النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ كتاب الصلاة/ باب صلاة الجنازة فيلحد (و) أن (يقول واضعه: بسم الله، وبالله، وعلى ملّة رسول الله وَله، ويوجه إليها) وجوباً، وينبغي كونه على شقه الأيمن ولا ينبش ليوجه إليها (وتحل العقدة) للاستغناء مستقبل القبلة حال الأخذ. وقال الشافعي وأحمد: يستحب السل، بأن يوضع الميت عند آخر القبر ثم يسل من قبل رأسه منحدراً، وبيان الأدلة في شرح المنية والفتح. ولا يضر عندنا كون الداخل في القبر وتراً أو شفعاً، واختار الشافعي الوتر، وتمامه في البحر. قوله: (فيلحد) وكذا لو كان القبر شقاً غير مسقف، أما المسقف فيتعين فيه السل. قوله: (وبالله) زاده على ما في الكنز والهداية، وهو ثابت في لفظ للترمذي، والأول في لفظ لابن ماجه، وفي لفظ له بزيادة ((وفي سبيل الله)) بعد قوله ((بسم الله)) وذكره في البدائع عن الحسن عن أبي حنيفة، قالوا: والمعنى بسم الله وضعناك، وعلى ملّة رسول الله سلمناك. ثم قال الإمام أبو منصور الماتريدي: ليس هذا دعاء للميت، لأنه إن مات على ملّة رسول الله وَ ﴿ لم يجز أن يبدل حاله، وإن مات على غير ذلك لم يبدل أيضاً، ولكن المؤمنون شهداء الله في أرضه، فيشهدون بوفاته على الملّة، وعلى هذا جرت السنة اهـ حلية. تنبيه: في الاقتصاد على ما ذكر من الوارد إشارة إلى أنه لا يسن الأذان عند إدخال الميت في قبره كما هو المعتاد الآن، وقد صرح ابن حجر في فتاويه بأنه بدعة. وقال: ومن ظن أنه سنة قياساً على ندبهما للمولود إلحاقاً لخاتمة الأمر بابتدائه فلم يصب اهـ. وقد صرح بعض علمائنا وغيرهم بكراهة المصافحة المعتادة عقب الصلوات مع أن المصافحة سنة، وما ذاك إلا لكونها لم تؤثر في خصوص هذا الموضع، فالمواظبة عليها فيه توهم العوام بأنها سنة فيه، ولذا منعوا عن الاجتماع لصلاة الرغائب التي أحدثها بعض المتعبدين لأنها لم تؤثر على هذه الكيفية في تلك الليالي المخصوصة، وإن كانت الصلاة خير موضوع. قوله: (وجوباً) أخذه من قول الهداية: بذلك أمر رسول الله وَّر، لكن لم يجده المخرّجون. وفي الفتح: إنه غريب، واستؤنس له بحديث أبي داود والنسائي ((أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ الله مَا الكَبَائِرُ؟ قَالَ: هِيَ تِسْعٌ فَذَكَّرَ مِنْهَا اسْتِحِلَالَ البَيْتِ الحَرَامِ: قِبْلَتَكُمْ أَحْيَاءَ وَأَمْوَاتًا))(١) اهـ. قلت: ووجهه أن ظاهره التسوية بين الحياة والموت في وجوب استقباله، لكن صرح في التحفة بأنه سنة كما يأتي عقبه. قوله: (ولا ينبش ليوجه إليها) أي لو دفن مستدبراً لها وأهالوا التراب لا ينبش، لأن التوجه إلى القبلة سنة والنبش حرام، بخلاف ما إذا كان بعد إقامة اللبن قبل إهالة التراب فإنه يزال ويوجه إلى القبلة عن يمينه. حلية عن التحفة. ولو بقي فيه متاع لإنسان فلا بأس بالنبش. ظهيرية. قوله: (للاستغناء عنها) لأنها تعقد لخوف (١) ذكره الهيثمي في المجمع ١/ ٥٣ وعزاه لأبي داود والطبراني في الكبير وقال: رجاله موثقون. ١٤٢ كتاب الصلاة/ باب صلاة الجنازة عنها (ويسوي اللبن عليه والقصب لا الآجرّ) المطبوخ والخشب لو حوله، أما فوقه فلا يكره. ابن ملك. فائدة: عدد لبنات لحد النبي عليه الصلاة والسلام تسع. بهنسي (وجاز) ذلك حوله (بأرض رخوة) كالتابوت (ويسجى) أي يغطى (قبرها) ولو خنثى (لا قبره) إلا لعذر كمطر (ويهال التراب عليه، وتكره الزيادة عليه) من التراب لأنه بمنزلة البناء، الانتشار عند الحمل. قوله: (ويسوّي اللبن عليه) أي على اللحد بأن يسدّ من جهة القبر ويقام اللبن فيه. حلية عن شرح المجمع. قوله: (والقصب) قال في الحلية: وتسدّ الفرج التي بين اللبن بالمدر والقصب كي لا ينزل التراب منها على الميت. ونصوا على استحباب القصب فيها كاللبن اهـ. قوله: (لا الآجر) بمد الهمزة والتشديد أشهر من التخفيف مصباح. وقوله ((المطبوخ)) صفة كاشفة. قال في البدائع: لأنه يستعمل للزينة ولا حاجة للميت إليها، ولأنه مما مسته النار، فيكره أن يجعل على الميت تفاؤلاً كما يكره أن يتبع قبره بنار تفاؤلًا. قوله: (لو حوله الخ) قال في الحلية: وكرهوا الآجرّ وألواح الخشب. وقال الإمام التمرتاشي: هذا إذا كان حول الميت، فلو فوقه لا يكره لأنه يكون عصمة من السبع. وقال مشايخ بخارى: لا يكره الآجر في بلدتنا للحاجة إليه لضعف الأراضي. قوله: (وعدد لبنات الخ) نقله أيضاً في الأحكام عن الشمني عن شرح مسلم بلفظ ((يقال عدد الخ). قوله: (وجاز ذلك) أي الآجر والخشب. قوله: (ويسجى قبرها) أي بثوب ونحوه استحباباً حال إدخالها القبر حتى يسوى اللبن على اللحد كذا في شرح المنية والإمداد. ونقل الخير الرملي أن الزيلعي صرح في كتاب الخنثى أنه على سبيل الوجوب. قلت: ويمكن التوفيق بحمله على ما إذا غلب على الظن ظهور شيء من بدنها. تأمل. قوله: (كمطر) أي وبرد وحر وثلج. قهستاني. قوله: (عليه) أي على القبر أو على الميت، وهو أقرب لفظاً، والأول أقرب معنى. قوله: (وتكره الزيادة عليه) لما في صحيح مسلم عن جابر قال ((نَهَى رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُحِصَّصَ القَبرِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيهِ)(١) زاد أبو داود ((أو يزاد عليه)) حلية. قوله: (لأنه بمنزلة البناء) كذا في البدائع. وظاهره أن الكراهة تحريمية، وهو مقتضى النهي المذكور، لكن نظر صاحب الحلية في هذا التعليل وقال: وروي عن محمد أنه لا بأس بذلك، ويؤيده ما روى الشافعي وغيره عن جعفر بن محمد عن أبيه ((أن رسول الله وَ ﴿ رَشَّ عَلَى قَبْ أَبْنِهِ إِبْرَاهِيمَ وَوَضَعَ عَلَيْهِ حَصْبَاء)»(٢) وهو مرسل صحيح؛ فتحمل الكراهة على الزيادة الفاحشة، وعدمها على القليلة المبلغة له (١) أخرجه مسلم (٩٧٠) وأبو داود (٣٢٢٦) والنسائي ٨٦/٤ وابن ماجه (١٥٦٣). (٢) أخرجه الشافعي في المسند ٢١٥/١ والبغوي في شرح السنة كتاب الجنائز (١٥١٥) وذكره الخطيب التبريزي في مشكاة المصابيح ٥٣٥/١ (١٠٧٨) وقال: مرسل. ١٤٣ كتاب الصلاة/ باب صلاة الجنازة ويستحب حثیه من قبل رأسه ثلاثاً، وجلوس ساعة بعد دفنه لدعاء وقراءة بقدر ما ينحر الجزور ويفرق لحمه. (ولا بأس برش الماء عليه) حفظاً لترابه عن الاندراس (ولا يربع) للنهي (ويسنم) ندباً. وفي الظهيرية : وجوباً مقدار شبر أو ما فوقه قليلاً. قوله: (ويستحب حثيه) أي بيديه جميعاً. جوهرة. قال في المغرب: حثيت التراب حثياً وحثوته حثواً: إذا قبضته ورميته اهـ. ومثله في القاموس، فهو واوي ويائي، فافهم. قوله: (من قبل رأسه ثلاثاً) لما في ابن ماجه عن أبي هريرة ((أن رسول الله ﴿ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ ثُمَّ أَتَى القَبْ فَحَثَا عَلَيهِ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ثَلَاثاً) شرح المنية. قال في الجوهرة: ويقول في الحثية الأولى ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ وفي الثانية ﴿وفيها نعيدكم﴾ وفي الثالثة ﴿وَمِنْهَا نُخْرِ جُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ وقيل يقول في الأولى: اللهم جاف الأرض عن جنبيه، وفي الثانية: اللهم افتح أبواب السماء لروحه، وفي الثالثة: اللهم زوّجه من الحور العين. وللمرأة: اللهم أدخلها الجنة برحمتك اهـ. قوله: (وجلوس الخ) لما في سنن أبي داود ((كان النبي ◌َ﴿ إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ المَيِّتِ وَقَفَ عَلَى قَبرِهِ وَقَالَ: اشتغْفِرُوا لأُخِيكُمْ وَأَسْأَلُوا الله لَهُ التَّثْبِيتَ، فإنه الآنَ يُسْأَلُ))(١) وكان ابن عمر يستحب أن يقرأ على القبر بعد الدفن أول سورة البقرة وخاتمتها. وروي أن عمرو بن العاص قال وهو في سياق الموت: (إذا أنا متّ فلا تصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني فشنوا عليّ التراب شناً، ثم أقيموا حول قبري قدر ما ينحر جزور ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع رسل ربي)) جوهرة. قوله: (ولا بأس برش الماء عليه) بل ينبغي أن يندب، لأنه ے فعله بقبر سعد كما رواه ابن ماجه، وبقبر ولده إبراهيم كما رواه أبو دواد في مراسيله، وأمر به في قبر عثمان بن مظعون كما رواه البزار، فانتفى ما عن أبي يوسف من كراهته لأنه يشبه التطيين. حلية. قوله: (للنهي) هو ما رواه محمد بن الحسن في الآثار: أخبرنا أبو حنيفة قال: حدثنا شيخ لنا يرفعه إلى النبي وَّفي ((أنه نهى عن تربيع القبور وتخصيصها))(٢) إمداد. قوله: (ويسنم) أي يجعل ترابه مرتفعاً عليه كسنام الجمل، لما روى البخارى عن سفيان النمار ((أنه رأى قبر النبي * مسنماً)) وبه قال الثوري والليث ومالك وأحمد والجمهور. وقال الشافعي، التسطيح: أي التربيع أفضل، وتمامه في شرح المنية. قوله: (وفي الظهيرية وجوباً) هو مقتضى النهي المذكور، ويؤيده ما في البدائع من التعليل بأنه من صنيع أهل الكتاب، والتشبه بهم فيما منه بد مكروه اهـ لكن في النهر: أن الأول أولى. (١) أخرجه أبو داود (٣٢٢١) والبيهقي في السنن ٤/ ٥٦. (٢) أخرجه أبو حنيفة في مسنده ١/ ٤٥٧. ١٤٤ كتاب الصلاة/ باب صلاة الجنازة قدر شبر (ولا یحصص) للنھي عنه (ولا یطین، ولا یرفع علیه بناء. وقيل لا بأس به وهو المختار) كما في كراهة السراجية. وفي جنائزها: لا بأس بالكتابة إن احتيج إليها حتى قلت: ولعل وجهه شبهة الاختلاف، والحديث الذي استدل به الشافعي على التربيع فيكون النهي مصروفاً عن ظاهره، فتأمل. قوله: (قدر شبر) أو أكثر شيئاً قليلاً. بدائع. قوله: (ولا يحصص) أي لا يطلى بالجص بالفتح ويكسر. قاموس. قوله: (ولا يرفع عليه بناء) أي يحرم لو للزينة، ويكره لو للإحكام بعد الدفن، وأما قبله فليس بقبر. إمداد. وفي الأحكام عن جامع الفتاوى: وقيل لا يكره البناء إذا كان الميت من المشايخ والعلماء والسادات اهـ. قلت: لكن هذا في غير المقابر المسبلة كما لا يخفى. قوله: (وقيل لا بأس به الخ) المناسب ذكره عقب قوله ((ولا يطين)) لأن عبارة السراجية كما نقله الرحمتي ذكر في تجريد أبي الفضل أن تطيين القبور مكروه، والمختار أنه لا يكره اهـ. وعزاه إليها المصنف في المنح أيضاً. وأما البناء عليه فلم أر من اختار جوازه. وفي شرح المنية عن منية المفتي: المختار أنه لا يكره التطيين، وعن أبي حنيفة يكره أن يبنى عليه بناء من بيت أو قبة أو نحو ذلك، لما روى جابر: ((نهى رسول الله له عن تجصيص القبور، وأن يكتب عليها، وأن يبنى عليها)» رواه مسلم وغيره أهـ. نعم في الإمداد عن الكبرى: واليوم اعتادوا التسنيم باللبن صيانة للقبر عن النبش، ورأوا ذلك حسناً. وقال ◌َله: «مَا رَآهُ المُسْلِمُونَ حَسَنَاً فَهُوَ عِنْدَ اللهِ حَسَنٌ))(١) اهـ. قوله: (لا بأس بالكتابة الخ) لأن النهي عنها وإن صح فقد وجد الإجماع العملي بها، فقد أخرج الحاکم النهي عنها من طرق، ثم قال: هذه الأسانید صحیحة ولیس العمل عليها، فإن أئمة المسلمين من المشرق إلى المغرب مكتوب على قبورهم وهو عمل أخذ به الخلف عن السلف اهـ. ويتقوّى بما أخرجه أبو داود بإسناد جيد ((أنَّ رسول الله اله ◌َلَ حَجَراً فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَأْسٍ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ وَقَالَ: أَتَعلِّمُ بِهِا قَبرِ أَخِي وَأَدْفِنُ إِلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي)(٢) فإن الكتابة طريق إلى تعرّف القبر بها؛ نعم يظهر أن محل هذا الإجماع العملي على الرخصة فيها ما إذا كانت الحاجة داعية إليه في الجملة كما أشار إليه في المحيط بقوله: وإن احتيج إلى الكتابة، حتى لا يذهب الأثر ولا يمتهن فلا بأس به، فأما الكتابة بغير عذر فلا اهـ. حتى أنه يكره كتابة شيء عليه من القرآن أو الشعر أو اطراء مدح له ونحو ذلك. حلية ملخصاً. (١) أخرجه الحاكم في المستدرك ٣/ ٧٨ وذكره العجلوني في الكشف ٢/ ٢٦٣ وعزاه لأحمد وقال: وهو موقوف حسن وعزاه ايضاً للبزار والطيالسي والطبراني وأبي نعيم والبيهقي في الاعتقاد عن ابن مسعود وقال الحافظ ابن عبد الهادي: روي مرفوعاً عن أنس بإسناد ساقط والأصح وقفه على ابن مسعود. (٢) أخرجه أبو داود (٣٢٠٦). ١٤٥ كتاب الصلاة/ باب صلاة الجنازة لا يذهب الأثر ولا يمتهن (ولا يخرج منه) بعد إهالة التراب (إلا) لحق آدمي، كـ (أن تکون الأرض مغصوبة أو أخذت بشفعة) ویخیر المالك بین إخراجه ومساواته بالأرض کما جاز زرعه والبناء علیه إذا بلي وصار تراباً. زيلعي. (حامل ماتت وولدها حيّ) يضطرب (شق بطنها) من الأيسر (ويخرج ولدها) ولو بالعكس وخيف على الأم قطع وأخرج لو ميتاً، وإلا لا، كما في كراهة الاختيار. ولو بلغ مال غيره ومات هل يشق؟ قولان: والأولى نعم. فتح. قلت: لكن نازع بعض المحققين من الشافعية في هذا الإجماع بأنه أكثري، وإن سلم فمحل حجيته عند صلاح الأزمنة بحيث ينفذ فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد تعطل ذلك منذ أزمنة؛ ألا ترى أن البناء على قبورهم في المقابر المسبلة أكثر من الكتابة عليها كما هو مشاهد، وقد علموا بالنهي عنه، فكذا الكتابة اهـ. فالأحسن التمسك بما يفيد حمل النهي على عدم الحاجة، كما مر. تتمة: في الأحكام عن الحجة: تكره الستور على القبور اهـ. قوله: (إلا لحق آدمي) احتراز عن حق الله تعالى، كما إذا دفن بلا غسل أو صلاة أو وضع على غير يمينه أو إلى غير القبلة فإنه لا ينبش عليه بعد إهالة التراب كما مر. قوله: (كأن تكون الأرض مغصوبة) وكما إذا سقط في القبر متاع أو كفن بثوب مغصوب أو دفن معه مال قالوا: ولو كان المال درهماً. بحر. قال الرملي: واستفيد منه جواب حادثة الفتوى: امرأة دفنت مع بنتها من المصاغ والأمتعة المشتركة إرثاً عنها بغيبة الزوج أنه ينبش لحقه، وإذا تلفت به تضمن المرأة حصته اهـ. واحترز بالمغصوبة عما إذا كانت وقفاً. قال في التاتر خانية: أنفق مالاً في إصلاح قبر فجاء رجل ودفن فيه ميتة وكانت الأرض. موقوفة يضمن ما أنفق فيه، ولا يحول ميته من مكانه لأنه دفن في وقف اهـ. وعبر في الفتح بقوله: يضمن قيمة الحفر، فتأمل. قوله: (أو أخذت بشفعة) أي بأن اشترى أرضاً فدفن فيها ميته ثم علم الشفيع بالشراء فتملكها بالشفعة. قوله: (ومساواته بالأرض) أي ليزرع فوقه مثلاً، لأن حقه في باطنها وظاهرها، فإن شاء ترك حقه في باطنها وإن شاء استوفاه. فتح. قوله: (كما جاز زرعه) أي القبر ولو غير مغصوب، وكذا يجوز دفن غيره عليه كما في الزيلعي أيضاً، وقدمنا الكلام عليه. قوله: (من الأيسر) كذا قيده في الدرر، ولينظر وجهه. قوله: (ولو بالعكس) بأن مات الولد في بطنها وهي حية. قوله: (قطع) أي بأن تدخل القابلة يدها في الفرج وتقطعه بآلة في يدها بعد تحقق موته. قوله: (لو ميتاً) لا وجه له بعد قوله ((ولو بالعكس)) ط. قوله: (وإلا لا) أي ولو كان حياً لا يجوز تقطيعه، لأن موت الأم به موهوم، فلا يجوز قتل آدمي حي لأمر موهوم. قوله: (ولو بلع مال غيره) أي ولا مال له كما في الفتح وشرح المنية، ومفهومه أنه لو ترك مالا يضمن ما بلعه لا يشق اتفاقاً. قوله: (والأولى نعم) لأنه وإن كان ١٤٦ كتاب الصلاة/ باب صلاة الجنازة فروع: الاتباع أفضل من النوافل لو لقرابة أو جوار أو فيه صلاح معروف. یندب دفنه في جهة موته وتعجيله وستر موضع غسله فلا یراه إلا غاسله ومن يعينه، وإن رأى به ما يكره لم يجز ذكره، لحديث ((أَذْكُرُوا مَحَاسِنَ مَوْتَاكُمْ وَكُقُّوا عَنْ مَسَاوِهِمْ))(١). ولا بأس بنقله قبل دفنه حرمة الآدمي أعلى من صيانة المال لكنه أزال احترامه بتعديه كما في الفتح. ومفاده أنه لو سقط في جوفه بلا تعدّ لا يشق اتفاقاً كما لا يشق الحي مطلقاً لإفضائه إلى الهلاك لا لمجرد الاحترام. قوله: (الاتباع أفضل) أي اتباع الجنازة، لأنه برّ الحي والميت، فالثواب المترتب عليه أكثر ط. قوله: (أو جوار) سيأتي في باب الوصية للأقارب وغيرهم أن الجار من لصق به. وقالا: من يسكن في محلته، ويجمعهم مسجد المحلة، وهو استحسان. وقال الشافعي: الجار إلى أربعین داراً من کل جانب اهـ. قلت: والصحيح قول الإمام كما سيأتي هناك إن شاء الله تعالى، وهل يقيد هنا بالملاصق أيضاً؟ الظاهر نعم ما لم يوجد دليل الإطلاق. وقد يقال: كلام الموصي يحمل على العرف. والجار عرفاً الملاصق أو من يسكن في المحلة فتصرف إليه الوصية، بخلافه هنا فيكون حده إلى الأربعين كما في الحديث، والله أعلم. قوله: (يندب دفنه في جهة موته) أي في مقابر أهل المكان الذي مات فيه أو قتل، وإن نقل قدر میل أو میلین فلا بأس، شرح المنية، ويأتي الكلام على نقله. قلت: ولذا صح أمره وَ لقر بدفن قتلى أحد في مضاجعهم مع أن مقبرة المدينة قريبة، ولذا دفنت الصحابة الذين فتحوا دمشق عند أبوابها ولم يدفنوا كلهم في محل واحد. قوله: (وتعجيله) أي تعجيل جهازه عقب تحقق موته، ولذا كره تأخير صلاته ودفنه ليصلي عليه جمع عظيم بعد صلاة الجمعة كما مر. قوله: (لم يجز ذكره) أي ما لم يكن الميت صاحب بدعة ليرتدع غيره، كما قدمناه. قوله: (ولا بأس بنقله قبل دفنه) قيل مطلقاً، وقيل إلى ما دون مدة السفر وقيده محمد بقدر ميل أو ميلين، لأن مقابر البلد ربما بلغت هذه المسافة فيكره فيما زاد. قال في النهر عن عقد الفرائد: وهو الظاهر اهـ. وأما نقله بعد دفنه فلا مطلقاً. قال في الفتح: واتفقت كلمة المشايخ في امرأة دفن ابنها وهي غائبة في غير بلدها فلم تصبر وأرادت نقله على أنه لا يسعها ذلك، فتجويز شواذّ بعض المتأخرين لا يلتفت إليه. وأما نقل يعقوب ويوسف عليهما السلام من مصر إلى (١) أخرجه أبو داود (٤٩٠٠) والترمذي (١٠١٩) وذكره الهيثمي في الموارد (١٩٨٦) والحاكم في المستدرك ٣٨٥/١ وصحح إسناده ولم يخرجاه وأقره الذهبي لكن ذكر العقيلي في الضعفاء الكبير ٢٩٦/٣ عمران بن أنس (١٣٠٢) وقال: لا يتابع على حديثه. ١٤٧ كتاب الصلاة/ باب صلاة الجنازة وبالإعلام بموته وبإرثائه بشعر أو غيره، لكن يكره الإفراط في مدحه، لا سيما عند جنازته، لحديث ((من تعزّى بعزاء الجاهلية)) وبتعزية أهله وترغيبهم في الصبر وباتخاذ الشام ليكونا مع آبائهما الكرام فهو شرع من قبلنا ولم يتوفر فيه شروط كونه شرعاً لنا اهـ ملخصاً، وتمامه فيه. قوله: (وبالإعلام بموته) أي إعلام بعضهم بعضاً ليقضوا حقه، هداية. وكره بعضهم أن ينادى عليه في الأزقة والأسواق لأنه يشبه نعي الجاهلية. والأصح أنه لا يكره إذا لم يكن معه تنويه بذكره وتفخيم، بل يقول العبد الفقير إلى الله تعالى فلان بن فلان الفلاني، فإن نعي الجاهلية ما كان فيه قصد الدوران مع الضجيج والنياحة، وهو المراد بدعوى الجاهلية في قوله وقار: «ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية)) شرح المنية. قوله: (وبإرثائه) تبع فيه صاحب النهر. واعترضه ح بأن مقتضاه أنه رباعي وليس كذلك. ففي القاموس: رثيت الميت ورثوته: بکیته وعددت محاسنه الخ. قوله: (من تعزى الخ) تمامه ((فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا)) قال في المغرب: تعزى واعتزق: انتسب، والعزاء اسم منه، والمراد به قولهم في الاستغاثة: يا لفلان أعضوه: أي قولوا له اعضض بأير أبيك، ولا تكنوا عن الأير بالهن، وهذا أمر تأديب ومبالغة في الزجر عن دعوى الجاهلية اهـ. لكن كون المراد بدعوى الجاهلية هنا ما قدمناه عن شرح المنية أولى. قوله: (وبتعزية أهله) أي تصبيرهم والدعاء لهم به. قال في القاموس: العزاء الصبر أو حسنه. وتعزى: انتسب اهـ. فالمراد هنا الأول، وفيما قبله الثاني فافهم. قال في شرح المنية: وتستحب التعزية للرجال والنساء اللّتي لا يفتن، لقوله عليه الصلاة والسلام ((مَنْ عَزَّى أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ كَسَاهُ الله مِنْ حُلَلِ الكَرَامَةِ يَوْمِ القِيَامَةِ»(١) رواه ابن ماجه، وقوله عليه الصلاة والسلام (مَنْ عَزَّى مُصَاباً فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ»(٢) رواه الترمذي وابن ماجه. والتعزية أن يقول: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك اهـ. مَطْلَبٌ فِي الثَّوَابِ عَلَى الْمُصِيبَةِ تنبيه: هذا الدعاء بإعظام الأجر المروي عنه # لما عزى معاذاً بابن له يقتضي ثبوت الثواب على المصيبة. وقد قال المحقق ابن الهمام في المسايرة: قالت الحنفية: ما ورد به السمع من وعد الرزق، ووعده الثواب على الطاعة، وعلى ألم المؤمن وألم طفله حتى الشوكة يشاكها محض فضل وتطول منه تعالى لا بد من وجوده لوعده الصادق اهـ. وهل يشترط للثواب الصبر أم لا؟ قال ابن حجر: وقع للعزّ بن عبد السلام: أن المصائب نفسها لا ثواب فيها، لأنها ليست من الكسب بل في الصبر عليها، فإن لم يصبر كفرت الذنب، إذ لا يشترط (١) أخرجه البيهقي في السنن ٥٩/٤ والخطيب في التاريخ ٣٩٧/٧ وذكره المتقي الهندي في الكنز (٤٢٦٢٤). (٢) أخرجه الترمذي (١٠٧٣) وقال: حديث غريب لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث علي بن عاصم ... ويقال: أكثر ما ابتلي به ((علي بن عاصم)) بهذا الحديث نقموا عليه وأخرجه ابن ماجه (١٦٠٢). ١٤٨ كتاب الصلاة/ باب صلاة الجنازة في المكفر أن يكون كسباً كالبلاء، فالجزع لا يمنع التكفير بل هو مصيبة أخرى. وردّ بتصريح الشافعي رحمه الله بأن كلًّا من المجنون والمريض المغلوب على عقله مأجور مثاب مكفر عنه بالمرض، فحكم بالأجر مع انتفاء العقل المستلزم لانتفاء الصبر، ويؤيده خبر الصحيحين ((مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هم وَلَا حَزَنٍ وَلَا أَذىٌ وَلَا غَمِّ حَتَّى الشَّوكَةَ يُشَاكُهَا إِلا كَفَّرَ الله بِها مِنْ خَطَايَاهُ))(١) مع الحديث الصحيح ((إذا مَرِضَ العَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُهُ صَحیحاً مُقِيماً)(٢) ففيه أنه يحصل له ثواب مماثل لفعله الذي صدر منه قبل بسبب المرض فضلاً من الله تعالى، فمن أصيب وصبر يحصل له ثوابان: لنفس المصيبة، وللصبر عليها. ومن انتفى صبره فإن كان لعذر كجنون فكذلك، أو لنحو جزع لم يحصل من ذينك الثوابين شيء اهـ ملخصاً. وحاصله اشتراط الصبر للثواب على المصيبة إلا إذا انتفى لعذر كجنون. وأما التكفير بها فهو حاصل بلا شرط. قوله: (وباتخاذ طعام لهم) قال في الفتح: ويستحب لجيران أهل الميت والأقرباء الأباعد تهيئة طعام لهم يشبعهم يومهم وليلتهم، لقوله وَ ه ((أَصْنَعُوا لآلٍ جَعْفَرَ طَعَاماً فَقَدْ جَاءَهمْ مَا يُشْغِلُهُمْ)) حسّنه الترمذي وصححه الحاكم، ولأنه برّ ومعروف ويلح عليهم في الأكل لأن الحزن يمنعهم من ذلك فيضعفون اهـ. مَطْلَبُ فِي كَرَاهَةِ الضّيَافَةِ مِنْ أَهْلِ المَيِّتِ وقال أيضاً: ويكره اتخاذ الضيافة من الطعام من أهل الميت لأنه شرع في السرور لا في الشرور، وهي بدعة مستقبحة. وروى الإمام أحمد وابن ماجه بإسناد صحيح عن جرير بن عبد الله قال ((كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام من النياحة)) اهـ. وفي البزازية: ويكره اتخاذ الطعام في اليوم الأول والثالث(٣). وبعد الأسبوع ونقل الطعام إلى القبر في المواسم، واتخاذ الدعوة لقراءة القرآن وجمع الصلحاء والقراء للختم أو لقراءة سورة الأنعام أو الإخلاص. والحاصل أن اتخاذ الطعام عند قراءة القرآن لأجل الأكل يكره. وفيها من كتاب الاستحسان: وإن اتخذ طعاماً للفقراء كان حسناً اهـ. وأطال في ذلك في المعراج. وقال: وهذه الأفعال کلها للسمعة والریاء فیحترز عنها لأنهم لا يريدون بها وجه الله تعالی اهـ. وبحث هنا في شرح المنية بمعارضة حديث جرير المار بحديث آخر فيه ((أنه عليه الصلاة والسلام دعته امرأة رجل ميت لما رجع من دفنه فجاء وجيء بالطعام)). (١) أخرجه البخاري ١٠٣/١٠ (٥٦٤١) ومسلم ١٩٩٢/٤ (٢٥٧٣.٥٢). (٢) أخرجه البخاري ١٣٦/٦ (٢٩٩٦). (٣) في ط (قوله وفي البزازية: ويكره اتخاذ الطعام في اليوم الأول والثالث الخ) عبارة البزازية ((ويكره اتخاذ الطعام في اليوم الأول والثاني والثالث الخ)، فلعل لفظ ((الثاني) سقط من نسخة المحشي. ١٤٩ كتاب الصلاة/ باب صلاة الجنازة طعام لهم وبالجلوس لها في غير مسجد ثلاثة أيام، وأولها أفضل. وتكره بعدها إلا لغائب. وتكره التعزية ثانیاً، وعند القبر، أقول: وفيه نظر، فإنه واقعة حال لا عموم لها مع احتمال سبب خاص، بخلاف ما في حديث جرير. على أنه بحث في المنقول في مذهبنا ومذهب غيرنا كالشافعية والحنابلة استدلالًاً بحديث جرير المذكور على الكراهة، ولا سيما إذا كان في الورثة صغار أو غائب، مع قطع النظر عما يحصل عند ذلك غالباً من المنكرات الكثيرة كإيقاد الشموع والقناديل التي لا توجد في الأفراح، وكدقّ الطبول، والغناء بالأصوات الحسان، واجتماع النساء والمردان، وأخذ الأجرة على الذكر وقراءة القرآن، وغير ذلك مما هو مشاهد في هذه الأزمان، وما كان كذلك فلا شك في حرمته وبطلان الوصية به، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. قوله: (وبالجلوس لها) أي للتعزية، واستعمال ((لا بأس)) هنا على حقيقته، لأنه خلاف الأولى كما صرح به في شرح المنية. وفي الأحكام عن خزانة الفتاوى: الجلوس في المصيبة ثلاثة أيام للرجال جاءت الرخصة فيه، ولا تجلس النساء قطعاً اهـ. قوله: (في غير مسجد) أما فيه فيكره كما في البحر عن المجتبى، وجزم به في شرح المنية والفتح، لكن في الظهيرية: لا بأس به لأهل الميت في البيت أو المسجد والناس يأتونهم ويعزونهم اهـ. قلت: وما في البحر من ((أنه * جلس لما قتل جعفر وزيد بن حارثة والناس يأتون ويعزونه)) اهـ. يجاب عنه بأن جلوسه وَ *و لم يكن مقصوداً للتعزية. وفي الإمداد: وقال كثير من متأخري أئمتنا : یکره الاجتماع عند صاحب البيت ویکره له الجلوس في بيته حتى يأتي إليه من يعزّي، بل إذا فرغ ورجع الناس من الدفن فليتفرّقوا ويشتغل الناس بأمورهم، وصاحب البيت بأمره اهـ. قلت: وهل تنتفي الكراهة بالجلوس في المسجد وقراءة القرآن حتى إذا فرغوا قام ولي الميت وعزاه الناس كما يفعل في زماننا؟ الظاهر لا لكون الجلوس مقصوداً للتعزية لا للقراءة، ولا سيما إذا كان هذا الاجتماع والجلوس في المقبرة فوق القبور المدثورة، ولا حول ولا قوّة إلا بالله. قوله: (وأولها أفضل) وهي بعد الدفن أفضل منها قبله، لأن أهل الميت مشغولون قبل الدفن بتجهيزه، ولأن وحشتهم بعد الدفن لفراقه أكثر، وهذا إذا لم ير منهم جزع شديد، وإلا قدمت لتسكينهم. جوهرة. قوله: (وتكره بعدها) لأنها تجدد الحزن. منح. والظاهر أنها تنزيهية ط. قوله: (إلا لغائب) أي إلا أن يكون المعزِّي أو المعزَّى غائباً فلا بأس بها. جوهرة. قلت: والظاهر أن الحاضر الذي لم يعلم بمنزلة الغائب كما صرح به الشافعية. قوله: (وتكره التعزية ثانياً) في التاترخانية: لا ينبغي لمن عزّى مرة أن يعزي مرة أخرى. رواه الحسن عن أبي حنيفة اهـ إمداد. قوله: (وعند القبر) عزاه في الحلية إلى ١٥٠ كتاب الصلاة/ باب صلاة الجنازة وعند باب الدار؛ ويقول: عظم الله أجرك وأحسن عزاءك، وغفر لميتك، وبزيارة القبور ولو للنساء لحديث («كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها)» المبتغى بالغين المعجمة، وقال: ويشهد له ما أخرج ابن شاهين عن إبراهيم: التعزية عند القبر بدعة اهـ. قلت: لعل وجهه أن المطلوب هناك القراءة والدعاء للميت بالتثبيت. قوله: (وعند باب الدار) في الظهيرية: ويكره الجلوس على باب الدار للتعزية لأنه عمل أهل الجاهلية وقد نهى عنه، وما يصنع في بلاد العجم من فرش البسط، والقيام على قوارع الطريق من أقبح القبائح اهـ بحر. قوله: (ويقول أعظم الله أجرك) أي جعله عظيماً بزيادة الثواب والدرجات، وأحسن عزاءك بالمد: أي جعل سلوكك، وصبرك حسناً ابن حجر، وقوله ((وغفر لميتك)) بقوله إن كان الميت مكلفاً، وإلا فلا، كما في شرح المنية. وفي كتب الشافعية: ويعزى المسلم بالكافر: أعظم الله أجرك وصبرك، والكافر بالمسلم: غفر الله لميتك، وأحسن عزاءك. مَطْلَبٌ فِي زِبَارَةِ القُبُورِ قوله: (وبزيارة القبور) أي لا بأس بها، بل تندب كما في البحر عن المجتبى، فكان ينبغي التصريح به للأمر بها في الحديث المذكور كما في الإمداد، وتزار في كل أسبوع كما في مختارات النوازل. قال في شرح لباب المناسك: إلا أن الأفضل يوم الجمعة والسبت والاثنين والخميس، فقد قال محمد بن واسع: الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة ويوماً قبله ویوماً بعده، فتحصل أن يوم الجمعة أفضل اهـ. وفيه يستحب أن يزور شهداء جبل أحد، لما روى ابن أبي شيبة: ((أَنَّ النَّبِيَّ وَ لَكَانَ يَأْتِي قُبُورَ الشُّهَدَاءِ بِأُحُدٍ عَلَى رَأْسٍ كُلِّ حَوْلٍ فَيَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)) والأفضل أن يكون ذلك يوم الخميس متطهراً مبكراً لئلا تفوته الظهر بالمسجد النبوي اهـ. قلت: استفيد منه ندب الزيارة وإن بعد محلها. وهل تندب الرحلة لها كما اعتيد من الرحلة إلى زيارة خليل الرحمن وأهله وأولاده، وزيارة السيد البدوي وغيره من الأكابر الكرام؟ لم أر من صرّح به من أئمتنا، ومنع منه بعض أئمة الشافعية إلا لزيارته وَلاتر، قياساً على منع الرحلة لغير المساجد الثلاث. ورده الغزالي بوضوح الفرق، فإن ما عداتلك المساجد الثلاثة مستوية في الفضل، فلا فائدة في الرحلة إليها. وأما الأولياء فإنهم متفاوتون في القرب من الله تعالى، ونفع الزائرين بحسب معارفهم وأسرارهم. قال ابن حجر في فتاويه: ولا تترك لما يحصل عندها من منكرات ومفاسد كاختلاط الرجال بالنساء وغير ذلك، لأن القربات لا تترك لمثل ذلك، بل على الإنسان فعلها وإنكار البدع، بل وإزالتها إن أمكن اهـ. قلت: ويؤيد ما مر من عدم ترك اتباع الجنازة، وإن كان معها نساء ونائحات. تأمل. قوله: (ولو للنساء) وقيل تحرم عليهن. والأصح أن الرخصة ثابتة لهن. بحر. وجزم ١٥١ كتاب الصلاة/ باب صلاة الجنازة ويقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ويقرأ يَسَ ، وفي في شرح المنية بالكراهة لما مر في اتباعهن الجنازة. وقال الخير الرملي: إن كان ذلك لتجديد الحزن والبكاء والندب على ما جرت به عادتهن فلا تجوز، وعليه حمل حديث «لَعَنَ الله زَائِراتِ القُبُورِ))(١) وإن كان للاعتبار والترحم من غير بكاء والتبرّك بزيارة قبور الصالحين فلا بأس إذا كن عجائز. ويكره إذا كنّ شواب كحضور الجماعة في المساجد اهـ. وهو توفيق حسن. قوله: (ويقول الخ) قال في الفتح: والسنة زيارتها قائماً، والدعاء عندها قائماً، كما كان يفعله وَ﴿ في الخروج إلى البقيع ويقول: السلام عليكم الخ. وفي شرح اللباب للمنلا علي القاري: ثم من آداب الزيارة ما قالوا، من أنه يأتي الزائر من قبل رجلي المتوفي لا من قبل رأسه لأنه أتعب لبصر الميت، بخلاف الأول لأنه يكون مقابل بصره، لكن هذا إذا أمكنه، وإلا فقد ثبت (أَنَّه عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ قَرَأَ أوَّلَ سُورَةٍ البَقَرَةِ عِنْدَ رَأْسٍ مَيِّتٍ وَآخِرَهَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ)). ومن آدابِها أن يسلم بلفظ السلام عليكم على الصحيح لا عليكم السلام، فإنه ورد: ((السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ الله بِكُمْ لاحِقُونَ، وَنَسْأَلُ الله لَنَا وَلَكُمْ العَافِيَة))(٢) ثم يدعو قائماً طويلاً، وإن جلس يجلس بعيداً أو قريباً بحسب مرتبته في حال حياته اهـ. قال ط: ولفظ الدار مقحم، أو هو من ذكر اللازم، لأنه إذا سلم على الدار فأولى ساكنها، وذكر المشيئة للتبرّك، لأن اللحوق محقق، أو المراد اللحوق على أتم الحالات فتصح المشيئة. قوله: (ويقرأ يس) لما ورد ((من دخل المقابر فقرأ سورة يس خفف الله عنهم يومئذ، وكان له بعدد من فيها حسنات)) بحر. وفي شرح اللباب: ويقرأ من القرآن ما تيسر له من الفاتحة وأول البقرة إلى المفلحون ((وآية الكرسي)) [البقرة: ٢٢٥] . . ﴿وَآمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وسورة يس وتبارك الملك وسورة التكاثر والإخلاص اثني عشر مرة (٣). أو عشراً أو سبعاً أو ثلاثاً، ثم يقول: اللهم أوصل ثواب ما قرأناه إلی فلان أو إلیھم اهـ. مُطْلَبٌ فِي الْقِرَاءَةِ لِلْمَيِّتِ وَإِهْدَاءِ ثَوَابِها لَهُ تنبيه: صرح علماؤنا في باب الحج عن الغير بأن للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة أو صوماً أو صدقة أو غيرها، كذا في الهداية. بل في زكاة التاتر خانية عن المحيط: الأفضل لمن يتصدق نفلاً أن ينوي لجميع المؤمنين والمؤمنات لأنها تصل إليهم ولا ينقص (١) أخرجه أبو داود (٣٢٣٦) والنسائي ١/ ٢٨٧ والترمذي ١٣٦/٢ وابن أبي شيبة في المصنف ٤/ ١٤٠ والحاكم ١/ ٣٧٤ والبيهقي في السنن ٧٨/٤ وأحمد في المسند ٢٢٩/١ والطبراني في الكبير ١٧٤/٣ وضعفه صاحب الإرواء ٢١٢/٣. (٢) أخرجه مسلم ٢/ ٦٧١ (١٠٤ . ٩٥٧). (٣) في ط (قوله اثني عشر مرة) هكذا بخطه، وصوابه ((اثنتي عشرة مرة)) وكذلك قول الشارح ((أحد عشر مرة)) صوابه «إحدى عشرة مرة» كما لا يخفى. ١٥٢ كتاب الصلاة/ باب صلاة الجنازة من أجره شيء اهـ. هو مذهب أهل السنة والجماعة، لكن استثنى مالك والشافعي العبادات البدنية المحضة كالصلاة والتلاوة فلا يصل ثوابها إلى الميت عندهما، بخلاف غيرها كالصدقة والحج. وخالف المعتزلة في الكل، وتمامه في فتح القدير. أقول: ما مر عن الشافعي هو المشهور عنه. والذي حرره المتأخرون من الشافعية وصول القراءة للميت إن كانت بحضرته أو دعي له عقبها ولو غائباً، لأن محل القراءة تنزل الرحمة والبركة، والدعاء عقبها أرجى للقبول، ومقتضاه أن المراد انتفاع الميت بالقراءة لا حصول ثوابها له، ولهذا اختاروا في الدعاء: اللهم أوصل مثل ثواب ما قرأته لفلان، وأما عندنا فالواصل إليه نفس الثواب. وفي البحر: من صام أو صلى أو تصدّق وجعل ثوابه لغيره من الأموات والأحياء جاز، ويصل ثوابها إليهم عند أهل السنة والجماعة، كذا في البدائع؛ ثم قال: وبهذا علم أنه لا فرق بين أن يكون المجعول له ميتاً أو حياً. والظاهر أنه لا فرق بين أن ينوي به عند الفعل للغير أو يفعله لنفسه ثم بعد ذلك يجعل ثوابه لغيره، لإطلاق كلامهم، وأنه لا فرق بين الفرض والنفل اهـ. وفي جامع الفتاوى: وقيل لا يجوز في الفرائض اهـ. وفي كتاب الروح للحافظ أبي عبد الله الدمشقي الحنبلي الشهير بابن قيم الجوزية(١) ما حاصله: أنه اختلف في إهداء الثواب إلى الحي؛ فقيل يصحح لإطلاق قول أحمد: يفصل الخير ويجعل نصفه لأبيه أو أمه، وقيل لا لكونه غير محتاج لأنه يمكنه العمل بنفسه. وكذا اختلف في اشتراط نية ذلك عند الفعل، فقيل لا لكن الثواب له فله التبرع به وإهداؤه لمن أراد كإهداء شيء من ماله؛ وقيل نعم لأنه إذا وقع له لا يقبل انتقاله عنه وهو الأولى. وعلى القول الأول(٢) لا يصح إهداء الواجبات، لأن العامل ينوي القربة بها عن نفسه. وعلى الثاني يصح، وتجزى عن الفاعل. وقد نقل عن جماعة أنهم جعلوا ثواب أعمالهم للمسلمين وقالوا: نلقى الله تعالى بالفقر والإفلاس، والشريعة لا تمنع من ذلك. ولا يشترط في الوصول أن يهديه بلفظه، كما لو أعطى فقيراً بنية الزكاة، لأن السنة لم تشترط ذلك في حديث الحج عن الغیر ونحوه؛ نعم إذا فعله لنفسه ثم نوی جعل ثوابه لغیرہ لم یکف، کما لو نوی ان یہب أو يعتق أو يتصدق، ويصح إهداء نصف الثواب أو ربعه كما نص عليه أحمد، ولا مانع منه. ويوضحه أنه لو أهدى الكل إلى أربعة يحصل لكل منهم ربعه، فكذا لو أهدى الربع لواحد وأبقى الباقي لنفسه اهـ ملخصاً. (١) محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي، أبو عبد الله، شمس الدين: من أركان الإصلاح الإسلامي، وأحد كبار العلماء تتلمذ لشيخ الإسلام ابن تيمية حتى كان لا يخرج عن شيء من أقواله - من تصانيفه ((أعلام الموقعين)) و((كشف الغطاء عن حكم سماع الغناء)) و(كتاب الفروسية)). توفي سنة ٧٥١. انظر: الدرر الكامنة ٣/ ٤٠٠، بغية الوعاة ٢٥، الأعلام ٦/ ٥٦. (٢) في ط (قوله وعلى القول الأول) صوابه ((وعلى القول الثاني) وكذا قوله (وعلى الثاني) صوابه على ((الأول)). ١٥٣ كتاب الصلاة/ باب صلاة الجنازة قلت: لكن سئل ابن حجر المكي عما لو قرأ لأهل المقبرة الفاتحة هل يقسم الثواب بينهم أو يصل لكل منهم مثل ثواب ذلك كاملاً؟ فأجاب بأنه أفتى جمع بالثاني، وهو اللائق بسعة الفضل. مَطْلَبٌ فِي إِهْدَاءِ ثَوَابٍ أَلْقِراءَةِ لِلنَِّيِّ صَلَّى آله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تتمة: ذكر ابن حجر في الفتاوى الفقهية أن الحافظ ابن تيمية (١) زعم منع إهداء ثواب القراءة للنبي ﴿، لأن جنابه الرفيع لا يتجرأ عليه إلا بما أذن فيه، وهو الصلاة عليه وسؤال الوسيلة له. قال: وبالغ السبكي وغيره في الرد عليه، بأن مثل ذلك لا يحتاج لإذن خاص؛ ألا ترى أن ابن عمر كان يعتمر عنه وَ ل# عمراً بعد موته من غير وصية، وحجّ ابن الموفق وهو في طبقة الجنيد عنه سبعين حجة، وختم ابن السراج عنه وفر أكثر من عشرة آلاف ختمة، وضحی عنه مثل ذلك اهـ. قلت: رأيت نحو ذلك بخط مفتي الحنفية الشهاب أحمد بن الشلبي شیخ صاحب البحر نقلًا عن شرح الطيبة للنويري، ومن جملة ما نقله أن ابن عقيل من الحنابلة قال: يستحب إهداؤها له * اهـ. قلت: وقول علمائنا له أن يجعل ثواب عمله لغيره يدخل فيه النبي وَلغير، فإنه أحق بذلك حيث أنقذنا من الضلالة، ففي ذلك نوع شكر وإسداء جميل له، والكامل قابل لزيادة الكمال. وما استدل به بعض المانعين من أنه تحصيل الحاصل لأن جميع أعمال أمته في ميزانه. يجاب عنه بأنه لا مانع من ذلك، فإن الله تعالى أخبرنا بأنه صلى عليه، ثم أمرنا بالصلاة عليه، بأن نقول: اللهم صل على محمد، والله أعلم، وكذا اختلف في إطلاق قول: اجعل ذلك زيادة في شرفه وَطير، فمنع منه شيخ الإسلام البلقيني والحافظ ابن حجر لأنه لم يرد له دليل. وأجاب ابن حجر المكي في الفتاوى الحديثية بأن قوله تعالى. وقل ربّ زدني علماً . وحديث مسلم ((أَنَّهُ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: وَأَجْعَلِ الحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كلِّ خَيرٌ)) دليل على أن مقامه ولله وكماله يقبل الزيادة في العلم والثواب وسائر المراتب والدرجات، وكذا ورد في دعاء رؤية البيت: وزد من شرفه وعظمه واعتمره تشريفاً الخ، فيشمل كل الأنبياء، ويدل على أن الدعاء لهم بزيادة الشرف مندوب؛ وقد استعمله الإمام النووي في خطبتي كتابيه الروضة والمنهاج، وسبقه إليه الحليمي وصاحبه البيهقي. وقد ردّ (١) عبد السلام بن عبد الله بن الخضر بن محمد بن علي أبو البركات، الفقيه الحنبلي، الحراني، شهرته: ابن تيمية. من كتبه: ((أرجوزة من القراءات)) و((تفسير القرآن) و((الأحكام الكبرى في الحديث)) و((المحرر في الفقه)). توفي سنة ٦٥٢ يوم الفطر. انظر: شذرات الذهب ٢٥٧/٥، الأعلام ٦/٤، العبر ٢١٢/٥، ديوان الإسلام ٣٩/٢. ١٥٤ کتاب الصلاة/ باب صلاة الجنازة الحديث ((من قرأ الإخلاص أحد عشر مرة، ثم وهب أجرها للأموات، أعطي من الأجر بعدد الأموات)). ويحفر قبراً لنفسه، وقيل يكره؛ والذي ينبغي أن لا يكره تهيئة نحو الكفن، بخلاف القبر. يكره المشي في طريق ظن أنه محدث حتى إذا لم يصل إلى قبره إلا بوطء قبر تر که. على البلقيني وابن حجر شيخ الإسلام القاياني، ووافقه صاحبه الشرف المناوي، ووافقهما أيضاً صاحبهما إمام الحنفية الكمال بن الهمام، بل زاد علیهما بالمبالغة حيث جعل کل ما صح من الكيفيات الواردة في الصلاة عليه * موجوداً في كيفية الدعاء بزيادة الشرف، وهي: اللهم صل أبداً أفضل صلواتك على سيدنا محمد عبدك ونبيك ورسولك محمد وآله وسلم تسليماً كثيراً، وزده تشريفاً وتكريماً، وأنزله المنزل المقرّب عندك يوم القيامة اهـ. فانظر كيف جعل طلب هذه الزيادة من الأسباب المقتضية لفضل هذه الكيفية على غيرها من الوارد كصلاة التشهد وغيرها، وهذا تصريح من هذا الإمام المحقق بفضل طلب الزيادة له *، فكيف مع هذا يتوهم أن في ذلك محذوراً؟ ووافقهم أيضاً صاحبهم شيخ الإسلام زكريا اهـ. ملخصاً. قوله: (ويحفر قبراً لنفسه) في بعض النسخ ((وبحفر قبر لنفسه)) على أن لفظة ((حفر)) مصدر مجرور بالباء مضاف إلى ((قبر)) أي ولا بأس به. وفي التاتر خانية: لا بأس به، ويؤجر عليه، هكذا عمل عمر بن عبد العزيز والربيع بن خيثم وغيرهما اهـ. قوله: (والذي ينبغي الخ) كذا قاله في شرح المنية، وقال: لأن الحاجة إليه متحققة غالباً، بخلاف القبر، لقوله تعالى: ﴿وما تدري نفس بأيّ أرض تموت﴾. قوله: (يكره المشي الخ) قال في الفتح: ويكره الجلوس على القبر، ووطؤه، وحينئذ فما يصنعه من دفنت حول أقاربه خلق من وطء تلك القبور إلى أن يصل إلى قبر قريبه مكروه. ويكره النوم عند القبر، وقضاء الحاجة، بل أولى، وكل ما لم يعهد من السنة، والمعهود منها ليس إلا زيارتها والدعاء عندها قائماً اهـ. قلت: وفي الأحكام عن الخلاصة وغيرها: لو وجد طريقاً إن وقع في قلبه أنه محدث لا يمشي عليه وإلا فلا بأس به وفي خزانة الفتاوى وعن أبي حنيفة: لا يوطأ القبر إلا لضرورة، ويزار من بعيد ولا يقعد، وإن فعل يكره. وقال بعضهم: لا بأس بأن يطأ القبور وهو يقرأ أو يسبح أو يدعو لهم اهـ. وقال في الحلية: وتكره الصلاة عليه وإليه لورود النهي عن ذلك؛ ثم ذكر عن الإمام الطحاوي أنه حمل ما ورد من النهي عن الجلوس على القبر على الجلوس لقضاء الحاجة، وأنه لا يكره الجلوس لغيره جمعاً بين الآثار، وأنه قال: إن ذلك قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، ثم نازعه بما صرح به في النوادر والتحفة والبدائع والمحيط وغيره، من أن أبا حنيفة كره وطء القبر والقعود أو النوم أو قضاء الحاجة عليه، ١٥٥ كتاب الصلاة/ باب صلاة الجنازة لا یکرہ الدفن ليلاً وبأنه ثبت النهي عن وطئه والمشي عليه، وتمامه فيها. وقيد في نور الإيضاح كراهة القعود على القبر بما إذا كان لغير قراءة. قلت: وتقدم أنه إذا بلي الميت وصار تراباً يجوز زرعه والبناء عليه، ومقتضاه جواز المشي فوقه. ثم رأيت العيني في شرحه على صحيح البخاري ذکر کلام الطحاوي المارّ، ثم قال: فعلى هذا ما ذكره أصحابنا في كتبهم من أن وطء القبور حرام، وكذا النوم عليها ليس كما ينبغي، فإن الطحاوي هو أعلم الناس بمذاهب العلماء، ولا سيما بمذهب أبي حنيفة انتھی. قلت: لكن قد علمت أن الواقع في كلامهم التعبير بالكراهة لا بلفظ الحرمة، وحينئذ فقد يوفق بأن ما عزاه الإمام الطحاوي إلى أئمتنا الثلاثة من حمل النهي على الجلوس لقضاء الحاجة يراد به نهي التحريم، وما ذكره غيره من كراهة الوطء والقعود الخ يراد به كراهة التنزيه في غير قضاء الحاجة. وغاية ما فيه إطلاق الكراهة على ما يشمل المعنيين، وهذا كثير في كلامهم، ومنه قولهم مكروهات الصلاة، وتنتفي الكراهة مطلقاً إذا كان الجلوس للقراءة كما يأتي، والله سبحانه أعلم. مَطْلَبُ فِي وَضْعِ الجَرِيدِ وَنَحْوِ اَلَآسٍ عَلَى الْقُبُورِ تتمة: يكره أيضاً قطع النبات الرطب والحشيش من المقبرة دون اليابس كما في البحر والدرر وشرح المنية، وعلله في الإمداد بأنه ما دام رطباً يسبح الله تعالى فيؤنس الميت وتنزل بذكره الرحمة اهـ. ونحوه في الخانية . أقول: ودليله ما ورد في الحديث من وضعه عليه الصلاة والسلام الجريدة الخضراء بعد شقها نصفين على القبرين اللذين يعذبان. وتعليله بالتخفيف عنهما ما لم ييبسا: أي يخفف عنهما ببركة تسبيحهما، إذ هو أكمل من تسبيح اليابس لما في الأخضر من نوع حياة؛ وعليه فكراهة قطع ذلك وإن نبت بنفسه ولم يملك لأن فيه تفویت حق الميت. ويؤخذ من ذلك ومن الحديث ندب وضع ذلك للاتباع، ويقاس عليه ما اعتيد في زماننا من وضع أغصان الآس ونحوه، وصرح بذلك أيضاً جماعة من الشافعية، وهذا أولى مما قاله بعض المالكية من أن التخفيف عن القبرين إنما حصل ببركة يده الشريفة * أو دعائه لهما فلا يقاس عليه غيره. وقد ذكر البخاري في صحيحه أن بريدة بن الحصيب(١) رضي الله عنه أوصى بأن يجعل في قبره جريدتان، والله تعالى أعلم. قوله: (لا يكره الدفن ليلً) (١) بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث الأسلمي. روى عنه ابنه عبد الله وأبو المليح عامر. له ١٦٤ حديثاً. كان آخر من مات بخراسان من الصحابة. مات بمرو سنة ٦٢. انظر: خلاصة تهذيب الكمال ١/ ١٢١. ١٥٦ كتاب الصلاة/ باب صلاة الجنازة ولا إجلاس القارئين عند القبر وهو المختار. عظم الذمي محترم. إنما يعذب الميت بيكاء أهله إذا أوصى بذلك. كتب على جبهة الميت أو عمامته أو كفنه عهد نامه ترجى أن يغفر الله للميت . أوصى بعضهم أن يكتب في جبهته وصدره . بسم الله الرحمن الرحيم - ففعل، ثم رئي في المنام فسئل فقال: لما وضعت في القبر جاءتني ملائكة العذاب، فلما رأوا مكتوباً على جبهتي بسم الله الرحمن الرحيم قالوا: أمنت من عذاب الله. والمستحب كونه نهاراً. شرح المنية. قوله: (ولا إجلاس القارئين عند القبر) عبارة نور الإيضاح وشرحه: ولا يكره الجلوس للقراءة على القبر في المختار لتأدية القراءة على الوجه المطلوب بالسكينة والتدبر والاتعاظ اهـ. قوله: (عظم الذمي محترم) فلا يكسر إذا وجد في قبره، لأنه كما حرم إيذاؤه في حياته لأنه مثلة وجبت صيانة نفسه عن الكسر بعد موته. خانية. وأما أهل الحرب، فإن احتيج إلى نبشهم فلا بأس به. تاتر خانية عن الحجة، فتنبش وترفع العظام والآثار، وتتخذ مقبرة للمسلمين أو مسجداً كما في الواقعات. إسماعيل. قوله: (إنما يعذب الخ) قال بعضهم: يعذب لما في الحديث ((إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عُلَيْهِ))(١) وقال عامة العلماء: لا لقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ وتأويل الحديث أنهم في ذلك الزمان كانوا يوصون بالنوح، فقال عليه الصلاة والسلام ذلك. بحر عن الظهيرية. وفي شرح التكملة أن المراد من الحديث الندب والنياحة. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها ((أن النبي ﴿ قال ذلك لما مرّ على قوم يبكون على يهوديّ فقال: إنه ليعذب وهم يبكون عليه)) اهـ إسماعيل. قوله: (عهد نامه) بفتح الميم وسكون الهاء، ومعناه بالفارسية: الرسالة، والمعنى رسالة العهد. والمعنى أن يكتب شيء مما يدل أنه على العهد الأزلي الذي بينه وبين ربه يوم أخذ الميثاق من الإيمان والتوحيد والتبرك بأسمائه تعالى، ونحو ذلك ح. قوله: (يرجى الخ) مفاده الإباحة أو الندب. وفي البزازية قبيل كتاب الجنايات: وذكر الإمام الصفار: لو كتب على جبهة الميت أو على عمامته أو كفنه («عهد نامه)) يرجى أن يغفر الله تعالى للميت ويجعله آمناً من عذاب القبر. قال نصير: هذه رواية في تجويز ذلك، وقد روي أنه كان مكتوباً على أفخاذ أفراس في إصطبل الفاروق: حبيس في سبیل الله تعالی اهـ. مَطْلَبٌ فِيمَا يُكْتبُ عَلَى كَفَنِ المَيِّتِ وفي فتاوى المحقق ابن حجر المكي الشافعي: سئل عن كتابة العهد على الكفن وهو لا إله إلا الله والله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، لا إله إلا الله (١) أخرجه البخاري ٣/ ١٧٥ (١٣٠٤) ومسلم ٦٣٦/٢ (١٢- ٩٢٤). ١٥٧ كتاب الصلاة/ باب الشهيد بَابٌ: الشَّهِيدُ فعيل بمعنى مفعول، لأنه مشهود له بالجنة، أو فاعل لأنه حيّ عند ربه فهو شاهد. ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم)) وقيل إنه «اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا، إني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمداً عبدك ورسولك ◌َلتر، فلا تكلني إلى نفسي، تقرّبني من الشر وتبعدني من الخير، وأنا لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي عهداً عندك توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد» هل يجوز، ولذلك أصل؟ فأجاب بقوله: نقل بعضهم عن نوادر الأصول للترمذي ما يقتضي أن هذا الدعاء له أصل، وأن الفقيه ابن عجيل كان يأمر به، ثم أفتى بجواز كتابته قياساً على كتابة لله في إبل الزكاة، وأقره بعضهم، وفيه نظر. وقد أفتى ابن الصلاح بأنه لا يجوز أن يكتب على الكفن يس والكهف وغيرهما خوفاً من صديد الميت، والقياس المذكور ممنوع، لأن القصد ثم التمييز وهنا التبرك، فالأسماء المعظمة باقية على حالها فلا يجوز تعريضها للنجاسة؛ والقول بأنه يطلب فعله مردود، لأن مثل ذلك لا يحتج به إلا إذا صح عن النبي پے طلب ذلك ولیس کذلك اهـ. وقدمنا قبیل باب المياه عن الفتح أنه تكره كتابة القرآن وأسماء الله تعالى على الدراهم والمحاريب والجدران وما يفرش، وما ذاك إلا لاحترامه وخشية وطئه ونحوه مما فيه إهانة، فالمنع هنا بالأولى ما لم يثبت عن المجتهد أو ينقل فيه حديث ثابت، فتأمل؛ نعم نقل بعض المحشين عن فوائد الشرجي أن مما يكتب على جبهة الميت بغير مداد بالأصبع المسبحة ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ وعلى الصدر: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وذلك بعد الغسل قبل التكفين اهـ. والله أعلم. بَابٌ: الشّهِيدِ أخرجه من صلاة الجنازة مبوَّباً له، مع أن المقتول ميت بأجله لاختصاصه بالفضيلة التي ليست لغيره. نهر. قوله: (فعيل الخ) وهو إما من الشهود: أي الحضور، أو من الشهادة: أي الحضور مع المشاهدة بالبصر أو بالبصيرة. قهستاني. قوله: (لأنه مشهود له بالجنة) أفاد أنه من باب الحذف والإيصال، حذف اللام فاستتر الضمير المجرور ح. وهذا على أنه من الشهادة، وأما على أنه من الشهود فلأن الملائكة تشهده إكراماً له. قوله: (لأنه حيّ الخ) هذا على أنه من الشهود، وأما على أنه من الشهادة فلأن عليه شاهداً يشهد له وهو دمه وجرحه، أو لأنه شاهد على من قتله بالكفر. قوله: (هو الخ) أي الشهيد في العرف ما ذكر، وهو تعريف له باعتبار الحكم الآتي: أعني عدم تغسيله ونزع ثيابه لا لمطلقه لأنه أعم ١٥٨ كتاب الصلاة/ باب الشهيد (هو كلّ مكلف مسلم طاهر) فالحائض إن رأت ثلاثة أيام غسلت، وإلا لا لعدم كونها حائضاً، ولم يعدّ عليه السلام غسل حنظلة لحصوله بفعل الملائكة، بدليل قصة من ذلك كما سيأتي. قوله: (كل مكلف) هو البالغ العاقل، خرج به الصبيّ والمجنون فيغسلان عنده خلافاً لهما، لأن السيف أغنى عن الغسل لكونه طهرة، ولا ذنب للصبيّ ولا للمجنون، وهذا يقتضي أن يقيد المجنون بمن بلغ كذلك، وإلا فلا خفاء في احتياجه إلى ما يطهر ما مضى من ذنوبه، إلا أن يقال: إذا مات على جنونه لم يؤاخذ بما مضى لعدم قدرته على التوبة. بحر. ولا يخفى أن هذا مسلّم فيما إذا جنّ عقب المعصية، أما لو مضى بعدها زمن يقدر فيه على التوبة فلم يفعل كان تحت المشيئة. نهر. قوله: (مسلم) أما الكافر فليس بشهيد وإن قتل ظلماً فلقريبه المسلم تغسيله كما مر، وما في ط عن القهستاني غير ظاهر. قوله: (طاهر) أي ليس به جنابة ولا حيض ولا نفاس ولا انقطاع أحدهما كما هو المتبادر، فإذا استشهد الجنب يغسل، وهذا عنده خلافاً لهما، فإذا انقطع الحيض والنفاس واستشهدت فعلى هذا الخلاف، وإن استشهدت قبل الانقطاع تغسل على أصح الروايتين عنه كما في المضمرات. قهستاني. وحاصله أنها تغسل قبل الانقطاع في الأصح كما بعده. وفي رواية: لا تغسل قبله لأن الغسل لم يكن واجباً عليها، كما لو انقطع قبل الثلاث فإنها لا تغسل بالإجماع كما في السراج والمعراج. قوله: (فالحائض) المراد بها من كانت من ذوات الحيض لا من اتصفت بالحيض، لئلا ينافي قوله. قوله: ((لعدم كونها حائضاً)) فافهم. واقتصر في التفريع على بعض أفراد المحترزات لخفائه، لما فيه من التفصيل، ولم يفصل في النفساء لأن النفاس لا حدّ لأقله. قوله: (وإلا لا) أي وإن لم تراه ثلاثة أيام لا تغسل بالإجماع كما نقلناه آنفاً عن السراج والمعراج؛ فما في الإمداد من أن الحائض تغسل سواء كان القتل بعد انقطاع الدم، أو قبل استمراره ثلاثة أيام فهو سهو أو سقط، وصوابه: أو قبله بعد استمراره الخ، فتنبه قوله: (ولم يعد الخ) استدل الإمام على وجوب الغسل لمن قتل جنباً بما صح عنه وَلِّ أنه قال لما قتل حنظلة بن أبي عامر الثقفي ((إِنَّ صَاحِبَكُمْ حَنْظَلَةَ تُغسِّلُهُ المَلائِكَةُ، فَسَأَلُوا زَوْجَتَهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ وَهُوَ جُنبٌ، فَقَال عَلَيهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلَامُ: لِذَلِكَ غَسَّلَتْهُ المَلَئِكَةُ))(١) وأورد الصاحبان أنه لو كان واجباً لوجب على بني آدم ولما اكتفى بفعل الملائكة. والجواب بالمنع وهو ما أشار إليه الشارح من أنه يحصل بفعلهم بدليل قصة آدم المارة، لأن الواجب نفس الغسل، فأما الغاسل فيجوز أن يكون أيّاً كان كما في المعراج. واعترضه في البحر بأن هذا الغسل عنده للجنابة لا للموت اهـ: أي وإذا كان للجنابة كما هو ظاهر قوله في الحديث ((لذلك غسلته الملائكة)) لم يحسن الاستدلال بقصة الملائكة لأن تغسيلهم لآدم كان للموت (١) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢٠٤/٣ وذكره المتقي الهندي في الكنز (٣٣٢٥٨) وزاد نسبته لابن ماجه. ١٥٩ كتاب الصلاة/ باب الشهيد آدم (قتل ظلماً) بغير حق (بجارحة) أي بما يوجب القصاص (ولم يجب بنفس القتل مال) لا للجنابة، لكن فيه أنه إذا وجب للجنابة كان كوجوبه للموت، فدلت القصة على الاكتفاء بفعل الملائكة، لكن تقدم في بحث الغسل أن الميت لو وجد في الماء لا بد من تغسيله لأنا أمرنا به، فيحركه في الماء بنيته لإسقاط الفرض عن ذمة المكلفين لا لطهارته؛ فلو صلى عليه بلا إعادة لغسله صح وإن لم يسقط عنهم الوجوب، ومقتضاه أنه لا يكتفى بفعل الملائكة إلا أن يفرق بأنه واجب على المكلفين إذا لم يغسله غيرهم لقيام فعله مقام فعلهم، ولذا صح تغسيل الذميّ أو الصبيّ لمسلم مات بين نساء ليس معهن سواهما كما مر. على أن فعل الملائكة بإذن من الله تعالى، فهو إذن من صاحب الحق بالاكتفاء عن فعل المكلفين ولا سيما على القول بتكليفهم، وبعثة نبينا وَلير إليهم، والقصة والحديث دليلان على الاكتفاء بفعلهم. وأما وقوعه في الماء فليس فيه تغسيل من أحد، فلم يسقط الفرض عنهم وإن حصلت الطهارة، كما لو غسله مكلف بلانية (١) فإنه يجزى لطهارته لا لإسقاطه الفرض عن ذمتنا فتصح الصلاة عليه وإن لم يسقط الفرض عنا، فلذا وجب إعادة غسل الغريق أو تحريكه عند إخراجه بنية الغسل فيكون فعلاً منا فيسقط به الفرض عنا، إذ بدونه لم يحصل فعل منا ولا ممن ناب عنا، فاتضح الفرق، هذا ما ظهر لي فاغتنمه فإنه نفيس. قوله: (قتل ظلماً) لم يقل قتله مسلم كما في الكنز لأن الذمي كذلك، وقيد بالقتل لأنه لو مات حتف أنفه أو ابترد أو حرق أو غرق أو هدم لم يكن شهيداً في حكم الدنيا وإن كان شهيد الآخرة كما سيأتي، وبقوله ((ظلماً)) لما يأتي من أنه لو قتل بحد أو قصاص مثلاً لا يكون شهيداً فيغسل، ودخل فيه المقتول مدافعاً عن نفسه أو ماله أو المسلمين أو أهل الذمة فإنه شهيد، لكن لا يشترط كون قتله بمحدد كما في البحر عن المحيط، واستشكله في النهر، ويأتي جوابه. قوله: (بغير حق) تفسير لقوله ((ظلماً». قوله: (بجارحة) أي خلافاً لهما كما في النهاية، وهذا قيد في غير من قتله باغ أو حربيّ أو قاطع طريق بقرينة العطف الآتي، واحترز بها عن المقتول بمثقل فإنه لا يوجب القصاص عنده. قوله: (أي بما يوجب القصاص) أي فالمراد بها ما يفرق الأجزاء، فيدخل فيه النار والقصب كما في الفتح. قوله: (بل قصاص) أي بل وجب به قصاص، أشار به إلى أن وضع المسألة فیمن علم قاتله كما صرح به شراح الهداية، إذ لا قصاص إلا على قاتل معلوم؛ خلافاً لما زعمه صدر الشريعة كما حققه في الدرر. أما إذا لم يعلم قاتله فسيأتي أنه يغسل، لكن كان عليه أن يزيد أو لم يجب به شيء أصلاً كقتل الأسير مثله في دار الحرب عند أبي حنيفة، وقتل السيد عبده عند الكل كما في (١) في ظ (قوله مكلف بلانية) قد تقدم له أن المدار في إسقاط الفرض على حصول الفعل منا، وأما النية فهي شرط الثواب فقط فحينئذ لا يكون قوله ((غسله مكلف الخ)) مناسباً. ١٦٠ كتاب الصلاة/ باب الشهيد بل قصاص، حتى لو وجب المال بعارض كالصلح، أو قتل الأب ابنه لا تسقط الشهادة (ولم يرتث) فلو ارتث غسل كما سيجيء (وكذا) يكون شهيداً (لو قتله باغ أو حربي أو قاطع طريق، ولو) تسبباً أو (بغير آلة جارحة) فإن مقتولهم شهيد بأي آلة قتلوه، لأن شرح المنية. قوله: (حتى لو وجب الخ) تفريع على مفهوم قوله ((بنفس القتل)) فإن المال لم يجب بنفس القتل العمد، لأن الواجب به القصاص، وإنما سقط بعارض وهو الصلح أو شبهة الأبوّة، فلا يغسل في الرواية المختارة كما في الفتح. فالحاصل أنه إذا وجب بقتله القصاص وإن سقط لعارض أو لم يجب بقتله شيء أصلاً فهو شهید کما علمته. أما إذا وجب به المال ابتداء فلا؛ وذلك بأن كان قتله شبه العمد کضرب بعصاً، أو خطأ کرمي غرض فأصابه، أو ما جری مجراه کسقوط نائم علیه، وکذا إذا وجب به القسامة لوجوب المال بنفس القتل شرعاً، وكذا لو وجد مذبوحاً ولم يعلم قاتله سواء وجبت فيه القسامة أو لا هو الصحيح لاحتمال أنه لم يقتل ظلماً كما سيأتي، وهو الذي حققه في شرح الدرر اهـ ملخصاً من القهستاني وشرح المنية. قوله: (أو قتل الأب ابنه) أو قتله شخصاً آخر يرثه الابن. بحر. كما إذا قتل زوجته وله منها ولد فإن الولد استحق القصاص على أبيه فيسقط للأبوّة. قوله: (ولم يرتكّ) بالبناء للمجهول وتشديد المثلثة آخره، أشار إلى أن شرط عدم الارتثاث ليس خاصًّا بشهيد المعركة، ولذا لما قتل عمر وعليّ غسلا لأنهما ارتثا، وعثمان أجهز عليه في مصرعه ولم يرتث فلم يغسل كما في البدائع، وسيجيء بيان الارتثاث. قوله: (وكذا يكون شهيداً الخ) أي بشرط أن لا يرتث أيضاً. قوله: (أو قاطع طريق) والمكابرون في المصر ليلاً بمنزلة قطاع الطريق كما في البحر عن شرح المجمع، فمن قتلوه ولو بغير محدد فهو شهيد، كما لو قتله القطاع؛ وكذا من قتله اللصوص ليلاً، كما سيأتي. وذكر في البحر أنه زاد في المحيط سبباً رابعاً، وهو من قتل مدافعاً ولو عن ذمي فإنه شهيد بأي آلة قتل وإن لم يكن واحداً من الثلاثة : أي ممن قتله باغ أو حربي أو قاطع طريق. وقال في النهر: كونه شهيداً وإن قتل بغير محدد مشكل جداً لوجوب الدية بقتله، فتدبره ممعناً النظر فيه اهـ. قلت: يمكن حمله على ما إذا لم يعلم قاتله عيناً، كما لو خرج عليه قطاع طريق أو لصوص أو نحوهم. وفي البحر عن المجتبى: إذا التقت سريتان من المسلمين وكل واحدة ترى أنهم مشركون فأجلوا عن قتلى من الفريقين. قال محمد: لا دية على أحد ولا كفارة لأنهم دافعون عن أنفسهم؛ ولم يذكر حكم الغسل، ويجب أن يغسلوا، لأن قاتلهم لم يظلمهم اهـ. ومفاده أنه لو كانت إحدى الفرقتين ظالمة للأخرى، بأن علموا حالهم لا يغسل من قتل من الأخری وإن جهل قاتله عيناً لكونه مدافعاً عن نفسه وجماعته. تأمل. قوله: (ولو تسبباً) لأن موته یکون مضافاً إليهم، فلو أوطؤوا دابتهم مسلماً، أو نفروا دابة مسلم فرمته،