النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
كتاب الحج
(والاستظلال ببيت ومحمل لم يصب رأسه أو وجهه، فلو أصاب أحدهما كره) كما مر
(وشد هميان) بكسر الهاء (في وسطه ومنطقة وسيف وسلاح وتختم) زيلعي. لعدم التغطية
واللبس (واكتحال بغير مطيب) فلو اكتحل بمطيب مرة أو مرتين فعليه صدقة ولو كثيراً
فعليه دم. سراجية (و) لا يتقي (ختاناً وفصداً وحجامة وقلع ضرسه وجبر كسر وحك
رأسه وبدنه) لكن برفق إن خاف سقوط شعره أو قمله فإن في الواحدة يتصدق بشيء،
وفي الثلاث كفّ من طعام. غرر أذكار (وأكثر) المحرم (التلبية) ندباً (متى صلى) ولو
نفلاً (أو علا شرفاً أو هبط وادياً أو لقي ركباً) جمع راكب أو جمعاً مشاة، وكذا لو لقي
بعد موته ◌َ﴾. قوله: (والاستظلال إلخ) أي قصد الانتفاع بظل بيت من شعر أو مدر، ومحمل
بفتح الميم الأولى وكسر الثانية أو عكسه. قوله: (كما مر) أي في شرح قوله ((وستر الوجه
والرأس)). قوله: (وشد هميان) هو شيء يشبه تكة السراويل يشد على الوسط وتوضع فيه
الدراهم. شمني. وفي القاموس؛ هو التكة والمنطقة وكيس للنفقة يشدّ في الوسط اهـ. ولا
فرق بين كون النفقة له أو لغيره كما في شرح اللباب ولا بين شده فوق الإزار أو تحته لأنه لم
يقصد به حفظ الإزار، بخلاف ما إذا شدّ إزاره بحبل مثلاً كما قدمناه. قوله: (ومنطقة) بكسر
الميم وفتح الطاء وتسمى بالفارسية ((كمر)) كما في العيني. قوله: (وسيف) أي وشد سيف:
أي شد حمائله في وسطه. قوله: (وسلاح) تعمیم بعد تخصیص وهو ما يقاتل به، فلا يدخل
فيه الدرع لأنه يلبس. قوله: (وتختم واكتحال) عطف على ما قبله فيصير التقدير: ولا يتقي
شدّ تختم واكتحال، ولا معنى له إلا أن يراد بالشد الاستعمال من باب ذكر المقيد وإرادة
المطلق مجازاً مرسلاً، ولو قال: وتختماً واكتحالاً لسلم من هذا ح. ويمكن تأويله أيضاً
بالجر على الجوار، أو بالرفع على الابتداء، وخبره محذوف: أي كذلك. قوله: (لعدم
التغطية واللبس) الأول راجع للاستظلال بالبيت والمحمل والثاني لما بعده. قوله: (فعليه
صدقة) المراد بها عند إطلاقهم نصف صاع. بحر. قوله: (ولو كثيراً) أي ثلاثاً فأكثر بقرينة
المقابلة واستظهره في شرح اللباب فالمراد الكثرة في الفعل لا في نفس الطيب المخالط،
فلا يلزم الدم بمرة واحدة وإن كان الطيب كثيراً في الكحل كما حرره في الفتح من
الجنايات. قوله: (وفصداً) أي وإن لزم تعصيب اليد لما قدمناه من أن تعصيب غير الوجه
والرأس إنما يكره لو بغير عذر. قوله: (وحجامة) أي بلا إزالة شعر. لباب. وإلا فعليه دم
كما سيأتي. قوله: (يتصدق بشيء) أي كتمرة وكسرة خبز. قوله: (وفي الثلاث) أي من
الشعر والقمل، وأما الأكثر فسيأتي في الجنايات. قوله: (ولو نفلا) كذا في البدائع، وخصه
الطحاوي في المكتوبات دون النوافل والفوائت فأجراها مجرى التكبير في أيام التشريق،
والتعميم أولى. فتح. وهو الصحيح المعتمد الموافق لظاهر الرواية. شرح اللباب. قوله:
(أو علا شرفاً) أي صعد مكاناً مرتفعاً. قوله: (جمع راكب) أي اسم جمع وهم أصحاب الإبل
:

٥٠٢
كتاب الحج
بضعهم بعضاً (أو أسحر) دخل في السحر إذ التلبية في الإحرام كالتكبير في الصلاة
(رافعاً) استناناً (صوته بها بلا جهد) كما يفعله العوام (وإذا دخل مكة بدأ بالمسجد)
الحرام بعدما يأمن على أمتعته داخلاً من باب السلام نهاراً ندباً ملبياً متواضعاً خاشعاً
ملاحظاً جلالة البقعة، ويسن الغسل لدخولها وهو للنظافة
في السفر، ولا يطلق على دون العشرة. نهر. قوله: (دخل في السحر) هو السدس الأخير
من الليل. قوله: (كالتكبير في الصلاة) فكما أن التكبير في الصلاة يؤتى به عند الانتقال من
حال إلى حال كذلك التلبية ح. ولذا قال في اللباب: ويستحب إكثارها قائماً وقاعداً، راكباً
ونازلاً واقفاً وسائراً طاهراً ومحدثاً جنباً وحائضاً، وعند تغير الأحوال والأزمان، وعند إقبال
الليل والنهار، وعند كل ركوب ونزول، وإذا استيقظ من النوم، أو استعطف راحلته. وقال
أيضاً: ويستحب تكرارها في كل مرة ثلاثاً على الولاء ولا يقطعها بكلام، ولو ردّ السلام في
خلالها جاز، ويكره لغيره أن يسلم عليه، وإذا كانوا جماعة لا يمشي أحد على تلبية الآخر،
بل كل إنسان يلبي بنفسه، ويلبي في مسجد مكة ومنى وعرفات لا في الطواف وسعي
العمرة. قوله: (رافعاً صوته بها) إلا أن يكون في مصر أو امرأة. لباب. زاد شارحه: أو في
المسجد لئلا يشوش على المصلين والطائفين. قوله: (استناناً) فإن تركه كان مسيئاً ولا شيء
عليه. فتح. وقيل استحباباً، والمعتمد الأول. شرح اللباب.
مَطْلَبٌ فِي حَدِيثِ ((أَفْضَلُ الحَجِّ الْعَجُّ وَالثَّجُ))
قوله: (بلا جهد) بفتح الجيم وبالدال: أي تعب النفس بغاية رفع الصوت كي لا
يتضرر، ولا تنافي بين هذا وبين ما جاء ((أَفْضَلُ الحَجِّ العَجُّ وَالذَّجُ)) (١) أي أفضل أفراد الحج
حجّ يشتمل على هذا، لا أفضل أفعاله، إذ الطواف والوقوف أفضل منهما. والعج: رفعٍ
الصوت بالتلبية، والثج: إسالة الدم بالإراقة، لأن الإنسان قد يكون جهوري الصوت طبعاً
فيحصل الرفع العالي مع عدم تعبه به. نهر. قوله: (كما يفعله العوام) تمثيل للمنفي وهو
الجهد لا للنفي ح.
مَطْلَبٌ فِي دُخُولٍ مَكَّةً
قوله: (وإذا دخل مكة) المستحب دخولها نهاراً كما في الخانية من باب المعلى
ليكون مستقبلاً في دخوله باب البيت تغظيماً، وإذا خرج فمن السفلي. بحر. قوله: (نهاراً)
قيد لدخول مكة كما علمت، لكن لما كان دخول المسجد عقب دخول مكة صح كونه قيداً
له أيضاً. قوله: (ملبياً) هو قيد لدخول مكة أيضاً. قال في اللباب: ويكون في دخوله ملبياً
داعياً إلى أن يصل باب السلام فيبدأ بالمسجد. قوله: (لدخولها) أي مكة بدليل تأنيث
(١) ذكره الهيثمي في المجمع ٢٢٤/٣ وعزاه لأبي يعلى.

٥٠٣
کتاب الحج
فيحب لحائض ونفساء (وحين شاهد البيت كبر) ثلاثاً ومعناه الله أكبر من الكعبة (وهلل)
لئلا يقع نوع شرك (ثم) ابتدأ بالطواف لأنه تحية البيت ما لم يخف
الضمير، وعبارة البحر نص في ذلك ح. قوله: (فيحب) بالحاء المهملة ح. قوله: (ومعناه
الله أكبر من الكعبة) كذا في غاية البيان، والأولى من كل ما سواه. بحر. وكأن الشارح رجح
الأول لاقتضاء المقام له، كما أن الشارع في شيء إذا سمى الله تعالى يلاحظ التبرك باسمه
تعالى فيما شرع فيه. قوله: (وهلل) عبارة الفتح: كبر وهلل ثلاثاً، وعبارة ابن الشلبي: كبر
ثلاثاً وهلل ثلاثاً. قوله: (لئلا يقع نوع شرك) أي بتوهم الجاهل أن العبادة للبيت. قال في
البحر: ولم يذكر في المتون الدعاء عند مشاهدة البيت، وهي غفلة عما لا يغفل عنه فإنه
عندها مستجاب، ومحمد رحمه الله تعالى لم يعين في الأصل لمشاهد الحج شيئاً من
الدعوات، لأن التوقيت يذهب بالرقة، وإن تبرك بالمنقول منها فحسن، كذا في الهداية.
وفي الفتح: ومن أهم الأدعية طلب الجنة بلا حساب، والصلاة على النبي ◌َّقر هنا من أهم
الأذكار، کما ذكره الحلبي في مناسکه اهـ.
تنبيه: قال في اللباب: ولا يرفع يديه عند رؤية البيت، وقيل يرفع. قال القاري في
شرحه: أي لا يرفع ولو حال دعائه، لأنه لم يذكر في المشاهير من كتب أصحابنا، بل قال
السروجي: المذهب تركه، وصرح الطحاوي بأنه يكره عند أئمتنا الثلاثة. قوله: (ثم ابتدأ
بالطواف) فإن كان حلالاً فطواف التحية، أو محرماً بالحج فطواف القدوم؛ هذا إذا دخل قبل
النحر، فإن دخل فيه أغنى طواف الفرض عن التحية أو بالعمرة فطوافها، ولا طواف قدوم
لها، كذا في الفتح: نهر. وأفاد إطلاقه أنه لا يكره الطواف في الأوقات التي تكره فيها
الصلاة كما صرح به في الفتح، قال: إلا أنه لا يصلي ركعتيه فيها، بل يصبر إلى أن يدخل ما
لا كراهة فيه. قوله: (لأنه تحية البيت) أي لمن أراد الطواف، بخلاف من لم يرده وأراد أن
يجلس فلا يجلس حتى يصلي ركعتين تحية المسجد، إلا أن يكون الوقت مكروهاً للصلاة.
شرح اللباب للقاري. وفي شرحه على النقاية: فإن لم يكن محرماً فطواف تحية لقولهم ((تحية
هذا المسجد الطواف)) وليس معناه أن من لم يطف لا يصلي تحية المسجد کما فهمه بعض
العوام اهـ.
قلت: لكن قولهم تحية هذا المسجد الطواف، يفيد أنه لو صلى ولم يطف لا يحصل
التحية إلا أن يخص بترك الطواف بلا عذر، فمع العذر تحصل التحية بالصلاة، ثم رأيت في
شرح اللباب أيضاً ما يدل على ذلك حيث قال في موضع آخر: إن تحية هذا المسجد
بخصوصه هو الطواف، إلا إذا كان له مانع فيصلي تحية المسجد إن لم يكن وقت كراهة اهـ.
قوله: (ما لم يخف إلخ) أي فيقدم كل ذلك على الطواف: أي طواف التحية وغيرها. لباب
وشرحه. ثم يطوف. بحر. وهذا يفيد أن هذه الصلوات لا تحصل بها التحية مع أنها تحصل

٥٠٤
كتاب الحج
فوت المكتوبة أو جماعتها أو الوتر أو سنة راتبة فاستقبل (الحجر مكبراً مهللاً رافعاً يديه)
كالصلاة (واستلمه) بكفيه وقبله بلا صوت، وهل يسجد عليه؟ قيل نعم (بلا إيذاء) لأنه
في بقية المساجد، وليس ذلك إلا لأن تحيته هي الطواف دون الصلاة، بخلاف باقي
المساجد ولهذا قال بعض العلماء: إن الفرق من وجهين: أحدهما أن الصلاة جنس، فناب
بعضها مناب بعض، وليس الطواف من جنسها. والثاني أن صلاة الفرض في المسجد تحية
المسجد والطواف تحية البيت لا تحية المسجد. قوله: (فوت المكتوبة) ينبغي أن يكون
المراد فوت وقتها المستحب، لأنه يسقط به الترتيب على أحد القولين المصححين فبالأولى
ما هنا. تأمل. وزاد في شرح اللباب: فوت الجنازة، وزاد في البحر والنهر: ما إذا دخل في
وقت منع الناس من الطواف أو كان عليه فائتة مكتوبة اهـ. وذكر الأخير في اللباب وقيده
شارحه بما إذا كان صاحب ترتيب.
قلت: والظاهر أن المراد بالفائتة التي فوّتها عمداً، ووجب قضاؤها فوراً، وإلا فتقديم
الطواف عليها لا يضر إلا إذا خاف فوت المكتوبة الوقتية إذا قدّم عليها الطواف وقضاء
الفائتة، وحينئذ فذكر المكتوبة الوقتية يغني عن ذكر الفائتة، فافهم. قوله: (فاستقبل الحجر
إلخ) أشار بالفاء إلى أنه ينوي الطواف قبل الاستقبال لما سيذكره من أنه يمر بجميع بدنه على
جميع الحجر، ولهذا قال في اللباب: ثم يقف مستقبل البيت بجانب الحجر الأسود مما يلي
الركن اليماني، بحيث يصير جميع الحجر عن يمينه، ويكون منكبه الأيمن عند طرف الحجر
فينوي الطواف، وهذه الكيفية مستحبة والنية فرض، ثم يمشي ماراً إلى يمينه حتى يحاذي
الحجر فيقف بحياله، ويستقبله ويبسمل ويكبر ويحمد ويصلي ويدعو اهـ. قال شارحه: أي
يقول: بسم الله والله أكبر ولله الحمد، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم إيماناً بك
ووفاء بعهدك واتباعاً لسنة نبيك محمد وَ﴾. قوله: (رافعاً يديه) أي عند التكبير لا عند النية
فإنه بدعة. لباب.
وقال شارحه القاري في موضع آخر بعد كلام: والحاصل أن رفع اليدين في غير حالة
الاستقبال مكروه، وأما الابتداء من غيره فهو حرام أو مكروه تحريماً أو تنزيهاً بناء على
الأقوال عندنا من أن الابتداء بالحجر فرض أو واجب أو سنة، وإنما المستحب الابتداء بالنية
قبيل الحجر للخروج عن الاختلاف. قوله: (كالصلاة) أي حذاء أذنيه، وقدم في كتاب
الصلاة أنه في الاستلام وعند الجمرتين يرفع حذاء منكبيه ويجعل باطنهما نحو الحجر
والكعبة اهـ. وعزاه القهستاني إلى شرح الطحاوي، وصححه في البدائع وغيرها، ومشى
في النقاية وغيرها على الأول، وصححه في غاية البيان وغيرها فقد اختلف التصحيح.
قوله: (واستلمه) أي بعد أن يرسل يديه كما في النهر عن التحفة، قال في اللباب: وصفة
الاستلام: أن يضع كفيه على الحجر ويضع فمه بين كفيه ويقبله. قوله: (قيل نعم) جزم به

٥٠٥
كتاب الحج
سنة وترك الإيذاء واجب، فإن لم يقدر يضعهما ثم يقبلهما أو إحداهما (وإلا) يمكنه ذلك
(يمس) بالحجر (شيئاً في يده) ولو عصا (ثم قبله) أي الشيء (وإن عجز عنهما) أي
الاستلام والإمساس (استقبله) مشیراً إليه بباطن کفیه كأنه واضعهما عليه (و کبر وهلل
وحمد الله تعالى وصلى على النبي ◌َ(18) ثم يقبل كفيه، وفي بقية الرفع في الحج يجعل
کفیه للسماء إلا عند الجمرتین
اللباب وقال: إنه مستحب، ويكرره مع التقبيل ثلاثاً. قال شارحه: وهو موافق لما نقله
الشيخ رشيد الدين في شرح الكنز، وكذا نقل السجود عن أصحابنا العزّ بن جماعة، لكن قال
قوام الدين الكاكي: الأولى أن لا يسجد عندنا لعدم الرواية في المشاهير اهـ. وظاهره
ترجيح ما قاله الكاكي في المعراج، وهو ظاهر الفتح، ولذا اعترض في النهر على قول
البحر: إنه ضعيف، بأن صاحب الدار أدرى: أي أن الكاكي من أهل المذهب الماهرين،
وهو أدرى بالمذهب من غيره، فلا ينبغي تضعيف ما نقله.
قلت: لكن استند الكاكي إلى عدم ذكره في المشاهير، وهو لا ينفي ذكره في غيره،
وقد استند في البحر إلى أنه فعله عليه الصلاة والسلام والفاروق بعده كما رواه الحاكم
وصححه، واستدرك بذلك منلا علي في شرح النقاية على ما مر عن الكاكي وأيد به ما نقله
ابن جماعة عن أصحابنا. ثم رأيت نقلًا عن غاية السروجي أنه كره مالك وحده السجود على
الحجر وقال: إنه بدعة، وجمهور أهل العلم على استحبابه والحديث حجة عليه اهـ: أي
على مالك، وبهذا يترجح ما في البحر واللباب من الاستحباب، إذ لا يخفى أن السروجي
أيضاً من أهل الدار فهو أدرى، والأخذ بما قاله موافقاً للجمهور والحديث أولى وأحرى،
فافهم. قوله: (وترك الإيذاء واجب) أي فلا يترك الواجب لفعل السنة، وأما النظر إلى العورة
لأجل الختان فليس فيه ترك الواجب لفعل السنة، لأن النظر مأذون فيه للضرورة. قوله:
(فإن لم يقدر) أي على تقبيله إلا بالإيذاء، أو مطلقاً يضع يديه عليه ثم يقبلهما أو يضع
إحداهما، والأولى أن تكون اليمنى لأنها المستعملة فيما فيه شرف، ولما نقل عن البحر
العميق من أن الحجر ((يمين الله يصافح بها عباده)) والمصافحة باليمنى. قوله: (وإلا يمكنه
ذلك) أي وضع يديه أو إحداهما. قوله: (يمس) بضم أوله وكسر ثانيه من الإمساس كما
يشير إليه كلام الشارح الآتي. قوله: (عنهما) الأولى عنه: أي الإمساس، لأن العجز عن
الاستلام ذكره بقوله ((وإلا يمس)). قوله: (مشيراً إليه بباطن كفيه) أي بأن يرفع يديه حذاء
أذنيه، ويجعل باطنهما نحو الحجر مشيراً بهما إليه وظاهرهما نحو وجهه، هكذا المأثور.
بحر. وفي شرح النقاية للقاري: حذاء منكبيه أو أذنيه، وكأنه حكاية للقولين المارين.
قوله: (ثم يقبل كفيه) أي بعد الإشارة المذكورة. قال في الفتح: ويفعل في كل شوط عند
الركن الأسود ما يفعله في الابتداء اهـ. ويأتي تمامه عند قول المصنف، وكلما مر بالحجر

٥٠٦
كتاب الحج
فللكعبة (وطاف بالبيت طواف القدوم، ويسن) هذا الطواف (للآفاقي) لأنه القادم
(وأخذ) الطائف (عن يمينه مما يلي الباب) فتصير الكعبة عن يساره لأن الطائف كالمؤتم
بها والواحد يقف عن يمين الإمام، ولو عكس أعاد ما دام بمكة، فلو رجع فعليه دم،
وكذا لو ابتدأ من غير الحجر كما مر، قالوا: ويمرّ بجميع بدنه على جميع الحجر (جاعلًا)
فعل ما ذكر. قوله: (فللكعبة) أو للقبلة كما سيذكره، لكن الأول ظاهر الرواية كما سيأتي.
قوله: (طواف القدوم) يسمى أيضاً طواف التحية وطواف اللقاء وطواف أول عهد بالبيت
وطواف حداث العهد بالبيت وطواف الوارد والورود. شرح اللباب. ويقع هذا الطواف
للقدوم من المفرد بالحج وإن لم ينو كونه للقدوم أو نوی غیره لأنه وقع في محله. قال في
اللباب: ثم إن كان المحرم مفرداً بالحج وقع طوافه هذا للقدوم، وإن كان مفرداً بالعمرة أو
متمتعاً أو قارناً وقع عن طواف العمرة، نواه له أو لغيره، وعلى القارن أن يطوف طوافاً آخر
للقدوم اهـ: أي استحباباً بعد فراغه عن سعي العمرة، قاري. وفي اللباب: وأول وقته حین
دخوله مكة وآخره من وقوفه بعرفة، فإذا وقف فقد فات وقته، وإن لم يقف فإلى طلوع فجر
النحر. قوله: (للآفاقي) أي لا غیر. فتح. فلا یسن للمکي ولا لأهل المواقيت ومن دونها
إلى مكة. سراج وشرح اللباب. إلا أن المكي إذا خرج للآفاق ثم عاد محرماً بالحج فعليه
طواف القدوم. لباب. فهذا خلاف ما في القهستاني من أنه يسن لأهل المواقيت وداخلها،
فافهم. قوله: (عن يمينه) أي يمين الطائف لا الحجر، وقوله ((مما يلي الباب)) أي باب الكعبة
تأكيد له، وهذا واجب في الأصل كما مر. قوله: (ولو عكس) بأن أخذ عن يساره وجعل
البيت عن يمينه، وكذا لو استقبل البيت بوجهه أو استدبره وطاف معترضاً كما في شرح
اللباب وغيره. قوله: (فلو رجع) أي إلى بلده قبل إعادته. قوله: (وكذا لو ابتدأ من غير
الحجر) أي يعيده وإلا فعليه دم، وهذا على القول بوجوبه كما أشار إليه بقوله: ((كما مر)) أي
في الواجبات. قوله: (قالوا إلخ) قال في البحر: ولما كان الابتداء من الحجر واجباً كان
الابتداء في الطواف من الجهة التي فيها الركن اليماني قريباً من الحجر الأسود متعيناً،
ليكون ماراً بجميع بدنه على جميع الحجر الأسود، وكثير من العوامّ شاهدناهم يبتدئون
الطواف وبعض الحجر خارج عن طوافهم فاحذره اهـ.
قلت: قدمنا هذه الكيفية عن اللباب، وأنها مستحبة لا متعينة، وبه صرح في فتح
القدير أيضاً قائلاً في تعليله وتبعه القاري في شرح اللباب للخروج عن خلاف من يشترط
المرور على الحجر بجميع بدنه، وفي الكرماني أنه الأكمل والأفضل. ثم قال القاري: وإلا
فلو استقبل الحجر مطلقاً ونوى الطواف كفى عندنا في أصل المقصود الذي هو الابتداء من
الحجر سواء قلنا: إنه سنة أو واجب أو فريضة أو شرط اهـ. وفي الشرنبلالية بعد ما مر عن
البحر: وهذا إذا لم يكن في قيامه مسامتاً للحجر بأن وقف جهة الملتزم ومال ببعض جسده

٥٠٧
كتاب الحج
قبل شروعه (رداءه تحت إبطه اليمنى ملقياً طرفه على كتفه الأيسر) استناناً (وراء الحطيم)
وجوباً، لأن منه ستة أذرع من البيت، فلو طاف من الفرجة لم يجز
ليقبل الحجر، أما من قام مسامتاً بجسده الحجر فقد دخل في ذلك شيء من الركن اليماني،
لأن الحجر وركنه لا يبلغ عرض جسد المسامت له، وبه يحصل الابتداء من الحجر اهـ.
قلت: لكن لا يحصل به المرور بجميع البدن على جميع الحجر، لكن قد عملت أنه
غير لازم عندنا، ولعل الشارح أشار إلى ضعفه بلفظ ((قالوا)) لما علمته، فافهم. قوله: (قبل
شروعه) أي من حين تجرده للإحرام، بناء على ما قدمه عند قول المصنف ((ولبس إزار أو رداء
إلخ)) لكن قدمنا تصحيح خلافه ولذا قال في الفتح: وينبغي أن يضطبع قبل شروعه في
الطواف بقليل اهـ. فلو قال الشارح: قبيل شروعه لكان أصوب، فافهم.
هذا، وفي شرح اللباب: واعلم أن الاضطباع سنة في جميع أشواط الطواف كما صرح
به ابن الضياء، فإذا فرغ من الطواف تركه حتى إذا صلى ركعتي الطواف مضطبعاً يكره لكشفه
منكبه، ويأتي الكلام على أنه لا اضطباع في السعي اهـ. قوله: (استناناً) أي في كل طواف
بعده سعي كطواف القدوم والعمرة، وكطواف الزيارة إن كان آخر السعي ولم يكن لابساً،
بقي من لبس المخيط لعذر: هل يسن له التشبه به؟ لم يتعرض له أصحابنا. وقال بعض
الشافعية: يتعذر في حقه: أي على وجه الكمال، فلا ينافي ما ذكره بعضهم أنه قد يقال:
يشرع له وإن كان المنكب مستوراً بالمخيط للعذر. قلت: والأظهر فعله. شرح اللباب
ملخصاً. قوله: (وراء الحطيم) ويسمى حظيرة إسماعيل، وهو البقعة التي تحت الميزاب،
عليها حاجز كنصف دائرة بينها وبين البيت فرجة سمي بالحطيم، لأنه حطم من البيت: أي
كسر، وبالحجر لأنه حجر منه: أي منع. قوله: (لأن منه ستة أذرع من البيت) لفظة ((منه))
خبر ((إن)) مقدم ((وستة) اسمها مؤخر، و((من البيت)) صفة ستة، والتقدير: لأن ستة أذرع
کائنة من البیت ثابتة منه أو ((منه)) حال من ستة مقدم علیه، و ((من البيت)) خبر وهو جائز
كقوله : *لمیة موحشاً طلل+ ط.
قلت: والثاني أظهر فافهم. قال في الفتح: وليس الحجر كله من البيت، بل ستة
أذرع منه فقط لحديث عائشة رضي الله عنها عن رسول الله وَّهِ، قال ((سِنَّةُ أَذْرُعٍ مِنَ الحَجَرِ
مِنَ البَيْتِ وَمَا زَادَلَيْسَ مِنَ البَيْتِ)) رواه مسلم. قوله: (لم يجز) بفتح أوله وضّم ثانيه من
الجواز بمعنى الحل لا الصحة أو بضم أوله وسكون ثانيه من الإجزاء: أي على وجه الكمال
قال القاري في شرح النقاية: ولو طاف من الفرجة لا يجزيه في تحقق كماله، ولا بد من إعادة
الطواف كله لتحققه، وإن أعاد من الحطيم وحده أجزأه، بأن يأخذ على يمينه خارج
الحجر، حتى ينتهي إلى آخره، ثم يدخل الحجر من الفرجة، من الجانب الآخر، أو لا
يدخل الحجر، وهو أفضل، بأن يرجع ويبتدئ من أول الحجر، هكذا يفعل سبع مرات

٥٠٨
كتاب الحج
كاستقباله احتياطاً، وبه قبر إسماعيل وهاجر (سبعة أشواط) فقط (فلو طاف ثامناً مع
علمه به) فالصحيح أن (يلزمه إتمام الأسبوع للشروع) أي لأنه شرع فيه ملتزماً، بخلاف
ما لو ظن أنه سابع لشروعه مسقطاً لا مستلزماً،
ويقضي صفته من رمل وغيره، ولو لم يعد صح طوافه ووجب عليه دم اهـ. قوله:
(كاستقباله) أي فإنه إذا استقبله المصلي لم تصح صلاته، لأن فرضية استقبال الكعبة تثبت
بالنص القطعي، وکون الحطيم من الكعبة ثبت بالآحاد فصار کأنه من الكعبة من وجه دون
وجه، فكان الاحتياط في وجوب الطواف وراءه، وفي عدم صحة استقباله والتشبيه یمکن
تصحيحه على الوجهين اللذين ذكرناهما في قوله ((لم يجز)) مع قطع النظر عن المفهوم،
فافهم. قوله: (وبه قبر إسماعيل وهاجر) عزاه في البحر إلى غاية البيان. وذكر بعضهم أن
ابن الجوزي أورد أن قبر إسماعيل فيما بين الميزاب إلى باب الحجر الغربي.
تنبيه: لم يذكر الشاذروان، وهو الإفريز المسنم الخارج عن عرض جدار البيت قدر
ثلثي ذراع، قيل إنه من البيت بقي منه حین عمرته قریش کالحطيم، وهو ليس منه عندنا،
لكن ينبغي أن يكون طوافه وراءه خروجاً من الخلاف كما في الفتح واللباب وغيرهما. قوله:
(سبعة أشواط) من الحجر إلى الحجر شوط. خانية. وهذا بيان للواجب لا للفرض في
الطواف لما مر من أن أقل الأشواط السبعة واجبة تجبر بالدم، فالركن أكثرها. بحر. لكن
الظاهر أن هذا في الفرض والواجب، فقد صرحوا بأنه لو ترك أكثر أشواط الصدر لزمه دم،
وفي الأقل لكل شوط صدقة.
مَطْلَبٌ فِي طَوَافِ القُدُومِ
وأما القدوم فلم يصرحوا بما يلزمه لو تركه بعد الشروع، وبحث السندي في منسكه
الکبیر أنه کالصدر، ونازعه في شرح اللباب بأن الصدر الواجب بأصله فلا یقاس علیه ما
يجب بشروعه، فالظاهر أنه لا يلزمه بتركه شيء سوى التوبة كصلاة النفل اهـ ملخصاً. وقد
يقال: وجوبه بالشروع بمعنى وجوب إكماله وقضائه بإهماله، ويلزم منه وجوب الإتيان
بواجباته كصلاة النافلة، حتى لو ترك منها واجباً وجب إعادتها أو الإتيان بما يجبر ما تركه منها
كالصلاة الواجبة ابتداء، وهنا كذلك لو ترك أقله تجب فيه صدقة، ولو ترك أكثره يجب فيه
دم، لأنه الجابر لترك الواجب في الطواف كسجود السهو في ترك الواجب في النافلة، والله
تعالى أعلم. قوله: (مع علمه به) أي بأنه ثامن، لكن فعله بناء على الوهم أو الوسوسة لا
على قصد دخول طواف آخر، فإنه حينئذ يلزم اتفاقاً. شرح اللباب.
قلت: لكن التعليل يفيد أن الخلاف فيما لو قصد الدخول في طواف آخر أيضاً.
قوله: (لشروعه مسقطاً لا ملزماً) أي لأنه شرع فيه لإسقاط الواجب عليه، وهو إتمام
السبعة، لا ملزماً نفسه بشوط مستأنف حتى يجب عليه إكماله لما تبين له أنه ثامن. قوله:

٥٠٩
كتاب الحج
بخلاف الحج.
واعلم أن مكان الطواف داخل المسجد ولو وراء زمزم لا خارجه لصيرورته طائفاً
بالمسجد لا بالبيت، ولو خرج منه أو من السعي إلى جنازة أو مكتوبة أو تجدید وضوء ثم
(بخلاف الحج) فإنه إذا شرع فيه مسقطاً يلزمه إتمامه بخلاف بقية العبادات. بحر.
والحاصل: أن الطواف كغيره من العبادات مثل الصلاة والصوم لو شرع فيه على وجه
الإسقاط بأن ظن أنه عليه ثم تبين خلافه لا يلزمه إتمامه، إلا الحج، فإنه يلزمه إتمامه مطلقاً
كما مر أول الفصل.
تنبيه: لو شك في عدد الأشواط في طواف الركن أعاده ولا يبني على غالب ظنه،
بخلاف الصلاة وقيل إذا كان يكثر ذلك يتحرّى، ولو أخبره عدل بعدد يستحب أن يأخذ
بقوله، ولو أخبره عدلان وجب العمل بقولهما. لباب. قال شارحه: ومفهومه أنه لو شك
في أشواط غير الركن لا يعيده، بل يبني على غلبة ظنه، لأن غير الفرض على التوسعة،
والظاهر أن الواجب في حكم الركن لأنه فرض عملي اهـ. قوله: (مكان) بالنصب على أنه
اسم ((إن)) فهو اسم مكان لا ظرف مكان، لأن ظرف المكان لا يقع اسم ((إن)) لأن اسمها
مبتدأ في الأصل، وقوله ((داخل)) بالرفع على أنه خبرها، وقوله ((لا خارجه)) عطف عليه،
ويجوز فيهما النصب على الظرفية، والمتعلق خبر ((إن)) فيكون من ظرفية الأخص في
الأعم، فافهم. قوله: (ولو وراء زمزم) أو المقام أو السواري أو على سطحه ولو مرتفعاً
على البيت. لباب. قوله: (لا بالبیت) لأن حیطان المسجد تحول بینه وبین البیت. بحر عن
المحيط. ومفهومه أنه لو كانت الحيطان متهدمة يصح، وحقق في الفتح أن هذا المفهوم غير
معتبر أخذاً من تعليل المبسوط. قوله: (بنى) أي على ما كان طافه، ولا يلزمه الاستقبال.
فتح. قلت: ظاهره أنه لو استقبل لا شيء عليه فلا يلزمه إتمام الأول، لأن هذا الاستقبال.
للإكمال بالموالاة بين الأشواط، ثم رأيت في اللباب ما يدل عليه حيث قال في فصل
مستحبات الطواف: ومنها استئناف الطواف لو قطعه أو فعله على وجه مكروه. قال شارحه:
لو قطعه: أي ولو بعذر، والظاهر أنه مقيد بما قبل إتيان أكثره اهـ. بقي ما إذا حضرت
الجنازة أو المكتوبة في أثناء الشوط هل يتمه أو لا لم أر من صرّح به عندنا، وينبغي عدم
الإتمام إذا خاف فوت الركعة مع الإمام. وإذا عاد للبناء هل يبني من محل انصرافه أو يبتدئ
الشوط من الحجر؟ والظاهر الأول قياساً على من سبقه الحدث في الصلاة. ثم رأيت
بعضهم نقله عن صحيح البخاري عن عطاء بن أبي رباح التابعي وهو ظاهر قول الفتح: بنى
على ما كان طافه، والله أعلم.
تنبيه: إذا خرج لغير حاجة كره ولا يبطل، فقد قال في اللباب: ولا مفسد للطواف

٥١٠
کتاب الحج
عاد بنى وجاز فيهما أكل وبيع وإفتاء وقراءة لكن الذكر أفضل منها. وفي منسك
النووي: الذكر المأثور أفضل، وأما غير المأثور فالقراءة أفضل، فليراجع (ورمل) أي
مشى بسرعة مع تقارب الخطا وهز كتفيه (في الثلاث الأول)
وعدّ من مكروهاته تفريقه: أي الفصل بين أشواطه تفريقاً كثيراً، وكذا قال في السعي، بل
ذكر في منسكه الكبير: لو فرق السعي تفريقاً كثيراً كأن سعى كل يوم شوطاً أو أقل لم يبطل
سعيه ويستحب أن يستأنف. قوله: (وجاز فيهما أكل ربيع) المصرح به في اللباب كراهة
البيع فيهما وكراهة الأكل في الطواف لا السعي ومثل البيع الشراء، وعدّ الشرب فيهما من
المباحات. قوله: (لكن الذكر أفضل منها) أي من القراءة في الطواف، وهذا ما نقله في
الفتح عن التجنيس وقال: وفي الكافي للحاكم الذي هو جمع كلام محمد يكره أن يرفع صوته
بالقراءة فيه ولا بأس بقراءته في نفسه؛ وفي المنتقى عن أبي حنيفة: لا ينبغي للرجل أن يقرأ
في طوافه، ولا بأس بذكر الله تعالى، ولا ينبو ما ذكره في التجنيس عما ذكره الحاكم، لأن
لا بأس في الأكثر لخلاف الأولى اهـ: أي ومن غير الأكثر قول المنتقى: ولا بأس بذكر الله
تعالى.
ثم قال في الفتح: والحاصل أن هدي النبي وَ $ هو الأفضل، ولم يثبت عنه في
الطواف قراءة، بل الذكر وهو المتوارث من السلف والمجمع عليه، فكان أولى اهـ. قوله:
(فليراجع) أقول: الحاصل من هذه النقول التي ذكرناها آنفاً أن القراءة خلاف الأولى، وأن
الذكر أفضل منها مأثوراً أو لا كما هو مقتضى الإطلاق، إلا أن يراد به الكامل وهو المأثور
فيوافق ما نقله الشارح عن النووي، واستحسنه في شرح اللباب، لكن كون القراءة أفضل من
غير المأثور ينبو عنه قول المنتقى: لا ينبغي أن يقرأ في طوافه فإنه يشعر بالمنع عن القراءة
تنزيهاً، والظاهر عدم المنع عن ذكر غير مأثور يدل عليه ما أسلفناه عن الهداية من أن محمداً
رحمه الله لم يعين في الأصل لمشاهد الحج شيئاً من الدعوات، لأن التوقيت يذهب بالرقة،
وإن تبرك بالمنقول منها فحسن اهـ. وهذا يفيد أن المراد بالذكر هنا مطلقه كما هو قضية
إطلاقهم، على خلاف ما فصله النووي، فليتأمل.
تنبيه: ورد أنه ﴿ قال بين الركنين («رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً الخ)) ولا ينافي ما مر،
لأن الظاهر أن المراد المنع عن قراءة ما ليس فيه ذكر، أو قاله على قصد الذكر أو لبيان
الجواز. تأمل. قوله: (ورمل) أي في كل طواف بعده سعي، وإلا فلا كالاضطباع. بدائع.
قال في النهر: وفي الغاية: لو كان قارناً وقد رمل في طواف العمرة لا يرمل في طواف
القدوم؛ وفي المحيط: لو طاف للتحية محدثاً وسعى بعده كان عليه أن يرمل في طواف
الزيارة، ويسعى بعده لحصول الأول بعد طواف ناقص، وإن لم يعده فلا شيء عليه. قوله :
(وهز كتفيه) مصدر مجرور معطوف على ((تقارب)) وهو أقرب من جعله فعلاً معطوفاً على

٥١١
كتاب الحج
استناناً (فقط) فلو تركه أو نسيه ولو في الثلاثة لم يرمل في الباقي، ولو زحمه الناس وقف
حتى يجد فرجة فيرمل، بخلاف الاستلام لأن له بدلاً (من الحجر إلى الحجر) في كل شوط
(وكلما مرّ بالحجر فعل ما ذكر) من الاستلام (واستلم الركن) اليماني (وهو مندوب)
لكن بلا تقبيل. وقال محمد: هو سنة ويقبله، والدلائل تؤيده، ويكره استلام غيرهما
((مشى)). قوله: (استناناً) ففي مسلمٍ وأبي داود والنسائي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال
(رَمَلَ رَسُولُ الله صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الحَجَرِ إِلَى الحَجَرِ ثَلَاثاً وَمَشَى أَرْبَعاً)) فتح. وقال
ابن عباس: لا يسن، وبه أخذ بعض المشايخ كما في مناسك الكرماني. نهر. قوله: (ولو
في الثلاثة الخ) قال في الفتح: ولو مشى شوطاً ثم تذكر لا يرمل إلا في شوطين، وإن لم
يذكر في الثلاثة لا يرمل بعد ذلك اهـ: أي لأن ترك الرمل في الأربعة سنة، فلو رمل فيها
كان تاركاً للسنتين وترك إحداهما أسهل. بحر. ولو رمل في الكل لا يلزمه شيء ولوالجية،
وينبغي أن يكره تنزيهاً لمخالفة السنة. بحر. قوله: (وقف) وفي شرح الطحاوي: يمشي
حتى يجد الرمل، وهو الأظهر لأن وقوفه مخالف السنة. قاري على النقاية: وفي شرحه على
اللباب: لأن الموالاة بين الأشواط وأجزاء الطواف سنة متفق عليها، بل قيل واجبة فلا
يتركها لسنة مختلف فيها اهـ. قلت: ينبغي التفصيل جمعاً بين القولين بأنه إن كانت الزحمة قبل
الشروع وقف، لأن المبادرة إلى الطواف مستحبة فيتركها لسنة الرمل المؤكدة، وإن حصلت
في الأثناء فلا يقف لثلا تفوت الموالاة. قوله: (لأن له بدلًا) وهو الإشارة إلى الحجر والرمل
لا بدل له. قوله: (من الحجر إلى الحجر) لا إلى الركن اليماني كما قيل. قوله: (في كل
شوط) أي من الثلاثة. قوله: (وكلما مرّ) أي في الأشواط السبعة. قوله: (من الاستلام) فهو
سنة بين كل شوطين كما في غاية البيان.
وذكر في المحيط والولوالجية: أنه في الابتداء والانتهاء سنة، وفيما بين ذلك أدب.
بحر. ووفق في شرح اللباب بأنه في الطرفين آكد مما بينهما، قال: وكذا يسن بين الطواف
والسعي اهـ. وفي الهداية: وإن لم يستطع الاستلام استقبل وكبر وهلل على ما ذكرنا. قال
في الفتح: ولم یذکر المصنف رفع الیدین في کل تکبیر یستقبل به في كل مبدإ شوط،
واعتقادي أن عدم الرفع هو الصواب، ولم أر عنه عليه الصلاة والسلام خلافه. قوله:
(واستلم الركن اليماني) أي في کل شوط، والمراد بالاستلام هنا لمسه بکفیه أو بیمینه دون
يساره بدون تقبيل وسجود عليه ولا نيابة عنه بالإشارة عند العجز عن لمسه للزحمة. شرح
اللباب. قوله: (والدلائل تؤيده) أي تؤيد قوله ((بكونه سنة، وبأنه يقبله)) لكن في شرح
اللباب أن ظاهر الرواية الأول كما في الكافي والهداية وغيرهما؛ وفي الكرماني: وهو
الصحيح؛ وفي النخبة: ما عن محمد ضعيف جداً؛ وفي البدائع: لا خلاف في أن تقبيله ليس
سنة، وفي السراجية: ولا يقبله في أصح الأقاويل. قوله: (ويكره استلام غيرهما) وهو الركن

٥١٢
كتاب الحج
(وختم الطواف باستلام الحجر استناناً ثم صلى شفعاً) في وقت مباح (يجب) بالجيم
على الصحيح (بعد كل أسبوع عند المقام)
العراقي والشامي لأنهما ليسا ركنين حقيقة بل من وسط البيت، لأن بعض الحطيم من
البيت. بدائع. والكراهة تنزيهية كما في البحر. قوله: (ثم صلى شفعاً) أي ركعتين يقرأ
فيهما الكافرون والإخلاص اقتداء بفعله عليه الصلاة والسلام. نهر. ويستحب أن يدعو
بعدهما بدعاء آدم عليه السلام، ولو صلى أكثر من ركعتين جاز ولا تجزئ المكتوبة ولا
المنذورة عنهما ولا يجوز اقتداء مصلیهما بمثله لأن طواف هذا غیر طواف الآخر، ولو طاف
بصبيّ لا يصلي عنه. لباب. قوله: (في وقت مباح) قيد للصلاة فقط، فتكره في وقت
الكراهة، بخلاف الطواف والسنة والموالاة بينهما وبين الطواف، فيكره تأخيرها عنه إلا في
وقت مكروه، ولو طاف بعد العصر يصلي المغرب، ثم ركعتي الطواف، ثم سنة المغرب،
ولو صلاها في وقت مكروه قيل صحت مع الكراهة، ويجب قطعها، فإن مضى فيها فالأحب
أن يعيدها. لباب. وفي إطلاقه نظر لما مر في أوقات الصلاة من أن الواجب ولو لغيره
كركعتي الطواف والنذر لا تنعقد في ثلاثة من الأوقات المنهية: أعني الطلوع والاستواء
والغروب، بخلاف ما بعد الفجر، وصلاة العصر فإنها تنعقد مع الكراهة فيهما. قوله: (على
الصحيح) وقيل يسن. قهستاني. قوله: (بعد كل أسبوع) أي على التراخي ما لم يرد أن
يطوف أسبوعاً آخر، فعلى الفور. بحر. وفي السراج: يكره عندهما الجمع بين أسبوعین،
أو أكثر بلا صلاة بينهما وإن انصرف عن وتر. وقال أبو يوسف: لا يكره إذا انصرف عن وتر
كثلاثة أسابيع أو خمسة أو سبعة، والخلاف في غير وقت الكراهة، أما فيه فلا يكره إجماعاً
ويؤخر الصلاة إلى وقت مباح اهـ. وإذا زال وقت الكراهة هل يكره الطواف قبل الصلاة لكل
أسبوع ركعتين؟ قال في البحر: لم أره، وينبغي الكراهة لأن الأسابيع حينئذ صارت كأسبوع
واحد اهـ. ولو تذكر ركعتي الطواف بعد شروعه في آخر: فإن قبل تمام شوط رفضه، وإلا
أتم الطواف، وعليه لكل أسبوع ركعتان. لباب؛ وأطلق الأسبوع فشمل طواف الفرض
والواجب والسنة والنفل، خلافاً لمن قيد وجوب الصلاة بالواجب. قال في الفتح: وهو
ليس بشيء لإطلاق الأدلة اهـ.
والظاهر أن المراد بالأسبوع الطواف لا العدد، حتى لو ترك أقل الأشواط لعذر مثلاً
وجبت الركعتان، وعليه موجب ما ترك فليراجع. وأما قوله في شرح اللباب: تجب بعد كل
طواف ولو أدى ناقصاً فيحتمل نقصان العدد، ونقصان الوصف كالطواف مع الحدث
والجنابة، والظاهر أن مراده الثاني. قوله: (عند المقام) عبارة اللباب ((خلف المقام)) قال:
والمراد به ما يصدق عليه ذلك عادة، وعرفاً مع القرب، وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه
إذا أراد أن يركع خلف المقام جعل بينه وبين المقام صفاً أو صفين، أو رجلًا أو رجلين.

٥١٣
كتاب الحج
حجارة ظهر فيها أثر قدمي الخليل (أو غيره من المسجد) وهل يتعين المسجد؟ قولان
(ثم) التزم الملتزم وشرب من ماء زمزم و (عاد) إن أراد السعي (واستلم الحجر وكبر
وهلل وخرج)
رواه عبد الرزاق اهـ. قوله: (حجارة إلخ) ذكره في البحر عن تفسير القاضي، لكن عبر
بحجر بالإفراد، وأنه الموضع الذي كان فيه حين قام عليه ودعا الناس إلى الحج، وحرر
بعض العلماء الأعلام أن الحجر الذي في المقام ارتفاعه من الأرض نصف ذراع وربع
وثمن، وأعلاه مربع من كل جانب نصف ذراع وربع وعمق غوص القدمين سبع قراريط.
ونصف. قوله: (قولان) لم أر من حكى القولين، سوى ما توهمه عبارة النهر وفيها نظر،
والمشهور في عامة الكتب أن صلاتها في المسجد أفضل من غيره. وفي اللباب: ولا تختص
بزمان ولا مكان ولا تفوت، فلو تركها لم تجبر بدم، ولو صلاها خارج الحرم، ولو بعد
الرجوع إلى وطنه جاز ويكره، ويستحب مؤكداً أداؤها خلف المقام، ثم في الكعبة، ثم في
الحجر تحت الميزاب، ثم كل ما قرب من الحجر، ثم باقي الحجر، ثم ما قرب من البيت،
ثم المسجد ثم الحرم، ثم لا فضيلة بعد الحرم بل الإساءة اهـ. قوله: (ثم التزم المتزم الخ)
هو ما بين الحجر الأسود إلى الباب. هذا وفي الفتح: ويستحب أن يأتي زمزم بعد الركعتين
ثم يأتي الملتزم قبل الخروج إلى الصفا، وقيل يأتي الملتزم، ثم يصلي، ثم يأتي زمزم، ثم
يعود إلى الحجر. ذكره السروجي اهـ. والثاني هو الأسهل والأفضل وعليه العمل. شرح
اللباب، وما ذكره الشارح مخالف للقولين ظاهراً، لكن الواو لا تقتضي الترتيب فيحمل على
القول الأول، وقد ذكر في شرح اللباب في طواف الصدر أنه هو المشهور من الروايات،
وهو الأصح كما صرح به الكرماني والزيلعي اهـ. وقال هنا: ولم يذكر في كثير من الكتب
إتيان زمزم والملتزم فيما بين الصلاة والتوجه إلى الصفا، ولعله لعدم تأكده.
مَطْلَبٌ فِي السَّعْي بَيْنْ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ
قوله: (إن أراد السعي) أفاد أن العود إلى الحجر إنما يستحب لمن أراد السعي بعده،
وإلا فلا، كما في البحر وغيره، وكذا الرمل والاضطباع تابعاً لطواف بعده سعي كما قدمناه،
وأشار إلى ما في النهر من أن السعي بعد طواف القدوم رخصة لاشتغاله يوم النحر بطواف
الفرض والذبح والرمي، وإلا فالأفضل تأخيره إلى ما بعد طواف الفرض، لأنه واجب،
فجعله تبعاً للفرض أولى، كذا في التحفة وغيرها اهـ. لكن ذكر في اللباب خلافاً في
الأفضلية، ثم قال: والخلاف في غير القارن، أما القارن فالأفضل له تقديم السعي أو
يسن اهـ. وأشار أيضاً إلى أن السعي بعد الطواف، فلو عكس أعاد السعي لأنه تبع له.
وصرح في المحيط بأن تقديم الطواف شرط لصحة السعي، وبه علم أن تأخير السعي
واجب، وإلى أنه لا يجب بعده فوراً، والسنة الاتصال به. بحر فإن أخره لعذر أو ليستريح من

٥١٤
كتاب الحج
من باب الصفا ندباً (فصعد الصفا) بحيث يرى الكعبة من الباب (واستقبل البيت روكبر
وهلل وصلى على النبيّ وَلِ﴾﴾ بصوت مرتفع. خانية (ورفع يديه) نحو السماء (ودعا)
لختمه العبادة (بما شاء) لأن محمداً لم يعين شيئاً لأنه يذهب برقة القلب، وإن تبرك
بالمأثور فحسن (ثم مشى نحو المروة ساعياً بين الميلين الأخضرين)
تعبه فلا بأس، وإلا فقد أساء ولا شيء عليه. لباب. قوله: (من باب الصفا ندباً) كذا في
السراج لخروجه منه عليه الصلاة والسلام. وفي الهداية: أن خروجه منه عليه الصلاة
والسلام لأنه كان أقرب الأبواب إلى الصفا لا أنه سنة. قوله: (فصعد الصفا إلخ) هذا
الصعود وما بعده سنة، فيكره أن لا يصعد عليهما. بحر عن المحيط: أي إذا كان ماشياً،
بخلاف الراکب کما في شرح المرشدي.
واعلم أن كثيراً من درجات الصفا دفنت تحت الأرض بارتفاعها، حتى أن من وقف
على أول درجة من درجاتها الموجودة أمكنه أن يرى البيت، فلا يحتاج إلى الصعود، وما
يفعله بعض أهل البدعة والجهلة من الصعود حتى يلتصقوا بالجدار، فخلاف طريقة أهل
السنة والجماعة. شرح اللباب. قوله: (وكبر إلخ) في اللباب: فيحمد الله تعالى ويثني
عليه، ويكبر ثلاثاً ويهلل، ويصلي على النبي وَّر، ثم يدعو للمسلمين ولنفسه بما شاء،
ويكرر الذكر مع التكبير ثلاثاً، ويطيل المقام عليه اهـ: أي قدر ما يقرأ سورة من المفصل كما
في شرحه عن العدة لصاحب الهداية. قوله: (بصوت مرتفع) اقتصر في الخانية على ذكر
التكبير والتهليل وقال: يرفع صوته بهما اهـ. وأما الصلاة على النبي ◌َّ فقد قدمنا في دعاء
التلبية أنه يخفض صوته بها فيحتمل أن يكون هنا كذلك. تأمل.
تنبيه: في اللباب: ويلبي في السعي الحاج لا المعتمر، زاد شارحه: ولا اضطباع فيه
مطلقاً عندنا كما حققناه في رسالة، خلافاً للشافعية. قوله: (ورفع يديه) أي حذاء منكبيه.
لباب وبحر. قوله: (لختمه العبادة) قال في السراج: وإنما ذكر الدعاء ها هنا ولم يذكره عند
استلام الحجر، لأن الاستلام حالة ابتداء العبادة، وهذا حالة ختمها، لأن ختم الطواف
بالسعي والدعاء يكون عند الفراغ منها لا عند ابتدائها كما في الصلاة اهـ. وفيه أن هذا ابتداء
السعي لا ختم الطواف، إلا أن يقال: إن السعي إنما يتحقق عند النزول عن الصفا، أما
الصعود عليها فقد تحقق عنده ختم الطواف لقصده الانتقال عنه إلى عبادة أخرى تابعة له،
فتأمل. قوله: (لأنه يذهب برقة القلب) أي لأنه بسبب حفظه له يجري على لسانه بلا حضور
قلب، وهذا بخلاف الدعاء في الصلاة فإنه ينبغي الدعاء فيها بما يحفظه لئلا يجري على لسانه
ما يشبه كلام الناس فتفسد صلاته، كما نقله ط عن الولوالجية. قوله: (وإن تبرك بالمأثور
فحسن) أي في هذا الموضع وغيره من مناسك الحج، وقد ذكرت ذلك في رسالتي ((بغية
الناسك في أدعية المناسك)). قوله: (ثم مشى نحو المروة) قال في اللباب: ثم يهبط نحو

٥١٥
كتاب الحج
المتخذين في جدار المسجد (وصعد عليها وفعل ما فعله على الصفا يفعل هكذا سبعاً،
يبدأ بالصفا ويختم) الشوط السابع (بالمروة) فلو بدأ بالمروة لم يعتدّ بالأول هو الأصح،
وندب ختمه بركعتين في المسجد كختم الطواف
المروة ساعياً ذاكراً ماشياً على هينته، حتى إذا كان دون الميل المعلق في ركن المسجد قيل
بنحو ستة أذرع سعى سعياً شديداً في بطن الوادي، حتى يجاوز الميلين، ثم يمشي على
هيئته، حتى يأتي المروة، ويستحب أن يكون السعي بين الميلين فوق الرمل دون العدو،
وهو في كل شوط: أي بخلاف الرمل في الطواف، فإنه مختص بالثلاثة الأول خلافاً لمن
جعله مثله، فلو تركه أو هرول في جميع السعي فقد أساء ولا شيء عليه، وإن عجز عنه صبر
حتى يجد فرجة، وإلا تشبه بالساعي في حركته، وإن كان على دابة حركها من غير أن يؤذي
أحداً اهـ. وقوله: قيل بنحو ستة أذرع، قال شارحه: هو منسوب للشافعي، وذكر أيضاً في
بعض المناسك لأصحابنا اهـ.
قلت: ونقله في المعراج عن شرح الوجيز وقال: إن الميل كان على متن الطريق في
الموضع الذي يبتدأ منه السعي، فكان يهدمه السيل فرفعوه إلى أعلى ركن المسجد، ولذا
سمي معلقاً فوقع متأخراً عن ابتداء السعي بستة أذرع لأنه لم يكن موضع أليق منه. والميل
الثاني متصل بدار العباس اهـ. ونقله في الشرنبلالية أيضاً وأقره، ونقله بعض المحشين عن
منسك ابن العجمي والطرابلسي والبحر العميق وغيرهم.
قلت: ولا ينافيه قول المتون ساعياً بين الميلين لأنه باعتبار الأصل. قوله:
(المتخذين) في نسخة ((المنحوتين)). قوله: (وصعد عليها) أي باعتبار الزمن الأول، أما
الآن فمن وقف على الدرجة الأولى، بل على أرضها يصدق أنه طلع عليها. شرح اللباب.
قوله: (وفعل ما فعله على الصفا) أي من الاستقبال بأن يميل إلى يمينه أدنى ميل ليتوجه إلى
البيت، وإلا فالبيت لا يبدو اليوم لحجبه بالبنيان، ومن التكبير والذكر والدعاء المشتمل
على الصلاة والثناء. شرح اللباب. قوله: (يبدأ بالصفا الخ) فيه إشارة إلى أن الذهاب إلى
المروة شوط والعود منها إلى الصفا شوط، وهو الصحيح. وقال الطحاوي: إن الذهاب
والعود شوط واحد كالطواف، فإنه من الحجر إلى الحجر شوط، وتمامه في الفتح وغيره.
قوله: (فلو بدأ بالمروة الخ) قدمنا الكلام عليه في الواجبات. قوله: (وندب الخ) ذكره في
الخانية وغيرها، وقوله ((كختم الطواف)) ليكون ختم السعي كختم الطواف كما أن مبدأهما
بالاستلام. قال في الفتح: ولا حاجة إلى هذا القياس إذ فيه نص، وهو ما روى المطلب بن
أبي وداعة قال: ((رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ بَالِحِينَ فَرَغَ مِنْ سَعْبِهِ جَاءَ حَتَّى إِذَا حَاذَى الرُّكْنَ فَصَلَّى
رَكْعَتَيْنْ فِي حَاشِيَةِ المَطَافِ وَلَيْسَ بَينَهُ وَبَين الطائفین أَحَدٌ» رواه أحمد وابن ماجة وابن حبان،
1

٥١٦
كتاب الحج
(ثم سكن بمكة محرماً) بالحج، ولا يجوز فسخ الحج بالعمرة عندنا (وطاف بالبيت نفلاً
ماشياً) بلا رمل وسعي، وهو أفضل من الصلاة نافلة للآفاقي وقلبه للمكي. وفي البحر:
ينبغي تقييده بزمن الموسم وإلا فالطواف أفضل من الصلاة مطلقاً (وخطب الإمام)
وقال في روايته: ((رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ يُصَلِّ حَذْوَ الرُّكْنِ الأَسْوَدِ وَالرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَمُرُّونَ
بَيْنْ يَدِيهِ، مَا بَينَهُم وَبَينَهُ سُتْة) وتمامه فيه.
مَطْلَبٌ فِي عَدَمٍ مَنْعِ المَارُ بَيْنْ يَدَي المُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ
تنبيه: قال العلامة قطب الدين في منسكه: رأيت بخط بعض تلامذة الكمال بن
الهمام في حاشية الفتح: إذا صلى في المسجد الحرام ينبغي أن لا يمنع المارّ لهذا الحديث،
وهو محمول على الطائفين، لأن الطواف صلاة فصار كمن بين يديه صفوف من
المصلين اهـ. وقال: ثم رأيت في البحر العميق: حكى عز الدين بن جماعة عن ((مشكلات
الآثار)) للطحاوي أن المرور بين يدي المصلي بحضرة الكعبة يجوز اهـ.
قلت: وهذا فرع غریب فلیحفظ. قوله: (ثم سکن بمكة محرماً) إنما عبر بالسكنی دون
الإقامة لإيهامها الإقامة الشرعية، وهي لا تصح لما في البحر من باب صلاة المسافر إذا دخل
الحاج مكة في أيام العشر ونوى الإقامة نصف شهر لا يصح لأنه لا بد له من الخروج إلى
عرفات، فلا يتحقق اتحاد الموضع الذي هو شرط صحة نية الإقامة ط. قوله: (بالحج) إنما
ذكره وإن كان القارن والمتمتع الذي ساق الهدي كذلك، لأن الباب معقود للمفرد ط.
قوله: (ولا يجوز الخ) الأولى التفريع بالفاء على قوله ((محرماً بالحج)) كما فعل في البحر: أي
لا يجوز أن يفسخ نية الحج بعد ما أحرم به، ويقطع أفعاله ويجعل إحرامه وأفعاله للعمرة.
لباب، وأما أمره عليه الصلاة والسلام بذلك أصحابه إلا من ساق الهدي فمخصوص بهم أو
منسوخ. نهر، وقد أوضح المقام المحقق ابن الهمام. قوله: (بلا رمل وسعي) لأن الرمل
وكذا الاضطباع تابعان لطواف بعده سعي، والسعي من واجبات الحج والعمرة فقط، وهذا
الطواف تطوّع فلا سعي بعده. قال في الشرنبلالية عن الكافي: لأن التنفل بالسعي غير
مشروع. قوله: (وهو) أي الطواف. قوله: (ينبغي تقييده) أي تقييد كون الصلاة النافلة
أفضل من طواف التطوع في حق المكي بزمن الموسم لأجل التوسعة على الغرباء. وقوله
مطلقاً: أي للمكي والآفاقي في غير الموسم، وقد أقرّه على هذا البحث في النهر.
قلت: لكن يخالفه ما في الولوالجية ونصه: الصلاة بمكة أفضل لأهلها من الطواف،
وللغرباء الطواف أفضل، لأن الصلاة في نفسها أفضل من الطواف، لأن النبي وَل قر شبه
الطواف بالبيت بالصلاة، لكن الغرباء لو اشتغلوا بها لفاتهم الطواف من غير إمكان التدارك
فکان الاشتغال بما لا یمکن تداركه أولی اهـ.

٥١٧
كتاب الحج
أولى خطب الحج الثلاث (سابع ذي الحجة بعد الزوال و) بعد (صلاة الظهر) وكره قبله
(وعلم فيها المناسك فإذا صلى بمكة الفجر) يوم التروية (ثامن الشهر خرج إلى منى)
قرية من الحرم على فرسخ من مكة
مَطْلَبٌ: الصَّلَةُ أَفْضَلُ مِنَ الطَّوَافِ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ العُمْرَةِ
تنبيه: في شرح المرشدي على الكنز قولهم: إن الصلاة أفضل من الطواف، ليس
مرادهم أن صلاة ركعتين مثلاً أفضل من أداء أسبوع لأن الأسبوع مشتمل على ركعتين مع
زيادة، بل مرادهم به أن الزمن الذي يؤدى فيه أسبوعاً هل الأفضل فيه أن يصرفه للطواف أم
يشغله بالصلاة؟ اهـ. ونظيره ما أجاب به العلامة القاضي ابراهيم بن ظهيرة المكي حيث
سئل: هل الأفضل الطواف أو العمرة؟ من أن الأرجح تفضيل الطواف على العمرة إذا شغل
به مقدار زمن العمرة، إلا إذا قیل إنها لا تقع إلا فرض کفایة فلا یکون الحکم کذلك.
تتمة: سكت المصنف عن دخول البيت، ولا شك أنه مندوب إذا لم يشتمل على
إيذاء نفسه أو غيره وهذا مع الزحمة قلما یکون. نهر.
مَطْلَبِ فِي دُخُولِ البَيْتِ الشَّرِيفِ
قلت: وكذا إذا لم يشتمل على دفع الرشوة التي يأخذها الحجبة كما أشار إليه منلا
علي، وسيأتي تمام الكلام على الدخول عند ذكر الشارح له في الفروع آخر الحج. قوله:
(أولى خطب الحج الثلاث) ثانيها بعرفة قبل الجمع بين الصلاتين، ثالثها بمنى في اليوم
الحادي عشر، فيفصل بين كل خطبة بيوم وكلها خطبة واحدة بلا جلسة في وسطها إلا خطبة
يوم عرفة، وكلها بعد ما صلى الظهر إلا بعرفة، وكلها سنة. لباب. ولم يذكر المصنف ولا
الشارح الخطبة الثالثة في موضعها. قوله: (وکره قبله) أي قبل الزوال. سراج.
مَطْلَبْ فِي الرَّوَاحِ إِلَى عَرَفَاتٍ
قوله: (وعلم فيها المناسك) أي التي يحتاج إليها يوم عرفة من كيفية الإحرام
والخروج إلى منى والمبيت بها والرواح منها إلى عرفة والصلاة بها والوقوف فيها والإفاضة
منها وغير ذلك، أو جميع ما يحتاج إليه الحاج إلى تمام حجه وإن كان بعدها خطب لأن
التأكيد خير. قوله: (فإذا صلى بمكة الفجر الخ) كذا في الهداية. وقال الكمال: ظاهر هذا
الترتيب إعقاب صلاة الفجر بالخروج إلى منى وهو خلاف السنة، واستحسن في المحيط
كونه بعد الزوال، وليس بشيء. وقال المرغيناني: بعد طلوع الشمس، وهو الصحيح.
قوله: (يوم التروية) سمي به لأنهم كانوا يروون إبلهم فيه استعداداً للوقوف يوم عرفة إذ لم
يكن في عرفات ماء جار كزماننا. شرح اللباب.
فائدة: في مناسك النووي: يوم التروية هو الثامن، واليوم التاسع عرفة، والعاشر

٥١٨
كتاب الحج
(ومكث بها إلى فجر عرفة ثم) بعد طلوع الشمس (راح إلى عرفات) على طريق ضبّ (و)
عرفات (كلها موقف إلا بطن عرنة) بفتح الراء وضمها: واد من الحرم غربي مسجد عرفة
(فبعد الزوال قبل) صلاة (الظهر خطب الإمام) في المسجد (خطبتين كالجمعة وعلم
النحر، والحادي عشر القرّ بفتح القاف وتشديد الراء لأنهم يقرون فيه بمنى، والثاني عشر
يوم النفر الأول، والثالث عشر النفر الثاني. قوله: (ومكث بها إلى فجر عرفة) أفاد طلب
المبيت بها فإنه سنة كما في المحيط؛ وفي المبسوط: يستحب أن يصلي الظهر يوم التروية
بمنى ويقيم بها إلى صبيحة عرفة اهـ. ويصلي الفجر بها لوقتها المختار، وهو زمان الإسفار،
وفي الخانية: بغلس، فكأنه قاسه على فجر مزدلفة والأكثر على الأول، فهو الأفضل.
شرح اللباب. وفي مناسك النووي: وأما ما يفعله الناس في هذه الأزمان من دخولهم أرض
عرفات في اليوم الثامن فخطأ مخالف للسنة، ويفوتهم بسببه سنن كثيرة منها الصلوات بمنى
والمبيت بها، والتوجه منها إلى نمرة والنزول بها والخطبة والصلاة قبل دخول عرفات وغير
ذلك اهـ. وقوله: والتوجه منها إلى نمرة والنزول بها، فيه عندنا كلام يأتي قريباً. قوله: (ثم
بعد طلوع الشمس) لما كانت عبارة المصنف موهمة كعبارة الكنز خلاف المراد، قيدها
بذلك تبعاً للفتح وغيره من شروح الهداية. قال في غاية البيان: صرح به في شرح الطحاوي
وشرح الكرخي والإيضاح وغيرها. قال في الإيضاح: وإذا طلعت الشمس يوم عرفة خرج
إلى عرفات لأنه عليه الصلاة والسلام فعل كذلك، ثم قال: وإن دفع قبله جاز، والأول
أولى اهـ. ومثله في السراج فافهم. قوله: (راح إلى عرفات) قال في المعراج: وينزل
بعرفات في أي موضع شاء، إلا الطريق وقرب جبل الرحمة أفضل. قال الأئمة الثلاثة: في
نمرة أفضل لنزوله عليه الصلاة والسلام فيه. قلنا: نمرة من عرفة ونزوله عليه الصلاة
والسلام فيه لم يكن عن قصد اهـ. وهذا مخالف لما في الفتح من أن السنة أن ينزل الإمام
بنمرة، ولما نقلوه عن الإمام رشيد الدين من أنه ينبغي أن لا يدخل عرفة حتى ينزل بنمرة
قريباً من المسجد إلى زوال الشمس، ووفق في شرح اللباب بأن هذا بالنسبة إلى الإمام لا
غيره أو بأن النزول أولاً بنمرة ثم بقرب جبل الرحمة. تأمل. قوله: (على طريق ضب) بفتح
الضاد المعجمة وتشديد الموحدة، وهو اسم للجبل الذي يلي مسجد الخيف. شرح
اللباب. قوله: (كلها موقف) بكسر القاف: أي موضع وقوف. نهر. قوله: (إلا بطن عرنة)
فلا يصح الوقوف بها على المشهور كما سيأتي. قوله: (بفتح الراء) أي مع ضم العين
كهمزة. قاموس. قوله: (فبعد الزوال خطب الخ) أي فإذا وصل إلى عرفة ومكث بها داعياً
مصلياً ذاكراً ملبياً، فإذا زالت الشمس اغتسل أو توضأ والغسل أفضل، ثم سار إلى
المسجد: أي مسجد نمرة بلا تأخير، فإذا بلغه صعد الإمام الأعظم أو نائبه المنبر، ويجلس
عليه ويؤذن المؤذن بين يديه، فإذا فرغ قام الإمام فخطب خطبتين، فيحمد الله تعالى،

٥١٩
كتاب الحج
فيها المناسك و) بعد الخطبة (صلى بهم الظهر والعصر بأذان وإقامتين) وقراءة سرية،
ولم يصلّ بينهما شيئاً على المذهب ولا بعد أداء العصر في وقت الظهر.
ويثني عليه، ويلبي، ويهلل ويكبر، ويصلي على النبي وَّر، ويعظ الناس، ويأمرهم،
وينهاهم، ويعلمهم المناسك كالوقوف بعرفة والمزدلفة والجمع بهما والرمي والذبح
والحلق والطواف، وسائر المناسك التي إلى الخطبة الثالثة، ثم يدعو الله تعالى، وينزل.
لباب. فإن ترك الخطبة أو خطب قبل الزوال أجزأه وقد أساء. جوهرة. وقول الزيلعي:
جاز: أي صح مع الكراهة. شرنبلالية. قوله: (وبعد الخطبة صلى بهم) ظاهره عدم تأخير
الصلاة، وهو صريح قول البدائع، فإذا زالت الشمس صعد الإمام المنبر، فإذا فرغ من
الخطبة أقام المؤذنون ويصلي الإمام الخ، ونحوه في اللباب وفي البحر عن المعراج: أنه
يؤخر هذا الجمع إلى آخر وقت الظهر، ونحوه في شرح قاضيخان على الجامع الصغير.
قال في شرح اللباب: وفيه أنه يلزم منه تأخير الوقوف، وينافي حديث جابر رضي الله عنه:
حتى إذا زاغت الشمس، فإن ظاهره أن الخطبة كانت في أول الزوال فلا تقع الصلاة في
آخره. قوله: (بأذان) أي واحد لأنه للإعلام بدخول الوقت، وهو واحد، وقوله ((وإقامتين))
أي يقيم للظهر ثم يصليها ثم يقيم للعصر، لأن الإقامة لبيان الشروع في الصلاة. قوله:
(وقراءة سرية) لأنهما صلانا نهار كسائر الأيام. سراج. قوله: (ولم يصل بينهما شيئاً) أي
ولا السنة الراتبة. قال في اللباب: وإن أخر الإمام صلاة العصر لا يكره للمأموم التطوّع
بينهما إلى أن يدخل الإمام في العصر. قوله: (على المذهب) وهو ظاهر الرواية.
شرنبلالية، وهو الصحيح، فلو فعل كره وأعاد الأذان للعصر لانقطاع فوره فصار كالاشتغال
بينهما بفعل آخر. بحر: أي كأكل وشرب فإنه يعيد الأذان. سراج. وما في الذخيرة
والمحيط والكافي من استثناء سنة الظهر فخلاف الحديث وإطلاق المشايخ. فتح.
تنبيه: أخذ من هذا العلامة السيد محمد صادق بن أحمد بادشاه أنه يترك تكبير التشريق
هنا، وفي المزدلفة بين المغرب والعشاء لمراعاة الفورية الواردة في الحديث، كما نقله عنه
الكازروني في فتاواه.
قلت: وفيه نظر، فإن الوارد في الحديث ((أَنَّهُ وَّهِ صلى الظُّهْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى العَصْرَ
وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنْهُمَا شَيْئًا)) ففيه التصريح بترك الصلاة بينهما، ولا يلزم منه ترك التكبير ولا يقاس
على الصلاة لوجوبه دونها، ولأن مدته يسيرة حتى لم يعد فاصلاً بين الفريضة والراتبة.
والحاصل: أن التكبير بعد ثبوت وجوبه عندنا لا يسقط هنا إلا بدليل، وما ذكر لا
يصلح للدلالة كما علمته، هذا ما ظهر لي والله تعالى أعلم. قوله: (ولا بعد أداء العصر في
وقت الظهر) سقطت هذه الجملة من بعض النسخ، وعزاها في الشرنبلالية إلى شرح
الوهبانية لابن الشحنة .

٥٢٠
كتاب الحج
(وشرط) لصحة هذا الجمع الإمام الأعظم أو نائبه وإلا صلوا وحداناً
مَطْلَبٌ فِي شُرُوطِ الجَمْعِ بَيْن الصَّلَاتَيْنْ بِعَرَفَةً
قوله: (وشرط لصحة هذا الجمع الخ) اختلف في هذا الجمع هل هو سنة أو
مستحب؟ وما قيل إن تقديم العصر عند الإمام واجب لصيانة الجماعة ينبغي حمله على معنى
ثبت. شرح اللباب.
تنبيه: اقتصر من الشروط على الإمام والإحرام. وزاد في اللباب تقديم الظهر على
العصر، حتى لو تبين للإمام وقوع الظهر قبل الزوال أو بغير وضوء والعصر بعده أو بوضوء
أعادهما جميعاً، والزمان وهو يوم عرفة، والمكان وهو عرفة وما قرب منها، والجماعة،
فالشروط ستة.
قلت: لكن الأخير داخل في الأول، فإن معنى اشتراط الإمام اشتراط صلاته بهم لا
وجوده فيهم على أنه في البحر قال: إن الجماعة غير شرط، حتى لو لحق الناس فزع فصلى
الإمام وحده الصلاتين جاز بالإجماع على الصحيح، كذا في الوجيز؛ ثم نقل عن البدائع أن
الجماعة شرط الجمع عند أبي حنيفة لكن في حق غير الإمام لا في حق الإمام، ثم قال: فما
في النقاية والجوهرة والمجمع من اشتراط الجماعة ضعيف، واعترضه في النهر بأنه نقله
غير واحد وصححه الإسبيجابي، وبأن الجواز في مسألة الفزع للضرورة اهـ.
قلت: ما مر عن البدائع يصلح توفيقاً بين الكلامين والتصحیحین فتدبر، ثم يكفي
إدارك جزء من الصلاتين مع الإمام، حتى لو أدرك بعض الظهر ثم قام يقضي ما فاته ثم أدرك
جزءاً من العصر معه يكفي كما أفاده في البحر واللباب. قوله: (الإمام الأعظم) أي
الخليفة. بحر. وقوله ((أو نائبه)) أي ولو بعد موت الإمام فإنه يجمع نائبه أو صاحب شرطه،
لأن النواب لا ينعزلون بموت الخليفة. بحر. وأطلق الإمام فشمل المقيم والمسافر، لكن
لو كان مقيماً كإمام مكة صلى بهم صلاة المقيمين، ولا يجوز له القصر ولا للحجاج الاقتداء
به(١). قال الإمام الحلواني: كان الإمام النسفي يقول: العجب من أهل الموقف يتابعون
إمام مكة في القصر، فأنى يستجاب لهم أو يرجى لهم الخير وصلاتهم غير جائزة. قال
شمس الأئمة: كنت مع أهل الموقف فاعتزلت، وصليت كل صلاة في وقتها وأوصيت
بذلك أصحابي، وقد سمعنا أنه يتكلف ويخرج مسيرة سفر ثم يأتي عرفات، فلو كان هكذا
فالقصر جائز، وإلا لا، فيجب الاحتياط اهـ ملخصاً من التاترخانية عن المحيط. قوله:
(وإلا صلوا وحداناً) يوهم جواز صلاة العصر في وقت الظهر، وعدم جواز الجماعة لو
صليت العصر في وقتها وليس بمراد، فالأصوب قول الزيلعي: صلوا كل واحدة منهما في
وقتها. أفاده ح. ويمكن الجواب بأن ((وحداناً)) حال من مفعول ((صلوا)) لا من فاعله: أي
(١) في ط (قوله الاقتداء به الخ) أي في حال قصره، أما إذا صلى صلاة المقيمين فيقتدون به.