النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١
كتاب الصوم / باب الاعتكاف
لكن قال ابن كمال: لا يكره الأكل والشرب والنوم فيه مطلقاً، ونحوه في المجتبى (و)
يكره تحريماً (صمت) إن اعتقده قربة وإلا لا، لحديث ((من صمت نجا)) (١) ويجب: أي
الصمت كما في غرر الأذكار عن شر لحديث ((رحم الله امرأ تكلم فغنم، أو سكت
فسلم»(٢) (وتكلم إلا بخير) وهو ما لا إثم فيه،
غير المعتكف. قوله: (لكن إلخ) استدراك على ما في الأشباه، وعبارة ابن الكمال عن
جامع الإسبيجابي: لغير المعتكف أن ينام في المسجد مقيماً كان أو غريباً أو مضطجعاً أو
متكئاً رجلاه إلى القبلة أو إلى غيرها، فالمعتكف أولى اهـ. ونقله أيضاً في المعراج، وبه
يعلم تفسير الإطلاق. قال ط: لكن قوله: رجلاه إلى القبلة، غير مسلّم لما نصوا عليه من
الكراهة اهـ. ومفاد كلام الشارح ترجيح هذا الاستدراك، والظاهر أن مثل النوم الأكل
والشرب إذا لم يشغل المسجد ولم يلوثه، لأن تنظيفه واجب كما مر، لكن قال في متن
الوقاية: ويأكل: أي المعتكف ويشرب وينام ويبيع ويشتري فيه لا غيره. قال منلا علي في
شرحه: أي لا يفعل غير المعتكف شيئاً من هذه الأمور في المسجد اهـ. ومثله في
القهستاني ثم نقل ما مر عن المجتبى. قوله: (وصمت) عدل عن السكوت للفرق بينهما،
وذلك أن السكوت ضم الشفتين، فإن طال سمي صمتاً. نهر. وإنما كره لأنه ليس في
شريعتنا لقوله عليه الصلاة والسلام ((لَا يُثْمَ بَعْدَ اخْتِلَامِ وَلَ صُمَاتَ يَومٍ إِلَى اللَّيْلِ))(٣) رواه أبو
داود وأسند أبو حنيفة عن أبي هريرة رضي الله تعالىَ ((عنه أَن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ
نَهَى عَنْ صَوْمِ الوِصَالِ وَعَنْ صَوْمِ الصَّمْتِ)»(٤) فتح. قوله: (ويجب) لم يقل يفترض ليشمل
الواجب، فإن الكلام قد يكون حراماً كالغيبة مثلاً، وقد يكره كإنشاد شعر قبيح، وكذا كره
لترويج سلعة، فالصمت عن الأول فرض وعن الثاني واجب، فافهم. قوله: (وتكلم إلا
بخير) فيه التفريغ في الإيجاب، إلا أن يقال: إنه نفى معنى. ط عن الحموي: أي لأن كره
بمعنى لا يفعل كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَيَأْبَى اللّهُ إِلَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢] وقوله
﴿وَإِنَّا لَكَبِيرَةٌ إِلَّ عَلَى الخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] لأنه بمعنى لا يريد، ومعنى لا تسهل كما
ذكره ابن هشام في آخر المغني، ويحتمل كون ((إلا)) بمعنى ((غير)) كما في ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ
إِلَّ اللّه لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] ولم يدخل عليها حرف الجر، بل تخطاها لما بعدها لأنها
على صورة الحرفية، والأولى جعل الجارّ متعلقاً بمحذوف، والاستثناء من تكلم المذكور.
والمعنى: وكره تكلم إلا تكلما بخير، فحذف المتعلق الخاص للقرينة، فيكون الاستثناء من
أخرجه الترمذي (٢٥٠١) وأحمد في المسند ١٥٩/٢ والدارمي ٢٩٩/٢.
(١)
ذكره العجلوني في الکشف ١/ ٥١٤ وعزاه للدیلمي عن أنس.
(٢)
(٣)
أبو داود (٢٨٧٣) وذكره المتقي الهندي في الكنز (٩٠٤٩٩).
أخرجه أبو حنيفة كما جامع مسانيد الإمام ٤٧٦/١.
(٤)
٤٤٢
كتاب الصوم / باب الاعتكاف
ومنه المباح عند الحاجة إليه لا عند عدمها، وهو محمل ما في الفتح أنه مكروه في
المسجد، يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب كما حققه في النهر (كقراءة قرآن
وحديث وعلم) وتدريس في سير الرسول عليه الصلاة والسلام وقصص الأنبياء عليهم
السلام وحكايات الصالحين وكتابة أمور الدين (وبطل بوطء في فرج) أنزل أم لا (ولو)
كان وطؤه خارج المسجد (ليلاً) أو نهاراً عامداً (أو ناسياً) في الأصح لأن حالته مذكرة
(و) بطل (بإنزال بقبلة أو لمس) أو تفخيذ، ولو لم ينزل لم يبطل وإن حرم الكل لعدم
كلام تام موجب. تأمل. قوله: (ومنه المباح الخ) أي مما لا إثم فيه، وهذا ما استظهره في
النهر أخذاً من العناية، وبه رد على ما في البحر من أن الأولى تفسير الخير بما فيه ثواب،
فيكره للمعتكف التكلم بالمباح، بخلاف غيره: أي غير المعتكف اهـ.، بأنه لا شك في
عدم استغنائه عن المباح عند الحاجة إليه فكيف يكره له مطلقاً؟ اهـ والمراد ما يحتاج إليه من
أمر الدنيا إذا لم يقصد به القربة، وإلا ففيه ثواب. قوله: (وهو) أي المباح عند عدم الاحتياج
إليه ط. قوله: (إنه مكروه) أي إذا جلس له كما قيده في الظهيرية ذكره في البحر قبيل الوتر.
وفي المعراج عن شرح الإرشاد: لا بأس بالحديث في المسجد إذا كان قليلاً، فأما أن يقصد
المسجد للحديث فيه فلا اهـ. وظاهر الوعيد أن الكراهة فيه تحریمیة. قوله: (في فرج) أي
قبل أو دبر. قوله: (ولو كان وطؤه خارج المسجد) عممه تبعاً للدرر إشارة إلى ردّ ما في
العناية وغيرها من أن المعتكف إنما يكون في المسجد، فلا يتهيأ له الوطء. ثم قال: وأولوه
بأنه جاز له الخروج للحاجة الإنسانية، فعند ذلك يحرم عليه الوطء. وذكر في شرح
التأويلات أنهم كانوا يخرجون ويقضون حاجتهم في الجماع ثم يغتسلون فيرجعون إلى
معتكفهم، فنزل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُم عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ﴾ [البقرة:
١٨٧] اهـ. قال الشيخ إسماعيل: وفيه نظر لإمكان الوطء في المسجد، وإن كان فيه حرمة
من جهة أخرى وهي حلول الجنب فيه على أنه يحتمل أن تكون الزوجة معتكفة في مسجد
بيتها فيأتيها فيه زوجها فيبطل اعتكافها اهـ. قوله: (في الأصح) قال في الشرنبلالية: ولم
يفسده الشافعي بالوطء ناسياً، وهو رواية ابن سماعة عن أصحابنا اعتباراً له بالصوم، كذا في
البرهان اهـ. قوله: (حالته مذكرة) تعليل للأصح ببيان الفرق بينه وبين الصوم بأن المعتكف
له حالة تذكره، فلا يغتفر نسيانه كالمحرم والمصلي، بخلاف الصائم. قوله: (وبطل بإنزال
إلخ) لأنه بالإنزال صار في معنى الجماع. نهر. قوله: (لم يبطل لعدم معنى الجماع) ولذا
لم يفسد به الصوم. قوله: (وإن حرم الكل) أي كل ما ذكر من دواعي الوطء. إذ لا يلزم من
عدم البطلان بها حلها لعدم الحرج.
قال في شرح المجمع: فإن قلت: لم لم تحرم الدواعي في الصوم وحالة الحيض كما
حرم الوطء؟ قلت: لأن الصوم والحيض يكثر وجودهما، فلو حرم الدواعي فيهما لوقعوا في
٤٤٣
كتاب الصوم / باب الاعتكاف
الحرج، ولا يبطل بإنزال بفكر أو نظر، ولا بسكر ليلاً، ولا بأكل ناسياً لبقاء الصوم،
بخلاف أكله عمداً وردته، وكذا إغماؤه وجنونه إن داما أياماً، فإن دام جنونه سنة قضاه
استحساناً (ولزمه الليالي بنذره) بلسانه (اعتكاف أيام ولاء) أي متتابعة وإن لم يشترط
التتابع (كعكسه) لأن ذكر أحد العددين بلفظ الجمع، وكذا التثنية يتناول الآخر
الحرج وذلك مدفوع شرعاً. قوله: (ولا بأكل ناسياً إلخ) والأصل أن ما كان من محظورات
الاعتكاف وهو ما منع منه لأجل الاعتكاف لا لأجل الصوم لا يختلف فيه العمد والسهو
والنهار والليل؛ كالجماع والخروج من المسجد وما كان من محظورات الصوم، وهو ما منع
منه لأجل الصوم يختلف فيه العمد والسهو والليل والنهار كالأكل والشرب. بدائع. قوله:
(وردته) وإذا بطل بها لم يجب قضاؤه كما تقدم. قوله: (إن داما أياماً) المراد بالأيام أن يفوته
صوم بسبب عدم إمكان النية ح. ويقضيه في الإغماء كالجنون ط. قوله: (سنة) عبارة
البدائع: وغيرها سنين، والمراد المبالغة فيقضي في الأقل بالأولى. قوله: (استحساناً)
والقياس لا يقضي كما في صوم رمضان. وجه الاستحسان: أن سقوط القضاء في صوم
رمضان إنما كان لدفع الحرج، لأن الجنون إذا طال قلما يزول فيتكرر عليه صوم رمضان
فيحرج في قضائه، وهذا المعنى لا يتحقق في الاعتكاف. فتح. قوله: (ولزمه الليالي) اي
اعتكافها مع الأيام. قوله: (بلسانه) فلا يكفي مجرد نية القلب. فتح. وقد مر. قوله:
(اعتكاف أيام) كعشرة مثلاً. قوله: (ولاء) حال من الليالي، والأصل أنه متى دخل الليل
والنهار في اعتكافه فإنه يلزمه متتابعاً، ولا يجزیه لو فرق. بحر. وکذا لو نذر اعتكاف شهر
غير معين لزمه اعتكاف شهر: أيّ شهر كان، متتابعاً في الليل والنهار، بخلاف ما إذا نذر
صوم شهر ولم يذكر التتابع ولا نواه فإنه يخير، إن شاء فرق لأن الاعتكاف عبادة دائمة ومبناها
على الاتصال لأنه لبث وإقامة، والليالي قابلة لذلك، بخلاف الصوم. وتمامه في البدائع.
قوله: (كعكسه) وهو نذر اعتكاف الليالي فتلزمه الأيام ط. قوله: (بلفظ الجمع) كثلاثين
يوماً أو ليلة، وكذا ثلاثة أيام فإنه في حكم الجمع، ولذا يتبع به الجمع کرجال ثلاثة، وإن
أراد بالعددين المعدودين، يكون التمييز في المثال الأول في حكم الجمع لوقوعه تمييزاً
وبياناً لذات الجمع: أعني الثلاثين .. فافهم. قوله: (وكذا التثنية) فإنها في حكم الجمع
فيلزمه اعتكاف يومين بليلتهما، وهذا عندهما. وقال أبو يوسف: لا تدخل الليلة الأولى.
بدائع. وأفاد أن المفرد لا تدخل فيه الليلة كما يأتي قوله: (يتناول الآخر) أي بحكم العرف
والعادة، تقول: كنا عند فلان ثلاثة أيام، وتريد ثلاثة أيام وما بإزائها من الليالي، وقال
تعالى: ﴿ثَلاَثَ لَيَالٍ سَويًّا﴾ [مريم: ١٠] و﴿ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّ رَمْزاً﴾ [آل عمران: ٤١] فعبر في
موضع باسم الليالي وفي موضع باسم الأيام، والقصةً واحدة، فالمراد من كل واحد منهما
ما هو بإزاء صاحبه، حتى إنه في الموضع الذي لم تكن الأيام فيه على عدد الليالي أفرد كل
كتاب الصوم / باب الاعتكاف
(فلو نوى في) نذر (الأيام النهار خاصة صحت نيته) لنيته الحقيقة (وإن نوى بها) أي
بالأیام (اللیالي لا) بل یلزمہ کلاهما (کما لو نذر اعتکاف شھر ونوی النهر خاصة أو) نوی
(عكسه) أي الليالي خاصة فإنه لا تصح نيته، لأن الشهر اسم لمقدر يشمل الأيام
والليالي فلا يحتمل ما دونه، إلا أن يستثني الليالي فيختص بالنهر، ولو استثنى الأيام
صح ولا شيء عليه لما مر.
واعلم أن الليالي تابعة للأيام
واحد منهما بالذكر كقوله - سبع ليال وثمانية أيام حسوماً - كما في البدائع قوله: (فلو نوى
إلخ) لما ذكر لزوم الليالي تبعاً للأيام ولم يقيد ذلك بنيتهما أو عدمها علم أنه لا فرق، ثم
فرع عليه ما لو نوى أحدهما خاصة حيث كان في الكلام السابق إشارة إلى مخالفة حكمه له
فصح التفريع، فافهم. قوله: (النهار) أي جنسه. وفي بعض النسخ: النهر بصيغة الجمع،
وقيل لا يجمع كالعذاب والسراب كما في القاموس. قوله: (صحت نيته) فيلزمه الأيام بغير
ليل، وله خيار التفريق لأن القربة تعلقت بالأيام، وهي متفرقة، فلا يلزمه التتابع إلا بالشرط
كما في الصوم، ويدخل المسجد كل يوم قبل طلوع الفجر، ويخرج بعد غروب الشمس،
بدائع. قوله: (لنيته الحقيقة) أي اللغوية، أما العرفية، فتشمل الليالي كما قدمناه، وإذا كان
للفظ حقيقة لغوية وحقيقة عرفية ينصرف عند الإطلاق عند أهل العرف إلى العرفية كما نصوا
عليه فلذا احتاج إلى النية إذا أريد به الحقيقة اللغوية، وبه اندفع ما أورد من أن الحقيقة لا
تحتاج إلى قرينة ونية، وأفاد في البدائع أن العرف أيضاً في استعمال اللغوية باق فصحت
نيته اهـ. فكان العرف مشتركاً، والظاهر أن الأكثر استعمالاً خلاف اللغوي، فلذا انصرف
إليه عندالإطلاق واحتاج اللغوي إلى النية. قوله: (لا) أي لا تصح نيته لأنه نوى ما لا يحتمله
كلامه . بحر.
والحاصل أنه إما أن يأتي بلفظ المفرد، أو المثنی أو المجموع، وکل من الثلاثة إما.
أن يكون اليوم أو الليل، وكل من الستة إما أن ينوي الحقيقة أو المجاز أو ينويهما أو لم تكن
له نية فهي أربعة وعشرون. وعلمت حكم المثنى والمجموع بأقسامهما، بقي المفرد، فلو
نذر اعتكاف يوم لزمه فقط نواه أو لم ينو، وإن نوى الليلة معه لزماه، ولو نذر اعتكاف ليلة
لم يصح ما لم ينو بها اليوم كما مر، وتمامه في البحر. قوله: (اعتكاف شهر) أي بأن أتى
بلفظة شهر، أما لو قال ثلاثين يوماً فهو ما مر. قوله: (لما مر) أي أول الباب من قوله ((لعدم
محليتها)) ح: أي فإن الباقي بعد استثناء الأيام هو الليالي المجردة، فلا يصح اعتكاف
المنذور فيها لمنافاتها شرطه وهو الصوم. قوله: (واعلم أن الليالي تابعة للأيام) أي كل ليلة
تتبع اليوم الذي بعدها؛ ألا ترى أنه يصلي التراويح في أول ليلة من رمضان دون أول ليلة من
شوال، فعلى هذا إذا ذكر المثنى أو المجموع يدخل المسجد قبل الغروب، ويخرج بعد
٤٤٥
إلا ليلة عرفة وليالي النحر فتبع للنهر الماضية رفقاً بالناس، كما في أضحية الولوالجية.
هذا، وليلة القدر دائرة في رمضان اتفاقاً، إلا أنها تتقدم وتتأخر خلافاً لهما،
وثمرته فيمن قال بعد ليلة منه أنت حرّ أو أنت طالق ليلة القدر فعنده لا يقع حتى ينسلخ
شهر رمضان الآتي لجواز كونها في الأول في الأولى وفي الآتي في الأخيرة، وقالا:
الغروب من آخر يوم نذره كما صرح به في الخانية، وصرح بأنه إذا قال أياماً يبدأ بالنهار
فيدخل المسجد قبل طلوع الفجر اهـ. فعلى هذا لا يدخل الليل في نذر الأيام إلا إذا ذكر له
عدداً معيناً. بحر. قوله: (إلا ليلة عرفة الخ) عبارة البحر عن المحيط: إلا في الحج فإنها في
حكم الأيام الماضية، فليلة عرفة تابعة ليوم التروية، وليلة النحر تابعة ليوم عرفة اهـ. ونقل
قبله عن أضحية الولوالجية: الليلة في كل وقت تبع لنهار يأتي، إلا في أيام الأضحى فتبع
لنهار ماض رفقاً بالناس اهـ . .
قلت: وفي حج الولوالجية أيضاً: الليل في باب المناسك تبع للنهار الذي تقدم،
ولهذا لو وقف بعرفة ليلة النحر قبل الطلوع أجزأه اهـ.
والحاصل: أن ليلة عرفة تابعة لما قبلها في الحكم حتى صح الوقوف فيها، وكذا ليلة
النحر والتي تليه والتي بعدها، حتى صح النحر في الليالي وجاز الرمي فيها: والمراد أن
الأفعال التي تفعل في النهار من نحر أو وقوف أو نحو ذلك من أفعال المناسك يصح فعلها
في الليلة التي تلي ذلك النهار رفقاً بالناس، وبسبب ذلك أطلق على تلك الليلة أنها تبع
لليوم الذي قبلها: أي تبع له في الحكم لا حقيقة، وإلا فكل ليلة تبع لليوم الذي بعدها،
ولذا يقال: ليلة النحر لليلة التي يليها يوم النحر، ولو كانت لليوم الذي قبلها لصارت اسماً
لليلة عرفة، ولا يسوغ ذلك لا لغة ولا شرعاً. وحينئذ فلا يصح ما قيل إن اليوم الثالث من
أيام النحر لا ليلة له وليوم التروية ليلتان، إلا أن يريد من حيث الحكم، وإلا لزم أنه لو نذر
اعتكاف يوم التروية ويوم عرفة يجب عليه اعتكاف اليومين وثلاث ليال، والظاهر أنه لا يقول
به أحد، فافهم.
مَطْلَبٌ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ
قوله: (دائرة في رمضان اتفاقاً) أي دائرة معه، بمعنى أنها توجد كلما وجد، فهي
مختصة به عند الإمام وصاحبيه، لكنها عندهما في ليلة معينة منه، وعنده لا تتعين، ويشير إلى
ما قلنا في تفسير الدوران ما في البحر عن الكافي: ليلة القدر في رمضان دائرة لكنها تتقدم
وتتأخر، وعندهما: تکون في رمضان ولا تتقدم ولا تتأخر اهـ. فافهم. قوله: (لجواز كونها
في الأول) أي في رمضان الأول: في الأولى: أي في الليلة الأولى منه، وفي رمضان
الآتي في الليلة الأخيرة منه، فإذا انسلخ رمضان الأول لا يقع للاحتمال الأول، وإذلم
٤٤٦
كتاب الصوم / باب الاعتكاف
يقع إذا مضى مثل تلك الليلة في الآتي، ولا خلاف أنه لو قال: قبل دخول رمضان وقع
بمضيه. قال في المحيط: والفتوى على قول الإمام، لكن قيده بكون الحالف فقيهاً
يعرف الاختلاف، وإلا فهي ليلة السابع والعشرين، والله أعلم.
ينسلخ الآتي لا يقع أيضاً للاحتمال الثاني، فإذا انسلخ الآتي تحقق وجودها في أحدهما.
فحينئذ يقع. قوله: (إذا مضى إلخ) يعني إذا كانت هي الليلة الأولى فقد وقع بأول ليلة من
القابل، وإن كانت الثانية، أو الثالثة إلخ فقد وجدت في الماضي، فيتحقق عندهما وجودها
قطعاً بأول ليلة من القابل. رملي. قوله: (لكن قيده إلخ) أي قيد صاحب المحيط الإفتاء
يقول الإمام يكون الخالف فقيهاً: أي عالماً باختلاف العلماء فيها، وإلا فلو كان عامياً فهي
ليلة السابع والعشرين لأن العوام يسمونها ليلة القدر، فينصرف حلفه إلى ما تعارف عنده كما
هو أحد الأقوال فيها، وله أدلة من الأحاديث، وأجاب عنها الإمام بأن ذلك كان في ذلك
العام.
تتمة: ما ذكره عن الإمام هو قول له، وذكر في البحر عن الخانية أن المشهور عن
الإمام أنها تدور: أي في السنة كلها، قد تكون في رمضان وقد تكون في غيره اهـ.
قلت: ويؤيده ما ذكره سلطان العارفين سيدي محي الدين بن عربي في فتوحاته المكية
بقوله: واختلف الناس في ليلة القدر: أعني في زمانها، فمنهم من قال: هي في السنة كلها
تدور، وبه أقول.
فإني رأيتها في شعبان، وفي شهر ربيع، وفي شهر رمضان، وأكثر ما رأيتها في شهر
رمضان وفي العشر الآخر منه، ورأيتها مرة في العشر الوسط من رمضان في غير ليلة وتر
وفي الوتر منها، فأنا على يقين من أنها تدور في السنة في وتر وشفع من الشهر اهـ. وفيها
للعلماء أقوال أخر بلغت ستة وأربعین.
خاتمة: قال في معراج الدراية: اعلم أن ليلة القدر ليلة فاضلة يستحب طلبها، وهي
أفضل ليالي السنة، وكل عمل خير فيها يعدل ألف عمل في غيرها. وعن ابن المسيب: من
شهد العشاء ليلة القدر فقد أخذ نصيبه منها، وعن الشافعي: العشاء والصبح، ويراها من
المؤمنين من شاء الله تعالى. وعن المهلب من المالكية: لا تمكن رؤيتها على الحقيقة،
وهو غلط، وينبغي لمن يراها أن يكتمها ويدعو الله تعالى بالإخلاص اهـ.
اللهم إنا نسألك الإخلاص في القول والعمل وحسن الختام عند انتهاء الأجل،
والعون على الإتمام يا ذا الجلال والإكرام،، الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات،
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
٤٤٧
كتاب الحج
كِتَابُ الْحَجّ(١)
(هو) بفتح الحاء وكسرها لغة: القصد إلى معظم لا مطلق القصد
بسم الله الرحمن الرحيم
كِتَابُ الْحَجَّ(١)
لما كان مركباً من المال والیدن وكان واجباً في العمر مرة ومؤخراً في حديث (بُنيَ
الإسْلاَمُ عَلَى خمسٍ)) أخره وختم به العبادات: أي الخالصة، وإلا فنحو النكاح والعتاق
والوقف يكون عبادة عند النية، لكنه لم يشرع لقصد التعبد فقط، ولذا صح بلانية، بخلاف
أركان الإسلام الأربعة فإنها لا تكون إلا عبادة لاشتراط النية فيها، هذا ما ظهر لي. وأورد في
النهر على قولهم مركب: إنه عبادة بدنية محضة، والمال إنما هو شرط في وجوده لا أنه جزء
مفهومه اهـ.
وفيه أن كونه عبادة مركبة مما اتفقت عليه كلمتهم أصولاً وفروعاً حتى أوجبوا الحج
عن الميت وإن فات عمل البدن لبقاء الجزء الآخر وهو المال كما سيجيء تقريره، وليس
قولهم.إنه مر کب تعریفاً له لبيان ماهیته حتى يقال: إن المال شرط فيه لا جزء مفهومه، بل
المراد بيان أن التعبد به لا يتوصل إليه غالباً إلا بأعمال البدن وإنفاق المال لأجله، والصلاة
والصوم وإن كانتا لا بد لهما من مال کثوب يستر عورته وطعام یقیم بنیته فإن ذلك لیس
لأجلهما، بمعنى أنه لولاهما لم يفعله، ولذا لم يجعل المال من شروطهما، وجعل من
شروطه، وأيضاً فإن المال فيهما يسير لا مشقة في إنفاقه، بخلاف المال في حج الآفاقي،
فإنه كثير فناسب أن يكون مقصوداً في العبادة ولذا وجب دفعه إلى النائب عند العجز الدائم
عن الأفعال، ولم يجب الحج على الفقير القادر على المشي، ووجبت الصلاة والصوم على
العاجز عن السائر والسحور، هذا ما ظهر لي، فافهم. قوله: (بفتح الحاء وكسرها) بهما
(١) الحج لغة: القصد، ومنه: حج إلينا فلان - أي قدم. انظر: لسان العرب: ٧٧٩/٢، المغرب: ١٨٠/١، المصباح
المنير: ١٢١/١.
واصطلاحاً: عرفه الحنفية بأنه: قصد موضع مخصوص وهو البيت بصفة مخصوصة في وقت مخصوص بشرائط
مخصوصة. عرفه الشافعية بأنه: قصد الكعبة للنسك.
عرفه المالكية بأنه: هو وقوف بعرفة ليلة عاشر ذي الحجة وطواف بالبيت سبعاً وسعي بين الصفا والمروة كذلك
على وجه مخصوص بإحرام. عرفه الحنابلة بأنه: قصد مكة للنسك في زمن مخصوص.
انظر: الاختيار: ١٧٧، مغني المحتاج: ١/ ٤٦٠، نهاية المحتاج: ٢٢٢/٣، الشرح الكبير: ٢٠٢/٢، حاشية
العدوي: ٤٥٣/١، المبدع: ٢٨٣/٣، كشف القناع: ٣٧٥/٣.
(٢) العادة أن النفوس لا تنقاد إلا لأشياء لها حكمة معقولة، وفائدة معروفة، والشريعة الإسلامية من الشرائع المعقولة
التشريع إلا أن بعضاً من أحكامها أخفى الله عنا حكمته، ولم يظهر لنا ستر تشريعه، وذلك ما يعرف عند الفقهاء
بالأحكام التعبدية .
=
٤٤٨
كتاب الحج
کما ظنه بعضهم.
قرئ في السبع، وقيل الأول الاسم والثاني المصدر، ط على المنح والنهر. قوله: (كما
ظنه بعضهم) هو الزيلعي تبعاً لإطلاق كثير من كتب اللغة، ونقل في الفتح تقييده بالمعظم
= وتكليف الله العباد بهذه الأحكام التعبدية ليظهر كمال انقيادهم له، وخضوعهم لإرادته حتى يستحقوا رضاه
ومغفرته، وليس بمستبعدٍ هذا، فإننا نشاهد أمثاله بين الناس في كل يوم، فإذا أراد رئيس مثلاً أن يختبر إخلاص
مرؤوسيه، وحبّهم له أمرهم بفعل أشياء غير مفهومة غايتها ولا معروفة حقيقتها، عندئذ يطيع المخلص طاعة
عمياء، ویتبرم غيره.
فإذا ظهر هذا له فإن الرئیس یجعل الأول محل غايته، وموضع برّه وعطفه، ویترقب الفرص للإيقاع بالثاني. كذلك من
غير تشبيه، ولا تنظير يشرع المولى جل شأنه أحكاماً خفيت عنا فائدتها، ليظهر كمال انقياد بعض العباد
وخضوعهم، وإذعانهم كما يظهر سخط غيرهم وألمهم وامتعاضهم.
من هذه الأشياء التعبدية الحج والعمرة، فإنه قد خفيت عنا حكمتها، وإن كانت في الحقيقة لا تخلو عن حكمة، لأن
المولى جل شأنه لا يعبث بل يستحيل عليه العبث لكن العقل الذي لم يحجر الدين عليه، ولم يحرمه من البحث
والاستنتاج اهتدى إلى أشياء يظنها حكمة فمن الحكم التي اهتدى إليها العقل : - أولًا: حمل النفس على تذكر الله
وخنوعها لعظمته وجلاله، فإن رؤية شعائر الله تعالى، والتزام الهيئات المشعرة بتعظيمه، والوقوف عند الحدود
المفروضة لإجلاله، كل ذلك ينبه النفس تنبيهاً عظيماً، ويحملها على ذكر الله والرهبة من قدرته، والخضوع لجلاله
وعظمته، وفي ذلك أجلّ المنافع وأعظم الخيرات. وثانياً: تذكير المؤمنين بيوم الحشر الأكبر والهول الأعظم،
لأنهم يفارقون الأهل والمال، ويتركون أماكن الاستيطان، ويحشرون في صعيد واحد منقطعين عن علائق الدنيا
متندّمين على ما اجترحوا من السيئات مستشعرين الرهبة والرغبة. يتساوى في ذلك عزيزهم وذليلهم، ومطيعهم
وعاصیھم، لا همّ لأحدهم غير الغفران، ولا غاية سوى رحمة الرحمن.
وثالثاً: إيجاد أمتن الأسباب لنيل رحمة الرحيم التوَّاب، لأنه إذا سالت الأودية بأقوام من حذافير المعمورة، وحشروا
في صعيد واحد بقلوب متجهة إلى الله بإخلاص، ووجوهٍ شاخصة بضراعة، وأيدٍ مرفوعة برجاء وألسنة مشغولة
بابتهال، وظنون حسنة في أرحم الراحمين، وفيهم المصطفون الأخيار، والمقرّبون الأبرار، لا يخيِّب الله لهم قصداً،
ولا يمنعهم رفداً، ولا يحرمهم من رحمة تسعهم، وفضل يشملهم.
ورابعاً: نيل الموحّدين فضل الرهبانية التي ابتدعها من أهل الملل السابقة ابتغاء رضوان الله من كفّوا عن اللذات،
ورضوا بالضروري من الشهوات، وهجروا الأنس بالمخلوق طلباً للأنس بالخالق، فإن الحاج إلى بيت الله الحرام
كاف عن اللذات بعيد عن الشهوات هاجر وطنه وذويه، ومفارق صاحبته وبنيه، قاصد حرم مولاه وطالب عفوه
ورضاه، ولذا لمَّا سئل الصادق الأمين عليه الصلاة والسلام عن الرّهبانية والسياحة في دينه قال: ((أبدلنا الله بهما
الجهاد والتكبير على كل شرف)) يعني بذلك الحج ..
وخامساً: تقليل ظلم النفوس وكبح جماحها، وإيضاح ذلك أن الظلم من شيم النفوس، ومنعها منه أبداً شاق عليها،
وتركها متوغّلة فيه مفسدة لا يحتملها الاجتماع البشري، ولا يقوى على رفعها إصلاح، فكان من الحكمة منع توغّلها
في الظلم وانقيادها للعدل، ولهذا خص الله أزمنة الحج، وأمكنته بمزيد الاحترام المفضي إلى تضعيف الثواب،
وتغليظ العقاب، ليكون الامتناع فيها عن الظلم والطغيان، والتمسك بالعدل والإحسان مؤدياً إلى تقليل الظلم
وكبح جماع النفوس، بل ربما كان ذلك سبباً لمنع كثير ممن وفّقهم الله تعالى عن اقتراف الآثام أبداً. وذلك لسببين:
أولهما أن تلبس المرء بالأمر في بعض الأحيان قد يصيّه عادة له، فإن امتنع الإنسان عن الجرائم في بعض الأزمنة
أو الأمكنة فراراً من تغليظ الجزاء صار ذلك له عادة مألوفة وسجيّة ثابتة، وثانيهما أن العامل العاقل يتجنّب إفساد
عمله ويتمسك ما أمكنه بكل ما يحفظه من تطرّق الخلل إليه ولعلم المؤمن. أن المعصية تبطل الطاعة، وأن الله نهى
عن ذلك بقوله ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى﴾ إذا عمل في بعض الأزمنة أو الأمكنة طاعةً
رجاء مضاعفة ثوابها صانها عن الفساد بالمعصية، وتحرّج عن اجتراح السيئات فكان ذلك داعياً إلى اجتناب =
٤٤٩
كتاب الحج
وشرعاً (زيارة) أي طواف ووقوف (مكان مخصوص) أي الكعبة وعرفة (في زمن
مخصوص) في الطواف من فجر النحر إلى آخر العمر، وفي الوقوف من زوال شمس
عن ابن السكيت، وكذا قيده به السيد الشريف في تعريفاته، وكذا في الاختيار. قوله:
(وشرعاً زيارة إلخ) اعلم أنهم عرفوه بأنه قصد البيت لأداء ركن من أركان الدين ففيه معنى
اللغة، واعترضهم في الفتح بأن أركانه الطواف، والوقوف، ولا وجود للمتشخص إلا
بأجزائه المشخصة، وماهيته الكلية منتزعة منها، وتعريفه بالقصد لأجل الأعمال مخرج لها
عن المفهوم، اللهم إلا أن يكون تعريفاً اسمياً غير حقيقي فهو تعريف لمفهوم الاسم عرفاً،
لكن فيه أن المتبادر من الاسم عند الإطلاق هو الأعمال المخصوصة لا نفس القصد
المخرج لها عن المفهوم مع أنه فاسد في نفسه، فإنه لا يشمل الحج النفل، والتعريف إنما
هو للحج مطلقاً كتعريف الصلاة والصوم وغيرهما، لا للفرض فقط، ولأنه حينئذ يخالف
سائر أسماء العبادات فإنها أسماء للأفعال كالصلاة للقيام، والقراءة إلخ، والصوم للإمساك
إلخ، والزكاة لأداء المال، فليكن الحج أيضاً عبارة عن الأفعال الكائنة عند البيت وغيره
كعرفة اهـ. ملخصاً. فعدل الشارح عن تفسير الزيلعي الزيارة بالقصد إلى تفسيرها بالطواف
والوقوف تبعاً للبحر ليكون اسماً للأفعال كسائر أسماء العبادات، ولما ورد عليه أن يكون
قوله ((بفعل مخصوص)) حشواً، إذ المراد به كما قالوا هو الطواف والوقوف تخلص عنه بتفسيره
بأن يكون محرماً إلخ. قيل: ولا يخفى ما فيه لأنه يلزم عليه إدخال الشرط: أي الإحرام في
التعريف، فلو أبقى الزيارة على معناها اللغوي وهو الذهاب وفسر الفعل المخصوص
بالطواف والوقوف لكان أولى اهـ.
= المعاصي والبعد عن الآثام.
وسادساً: إرشادهم بما يعانونه من ألم البعد وعناء السفر، ومزايلة الملذّات إلى نعم الله عليهم من رفاهة الإقامة،
والأنس بالأوطان، والأهل والأخدان، فيقومون بما يجب للمتفضل المنّان من الشكر في كل آن ومكان.
وسابعاً: غرس الشفقة والرحمة في قلوبهم بما يقاسونه أثناء ذهابهم وإيابهم من مشاقّ السفر ووحشة الغربة، فيعطفون
على من مُنِيّ بأمثال ذلك من الطراق وأبناء السبيل، ويقومون بحاجته، وما يسهل عليه قطع شقته، فيثبت في قلوب
المسلمين بناء الألفة والمودّة، ويتمكن منها حبّ المساعدة والمعاضدة، ويكونون إخواناً في الرخاء والشدّة.
وثامناً: إيجاد التعاضد والتآلف للمسلمين جميعاً، لأنه في ذلك الحرم الآمن يجتمع في زمن واحد من جميع أنحاء
المسكونة أقوام متحدون في الدين والهمّ والمقصد، إخوان في الله رحماء بينهم، يمكنهم إن شاؤوا أو شاء رب العزّة
أن يعرف كل منهم نبأ إخوانه المسلمين في أقطار المعمورة كافّة، وأن يتهادى الموجودون منهم النصائح المفيدة،
ويتبادلوا المعاونة، ويمدّ كل منهم للآخر يد المساعدة الممكنة فتتحد كلمتهم، وتقوى شوكتهم، ويكونون بذلك
يداً واحدة على من رامهم بسوء أو رماهم بمكروه.
أضف إلى ذلك ما يترتّب على خروجه للحج من المعارف، وبالصحبة من الربح والكسب الماديين والأدبيين، فقد
يكسب مريد الحج إذا هو اتجر مكاسب لا يحصل عليها في وطنه، ومحلّ إقامته، ولم يحظّر الشارع الاتجار ما دام القصد
الحج، وقد جاء هو تبعاً، وقد يكون مريضاً، فيشفى بتغير المناخ، وما يحصل له من الأنس والانشراح بما يقع من
نظره عليه من بلدان وبحار يكون السفر سبباً في ذهاب وحشةٍ لحقته بموت قريب أو زوج أو ولد.
٤٥٠
كتاب الحج
عرفة لفجر النحر (بفعل مخصوص) بأن يكون محرماً بنية الحج سابقاً كما سيجيء لم يقل
لأداء ركن من أركان الدين ليعم حج النفل (فرض) سنة تسع، وإنما أخره عليه الصلاة.
والسلام لعشر لعذر
وفيه أن الزيارة أيضاً ليست ماهيته الحقيقية فيرد ما مر فى تفسيره بالقصد على أن
الإحرام وإن كان شرطاً ابتداء فهو في حكم الركن انتهاء كما سيصرح به الشارح، ولو سلم
فذكر الشرط لا يخل بالتعريف بل لا بد منه لأنه لا يتحقق المعنى الشرعي بدونه كمن صلى
بلا طهارة ولذا ذكروا النية في تعريف الزكاة والصوم، فافهم.
والتحقيق أن تفسيره بالقصد لا يخرجه عن نظائره من أسماء العبادة، لأن المراد
بالقصد هنا الإحرام، وهو عمل القلب واللسان بالنية والتلبية، أو ما يقوم مقام التلبية من
تقليد البدنة مع السوق كما سيأتي، فيكون عمل الجوارح أيضاً، ولأن قوله ((بفعل
مخصوص)) الباء فيه للملابسة، والمراد به الطواف والوقوف، فهو قصد مقترن بهذه الأفعال لا
مجرد القصد، فلم يخرج عن كونه فعلًا مخصوصاً كسائر أسماء العبادات؛ نعم فرقوا بين الحج
وسائر أسماء العبادات حيث جعلوا القصد فيه أصلاً والفعل تبعاً، وعكسوا في غيره لأن
الشائع في المعاني الاصطلاحية المنقولة عن المعاني اللغوية أن تكون أخص من اللغوية لا
مباينة لها. ولما كان الحج لغة هو مطلق القصد إلى معظم خصصوه بكونه قصداً إلى معظم
معين بأفعال معينة، ولو جعل اسماً للأفعال المعينة أصالة لباين المعنى اللغوي المنقول
عنه، بخلاف نحو الصوم، فإنه في اللغة مطلق الإمساك، فخصصوه، بكونه إمساكاً عن
المفطرات، بنية من الليل. وكذا الزكاة في اللغة: الطهارة، وتزكية الشيء: تطهيره. وتزكية
المال المسماة زكاة شرعاً: تمليك جزء منه، فإنه طهارة له لقوله تعالى: ﴿تُطَهِّرُهمْ وَتُزَكِّيهِمْ
[التوبة: ١٠٣] فهي تطهير مخصوص بفعل مخصوص، وهو التمليك، فلهذا جعل
القصد أصلاً في تعريف الحج شرعاً دون غيره وإن كان القصد شرطاً في الكل، وكذا جعل
أصلاً في تعريف التيمم، فإنه في اللغة مطلق القصد. وعرفوه شرعاً بأنه قصد الصعيد الطاهر
على وجه مخصوص، وهو الضربتان، فهو قصد مقترن بفعل فلم يخرج عن كونه اسماً لفعل
العبد، وهذا معنى قول الزيلعي: جعل الحج اسماً لقصد خاص مع زيادة وصف كالتيمم
اسم لمطلق القصد، ثم جعل في الشرع اسماً لقصد خاص زيادة وصف اهـ. هذا ما ظهر لي
في تحقق هذا المحل. قوله: (سابقاً) أي على الوقوف والطواف، أما كونه من الميقات
فواجب ط. قوله: (لعذر) إما لأن الآية نزلت بعد فوات الوقت، أو لخوف من المشركين
على أهل المدينة، أو خوفه على نفسه وَّله، أو كره مخالطة المشركين في نسكهم إذ كان لهم
عهد في ذلك الوقت. زيلعي. وقدم الأول لما في حاشيته للشلبي عن الهدي لابن القيم أن
الصحيح أن الحج فرض في أواخر سنة تسع. وأن آية فرضه هي قوله تعالى: ﴿وللّهِ عَلَى
٤٥١
كتاب الحج
مع علمه ببقاء حياته ليكمل التبليغ (مرة)
النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] وهي نزلت عام الوفود أواخر سنة تسع، وأنه وَّو لم
يؤخر الحج بعد فرضه عاماً واحداً، وهذا هو اللائق بهديه وحاله ◌َالت، ولیس بيد من ادعى
تقدم فرض الحج سنة ست أو سبع أو ثمان أو تسع دلیل واحد، وغاية ما احتج به من قال
سنة ست، أن فيها نزل قوله تعالى: ﴿وَأَتِّمُّوا الحَجَّ وَالعُمرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وهذا ليس
فيه ابتداء فرض الحج وإنما فيه الأمر بإتمامه إذا شرع فيه، فأين هذا من وجوب
ابتدائه؟ اهـ. قوله: (مع علمه إلخ) جواب آخر غير متوقف على وجود العذر(١).
وحاصله أن وجوبه على الفور للاحتياط(٢)، فإن في تأخيره تعريضاً للفوات، وهو
(١) أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ وقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج
والعمرة لله﴾ أي اتتوا بهما تامین.
فإن قيل: الآية الكريمة لا تفيد أكثر من الأمر بإتمامهما، ولا دليل في ذلك على كونهما واجبين أو تطوعين، فقد
يؤمر الشخص بإتمام الواجب والتطوّع جميعاً. قلنا: الأمر بإتمامهما أمر بأدائهما بدليل قراءة من قرأ: ((وأقيموا
الحج والعمرة))، والأمر للوجوب من أصله إلا أن يدل دليل على خلاف الوجوب، ولا دليل ثمَّة، وتمسك الحنفية
بحديث جابر وابن عباس ليكون صارفاً للآية عن الوجوب.
وأما السنّة فقوله ﴿ ((بني الإسلام على خمس)) الحديث، وحديث عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله هل
على النساء من جهاد؟ قال: ((نعم عليهنَّ جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة)). رواه الإمام أحمد وابن ماجه، ورواته
ثقات.
وقال مالك وأحمد وأبو حنيفة رضوان الله عليهم: إن العمرة سنة، وهو أيضاً قول إمامنا الشافعي رضي الله عنه في
القديم، واستدلوا بحديث جابر أن النبي # سئل عن العمرة أواجبة هي؟ قال: ((لا، وأن تعتمر خير لك))،
وبحديث ابن عباس وأبي هريرة عن النبيّ وَ وقال: ((العمرة تطوّع))
قلنا: حديث جابر قد ضعّفه الحفّاظ قاطبةً، فلا يغتر بقول الترمذي فيه بالتحسين والتصحيح، بل قال ابن حزم: إنه
باطل، وقال أصحابنا ولو صحّ لا يلزم منه عدم وجوبها مطلقاً لاحتمال أن المراد ليست واجبة على السائل لعدم
استطاعته، وحديث ((العمرة تطوّع)) كلا سنديهما ضعيف كما قاله البيهقي.
(٢) ويجب كل منهما على التراخي عند الشافعي رضي الله عنه فلو أخره عن أول عام قدر فيه إلى عام آخر لا يكون عاصياً
بالتأخير، ولكن بشرطين: الأوَّل: أن يعزم على الفعل فيما بعد، وإلا حصل الإثم بالتأخير. والثاني: أن لا يتضيقا
بنذرٍ أو قضاء نسكٍ أو خوف فواتٍ لكبر سنّ وعجز عن الوصول أو لضياع مالٍ، فإن تضيّقا بشيء من ذلك وجب
عليه أن يفعلهما فوراً، وكان عاصياً بالتأخير.
وقال مالك وأحمد وجمهور أصحاب أبي حنيفة والمزني من أصحابنا: إنهما يجبان على الفور.
مستندنا أوّلًا: أن الحج فرض سنة ستّ على الأصح، وبعث وا ﴿ أبا بكر سنة تسع فحجّ بالناس، وتأخّر هو عليه
الصلاة والسلام ومعه مياسير الصحابة كعثمان وعبد الرحمن بن عوف من غير شغل بقتال ولا غيره حتى حجّوا معه
سنة عشر، فدل ذلك على جواز تأخيره.
وثانياً: أنه إذا أخّره من سنة إلى سنة أو أكثر وفعله يسمى مؤدّياً للحج لا قاضياً بإجماع المسلمين، ولو حرم التأخير
لكان قضاءً لا أداءً.
فإن قال المخالف: ((هذا منقوض بالوضوء، فإنه إذا أخّره حتى خرج وقت الصلاة ثم فعله كان أداءً مع أنه يأثم
بذلك)) قلنا: ((قد منع القاضي أبو الطيب الناقل لذلك الإجماع كونه أداءً في هذه الحالة بل حكم بأنه قضاء لبقاء
الصلاة؛ لأنه المقصود لها لا لنفسه.
=
٤٥٢
كتاب الحج
لأن سببه البيت وهو واحد والزيادة تطوع، وقد تجب كما إذا جاوز الميقات بلا إحرام،
منتف في حقه ولو لأنه كان يعلم بقاء حياته إلى أن يعلم الناس مناسكهم تكميلاً للتبليغ
لقوله تعالى: ﴿لقد صدق الله رسوله الرؤيا﴾، الآية، فهذا أرقى في التعليل، ولذا جعل
الأول تابعاً له فهو كقولك: أكرم زيداً لأنه محسن إليك مع أنه أبوك. قوله: (لأن سببه
البيت) بدليل الإضافة في قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]
فإن الأصل إضافة الأحكام إلى أسبابها كما تقرر في الأصول، ولا يتكرر الواجب إذا لم
يتكرر سببه ولحديث مسلم ((يَا أَيُّا النَّاسُ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ الحَجُّ فَحُجُوا، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ
عَامِ يَا رَسُولَ اللّهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثاً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ قُلْتُ
نَعَمَّ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ)) قال في النهر: والآية وإن كانت كافية في الاستدلال على نفي
التكرار لأن الأمر لا يحتمله إلا أن إثبات النفي بمقتضى النفي أولى. قوله: (وقد يجب) أي
الحج، وهذا عطف على قوله ((فرض)). قوله: (كما إذا جاوز الميقات بلا إحرام) أي فإنه
يجب عليه أن يعود إلى الميقات ويلبي منه، وكذا يجب عليه قبل المجاوزة. قال في الهداية:
ثم الآفاقي إذا انتهى إلى المواقيت على قصد دخول مكة عليه أن يحرم قصد الحج أو العمرة
عندنا أو لم يقصد، لقوله ◌َفي ((لَا يُجاوِزُ أَحَدٌ المِيقَاتَ إِلَّ مُحُرِماً وَلَوْ لِتِجَارَةِ)) ولأن وجوب
الإحرام لتعظيم هذه البقعة الشريفة، فيستوي فيه التاجر والمعتمر وغيرهما اهـ.
قال ح: فتحصّل من هذا أن الحج والعمرة لا يكونان نفلاً من الآفاقي، وإنما يكونان
نفلاً من البستاني والحرمي اهـ.
= وثالثاً: أنه إذا تمكن من الحج وأخّره ثم فعله لا ترد شهادته فيما بين تأخيره وفعله بالاتفاق، ولو حرم لردّت
لارتكابه المعصية بالتأخير.
واستدل المخالفون أوَّلًا بقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ فإنه أمر، والأمر يقتضي الفور.
وثانياً: بحديث أبي داود عن ابن عباس عن النبي ◌ُّر: ((من أراد الحج فليعجّل)).
وثالثاً: بأنها عبادة تجب الكفارة بإفسادها، فوجبت على الفور كالصوم.
ورابعاً: بأنه إذا لزمه الحج وأخّره حتى مات، فإما أن تقولوا: إنه مات عاصياً أو غير عاص، فإن قلتم: إنه مات غير
عاص خرج الحج عن كونه واجباً، وإن قلتم: مات عاصياً، فإما أن تقولوا: عصى بالموت أو بالتأخير لا جائز أن
يعصي بالموت إذ لا صنع له فيه، فثبت أنه عصى بالتأخير، فدل على وجوبه على الفور.
قلنا عن الأول: بأن المختار عند أصحابنا والمعروف في كتبهم في الأصول أن الأمر المجرد عن القرائن لا يقتضي
الفور، وإنما المقصود منه الامتثال المجرد، ولئن سلم الفورية فلا فورية هنا لوجود القرينة الصارفة إلى التراخي،
وهو ما قدمنا من فعل رسول الله ﴿ وأكثر أصحابه.
وقلنا عن الثاني: بأن الحديث أولاً ضعيف، وثانياً: إنه حجة لنا لأنه و # فوَّض فعله إلى إرادته واختياره، ولو كان
على الفور لم يفوّض تعجيله إلى اختياره، وثالثاً: إنه أمر ندب جمعاً بين الأدلّة.
وقلنا عن الثالث: بأن وقت الصوم مضيق، فكان فعله مضيّقاً بخلاف الحج.
وقلنا عن الرابع: بأنه مات عاصياً لتفريطه بالتأخير إلى الموت كما قال أصحابنا، وإنما يجوز له التأخير بشرط سلامة
العاقبة كما إذا ضرب شخص ولده أو المعلّم الصبيّ أو عزّر السلطان إنساناً فمات، فإنه يجب الضمان، لأنه مشروط
بسلامة العاقبة .
٤٥٣
كتاب الحج
فإنه كما سيجيء يجب عليه أحد النسكين، فإن اختار الحج اتصف بالوجوب، وقد
يتصف بالحرمة كالحج بمال حرام، وبالكراهة كالحج بلا إذن
قلت: وفيه نظر، فإن حرمة مجاوزته بدون إحرام لا تدل على أن الإحرام لا يكون إلا
واجباً من الآفاقي لأن الواجب كونه متلبساً بالإحرام وقت المجاوزة، سواء كان الإحرام
بحج نفل أو غيره، لأن الإحرام شرط لحل المجاوزة، والشرط لا يلزم تحصيله مقصوداً كما
مر في الاعتكاف؛ ونظيره أيضاً أن الجنب لا يحل له دخول المسجد حتى يغتسل، فإذا
اغتسل لسنة الجمعة مثلاً ثم دخل جاز، مع أنه إنما نوى الغسل المسنون وإنما يجب إذا أراد
الدخول، ولم يغتسل لغيره، وهنا إذا أراد مجاوزة الميقات وكان قاصداً للنسك وأحرم بنسك
فرض أو منذور أو نفل كفاه لحصول المقصود في تعظيم البقعة، فإن لم يكن قاصداً لذلك
بأن قصد الدخول لتجارة مثلاً فحينئذ يكون إحرامه واجباً، ونظيره تحية المسجد تندرج في
أيّ صلاة صلاها، فإن لم يصلّ فلا بد في تحصيل السنة من صلاتها على الخصوص، هذا ما
ظهر لي، وعن هذا والله تعالى أعلم فرض الشارح تبعاً للبحر والنهر تصوير الوجوب بما إذا
جاوز المیقات بلا إحرام فإنه يجب عليه العود إلى الميقات ویلبي منه، ویکون إحرامه حينئذ
واجباً إذا كان لأجل المجاوزة؛ أما لو أحرم قبلها بنسك فرض، أو نذر أو نفل فهو على ما
نوى من فرض أو غيره، ولا يجب عليه إحرام خاص لأجل المجاوزة، وحينئذ فلا حزازة في
عبارته، فافهم. قوله: (كما سيجيء) أي قبيل فصل الإحرام وكذا قبيل فصل الإحصار.
قوله: (فإن اختار الحج اتصف بالوجوب) فيكون من قبيل الواجب المخير: أي وإن اختار
العمرة اتصفت بالوجوب، وإنما تركه لعدم اقتضاء المقام إياه اهـح.
مَطْلَبٌ فِيمَنْ حَجَّ بِمَالِ حَرَامٍ
قوله: (كالحج بمال حرام) كذا في البحر، والأولى التمثيل بالحج رياء وسمعة، فقد
يقال: إن الحج نفسه الذي هو زيارة مكان مخصوص إلخ ليس حراماً، بل الحرام هو إنفاق
المال الحرام، ولا تلازم بينهما، كما أن الصلاة في الأرض المغصوبة تقع فرضاً، وإنما
الحرام شغل المكان المغصوب لا من حيث كون الفعل صلاة. لأن الفرض لا يمكن اتصافه
بالحرمة؛ وهنا كذلك فإن الحج في نفسه مأمور به، وإنما يحرم من حيث الإنفاق، وكأنه
أطلق عليه الحرمة لأن للمال دخلًا فيه، فإن الحج عبادة مرکبة من عمل البدن والمال كما
قدمناه، ولذا قال في البحر: ويجتهد في تحصيل نفقة حلال، فإنه لا يقبل بالنفقة الحرام كما
ورد في الحديث، مع أنه يسقط الفرض عنه معها ولا تنافي بين سقوطه وعدم قبوله، فلا
يثاب لعدم القبول، ولا يعاقب عقاب تارك الحج اهـ. أي لأن عدم الترك يبتني على
الصحة: وهي الإتيان بالشرائط، والأركان، والقبول المترتب عليه الثواب يبتني على أشياء
كحل المال والإخلاص، كما لو صلى مرائياً أو صام واغتاب فإن الفعل صحيح لكنه بلا
٠٠٠
٤٥٤
كتاب الحج
ممن يجب استئذانه. وفي النوازل: لو كان الابن صبيحاً فللأب منعه حتى يلتحي (على
الفور) في العام الأول عند الثاني، وأصح الروايتين عن الإمام ومالك وأحمد: فيفسق
وترد شهادته بتأخيره: أي سنيناً لأن تأخيره صغيرة، وبارتكابه مرة لا يفسق إلا
بالإصرار. بحر. ووجهه أن الفورية ظنية لأن دليل الاحتياط ظني، ولذا أجمعوا أنه لو
تراخی
ثواب، والله تعالى أعلم. قوله: (ممن يجب استئذانه) كأحد أبويه المحتاج إلى خدمته،
والأجداد والجدات کالأبوين عند فقدهما، وكذا الغریم لمديون لا مال له يقضي به،
والكفيل لو بالإذن، فيكره خروجه بلا إذنهم كما في الفتح، وظاهره أن الكراهة تحريمية ولذا
عبر الشارح بالوجوب، وزاد في البحر عن السير: وكذا إن كرهت خروجه زوجته ومن عليه
نفقته اهـ. والظاهر أن هذا إذا لم يكن له ما يدفعه للنفقة في غيبته قال في البحر: وهذا كله
في حج الفرض، أما حج النفل فطاعة الوالدين أولى مطلقاً كما صرح به في الملتقط. قوله:
(حتى يلتحي) وإن كان الطريق مخوفاً لا يخرج وإن التحى. بحر عن النوازل. قوله: (على
الفور) هو الإتيان به في أول أوقات الإمكان، ويقابله قول محمد: إنه على التراخي، وليس
معناه تعين التأخير بل بمعنى عدم لزوم الفور. قوله: (وأصح الروايتين) لا يصلح عطفه على
الثاني، فهو خبر مبتدأ محذوف، وقوله ((عند الثاني)) خبر مبتدأ محذوف أي هذا عند الثاني،
فقوله ((وأصح)) عطف عليه، فافهم. قوله: (ومالك وأحمد) عطف على الإمام فيفيد اختلاف
الرواية عنهما أيضاً، وعبارة شرح درر البحار تفيده أيضاً حيث قال: وهو أصح الروايات عن
أبي حنيفة ومالك وأحمد، فافهم. قوله: (أي سنيناً إلخ) ذكره في البحر بحثاً، وأتى بسنين
منوناً لأنه قد يجري مجرى حين، وهو عند قوم مطرد. قوله: (إلا بالإصرار) أي لكن
بالإصرار، فهو استثناء منقطع لعدم دخول الإصرار تحت المرة ح. ثم لا يخفى أنه لا يلزم من
عدم الفسق عدم الإثم فإنه يأثم ولو بمرة. وفي شرح المنار لابن نجيم عن التقرير للأكمل أن
حدّ الإصرار إن تتكرر منه تكرراً يشعر بقلة المبالاة بدينه إشعار ارتكاب الكبيرة بذلك اهـ.
ومقتضاه أنه غير مقدر بعدد بل مفوّض إلى الرأي والعرف، والظاهر أنه بمرتين لا يكون
إصراراً ولذا قال: أي سنيناً، فقوله في شرح الملتقى: فيفسق وترد شهادته بالتأخير عن العام
الأول بلا عذر غير محرر، لأن مقتضاه حصوله بمرة واحدة فضلاً عن المرتين، فافهم.
قوله: (ووجهه الخ) أي وجه كون التأخير صغيرة أن الفورية واجبة لأنها ظنية لظنية دليلها
وهو الاحتياط، لأن في تأخيره تعريضاً له للفوات، وهو غير قطعي فيكون التأخير مكروهاً
تحريماً لا حراماً، لأن الحرمة لا تثبت إلا بقطعي كمقابلها، وهو الفرضية وما ذكره مبني على
ما قاله صاحب البحر في رسالته المؤلفة في بيان المعاصي أن كل ما کره عندنا تحريماً فهو
من الصغائر، لكنه عدّ فيها من الصغائر ما هو ثابت بقطعي كوطء المظاهر منها قبل التكفير
٢
٤٥٥
كتاب الحج
كان أداء وإن أثم بموته قبله؛ وقالوا: لو لم يحج حتى أتلف ماله وسعه أن يستقرض
ويحج ولو غير قادر على وفائه ويرجى أن لا يؤاخذه الله بذلك: أي لو ناوياً وفاء إذا قدر
كما قيده في الظهيرية (على مسلم) لأن الكافر غير مخاطب بفروع الإيمان في حق
والبيع عند أذان الجمعة. تأمل. قوله: (كان أداء) أي ويسقط عنه الإثم اتفاقاً كما في البحر،
قيل: المراد إثم تفويت الحج لا إثم التأخير.
قلت: لا يخفى ما فيه، بل الظاهر أن الصواب إثم التأخير إذ بعد الأداء لا تفويت.
وفي الفتح: ويأثم بالتأخير عن أول سني الإمكان، فلو حج بعده ارتفع الإثم اهـ. وفي
القهستاني: فيأثم عند الشيخين بالتأخير إلى غيره بلا عذر إلا إذا أدى ولو في آخر عمره فإنه
رافع للإثم بلا خلاف. قوله: (وإن أثم بموته قبله) أي بالإجماع كما في الزيلعي، أما على
قولهما فظاهر، وأما على قول محمد فإنه وإن لم يأثم بالتأخير عنده لكن بشرط الأداء قبل
الموت فإذا مات قبله ظهر أنه آثم، قيل من السنة الأولى، وقيل من الأخيرة من سنة رأى في
نفسه الضعف، وقيل يأثم في الجملة غير محكوم بمعين بل علمه إلى الله تعالى كما في
الفتح. قوله: (وسعه أن يستقرض إلخ) أي جاز له ذلك، وقيل يلزمه الاستقراض كما في
لباب المناسك. قال منلا علي القارىء في شرحه عليه: وهو رواية عن أبي يوسف، وضعفه
ظاهر فإن تحمل حقوق الله تعالى أخف من ثقل حقوق العباد اهـ.
قلت: وهذا يرد على القول الأول أيضاً إن كان المراد بقوله ((ولو غير قادر)) على وفائه
أن يعلم أنه ليس له جهة وفاء أصلاً، أما لو علم أنه غير قادر في الحال وغلب على ظنه أنه
لو اجتهد قدر على الوفاء فلا يرد. والظاهر أن هذا هو المراد أخذاً مما ذكره في الظهيرية أيضاً
في الزكاة حيث قال: إن لم يكن عنده مال وأراد أن يستقرض لأداء الزكاة: فإن كان في أكبر
رأيه أنه إذا اجتهد بقضاء دينه قدر كان الأفضل أن يستقرض، فإن استقرض وأدى ولم يقدر
على قضائه حتى مات يرجى أن يقضي الله تبارك وتعالى دينه في الآخرة، وإن كان أكبر رأيه
أنه لو استقرض لا يقدر على قضائه كان الأفضل له عدمه اهـ. وإذا كان هذا في الزكاة
المتعلق بها حق الفقراء ففي الحج أولى. قوله: (على مسلم الخ) شروع في بيان شروط
الحج، وجعلها في اللباب أربعة أنواع.
الأول: شروط الوجوب، وهي التي إذا وجدت بتمامها وجب الحج وإلا فلا، وهي
سبعة: الإسلام، والعلم بالوجوب لمن في دار الحرب، والبلوغ، والعقل، والحرية،
والاستطاعة، والوقت: أي القدرة في أشهر الحج أو في وقت خروج أهل بلده على ما
يأتي.
والنوع الثاني: شروط الأداء، وهي التي إن وجدت بتمامها مع شروط الوجوب،
وجب أداؤه بنفسه، وإن فقد بعضها مع تحقق شروط الوجوب، فلا يجب الأداء بل عليه
٤٥٦
كتاب الحج
الأداء، وقد حققناه فيما علقناه على المنار (حر مكلف) عالم بفرضيته،
الإحجاج أو الإيصاء عند الموت وهي خمسة: سلامة البدن، وأمن الطريق، وعدم الحبس،
والمحرم أو الزوج للمرأة، وعدم العدة لها.
النوع الثالث: شرائط صحة الأداء، وهي تسعة: الإسلام، والإحرام، والزمان،
والمكان، والتمييز والعقل، ومباشرة الأفعال إلا بعذر، وعدم الجماع، والأداء من عام
الإحرام.
النوع الرابع: شرائط وقوع الحج عن الفرض، وهي تسعة: الإسلام، وبقاؤه إلى
الموت، والعقل، والحرية، والبلوغ، والأداء بنفسه إن قدر، وعدم نية النفل، وعدم
الإفساد، وعدم النية عن الغير. قوله: (على مسلم) فلو ملك الكافر ما به الاستطاعة ثم
أسلم بعد ما افتقر لا يجب عليه شيء بتلك الاستطاعة، بخلاف ما لو ملكه مسلماً فلم يحج
حتى افتقر حيث يتقرّر وجوبه ديناً في ذمته. فتح، وهو ظاهر على القول بالفورية لا
التراخي. نهر.
قلت: وفيه نظر، لأن على القول بالتراخي يتحقق الوجوب من أول سني الإمكان،
ولكنه يتخير في أدائه فيه أو بعده كما في الصلاة تجب بأول الوقت موسعاً وإلا لزم أن لا
يتحقق الوجوب إلا قبيل الموت، وأن لا يجب الإحجاج على من كان صحيحاً ثم مرض أو
عمي، وأن لا يأثم المفرط بالتأخير إذا مات قبل الأداء، وكل ذلك خلاف الإجماع، فتدبر.
قوله: (وقد حققناه إلخ) حاصل ما ذكره هناك: أن في تكليفه بالعبادات ثلاثة مذاهب:
مذهب السمرقنديين غير مخاطب بها أداء واعتقاداً، والبخاريين مخاطب اعتقاداً فقط،
والعراقيين مخاطب بهما فيعاقب عليهما. قال: وهو المعتمد كما حرره ابن نجيم، لأن ظاهر
النصوص يشهد لهم وخلافه تأويل، ولم ينقل عن أبي حنيفة وأصحابه شيء ليرجع إليه اهـ.
ولا يخفى أن قوله ((في حق الأداء)» يفهم أنه مخاطب بها اعتقاداً فقط كما هو مذهب البخاريين
وهو ما صححه صاحب المنار، لكن ليس في كلام الشارح أن ما هنا هو ما اعتمده هناك،
وما قيل إن ما هنا خلاف المذهب فيه نظر لما علمت من أنه لا نص عن أصحاب المذهب،
فافهم. قوله: (حر) فلا يجب على عبد مدبراً كان أو مكاتباً أو مبعضاً أو مأذوناً به ولو بمكة،
أو كانت أم ولد لعدم أهليته لملك الزاد والراحلة، ولذا لم يجب على عبيد أهل مكة،
. بخلاف اشتراط الزاد والراحلة في حق الفقير، فإنه للتيسير لا للأهلية، فوجب على فقراء
مكة. وبهذا التقرير ظهر الفرق بين وجوب الصلاة والصوم على العبد دون الحج. نهر. وهو
وجود الأهلية فيهما لا فيه، والمراد أهلية الوجوب وإلا فالعبد أهل للأداء فيقع له نفلاً كما
سيأتي. قوله: (مكلف) أي بالغ عاقل فلا يجب على صبيّ ولا مجنون. وفي المعتوه خلاف
في الأصول: فذهب فخر الإسلام إلى أنه يوضع الخطاب عنه كالصبيّ، فلا يجب عليه شيء
٤٥٧
كتاب الحج
إما بالكون بدارنا، وإما بإخبار عدل أو مستورين (صحيح) البدن (بصير) غير محبوس
من العبادات. وذهب الدبوسي إلى أنه مخاطب بها احتياطاً بحر. وقدمنا الكلام على المعتوه
في أول الزكاة فراجعه.
تنبيه: ذكر في البدائع أنه لا يجوز أداء الحج من مجنون وصبيّ لا يعقل كما لا يجب
عليهما اهـ. ونقل غيره صحة حجهما. ووفق في شرح اللباب بالفرق بين من له بعض إدراك
وغيره.
قلت: وفيه نظر، بل التوفيق بحمل الأول على أدائهما بنفسهما، والثاني على فعل
الولي. ففي الولوالجية وغيرها: الصبيّ يحج به أبوه، وكذا المجنون لأن إحرامه عنهما وهما
عاجزان كإحرامهما بنفسهما اهـ. وسيأتي تمامه. قوله: (إما بالكون في دارنا) سواء سلم
بالفرضية أم لا، نشأ على الإسلام فيها أم لا. بحر. وقوله ((أو بإخبار عدل إلخ)) هذا لمن
أسلم في دار الحرب، فلا يجب عليه قبل العلم بالوجوب. بقي لو أدى قبله: ذكر القطبي
في مناسكه بحثاً أنه لا يجزيه عن الفرض، ونوزع بأن العلم ليس من شروط وقوع الحج عن
الفرض كما علم مما مر، وبأن الحج يصح بمطلق النية بلا تعيين الفرضية، بخلاف الصلاة،
وبأنه يصح مما نشأ في دارنا وإن لم يعلم بالفرضية علته. قوله: (أو مستورين) أفاد أن الشرط
أحد شطري الشهادة العدد أو العدالة کما في النهر. قوله: (صحیح البدن) أي سالم عن
الآفات المانعة عن القيام بما لا بد منه في السفر، فلا يجب على مقعد ومفلوج وشيخ كبير لا
يثبت على الراحلة بنفسه وأعمى، وإن وجد قائداً، ومحبوس وخائف من سلطان، لا بأنفسهم
ولا بالنيابة في ظاهر المذهب عن الإمام وهو رواية عنهما، وظاهر الرواية عنهما وجوب
الإحجاج عليهم، ويجزيهم إن دام العجز، وإن زال أعادوا بأنفسهم.
والحاصل: أنه من شرائط الوجوب عنده، ومن شرائط وجوب الأداء عندهما، وثمرة
الخلاف تظهر في وجوب الإحجاج والإيصاء كما ذكرنا، وهو مقيد بما إذا لم يقدر على
الحج وهو صحيح، فإن قدر ثم عجز قبل الخروج إلى الحج تقرر ديناً في ذمته، فيلزمه
الإحجاج، فلو خرج ومات في الطريق لم يجب الإيصاء لأنه لم يؤخر بعد الإيجاب، ولو
تكلفوا الحج بأنفسهم سقط عنهم، وظاهر التحفة اختيار قولهما، وكذا الإسبيجابي، وقواه
في الفتح ومشى على أن الصحة من شرائط وجوب الأداء اهـ من البحر والنهر. وحكي في
اللباب اختلاف التصحيح، وفي شرحه أنه مشى على الأول في النهاية. وقال في البحر
العميق: إنه المذهب الصحيح، وإن الثاني صححه قاضيخان في شرح الجامع واختاره كثير
من المشايخ ومنهم ابن الهمام. قوله: (بصير) فيه الخلاف المار كما علمته. قوله: (غير
محبوس) هذا من شروط الأداء كما مر، والظاهر أنه لو كان حبسه لمنعه حقاً قادراً على أدائه
لا يسقط عنه وجوب الأداء.
٤٥٨
كتاب الحج
وخائف من سلطان يمنع منه (ني زاد) يصح به بدنه، فالمعتاد اللحم ونحوه إذا قدر على
خبز وجبن لا يعدّ قادراً (وراحلة) مختصة به وهو المسمى بالمقتب إن قدر، وإلا فتشترط
القدرة على المحارة للآفاقي لا لمكي يستطيع المشي
تنبيه: ذكر في شرح اللباب عن شمس الإسلام أن السلطان ومن بمعناه من الأمراء
ملحق بالمحبوس فيجب الحج في ماله الخالي عن حقوق العباد، وتمامه فيه. ولا يخفى أن
هذا إن دام عجزه إلى الموت، وإلا فيجب عليه الحج بنفسه بعد زوال عذره، وهو مقید
أيضاً بما إذا كان قادراً على الحج ثم عجز، وإلا فلا يلزمه الإحجاج على الخلاف المذكور
آنفاً. قوله: (يمنع منه) أي من الحج: أي الخروج إليه ط. قوله: (ذي زاد وراحلة) أفاد أنه
لا يجب إلا بملك الزاد وملك أجرة الراحلة، فلا يجب بالإباحة أو العارية كما في البحر،
وسيشير إليه. قوله: (مختصة به) فلا يكفي لو قدر على راحلة مشتركة يركبها مع غيره
بالمعاقبة. شرح اللباب. قوله: (وهو المسمى بالمقتب) بضم الميم اسم مفعول: أي ذو
القتب، وهو كما في القاموس: الإكاف الصغير حول السنام ح. وذكر ضمير الراحلة باعتبار
كونها مركوباً. قوله: (وإلا) أي إن لم يقدر على ركوب المقتب. قوله: (على المحارة) هي
شبه الهودج. قاموس: أي على شقّ منها بشرط أن يجد له معادلاً كما صرح به في الشافعية،
وما في البحر من أنه يمكنه أن يضع في الشق الآخر أمتعته، رده الخير الرملي(١) وفي شرح
اللباب: إما بركوب زاملة: أي مقتب، أو بشق محمل. وأما المحفة فمن مبتدعات المترفهة
فليس لها عبرة اهـ. والظاهر أن المراد بالمحفة: التخت المعروف في زماننا المحمول بين
جملين أو بغلين، لكن اعترضه الشيخ عبد الله العفيف في شرح منسكه بأنه منابذ لما قرروه
من أنه يعتبر في كل ما يليق بحاله عادة وعرفاً، فمن لا يقدر إلا عليها اعتبر في حقه بلا
ارتياب، وإن قدر بالمحمل أو المقتب فلا يعذر ولو كان شريفاً أو ذا ثروة اهـ. قوله:
(للآفاقي) مرتبط بقوله ((وراحلة)) لا بقوله ((فتشترط)) لإيهامه أن غير الآفاقي يشترط له المقتب
فلا يناسب قوله ((لا لمكي يستطيع المشي)).
والحاصل: أن الزاد لا بد منه ولو لمكي كما صرح به غير واحد كصاحب الينابيع
والسراج، وما في الخانية والنهاية من أن المكي يلزمه الحج ولو فقيراً لا زاد له، نظر فيه ابن
الهمام، إلا أن يراد ما إذا كان يمكنه الاكتساب في الطريق؛ وأما الراحلة فشرط للآفاقي دون
المكي القادر على المشي، وقيل شرط مطلقاً لأن ما بين مكة وعرفات أربع فراسخ، ولا
(١) في ط (قوله رده الخير الرملي الخ) ظاهره أن العلامة الرملي مال لقول السادة الشافعية من اشتراط المعادل مطلقاً
وليس كذلك، فإنه قال ما معناه: إن لم يجد معادلاً فليس بقادر، لكن هذا إذا كان لا يقدر على استئجار تمام
المحارة، أما إذا قدر فلا يشترط المعادل، بل يضع أمتعته في أحد الشقين ويركب في الآخر إذا كان لا يحصل له مشقة
في تحويل الأمتعة إلى ظهر الجمل عند النزول.
٤٥٩
كتاب الحج
لشبهه بالسعي للجمعة، وأفاد أنه لو قدر على غير الراحلة من بغل أو حمار لم يجب. قال
في البحر: ولم أره صريحاً، وإنما صرحوا بالكراهة. وفي السراجية: الحج راكباً أفضل
منه ماشياً، به يفتى.
يقدر كل أحد على مشيها كما في المحيط، وصحح صاحب اللباب في منسكه الكبير
الأول، ونظر فيه شارحه القاري بأن القادر نادر ومبنى الأحكام على الغالب، وحدّ المكي
عندنا من كان داخل المواقيت إلى الحرم كما ذكره الكرماني، وهو بعيد جداً، بل الظاهر ما
في السراج وغيره أنه من بينه وبين مكة أقل من ثلاثة أيام. وفي البحر الزاخر: واشترط
الراحلة في حق من بينه وبين مكة ثلاثة أيام فصاعداً، أما ما دونه فلا إذا كان قادراً على
المشي، وتمامه في شرح اللباب.
تنبيه: في اللباب: الفقير الآفاقي إذا وصل إلى ميقات فهو کالمكي. قال شارحه: أي
حيث لا يشترط في حقه إلا الزاد والراحلة(١) إن لم يكن عاجزاً عن المشي، وينبغي أن يكون
الغني الآفاقي كذلك إذا عدم الركوب بعد وصوله إلى أحد المواقيت، فالتقييد بالفقير
لظهور عجزه عن المركب، وليفيد أنه يتعين عليه أن لا ينوي نفلاً على زعم أنه لا يجب عليه
الفقره لأنه ما كان واجباً وهو آفاقي فلما صار كالمكي وجب عليه، فلو نواه نفلاً لزمه الحج
ثانياً اهـ ملخصاً. ونظيره ما سنذكره في باب الحج عن الغير من أن المأمور بالحج إذا واصل
إلی مکة لزمه أن یمکث لیحج حج الفرض عن نفسه، لكونه صار قادراً على ما فيه كما
ستعلمه إن شاء الله تعالى. قوله: (لشبهه بالسعي إلى الجمعة) أي في عدم اشتراط الراحلة
فيه. قوله: (وأفاد) أي حيث عبر بالراحلة وهي من الإبل خاصة، وهو الموافق للهداية
وشروحها، ولما في كتب اللغة من أنها المركب من الإبل ذكراً كان أو أنثى، وما في
القهستاني ومن تفسيرها بأنها ما يحمله ويحمل ما يحتاجه من طعام وغيره، وأنها في الأصل
البعير القويّ على الأسفار والأحمال اهـ. لا يخالف ذلك لأن غير البعير لا يحمل الإنسان مع
ما يحتاجه في المسافة البعيدة. وقد صرح في المجتبى عن شرح الصباغي بأنه لو ملك كرى
حمار فهو عاجز عن النفقة اهـ. والذي ينبغي ما قاله الإمام الأذرعي من الشافعية من اعتبار
القدرة على البغل والحمار فيمن بينه وبين مكة مراحل يسيرة دون البعيدة، لأن غير الإبل لا
يقوى عليها. قال السندي في منسكه الكبير: وهو تفصيل حسن جداً، ولم أر في كلام
أصحابنا ما يخالفه بل ينبغي أن يكون هذا التفصيل مرادهم اهـ. فافهم. قوله: (وإنما صرحوا
بالكراهة) أي التنزيهية كما استظهره صاحب البحر بدليل أفضلية مقابلة ط. قوله: (به
يفتى)لعل وجهه أن فيه زيادة النفقة، وهي مقصودة في الحج، ولذا اشترط في الحج عن
الغیر أن يحج راكباً إذا اتسعت النفقة، حتى لو حج ماشياً ولو بأمره ضمن کما صرح به في
(١) في ط (قوله إلا الزاد والراحلة الخ) هكذا عبارة المحشي ولعل صوابها ((لا الراحلة)).
٤٦٠
كتاب الحج
والمقتب أفضل من المحارة. وفي إجارة الخلاصة: حمل الجمل مائتان وأربعون مناً،
والحمار مائة وخمسون فظاهره أن البغل كالحمار؛ ولو وهب الأب لابنه مالاً يحج به لم
يجب قبوله، لأن شرائط الوجوب لا يجب تحصيلها، وهذا منها باتفاق الفقهاء خلافاً
للأصولیین (فضلاً عما لا بد منه) کما مر في الزكاة،
اللباب، لكن سيأتي آخر كتاب الحج أن من نذر حجاً ماشياً وجب عليه المشي في الأصح
وعليه المتون، وعلله في الهداية وغيرها بأنه التزم القربة بصفة الكمال لقوله {َ﴾ ((مَنْ حَجّ
مَاشياً كَتَبَ اللّهُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ حَسَنَةً مِنْ حَسَنَاتِ الحَرَمِ، قَيلَ: وَمَا حَسَنَاتُ الحَرَمِ؟ قَالَ:
كُلُّ حَسَنَةٍ بِسَبْعِمائَةٍ، ولأنه أشق على البدن فكان أفضل، وتهامه في شرح الجامع الَخاني.
وقال في الفتح: إن قيل كره أبو حنيفة الحج ماشياً فكيف يكون صفة كمال؟ قلنا: إنما كرهه
إذا كان مظنة سوء الخلق، كأن يكون صائماً مع المشي أو لا يطيقه، وإلا فلا شك أن المشي
أفضل في نفسه لأنه أقرب إلى التواضع والتذلل، ثم ذكر الحديث المارّ وغيره.
قلت: وأما مسألة الحج عن الغير فلعل وجهها أن الميت لما عجز عن إحدى
المشقتين وهي مشقة البدن، ولم يقدر إلا على الأخرى وهي مشقة المال صارت كأنها هي
المقصودة فلزم الإتيان بها كاملة، ولذا وجب الإحجاج من منزل الآمر والإنفاق من ماله،
ولم يجزه تبرّع غيره عنه لعدم حصول مقصوده، فليتأمل. قوله: (والمقتب أفضل من
المحارة) لأنه * حج كذلك، ولأنه أبعد من الرياء والسمعة وأخف على الحيوان. قوله:
(وفي إجارة الخلاصة إلخ) قال الخير الرملي: نقله في الخلاصة عن الفتاوى الصغرى،
ولعمري هذا إجحاف على الحمار وإنصاف في حق الجمل، فتأمل. وذكر في الجوهرة أن
المنّ ستة وعشرون أوقية، والأوقية سبعة مثاقيل وهي عشرة دراهم، والمائتان وأربعون مناً
هي الوسق، وهي قنطار دمشقي تقريباً. قوله: (فظاهره أن البغل كالحمار) كذا في النهر،
وكأنه أراد الحمار القويّ المعد لحمل الأثقال في الأسفار فإنه كالبغل، وإلا فأكثر الحمير
دون البغال بکثیر، فافهم. قوله: (ولو وهب الأب لابنه إلخ) و کذا عکسه، وحيث لا يجب
قبوله مع أنه لا يمن أحدهما على الآخر يعلم حكم الأجنبي بالأولى، ومراده إفادة أن القدرة
على الزاد والراحلة لا بد فيها من الملك دون الإباحة والعارية كما قدمناه. قوله: (وهذا) أي
المذكور وهو القدرة على الزاد والراحلة. قوله: (خلافاً للأصوليين) حيث قالوا: إنها من
شروط وجوب الأداء، وتمامه في البحر وفيما علقناه عليه. قوله: (كما مر في الزكاة) أي
من بيان ما لا بد منه من الحوائج الأصلية كفرسه وسلاحه وثيابه وعبيد خدمته وآلات حرفته
وأثاثه وقضاء دیونه وأصدقته ولو مؤجلة کما في اللباب وغيره، والمراد قضاء دیون العباد،
ولذا قال في اللباب أيضاً: وإن وجد مالاً وعليه حج وزكاة يحج به، قيل: إلا أن يكون المال
من جنس ما تجب فيه الزكاة فیصرف إليها اهـ.