقة لا مقيدة يدل على أن المراد بأهل الكتاب فيها حقيقة اللفظ عند الإطلاق. وإنه ورد على دليل الجمهور ثانياً: أن آية المائدة منسوخة بآية البقرة فقد روى جعفر بن مجاشع قال: سمعت إبراهيم بن إسحاق الحربي يقول: في آية البقرة وجه ذهب إليه قوم جعلوا التي في البقرة هي الناسخة والتي في المائدة هي المنسوخة يعني فحرموا نكاح كل مشركة كتابية أو غير كتابية. أجيب عن ذلك بمنع نسخ آية المائدة بآية البقرة، لأن البقرة من أول ما نزل بالمدينة، والمائدة من آخر ما نزل بها، والمتأخر ينسخ المتقدم، وعلى تسليم كون آية المائدة منسوخة لا يتم الدليل إلَّ إذا كانت آية البقرة الناسخة عامة في الوثنيات والكتابيات، وليست كذلك لورود العطف المقتضي للمغايرة في غير آية من القرآن مثل ﴿ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين﴾، وقوله: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين﴾،. وحتى على القول بالعموم تكون آية المائدة مخصصة لآية البقرة أو ناسخة، والعكس ممتنع، ثم لا يعكر ذلك على الدليل؛ لأنه ما لم يكن سبيل إلى التوفيق بين تلك الآيتين إلا بذلك وجب المصیر إليه. واستدل المجوزون ثانياً بالسنة: وهي ما رواه جابر بن عبد الله عن رسول الله ## أنه قال: ((نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا» أخرجه أبو داود في سننه [٥٩/٣] وعن عبد الرزاق وابن جرير عن عمر بن الخطاب قال: ((المسلم يتزوج النصرانية، ولا يتزوج النصراني المسلمة)). دل ما تقدم على حل الكتابية للمسلم، وأيده فعل بعض الصحابة، فقد تزوجوا بكتابيات ولم ينكر بعضهم على بعض - روى الخلال بسنده أن حذيفة بن اليمان وطلحة بن الجارود بن المعلى وأذينة العبدي تزوجوا نساء من أهل الكتاب، كما روي عن عمر وعثمان وغيرهما من الصحابة القول بإباحتهن. ونوقش: بأن الرواية عن عمر مضطربة، ففي بعضها القول بالحل، وفي أخرى تفريقه بين من تزوج بكتابيات وبين أزواجهن، ومع هذا الاضطراب لا يؤخذ بقوله، ويمكن تأويل الحديث الأول بأن ذلك كان في زمن قلة النساء المؤمنات في ابتداء الإسلام. وأجيب: بأن الرواية الصحيحة عن عمر هي الناطقة بحل تزوج المسلم للنصرانية، وهي نص، فلا يعارضها غيرها، والدليل على ذلك أن بعضاً من الصحابة قدموا على التزوج بكتابيات منهم طلحة وكعب بن مالك وعثمان ابن عفان، وكذا خطب المغيرة بن شعبة هند بنت النعمان بن المنذر، وكانت تنصرت، وثبت عن الصحابة طلاقهم للكتابيات وهو دليل على حل نكاحهن، والقول بأن ما ورد عن الصحابة محمول على زمن قلة النساء والمؤمنات لا يستند إلى دليل وإنما يعتمد عليه لو لم يكن كتاب أو سنة واردين بالحل، وغاية ما يفيد هذا الحل هو كراهية الكتابيات لاحرمتهن على المسلمين، وقد قال بالحل مع الكراهة، وبأنه خلاف الأولى المالكية والحنفية، وعللوا الكراهة بأن الكتابية تشرب الخمر وتأكل الخنزير، فلا تؤمن على تربية أولادها ويعد هذا القطوف تبين أن مذهب الجمهور هو الراجح. = ١٣٠ کتاب النكاح = فتح القدير ٣٧٢/٣. تفسير الجصاص ٢٤٢/٢. تفسير الفخر الرازي ٦١/٦. الشرح الكبير ٢٦٧/٣. كشاف القناع ٤٨/٣. فتاوى ابن تيمية ٤/ ٨٤. مغني ابن قدامة ٧/ ٥٠٠. تفسير القرطبي ٤/ ٦٧. (٢) اختلفت المذاهب في هذه المسألة فذهب ابن عباس إلى القول بعدم حل نساء أهل الكتاب إذا كانوا حرباً للمسلمين. وذهب جمهور الفقهاء إلى القول بالحل مع الكراهة. استدل ابن عباس : - أولًا: بقوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ وجه الدلالة له من الآية أنه سبحانه أحل نكاح الکتابیات والمراد بهن الذمیات دون الحربیات؛ لأنهن اللاتي یتمکن المسلمون من الرکون إلیهن، وتطمئن نفوسهن إلى الزواج بهن. واستدل ثانياً : - بقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا یدینون دین الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾. وجه الدلالة أن من لم يؤد الجزية من الكفار للمسلمين فهو محارب لهم منهي عن محبته ومودته، ولما كان النكاح نوع مودة ومحبة فيحرم. ونوقش : . بأن تخصيص الآية الأولى بالذميات تخصيص بلا دليل، ويأن الآيتين المستدل بهما على تحريم النكاح لم يتعرضا لذلك بل الأولى أفادت حله، والثانية دعت إلى قتال من أبى دفع الجزية، وعدم قتل من دفعها مع صغار وذلة، حيث لا علاقة دفع الجزية وحل النكاح، ولا بين عدم دفعها وحرمته، فلا دلالة في الآية على. تحريم الكتابية الحربية أو حلها. بل لقد أحل الشارع أخذ الجزية من المجوسية مع تحريمه نكاحها قال #: ((سنوا بالمجوس سنة أهل الکتاب غير ناکحي نسائهم ولا آکلي ذبائحهم». واستدل ثالثاً : - بقوله تعالى: ﴿لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله﴾. وجه الدلالة: أن الله سبحانه وتعالى شدد النکیر علی قوم آمنوا بربهم وباليوم الآخر یتحبیون إلى من ناصب المسلمين العداء وعصوا الله واعتصموا بدارهم متربصين بالمسلمين الداوئر. وإذا كانت هذه الصفات موجودة في الكتابية المحاربة كانت مندرجة تحت ما نهي عن مودتهم ومحبتهم، فكان ذلك نهياً عن نكاحها لما فيه من المودة قال تعالى: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾. ونوقش : . بأن الآية اقتضت النهي عن مودة أهل الحرب، ولم تتعرض لتحريم النكاح، وهو لا يثبت بالقياس فلا دلالة فيها، وكون عقد النكاح طريقاً إلى المودة لا يلزم منه تحريم النكاح بل كراهته، وقد قال بها جمهور الفقهاء. واستدل الجمهور على الحل : - أولاً : . بقوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ دلت الآية بعمومها على حل الكتابية مطلقاً ذمية أو حربية. واستدلوا ثانياً : . بأن اختلاف الدار لا تأثير له في تحريم النكاح ولا حله، فلا يكون استيطان الكتابية لدار الحرب مجرماً لها بعد الحل وهي بدار الإسلام، كما لم تحرم المسلمة إذا كانت بدار الحرب اتفاقاً. واستدلوا على الكراهة : . بأن نكاح الكتابية المقيمة بدار الحرب مفضية إلى أمور - منها . تكثير سواد الكفار، وفتح الطريق = ١٣١ كتاب النكاح = لإجراء أحكامهم على المسلمين؛ إذ لا يبعد أن يهيم المسلم بزوجته الكتابية الحربية فيستدعيه ذلك إلى المقام معها والبقاء بجانبها، وفي ذلك ما تقدم آنفاً، وسبب في براءة الرسول عليه السلام منه إذ يقول: ((أنا بريء من كل مسلم مع مشرك لا تراءى ناراهما)) ومعناه أنه عليه السلام متبرئ من المسلم المستكين بدار الحرب الذي لا يدافع عن الإسلام ويرضى بالخضوع لسلطان المشركين.، وكان مقتضى هذا الحديث تحريم الكتابية الحربية، لكن العمومات التي وردت بالحل أفادت صرف الحديث إلى الكراهة. ومن الأمور التي تترتب على التزوج بالكتابية الحربية احتمال تعريض ولد المسلم للرق وتنشئته على عادات الكفار وتخلقه بأخلاقهم، وتعليمه طقوس دينهم وعباداتهم بسبب اختلاطه الشديد بهم مع تعذر تحوله بعد ذلك. وبيان هذا - أنه قد يَغْرِض للزوج المسلم أن يترك زوجته الكتابية بدار الحرب ويهاجر إلى دار الإسلام لمهمة، وقد يحدث في تلك الآونة أن يتغلب المسلمون على الكفار، وتقع الزوجة أسيرة في يد المسلمين وهي حامل، وقد لا يصدقها المسلمون أن حملها من مسلم، فيمن هنا يولد الولد رقيقاً مملوكاً لمن وقعت أمه في يده، حتى لو لم تقع المرأة في السبي، وترك المسلم زوجته بدار الحرب ترتب ما قدمنا، وفيه تفكيك لوحدة الإسلام وتمزيق لجماعة المسلمين وبهذا يترجح لنا ما ذهب إليه الجمهور. راجع فتح القدير جـ ٢ ص ٢٧٢، حواشي التحفة جـ ٥ ص ٥٠، الأم ١٨١/٤ وتفسير القرطبي جـ ٣ ص ٦٧، تفسير الجصاص جـ ٢ ص ٣٢٦، المبسوط ٥٠/٥. (٣) اختلفت الفقهاء في زواج المسلم بكتابية أمة. فذهب إلى جوازه مع كونه خلاف الأولى . الحنفية وأحمد في رواية، وهو المنقول في العتبية والواضحة من سماع ابن القاسم عن مالك. وذهب الشافعية والحنابلة في ظاهر مذهبهم، والمالكية في المشهور عندهم إلى القول بعدم جواز التزوج مطلقاً. استدل المانعون: ۔ بالکتاب: أولًا : - قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ وجه الدلالة أن الآية دلت على تحريم المشركات، والكتابية مشركة فحرم نكاحها حرة كانت أو أمة لاندراجها تحت العموم، إلا أن الله تعالى خص الحرائر بالحل بقوله: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب﴾ إذ المراد بالمحصنات الحرائر فبقيت الإماء على أصل المنع وعدم الحل كالوثنيات والمجوسيات. ونوقش: بأن المستدل منع فيما تقدم أن تكون الكتابية مشركة، ونفي إرادة الكتابية من لفظ المشركات في قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات﴾، وكيف يصح هذا وقد خصهن العرف باسم آخر ولم يطلق عليهم اسم الشرك؟ يؤيده خصوصية كل منهما باللفظ، والعطف في أسلوب القرآن، فإن الأخير يقتضي المغايرة. ولو سلمنا اندراجهن تحت عموم المشركات وإرادتهن من اللفظ فقد خرجن بالاتفاق على تخصيص هذا العموم بحل الحرائر من الكتابيات بآية: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب﴾ فلم تبق الآية على عمومها فلا يحتج بها، ثم ما تقدم على القول بتفسیر المحصنات بالحرائر . أما إن فسرت بالعفائف كما جرى عليه الحنفية استناداً إلى أن الإحصان في كلام العرب عبارة عن المنع، وهو يحصل بالحرية والإسلام، قاسم العفائف متناول للحرائر والإماء فيكنَّ في الحكم سواء. وحيث وقع الاتفاق على حل الحرائر فالإماء كذلك لعدم الفصل في الدليل المبيح. ثانياً من الكتاب: قوله تعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ دلت الآية على أن حل المتزوج بالإماء مشروط بشرطين هما إيمانهن وعدم قدرة المتزوج بهن على طول الحرة. فإذا انتفى الإيمان منهن وهو أحد الشرطين بأن كن كتابيات انتفى الحكم، وهو الحل فيحرم نكاحهن بناء على أن الحكم متى علق بشرط أو أضيف إلى مسمى بوصف خاص أوجب نفي الحكم، عند عدم الشرط أو الوصف، فكان انتفاء الشرطين أو أحدهما وهو الإيمان = ١٣٢ كتاب النكاح = مفيداً لتحريم الإماء. ونوقش بأن هذه الآية غاية ما تفيد وجود الحكم عند وجود الشرط أما نفي الحكم عند نفي الشرط فلم تتعرض له الآية فلا دلالة فيها على التحريم؛ إذ اللفظ لا يدل على خلاف الموضوع له. وغاية درجات الوصف إذا كان مؤثراً أن يكون علة، ولا أثر للعلة في نفي الحكم؛ لأن عدم العلة لا يصلح أن يكون علة لعدم الحكم لكون العدمي لا يكون علة لحكم عدمي ولا وجودي، وعلى ذلك فالآية أفادت حل الإماء المؤمنات عند الشرط لا تحريم الكتابيات. ولو سلمنا للمستدل حجية المفهوم. فمقتضى مفهوم الآية عدم الإباحة الثابتة عند وجود القيد المبيح، وعدم الإباحة أعم من ثبوت الكراهة أو الحرية؛ لأنه لا دلالة للأعم على أخص بخصوصه، وعليه يجوز ثبوت الكرامة أو الحرمة على السواء لا ثبوت الحرمة بعينها لكن لما كانت الكراهة أقل تعنيت، وإليها مالت الحنفية، وصرح بذلك صاحب البدائع منهم. فإن قال قائل: إن الوصف بالإيمان يدل على الحرمة عند عدمه فتحرم الأمة الكتابية لعدم تحقق وصف الإيمان فيها، ولهذا نظير معتبر متفق عليه وارد في القرآن الكريم هو قوله تعالى في كفارة القتل: ((فتحرير رقبة مؤمنة)) فقد وقع الاتفاق على عدم إجزاء الرقبة الكافرة في هذه الكفارة لكونها مقيدة بالإيمان، فكأنهم اعتبروا الوصف الوارد في الآية. أجيب: ۔ بأن تحرير الرقبة في كفارة القتل لم يشرع إلا مقيدة بالإيمان بخلاف النكاح فقد شرع مطلقاً ومقيداً. واستدل المانعون بالمعقول من وجهين : . الوجه الأول : - أن نكاح الإماء في الأصل ثبت ضرورة، وما ثبت بالضرورة يقتصر على قدرها الوارد به النص، وقد ورد النص بحل الحرائر والإماء المؤمنات لكون الضرورة مرتفعة بهما، فلا تحل الإماء الكتابيات لعدم ورود النص بذلك. أما أن نكاح الإماء ثابت ضرورة فلما فيه من تعريض الولد للرق الذي هو موت حكماً، فكان كالإهلاك حيّاً إذ به يخرج الشخص عن أن يكون متفعاً به في حق نفسه ملحقاً بالعجماوات في البيع والشراء، وهلاك الجزء من غير ضرورة لا يجوز. الوجه الثاني : - هو أن التزوج بالإماء الكتابيات يؤدي إلى تعريض ولد الحر المسلم لرق الكافر؛ لأن الولد ينشأ رقيقاً برق أمه، فإذا كانت الأم مملوكة لكافر؛ وتزوجها حر مسلم. نشأ الولد رقيقاً برق أمه، مسلماً بإسلام أبيه، مملوكاً لكافر هو سيد أمه، ولا شك أن هذا التعريض محظور شرعاً فيحظر ما أفضى إليه؛ وهو التزوج بالأمة الكتابية إذ إن ما يفضي إلى المحظور يكون محظوراً. ونوقش المعقول بوجهیه: ۔ بأن على تسليم كون نكاح الإماء فيه تعريض الولد للرق لا يفضي إلى التحريم بل يفيد الكراهة؛ إذ لو كان محرماً لما أجاز الشارع للعبد أن يتزوج بأمتين مع وجود العلة المذكورة في نكاحه، كما أن تحصيل الولد رقيقاً مسلماً أولى من عدم تحصيله أصلاً، لأن فيه تكثير المقرين بالوحدانية، الأمر الذي هو المقصود الأصلي من النكاح، أما كون الولد حراً بعد كونه مسلماً فهو كمال يرجع إلى أمر دنيوي، وفي إمكان المتزوج بالأمة الكتابية عدم تحصيل الولد أصلاً بنكاح من لا تلد فلا يتحقق المانع فلا تحرم. أما كون النكاح فيه تعريض ولد الحر المسلم لرق الكافر، فهذا غير مطرد، ومؤثر في بعض الحالات دون بعض، وغاية ما يفيد الكراهة لا الحرمة. وهناك معقول ثالث: استدل به المانعون هو أن الأمة الكتابية جمعت بين نقصين مؤثرين في منع النكاح هما الكفر والرق، فيحرم نكاحها كالحرة المجوسية حرمت لاجتماع نقص الكفر وعدم الكتاب فيها. ونوقش : - = : ٠ : 1 : : ١٣٣ كتاب النكاح = بأن المانع من نكاح الحرة المجوسية هو تغليظ كفرها بعدم الانتماء إلى نبي أو كتاب منزل، فأشبهت المشركة، ولا كذلك الأمة الكتابية فظهر الفرق بينهما. واستدل المجيزون: بالكتاب والمعقول: أولاً: الكتاب وهو قوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ الآية، وقوله: ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم) وقوله: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾. وجه الدلالة . أن العمومات التي اشتملت عليها هذه الآيات أفادت حل النكاح بالنساء مطلقاً من غير تقييد بحرائر أو إماء بإيمان أو غير أيمان، ذلك. لأن الآية أفادت حل النساء المستطابة مطلقاً من غير تقييد بحرية أو غيرها، والآية الثانية . أفادت حل المملوكات، وهو بإطلاق شامل للكتابيات، وغيرها .. والآية التالية إنما يتم الاستدلال بها على المطلوب إذا فسرت المحصنات بالعفائف، لأن العفيفة كما تكون حرة تكون أمة، دل عليه استثناؤها من المحصنات في قوله: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمكانكم﴾ فكان لفظ المحصنات متناولاً للإماء كما هو متناول للحرائر. ونوقش : - بأن هذه العمومات المستدل بها مراد بها الحرائر دون الإماء، شهد بذلك سياق الآيات، ففي سياق قوله: ﴿فانكحوا ما طاب لكم﴾، قوله تعالى: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾ والمملوكة سيدها هو المتولي قبض مهرها، فكان هذا دليلاً على خصوصية الحرائر بالآية، لأنهن اللاتي يقبضن مهورهن. وكذا قوله: ﴿فإن خفتم ألَّ تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم﴾ سيق لبيان عدم اشتراط العدل في نكاح المملوكات دون الحرائر أما قوله: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ فلا دلالة فيها على حل نكاح الإماء؛ لأن الإحصان اسم مشترك يتناول معان مختلفة سبق بيانها، وليس بعام حتى يجري على مقتضى لفظه، فكان مجملاً موقوفاً على البيان معناه، ووقوع الاتفاق على أن حل الحرائر الكتابيات مستفاد من الآية مشعر بورود بيان يفيد ذلك، أما الإماء فعدم البيان في حقهن مبقٍ لهن على أصل المنع والتحريم. وأجيب : - بأن دعوى سوق العمومات في الحرائر دون الإماء لا تمنع دلالة العمومات على حل الإماء الکتابیات؛ إذ ليس هناك ما يمنع ثبوت حكم بسياق اللفظ وآخر بإشارته. وما استندوا إليه من الاتفاق على حل الحرائر لا ينهض حجة لهم، لأن التحريم لا يثبت إلا بنص فما لم يرد يكون حكم العموم جارياً على أفراده، وها هنا كذلك فتكون العمومات متناولة للحرائر والإماء، - على أن الراجح إرادة العفائف من المحصنات لا غيرها في هذا المقام كما روي هذا عن جماعة من السلف، وأيده كون العفة من معاني الإحصان، وورود القرآن الكريم بذلك، وما عدا هذا المعنى من معاني الإحصان فغير مراد لعدم قيام الدليل، وحيث كانت العفة هي المرادة وهي صادقة على الحرائر والإماء وجب اعتبار عموم العفة في تناولها للحرائر والإماء، فوجب القول بحل الإماء الكتابيات لأنها من أفراد العام في الآية. واستدلوا ثانياً بالمعقول وهو: قياس الأمة الكتابية على الأمة المسلمة بجامع جواز وطء كل منهما بملك اليمين، فحيث جاز نكاح الأمة المسلمة اتفاقاً جاز كذلك نكاح الأمة الكتابية. ونوقش : . بأن وطء الإماء بملك اليمين أقل شأناً من وطئهن بملك النكاح، وثبوت الحكم في الأدنى غير مستلزم ثبوته في الأعلى، ولذا كانت الأمة المسلمة يجوز وطؤها بملك اليمين، وعند وجود حرة تحت الزوج يمتنع، ولو كانت حرة لا أمة لجاز النكاح. وأجيب : . بأن ما استظهر به من منع نكاح الأمة المسلمة عند وجود حرة لا يصلح علة في جميع الأحوال بل هو علة لجواز الأمة منفردة غير مجموعة إلى غيرها، ومن هنا كانت الأمة المسلمة يجوز وطؤها بملك اليمين، ويجوز نكاحها منفردة، وحين تكون تحت الزوج حرة يمتنع نكاحها من جهة أخرى هي جمعها مع حرة. = ١٣٤ كتاب النكاح وإن كره تنزيهاً (مؤمنة بنبي) مرسل (مقرّة بكتاب) منزل وإن اعتقدوا المسيح إلهاً، وكذا حل ذبيحتهم على المذهب. بحر. وفي النهر: تجوز مناكحة المعتزلة، لأنا ح عن البحر. قوله: (وإن كره تنزيهاً) أي سواء كانت ذمية أو حربية فإن صاحب البحر استظهر أن الكراهة في الكتابية الحربية تنزيهية، فالذمية أولى اهـح. قلت: علل ذلك في البحر بأن التحريمية لا بد لها من نهي أو ما في معناه، لأنها في رتبة الواجب اهـ. وفيه أن إطلاقهم الكراهة في الحربية يفيد أنها تحريمية، والدليل عند المجتهد على أن التعليل يفيد ذلك؛ ففي الفتح: ويجوز تزوّج الكتابيات، والأولى أن لا يفعل، ولا يأكل ذبيحتها إلا لضرورة، وتكره الكتابية الحربية إجماعاً لافتتاح باب الفتنة من إمكان التعلق المستدعي للمقام معها في دار الحرب، وتعريض الولد على التخلق بأخلاق أهل الكفر وعلى الرقّ بأن تسبى وهي حبلى فيولد رقيقاً وإن كان مسلماً اهـ. فقوله: والأولى أن لا يفعل، يفيد كراهة التنزيه في غير الحربية، وما بعده يفيد كراهة التحريم في الحربية. تأمل. قوله: (مؤمنة بنبي) تفسير للكتابية لا تقييد ط. قوله: (مقرة بكتاب) في النهر عن الزيلعي: واعلم أن من اعتقد ديناً سماوياً وله كتاب منزل كصحف إبراهيم وشيت وزبور داود فهو من أهل الكتاب فتجوز مناكحتهم وأكل ذبائحهم. قوله: (على المذهب) أي خلافاً لما في المستصفى من تقييد الحل بأن لا يعتقدوا ذلك. ويوافقه ما في مبسوط شيخ الإسلام: يجب أن لا يأكلوا ذبائح أهل الكتاب إذا اعتقدوا أن المسيح إله وأن عزيراً إله، ولا يتزوّجوا نساءهم. قيل وعليه الفتوى. ولكن بالنظر إلى الدليل ينبغي أنه يجوز الأكل والتزوّج اهـ. قال في البحر: وحاصله أن المذهب الإطلاق لما ذكر شمس الأئمة في المبسوط من أن ذبيحة النصراني حلال مطلقاً، سواء قال بثالث ثلاثة أو لا لإطلاق الكتاب هنا والدليل؛ ورجحه في فتح القدير بأن القائل بذلك طائفتان من اليهود والنصارى انقرضوا لأكلهم، مع أن مطلق لفظ الشرك إذا ذكر في لسان الشرع لا ينصرف إلى أهل الكتاب، وإن صح لغة في طائفة أو طوائف لما عهد من إرادته به من عبد مع الله تعالى غيره ممن لا يدعي اتباع نبيّ وكتاب، إلى آخر ما ذكره اهـ. قوله: (وفي النهر الخ) مأخوذ من الفتح حيث قال: وأما المعتزلة فمقتضى الوجه حلّ مناكحتهم، لأن الحق عدم تكفير أهل القبلة وإن وقع إلزاماً في المباحث، بخلاف من خالف القواطع المعلومة بالضرورة من الدين مثل القائم بقدم العالم ونفي العلم بالجزئيات على ما صرح به المحققون. وأقول: وكذا القول بالإيجاب بالذات ونفي الاختيار اهـ. وقوله ((وإن وقع إلزاماً = من هنا يتبين لنا رجحان المذهب القائل بجواز التزوج بالأمة الكتابية. المبسوط للسرخسي جـ ٥ ص ١١٠، البدائع ٢٧١/٢، كشاف القناع جـ ٣ ص ٣٨، الشرح الكبير للدسوقي جـ ٢ ص ٢٦٧. : : : : ١٣٥ كتاب النكاح لا نكفر أحداً من أهل القبلة إن وقع إلزاماً في المباحث (لا) يصح نكاح (عابدة کو کب لا کتاب لها) ولا وطؤها بملك یمین في المباحث)) معناه: وإن وقع التصريح بكفر المعتزلة ونحوهم عند البحث معهم في ردّ مذهبهم بأنه كفر: أي يلزم من قولهم بكذا الكفر، ولا يقتضي ذلك كفرهم، لأن لازم المذهب ليس بمذهب. وأيضاً فإنهم ما قالوا ذلك إلا لشبهة دليل شرعي على زعمهم وإن أخطؤوا فيه ولزمهم المحذور، على أنهم ليسوا بأدنى حالاً من أهل الكتاب، بل هم مقرّون بأشرف الكتب، ولعل القائل بعدم حل مناكحتهم يحكم بردتهم بما اعتقدوه وهو بعيد، لأن ذلك أصل اعتقادهم، فإن سلم أنه كفر لا يكون ردة. قال في البحر: وينبغي أن من اعتقد مذهباً يكفر به: إن كان قبل تقدم الاعتقاد الصحيح فهو مشرك، وإن طراً عليه فهو مرتداهـ. وبهذا ظهر أن الرافضي إن كان ممن يعتقد الألوهية في عليّ، أو أن جبريل غلط في الوحي. أو كان ينكر صحبة الصديق، أو يقذف السيدة الصديقة فهو كافر لمخالفته القواطع المعلومة من الدين بالضرورة، بخلاف ما إذا كان يفضل علياً أو يسبّ الصحابة فإنه مبتدع لا كافر، كما أوضحته في كتابي [تنبيه الولاة والحكام على أحكام شاتم خير الأنام أو أحد أصحابه الكرام عليه وعليهم الصلاة والسلام]. تنبيه: قيل: لا تجوز مناكحة من يقول أنا مؤمن إن شاء الله تعالى لأنه كافر. قال في البحر: إنه محمول على من يقول شكاً في إيمانه، والشافعية لا يقولون بذلك فتجوز المناكحة بيننا وبينهم بلا شبهة اهـ. وحقق ذلك في الفتح بأن الشافعية يريدون به إيمان الموافاة كما صرحوا به، وهو الذي يقبض عليه العبد، وهو إخبار عن نفسه بفعل في المستقبل أو استصحابه إليه فيتعلق به قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الله﴾ [الكهف ٢٣] غير أنه عندنا خلاف الأولى، لأن تعويد النفس بالجزم في مثله ليصير ملكة خير من إدخال أداة التردد في أنه هل يكون مؤمناً عند الموافاة أو لا اهـ. قوله: (لا عابدة كوكب لا كتاب لها) هذا معنى الصابئة المذكورة في المتون على أحد التفسيرين فيها. قال في الهداية: ويجوز تزوج الصابئات إن كانوا يؤمنون بدین نبيّ ویقرّون بكتاب لأنهم من أهل الكتاب، وإن كانوا يعبدون الكواكب ولا كتاب لهم لم تجز مناكحتهم لأنهم مشركون، والخلاف المنقول فيه محمول على اشتباه مذهبهم فكل أجاب على ما وقع عنده، وعلى هذا حال ذبيحتهم اهـ: أي الخلاف بين الإمام القائل بالحل، بناء على تفسيره بأن لهم كتاباً ولكنهم يعظمون الكواكب كتعظيم المسلم الكعبة، وبين صاحبيه القائلين بعدم الحل بناء على أنهم يعبدون الكواكب. قال في الفتح: فلو اتفق على تفسيرهم اتفق على الحكم فيهم. قال ١٣٦ كتاب النكاح (والمجوسية والوثنية) هذا ساقط من نسخ الشرح ثابت في نسخ المتن، وهو عطف على عابدة كوكب، وقوله (والمحرمة) بحج أو عمرة (ولو بمحرم) عطف في البحر: وظاهر الهداية أن منع مناكحتهم مقيد بقيدين: عبادة الكواكب، وعدم الکتاب؛ فلو کانوا یعبدون الکواکب ولهم کتاب تجوز مناکحتهم، وهو قول بعض المشايخ زعموا أن عبادة الكواكب لا تخرجهم عن كونهم أهل كتاب، والصحيح أنهم إن كانوا يعبدونها حقيقة فليسوا أهل كتاب، وإن كانوا يعظمونها كتعظيم المسلمين للكعبة فهم أهل كتاب، كذا في المجتبى اهـ. فعلى هذا فقول المصنف ((لا كتاب لها)) مفهوم له، لكن ما مر من حل النصرانية وإن اعتقدت المسيح إلهاً يؤيد قول بعض المشايخ. أفاده في النهر. قوله: (والمجوسية)(١) نسبة إلى مجوس وهم عبدة النار، وعدم جواز نكاحهم ولو بملك يمين مجمع عليه عند الأئمة الأربعة، خلافاً لداود بناء على أنه كان لهم كتاب ورفع، وتمامه في الفتح. قوله: (هذا ساقط الخ) فيه اعتذار عن تكرار الوثنية ودفع إيهام العطف في المحرمة. قوله: (ولو بمحرم) المناسب ((لمحرم)) باللام، لأن النكاح المقدر في المعطوف عليه لا يتعدى بالباء إلا أن يدعي تضمنه معنى التزوج فإنه يتعدى بالباء في (١) مجوس: كلمة فارسية تطلق على أمة من الناس، ويقال: تمجس الرجل إذا صار مجوسياً، وفي القاموس: مجوس: كصبور رجل صغير الأذنين وضع ديناً ودعا إليه، ومجسه تمجيساً صيره مجوسياً، والنحلة المجوسية. وأصل دين المجوس مبني على تعظيم النور وإثبات إله قديم يسمونه ((يَزْدَان))، وعلى التحرز من الظلمة التي قالوا بخلق إله محدث لها يسمى أهرمن، ومن هذا نشأت عبادة النيران عندهم؛ لأنهم لما عظموا النور عبدوا النار لكونها مصدره. ویقطن المجوس بلاد فارس، وقد تمسكوا بدینهم حقبة من الزمن حتى ظهر زرادشت فاعتنقوا مذهبه، واتبعوا دينه، ويستقبل المجوس قبلة أمرهم بها زعيمهم المذكور هي المشرق حيث مطلع الأنوار، وهم فرق كثيرة منها الثنوية، والمانوية، والزرادشتية، وغير ذلك مما يطول الكلام عليه إن أردنا الإفاضة والتفصيل. وقد اختلف الفقهاء في حكم التزوج بنسائهم بناء على دخولهم في أهل الكتاب أو عدم دخولهم. فذهب أبو ثور وداود، وروى عن علي، وحكاه ابن القصّار عن المالكية، وابن حزم من الظاهرية إلى أنهم أهل كتاب، فأحلوا نساءهم للمسلمين. وذهب الجمهور من الفقهاء، ومنهم الأئمة الأربعة إلى أنهم ليسوا من أهل الكتاب، فلا تحل نساؤهم للمسلمين. استدل أبو ثور ومن معه : . أولًا : . بما رواه الموطأ عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عمر قال: لا أدري ما أصنع بالمجوس، فقال عبد الرحمن بن عوف أشهد لسمعت رسول الله # يقوله: ((سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب)) رواه الشافعي . وجه الدلالة من الحديث أنه أفاد الأمر بمعاملة المجوس معاملة أهل الكتاب في إعطائهم الأمان وأخذ الجزية منهم، فدل هذا على أنهم أهل كتاب؛ لأن الجزية لا تؤخذ إلا منهم بدليل. : ١٣٧ كتاب النكاح على كتابية فتنبه (والأمة ولو) كانت (كتابية أو مع طول الحرة) الأصل عندنا أن كل وطء يحل بملك يمين يحل بنكاح، وما لا فلا (وإن كره) تحريماً في المحرمة وتنزيهاً في الأمة (وحرة على أمة لا) يصح (عكسه ولو) لغة قليلة. قوله: (أو مع طول الحرة) أي مع القدرة على مهرها ونفقتها، وهو بالفتح في الأصل الفضل، ويعدى بعلى وإلى، فطول الحرة متسع فيه بحذف الصلة، ثم الإضافة إلى المفعول على ما أشار إليه المطرزي. قهستاني. قوله: (الأصل الخ) قد يناقش فيه بالأمة المملوكة بعد الحرة فإنه يجوز وطؤها ملكاً، ولا يجوز أن ينكح الأمة على الحرة ط. قوله: (تحريماً في المحرمة وتنزيهاً في الأمة) أما الثاني فهو ما استظهره في البحر من كلام البدائع، ومثله في القهستاني، وأيده بقول المبسوط: والأولى أن لا يفعل. وأما الأول فهو ما فهمه في النهر من كلام الفتح، وهو فهم في غير محله، فإنه في الفتح ذكر دليل المسألة لنا، وهو ما أخرجه الستة عن ابن عباس «تزوّج رسول الله وَّ ميمونة وهو محرم، وبنى بها وهو حلال)) وذكر دليل الأئمة الثلاثة، وهو ما أخرجه الجماعة إلا البخاري من قوله وي لتر ((لا ينكح المحرم ولا ينكح)) أي بفتح الياء في الأول وضمها في الثاني مع كسر الكاف، ومن فتحها في الثاني فقد صحف. بحر. زاد مسلم (ولا يخطب)) ثم أجاب بترجح الأول من وجوه. ثم أجاب على تسليم التعارض بحمل الثاني: إما على نهي التحريم والنكاح فيه للوطء، أو على نهي الكراهية جمعاً بين الدلائل، وذلك لأن المحرم في شغل عن مباشرة عقود الأنكحة، لأن ذلك يوجب شغل قلبه عن إحسان العبادة لما فيه من خطبة ومراودات ودعوة واجتماعات، ويتضمن تنبيه النفس بطلب الجماع، وهذا محمل قوله ((ولا يخطب)) ولا يلزم كونه وَ *و باشر المكروه لأن المعنى المنوط به الكراهة هو عليه الصلاة والسلام منزّه عنه، ولا بعد في اختلاف حكم في حقنا وحقه لاختلاف المناط فينا وفيه كالوصال نهانا عنه وفعله اهـ. وحاصله أن لا ينكح إن كان المراد به الوطء، فالنهي للتحريم، وهذا قطعي لا شبهة فيه، أو العقد فالنهي للكراهية، وما ذكره من الوجه لا يقتضي كراهة التحريم، وإلا حرم تجارة المحرم في الإماء، فإن فيه أيضاً شغل القلب وتنبيه النفس للجماع، ويؤيده قوله ((وهذا محمل قوله ولا يخطب)) على أنه قد صرح في شرح درر البحار بأن النهي للتنزيه. وقول الكنز: وحلّ تزوج الكتابية والصابئة والمحرمة صريح في ذلك، فإن المكروه تحريماً لا يحل، فافهم. قوله: (لا يصح عكسه) أي ولا جمعهما في عقد واحد بل يصح في الجمع نكاح الحرة لا الأمة كما صرح به الزيلعي وغيره. وما في الأشباه في قاعدة إذا اجتمع الحلال والحرام، ومن أنه يبطل فيهما سبق قلم. ١٣٨ كتاب النكاح أم ولد (في عدة حرة) ولو من بائن (وصح لو راجعها) أي الأمة (على حرّة) لبقاء الملك(ولو تزوج أربعاً من الإماء وخمساً من الحرائر في عقد) واحد (صح نكاح الإماء) لبطلان الخمس (و) صح (نكاح- أربع من الحرائر(١) والإماء فقط للحر) لا أكثر (وله التسرّي بما شاء من الإماء) فلو له أربع وألف سرية وأراد شراء أخرى فلامه رجل خيف عليه الكفر، ولو أراد فقالت امرأته أقتل نفسي، لا يمتنع لأنه هذا وحرمة إدخال الأمة على الحرة إذا كان نكاح الحرة صحيحاً، فلو دخل بالحرة بنكاح فاسد لا يمنع الأمة. شرنبلالية. فرع: تزوّج أمة بلا إذن مولاها ولم يدخل حتى تزوّج حرة ثم أجاز المولى لم يجز، لأن الحل إنما يثبت عند الإجازة فكانت في حكم الإنشاء، فيصير متزوجاً أمة على حرة؛ ولو تزوج ابنتها الحرة قبل الإجازة جاز، لأن النكاح الموقوف عدم في حق الحل فلا يمنع نكاح غيرها. بحر عن المحيط ملخصاً. قوله: (ولو أم ولد) شمل المدبرة والمكاتبة كما في البحر. قوله: (في عدّة حرة) من مدخول المبالغة: أي ولو في عدّة حرة. قوله: (ولو من بائن) أشار به إلى خلاف قولهما بجوازه، واتفقوا على المنع في الرجعي. قوله: (لبقاء الملك) أي ملك نكاح الأمة لأنها لم تخرج بالطلاق الرجعي عن النكاح، فالحرة هي الداخلة على الأمة. قوله: (في عقد واحد) أي على التسع ح. قوله: (لبطلان الخمس) مفاده أنه لو كانت الحرائر أربعاً صح فيهن وبطل في الإماء، كما في جمع الحرة مع الأمة بعقد واحد، يوضحه ما تقله الرحمتي عن كافي الحاكم أن أصل ذلك أنه ينظر في نكاح الحرائر: فإن كان جائزاً لو كنّ وحدهن أجزته وأبطلت نكاح الإماء، وإن كان غير جائز أبطلته وأجزت نكاح الإماء إن كان يجوز لو كنّ وحدهن اهـ. قلت: ويستفاد منه ما لو كان جملة الحرائر والإماء لم تزد على أربع فإنه يجوز في الحرائر فقط(١)، وهو صريح ما ذكرناه آنفاً عند قوله ((لا يصح عكسه)). قوله: (سرية) نسبة إلى السرّ وهو النكاح، والتزم ضم السين كضم الدال في دهرية نسبة إلى الدهر، أو إلى السرور لحصوله بها ط. قوله: (خيف عليه الكفر) لقوله تعالى: ﴿إِلَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا (١) اتفق المسلمون على جواز نكاح أربعة من النساء معاً، وذلك للأحرار من الرجال، واختلفوا في موضعين. في العبد. قال مالك - رضي الله عنه - في المشهور عنه: يجوز أن ينكح العبد أربعاً، وبه قال أهل الظاهر. وقال أبو حنيفة والشافعي لا يجوز له الجمع إلا بين اثنين فقط ... ومنشأ اختلافهم هل العبودية لها تأثير في إسقاط هذا العدد كما لها تأثير في إسقاط نصف الحد الواجب على الحر في الزنا، وكذلك في الطلاق عند من يرى ذلك. وذلك أن المسلمين اتفقوا على تنصيف حده في الزنا أعني حده نصف حد الحر، واختلفوا في غير ذلك. = ١٣٩ كتاب النكاح = استدل المالكية على مدعاهم. بأن العبد يملك أصل النكاح بالإجماع، ولو لم يكن بمنزلة الحر لما ملكه كما أنه لا يملك المال .. ورد هذا الدليل بأن ملك أصل الشيء لا يمنع التنصيف إذا تحقق ما يوجبه، فالأمة تملك أصل الوطء من زوجها وينصف قسمها. بقي أن يستدل بقوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ نظراً لعموم المخاطبين في الأحرار والعبيد، ولكنه مردود بأن المخاطبين هم الأحرار بدليل عجز الآية وهو قوله تعالى: ﴿فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم﴾ ولا ملك للعبد فلزم كون المراد الأحرار، وقوله تعالى: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً﴾ والعبد لا يملك ما طابت عنه نفس امرأته من المهر بل يكون لسيده .. واستدل الحنفية والشافعية على أن العبد لا يجمع إلا بين اثنين بقوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ وجه الاستدلال أن الخطاب غير شامل للعبيد، وذلك أن الخطاب يتناول إنساناً متى طابت له امرأة قدر على نكاحها، والعبد ليس كذلك، بدليل أنه لا يمكن من النكاح إلا بإذن مولاه، ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء﴾ فقوله: ﴿لا يقدر على شيءٍ﴾ ينفي كونه مستقلاً بالنكاح. وقوله #: ((أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر)) فثبت بما ذكر أن الآية لا يندرج فيها العبد، ولو سلم أن ظاهر الآية يتناول العبد فهي مخصوصة بالقياس على الأمة. لأن الرق منصف فوجب التغاير بين الحر والعبد .. وبيان هذا أن الحل الثابت بالنكاح مشترك بين الزوجين حتى أن للمرأة المطالبة بالاستمتاع، وقد نصف الرق للمرأة ما لها من ذلك الحل حتى إذا كانت تحت الرجل حرة وأمة يكون للحرة الثلثان وللأمة الثلث، فلما نصف الرق ما لها من ذلك الحل وجب أن ینصف الرق ما له. (٢) أباحت الشريعة الإسلامية للمسلم أن يتزوج أربعاً من النساء إذا لم يخف عدم العدل فقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ فإن معنى الآية الكريمة لینکح كل فرد منكم ما طاب له من النساء اثنين اثنين، وثلاثاً ثلاثاً، وأربعاً أربعاً، لذلك أجمع المسلمون على القول بأن للمسلم أن يتزوج بأربع نسوة. ثم إن تعدد الزوجات في الشريعة الإسلامية ليس من الأمور التي لا بد منها بل هو من المباحات التي يرجع أمرها إلى المكلف إن شاء فعل، وإن شاء تركه ما لم يتعد حدود الله. وقد اختلف الفقهاء في الخامسة هل تحل للمسلم أولا . فذهب جمهور العلماء منهم الأئمة الأربعة مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد إلى القول بحرمة نكاح ما زاد على الأربع، وأنه إذا عقد مسلم على خامسة فالنكاح فاسد يفسخ قبل الدخول وبعده. وذهب الظاهرية وبعض الشيعة إلى القول بحل نكاح الخامسة، ومنهم من قال يحل للمسلم أن يتزوج إلى تسع، ومنهم من قال يحل له أن يتزوج إلى ثمانية عشر، وعليه فيصح عندهم العقد على الخامسة. وقد استدل الظاهرية ومن معهم بالكتاب والسنة: أما الكتاب . فقول الله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ ووجه الدلالة من هذه الآية أنهم قالوا: إن الواو هنا لمطلق الجمع فقوله تعالى: ﴿مثنى وثلاث ورباع﴾ معناه أنكحوا مجموع هذا العدد المذكور، وإذا كان يحل للمسلم أن يتزوج بالعدد المذكور كان العقد على الخامسة صحيحاً. وأما السنة فقد قالوا: إن الرسول #) تزوج بأكثر من أربع، وقد مات وتحته تسع نسوة والأصل أن ما أبيح له ** يباح لأمته إلا إذا قام دليل على الخصوصية ولا دليل هنا. وتناقش هذه الأدلة بما يأتي . أما الآية فيقال لهم فيها: إن المراد التخيير بين الأعداد لا الجمع إذ لو أراد الله سبحانه وتعالى الجمع بين تسع أو ثمانية عشر كما قلتم لقال: فانكحوا تسعاً مثلاً، فإن القرآن نزل بلغة العرب، والعرب لا تدع أن تقول تسعة وتقول اثنين وثلاثة وأربعة، ومما يؤيد أن المراد التخيير بين الأعداد ما روي عن علي بن الحسين - رضي الله عنهما - أنه قال في تفسير الآية يعني مثنى أو ثلاث أو رباع كما = ١٤٠ کتاب النكاح مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنُّهُمْ غَيْ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون ٦] بزازية. ومقتضاه أن مثله لو لامه على التزوّج على امرأته وما فرق به في البحر من أن في الجمع بين الحرائر مشقة بسبب وجوب العدل بينهما، بخلاف الجمع بين السراري فإنه لا قسم بينهن مما لا أثر له مع النص. نهر: أي لأن النص نفي اللوم عن الجهتين. وقد يقال: إن المتبادر من اللوم على التسرّي هو اللوم على أصل الفعل، بخلاف اللوم على تزوج أخرى، فإن المتبادر منه اللوم على ما يلحقه من خوف الجور لا على أصل = في قوله تعالى في وصف أجنحة الملائكة: ﴿أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع﴾ فقد أشار بذلك إلى أن الواو هنا بمعنى أو التي هي للتنويع كما في ذكر صفة أجنحة الملائكة، وعلي بن الحسين من أكبر أئمة الشيعة فقوله هذا من أكبر الأدلة في الرد على الشيعة لكونه من أئمتهم الذين يرجعون إليهم، ويدعون أنهم معصومون. وعليه فيكون معنى قوله تعالى: ﴿مثنى وثلاث ورباع﴾ أن لنا أن نتزوج اثنتين اثنتين وثلاثاً ثلاثاً، وأربعاً أربعاً، ولا يجوز لنا أن نتزوج خمساً خمساً ولا ما بعد ذلك من الأعداد، وذلك كما تقول: أقسم الدراهم بين الزيدين: درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، فمعنى ذلك أن تقع القسمة على هذا التفصيل دون غيره، فلا يجوز لنا أن نعطي أحداً من المقسوم عليهم خمسة خمسة. ویقال لهم في السنة: إن ذلك من خصائصه # کما خص أن ینکح من غیر صداق، وأن أزواجه لا ینکحن بعده وغير ذلك من خصائصه، والقول بأن لا دليل على الخصوصية باطل، فالدليل موجود وهو أمره # الغيلان الثقفي لما أسلم وثمة عشر نسوة أن يختار منهن أربعاً ويفارق سائرهن، فإن هذا يدل على أنه لا يباح لأحد غيره # أن يتزوج بأکثر من أربع. وأما الجمهور : - فقد استدلوا على مذهبهم بالكتاب والسنة. وأما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء، مثنى وثلاث ورباع﴾ فإن المعنى كما قلنا لينكح كل فرد منكم ما طاب له من النساء اثنتين اثنتين، وثلاثاً ثلاثاً، وأربعاً أربعاً. فالمراد التخيير بين الأعداد الثلاثة لا الجمع، فإن قيل إذا كان المراد هو التخيير فلماذا لم يأت بأو التي هي للتخيير مكان الواو؟! نقول: إنه لو جاء ((بأو)) كان يصير المعنى أنهم لا ينكحون إلا على أحد أنواع العدد المذكور، وليس لهم إنه يجعلوا بعضه على تثنية وبعضه على تثليث وبعضه على تربيع؛ لأن ((أو)) لأحد الشيئين أو الأشياء، والواو تدل على مطلق الجمع. وأما السنة فما روي عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال: أسلم غيلان الثقفي وتحته عشر نسوة في الجاهلية فأسلمن فأمره النبي # أن يختار منهن أربعاً، رواه أحمد وابن ماجة والترمذي. ووجه الدلالة من الحديث أن النبي # أمره أن يختار منهن أربعاً، ولو كان يباح للمسلم أن يتزوج أكثر من ذلك لأقره علی نکاحهن. وقد قيل للجمهور في هذا الحديث: إنه تكلم فيه قال البزار: جوده معمر بالبصرة، وأفسده باليمن. فأرسله، ولكن يرد هذا بأن الحديث أخرجه أيضاً الإمام الشافعي رضي الله عنه عن الثقة عن معمر عن الزهري بإسناده المذكور، وأخرجه أيضاً ابن حبان والحاكم وصححاه، فإن قيل إن البخاري قال: إن هذا الحديث غير محفوظ كما نقل عن ذلك الترمذي فقد قال البخاري إن حديث الزهري عن سالم عن أبيه، أن رجلًا من ثقيف طلق نساءه، فقال له عمر لتراجعن نساءك الحديث يجاب عن هذا بما قاله ابن كثير قلت: قد جمع الإمام أحمد في روايته لهذا الحديث بين هذين الحديثين بهذا السند فليس ما ذكره البخاري قادحاً. انظر عمدة القاري شرح صحيح البخاري جزء (٢٠) ص ٩١.