النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
الأول) وبصورة القراءة في الكل تبلغ ستة عشر، لكن بقي ما إذا لم يقعد،
الأول)) فيه صورتان، لأن هذه الواحدة إما أولاه أو ثانيته، ففي هذه الستّ يقضي أربعاً
عندهما، وركعتين فقط عند محمد بناء على أصله المارّ من فساد التحريمة بترك القراءة في
ركعة من الشفع الأول؛ وفي هذه الستّ قد وجد ذلك، فلم يصح عنده الشروع في الشفع
الثاني منها؛ وأما عندهما فلا تفسد التحريمة بذلك فصح الشروع، فلزم قضاء كل من
الشفعين لإفساد أدائهما، وكون الواجب قضاء أربع ركعات في الصور الأربع الأول عند أبي
حنيفة موافق لأصله المار، لكن أنكر أبو يوسف على محمد رواية ذلك عن أبي حنيفة وقال:
رویت لك عنه أنه يلزمه قضاء رکعتین، ومحمد لم يرجع عن رواية ذلك عنه، ونسب أبا
يوسف إلى النسيان. وما رواه محمد هو ظاهر الرواية، واعتمده المشايخ، وهذه إحدى
مسائل ست رواها محمد في الجامع الصغير عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، وأنكرها أبو
يوسف، وتمامه في البحر. قوله: (وبصورة القراءة في الكل) أي كل الركعات، وإنما لم
يذكروها لأنها صحيحة، والكلام فيما يلزم قضاؤه للفساد بترك القراءة، لكن هذه الصورة
هي تتمة القسمة العقلية، لأنه لا يخلو إما أن يكون قرأ في الأربع أو ترك في الأربع أو في
ثلاث، وتحته أربع صور فهذه ست؛ أو ترك في ركعتين: أي في الأولى مع الثانية أو مع
الثالثة أو مع الرابعة، أو في الثانية مع الثالثة أو مع الرابعة، أو في الثالثة مع الرابعة، فهذه
ست أيضاً، أو ترك في واحدة فقط وتحته أربع، فهذه ست عشرة صورة.
وقد رسمتها في جدول على هذا الترتيب
مشيراً إلى القراءة بالقاف، وإلى عدمها بلا، وإلى
عدد ما يجب قضاؤه في جانب كل صورة بالعدد
الهندي على مذاهب أئمتنا الثلاثة بالترتيب على
أصولهم المارة، فإن كنت أتقنتها يسهل عليك
استخراجھا، وصورته ھکذا:
لكن بقي ما إذا لم يقعد، أو قعد ولم يقم
الثالثة، أو قام ولم يقیدها بسجدة أو قيدها، فتنبه،
ومیز المتداخل، وحکم مؤتم ولو في تشهد کإمام.
(ولا قضاء لو) نوى أربعاً و (قعد قدر التشهد
ثم نقض) لأنه لم يشرع في الثاني.
قوله: (لكن بقي ما إذا لم يقعد) صورتها قرأ
في الأوليين ولم يقعد القعدة الأولى وأفسد
الأخريين. وحكمها أنه يقضي أربعاً إجماعاً، كذا
أبوس
محمد
•
٠
٠
ق
ق
ق
ق
٢
٤
٢
لا
لا
لا
لا
٤
٤
٢
ق
لا
ق
لا
ق
٤
لا
٤
٤ ١
٢
ق
ق
لا
لا
٢٢ ٢
٢ ٢
لا
ق
ق
ق
٢
٢
٢
ق
لا
ق
ق
ق
٢ ٢ ٢ ق
ق
ق
ق
٢
٤
٢
لا
ق
لا
لا
٤
ـو
٢
لا
ق
ق
لا
ق
٤
٤
٢
ق .
لا
ق
لا
٤
٤ ١
٤ ٢
لا
ق
ق
لا
لا
٢
٤
٢
لا
لا
لا
لا
لا
لا
٢
ق
٢
٢
٢ ٢
ق
ق
لا
لا
أبوح
٢
٤
لا
لا
ق
لا

٤٨٢
كتاب الصلاة / باب الوتر والنوافل
أو قعد ولم يقم لثالثة، أو قام ولم يقيدها بسجدة أو قيدها، فتنبه، وميز المتداخل،
وحکم مؤتم ولو في تشهد کإمام.
(ولا قضاء لو) نوى أربعاً و(قعد قدر التشهد ثم نقض) لأن لم يشرع في الثاني.
(أو شرع) في فرض (ظاناً أنه عليه) فذكر أداءه انقلب نفلاً غير مضمون لأنه شرع مسقطاً
لا ملتزماً
في النهر. وقد ذكره الشارح مرتين: الأولى قوله: ((أي وتشهد للأول وإلا يفسد الكل))
الثانية قوله: (أو ترك قعود أول» ح.
قلت: والمراد إفساد الأخريين بترك القراءة لأن الكلام فيه، وقد أشار الشارح إلى أن ما
مر من قضاء ركعتين أو أربع مفروض فيما إذا قعد على رأس الركعتين، وإلا فعليه قضاء الأربع
اتفاقاً، لأنه إذا لم يقعد يسري فساد الشفع الثاني إلى الأول كما نبه عليه في البحر تبعاً للعناية.
قوله: (أو قعد ولم يقم الثالثة) صورتها: ترك القراءة ولم يقم. وحكمها أنه يقضي ركعتين، كذا
في النهرح. قوله: (أو قام ولم يقيدها بسجدة) صورتها: ترك القراءة في الشفع الأول ثم قام
إلى الركعة الثالثة ثم أفسدها قبل أن يقيد الثالثة بسجدة، فحكمها أنه يقضي ركعتين عندهما.
وعند أبي يوسف أربعاً، كذا في النهر، ومثله ما إذا أفسدها بعد التقييد بسجدة ح.
أقول: وما نقله في هذه المواضع عن النهر موجود فيه وكأنه ساقط من نسخة ط.
ثم اعلم أن استدراك الشارح بذكر المسألتين الأخيرتين لا محل له هنا، لأن الكلام في
إفساد أحد الشفعين من الرباعية أو كل منهما بترك القراءة، أما إفساده بما سوى ذلك فهو ما
ذكره المصنف قبل بقوله: ((وقضى ركعتين لو نوى أربعاً الخ)) كما نبهنا عليه هناك، وهاتان
المسألتان داخلتان فيه، فتأمل. قوله: (فتنبه) لعله أمر بالتنبه إشارة إلى ما قررناه. قوله:
(وميز المتداخل) المراد به ما اختلفت صورته واتحد حكمه وهي عبارة العناية، حيث جعل
سبعاً من الصور داخلة في الثمانية الباقية، وذلك لأن المذكور في المتن ثماني صور، ستّ
يلزم فيها ركعتان، واثنتان يلزم فيهما أربع، لكن الست الأولى تسع في التفصيل والاثنتان
ست، فهي خمس عشرة اهـح. قوله: (وحكم مؤتم الخ) صورته: رجل اقتدى متنفلاً
بمتنفل في رباعي، فقرأ الإمام في إحدى الأوليين وإحدى الأخريين، فكما يلزم الإمام
قضاء الأربع كذلك يلزم المؤتم ولو اقتدى به في التشهد، وقس على ذلك ح. قوله: (وقعد
قدر التشهد) أي وقرأ في الركعتين. قوله: (أو شرع ظاناً الخ) تصريح بمفهوم قوله سابقاً
(شرع فيه قصداً) كما أفاده المصنف ط. قوله: (غير مضمون)أي لا يلزمه قضاؤه لو أفسده
في الحال، أما لو اختار المضيّ عليه ثم أفسده لزمه قضاؤه كما قدمه الشارح وقدمنا الكلام
عليه، وكذا لا يجب القضاء على من اقتدى به فيه متطوّعاً كما في التاتر خانية، وقدمنا الكلام
فيه أيضاً. قوله: (لأنه شرع مسقطاً الخ) أي لأن من ظن أن عليه فرضاً يشرع فيه لإسقاط ما
في ذمته لا لإلزام نفسه بصلاة أخرى، فإذا انقلبت صلاته نفلاً بتذكر الأداء كانت صلاة لم

٤٨٣
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
(أو) صلى أربعاً فأكثر و (لم يقعد بينهما) استحساناً، لأنه بقيامه جعلها صلاة واحدة
فتبقى واجبة، والخاتمة هي الفريضة. وفي التشريح: صلى ألف ركعة ولم يقعد إلا في
آخرها صح، خلافاً لمحمد، ويسجد للسهو، ولا يثني ولا يتعوّذ، فليحفظ (ويتنفل مع
قدرته على القيام قاعداً) لا مضطجعاً إلا بعذر (ابتداء، و)
يلتزمها فلا يلزمه قضاؤها لو أفسدها. قوله: (أو صلى أربعاً) أي وقرأ في الكل ح. قوله:
(فأكثر) هذا خلاف الأصح كما قدمناه عن البدائع والخلاصة. وفي التاترخانية: لو صلى
التطوّع ثلاثاً ولم يقعد على الركعتين، فالأصح أنه يفسد؛ ولو ستاً أو ثمانياً بقعدة واحدة
اختلفوا فيه، والأصح أنه يفسد استحساناً وقياساً اهـ. لكن صححوا في التراويح أنه لو
صلاها كلها بقعدة واحدة وتسليمة أنها تجزئ عن ركعتين، فقد اختلف التصحيح. قوله:
(استحساناً) والقياس فساد الشفع الأول كما هو قول محمد، بناء على أن كل شفع صلاة
فتكون القعدة فيه فرضاً. قوله: (فتبقى واجبة الخ) أي كما في نظيره من الفرض الرباعي،
فإن القعدة الأولى فيه واجبة لا يبطل بتركها، والفريضة التي يبطل بتركها إنما هي الأخيرة.
قوله: (وفي التشريح) في بعض النسخ ((الترشيح)) بتقديم الراء على الشين، وفي بعضها
((التوشيح)) بالواو بدل الراء وهو المشهور: اسم كتاب ((شرح الهداية)) للسراج الهندي.
قوله: (صح خلافاً لمحمد) لأنه يقول بفساد الشفع بترك قعدته کما هو القیاس وقد مر، لكن
قوله: ((صح) مبني على أن ما زاد علی الأربع کالأربع في جريان الاستحسان فيه وهو قول
لبعض المشايخ، وقد علمت اختلاف التصحيح فيه. قوله: (ويسجد للسهو) سواء ترك
القعدة عمداً أو سهواً؛ نعم في العمد يسمى سجود عذر. ح عن النهر، وسيأتي أن المعتمد
عدم السجود في العمد ط. قوله: (ولا يثني ولا يتعوذ) لأنهما لا يكونا إلا في ابتداء صلاة،
والشفع لا يكون صلاة على حدة إلا إذا قعد للأول، فلما لم يقعد جعل الكل صلاة واحدة
ح. قوله: (ويتنفل الخ) أي في غير سنة الفجر في الأصح كما قدمه المصنف بخلاف سنة
التراويح لأنها دونها في التأكد، فتصح قاعداً وإن خالف المتوارث وعمل السلف كما في
البحر، ودخل فيه النفل المنذور فإنه إذا لم ينص على القيام لا يلزمه القيام في الصحيح،
كما في المحيط. وقال فخر الإسلام: إنه الصحيح من الجواب، وقيل يلزمه واختاره في
الفتح. نهر. قوله: (قاعداً) أي على أيّ حلة كانت، وإنما الاختلاف في الأفضل كما يأتي.
قوله: (لا مضطجعاً) وكذا لو شرع منحنياً قريباً من الركوع لا يصح. بحر. وما ذكره من عدم
صحة التنفل مضطجعاً عندنا بدون عذر، نقله في البحر عن الأكمل في شرحه على
المشارق، وصرح به في النتف. وقال الكمال في الفتح: لا أعلم الجواز في مذهبنا، وإنما
يسوغ في الفرض حالة العجز عن القعود، لكن ذكر في الإمداد أن في المعراج إشارة إلى أن
في الجواز خلافاً عندنا كما عند الشافعية. قوله: (ابتداء وبناء) منصوبان على الظرفية

٤٨٤
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
كذا (بناء) بعد الشروع بلا كراهة في الأصح كعكسه. بحر. وفيه أجر غير النبي وَّ
علی النصف إلا بعذر
الزمانية لنيابتهما عن الوقت: أي وقت ابتداء ووقت بناء ط. قوله: (وكذا بناء الخ) فصله
بكذا لما فيه من خلاف الصاحبين.
قال في الخزائن: ومعنى البناء أن يشرع قائماً ثم يقعد في الأولى أو الثانية بلا عذر
استحساناً، خلافاً لهما. وهل يكره عنده؟ الأصح لا. وأما القعود في الشفع الثاني فينبغي
جوازه اتفاقاً، كما لو شرع قاعداً ثم قام، كذا قاله الحلبي وغيره اهـ. وكتب عند قوله:
((الأصح)) لا في هامشه: فيه ردّ على الدرر والوقاية والنقاية وغيرها، حيث جزموا بالكراهة.
قوله: (في الأصح) راجع إلى قوله: ((بلا کراهة» کما علمته، فافهم. قوله: (کعكسه) وهو
ما لو شرع قاعداً ثم قام فإنه يجوز اتفاقاً، وهو فعله# كما روت عائشة ((أَنه كَانَ يَفْتَتِحُ
التَّطَوُّعَ قَاعِداً فَيَقرَأُ وِرْدَهُ حَتَّى إِذَا بَقِي عَشْرُ آيَاتٍ وَنَحْوُهَا قَامَ الخ)) وهكذا كان يفعل في
الركعة الثانية.
وفي التجنيس: الأفضل أن يقوم فيقرأ شيئاً ثم يركع ليكون موافقاً للسنة؛ ولو لم يقرأ
ولكنه استوی قائماً ثم رکی جاز، وإن لم یستو قائماً ورکی لا یجزیه، لأنه لا یکون ركوعه
قائماً ولا ركوعاً قاعداً اه بحر. قوله: (وفيه) أي في البحر. قوله: (أجر غير النبي ( 18) أما
النبي 8/ فمن خصائصه أن نافلته قاعداً مع القدرة على القيام كنافلته قائماً؛ ففي صحيح
مسلم عن عبد الله بن عمرو قلت: ((حَدَّثْتَ يَا رَسُولَ الله أَنَّكَ قُلْتَ: صَلَةُ الرَّجُلِ قَاعِداً عَلَى
نِصْفِ الصَّلَةِ، وَأَنْتَ تُصَلِّ قَاعِداً، قَالَ: أَجَلْ وَلَكِنِّي لَسْتُ كَأَحَدٍ مَنْكُمْ))(١) بحَر ملخصاً:
أي لأنه تشريع لبيان الجواز؛ وهو واجب عليه. قوله: (على النصف إلا بعذر) أما مع العذر
فلا ينقص ثوابه عن ثوابه قائماً، لحديث البخاري في الجهاد ((إِذَا مَرِضَ العَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ
لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيماً صَحِيحً»(٢) فتح. وحكى في النهاية الإجماع عليه. وتعقبه في
البحر بحكاية النووي عن بعضهم أنه على النصف مع العذر أيضاً، ثم نقل عن المجتبى أن
إيماء العاجز أفضل من صلاة القائم، لأنه جهد المقل. قال: ولا يخفى ما فيه، بل الظاهر
المساواة كما في النهاية اهـ.
لكن ذكر القهستاني ما في المجتبى، ثم قال: لكن في الكشف أنه قال الشيخ أبو
معين النسفي: جميع عبادات أصحاب الأعذار كالمومي وغيره تقوم مقام العبادات الكاملة في
حق إزالة المأثم لا في حق إحراز الفضيلة اهـ.
(١) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين (١٢٠) وأبو داود (٩٥٠) وأحمد في المسند ٢/ ٢٠٣ والنسائي ٢٢٣/٣ والدارمي
٢٢١/١.
(٢) أخرجه البخاري ١٣٦/٦ (٢٩٩٦).

٤٨٥
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
(ولا يصلي بعد صلاة) مفروضة (مثلها) في القراءة أو في الجماعة، أو لا تعاد عند توهم
الفساد للنهي. وما نقل أن الإمام قضى صلاة عمره، فإن صح نقول: كان يصلي
أقول: وهو موافق لقول البعض المارّ، ويؤيده حديث البخاري ((مَنْ صَلَّى قَائِماً فَهُوَ
أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قاعِداً فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِماً فَلَهْ نِصْفُ أَجْرِ القَاعِدِ))(١)
فإن عموم (من)) يدخل فيه العاجز، ولأن الصلاة نائماً لا تصح عندنا بلا عذر، وقد جعل له
نصف أجر القاعد، وفي هذا المقام زيادة كلام يطلب مما علقناه على البحر. قوله: (ولا
يصلي الخ) هذا اللفظ رواه ابن أبي شيبة عن عمر. وظاهر كلام محمد أنه عن النبي وَّهِ،
ومحمد أعلم بذلك منا. فتح. قوله: (في القراءة الخ) لما كان ظاهر الحديث غير مراد إجماعاً
لأن الظهر والعصر يصليان بعد سنتهما وجب حمله على أخص الخصوص؛ ففي الجامع
الصغير: أراد لا يصلي بعد الظهر نافلة ركعتين منها بقراءة وركعتين بغير قراءة لتكون مثل
الفرض. وقال فخر الإسلام: لو حمل على تكرار الجماعة في مسجد له أهل أو على قضاء
الصلاة عند توهم الفساد لكان صحيحاً. نهر. وما ذكره عن فخر الإسلام نقله في البحر أيضاً
عن شرح الجامع الصغير لقاضيخان.
ثم قال في البحر: فالحاصل أن تكرار الصلاة إن كان مع الجماعة في المسجد على
هيئته الأولى فمكروه، وإلا فإن كان في وقت يكره التنفل فيه بعد الفرض فمكروه كما بعد
الصبح والعصر؛ وإلا فإن كان لخلل في المؤدى: فإن كان ذلك الخلل محققاً إما بترك
واجب أو بارتكاب مكروه فغير مكروه بل واجب، كما صرح به في الذخيرة وقال: إنه
لا يتناوله النهي؛ وإن كان ذلك الخلل غير محقق بل نشأ من وسوسة فهو مكروه اهـ. قوله:
(للنهي) علة لقوله: ((ولا يصلي الخ)) والنهي هو لفظ الحديث المذكور. قوله: (وما نقل
الخ) جواب عن سؤال وارد على الوجه الثالث، فإن هذا المنقول ينافي حمل النهي عليه، إذ
يبعد أن يكون ما صلاه الإمام أوّلاً مشتملاً على خلل محقق من مكروه أو ترك واجب، بل
الظاهر أنه أعاد ما صلاه لمجرد الاحتياط وتوهم الفساد، فينافي حمل النهي في مذهبه على
الوجه الثالث.
والجواب أولًا أنه لم يصح نقل ذلك عن الإمام، وثانياً أنه لو صح نقول: إنه كان
يصلي المغرب والوتر أربع ركعات بثلاث قعدات كما نقله في البحر عن مآل الفتاوى: أي
ويكون حينئذ إعادة الصلاة لمجرد توهم الفساد غير مكروه، ويكون النهي محمولاً على غير
هذا الوجه، لكن لما كانت الصلاة على هذا محتملة لوقوعها نفلا والتنفل بالثلاث مكروه
نقول: إنه كان يضم إلى المغرب والوتر ركعة، فعلى احتمال صحة ما كان صلاه أو لا تقع
(١) أخرجه البخاري (١١١٦) والترمذي (٣٧١) والنسائي ٢٢٤/٣ وابن ماجه (١٢٣١) وأحمد في المسند ٤٣٥/٤.

٤٨٦
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
المغرب والوتر أربعاً بثلاث قعدات (ويقعد) في كل نفله (كما في التشهد على المختار،
و) يتنفل المقيم (راكباً خارج المصر)
هذه الصلاة نفلاً، وزيادة القعدة على رأس الثالثة لا تبطلها، وعلى احتمال فساده تقع هذه
فرضاً مقضياً وزيادة ركعة عليها لا تبطلها، وقد تقرر أن ما دار بين وقوعه بدعة وواجباً لا
يترك، بخلاف ما دار بين وقوعه سنة وواجباً(١) لكن لا يخفى عليك أن الجواب عن الإيراد
هو الأول؛ وأما الثاني فهو مقرر له، لكنه لا يجدي لعدم ثبوت صحة النقل، فالوجه حينئذ
كراهة القضاء لتوهم الفساد كما قاله فخر الإسلام قاضيخان، فكان ينبغي للشارح الاقتصار
على الأول، لكن رأيت في فصل قضاء الفوائت من التاترخانية أن الصحيح جواز هذا
القضاء إلا بعد صلاة الفجر والعصر، وقد فعله كثير من السلف لشبهة الفساد اهـ. وعلى هذا
لا يصح حمل الحديث على الوجه الثالث. قوله: (ويقعد في كل نفله الخ) أي لا في حالة
التشهد فقط، وهذه المسألة من تتمة السابقة، فكان ينبغي ذكرها قبل قوله: ((ولا يصلي
الخ)). قوله: (كما في التشهد) أي تشهد جميع الصلوات، وأشار به إلى أنه لا خلاف في حالة
التشهد كما في البحر. قوله: (على المختار) وهو قول زفر ورواية عن الإمام. قال أبو
الليث: وعليه الفتوى. وروي عن الإمام تخييره بين القعود والتربع والاحتباء، وتمامه في
البحر. وأفاد في النهر أن الخلاف في تعيين الأفضل وأنه لا شك في حصول الجواز على
أي وجه كان.
تنبيه: قيل ظاهر القول المختار أنه في حال القراءة يضع يديه على فخذيه كما في
حال التشهد، لكن تقدم في كلام الشارح في فصل (إذا أراد الشروع)) عند قوله: ((ووضع
يمينه على يساره الخ)) عن مجمع الأنهر أن المراد من القيام ما هو الأعم، لأن القاعد يفعل
كذلك: أي يضع يمينه على يساره تحت سرته. وفي حاشية المدني: ويؤيده قول منلا علي
القاري عند قول النقاية في كل قيام: أي حقيقي أو حكمي، كما إذا صلى قاعداً.
مَطْلَبٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الدابة
قوله: (ويتتفل المقيم راكباً الخ) أي بلا عذر، أطلق النفل فشمل السنن المؤكدة إلا
سنة الفجر كما مر وأشار بذكر المقيم إلى أن المسافر كذلك بالأولى؛ واحترز بالنفل عن
الفرض والواجب بأنواعه كالوتر والمنذور وما لزم بالشروع والإفساد وصلاة الجنازة وسجدة
تليت على الأرض فلا يجوز على الدابة بلا عذر لعدم الحرج كما في البحر. قوله: (راكباً)
فلا تجوز صلاة الماشي بالإجماع. بحر عن المجتبى. قوله: (خارج المصر) هذا هو
المشهور. وعندهما يجوز في المصر، لكن بكراهة عند محمد لأنه يمنع من الخشوع، وتمامه
(١) في ط (قوله وقوعه سنة وواجباً لعل الصواب ((بدعة)) بدل ((واجباً).

٤٨٧
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
محل القصر (مومئاً) فلو سجد اعتبر إيماء لأنها إنما شرعت بالإيماء (إلى أيّ جهة توجهت
دابته) ولو ابتداء عندنا أو على سرجه نجس كثير عند الأكثر، ولو سيرها بعمل قليل لا
بأس به (ولو افتتح) النفل (راكباً ثم نزل بنى، وفي عكسه لا) لأن الأول أدّى أكمل مما
وجب، والثاني بعكسه (ولو افتتحها خارج المصر ثم دخل المصر أتم على الدابة)
في الحلية. قوله: (محل القصر) بالنصب بدل من خارج المصر. وفائدته شمول خارج القرية
وخارج الأخبية ح: أي المحل الذي يجوز للمسافر قصر الصلاة فيه، وهو الصحيح. بحر.
وقيل إذا جاوز ميلاً، وقيل فرسخين أو ثلاثة. قهستاني. قوله: (مومئاً) بالهمز في آخره أكثر
من الياء. قال في المغرب تقول: أومأت إليه لا أوميت، وقد تقول العرب: أومى بترك
الهمزة. قوله: (فلو سجد) أي على شيء وضعه عنده أو على السرج اعتبر إيماء بعد أن
یکون سجوده أخفض. قوله: (إلى أي جهة توجهت دابته) فلو صلى إلى غير ما توجهت به
دابته لا يجوز لعدم الضرورة. بحر عن السراج. قوله: (ولو ابتداء عندنا) يعني أنه لا يشترط
استقبال القبلة في الابتداء، لأنه لما جازت الصلاة إلى غير جهة الكعبة جاز الافتتاح إلى غير
جهتها. بحر. واحترز عن قول الشافعي رحمه الله تعالى، فإنه يقول: يشترط في الابتداء أن
يوجهها إلى القبلة كما في الشرنبلالية ح.
قلت: وذكر في الحلية عن غاية السروجي أن هذا رواية ابن المبارك ذكرها في جوامع
الفقه، ثم ذكر بعد سياقه الأحاديث أن الأشبه استحباب ذلك عند عدم الحرج عملا بحديث
أنس، ثم قال: على أن ابن الملقن الشافعي قال: وعند أبي حنيفة وأبي ثور يفتتح أولاً إلى
القبلة استحباباً ثم يصلي كيف شاء اهـ. قوله: (أو على سرجه الخ) مثله الركاب والدابة
للضرورة، وهو ظاهر المذهب، وهو الأصح؛ بخلاف ما إذا كانت عليه نفسه؛ فإنه لا
ضرورة إلى إبقائها، فسقط ما في النهر من أن القياس يقتضي عدم المنع بما عليه اهـ ط.
قلت: وعليه فيخلع النعل النجس. قوله: (ولو سيرها الخ) ذكره في النهر بحثاً أخذاً من
قولهم: إذا حرّك رجله أو ضرب دابته فلا بأس به إذا لم يكن كثيراً.
قلت: ويدل له أيضاً ما في الذخيرة: إن كانت تنساق بنفسها ليس له سوقها، وإلا فلو
ساقها هل تفسد؟ قال: إن كان معه سوط فهيبها به ونخسها لا تفسد صلاته. قوله: (ثم نزل)
أي بعمل قليل، بأن ثنى رجله فانحدر من الجانب الآخر. فتح. قوله: (وفي عكسه) بأن
رفع فوضع على الدابة. فتح. قوله: (لأن الأول الخ) وذلك لأن إحرام الراكب انعقد مجوّزاً
الركوع والسجود لقدرته على النزول، فإذا أتى بهما صح، وإحرام النازل انعقد موجباً لهما
فلا يقدر على ترك ما لزمه من غير عذر. بحر. قوله: (أتم على الدابة) لأنه صح شروعه
فيها راكباً، فصار كما إذا افتتحها ثم تغيرت الشمس فإنه يتمها هكذا. تجنيس. قوله:

٤٨٨
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
بإيماء (وقيل لا) بل ينزل وعليه الأكثر، قاله الحلبي. وقيل يتم راكباً ما لم يبلغ منزله.
قهستاني. ويبني قائماً إلى القبلة أو قاعداً، ولو ركب تفسد لأنه عمل كثير، بخلاف
النزول (ولو صلى على دابة في) شق (محمل وهو يقدر على النزول) بنفسه (لا تجوز
الصلاة عليها إذا كانت واقفة، إلا أن تكون
(وعليه الأكثر) عبر في البحر وغيره بالكثير. وذكر الرحمتي أن الأول مبني على قولهما
بجوازها في المصر. والثاني على قوله بقرينة قوله في التجنيس في فصل القهقهة: ولو افتتح
صلاة التطوّع خارج المصر راكباً ثم دخل المصر ثم قهقه لا وضوء عليه عند أبي حنيفة.
وعند أبي يوسف: عليه اعتباراً للابتداء بالانتهاء اهـ. قوله: (ويبني قائماً الخ) أي إذا نزل في
مسألتي المتن. قوله: (ولو ركب الخ) أعاد مسألة المتن السابقة ليذكر لها تعليلاً آخر، لكن
ذكر في البحر أنه رده في غاية البيان، بأنه لو رفع المصلي ووضع على السرج لا يبني، مع
أن العمل لم يوجد فضلاً عن العمل الكثير اهـ. وحمل المحشي كلام الشارح على صورة ما
إذا افتتح راکباً ثم نزل: أي فإنه إذا رکب بعد ذلك تفسد صلاته، لأن الرکوب عمل کثیر.
قال: فعلى هذا لو حمله شخص ووضعه على الدابة لا تفسد لأنه لم يوجد منه العمل اهـ.
قلت: لكن قوله: ((لا تفسد)) يحتاج إلى نقل فليراجع. وأيضاً فقول الشارح (بخلاف
النزول)» لا محل له على هذا الحمل، فتأمل. قوله: (ولو صلى على دابة الخ) شروع في
صلاة الفرض والواجب على الدابة كما سينبه عليه بقوله: ((هذا كله في الفرائض)).
واعلم أن ما عدا النوافل من الفرض والواجب بأنواعه لا يصح على الدابة إلا
لضرورة؛ كخوف لص على نفسه أو دابته أو ثيابه لو نزل، وخوف سبع وطين ونحوه مما
يأتي؛ والصلاة على المحمل الذي على الدابة كالصلاة عليها فيومئ عليها بشرط إيقافها
جهة القبلة إن أمكنه، وإلا فبقدر الإمكان. وإذا كانت تسير لا تجوز الصلاة عليها إذا قدر على
إيقافها وإلا بأن كان خوفه من عدوّ يصلي كيف قدر كما في الإمداد وغيره، ولا إعادة عليه
إذا قدر بمنزلة المريض. خانية. واستفيد من التقييد بالإيماء أنه لا اعتبار بالركوع والسجود،
ولذا نقل الشيخ إسماعيل عن المحيط: لا تجوز على الجمل الواقف أو البارك وإن صلى
قائماً إلا أن يكون عند الخوف في المفازة بالإيماء اهـ. قوله: (بنفسه) احتراز عما إذا لم
يقدر إلا بمعين، لأن قدرة الغير لا تعتبر كما سيأتي، لكن في شرح الشيخ إسماعيل عن
المجتبى: وإن لم يقدر على القيام أو النزول عن دابته أو الوضوء إلا بالإعانة وله خادم
يملك منافعه يلزمه في قولهما. وفي قول أبي حنيفة نظر. والأصح اللزوم في الأجنبي الذي
يطيعه كالماء الذي يعرض للوضوء اهـ. ويأتي تمام الكلام فيه. قوله: (إذا كانت واقفة)
وكذا لو سائرة بالأولى، وإنما قيد به لقوله: ((إلا أن تكون عيدان المحمل الخ)» كما نص

٤٨٩
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
عيدان المحمل على الأرض) بأن ركز تحته خشبة (وأما الصلاة على العجلة إن كان طرف
العجلة على الدابة وهي تسير أو لا) تسير (فهي صلاة على الدابة، فتجوز في حالة العذر)
المذكور في التيمم (لا في غيرها) ومن العذر المطر، وطين يغيب فيه الوجه وذهاب
الرفقاء، ودابة لا تركب إلا بعناء أو بمعين ولو محرماً، لأن قدرة الغیر لا تعتبر
عليه الشرنبلالي ط. قوله: (عيدان المحمل) أي أرجله التي كأرجل السرير. قوله: (بأن
ركز تحته خشبة) الأولى التعبير بالكاف فإنه تنظير لا تصوير ط. وهذا لو بحيث يبقى قرار
المحمل على الأرض لا على الدابة فيصير بمنزلة الأرض. زيلعي. فتصح الفريضة فيه قائماً
كما في نور الإيضاح. قوله: (على العجلة) هي ما يؤلف مثل المحفة يحمل عليها الأثقال.
مغرب. قوله: (أو لا تسير) كذا في الزيلعي والخانية، ومثله في البحر عن الظهيرية. قوله:
(فهي صلاة على الدابة) أما إذا كانت تسير فظاهر، وأما إذا كانت لا تسير وكانت على الأرض
وطرفها على الدابة فمشكل، لأنها في حكم المحمل إذا ركز تحته خشبة، فتكون كالأرض.
وقد يفرق بأنها إذا كان أحد طرفيها على الأرض والآخر على الدابة لم يصر قرارها
على الأرض فقط بل عليها وعلى الدابة، بخلاف المحمل لأنه إنما تصح الصلاة عليه إذا
كان قراره على الأرض فقط بواسطة الخشبة لا على الدابة. تأمل. وسيأتي ما لو كان كلها
على الأرض. قوله: (المذكور في التيمم) بأن يخاف على ماله أو نفسه، أو تخاف المرأة من
فاسق ط. قوله: (لا في غيرها) أي في غير حالة العذرح. قوله: (وطين يغيب فيه الوجه)
أي أو يلطخه أو يتلف ما يبسط عليه، أما مجرد نداوة فلا تبيح له ذلك، والذي لا دابة له
يصلي قائماً في الطين بالإيماء، كما في التجنيس والمزيد. إمداد.
مَطْلَبْ فِي الْقَاحِ بِقُدْرَةٍ غَيْهِ
قوله: (لأن قدرة الغير لا تعتبر) أي عنده. وعندهما تعتبر كما في البحر. وفي الخانية
والكافي: ولو كانت الدابة جموحاً لو نزل لا يمكنه الركوب إلا بمعين، أو كان شيخاً كبيراً لو
نزل لا يمكنه أن يركب ولا يجد من يعينه تجوز الصلاة على الدابة اهـ. وظاهر المسألة الأولى
أنها على قوله: وظاهر الثانية أنها على قولهما إلا أن يرجع قوله: ((ولا يجد من يعينه)) إلى
المسألتين فيكون كل منهما عن قولهما. تأمل. وقدمنا قريباً عن المجتبى أن الأصح عنده
لزوم النزول لو وجد أجنبياً يطيعه فهو حينئذ بالاتفاق، وهو مقتضى ما قدمناه أيضاً في باب
التيمم من أن العاجز عن استعمال الماء بنفسه لو وجد من تلزمه طاعته كعبده وولده وأجیره
لزمه الوضوء اتفاقاً، وكذا غيره ممن لو استعان به أعانه كزوجته في ظاهر المذهب، بخلاف
العاجز عن استقبال القبلة أو التحول عن الفراش النجس فإنه لا يلزمه عنده.
والفرق أنه يخاف عليه زيادة المرض في إقامته وتحويله لا في الوضوء، إلى آخر ما

٤٩٠
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
حتى لو كان مع أمه مثلاً في شقي مخمل، وإذا نزل لم تقدر تركب وحدها جاز له أيضاً
كما أفاده في البحر، فليحفظ
ذكرناه هناك، فراجعه مع ما سنذكره في باب صلاة المريض. وعلى هذا فلا خلاف في لزوم
النزول عن الدابة والصلاة على الأرض لمن وجد معيناً يطيعه ولم یکن مريضاً يلحقه بنزوله
زيادة مرض. وأما ما في الخانية وغيرها من أنه لو حمل امرأته إلى القرية لها أن تصلي على
الدابة، إذا كانت لا تقدر على الركوب والنزول اهـ. وهذا محمول على ما إذا لم ينزلها
زوجها، بقرينة ما في المنية من أن المرأة إذا لم يكن معها محرم تجوز صلاتها على الدابة إذا
لم تقدر على النزول اهـ. وهذا أولى مما في البحر من تفريع ما في الخانية على قوله، وما
في المنية على قولهما، لكونه خلاف الظاهر ولمخالفته لما قدمناه، فاغتنم هذا التحرير.
قوله: (حتى لو كان الخ) تفريع على العذر لا على مسألة القدرة بقدرة الغير إلا بتكلف.
تأمل.
ثم اعلم أن هذه المسألة وقعت لصاحب البحر في سفر الحج مع أمه، وذكر أنه لم ير
حكمها وأنه ينبغي الجواز ولم أر من تعقبه، وكتبت فيما علقته عليه أنه قد يقال بخلافه، لأن
الرجل هنا قادر على النزول والعجز من المرأة قائم فيها لا فيه، إلا أن يقال: إن المرأة إذا لم
تقدر على الركوب وحدها يلزم منه سقوط المحمل أو عقر الدابة أو موت المرأة، فهو عذر
راجع إلیه کخوفه على نفسه أو ماله.
تنبيه: بقي شيء لم أر من ذكره، وهو أن المسافر إذا عجز عن النزول عن الدابة لعذر
من الأعذار المارة وكان على رجاء زوال العذر قبل خروج الوقت كالمسافر مع ركب الحاج
الشريف، هل له أن يصلي العشاء مثلاً على الدابة أو المحمل في أول الوقت إذا خاف من
النزول، أم يؤخر إلى وقت نزول الحجاج في نصف الليل لأجل الصلاة؟ والذي يظهر لي
الأول، لأن المصلي إنما يكلف بالأركان والشروط عند إرادة الصلاة والشروع فيها، وليس
لذلك وقت خاص، ولذا جاز له الصلاة بالتيمم أول الوقت وإن كان يرجو وجود الماء قبل
خروجه، وعللوه بأنه قد أدّاها بحسب قدرته الموجودة عند انعقاد سببها وهو ما اتصل به
الأداء اهـ. ومسألتنا كذلك. لكن رأيت في القنية برمز صاحب المحيط: راكب السفينة إذا
لم يجد موضعاً للسجود الزحمة، ولو أخر الصلاة ثقل الزحمة فيجد موضعاً يؤخرها وإن خرج
الوقت على قياس قول أبي حنيفة في المحبوس إذا لم يجد ماء ولا تراباً نظيفاً اهـ. لكن تقدم
في التيمم أن الأصح رجوع الإمام إلى قولهما بأنه لا يؤخرها بل يتشبه بالمصلين، ورأيت
في تيمم الحلية عن المبتغى: مسافر لا يقدر أن يصلي على الأرض لنجاستها وقد ابتلت
الأرض بالمطر يصلي بالإيماء إذا خاف فوت الوقت اهـ. ثم قال: وظاهره أنه لا يجوز إذا لم
يخف فوت الوقت، وفيه نظر، بل الظاهر الجواز وإن لم يخف فوت الوقت كما هو ظاهر

٤٩١
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
(وإن لم يكن طرف العجلة على الدابة جاز) لو واقفة لتعليلهم بأنها كالسرير (هذا) كله
(في الفرض) والواجب بأنواعه وسنة الفجر بشرط إيقافها للقبلة إن أمكنه، وإلا فبقدر
الإمكان لئلا يختلف بسيرها المكان (وأما في النفل فتجوز على المحمل والعجلة مطلقاً)
إطلاقهم؛ نعم الأولى أن يصلي كذلك، إلا إذا خاف فوت الوقت بالتأخير كما في الصلاة
بالتيمم اهـ. وهذا عين ما بحثته أولًاً، فليتأمل. قوله: (وإن لم يكن الخ) كان المناسب ذكره
قبل بيان الأعذار. قوله: (لو واقفة) كذا قيده في شرح المنية ولم أره لغيره: يعني إذا كانت
العجلة على الأرض ولم يكن شيء منها على الدابة، وإنما لها حبل مثلاً تجرها الدابة به تصح
الصلاة عليها لأنها حينئذ كالسرير الموضوع على الأرض، ومقتضى هذا التعليل أنها لو
کانت سائرة في هذه الحالة لا تصح الصلاة عليها بلا عذر، وفيه تأمل، لأن جرها بالحبل
وهي على الأرض لا تخرج به عن كونها على الأرض؛ ويفيده عبارة التاتر خانية عن
المحيط، وهي: لو صلى على العجلة، إن كان طرفها على الدابة وهي تسير تجوز في حالة
العذر لا في غيرها، وإن لم يكن طرفها على الدابة جازت، وهو بمنزلة الصلاة على
السرير اهـ. فقوله: ((وإن لم يكن الخ)) يفيد ما قلنا لأنه راجع إلى أصل المسألة، وقد قيدها
بقوله: ((وهي تسير)) ولو كان الجواز مقيداً بعدم السير لقيده به، فتأمل. قوله: (هذا كله) أي
اشتراط عدم القدرة على النزول، ووضع خشبة تحت المحمل، وعدم كون طرف العجلة
على الدابة ح. قوله: (والواجب بأنواعه) أي ما كان واجباً لعينه عيناً كالوتر، أو كفاية
كالجنازة أو لغيره ووجب بالقول كالنذر، أو بالفعل كنفل شرع فيه ثم أفسده، وكسجدة
تليت آيتها على الأرض، فافهم. قوله: (بشرط الخ) أوضحناه فيما مر. قوله: (لئلاالخ)
علة لقوله ((بشرط إيقافها) ح.
والحاصل أن كلَّ من اتحاد المكان واستقبال القبلة شرط في صلاة غير النافلة عند
الإمكان لا يسقط إلا بعذر، فلو أمكنه إيقافها مستقبلاً فعل، ولذا نقل في شرح المنية عن
الإمام الحلواني أنه لو انحرفت عن القبلة وهو في الصلاة لا تجوز صلاته. قال: وينبغي أن
یکون الانحراف مقدار رکن اهـ.
قلت: بقي لو أمكنه الإيقاف دون الاستقبال فلا كلام في لزومه لما ذكره الشارح من
العلة، ولو بالعكس هل يلزمه الاستقبال؟ لم أره. ثم رأيت في الحلية أنه يلزمه، وهو ظاهر
قول الشارح هنا، وإلا فبقدر الإمكان. ثم رأيت في الظهیریة ما يدل على خلافه حيث قال:
وإن كان في طين وردغة يخاف النزول يصلي إلى القبلة. قال: وعندي هذا إذا كانت الدابة
واقفة، أما إذا كانت سائرة يصلي حيث شاء اهـ: يعني إذا كان لا يمكنه إيقافها لخوف فوت
الرفقة مثلاً يصلي إلى أيّ جهة كانت. والظاهر أن الأول أولى، لأن الضرورة تتقدر
بقدرها. تأمل. قوله: (مطلقاً) أي سواء كانت واقفة أو سائرة على القبلة أو لا، قادر على

٤٩٢
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
فرادى لا بجماعة إلا على دابة واحدة، ولو جمع بين نية فرض ونفل ولو تحية (رجح
الفرض) لقوته. وأبطلها محمد والأئمة الثلاثة (ولو نذر ركعتين بغير طهر لزماه به عنده)
أي أبي يوسف؛ كما لو نذر بغير قراءة أو عرياناً أو ركعة، وكذا نصف ركعة عند أبي
يوسف، وهو المختار (وأهدره الثالث) أي محمد (أو) نذر عبادة (في مكان كذا فأداه في
النزول أولا، طرف العجلة على الدابة أو لا. ح. قوله: (لا بجماعة الخ) أي في ظاهر
الرواية. واستحسن محمد الجواز لو دوابهم بالقرب من دابة الإمام بحيث لا يكون بينهم وبينه
فرجة إلا بقدر الصف، قياساً على الصلاة على الأرض، والصحيح الأول لأن اتحاد المكان
شرط، حتى لو كانا على دابة واحدة في محمل واحد أو في شقي محمل جاز. بدائع. قوله:
(ولو جمع الخ) تقدمت هذه المسألة مع نظائرها قبيل باب صفة الصلاة. قوله: (ولو تحية) فيه
كلام قدمناه عند الكلام على تحية المسجد. قوله: (لزماه به) أي لزمه الركعتان بطهر، وهذا
ذكره في البحر بحثاً قياساً على ما قال بغير وضوء.
أقول: ولا حاجة للبحث، فإن ما في المتن مذكور في متن المجمع. ووجهه أن
الناذر لما أوجب عليه ركعتين أوجبهما بطهارة، لأن الصلاة لا تكون إلا بها، وقوله بعده
(بغير طهر)) رجوع عما التزمه فلا يصح. ابن ملك. قوله: (أي أبي يوسف) أشار إلى أنه كان
ينبغي للمصنف التصريح به لأنه لا مرجع للضمير في ((عنده)) لأن المتعارف في مثله رجوعه
لأبي حنيفة، إلا إذا كان له مرجع خاص غيره. قوله: (كما لو نذر بغير قراءة الخ) لأن التزام
الشيء التزام لما لا يصح إلا به، فصار كأنه نذر أن يصلي بقراءة ومستور العورة وركعتين،
لأن الصلاة غير صحيحة ما لم تكن شفعاً وبقراءة وبثوب؛ وكذا لو نذر ثلاثاً يلزمه أربع
ركعات كما في المجمع، وعلله في شرحه بما قلنا، وأشار بالكاف إلى أن هذه المسائل
الثلاث لا خلاف فيها لمحمد. والفرق له بينها وبين المسألة الأولى في شروح المجمع،
وقوله: ((و کذا نصف رکعة» أي يلزمه ركعتان، لأن ذکر ما لا يتجزأ ذکر لکله، فکأنه نذر
ركعة وهو التزام لأخرى أيضاً كما علمت. قوله: (وأهدره الثالث) أي أهدر النذر بغير طهر
فقال: لا يلزمه شيء، لأنه نذر بمعصية؛ ومقتضى ما في الفتح أن المعتمد الأول.
تنبيه: نذر أن يصلي الظهر ثمانياً، أن أو أن يزكي النصاب عشراً: أي بضم العين، أو
حجة الإسلام مرتين لا يلزمه الزائد، لأنه التزام غير المشروع فهو نذر بمعصية. بحر.
والفرق أن الصلاة بلا قراءة أو عرياناً تكون عبادة لمأموم أو أميّ ولعادم ثوب، وكذا بلا
طهارة، لقول أبي يوسف بمشروعيتها لفاقد الطهورين؛ أفاده في البحر.
أقول: والتعليل المارّ بأن التزام الشيء التزام لما لا يصح إلا به يغني عن إبداء الفرق
مع شموله للنذر بركعة أو نصفها. تأمل. قوله: (أو نذر الخ) كما لو نذر صلاة بمسجد مكة
فأداها في القدس مثلاً أو في غيره من المساجد جاز، لأن المقصود من الصلاة القربة وهي

٤٩٣
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
أقل من شرفه جاز) لأن المقصود القربة خلافاً لزفر والثلاثة (ولو نذرت عبادة) كصوم
وصلاة (في غد فحاضت فيه يلزمها قضائها) لأنه يمنع الأداء لا الوجوب (ولو) نذرتها
(یوم حيضها لا) لأنه نذر بمعصية.
(التراويح سنة) مؤكدة المواظبة الخلفاء الراشدين (للرجال والنساء) إجماعاً
(ووقتها بعد صلاة العشاء)
حاصلة في أيّ مكان، وتقدم قبيل باب الوتر أفضل الأماكن. قوله: (لأنه) أي الحيض
المفهوم من فعله السابق. قوله: (لأنه نذر بمعصية) لأن يوم الحيض مناف للصوم العبادة،
بخلاف صوم الغد فإنه باعتبار ذاته قابل للأداء، ولكن صرف عنه مانع سماوي منع الأداء
فوجب القضاء.
مَبْحَثْ: صَلَاةُ التَّاوِيحِ
قوله: (التراويح) جمع ترويحة؛ سميت الأربع بها للاستراحة بعدها. خزائن. وإنما
أخرها عن النوافل لكثرة شعبها واختصاصها عنها بأدائها بجماعة وأحكام أخر، ولذا أفرد لها
تأليفاً خاصاً بأحكامها الإمام حسام الدين، وتبعه العلامة قاسم. قوله: (سنة مؤكدة) صححه
في الهداية وغيرها، وهو المرويّ عن أبي حنيفة. وذكر في الاختيار أن أبا يوسف سأل أبا
حنيفة عنها وما فعله عمر، فقال: التراويح سنة مؤكدة، ولم يتخرجه عمر من تلقاء نفسه،
ولم يكن فيه مبتدعاً؛ ولم يأمر به إلا عن أصل لديه وعهد من رسول الله صل9. ولا ينافيه قول
القدوري إنها مستحبة كما فهمه في الهداية عنه، لأنه إنما قال: يستحب أن يجتمع الناس،
وهو يدل على أن الاجتماع مستحب، وليس فيه دلالة على أن التراويح مستحبة، كذا في
العناية. وفي شرح منية المصلي: وحكى غير واحد الإجماع على سنيتها، وتمامه في
البحر. قوله: (المواظبة الخلفاء الراشدين) أي أكثرهم، لأن المواظبة عليها وقعت في أثناء
خلافة عمر رضي الله عنه، ووافقه على ذلك عامة الصحابة ومن بعدهم إلى يومنا هذا بلا
نكير، وكيف لا وقد ثبت عنه﴿(عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّين عَضُّوا
عَلَيهَا بِالنَّوَاجِذِ)) كما رواه أبو داود(١). بحر. قوله: (إجماعاً) راجع إلى قول المتن ((سنة
للرجال والنساء)» وأشار إلى أنه لا اعتداد بقول الروافض: إنها سنة الرجال فقط على ما في
الدرر والكافي، أو أنها ليست بسنة أصلاً كما هو المشهور عنهم على ما في حاشية نوح،
لأنهم أهل بدعة يتبعون أهواءهم لا يعوّلون على كتاب ولا سنة، وينكرون الأحاديث
الصحيحة. قوله: (بعد صلاة العشاء) قدّر لفظ صلاة إشارة إلى أن المراد بالعشاء الصلاة لا
(١) أخرجه أبو داود (٤٦٠٧) والترمذي (٢٦٧٦) وابن ماجه (٤٢) وأحمد في المسند ١٢٦/٤ والطبراني في الكبير.
٢٤٧٠٢٤٦/١٨ والبيهقي في السنن ١١٤/١٠ وابن حبان (١٠٢) وانظر نصب الراية ١٢٦/١.

٤٩٤
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
إلى الفجر (قبل الوتر وبعده) في الأصح، فلو فاته بعضها وقام الإمام إلى الوتر أوتر معه
ثم صلى ما فاته .
(ويستحبّ تأخيرها إلى ثلث الليل) أو نصفه، ولا تكره بعده في الأصح (ولا
وقتها، وإلى ما في النهر من أن المراد ما بعد الخروج منها حتى لو بنى التراويح عليها لا
يصح، وهو الأصح؛ وكذا بناؤها على سنتها كما في الخلاصة. قال: فكأنه ألحقوا السنة
بالفرض.
تتمة: تقدم في بحث النية الاختلاف في أن السنن لا بد فيها من التعيين أو يكفي لها
مطلق النية، والأصح الثاني، والأحوط الأول، وتقدم تمام الكلام فيه فراجعه.
هذا، وهل يشترط أن يجدد في التراويح لكل شفع نية؟ ففي الخلاصة: الصحيح
نعم، لأنه صلاة على حدة. وفي الخانية: الأصح: لا، فإن الكل بمنزلة صلاة واحدة، كذا
في التاترخانية. وظاهره أن الخلاف في أصل النية. ويظهر لي التصحيح الأول لأنه بالسلام
خرج من الصلاة حقيقة فلا بد في دخوله فيها من النية، ولا شك أنه الأحوط؛ خروجاً من
الخلاف؛ نعم رجح في الحلية الثاني إن نوى التراويح كلها عند الشروع في الشفع الأول،
كما لو خرج من منزله يريد صلاة الفرض مع الجماعة ولم تحضره النية لما انتهى إلى الإمام.
قوله: (إلى الفجر) هذا آخر وقتها، ولا خلاف فيه كما في النهر. قوله: (في الأصح) أي من
أقوال ثلاثة:
الأول: أن وقتها اللیل کله، قبل العشاء، وبعده، وقبل الوتر وبعده، لأنها قيام الليل.
قال في البحر: ولم أر من صححه اهـ. وظاهره أنه يدخل وقتها من غروب الشمس.
الثاني: أنه ما بين العشاء والوتر، وصححه في الخلاصة، ورجحه في غاية البيان بأنه
المأثور المتوارث.
الثالث: ما مشى عليه المصنف تبعاً للكنز، وعزاه في الكافي إلى الجمهور،
وصححه في الهداية والخانية والمحيط. بحر. قوله: (فلو فاته بعضها الخ) تفريع على
الأصح، لكنه مبني على أن الأفضل في الوتر الجماعة لا المنزل، وفي خلاف سيأتي،
فقوله: ((أوتر معه)) أي على وجه الأفضلية، وكذا على القول الأول من الثلاثة المارة، وأما
على القول الثاني منها فإنه يأتي بما فاته؛ وعلله في الخلاصة بأنه لا يمكنه الإتيان به بعد
الوتر، وبما قررناه ظهر أن ما في البحر من جعله التفريع على الثالث كالثاني، صوابه
كالأول كما مشى عليه الشارح هنا. وتظهر ثمرة الخلاف أيضاً فيما لو صلاها بعد الوتر أو
نسي بعضها وتذكر بعد الوتر فصلى الباقي صح على الأول والثالث دون الثاني. قوله: (ولا
تكره بعده في الأصح) وقيل تكره لأنها تبع للعشاء فصارت كسنة العشاء. والجواب أنها وإن

٤٩٥
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
تقضى إذا فاتت أصلاً) ولا وحده في الأصح (فإن قضاها كانت نفلاً مستحباً ولیس
بتراويح) كسنة مغرب وعشاء (والجماعة فيها سنة على الكفاية) في الأصح، فلو تركها
أهل مسجد أثموا، إلا لو ترك بعضهم، وكل ما شرع بجماعة فالمسجد فيه أفضل، قاله
الحلبي (وهي عشرون ركعة) حكمته مساواة المكمل للمكمل (بعشر تسليمات) فلو
كانت تبعاً للعشاء لكنها صلاة الليل والأفضل فيها آخره، فلا يكره تأخير ما هو من صلاة
الليل، ولكن الأحسن أن لا يؤخر إليه خشية الفوات. ح عن الإمداد. وما في البحر من أن
الصحيح أنه لا بأس بالتأخير لا يدل على ثبوت كراهة التنزيه حتى يجاب عن قول الشارح ((لا
یکره» بأن المنفي کرامة التحریم، لأن کلمة لا بأس تدل على أن خلافه أولی، ولیس کل ما
هو خلاف الأولى مكروهاً تنزيهاً، لأن الکرامة لا بد لها من دليل خاص كما قررناه مراراً،
بل في رسالة العلامة قاسم وغيرها: والصحيح أنه لا بأس به، وهو المستحب والأفضل
لأنها قيام الليل اهـ فافهم. قوله: (ولا وحده) بيان لقوله: ((أصلا)) أي لا بجماعة ولا وحده
ط. قوله: (في الأصح) وقيل يقضيها وحده ما لم يدخل وقت تراويح أخرى، وقيل ما لم
يمض الشهر. قاسم. قوله: (فإن قضاها) أي منفرداً. بحر. قوله: (كسنة مغرب وعشاء) أي
حكم التراويح في أنها لا تقضى إذا فاتت الخ كحكم بقية رواتب الليل لأنها منها، لأن
القضاء من خواص الفرض وسنة الفجر بشرطها. قوله: (والجماعة فيها سنة على الكفاية
الخ) أفاد أن أصل التراويح سنة عين، فلو تركها واحد كره، بخلاف صلاتها بالجماعة فإنها
سنة كفاية، فلو تركها الكل أساؤوا؛ أما لو تخلف عنها رجل من أفراد الناس وصلى في بيته
فقد ترك الفضيلة، وإن صلى أحد في البيت بالجماعة لم ينالوا فضل جماعة المسجد،
وهكذا في المكتوبات كما في المنية. وهل المراد أنها سنة كفاية لأهل كل مسجد من البلدة
أو مسجد واحد منها أو من المحلة؟ ظاهر كلام الشارح الأول. واستظهر ط الثاني. ويظهر
لي الثالث، لقول المنية: حتى لو ترك أهل محلة كلهم الجماعة فقد تركوا السنة
وأساؤوا اهـ. وظاهر كلامهم هنا أن المسنون كفاية إقامتها بالجماعة في المسجد، حتى لو
أقاموها جماعة في بيوتهم ولم تقم في المسجد أثم الكل، وما قدمناه عن المنية فهو في حق
البعض المختلف عنها. وقيل إن الجماعة فيها سنة عين، فمن صلاها وحده أساء وإن
صليت في المساجد، وبه كان يفتي ظهير الدين. وقيل تستحب في البيت إلا لفقيه عظيم
يقتدى به، فیکون في حضوره ترغيب غيره. والصحيح قول الجمهور أنها سنة كفاية،
وتمامه في البحر. قوله: (وهي عشرون ركعة) هو قول الجمهور، وعليه عمل الناس شرقاً
وغرباً، وعن مالك ستّ وثلاثون. وذكر في الفتح أن مقتضى الدليل كون المسنون منها
ثمان والباقي مستحباً، وتمامه في البحر، وذكرت جوابه فيما علقته عليه. قوله: (المكمل)
بكسر الميم وهو التراويح ((للمكمل)) بفتحها وهي الفرائض مع الوتر، ولا مانع أن تكمل

٤٩٦
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
فعلها بتسلیمة: فإن قعد لکل شفع صحت بكرامة، وإلا نابت عن شفع واحد، به یفتی
(يجلس) ندباً (بين كل أربعة بقدرها، وكذا بين الخامسة والوتر) ويخيرون
الوتر وإن صليت قبله. وفي النهر: ولا يخفى أن الرواتب وإن كملت أيضاً، إلا أن هذا الشهر
لمزيد كماله زيد فيه هذا المكمل فتكمل اهـ ط. قوله: (وصحت بكراهة) أي صحت عن
الكل. وتكره إن تعمد، وهذا هو الصحيح كما في الحلية عن النصاب وخزانة الفتاوى،
خلافاً لما في المنية من عدم الكراهة، فإنه لا يخفى لمخالفته المتوارث مع تصريحهم بكراهة
الزيادة على ثمان في مطلق التطوع ليلاً فهنا أولى. بحر. قوله: (به يفتى) لم أر من صرح
بهذا اللفظ هنا، وإنما صرح به في النهر عن الزاهدي فيما لو صلى أربعاً بتسليمة واحدة
وقعدة واحدة، وأما إذا صلى العشرين جملة كذلك فقد قاسه عليه في البحر؛ نعم صرّح في
الخانية وغيرها بأنه الصحيح، مع أنا قدمنا عن البدائع والخلاصة والتاتر خانية أنه لو صلى
التطوّع ثلاثاً أو ستاً أو ثمانياً بقعدة واحدة فالأصح أنه يفسد استحساناً وقياساً، وقدمنا وجهه
فقد اختلف التصحيح في الزائد على الأربعة بتسليمة وقعدة واحدة، هل يصح عن شفع
واحد أو يفسد؟ فلیتنبه.
فروع: شكوا هل صلوا تسع تسليمات أو عشراً؟ يصلون تسليمة أخرى فرادى في
الأصح للاحتياط في إكمال التراويح والاحتراز عن التنفل بالجماعة، وكذا لو تذكروا تسليمة
بعد الوتر عند ابن الفضل. وقال الصدر الشهيد: يجوز أن يقال تصلى بجماعة، وهو الأظهر
لأنه بناء على القول المختار في وقتها؛ ولو سلم الإمام على رأس ركعة ساهياً في الشفع
الأول ثم صلى ما بقي: قيل يقضي الشفع الأول فقط لصحة شروعه فيما بعده، وقيل يقضي
الکل، لأن سلامه الأول لم يخرجه من حرمة الصلاة لكونه سهواً، وكذا كل سلام بعده يكون
سهواً مبنياً على السهو الأول، فقد ترك القعدة على الركعتين في الأشفاع كلها فتفسد
بأسرها، إلا إذا تعمد السلام أو فعل بعده ما ينافي الصلاة أو علم أنه سها، وتمامه في شرح
المنية. ويظهر لي أرجحية القول الأول، لأن سلامه وإن لم يخرجه لكن تكبيره على قصد
الانتقال إلى الشفع الآخر يخرجه عن الأول، ثم رأيته في الحلية قال: إنه الأشبه. قوله:
(يجلس) ليس المراد حقيقة الجلوس، بل المراد الانتظار، لأنه يخير بين الجلوس ذاكراً أو
ساكتاً، وبين صلاته نافلة منفرداً كما يذكره، أفاده في شرح المنية والبحر. قوله: (ندباً) وما
يفيده كلام الكنز من أنه سنة تعقبه الزيلعي بأنه مستحب لا سنة، وبه صرح في الهداية.
قوله: (بين كل أربعة) الأوضح قول الكنز: بعد كل أربعة، أو قول المنية والدرر: بین کل
ترويحتين، لإيهامه أن الجلسة بعد الشفع الأول من كل أربعة. والجواب أن المراد بین کل
أربعة وأربعة، فحذف أحد المتعددین کما في قوله تعالى ﴿لا نفرق بين أحد من رسله﴾ أي
بين أحد وأحد، ولا فساد في ذلك، فافهم. قوله: (وكذا بين الخامسة والوتر) صرح به في

٤٩٧
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
بين تسبيح وقراءة وسكوت وصلاة فرادى؛ نعم تكره صلاة ركعتين بعد كل ركعتين
(والختم) مرة سنة، ومرتين فضيلة، وثلاثاً أفضل (ولا يترك) الختم (لكسل القوم) لكن
في الاختيار: الأفضل في زماننا قدر ما لا يثقل عليهم، وأقره المصنف وغيره.
الهداية، واستدرك عليه في النهر بما في الخلاصة من أن أكثرهم على عدم الاستحباب،
وهو الصحيح اهـ.
أقول: هذا سبق نظر، فإن عبارة الخلاصة هكذا: والاستراحة على خمس تسليمات
اختلف المشایخ فیه، وأكثرهم على أنه لا یستحب، وهو الصحیح اهـ. فإن مراده بخمس
تسليمات خمس أشفاع: أي على الركعة العاشرة كما فسر به في شرح المنية، لا خمس
ترويحات كل ترويحة أربع ركعات، فقد اشتبه على صاحب النهر التسليمة بالترويحة، فافهم.
قوله: (بين تسبيح) قال القهستاني: فيقال ثلاث مرات ((سُبْحَانَ ذِي المُلْكِ وَالمَلَكُوتِ،
سُبْحَانَ ذِي العِزَّةِ وَالعَظَمَة وَالقُدْرَةِ وَالكِبْيَاءِ وَالجَبِرُوتِ، سُبْحَانَ المَلِكِ الحيِّ الذِي لَا
يَمُوتُ، سُبُّوحٌ قُدُّوس رَبّ المَلائِكَةِ وَالرُّوحِ، لَا إِلَهَ إِلَّ الله، نَسْتَغْفِرُ اللهِ، نَسْأَلُكَ الجَنَّةَ
وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ)) كما في منهج العباد اهـ. قوله: (وصلاة فرادى) أي صلاة أربع ركعات
فیزاد ست عشرة ركعة. قال العلامة قاسم: إن زادوها منفردین لا بأس به، وهو مستحب،
وإن صلوها بجماعة كما هو مذهب مالك كره الخ. وفي النهر: وأما الصلاة فقيل مكروهة،
وقيل سنة، وهو ظاهر ما في السراج، وأهل مكة يطوفون وأهل المدينة يصلون أربعاً اهـ.
قوله: (نعم تكره الخ) لأن الاستراحة مشروعة بين كل ترويحتين لا بين كل شفعين. قوله:
(والختم مرة سنة) أي قراءة الختم في صلاة التراويح سنة، وصححه في الخانية وغيرها
وعزاه في الهداية إلى أكثر المشايخ. وفي الكافي إلى الجمهور، وفي البرهان: وهو
المروي عن أبي حنيفة والمنقول في الآثار. قال الزيلعي: ومنهم من استحبّ الختم في ليلة
السابع والعشرين رجاء أن ينالوا ليلة القدر، لأن الأخبار تظاهرت عليها. وقال الحسن عن
أبي حنيفة: يقرأ في كل ركعة عشر آيات ونحوها، وهو الصحيح، لأن السنة الختم فيها مرة
وهو يحصل بذلك مع التخفيف، لأن عدد ركعات التراويح في الشهر ستمائة ركعة، وعدد
آي القرآن ستة آلاف آية وشيء اهـ. وما في الخلاصة من أنه يقرأ في كل ركعة عشر آيات
حتى يحصل الختم في ليلة السابع والعشرين ونحوه في الفيض فيه نظر، لأن توزيعه عشراً
فعشراً يقتضي الختم في الثلاثين، إلا أن يكون مع ضم الوتر، لكن في الخانية وغيرها ما
يفيد تخصيص التراويح، وتمامه في شرح الشيخ إسماعيل. وفي شرح المنية: ثم إذا ختم
قبل آخر الشهر قيل لا يكره له ترك التراويح فيما بقي، لأنها شرعت لأجل ختم القرآن مرة،
قاله أبو علي النسفي. وقيل يصليها ويقرأ فيها ما شاء، ذكره في الذخيرة اهـ. قوله:
(الأفضل في زماننا الخ) لأن تكثير الجمع أفضل من تطويل القراءة، حلية عن المحيط.

٤٩٨
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
وفي المجتبى عن الإمام: لو قرأ ثلاثاً قصاراً أو آية طويلة في الفرض فقد أحسن ولم
يسئ، فما ظنك بالتراويح؟ وفي فضائل رمضان للزاهدي: أفتى أبو الفضل الكرماني
والوبري أنه إذا قرأ في التراويح الفاتحة وآية أو آيتين لا يكره، ومن لم يكن عالماً بأهل
زمانه فهو جاهل (ويأتي الإمام والقوم بالثناء في كل شفع، ويزيد) الإمام (على التشهد،
وفيه إشعار بأن هذا مبني على اختلاف الزمان، فقد تتغير الأحكام لاختلاف الزمان في كثير
من المسائل على حسب المصالح، ولهذا قال في البحر: فالحاصل أن المصحح في
المذهب أن الختم سنة، لكن لا يلزم منه(١) عدم تركه إذا لزم منه تنفير القوم وتعطيل كثير
من المساجد خصوصاً في زماننا، فالظاهر اختيار الأخفّ على القوم. قوله: (وفي المجتبى
الخ) عبارته على ما في البحر: والمتأخرون كانوا يفتون في زماننا بثلاث آيات قصار أو آية
طويلة حتى لا يملّ القوم ولا يلزم تعطيلها، فإن الحسن روى عن الإمام أنه إن قرأ في
المكتوبة بعد الفاتحة ثلاث آيات فقد أحسن ولم يسئ، هذا في المكتوبة فما ظنك في
غيرها؟ اهـ. قوله: (وآية أو آيتين) أي بقدر ثلاث آيات قصار بدليل عبارة المجتبى، وإلا فلو
دون ذلك كره تحريماً لما في المنية وشرحها في بحث صفة الصلاة: لو قرأ مع الفاتحة آية
قصيرة أو آيتين قصيرتين لم يخرج عن حد كراهة التحريم، وإن قرأ ثلاثاً قصاراً أو كانت الآية
أو الآيتان تعدل ثلاث آيات قصار أخرج عن حد الكراهة المذكورة، ولکن لم يدخل في حدّ
الاستحباب. وينبغي أن يكون فيه كراهة تنزيه الخ: أي لأن السنة قراءة المفصل، فقوله
هنا: ((لا يكره)) أي لا تحريماً ولا تنزيهاً، وإن كره في الفرائض تنزيهاً، فافهم هذا.
وفي التجنيس: واختار بعضهم سورة الإخلاص في كل ركعة، وبعضهم سورة
الفيل: أي البداءة منها ثم يعيدها، وهذا أحسن لئلا يشتغل قلبه بعدد الركعات. قال في
الحلية: وعلى هذا استقرّ عمل أئمة أكثر المساجد في ديارنا، إلا أنهم يبدؤون بقراءة سورة
التكاثر في الأولى والإخلاص في الثانية، وهكذا إلى أن تكون قراءتهم في التاسعة عشرة
بسورة تبت وفي العشرين بالإخلاص اهـ. زاد في البحر: وليس فيه كراهة في الشفع الأول
من الترويحة الأخيرة بسبب الفصل بسورة واحدة لأنه خاص بالفرائض، كما هو ظاهر
الخلاصة وغيرها اهـ.
قلت: لكن الأحواط قراءة النصر وتبت في الشفع الأول من الترويحة الأخيرة،
والمعوّذتين في الشفع الثاني منها، وبعض أئمة زماننا يقرأ بالعصر والإخلاص في الشفع
الأول من كل ترويحة، وبالكوثر والإخلاص في الشفع الثاني. قوله: (ويزيد الإمام الخ) أي
(١) في ط (قوله لكن لا يلزم منه الخ) الضمير في منه الأول راجع إلى المصحح، وفي تركه إلى الختم، وفي منه الثاني
إلى عدم تر که.

٤٩٩
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
إلا أن يملّ القوم فيأتي بالصلوات) ويكتفي باللهمّ صلّ على محمد، لأنه الفرض عند
الشافعي (ويترك الدعوات) ويجتنب المنكرات هذرمة القراءة، وترك تعوّذ وتسمية،
وطمأنينة، وتسبيح، واستراحة (وتكره قاعداً) لزيادة تأكدها، حتى قيل لا تصح (مع
القدرة على القيام) كما يكره تأخير القيام إلى ركوع الإمام للتشبه بالمنافقين.
(ولو تركوا الجماعة في الفرض لم يصلوا التراويح جماعة) لأنها تبع، فمصليه
وحده يصليها معه (ولو لم يصلها) أي التراويح (بالإمام) أو صلاها مع غيره (له أن يصلي
بأن يأتي بالدعوات. بحر. قوله: (ويكتفي باللهم صل على محمد) زاد في شرح المنية
الصغير: وعلى آل محمد، وكأن الشارح اقتصر على الأول أخذاً من التعليل، لأن الصلاة
على الآل لا تفرض عند الشافعي رحمه الله تعالى، بل تسن عنده في التشهد الأخير، وقيل
تجب عنده. قوله: (هذرمة) بفتح الهاء وسكون الذال المعجمة وفتح الراء: سرعة الكلام
والقراءة. قاموس. وهو منصوب على البدلية من المنكرات، ويجوز القطع ح. قوله:
(واستراحة) هي القعدة بعد كل أربع، وقد مر أنها مندوبة، وبه يعلم أن المراد بالمنكرات
مجموع ما ذكر، إلا أن يراد بها ما يخالف المشروع. قوله: (وتكره قاعداً) أي تنزيهاً، لما في
الحلیة وغیرها من أنهم اتفقوا على أنه لا یستحب ذلك بلا عذر، لأنه خلاف المتوارث عن
السلف. قوله: (حتى قيل الخ) أي قياساً على رواية الحسن عن الإمام في سنة الفجر، لأن
كلَّ منهما سنة مؤكدة. والصحيح الفرق بأن سنة الفجر مؤكدة بلا خلاف، بخلاف التراويح
كما في الخانية، وقدمنا عبارتها في بحث سنة الفجر. قوله: (كما يكره الخ) ظاهره أنها
تحريمية للعلة المذكورة. وفي البحر عن الخانية: يكره للمقتدي أن يقعد في التراويح، فإذا
أراد الإمام أن يركع يقوم؛ لأن فيه إظهار التكاسل في الصلاة والتشبه بالمنافقين، قال تعالى
﴿وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى﴾ ط. قال في الحلية: وفيه إشعار بأنه إذا لم يكن
لکسل بل لکېر ونحوه لا یکره، وهو كذلك اهـ.
تنبيه: قال في التاترخانية: وكذا إذا غلبه النوم يكره له أن يصلي، بل ينصرف حتى
يستيقظ. قوله: (لأنها تبع) أي لأن جماعتها تبع لجماعة الفرض فإنها لم تقم إلا بجماعة
الفرض، فلو أقيمت بجماعة وحدها كانت مخالفة للوارد فيها فلم تكن مشروعة؛ أما لو
صليت بجماعة الفرض وكان رجل قد صلى الفرض وحده فله أن يصليها مع ذلك الإمام،
لأن جماعتهم مشروعة فله الدخول فيها معهم لعدم المحذور، هذا ما ظهر لي في وجهه، وبه
ظهر أن التعليل المذكور لا يشمل المصلي وحده، فظهر صحة التفريع بقوله: ((فمصليه
وحده الخ)) فافهم. قوله: (ولو لم يصلها الخ) ذكر هذا الفرع والذي قبله في البحر عن
القنية، وكذا في متن الدرر، لكن في التاتر خانية عن التتمة أنه سأل عليّ بن أحمد عمن صلى
الفرض والتراويح وحده أو التراويح فقط هل يصلي الوتر مع الإمام؟ فقال: لا اهـ. ثم رأيت

٥٠٠
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
الوتر معه) بقي لو تركها الكل هل يصلون الوتر بجماعة؟ فليراجع (ولا يصلي الوتر و) لا
(التطوع بجماعة خارج رمضان) أي يكره ذلك لو على سبيل التداعي، بأن يقتدي أربعة
بواحد كما في الدرر، ولا خلاف في صحة الاقتداء، إذ لا مانع. نهر.
القهستاني ذكر تصحيح ما ذكره المصنف، ثم قال: لكنه إذا لم يصلّ الفرض معه لا يتبعه في
الوتر اهـ. فقوله: ((ولو لم يصلها)) أي وقد صلى الفرض معه، لكن ينبغي أن یکون قول
القهستاني معه احترازاً عن صلاتها منفرداً؛ أما لو صلاها جماعة مع غيره ثم صلى الوتر معه لا
كراهة. تأمل. قوله: (بقي الخ) الذي يظهر أن جماعة الوتر تبع لجماعة التراويح وإن كان
الوتر نفسه أصلًا في ذاته، لأن سنة الجماعة في الوتر إنما عرفت بالأثر تابعة للتراويح، على
أنهم اختلفوا في أفضلية صلاتها بالجماعة بعد التراويح كما يأتي.
مَطْلَبٌ فِي كَرَاهَةِ الأَقْتِدَاءِ فِي النَّفْلِ عَلَى سَبِيلِ التَّدَاعِي وَفِي صَلَاةِ الرَّغَائِبِ
قوله: (أي يكره ذلك) أشار إلى ما قالوا من أن المراد من قول القدوري في مختصرة لا
يجوز الكراهة لا عدم أصل الجواز، لكن في الخلاصة عن القدوري أنه لا يكره، وأيده في
الحلية بما أخرجه الطحاوي عن المسور بن مخرمة(١) قال: دفنا أبا بكر رضي الله عنه ليلاً،
فقال عمر رضي الله عنه: إني لم أوتر، فقام وصفنا وراءه فصلى بنا ثلاث ركعات لم يسلم
إلا في آخرهن. ثم قال: ويمكن أن يقال: الظاهر أن الجماعة فيه غير مستحبة، ثم إن كان
ذلك أحياناً كما فعل عمر كان مباحاً غير مكروه، وإن كان على سبيل المواظبة كان بدعة
مكروهة لأنه خلاف المتوارث، وعليه يحمل ما ذكره القدوري في مختصره، وما ذكره في غير
مختصره يحمل على الأول، والله أعلم اهـ.
قلت: ويؤيده أيضاً ما في البدائع من قوله: إن الجماعة في التطوع ليست بسنة إلا في
قيام رمضان اهـ. فإن نفي السنية لا يستلزم الكراهة؛ نعم إن كان مع المواظبة كان بدعة
فيكره. وفي حاشية البحر للخير الرملي: علل الكراهة في الضياء والنهاية بأن الوتر نفل من
وجه حتى وجبت القراءة في جميعها، وتؤدى بغير أذان وإقامة، والنفل بالجماعة غير
مستحب لأنه لم تفعله الصحابة في غير رمضان اهـ. وهو كالصريح في أنها كراهة تنزيه.
تأمل اهـ. قوله: (على سبيل التداعي) هو أن يدعو بعضهم بعضاً كما في المغرب، وفسره
الواني بالكثرة وهو لازم معناه. قوله: (أربعة بواحد) أما اقتداء واحد بواحد أو اثنين بواحد
فلا يكره، وثلاثة بواحد فيه خلاف. بحر عن الكافي. وهل يحصل بهذا الاقتداء فضيلة
الجماعة؟ ظاهر ما قدمناه من أن الجماعة في التطوع ليست بسنة يفيد عدمه. تأمل. بقي لو
(١) المسور بن مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة الزهري، أمه الشفاء أخت عبد الرحمن بن عوف. له اثنان
وعشرون حديثاً، اتفقا على حديثين. انظر: خلاصة تهذيب الكمال ٣/ ٣٠.