النص المفهرس

صفحات 561-580

٥٦١
كتاب الحج / باب التمتع
تبطل، ويتمها يوم النحر. والأصل أن المأتي به من جنس ما هو متلبس به في وقت
يصلح له ينصرف للمتلبس به (وقضيت) بشروعه فيها (ووجب دم الرفض) للعمرة،
وسقط دم القران لأنه لم يوفق للنسکین.
بَابُ الْتَّمَتُعِ
(هو) لغة من المتاع والمتعة. وشرعاً (أن يفعل العمرة أو أكثر أشواطها في أشهر
تبطل) لأنه أتى بركنها ولم يبق إلا واجباتها من الأقل والسعي. بحر. قوله: (ويتمها يوم
النحر) أي قبل طواف الزيارة الباب. قوله: (والأصل أن المأتي به) أي كالطواف الذي نوى
به القدوم أو التطوّع، ومن جنس حال منه، و ((ما)) بمعنی نسك، وضمير ((به)) هو للشخص
الآتي، وضمير (به) و ((له)) عائد على (ما)) وفي ((وقت)) متعلق بالمأتي، وقدمنا فروع هذا
الأصل عند طواف الصدر. قوله: (وقضيت) أي بعد أيام التشريق شرح اللباب، وتقدم أن
المكروه إنشاء العمرة في هذه الأيام لا فعلها فيها بإحرام سابق. تأمل. قوله: (بشروعه فيها)
فإنه ملزم كالنذر. بحر. قوله: (ووجب دم الرفض) لأن كل من تحلل بغير طواف يجب عليه
دم كالمحصر. بحر. قوله: (لأنه لم يوفق للنسكين) أي للجمع بينهما لبطلان عمرته كما
علمت، فلم يبق قارناً، والله تعالى أعلم.
بَابُ الْتَّمَتُعِ
ذكره عقب القران الاقترانهما في معنى الانتفاع بالنسكين، وقدم القران لمزيد فضله.
نهر. قوله: (من المتاع) أي مشتق منه. لأن التمتع مصدر مزيد والمجرد أصل المزيد ط.
وفي الزيلعي: التمتع من المتاع أو المتعة، وهو الانتفاع أو النفع، قال الشاعر: [الطويل]
وَقَفْتُ عَلَى قَبِ غَرِيْبٍ بِقَفْرَةٍ مَتَاعٌ قَلِيلٌ مِنْ غَرِيْبٍ مُفَارِقٍ
جعل الأنس بالقبر متاعاً اهـ. قوله: (وشرعا أن يفعل العمرة) أي طوافها، لأن السعي
ليس ركناً فيها على الصحيح كالحج، وقوله الآتي ((ثم يحرم)) بالحج بالنصب عطفاً على
(يفعل)) فهو من تتمة التعريف، وأشار إلى أنه لا يشترط كون إحرام العمرة في أشهر الحج
ولا كون التمتع في عام الإحرام بالعمرة، بل الشرط عام فعلها، حتى لو أحرم بعمرة في
رمضان وأقام على إحرامه إلى شوّال من العام القابل ثم حج من عامه ذلك كان متمتعاً كما
في الفتح.
تنبيه: ذكر في اللباب أن شرائط التمتع أحد عشر:
الأول: أن يطوف للعمرة كله أو أكثره في أشهر الحج.
الثاني: أن يقدم إحرام العمرة على الحج.

٥٦٢
كتاب الحج / باب التمتع
الحج) فلو طاف الأقل في رمضان مثلاً ثم طاف الباقي في شوّال ثم حج من عامه كان
متمتعاً. فتح. قال المصنف: فلتغير النسخ إلى هذا التعريف
الثالث: أن يطوف للعمرة كله أو أكثره قبل إحرام الحج.
الرابع: عدم إفساد العمرة.
الخامس: عدم إفساد الحج.
السادس: عدم الإلمام إلماماً صحيحاً كما يأتي.
السابع: أي يكون طواف العمرة كله أو أكثره والحج في سفر واحد، فلو رجع إلى
أهله قبل إتمام الطواف ثم عاد وحج، فإن كان أكثر الطواف في السفر الأول لم يكن
متمتعاً، وإن كان أكثره في الثاني كان متمتعاً، وهذا الشرط على قول محمد خاصة، على
مافي المشاهير.
الثامن: أداؤهما في سنة واحدة، فلو طاف للعمرة في أشهر الحج من هذه السنة وحج
من سنة أخرى لم يكن متمتعاً وإن لم يلم بينهما أو بقي حراماً إلى الثانية.
التاسع: عدم التوطن بمكة، فلو اعتمر ثم عزم على المقام بمكة أبداً لا يكون
متمتعاً، وإن عزم شهرين: أي مثلاً وحج كان متمتعاً.
العاشر: أن لا تدخل عليه أشهر الحج وهو حلال بمكة أو محرم، ولكن قد طاف
للعمرة أكثره قبلها، إلى أن يعود إلى أهله فيحرم بعمرة.
الحادي عشر: أن يكون من أهل الآفاق والعبرة للتوطن، فلو استوطن المكي في
المدینة مثلاً فهو آفاقي، وبالعكس مکي؛ ومن کان له أهل بهما واستوت إقامته فیھما فلیس
بمتمتع وإن كانت إقامته في إحداهما أكثر لم يصرحوا به. قال صاحب البحر: وينبغي أن
يكون الحكم للكثير، وأطلق المنع في خزانة الأكمل اهـ. قوله: (مثلاً) المراد أنه طاف
ذلك قبل أشهر الحج سواء في ذلك رمضان وغيره. ط. قوله: (من عامه) أي عام الطواف
لا عام إحرام العمرة كما مر، وأفاد أنه لو طاف الأكثر قبل أشهر الحج لم يكن متمتعاً ولو
حج من عامه، ولا فرق بين أن يكون في ذلك الطواف جنباً أو محدثاً ثم يعيده فيها أولًاً، لأن
طواف المحدث لا يرتفض بالإعادة، وكذا الجنب، وتمامه في النهر آخر الباب.
قال في النهر: والحيلة لمن دخل مكة محرماً بعمرة قبل أشهر الحج يريد التمتع أن لا
يطوف بل يصبر إلى أن تدخل شهر الحج ثم يطوف، فإنه متى طاف وقع عن العمرة، ثم لو
أحرم بأخری بعد دخول أشهر الحج وحج من عامه لم یکن متمتعاً في قول الکل، لأنه صار
في حكم المكي بدليل أن ميقاته ميقاتهم اهـ. قوله: (فلتغير النسخ) أراد بالنسخ ما وجدته
في متن مجرد من قوله: هو أن يحرم بعمرة من الميقات في أشهر الحج ويطوف اهـ. فقيد

٥٦٣
كتاب الحج / باب التمتع
(ويطوف ويسعى) كما مر (ويحلق أو يقصر) إن شاء (ويقطع التلبية في أول طوافه) للعمرة
وأقام بمكة حلالاً (ثم يحرم للحج)
الإحرام بكونه من الميقات وهو ليس، بقيد بل لو قدمه صح، وكذا لو أخره وإن لزمه دم إذا
لم يعد إلى الميقات، وبكونه في شهر الحج وليس. بقيد، بل ولو قدمه صح، بلا كراهة
وأطلق في الطواف، فمقتضاه أنه لا بد أن يقع جميعه في أشهر الحج لأنه شرط أن يكون
الإحرام في أشهر الحج، والطواف لا يكون إلا بعد الإحرام مع أنه يكفي وجوده أكثره فيها،
فلذلك أمر المصنف بتغيير النسخ إلى النسخة التي اعتمدها، وهي قوله: ((أن يفعل العمرة
أو أكثر أشواطها في أشهر الحج)) عن إحرام بها قبلها أو فيها ويطوف الخ، هكذا شرح عليها
في المنح، وذكرها بعينها في الشرح أيضاً، والشارح أسقط منها قوله: عن إحرام بها قبلها أو
فيها) اهـ. قلت: ولعله أسقطه استغناء بالإطلاق.
ويرد على هذا التعريف أيضاً ما لو أحرم بهما في عامين أو في عام واحد، لكن ألمّ
بأهله إلماماً صحيحاً، وقد تفطن الشارح للثاني فقيد فيما سيأتي بقوله: ((في سفر واحد
الخ)» فكان على المصنف أن يقول كما قال الزيلعي: ثم يحج من عامه ذلك من غير أن يلمّ
بأهله إلماماً صحيحاً، لكن يرد عليه أيضاً كما في النهر أن فائت الحج إذا أخر التحلل بعمرة
(إلى شوال فتحلل بها فيه وحج من عامه ذلك لا يكون متمتعاً. ويجاب بأن قول المصنف ((أن
يفعل العمرة)) يخرجه، لأن فائت الحج لا يفعل العمرة لأنه أحرم بالحج لا بها، وإنما يتحلل
بصورته أفعالها كما قدمناه، وأشار إليه في البحر هنا أيضاً.
ويرد عليه أيضاً ما صرحوا به من أنه لو أحرم بعمرة يوم النحر فأتى بأفعالها ثم أحرم
من يومه بالحج وبقي محرماً بالحج إلى قابل فحج كان متمتعاً اهـ. لكن هذا وارد على قول
الزيلعي وغيره: ثم يحج. أما قول المصنف ((ثم يحرم بالحج)) فلا لصدقه بما إذا أحرم به في
عام العمرة ولم يحج. ويمكن حمل كلام الزيلعي عليه بأن يراد. ثم ينشئ الحج. تأمل.
قوله: (ويطوف ويسعى الخ) عطف تفسير على قوله: ((يفعل العمرة)) ولا حاجة إليه لأن بيان
"أفعال العمرة تقدم مع أنه يوهم لزوم السعي في صحة التمتع وإن كان فيما قبله إشارة إلى
عدمه. قوله: (كما مر) أي طوافاً وسعياً مماثلين لما مر من بيان صفتهما. قوله: (إن شاء)
راجع للأمرين: أي إن شاء حلق، وإن شاء قصر، وإن شاء بقي محرماً ح. وفي دلالة على أن
المتمتع بها الذي لم يسبق الهدي لا يلزمه التحلل كما ذكره الإسبيجابي وغيره، وظاهر
الهداية خلافه، وتمامه في شرح اللباب. قوله: (في أول طوافه للعمرة) لأنه عليه الصلاة
والسلام كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر، رواه أبو داود. نهر. قوله:
(وأقام بمكة حلالاً) هذا ليس بلازم في المتمتع، بل إن أقام بها حج كأهلها فميقاته الحرام،

٥٦٤
كتاب الحج / باب التمتع
في سفر واحد حقيقة أو حكماً بأن يلمّ بأهله إلماماً غير صحيح (يوم التروية وقبله
أفضل، ويحج كالمفرد) لكنه يرمل في طواف الزيارة ويسعى بعده إن لم يكن قدمهما بعد
وإن أقام بالمواقيت أو داخلها حج كأهلها فميقاته الحل، وإن أقام خارج المواقيت أحرم
فيها، كذا في القهستاني، فقوله: ((ثم يحرم بالحج)) يجري على هذا التفصيل ط.
تنبيه: أفاد أنه يفعل ما يفعله الحلال، فيطوف بالبيت ما بدا له ويعتمر قبل الحج،
وصرح في اللباب بأنه لا يعتمر: أي بناء على أنه صار في حكم المكي، وأن المكي ممنوع
من العمرة في أشهر الحج وإن لم يحج وهو الذي حط عليه كلام الفتح. وخالفه في البحر
وغيره بأنه ممنوع منها إن حج من عامه، وسيأتي تمامه. قوله: (في سفر واحد) كان عليه أن
يزيد في عام واحد ليخرج ما إذا أحرم بالعمرة وأتى بأفعالها وبقي محرماً إلى العام الثاني
فأحرم بالحج بلا تخلل سفر بينهما فإنه لا يسمى متمتعاً كما أشرنا إليه، فافهم. قوله:
(حقيقة) أي كما قدمه في قوله: ((وأقام بمكة حلالاً)) ح قوله: (أو حكماً بأن يلم الخ) أي
بأن يكون العود إلى مكة مطلوباً منه، إما بسوق الهدي، وإما بأن يلم بأهله قبل أن يحلق؛ أما
في الأول فلأن هديه يمنعه من التحلل قبل يوم النحر؛ وأما في الثاني فلأن العود إلى الحرم
مستحق عليه للحلق في الحرم، وجوباً عندهما، واستحباباً عند أبي يوسف. فالإلمام
الصحیح أن يلمّ بأهله بعد أن حلق في الحرم ولم يكن ساق الهدي لكون العود غير مطلوب
منه. والأولى للشارح أن يقول: بأن لا يلم بأهله إلماماً صحيحاً ليشمل ما إذا كان كوفياً،
فلما اعتمر ألم بالبصرة اهـ ح. والمراد بأن لا يلم في سفره فلا يصدق بعدم الإلمام أصلًا،
فافهم .
ثم اعلم أن ما ذكره من شروط الإلمام الصحيح إنما هو في الآفاقي، أما المكي فلا
يشترط فيه ذلك، بل إلمامه صحيح مطلقاً لعدم تصوّر كون عوده إلى الحرام غير مستحق
عليه لأنه في الحرم، سواء تحلل أو لا، ساق الهدي أو لا، ولذا لم يصح تمتعه مطلقاً كما
سيأتي. قوله: (يوم التروية) لأنه يوم إحرام أهل مكة، وإلا فلو أحرم يوم عرفة جاز.
معراج. قال في اللباب: والأفضل أن يحرم من المسجد، ويجوز من جميع الحرم من مكة
أفضل من خارجها، ويصح ولو خارج الحرم، ولكن يجب كونه فيه إلا إذا خرج إلى الحل
لحاجة فأحرم منه لا شيء عليه، بخلاف ما لو خرج لقصد الإحرام اهـ. قوله: (لكنه يرمل
في طواف الزيارة) أي لأنه أول طواف يفعله في حجه: أي بخلاف المفرد فإنه يرمل في
طواف القدوم كالقران كما مر. قال في البحر: وليس على المتمتع طواف قدوم كما في
المبتغى: أي لا يكون مسئوناً في حقه، بخلاف القارن، لأن المتمتع حیث قدومه محرم
بالعمرة فقط، وليس لها طواف قدوم ولا صدر اهـ. فالاستدراك في محله، فافهم. قوله: (إن
لم يكن قدمهما) أي عقب تطوّع بعد الإحرام بالحج، فلا دلالة في هذا على مشروعية

٥٦٥
كتاب الحج / باب التمتع
الإحرام (وذبح) كالقارن (ولم تنب الأضحية عنه، فإن عجز) عن دم (صام كالقران،
وجاز صوم الثلاثة بعد إحرامها) أي العمرة، لكن في أشهر الحج (لا قبله) أي الإحرام
(وتأخيره أفضل) رجاء وجود الهدي كما مر وإن أراد المتمتع (السوق) للهدي (وهو
طواف القدوم للمتمتع، خلافاً لما فهمه في النهاية والعناية كما بسطه في الفتح. قوله:
(وذبح كالقارن) التشبيه في الوجوب والأحكام المارة في هدي القران. قوله: (ولم تنب
الأضحية عنه) لأنه أتى بغير الواجب عليه، إذ لا أضحية على المسافر ولم ينو دم التمتع،
والتضحية إنما تجب بالشراء بنيتها أو الإقامة ولم يوجد واحد منهما، وعلى فرض وجوبها لم
تجز أيضاً لأنهما غيران، فإذانوى عن أحدهما لم يجز عن الآخر معراج الدراية. قال في النهر:
وفيه تصريح باحتياج دم المتعة إلى النية، قال في البحر: وقد يقال: إنه ليس فوق طواف
الركن ولا مثله، وقد مر أنه لو نوى به التطوّع أجزأه، فينبغي أن یکون الدم كذلك بل
أولی اهـ.
وأجاب في الشرنبلالية بأن الطواف لما كان متعيناً في أيام النحر وجوباً كان النظر
لإيقاع ما طافه عنه وتلغو نية غيره. وأما الأضحية فهي متعينة في ذلك الزمن كالمتعة، فلا
تقع الأضحية مع تعينها عن غيرها اهـ. والمراد بتعينها تعين زمنها لا وجوبها، حتى يرد عليه
أنها لا تجب على المسافر: يعني أن الأضحية لا تسمى أضحية إلا إذا وقعت في أيام النحر،
وكذا دم المتعة، فلما كان زمنها متعيناً وقد نواها أضحية فلا تقع عن دم المتعة، بخلاف
الطواف فإن التطوّع به غير مؤقت، فإذا كان عليه طواف مؤقت ونوی به غيره ينصرف إلى
الواجب المؤقت لأنه يمكنه التطوع بعده، وكذا لو نوى طوافاً آخر واجباً ينصرف إلى الذي
حضر وقته ووجب فيه ويلغو الآخر مراعاة للترتيب؛ كما لو نوى القارن بطوافه الأول القدوم
يقع عن العمرة كما مر، فافهم.
وأجاب الرحمتي بأن الدم ليس من أفعال الحج والعمرة، ولذا لم يجب على المفرد
بأحدهما، بل وجب شكراً على المتمتع بهما فلم يكن داخلً تحت نية الحج والعمرة، فلا بد
له من النية والتعيين، فلو نوى غيره لا يجزي كما لو أطلق النية، بخلاف الأطوفة فإنها من
أعمالها داخلة تحت إحرامهما فتجزئ بمطلق النية. قوله: (أي العمرة) لأنه صيام بعد
وجوب سببه وهو التمتع فإنه يحصل بالعمرة على نية المتعة. وعند الشافعي: لا يجوز حتى
يحرم بالحج، وتمام في المحيط. قوله: (لكن في أشهر الحج) مرتبط بالصوم والإحرام،
فلو أحرم قبلها وصام فيها لم يصح لأنه لا يلزم من صحة الإحرام بالعمرة قبل الأشهر صحة
الصوم. أفاده في الشرنبلالية. قوله: (وتأخيرها) أي إلى السابع والثامن والتاسع كما في
القران. قوله: (وإن أراد الخ) هذا هو القسم الثاني من التمتع، وقوله: ((وهو أفضل)) أي من
القسم الأول الذي لا سوق هدي معه لما في هذا من الموافقة لفعل رسول الله وَالقر ط.

٥٦٦
كتاب الحج / باب التمتع
أفضل) أحرم ثم (ساق هديه) معه (وهو أولى من قوده إلا إذا كانت لا تنساق) فيقودها
(وقلد بدنته، وهو أولى من التجليل. وكره الإشعار، وهو شقّ سنامها من الأيسر) أو
الأیمن لأن كل أحد لا يحسنه، فأما من أحسنه بأن قطع الجلد فقط فلا بأس به (واعتمر،
ولا يتحلل منها) حتى ينحر (ثم أحرم للحج كما مر) فيمن لم يسق (وحلق يوم النحر.
و) إذا حلق (حلّ من إحراميه) على الظاهر
قوله: (أحرم ثم ساق الخ) أتى بثم إشارة إلى أنه يحرم أولاً بالنية مع التلبية فإنه أفضل من
النية مع السوق وإن صح بشروط وتفصيل قدمناه في باب الإحرام. قوله: (وهو شق سنامها)
بأن یطعن بالرمح أسفله حتی یخرج الدم ثم يلطخ بذلك الدم سنامها لیکون ذلك علامة کونها
هدياً كالتقليد. لباب وشرحه. قوله: (أو الأيمن) اختاره القدوري، لكن الأشبه الأول كما
في الهداية. قوله: (لأن كل أحد لا يحسنه) جرى على ما قاله الطحاوي والشيخ أبو منصور
الماتريدي من أن أبا حنيفة لم يكره أصل الإشعار، وكيف يكرهه مع ما اشتهر به مع من
الأخبار، وإنما كره إشعار أهل زمانه الذي يخاف منه الهلاك خصوصاً في حرّ الحجاز فرأى
الصواب حينئذ سدّ هذا الباب على العامة فأما من وقف على الحد بأن قطع الجلد دون
اللحم فلا بأس بذلك. قال الكرماني: وهذا هو الأصح، وهو اختيار قوام الدين وابن
الهمام، فهو مستحب لمن أحسنه. شرح اللباب. قال في النهر: وبه يستغني عن كون العمل
على قولهما بأنه حسن. قوله: (واعتمر) أي طاف وسعى، والشرط أكثر طوافها كما. قوله:
(ولا يتحلل منها حتى ينحر) لأن سوق الهدي مانع من إحلاله قبل يوم النحر، فلو حلق لم
يتحلل من إحرامه ولزمه دم: أي إلا أن يرجع إلى أهله بعد ذبح هدیه وحلقه. لباب وشرحه،
وتمامه فيه. قال في البحر: ومقتضاه: أي مقتضى لزوم الدم بالحلق أنه يلزمه كل جناية على
الإحرام كأنه محرم اهـ.
قلت: بل مقتضى قول اللباب لم يتحلل أنه محرم حقيقة، ويدل له قولهم: إذا كان
لسوق الهدي تأثير في إثبات الإحرام ابتداء يكون له تأثير في استدامته بقاء بالأولى لأنه
أسهل من الابتداء. قوله: (ثم أحرم للحج) اعلم أن المتمتع إذا أحرم بالحج، فإن كان ساق
الهدي أو لم يسق، ولكن أحرم به قبل التحلل من العمرة صار كالقارن، فيلزمه بالجناية ما
يلزم القارن؛ وإن لم يسقه وأحرم بعد الحلق صار كالمفرد بالحج إلا في وجوب دم المتعة
وما يتعلق به. شرح اللباب. قوله: (على الظاهر) أي ظاهر الرواية من بقاء إحرام العمرة إلى
الحلق، ويحل منه في كل شيء حتى في النساء، لأن المانع له من التحلل سوقه الهدي وقد
زال بذبحه. وفي القارن يحل منه في كل شيء إلا في النساء كإحرام الحج، وهذا هو الفرق
بين المتمتع الذي ساق الهدي وبين القارن، وإلا فلا فرق بينهما بعد الإحرام بالحج على
الصحيح كما ذكرنا. بحر. وعليه فإذا حلق ثم جامع قبل الطواف لزمه دم واحد لو متمتعاً

٥٦٧
كتاب الحج / باب التمتع
(والمکي ومن في حکمه یفرد فقط) ولو قرن أو تمتع جاز وأساء، وعلیه دم جبر،
ودمان لو قارنا، وفي هذا رد لما قيل من أن إحرام العمرة ينتهي بالوقوف كما أوضحه البحر
وغيره. قوله: (ومن في حكمه) أي من أهل داخل المواقيت. قوله: (يفرد فقط) هذا ما دام
مقيماً، فإذا خرج إلى الكوفة وقرن صح بلا كراهة، لأن عمرته وحجته ميقاتيان فصار بمنزلة
الآفاقي. قال المحبوبي: هذا إذا خرج إلى الكوفة قبل أشهر الحج. وأما إذا خرج بعدها
فقد منع من القران فلا يتغير بخروجه من الميقات، كذا في العناية. وقول المحبوبي: هو
الصحيح، نقله الشيخ الشلبي عن الكرماني شرنبلالية، وإنما قيد بالقران لأنه لو اعتمر هذا
المكي في أشهر الحج من عامه لا يكون متمتعاً لأنه ملمّ بأهله بين النسكين حلالاً إن لم
يسق الهدي، وكذا إن ساق الهدي لا يكون متمتعاً، بخلاف الآفاقي إذا ساق الهدي ثم ألمّ
بأهله محرماً كان متمتعاً لأن العود مستحق عليه فيمنع صحة إلمامه. وأما المكي فالعود غير
مستحق عليه وإن ساق الهدي فكان إلمامه صحيحاً، فلذا لم يكن متمتعاً، كذا في النهاية عن
المبسوط. قوله: (ولو قرن أو تمتع جاز وأساء الخ) أي صح مع الكراهة للنهي عنه، وهذا
ما مشى عليه في التحفة وغاية البيان والعناية والسراج وشرح الإسبيجابي على مختصر
الطحاوي.
واعلم أنه في الفتح ذكر أن قولهما لا تمتع ولا قران لمكي يحتمل نفي الوجود،
ويؤيده أنهم جعلوا الإلمام الصحيح من الآفاقي مبطلًا تمتعه والمكي ملمّ بأهله فيبطل
تمتعه. ويحتمل نفي الحل بمعنى أنه يصح لكنه يأثم به للنهي عنه، وعليه فاشتراطهم عدم
الإلمام لصحة التمتع بمعنى أنه شرط لوجوده على الوجه المشروع الموجب شرعاً للشكر،
وأطال الكلام في ذلك.
والذي حط عليه كلامه اختيار الاحتمال الأول لأنه مقتضى كلام أئمة المذهب، وهو
أولى بالاعتبار من كلام بعض المشايخ: يعني صاحب التحفة وغيره، بل اختار أيضاً مع
المكي من العمرة المجردة في أشهر الحج وإن لم يحج، وهو ظاهر عبارة البدائع؛ وخالفه
من بعده كصاحب البحر والنهر والمنح والشرنبلالي والقاري، واختاروا الاحتمال الثاني،
لأن إيجاب دم الجبر فرع الصحة، ولما في المتون في باب إضافة الإحرام إلى الإحرام من أن
المكي إذا طاف شوطاً للعمرة فأحرم بحج رفضه، فإذا لم يرفض شيئاً أجزأه. قال في الفتح
وغيره: لأنه أدى أفعالهما كما التزمهما، إلا أنه منهيّ والنهي عن فعل شرعي لا يمنع تحقق
الفعل على وجه مشروعية الأصل، غير أنه يتحمل إثمه كصيام يوم النحر بعد نذره اهـ. فهذا
يناقض ما اختاره في الفتح أولاً: أي فإن هذا تصريح بأنه يتصور قران المكي لكن مع
الكراهة، وتمامه في الشرنبلالية.
أقول: وقد كنت كتبت على هامشها بحثاً حاصله أنهم صرحوا بأن عدم الإلمام شرط

٥٦٨
كتاب الحج / باب التمتع
لصحة التمتع دون القران، وأن الإلمام الصحيح مبطل للتمتع دون القران، ومقتضى هذا أن
تمتع المكي باطل لوجود الإلمام الصحيح بين إحراميه سواء ساق الهدي أو لا، لأن الآفاقي
إنما يصح إلمامه إذا لم يسق الهدي وحلق، لأنه لا يبقى العود إلى مكة مستحقاً عليه،
والمكي لا يتصور منه عدم العود إلى مكة لكونه فيها كما صرح به في العناية وغيرها.
وفي النهاية والمعراج عن المحيط أن الإلمام الصحيح أن يرجع إلى أهله بعد العمرة،
ولا يكون العود إلى العمرة مستحقاً عليه، ومن هذا قلنا: لا تمتع لأهل مكة وأهل
المواقيت اهـ. أي بخلاف القرآن فإنه يتصوّر منهم لأن عمد الإلمام فيه ليس بشرط، ولعل
وجهه أن القران المشروع ما يكون بإحرام واحد للحج والعمرة معاً، والإلمام الصحيح ما
يكون بين إحرام العمرة وإحرام الحج، وهذا يكون في التمتع دون القران، فمن هذا قلنا: إن
تمتع المكي باطل دون قرانه، هذا قول ثالث لم أر من صرّح به، لكن يدل عليه تصريح
البدائع بعدم تصور تمتع المكي. وأما قوله في الشرنبلالية: إنه خاص بمن لم يسق الهدي
وحلق دون من ساقه أو لم يسقه ولم يحلق لأن إلمامه حينئذ غير صحيح، فغير صحيح لما
علمت من التصريح بأن إلمامه صحيح ساق الهدي أو لا، ويدل عليه أيضاً عبارة المحيط
المذكورة، وكذا ما مر من الفرع المذكور في باب إضافة الإحرام فإنه صريح في عدم بطلان
قرانه. ثم رأيت ما يدل على ذلك أيضاً، وذلك ما في النهاية عن الأسرار للإمام أبي زيد
الدبوسي حيث قال: ولا متعة عندنا ولا قران لمن كان وراء الميقات على معنى أن الدم لا
يجب نسكاً. أما التمتع فإنه لا يتصور للإلمام الذي يوجد منه بينهما. وأما القران فيكره
ويلزمه الرفض، لأن القران أصله أن يشرع القارن في الإحرامين معاً والشروع معاً من أهل
مكة لا يتصور إلا بخلل في أحدهما، لأنه إن جمع بينهما في الحرم فقط أخل بشرط إحرام
العمرة فإن ميقاته الحل، وإن أحرم بهما من الحل فقد أخل بميقات الحجة لأن ميقاتها
الحرم، والأصل في ذلك أهل مكة فلذا لم يشرع في حق من وراء الميقات أيضاً اهـ: أي إن
من كان وراء الميقات: أي داخله لهم حكم أهل مكة، فهذا صريح في أهل مكة ومن في
حكمهم لا يتصور منهم التمتع ويتصور منهم القران، لكن مع الكراهة للإخلال بميقات أحد
الإحرامين.
ثم رأيت مثل ذلك أيضاً في كافي الحاكم الذي هو جمع كتب ظاهر الرواية. ونصه:
(إذا خرج المكي إلى الكوفة لحاجة فاعتمر فيها من عامه وحج لم يكن متمتعاً، وإن قرن
من الكوفة كان قارناً) اهـ. ونقله في الجوهرة معللاً موضحاً فراجعها. وعلى هذا فقول
المتون: ولا تمتع ولا قران لمكي، معناه نفي المشروعية والحل، ولا ينافي عدم التصوّر
في أحدهما دون الآخر، والقرينة على هذا تصريحهم بعده ببطلان التمتع بالإلمام الصحيح

٥٦٩
كتاب الحج / باب التمتع
ولا يجزئه الصوم لو معسراً.
(ومن اعتمر بلا سوق) هدي (ثم) بعد عمرته (عاد إلى بلده) وحلق (فقد ألمّ)
إلماماً صحيحاً فبطل تمتعه (ومع سوقه تمتع) كالقارن
فيما لو عاد المتمتع إلى بلده، وتصريحهم في باب إضافة الإحرام بأنه إذا قرن ولم يرفض
شيئاً منهما أجزأه، هذا ما ظهر لي فاغتنمه فإنك لا تجده في غير هذا الكتاب، والله تعالى
أعلم بالصواب. قوله: (ولا يجزئه الصوم لو معسراً) لأن الصوم إنما يقع بدلًا عن دم الشكر
لا عن دم الجبر. شرح اللباب. قوله: (ثم بعد عمرته) قید به لأنه لو عاد بعد ما طاف لها
الأقل لا يبطل تمتعه، لأن العود مستحق عليه لأنه ألمّ بأهله محرماً، بخلاف ما إذا طاف
الأكثر(١). بحر. قوله: (عاد إلى بلده) فلو عاد إلى غيره لا يبطل تمتعه عند الإمام وسويا
بينهما. نهر. قوله: (وحلق) ظاهره أن الحلق بعد العود، ففيه ترك الواجب عندهما.
والمستحب عند أبي يوسف كما مر، ولو حذفه لفهم مما قبله. قال في البحر: ودخل في
قوله: ((بعد العمرة)) الحلق فلا بد للبطلان منه لأنه من واجباتها وبه التحلل، فلو عاد بعد
طوافها قبل الحلق ثم حج من عامه قبل أن يحلق في أهله فهو متمتع، لأن العود مستحق عليه
عند من جعل الحرم شرط جواز الحلق، وهو أبو حنيفة ومحمد. وعند أبي يوسف: إن لم
يكن مستحقاً فهو مستحب، كذا في البدائع وغيره اهـ. قوله: (فقد ألم إلماماً صحيحاً) لأن
العود لم يبق مستحقاً عليه كما مر. قوله: (فبطل تمتعه) أي امتنع التمتع الذي أراده لفقد
شرطه وهو عدم إلمام الصحيح. قوله: (ومع سوقه تمتع) أي لا يبطل تمتعه بعوده عندهما
خلافاً لمحمد، لأن العود مستحق عليه ما دام على نية التمتع لأن السوق يمنعه من التحلل
فلم يصح إلمامه، كذا في الهداية. وفي قوله ما دام إيماء إلى أنه لو بدا له بعد العمرة أن لا
يحج من عامه كان له ذلك، لأنه لم يحرم بالحج بعد. وإذا ذبح الهدي أو أمر بذبحه وقع
تطوعاً. أما إذا لم يعد إلى بلده وأراد نحر الهدي والحج من عامه لم یکن له ذلك، وإن فعل
وحج من عامه لزمه دم التمتع ودم آخر لإحلاله قبل يوم النحر. كذافي المحيط. نهر.
قال في البحر: فالحاصل أنه إذا ساق الهدي، فلا يخلو إما أن يتركه إلى يوم النحر أو
لا. فإن تركه إليه فتمتعه صحيح ولا شيء عليه غيره سواء عاد إلى أهله أو لا. وإن تعجل
ذبحه: فإما أن يرجع إلى أهله أو لا، فإن رجع فلا شيء عليه مطلقاً سواء حج من عامه أو
لا؛ وإن لم يرجع إليهم، فإن لم يحج من عامه فلا شيء عليه، وإن حج منه لزمه دمان: دم
المتعة، ودم الحل قبل أوانه. قوله: (كالقارن) فإنه لا يبطل قرانه بعوده. نهر. لأن عدم
(١) في ط (قوله بخلاف ما إذا طاف الأكثر) ظاهره أن طواف الأكثر يمنع استحقاق العود عليه، وفيه نظر، فإن طواف
الأقل واجب، فيكون العود مستحقاً عليه كما إذا عاد قبل الحلق بل أولى، لما في مسألة الحلق من الخلاف في
وجوب کونه في الحرم بخلاف هذه.

٥٧٠
كتاب الحج / باب التمتع
(وإن طاف لها أقل من أربعة قبل أشهر الحج وأتمها فيها وحج فقد تمتع، ولو طاف أربعة
قبلها لا) اعتباراً للأكثر (كوفي) أي آفاقي (حل من عمرته فيها) أي الأشهر (وسكن
بمكة) أي داخل المواقيت (أو بصرة) أي غير بلده (وحج) من عامه (متمتع) لبقاء سفره.
(ولو أفسدها ورجع من البصرة) إلى مكة (وقضاها وحج لا) يكون متمتعاً لأنه
كالمكي (إلا إذا ألمّ بأهله ثم) رجع و (أتى بهما)
الإلمام غير شرط فيه كما مر. قوله: (وإن طاف لها الخ) قدم الشارح المسألة أول الباب،
وقدمنا الكلام عليها. قوله: (اعتباراً للأكثر) علة للمسألتين ط. قوله: (أي آفاقي) أشار به
إلى أن ذكر الكوفي مثال، وأن المراد به من كان خارج الميقات، لأن المكي لا تمتع له كما
مر. قوله: (حل من عمرته فيها) لأنه لو اعتمر قبلها لا يكون متمتعاً اتفاقاً. نهر. قوله: (أي
داخل المواقيت) أشار إلى أن ذكر مكة غير قيد، بل المراد هي أو ما في حكمها. قوله:
(أي غير بلده) أفاد أن المراد مكان لا أهل له فيه، سواء اتخذه داراً بأن نوى الإقامة فيه خمسة
عشر يوماً أو لا، كما في البدائع وغيرها، وقيد به لأنه لو رجع إلى وطنه لا يكون متمتعاً
اتفاقاً أيضاً إن لم يكن ساق الهدي. نهر. قوله: (لبقاء سفره) أما إذا قام بمكة أو داخل
المواقيت فلأنه ترفق بنسكين في سفر واحد في أشهر الحج، وهو علامة التمتع .
وأما إذا أقام خارجها فذكر الطحاوي أن هذا قول الإمام. وعندهما: لا يكون متمتعاً
لأن المتمتع من كانت عمرته ميقاتية وحجته مكية، وله أن حكم السفر الأول قائم ما لم يعد
إلى وطنه، وأثر الخلاف يظهر في لزوم الدم، وغلطه الجصاص في نقل الخلاف بل يكون
متمتعاً اتفاقاً، لأن محمداً ذكر المسألة ولم يحك فيها خلافاً. قال أبو اليسر: وهو الصواب.
وفي المعراج أنه الأصح، لكن قال في الحقائق: كثير من مشايخنا قالوا: الصواب ما قاله
الطحاوي. وقال الصفار: كثيراً ما جرّبنا الطحاوي فلم نجده غالطاً، وكثيراً ما جرّ بنا
الجصاص فوجدناه غالطاً. قال الزيلعي: والمسألة الآتية تؤيد ما حكاه الطحاوي نهر. قوله:
(ولو أفسدها) أي في أشهر الحج بأن جامع قبل أفعالها. أما لو أفسدها قبلها ثم خرج قبل
أشهر الحج وقضاها فيها وحج من عامه كان متمتعاً اتفاقاً. نهر. قوله: (ورجع من البصرة)
الأولى أن يقول ((إلى البصرة)) لأنه كان في مكة حين شرع بالعمرة. وعبر في الملتقي بقوله:
ولو أفسدها وأقام ببصرة، وعبر في الكنز بقوله: وأقام بمكة، فعلم أن كلّ من البلدين غير :
قيد، ولذا قال في النهر: والمراد موضع لا أهل له فيه، دل على ذلك قوله ((إلا إذا ألمّ
بأهله)). قوله: (لأنه كالمكي) لأن سفره انتهى بالفاسدة وصارت عمرته الصحيحة مكية، ولا
تمتع لأهل مكة. نهر. قوله: (إلا إذا ألمّ بأهله) أي بعد ما أفسدها وحل منها. نهر. قوله:
((وأتى بهما)) أي بقضاء العمرة وبأداء الحج. شرنبلالية. وإذا لم يلمّ بأهله، فإن أقام بمكة
فهو بالاتفاق، وإن أقام ببصرة فهو غير متمتع عنده. وقالا: متمتع لأنه أنشأ سفراً وقد ترفق
?

٥٧١
كتاب الحج / باب الجنايات
لأنه سفر آخر، ولا يضر كون العمرة قضاء عما أفسده (وأي) النسكين (أفسده) المتمتع
(أتمه بلادم) للتمتع بل للفساد.
بَابُ الْجِنَايَاتِ
الجناية: هنا ما تكون حرمته بسبب الإحرام أو الحرم، وقد يجب بها دماء أو دم أو
صوم أو صدقة،
فيه بنسكين. وله أنه باق على سفره ما لم يرجع إلى وطنه كما في الهداية، وهذا يؤيد ما مر
عن الطحاوي. قوله: (لأنه سفر آخر) أي لأن رجوعه بعد الإلمام إنشاء سفر آخر للحج
والعمرة فيكون متمتعاً لبطلان سفره الأول، ولا يضرّ تمتعه كون عمرته قضاء. قوله: (أتمه)
أي مضى فيه لأنه لا يمكنه الخروج عن عهدة الإحرام إلا بالأفعال. هداية. قوله: (بلادم
للتمتع) لأنه لم يترفق بأداء نسكين صحيحين في سفرة واحدة. هداية. قوله: (بل للفساد)
أي بل عليه دم لما أفسده وهو دم جناية، فالمنفي دم الشكر.
بَابُ الْجِنَايَاتِ
لما فرغ من ذكر أقسام المحرمين وأحكامهم شرع في بيان عوارضهم، باعتبار
الإحرام والحرم من الجنايات والفوات والإحصار، وقدم الجنايات لأن الأداء القاصر أفضل
من العدم وهي ما تجنيه من شرّ، تسمية بالمصدر من جنى عليه جناية، وهو عام إلا أنه خص
بما يحرم من الفعل، وأصله من جنى الثمر: وهو أخذه من الشجر كما في المغرب، والمراد
هنا خاص منه وهو ما ذكره الشارح، وجمعها باعتبار أنواعها . نهر. قوله: (بسبب الإحرام أو
الحرم) حاصل الأول سبعة نظمها الشيخ قطب الدين بقوله: [الرجز]
مُحرَّمُ الإِحْسرَامِ يَا مَنْ يَدْرِي إِزَالَةُ الشَّعْرِ وَقَصُّ الظُّفْرِ
وَاللُّبْسُ وَالَوَطْءُ مَعَ الدَّوَاعِي والطَّيْبُ والدُّهْنُ وَصَيْدُ البِرِّ اهـ
زاد في البحر ثامناً: وهو ترك واجب من واجبات الحج، فلو قال: محرم الإحرام ترك
واجب الخ كان أحسن.
وحاصل الثاني التعرض لصيد الحرم وشجره. وقال في البحر: وخرج بقوله ((بسبب
الخ» ذكر الجماع بحضرة النساء لأنه منهي عنه مطلقاً فلا يوجب الدم. وقال ط: وفيه أن
ذكره إنما نهى عنه مطلقاً بحضرة من لا يجوز قربانه؛ أما الحلائل، فلا يمنع منه إلا المحرم
وهو داخل فيما تكون حرمته بسبب الإحرام وإن كان لا يجب عليه شيء. قوله: (وقد يجب بها
دمان) كجناية القارن والمتمتع الذي ساق الهدي بعد أن تلبس بإحرام الحج ط. قوله: (أو
دم) كأكثر جنايات المفرد. قوله: (أو صوم أو صدقة) ((أو)) فيهما للتخيير، وذلك فيما إذا
جنى على الصيد أو تطيب أو لبس أو حلق بعذر، فيخير بين الذبح والتصدق والصيام على ما

٥٧٢
كتاب الحج / باب الجنايات
ففصلها بقوله (الواجب دم على محرم بالغ) فلا شيء على الصبي خلافاً للشافعي (ولو
ناسياً) أو جاهلاً أو مكرهاً،
سيأتي، أو أن الثانية فقط للتخيير فيخير بين الصوم والصدقة في نحو ما لو قتل عصفوراً.
وفي الهداية: وكل صدقة في الإحرام غير مقدرة فهي نصف صاع من برّ، إلا ما يجب بقتل
القملة والجرادة اهـ. زاد الشرح: أو بإزالة شعرات قليلة. لكن أراد بالصدقة هنا الأعم بدليل
قوله في شرح الملتقى أو صدقة ولو ربع صاع بقتل حمامة أو تمرة بقتل جرادة. قوله:
(ففصلها) أي فلما اختلفت أنواعها فصلها ط فالفاء تفريعية. قوله: (الواجب دم) فسره ابن
ملك بالشاة، وأشار في البحر إلى سره بقوله: إن سبع البدنة لا يكفي في هذا الباب، بخلاف
دم الشكر، لكن قال بعده: فيما لو أفسد حجه بجماع في أحد السبيلين أنه يقوم الشرك في
البدنة مقام الشاة، فليتأمل. اهـ شرنبلالية.
قلت: وفي أضحية القهستاني: لو ذبح سبعة عن أضحية ومتعة وقران وإحصار وجزاء
الصيد أو الحلق والعقيقة والتطوّع فإنه يصح في ظاهر الأصول. وعن أبي يوسف: الأفضل
أن تكون من جنس واحد، فلو كانوا متفرقين، وكل واحد متقرب جاز، وعن أبي يوسف أنه
يكره كما في النظم. اهـ ثم رأيت بعض المحشين قال: وما في البحر مناقض لما ذكره هو
في باب الهدي أن سبع البدنة يجزي، وكذلك أغلب كتب المذهب والمناسك مصرحة
بالإجزاء اهـ. فافهم.
تنبيه: في شرح النقاية للقاري: ثم الكفارات كلها واجبة على التراخي، فيكون مؤدياً
في أي وقت، وإنما يتضيق عليه الوجوب في آخر عمره في وقت يغلب على ظنه أنه لو لم
يؤدّه لفات، فإن لم يؤد فيه حتى مات أثم وعليه الوصية به، ولو لم يوص لم يجب على
الورثة، ولو تبرعوا عنه جاز إلا الصوم. قوله: (ولو ناسياً الخ) قال في اللباب: ثم لا فرق
في وجوب الجزاء بين ما إذا جنى عامداً أو خاطئاً، مبتدئاً أو عائداً، ذاكراً أو ناسياً، عالماً أو
جاهلاً طائعاً أو مكرهاً، نائماً أو منتبهاً، سكران أو صاحياً، مغمى عليه أو مفيقاً، موسراً أو
معسراً بمباشرته أو مباشرة غيره بأمره.
قال شارحه القاري: وقد ذكر ابن جماعة عن الأئمة الأربعة أنه إذا ارتكب محظور
الإحرام عامداً يأثم، ولا تخرجه الفدية والعزم عليها عن كونه عاصياً. قال النووي: وربما
ارتكب بعض العامة شيئاً من هذه المحرمات وقال: أنا أفدي، متوهماً أنه بالتزام الفداء
يتخلص من وبال المعصية، وذلك خطأ صريح وجهل قبيح، فإنه يحرم عليه الفعل، فإذا
خالف أثم ولزمته الفدية وليست الفدية مبيحة للإقدام على فعل المحرم وجهالة هذا كجهالة
من يقول: أنا أشرب الخمر وأزني والحدّ يطهرني، ومن فعل شيئاً مما يحكم بتحريمه فقد
أخرج حجه من أن يكون مبروراً اهـ. وقد صرح أصحابنا بمثل هذا في الحدود فقالوا: إن

٥٧٣
کتاب الحج / باب الجنايات
فيجب على نائم غطى رأسه (إن طيب عضواً) كاملاً ولو فمه
الحد لا يكون طهرة من الذنب ولا يعمل في سقوط الإثم، بل لا بد من التوبة، فإن تاب کان
الحد طهرة له وسقطت عنه العقوبة الأخروية بالإجماع، وإلا فلا؛ لكن قال صاحب الملتقط
في كتاب الأيمان: إن الكفارة ترفع الإثم وإن لم توجد منه التوبة من تلك الجناية اهـ. ويؤيده
ما ذكره الشيخ نجم الدين النسفي في تفسيره۔ ((التيسير)) . عند قوله تعالى: ﴿فمن اعتدى بعد
ذلك فله عذاب أليم﴾ أي اصطاد بعد هذا الابتداء (١)، قيل هو العذاب في الآخرة مع الكفارة
في الدنيا إذا لم يتب منه فإنها لا ترفع الذنب عن المصرّ اهـ. وهذا تفصيل حسن وتقييد
مستحسن يجمع به بين الأدلة والروايات، والله أعلم اهـ: أي فيحمل ما في الملتقط على غير
المصرّ وما في غيره على المصر، وقد ذكر هذا التوفيق العلامة نوح في حاشية الدرر.
تتمة: يستثنى من الإطلاق المارّ في وجوب الجزاء ما في اللباب: لو ترك شيئاً من
الواجبات بعذر لا شيء عليه على ما في البدائع. وأطق بعضهم وجوبه فيها إلا فيما ورد
النص به، وهي ترك الوقوف بمزدلفة وتأخير طواف الزيارة عن وقته، وترك الصدر للحيض
والنفاس، وترك المشي في الطواف والسعي، وترك السعي، وترك الحلق لعلة في رأسه اه.
لكن ذكر شارحه ما يدل على أن المراد بالعذر مالا یکون منن العباد حيث قال عند قول
اللباب: ولو فاته الوقوف بمزدلفة بإحصار فعليه دم: هذا غير ظاهر لأن الإحصار من جملة
الأعذار، إلا أن يقال: ولو فاته الوقوف بمزدلفة بإحصار فعليه دم: هذا غير ظاهر لان
الإحصار من جملة الأعذار، إلا أن يقال: إن هذا مانع من جانب المخلوق فلا يؤثر، ويدل له
ما في البدائع فيمن أحصر بعد الوقوف حتى مضت أيام النحر ثم خلى سبيله أن عليه دماً
لترك الوقوف بمزدلفة ودماً لترك الرمي ودماً لتأخير طواف الزيارة اهـ. ومثله في إحصار
البحر، وسيأتي توضيحه هناك إن شاء الله تعالى. قوله: (فيجب) تفريع على ما يفهم من
المقام من عدم اشتراط الاختيار الذي أفاده ذكر الناسي والمكروه، ووجه الوجوب أن
الارتفاق حصل للنائم وعدم الاختيار أسقط الإثم عنه، كما إذا أتلف شيئاً. منح ط. قوله:
(غطى رأسه) بالبناء للفاعل أو المفعول. قوله: (إن طيب) أي المحرم ((عضواً؛ أي من
أعضائه كالفخذ والسابق والوجه والرأس لتكامل الجناية بتكامل الارتفاق، والطيب جسم له
رائحة مستلذة كالزعفران والبنفسج والياسمين ونحو ذلك، وعلم من مفهوم شرطه أنه لو شمّ
طيباً أو ثماراً طيبة لا كفارة عليه وإن كره، وقيد بالمحرم لأن الحلال لو طيب عضواً ثم أحرم
فانتقل منه إلى آخر فلا شيء عليه اتفاقاً، وقيدنا بكونه من أعضائه لأنه لو طيب عضو غيره أو
ألبسه المخيط منه فلا شيء عليه إجماعاً كما في الظهيرية. نهر. قوله: (كاملاً) لأن المعتبر
الكثرة. قال ابن الكمال في شرح الهداية: واختلف المشايخ في الحدّ الفاصل بين القليل
(١) في ط (قوله أي اصطاد بعد هذا الابتداء الخ) لعل الصواب إيداله بالابتلاء، لأنه المتقدم ذكره في الآية، وليس
للابتداء فیھا ذکر أصلاً.

٥٧٤
كتاب الحج / باب الجنايات
بأكل طيب كثير أو ما يبلغ عضواً لو جمع والبدن كله كعضو واحد إن اتحد المجلس، وإلا
فلكل طيب كفارة، ولو ذبح ولم يزله لزمه دم آخر لتركه، وأما الثوب المطيب أكثره
والكثير لاختلاف عبارات محمد، ففي بعضها جعل حد الكثرة عضواً كبيراً، وفي بعضها في
تنفس الطيب، فبعضهم اعتبر الأول، وبعضهم اعتبر الثاني فقال: إن بحيث يستكثره الناظر
كالكفين من ماء الورد والكف من مسك وغالية فهو كثير، وما لا فلا. وبعضهم اعتبر الكثرة
بربع العضو الكبير فقال: لو طيب ربع الساق أو الفخذ يلزم الدم، وإن كان أقل يلزم
الصدقة. وقال شيخ الإسلام: إن كان الطيب في نفسه قليلًا فالعبرة للعضو الكامل، وإن كان
ككثيراً لا يعتبر العضو (١) اهـ ملخصاً. وهذا توفيق بين الأقوال الثلاثة، حتى لو طيب بالقليل
عضواً كاملاً أو بالكثير ربح عضو لزم الدم وإلا فصدقة، وصححه في المحيط. وقال في
الفتح: إن التوفيق هو التوفيق، ورجح في البحر الأول وهو ما في المتون، فافهم.
هذا وقال في الشرنبلالية: قوله كالرأس بيان للمراد من العضو فليس كأعضاء العورة،
فلا تكون الأذن مثلً عضواً مستقلاً اهـ. وكذا قال ابن الكمال: أن المراد الاحتراز عن العضو:
الصغير مثل الأنف والأذن لما عرفت أن من اعتبر في حدّ الكثرة العضو الكامل قيده
بالكبير اهـ. ثم ما ذكر من أن فيما دون الكامل صدقة هو قولهما. وقال محمد: يجب بقدره،
فإن بلغ نصف العضو تجب صدقة قدر نصف قيمة الشاة أو ربعاً فربع وهكذا. قال في البحر:
واختاره الإمام الإسبيجابي مقتصراً عليه بلا نقل خلاف. قوله: (بأكل طيب) أي خالص بلا
خلط وبلا طبخ وإلا فسيأتي حکمه. قوله: (کثیر) هو ما يلتزق بأكثر فمه فعليه الدم. قال في
الفتح، وهذه تشهد لعدم اعتبار العضو مطلقاً في لزوم الدم، بل ذاك إذا لم يبلغ مبلغ الكثرة
في نفسه على ما قدمناه اهـ. بحر. أي فإن لزوم الدم بالطيب الكثير هنا وإن لم يعم جميع
الفم يشهد لما مر من التوفيق، وبه يظهر أن قول الشارح ((ولو فمه) بعد قوله: ((عضواً؛ كاملاً
فيه ما فيه، فإنه يوهم أن المراد بالكثير هنا ما يعم جميع الفم. تأمل. قوله: (أو ما يبلغ عضواً
الخ) عطف على ((عضواً) أي أو طيب مواضع لو جمعت تبلغ عضواً كاملاً فإنه يجب عليه.
الدم؛ والظاهر اعتبار بلوغ أصغر عضو من الأعضاء المطيبة كما اعتبروه بانكشاف العورة ،
لكن بعد كون ذلك الأصغر عضواً كبيراً لما علمت من أن الصغير لا يجب فيه الدم إلا إذا كان،
الطيب كثيراً على ما مرر من التوفيق. قوله: (فلكل طيب﴾ أي طيب مجلس من تلك المجالس.
إن شمل عضواً واحداً أو أكثر. قوله: (كفارة) سواء کقر للأول أم لا عندهما. وقال محمد :
عليه كفارة واحدة ما لم يكفر للأول. بحر. قوله: (لتركه) لأن ابتداءه كان محظوراً فيكون
لبقائه حكم ابتدائه. بحر. قوله: (المطيب أكثره) ظاهره أن المعتبر أكثر الثوب لا كثرة
(١) في ط (قوله وإن كان كثيراً لا يعتبر الخ) بل يعتبر ربع عضو كبير، ولا بد من هذا الاعتبار ليتم التوفيق، لأن الأموال
حاصل التوفيق بين الأقوال الثلاثة أن من اعتبر العضو يقيده بحالة قلة الطيب، ومن المعتبر ربع العضو يقيده بحالة
کثرة الطيب، ومن اعتبر کثرة الطیب یشترط بلوغ المدهون ربع عضو کبیر.

٥٧٥
كتاب الحج / باب الجنايات
فيشترط للزوم الدم دوام لبسه يوماً (أو خضب رأسه بحناء) رقيق، أما المتلبد ففيه دمان
الطيب، وقد تبع في ذلك الشرنبلالية مع أنه ذكر فيها وفي الفتح وغيره أن المعتبر كثرة
الطيب في الثوب وأن المرجع فيه العرف، حتى أنه في البحر جعل هذا مرجحاً للقول الثاني
من الأقوال المارة لأنه يعم البدن والثوب.
قلت: لكن نقلوا عن المجرد: إن كان في ثوبه شبر في شبر فمكث عليه يوماً يطعم
نصف صاع، وإن كان أقل من يوم فقبضة. قال في الفتح: يفيد التنصيص على أن الشبر في
الشبر داخل في القليل اهـ: أي حيث أوجب به صدقة لا دماً، ومع هذا يفيد اعتبار الكثرة في
الثوب لا في الطيب إلا أنه لا يفيد أن المعتبر أكثر الثواب، بل ظاهره أن ما زاد على الشبر كثير
موجب للدم لكثرة الطيب حينئذ عرفاً، فرجع إلى اعتبار الكثرة في الطيب لا في الثوب،
وعلى هذا فيمكن إجراء التوفيق المارّ هنا أيضاً بأن الطيب إذا كان في نفسه كثيراً لزم الدم وإن
أصاب من الثوب أقل من شبر، وإن كان قليلاً لا يلزم حتى يصيب أكثر من شبر في شبر،
وربما يشير إليه قولهم: لو ربط مسكاً أو كافوراً أو عنبراً كثيراً في طرف إزاره أو ردائه لزمه دم
أي إن دام يوماً ولو قليلاً فصدقة، فتأمل. قوله: (فيشترط للزوم الدم) أفرد الدم، لأن المراد
بالثوب ثوب المحرم من إزار أو رداء، أما لو کان مخیطاً فیجب بدوام لبسه دم آخر سكت عن
بيانه لأنه سيأتي. قوله: (دوام لبسه يوماً) أشار بتقدير الطيب في الثوب بالزمان إلى الفرق بينه
وبين العضو فإنه لا يعتبر فيه الزمان، حتى لو غسله من ساعته فالدم واجب كما في الفتح،
بخلاف الثوب. قوله: (أو خضب رأسه) أي مثلاً، وإلا فلو خضبت يدها أو خضب لحيته
بحناء وجب الدم أيضاً كما حرره في النهر على خلاف ما في البحر. قوله: (بحناء) بالمد منوناً
لأنه فعال لا فعلاء ليمنع صرفه ألف التأنيث. فتح. وصرح به مع دخوله في الطيب للاختلاف
فيه. بحر. قوله: (أما المتلبد الخ) التلبيد أن يأخذ شيئاً من الخطمي والآس والصمغ فيجعله
في أصول الشعر ليتلبد. بحر. فالمناسب أن يقول: أما الثخين، قال في الفتح: فإن كان ثخيناً
فلبد الرأس ففيه دمان للطيب والتغطية إن دام يوماً وليلة على جميع رأسه أو ربعه اهـ. أما لو
غطاه أقل من يوم فصدقة وهذا في الرجل، أما المرأة فلا تمنع من تغطية رأسها.
واستشكل في الشرنبلالية إلزام الدم بالتغطية بالحناء بقولهم: إن التغطية بما ليس
بمعتاد لا توجب شيئاً.
قلت: وقد يجاب بأن التغطية بالتلبيد معتادة لأهل البوادي لدفع الشعث والوسخ عن
الشعر، وقد فعله وَ لخير في إحرامه.
واستشكله في البحر بأنه لا يجوز استصحاب التغطية الكائنة قبل الإحرام، بخلاف
الطيب، لكن أجاب المقدسي بأن التلبيد الذي فعله عليه الصلاة والسلام يجب حمله على ما
هو سائغ وهو اليسير الذي لا تحصل به تغطية. قلت: وعليه يحمل ما في الفتح عن رشيد

٥٧٦
کتاب الحج / باب الجنايات
(أو ادهن بزيت أو خل) بفتح المهملة الشيرج (ولو) كانا (خالصين) لأنهما أصل
الطيب، بخلاف بقية الأدمان (فلو أكله) أو استعطه (أو داوى به) جراحة أو (شقوق
رجليه أو أقطر في أذنيه لا يجب دم ولا صدقة) اتفاقاً (بخلاف المسك والعنبر والغالية
والكافور ونحوها) مما هو طيب بنفسه (فإنه يلزمه الجزاء بالاستعمال) ولو (على وجه
التداوي) ولو جعله في طعام قد طبخ فلا شيء فيه، وإن لم يطبخ وكان مغلوباً
الدين في مناسكه: وحسن أن يلبد رأسه قبل إحرامه. قوله: (أو ادهن) بالتشديد: أي دهن
عضواً كاملاً لباب. وذكر شارحه أن بعضهم اعتبر كثرة الطيب بما يستكثره الناظر. قال:
ولعل محله فيما لا يكون عضواً كاملاً على ما مر: أي من التوفيق، وأنه في النوادر أوجب
الدم بدهن ربع الرأس أو اللحية، وأنه تفريع على رواية الربع في الطيب، والصحيح
خلافها. قوله: (لأنهما أصل الطيب) باعتبار أنه يلقى فيهما الأنوار كالورد والبنفسخ
فيصيران طيباً، ولا يخلوان عن نوع طيب، ويقتلان الهوام، ويلينان الشعر، ويزيلان التفث
والشعث. بحر. وهذا عند الإمام. وقالا: عليه صدقة. قوله: (بخلاف بقية الأدهان) عبارة
البحر: وأراد بالزيت دهن الزيتون والسمسم وهو المسمى بالشيرج فخرج بقية الأدهان
كالشحم والسمن اهـ. ومقتضاه خروج نحودهن اللوز ونوى المشمش، فليتأمل. قوله:
(فلو أكله) أي دهن الزيت أو الخل، وأفرد الضمير لمكان (أو)) وهذا تفريع على مفهوم
قوله: ((ادّهن)). قوله: (أو استعطه) أي استنشقه بأنفه. قوله: (اتفاقاً) لأنه ليس بطيب من كل
وجه، فإذا لم يستعمل على وجه التطيب لم يظهر حكم الطيب فيه. قوله: (ولو على وجه
التداوي) لكنه يتخير بين الدم والصوم والإطعام على ما سيأتي. نهر. قوله: (ولو جعله) أي
الطيب في طعام الخ.
اعلم أن خلط الطيب بغيره على وجوه، لأنه إما أن يخلط بطعام مطبوخ أو لا. ففي
الأول لا حكم للطيب سواء كان غالباً أو مغلوباً، وفي الثاني الحكم للغلبة: إن غلب الطيب
وجب الدم، وإن لم يظهر رائحته كما في الفتح، وإلا فلا شيء عليه، غير أنه إذا وجدت معه
الرائحة كره؛ وإن خلط بمشروب فالحكم فيه للطيب سواء غلب غيره أم لا، غير أنه في
غلبة الطيب يجب الدم، وفي غلبة الغير تجب الصدقة، إلا أن يشرب مراراً فيجب الدم.
وبحث في البحر أنه ينبغي التسوية بين المأكول والمشروب المخلوط كل منهما بطيب
مغلوب. إما بعدم وجوب شيء أصلًا أو بوجوب الصدقة فيهما، وتمامه فيه.
تنبيه: قال ابن أمير حاج الحلبي: لم أرهم تعرّضوا بماذا تعتبر الغلبة، ولم يفصلوا
بين القليل والكثير كما في أكل الطيب وحده. والظاهر أنه إن وجد من المخالط رائحة
الطيب كما في الخلط فهو غالب، وإلا فمغلوب، وإذا كان غالباً فإن أكل منه أو شرب شيئاً
كثيراً وجب عليه دم، والكثير ما يعده العارف العدل كثيراً والقليل ما عداه، فإن أكل ما يتخذ

٥٧٧
كتاب الحج / باب الجنايات
كره أكله كشم طيب وتفاح (أو لبس مخيطاً) لبساً معتاداً، ولو اتزره أو وضعه على كتفيه لا
شيء عليه (أو ستر رأسه) بمعتاد إما بحمل إجانة أو عدل فلا شيء عليه (يوماً كاملاً) أو
ليلة كاملة، وفي الأقل صدقة (والزائد) على اليوم (كاليوم)
من الحلوى المبخرة بالعود ونحوه فلا شيء عليه، غير أنه إن وجدت الرائحة منه کره،
بخلاف الحلوى المضاف إلى أجزائها الماورد والمسك، فإن في أكل الكثير دماً والقليل
صدقة اهـ. نهر.
قلت: لكن قول الفتح المار في غير المطبوخ: وإن لم تظهر رائحته، يفيد اعتبار
الغلبة بالأجزاء لا بالرائحة، وقد صرح به في شرح اللباب. ثم الظاهر أنه أراد بالحلوى الغير
المطبوخة، وإلا فالمطبوخ لا تفصيل فيه كما علمت. تأمل. هذا حكم المأكول
والمشروب، وأما إذا خلط بما يستعمل في البدن كأشنان ونحوه، ففي شرح اللباب عن
المنتقى: إن كان إذا نظر إليه قالوا هذا أشنان فعليه صدقة، وإن قالوا هذا طيب عليه دم.
قوله: (كره) أي إن وجدت معه الرائحة كما مر. قوله: (أو لبس مخيطاً) تقدم تعريفه في فصل
الإحرام. قوله: (لبساً معتاداً) بأن لا يحتاج في حفظه عند الاشتغال بالعمل إلى تكلف.
وضده أن يحتاج إليه بأن يجعل ذيل قميصه مثلاً أعلى وجيبه أسفل. شرح اللباب. قوله: (أو
وضعه الخ) أي لو ألقى القباء على كتفيه ولم يدخل فيه يديه ولم يزرّه لا شيء عليه إلا
الكراهة، وتقدم تمام الكلام في فصل الإحرام. قوله: (أو ستر رأسه) أي کله أو ربعه،
ومثله الوجه كما يأتي؛ بخلاف ما لو عصب نحو يده، وعطفه على لبس المخيط، لأن الستر
قد يكون بغيره كالرداء والشاش. أفاده في النهر. قوله: (بمعتاه) أي بما يقصد به التغطية
عادة. قوله: (إجّانة) بكسر الهمزة وتشديد الجيم: أي مركن. شرح اللباب. وكطاسة
وطست. قوله: (أو عدل) بكسر العين وقد تفتح: أي أحد شقي حمل الدابة شرح اللباب،
وقيد العدل في البحر والمنح بالمشغول، بل لا يسمى عدلًا إلا بذلك، لأنه حينئذ يعادل به
قرينه، فلذا أطلقه هنا. رحمتي. قلت: لكني لم أر في البحر والمنح التقييد بما ذكر،
فلتراجع نسخة أخرى. قوله: (يوماً كاملاً أو ليلة) الظاهر أن المراد مقدار أحدهما، فلو لبس
من نصف النهار إلى نصف الليل من غير انفصال أو بالعكس لزمه دم كما يشير إليه قوله:
((وفي الأقل صدقة)) شرح اللباب. قوله: (وفي الأقل صدقة) أي نصف صاع من برّ، وشمل
الأقل الساعة الواحدة: أي الفلكية وما دونها، خلافاً لما في خزانة الأكمل أنه في ساعة
نصف صاع وفي أقل من ساعة قبضة من بر اهـ. بحر. ومشى في اللباب على ما في
الخزانة، وأقره شارحه واعترض بمخالفته لما ذكره الفقهاء.
تنبيه: ذكر بعض شراح المناسك: لو أحرم بنسك وهو لا بس المخيط وأكمله في
أقل من يوم وحل منه لم أر فيه نصاً صريحاً، ومقتضى قولهم إن الارتفاق الكامل الموجب

٥٧٨
كتاب الحج / باب الجنايات
وإن نزعه ليلاً وأعاده نهاراً ولو جميع ما يلبس (ما لم يعزم على الترك) للبسه (عند النزع،
فإن عزم عليه) أي الترك (ثم لبس تعدد الجزاء كفر للأول أولا، وكذا) يتعدد دماً للبسه
(ثم دام على الجزاء لو لبس يوماً فارق لبسه يوماً آخر فعليه الجزاء) أيضاً لأنه محظور
فكان لدوامه حكم الابتداء، ودوام اللبس بعد ما أحرم وهو لابسه كإنشائه بعده ولو
مكرهاً أو نائماً، ولو تعدد سبب اللبس تعدّد الجزاء، ولو اضطر إلى قميص فلبس
للدم لا يحصل إلا بلبس يوم كامل أن تلزمه صدقة. ويحتمل أن يقال: إن التقدير باليوم باعتبار
كمال الارتفاق إنما هو فيما إذا طال زمن الإحرام، أما إذا قصر كما في مسألتنا فقد حصل
كمال الارتفاق فينبغي وجوب الدم، ولكن مع هذا لا بد من نقل صريح. قوله: (وإن نزعه
ليلاً وأعاده نهاراً) ومثله العكس كما. في شرح اللباب. قوله: (ولو جميع ما يلبس) مبالغة
على قوله: ((أو لبس مخيطاً)) أي لو جمع اللباس من قميص وقباء وعمامة وقلنسوة وسراويل
وخف ولبس يوماً فعليه دم واحد إن اتحد السبب كما في اللباب: أي إن كان لبس الكل
لضرورة أو لغيرها، فلو اضطر للبعض تعدد الدم كما يأتي، وظاهر ما ذكر أنه لا يلزم لبس
الكل في مجلس واحد خلافاً لما قيده به القاري، بل يكفي جمعها في يوم واحد، ويدل عليه
قوله في اللباب: ويتحد الجزاء مع تعدد اللبس بأمور منها اتحاد السبب، وعدم العزم على
الترك عند النزع، وجمع اللباس کله في مجلس أو يوم اهـ: أي مع اتحاد السبب كما علمت؛
أما لو لبس البعض في يوم والبعض في يوم آخر تعدد الجزاء وإن اتحد السبب. قوله: (ما لم
يعزم على الترك) فإن نزعه على قصد أن يلبسه ثانياً أو ليلبس بدله لا يلزمه كفارة أخرى
لتداخل لبسيه وجعلهما لبساً واحداً حكماً. شرح اللباب. قوله: (كإنشائه بعده) أي في
وجوب الدم إن دام يوماً أو ليلة، وفيه إشارة إلى صحة إحرامه وهو لابس بلا عذر، خلافاً
لما يعتقده العوام، لأن التجرّد عن المخيط من واجبات الإحرام لا من شروط صحته. قوله:
(ولو تعدد سبب اللبس) كما إذا كان به حمى فاحتاج إلى اللبس لها فزالت وأصابه مرض آخر.
أو حمى غيرها ولبس فعليه كفارتان، كفّر للأول أو لا؛ وإذا حصره العدوّ فاحتاج إلى اللبس
للقتال أياماً يلبسها إذا خرج وينزعها إذا رجع فعليه كفارة واحدة ما لم يذهب هذا العدو؛ فإن
ذهب وجاء عدو غيره لزمه كفارة أخرى، ومقتضى ذلك كما قال الحلبي أنه إذا لبس لدفع
برد ثم صار ينزع ويلبس لذلك ثم زال ذلك البرد وأصابه برد آخر فلبس لذلك أنه يجب عليه
كفارتان. بحر. قوله: (ولو اضطر الخ) تخصيص لما قبله من تعدد الجزاء بتعدد السبب. قال
في الذخيرة: والأصل في جنس هذه المسائل أن الزيادة في موضع الضرورة لا تعتبر جناية
مبتدأة. وفي اللباب: فإن تعدد السبب كما إذا اضطر إلى لبس ثوب فلبس ثوبين، فإن
لبسهما على موضع الضرورة نحو أن يحتاج إلى قميص فليس قميصين أو قميصاً وجبة أو
يحتاج إلى قلنسوة فلبسها مع العمامة فعليه كفارة واحدة يتخير فيها. قال شارحه: وكذا إذا

٥٧٩
كتاب الحج / باب الجنايات
قميصين أو إلى قلنسوة فلبسها مع عمامته لزمه دم وأثم؛ ولو تيقن زوال الضرورة فاستمر
كفّر أخرى، وتغطية ربع الرأس أو الوجه كالكل ولا بأس بتغطية أذنيه وقفاه ووضع يديه
على أنفه بلا ثوب (أو حلق) أي أزال (ربع رأسه) أو ربع لحيته (أو) حلق (محاجمه) يعني
واحتجم، وإلا فصدقة
لبسهما على موضعين لضرورة بهما في مجلس واحد، بأن لبس عمامة وخفاً يعذر فيهما فعليه
كفارة واحدة اهـ وإن لبسهما على موضعين مختلفين موضع الضرورة وغير الضرورة؛ كما إذا
اضطر إلى لبس العمامة فلبسها مع القميص مثلاً، أو لبس قميصاً للضرورة وخفين لغيرها،
فعليه كفارتان: كفارة الضرورة يتخير فيها، وكفارة الاختيار لا يتخير فيها اهـ. قوله: (لزمه
دم وإثم) لزوم الدم بأحدهما والإثم بالآخر، والمناسب التعبير بلزوم الكفارة المخيرة كما
قدمناه، لأنه حيث كان بعذر لا يتعين الدم كما سيأتي، ولزوم كفارة واحدة في لبس العمامة
مع القلنسوة كما في القميصين هو المنصوص عليه كما مر عن اللباب، ومثله في الفتح
والمعراج خلافاً لما في البحر من التفرقة بينهما كما نبه عليه في الشرنبلالية، وما ذكر من
لزوم الإثم نبه عليه في البحر عن الحلبي، ثم قال: فليحفظ هذا، فإن كثيراً من المحرمين
يغفل عنه كما شاهدناه. قوله: (ولو تيقن الخ) أما لو استمر مع الشك في زوالها فلا شيء
عليه. بحر. قوله: (كفر أخرى) أي بلا تخيير إن دام يوماً بعد التيقن. قوله: (كالكل) هو
المشهور من الرواية عن أبي حنيفة، وهو الصحيح على ما قاله غير واحد. شرح اللباب.
قوله: (ولا بأس بتغطية أذنيه وقفاه) وكذا بقية البدن إلا الكفين والقدمين للمنع من لبس
القفازين والجوربين، ومرّ تمامه في فضل الإحرام. قوله: (بلا ثوب) كذا في الفتح والبحر.
والظاهر أنه لو كان الوضع بالثوب ففيه الكراهة التحريمية فقط، لأن الأنف لا يبلغ ربع
الوجه. أفاده ط. قوله: (أي أزال) أي أراد بالحلق الإزالة بالموسى أو بغيره مختاراً أو لا،
فلو أزاله بالنورة أو نتف لحيته أو احترق شعره بخبزه أو مسه بيده وسقط فهو كالحلق،
بخلاف ما إذا تناثر شعر بالمرض أو النار. بحر عن المحيط.
قلت: وشمل أيضاً التقصير كما في اللباب. قال شارحه وصرح به في الكافي
والكرماني: وهو الصواب، قياساً على التحلل. ووقع في الكفاية شرح الهداية أن التقصير
لا يوجب الدم اهـ. قوله: (ربع رأسه الخ) هذا هو الصحيح المختار الذي عليه جمهور
. أصحاب المذهب. وذكر الطحاوي في مختصره أن في قول أبي يوسف ومحمد: لا يجب الدم
ما لم يحلق أکثر رأسه. شرح اللباب، وإن كان أصلح إن بلغ شعره ربع رأسه فعلیه دم وإلا
فصدقة، وإن بلغت لحيته الغاية في الخفة إن كان قدر ربعها كاملة، فعليه دم وإلا فصدقة.
لباب، واللحية مع الشارب عضو واحد. فتح. قوله: (محاجمه) أي موضع الحجامة من العنق
كما في البحر. قوله: (وإلا فصدقة) أي وإن لم يحتجم بعد الحلق فالواجب صدقة. قوله:

٥٨٠
كتاب الحج / باب الجنايات
كما في البحر عن الفتح (أو) حلق (إحدى إيطيه أو عانته أو رقبته) كلها (أو قص أظفار
يديه أو رجليه) أو الكل (في مجلس واحد) فلو تعدد المجلس تعدد الدم إلا إذا اتحد
(كما في البحر عن الفتح) قال في النهر: لم أر ذلك في نسختي من الفتح اهـ.
قلت: كأنه سقط من نسخته، وإلا فقد رأيته في الفتح، واستشهد له بقول الزيلعي: إن
حلقه لمن يحتجم مقصود وهو المعتبر، بخلاف الحلق لغيرها. قوله: (كلها) أي كل
الثلاثة، وإنما قيد به لأن الربع من هذه الأعضاء لا يعتبر بالكل، لأن العادة لم تجر فيها
بالاقتصار على البعض، فلا يكون حلق البعض ارتفاقاً كاملاً، بخلاف ربع الرأس واللحية
فإنه معتاد لبعض الناس. وما في المحيط من أن الأكثر من الرقبة كالكل، لأن كل عضو لا
نظير له في البدن يقوم أكثره مقام كله ضعيف؛ وكذا ما في الخانية من أن الإبط إذا كان كثير
الشعر يعتبر الربع لوجوب الدم، وإلا فالأكثر. والمذهب ما ذكره المصنف من اعتبار الربع
في الرأس واللحية والكل في غيرهما في لزوم الدم. بحر ملخصاً. وذكر في اللباب: مثل
الثلاثة ما لو حلق الصدر أو الساق أو الركبة أو الفخذ أو العضد أو الساعد فعليه دم، وقيل
صدقة. وإن حلق أقله فصدقة، ولا يقوم الربع منها مقام الكل اهـ. قال شارحه: يشير بقوله
وقيل صدقة إلى ما في المبسوط: متى حلق عضواً مقصوداً بالحلق فعليه دم، وإن حلق ما
ليس بمقصود فصدقة. ثم قال: ومما ليس بمقصود حلق شعر الصدر والساق، ومما هو
مقصود حلق الرأس والإبطين، ومثله في البدائع والتمرتاشي. وفي النخبة: وما في
المبسوط هو الأصح. قال ابن الهمام: إنه الحق اهـ.
والحاصل أن كل واحد من الثلاثة: أعني الإبط أو العانة والرقبة مقصود بالحلق وحده
فیجب به دم، لكن لا يقوم ربعه مقام كله لما مر، بخلاف الصدر والساق ونحوهما فيجب
بهما صدقة. قال في الفتح: لأن القصد إلى حلقهما إنما هو في ضمن غيرهما، إذ ليست
العادة تنوير الساق وحده بل تنوير المجموع من الصلب إلى القدم، فكان بعض المقصود
بالحلق. قال في البحر: فعلى هذا فالتقييد بالثلاثة للاحتراز عن الصدر والساق مما ليس
بمقصود.
واعلم أن المتفرق من الحلق يجمع كالطيب، فلو حلق ربع رأسه من مواضع متفرقة
فعليه دم. لباب. وسيأتي أن في حلق الشارب صدقة.
تنبيه: ذكر الحلق في الإبطين تبعاً للجامع الصغير إيماء إلى جوازه، وإن كان النتف
هو السنة، ولذا عبر به في الأصل.
واختلف في المسنون في الشارب، هل هو القصّ أو الحلق؟ والمذهب عند بعض
المتأخرين من مشايخنا أنه القص. قال في البدائع: وهو الصحيح. وقال الطحاوي: القص
حسن، والحلق أحسن، وهو قول علمائنا الثلاثة. نهر. قال في الفتح: وتفسير القص أن
تكملة رد المحتار على الدر المختار — pages 561-580 | ScribeTools Library