النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
ولا يصح قاعداً ولا راكباً اتفاقاً (وهو ثلاث ركعات بتسلیمة) کالمغرب؛ حتى لو نسي
القعود لا يعود، ولو عاد ينبغي الفساد كما سيجيء (و) لكنه (يقرأ في كل ركعة منه فاتحة
الكتاب وسورة) احتياطاً، والسنة السور الثلاث، وزيادة المعوذتين لم يخترها الجمهور
فَلْيُصَلِّهِ إِذَا ذَكَرَهُ(١))) كما في البحر عن المحيط.
واستشكله في الفتح والنهر بأن وجوب القضاء فرع وجوب الأداء. وأجاب في البحر
بما ذكر عن المحيط.
قلت: ولا يخفى ما فيه، فإن دلالة الحديث على وجوب القضاء مما يقوي الإشكال،
إلا أن يجاب بأنهما لما ثبت عندهما دليل السنية قالا به. ولما ثبت دليل القضاء قالا به أيضاً
اتباعاً للنص، وإن خالف القياس. قوله: (ولا يصح الخ) لأن الواجبات لا تصح على
الراحلة بلا عذر. وعندهما وإن كان سنة، لكن صح عن النبي وَ﴾ ((أَنْهُ كَانَ يَتَنَفَّلُ عَلَى رَاحِلَتِهِ
مِنْ غَيِرِ عُذْرٍ فِي اللَّيْلِ، وَإِذَا بَلَغَ الوِتْرَ نَزَلَ فَيُوتِرُ عَلَى الأَرْضِ)) بحر عن المحيط. والقعود
كالركوب. قوله: (اتفاقاً) راجع للمسائل الثلاث ح. وإنما الخلاف في خمس: في تذكره في
الفرض، وعكسه، وفي قضائه بعد طلوع الفجر، وصلاة العصر، وإعادته بفساد العشاء.
خزائن: أي فإنه على القول بسنيته لا يلزم فساد الفرض ولا فساده بالتذكر، ولا يقضي في
الوقتين المذكورين، ويعاد لو ظهر فساد العشاء دونه. قوله: (كالمغرب) أفاد به أن القعدة
الأولى فيه واجبة، وأنه لا يصلى فيها على النبي ◌َّوط. قوله: (حتى لو نسي) تفريع على
قوله ((كالمغرب)) ولو كان كالنفل لعاد قبل أن يقيد ما قام إليه بالسجود، لأن كل ركعتين من
النفل صلاة على حدة ط. قوله: (لا يعود) أي إذا استتم قائماً لاشتغاله بفرض القيام. قوله:
(كما سيجيء) أي في باب سجود السهو، لكنه رجح هناك عدم الفساد، ونقل عن البحر أنه
الحق. قوله: (ولكنه) استدراك على ما يتوهم من قوله: ((كالمغرب)» من أنه لا يقرأ السورة
في ثالثته. قوله: (احتياطاً) أي لأن الواجب تردد بين السنة والفرض؛ فبالنظر إلى الأول
تجب القراءة في جميعه، وبالنظر إلى الثاني لا، فتجب احتياطاً. شرح المنية. قوله: (والسنة
السور الثلاث) أي ﴿الأعلى﴾ ﴿والكافرون﴾ والإخلاص لكن في النهاية أن التعيين على
الدوام يفضي إلى اعتقاد بعض الناس أنه واجب، وهو لا يجوز، فلو قرأ بما ورد به الآثار
أحياناً بلا مواظبة يكون حسناً. بحر. وهل ذلك في حق الإمام فقط أو إذا رأى ذلك حتماً لا
يجوز غيره؟ قدمنا الكلام فيه قبيل باب الإمامة. قوله: (وزيادة المعوّذتين الخ) أي في الثالثة
بعد سورة الإخلاص. قال في البحر عن الحلية: وما وقع في السنن وغيرها من زيادة
المعوذتين، أنكرها الإمام أحمد وابن معين، ولم يخترها أكثر أهل العلم كما ذكره
(١) أخرجه أبو داود (١٤٣١) (٣٨٥٢) والبيهقي ٢/ ٤٨٠ والحاكم ٣٠٢/١ والدار قطني ٢/ ٢٢
٤٤٢
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
(ويكبر قبل ركوع ثالثته رافعاً يديه) كما مر، ثم يعتمد، وقيل كالداعي (وقنت فيه)
ویسن الدعاء المشهور، ويصلي على النبي {ێ، به يفتى،
الترمذي اهـ. قوله: (ويكبر) أي وجوباً، وفيه قولان كما مر في الواجبات، وقدمنا هناك عن
البحر أنه ينبغي ترجيح عدمه. قوله: (رافعاً يديه) أي سنة إلى حذاء أذنيه كتكبيرة الإحرام،
وهذا كما في الإمداد عن مجمع الروايات لو في الوقت، أما في القضاء عند الناس فلا يرفع
حتى لا يطلع أحد على تقصيره اهـ. قوله: (كما مر) أي في فصل ((إذا أراد الشروع في
الصلاة)) عند قوله: ((ولا يسن رفع اليدين إلا في سبع)). قوله: (ثم يعتمد) أي يضع يمينه
على يساره كما في حالة القراءة ح. قوله: (وقيل كالداعي) أي عن أبي يوسف أنه يرفعهما
إلى صدره وبطونهما إلى السماء. إمداد. والظاهر أنه يبقيهما كذلك إلى تمام الدعاء على
هذه الرواية. تأمل. قوله: (وقنت فيه) أي في الوتر أو الضمير إلى ما قبل الركوع.
واختلف المشايخ في حقيقة القنوت الذي هو واجب عنده؛ فنقل، في المجتبى أنه
طول القيام دون الدعاء، وفي الفتاوى الصغرى العكس، وينبغي تصحيحه. بحر. قال في
المغرب: وهو المشهور، وقولهم دعاء القنوت: إضافة بيان اهـ. ومثله في الإمداد. ثم
القنوت واجب عنده سنة عندهما، كالخلاف في الوتر كما في البحر والبدائع، لكن ظاهر ما
في غرر الأفكار عدم الخلاف في وجوبه عندنا، فإنه قال: القنوت: عندنا واجب. وعند
مالك: مستحب. وعند الشافعي: من الأبعاض. وعند أحمد: سنة. تأمل. قوله: (ويسن
الدعاء المشهور) قدمنا في بحث الواجبات التصريح بذلك عن النهر. وذكر في البحر عن
الكرخي أن القنوت ليس فيه دعاء مؤقت، لأنه روي عن الصحابة أدعية مختلفة، ولأن
المؤقت من الدعاء يذهب برقة القلب. وذكر الإسبيجابي أنه ظاهر الرواية. وقال بعضهم:
المراد ليس في دعاء مؤقت ما سوى: ((اللهم إنا نستعينك)) وقال بعضهم: الأفضل
التوقيت، ورجحه في شرح المنية، تبركاً بالمأثور اهـ. والظاهر أن القول الثاني والثالث
متحدان، وحاصلهما تقييد ظاهر الرواية بغير المأثور كما يفيده قول الزيلعي. وقال في
المحيط والذخيرة: يعني من غير قوله: اللهم إنا نستعينك الخ، واللهم اهدنا الخ اهـ. فلفظ
(يعني)) بيان لمراد محمد في ظاهر الرواية، فلا يكون هذا القول خارجاً عنها؛ ولذا قال في
شرح المنية: والصحيح أن عدم التوقيت فيما عدا المأثور، لأن الصحابة اتفقوا عليه، ولأنه
ربما يجري على اللسان ما يشبه كلام الناس إذا لم يؤقت. ثم ذكر اختلاف الألفاظ الواردة في
اللهم إنا نستعينك الخ. ثم ذكر أن الأولى أن يضم إليه: اللهم اهدني الخ، وأن ما عدا
هذين فلا توقيت فيه، ومنه ما عن ابن عمر أنه كان يقول: ((بَعْدَ عَذَائِكَ الجدّ بالكُفَّارِ مُلْحَقٌ:
اللَّهُمَّ أغفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، وَالمُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، وَأَلَّفْ بَيْنْ قُلُوِهِمْ، وَأَصْلِحْ
ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وَأَنْصُرْهمْ عَلَى عَدُوٌّكَ وَعَدُوٌّهمْ. اللَّهُمَّ العَنْ كَفَرَةَ أَهْلِ الكِتَابِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ
٤٤٣
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
وصح الجد بالكسر بمعنى الحق، ملحق بمعنى لاحق، ونحفد بدال مهملة بمعنى
نسرع، فإن قرأ بذال معجمة فسدت. خانية. كأنه لأنه كلمة مهملة (مخافتاً على الأصح
رُسَلَكَ وَيَقَاتِلُونَ أَوْ لِيَاءَكَ . اللَّهُمَّ خَالِفْ بَيْنْ كَلِمَتِهِمْ، وَزَلْزِلْ أَقْدَامَهُمْ، وَأَنْزِلْ عَلَيْهِمْ بَأْسَكَ
الَّذِي لَا يُرَدُّ عَنِ القَوْمِ المُجرِمِينَ)) ومنه ما أخرجه الأربعة وحسنه الترمذي أنه عليه الصلاة
والسلام كان يقول في آخر وتره: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ
عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُخْصِي ثَنَاءَ عَلَّيكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ)) وغير ذلك
من الأدعية التي لا تشبه كلام الناس. ومن لا يحسن القنوت يقول ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾
الآية. وقال أبو الليث يقول: اللهم اغفر لي، يكررها ثلاثاً؛ وقيل يقول: يا رب ثلاثاً، ذكره
في الذخيرة اهـ.
أقول: هذا يفيد أن ما في البحر من قوله: ((ذكر الكرخي)) أن مقدار القيام في القنوت
مقدار سورة. إِذَا السَّمَاءِ أَنْشَقَّتْ . وكذا ذكر في الأصل اهـ. بيان للأفضل، أو هو مبني على
القول بأن القنوت الواجب هو طول القيام، لا الدعاء. تأمل.
هذا، وذكر في الحلية أن ما مر من أنه ﴿ ﴿ («كَانَ يَقُولُ فِي آخِرٍ وثْرِهِ: اللَّهُمَّ إِنَّي أَعُوذُ
بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ)) الخ. جاء في بعض روايات النسائي ((أنه كان يقوله إذا فرغ من صلاته
وتبوأ مضجعه. قوله: (وصح الجد) قال في الحلية: والجد في ((إن عذابك الجد)) ثابت في
رواية الطحاوي. وفي البحر أنه ثابت في مراسيل أبي داود، وبه اندفع قول الشمني في شرح
النقابة: إنه لا يقوله. قوله: (وملحق بمعنى لاحق) مبتدأ، وخبر وهو بكسر الحاء، هذا هو
المشهور. ونص غير واحد على أنه الأصح، ويقال بفتحها، ذكره ابن قتيبة وغيره، ونص
الجوهري على أنه صواب. كذا في الحلية. قلت: بل في القاموس الفتح أحسن، أو
الصواب. تأمل. قوله: (بمعنى لاحق) أي أنه من ((ألحق)) المزيد بمعنى لحق المجرد.
وفي الشرنبلالية أن المطرزي صحح أن المراد ملحق الفساق بالكفار، الأول أولى احترازاً
عن الإضمار، وتمامه فیها.
قلت: ولعل ما صححه المطرزي، وهو صاحب المغرب تلميذ الزمخشري وشيخ
صاحب القنية بناه على مذهبهم الفاسد: مذهب الاعتزال، من أن عصاة المؤمنين مخلدون
في النار كالكفار. قوله: (كأنه لأنه كلمة مهملة) كذا في البحر، لكن فيه أنه ورد في صفة
البراق ((له جناحان يحفذ بهما)) أي يستعين على السير ط. قوله: (على الأصح) كذا في
المحيط. وفي الهداية أنه المختار، ومقابله ما في الذخيرة، واستحسنوا الجهر في بلاد
العجم للإمام ليتعلموا. وفصل بعضهم بين أن يعلمه القوم، فالأفضل للإمام الإخفاء، وإلا
فالجهر اهـ.
قلت: هذا التفصيل لا يخرج عما قبله. وفي المنية: من اختار الجهر اختاره دون
٤٤٤
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
مطلقاً) ولو إماماً، لحديث ((خَيرِ الدُّعَاءِ الخَفِيُّ)) (١) (وصح الاقتداء فيه) ففي غيره أولى
إن لم يتحقق منه ما يفسدها في اعتقاده في الأصح، كما بسطه في البحر (بشافعي) مثلاً
(لم یفصله بسلام) لا إن فصله (على الأصح) فيهما
القراءة. قوله: (ولو إماماً) قال في الخزائن: إماماً كان أو مؤتماً أو منفرداً، أداء أو قضاء،
في رمضان أو غيره. قوله: (لحديث الخ) أفاد أن المخافتة ليست واجبة ط. قوله: (ففي
غيره أولى) وجه الأولوية أن النية متحدة في الفرض والنفل، بخلاف الوتر، فهي فيه مختلفة
ط: أي لأن إمامه ينويه سنة. قوله: (إن لم يتحقق الخ) فلو رآه احتجم ثم غاب فالأصح أنه
يصح الاقتداء به، لأنه يجوز أن يتوضأ احتياطاً، وحسن الظن به أولى. بحر عن الزاهدي.
قوله: (كما بسطه في البحر) حيث ذكر أن الحاصل أنه إن علم الاحتياط منه في مذهبنا فلا
كراهة في الاقتداء به، وإن علم عدمه فلا صحة، وإن لم يعلم شيئاً كره.
مَطْلَبٌ: الاقْتِدَاءُ بَالشَّافِيٌّ
ثم قال: ظاهر الهداية أن الاعتبار لاعتقاد المقتدي ولا اعتبار لاعتقاد الإمام؛ حتى لو
اقتدى بشافعي رآه مس امرأة ولم يتوضأ فالأكثر على الجواز، وهو الأصح كما في الفتح
وغيره. وقال الهندواني وجماعة: لا يجوز، ورجحه في النهاية بأنه أقيس، لأن الإمام ليس
بمصلّ في زعمه وهو الأصل فلا يصح الاقتداء به. ورد بأن المعتبر في حق المقتدي رأي
نفسه لا غيره، وأنه ينبغي حمل حال الإمام على التقليد، لئلا تلزم الحرمة بصلاته بلا طهارة
في زعمه إن قصد ذلك اهـ. قال في النهر: وعلى قول الهندواني يصح الاقتداء وإن لم
يحتط اهـ. وظاهره الجواز، وإن ترك بعض الشروط عندنا، لكن ذكر العلامة نوح أفندي أن
اعتبار رأى المقتدي في الجواز وعدمه متفق عليه، وإنما الخلاف المارّ في اعتبار رأي
الإمام أيضاً؛ فالحنفي إذا رأى في ثوب إمام شافعيّ منياً لا يجوز اقتداؤه به اتفاقاً، وإن رأی
نجاسة قليلة جاز عند الجمهور، لا عند البعض، لأنها مانعة على رأي الإمام، والمعتبر
رأيهما اهـ. وفيه نظر يظهر قريباً. هذا، وقد بسطنا بقية أبحاث الاقتداء بالمخالف في باب
الإمامة. قوله: (بشافعي مثلاً) دخل فيه من يعتقد قول الصاحبين، وكذا كل من يقول
بسنيته. قوله: (على الأصح فيهما) أي في جواز أصل الاقتداء فيه بشافعي وفي اشتراط
عدم فصله، خلافاً لما في الإرشاد، من أنه لا يجوز أصلاً بإجماع أصحابنا، لأنه اقتداء
المفترض بالمتنفل، وخلافاً لما قاله الرازي من أنه يصح وإن فصله ويصلي معه بقية الوتر،
لأن إمامه يخرج بسلامه عنده وهو مجتهد فيه، كما لو اقتدى بإمام قد رعف.
(١) أخرجه أحمد في المسند ١٧٢/١ وابن حبان (٢٣٢٣) وابن أبي شيبة ٣٧٦/١ وذكره المتقي الهندي في الكنز
(١٧٧١) والعجلوني في كشف الخفا ١/ ٤٧١.
٤٤٥
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
للاتحاد، وإن اختلف الاعتقاد (و) لذا (ينوي الوتر لا الوتر الواجب كما في العيدين)
للاختلاف (ويأتي المأموم بقنوت الوتر) ولو بشافعي، يقنت بعد الركوع لأنه مجتهد فيه
قلت: ومعنى كونه لم يخرج بسلامه: أن سلامه لم يفسد وتره، لأن ما بعده يحسب من
الوتر، فكأنه لم يخرج منه، وهذا بناء على قول الهندواني بقرينة قوله: ((كما لو اقتدى الخ))
ومقتضاه أن المعتبر رأي الإمام فقط، وهذا يخالف ما قدمناه آنفاً عن نوح أفندي. قوله:
(للاتحاد الخ) علة لصحة الاقتداء. وردّ على ما مر عن الإرشاد بما نقله أصحاب الفتاوى عن
ابن الفضل أنه يصح الاقتداء، لأن كلَّ يحتاج إلى نية الوتر، فأهدر اختلاف الاعتقاد في صفة
الصلاة، واعتبر مجرد اتحاد النية اهـ.
واستشكله في الفتح بأنه اقتداء المفترض بالمتنفل وإن لم يخطر بخاطره عند النية صفة
السنية أو غيرها، بل مجرد الوتر كما هو ظاهر إطلاق التجنيس لتقرّر النفلية في اعتقاده. ورده
في البحر بما صرح به في التجنيس أيضاً من أن الإمام إن نوى الوتر وهو يراه سنة جاز
الاقتداء، كمن صلى الظهر خلف من يرى أن الركوع سنة، وإن نواه بنية التطوع لا يصح
الاقتداء لأنه يصير اقتداء المفترض بالمتنفل اهـ. ولم يذكر الشارح تعليل اشتراط عدم
الفصل بسلام، اكتفاء بما أشار إليه قبله من أن الأصح اعتبار اعتقاد المقتدي، والسلام قاطع
في اعتقاده، فيفسد اقتداؤه وإن صح شروعه معه، إذ لا مانع منه في الابتداء كما أفاده ح.
قوله: (ولذا ينوي) أي لأجل الاختلاف المفهوم من قوله: ((وإن اختلف الاعتقاد)، ط. قوله:
(لا الوتر الواجب) الذي ينبغي أن يفهم من قولهم: إنه لا ينوي، أنه واجب أنه لا يلزمه تعيين
الوجوب لا منعه من ذلك، لأنه إن كان حنفياً ينبغي أن ينويه ليطابق اعتقاده، وإن كان غيره
فلا تضره تلك النية. بحر. قوله: (للاختلاف) أي في الوجوب والسنية، وهو علة للعيدين
فقط، وعلة الوتر قدمها بقوله: ولذا لو حذف هذا ما ضرّ لفهمه من الكاف ط. قوله: (ويأتي
المأموم الخ) هذا من المسائل الخمس الآتية التي يفعلها المؤتم إن فعلها الإمام، وما مشى
عليه المصنف تبعاً للكنز هو المختار كما في البحر عن المحيط. وعبارة المحيط كما في
الحلية: قال أبو يوسف: يسن أن يقرأ المقتدي أيضاً، وهو المختار، لأنه دعاء کسائر
الأدعية. وقال محمد: لا يقرأ بل يؤمن لأن له شبهة القرآن احتياطاً اهـ. وهو صريح في أنه
سنة للمقتدي لا واجب، إلا أن يكون مبنياً على ما مر عن البحر من أن القنوت سنة عندهما.
قوله: (ولو بشافعي الخ) أي ويقنت بدعاء الاستعانة لا دعاء الهداية الذي يدعو به إمامه، لأن
المتابعة في مطلق القنوت لا في خصوص الدعاء كما حرره الشيخ أبو السعود عن الشيخ عبد
الحيّ وإن توقف فيه في الشرنبلالية. قوله: (لأنه مجتهد فيه) قدمنا معنى هذا عند قوله في
آخر واجبات الصلاة ((ومتابعة الإمام)) يعني في المجتهد فيه لا في المقطوع بنسخه أو بعدم
سنيته كقنوت فجر اهـ. وقدمنا هناك من أمثلة المجتهد فيه سجدتا السهو قبل السلام، وما
٤٤٦
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
(لا الفجر) لأنه منسوخ (بل يقف ساكتاً على الأظهر) مرسلاً يديه. (ولو نسيه) أي
القنوت (ثم تذكره في الركوع لا يقنت) فيه لفوات محله. (ولا يعود إلى القيام) في
زاد على الثلاث في تكبيرات العيد وقنوت الوتر بعد الركوع. والظاهر أن المراد من وجوب
المتابعة في قنوت الوتر بعد الركوع المتابعة في القيام فيه لا في الدعاء إن قلنا إنه سنة
للمقتدي لا واجب. قوله: (لأنه منسوخ) فصار كما لو كبر خمساً في الجنازة حيث لا يتابعه
في الخامسة. بحر. قوله: (بل يقف) وقيل يقعد، وقيل يطيل الركوع، وقيل يسجد إلى أن
يدركه فيه. شرنبلالية. قوله: (مرسلاً يديه) لأن الوضع سنة قيام طويل فيه مسنون، وهذا
الذکر لیس بمسنون عندنا.
تنبيه: قال في الهداية: دلت المسألة على جواز الاقتداء بالشافعية، وإذا علم المقتدي
منه ما يزعم به فساد صلاته كالفصد وغيره لا يجزيه انتهى. ووجه دلالتها أنه لو لم يصح
الاقتداء لم يصح اختلاف علمائنا في أنه يسكت أو يتابعه. بحر. قوله: (لفوات محله) لأنه
لم يشرع إلا في محض القيام، فلا يتعدى إلى ما هو قيام من وجه دون وجه وهو الركوع.
وأما تكبيرة العيد فإنه إذا تذكرها فيه يأتي بها فيه لأنها لم تختص بمحض القيام، لأن تكبيرة
الركوع يؤتى بها في حال الانحطاط، وهي محسوبة من تكبيرات العيد بإجماع الصحابة، فإذا
جاز واحدة منها في غير محض القيام من غير عذر جاز أداء الباقي مع قيام العذر بالأولى.
بحر.
أقول: وهو مأخوذ من الحلية، وأصله في البدائع، لكن ما ذكره من أنه يأتي
بتكبيرات العيد في الركوع وإن صرّح به في البدائع والذخيرة وغيرهما مخالف لما صرح به
صاحب البدائع نفسه في فصل العيد من أن الإمام لو تذكر في ركوع الركعة الأولى أنه لم
يكبر، فإنه يعود ويكبر وينتقض ركوعه ولا يعيد القراءة، بخلاف المقتدي لو أدرك الإمام في
الركوع وخاف فوت الركعة فإنه يركع ويكبر فيه. والفرق أن محل التكبيرات في الأصل القيام
المحض، ولكن ألحقنا الركوع بالقيام في حق المقتدي لضرورة وجوب المتابعة اهـ. فانظر
إلى ما بين الكلامين من التدافع، وعلى ما ذكره في البدائع ثانياً مشى في شرح المنية. ثم
فرق بین التکبیر حیث یرفض الركوع لأجله وبین القنوت بکون تکبیر العید مجمعاً علیه دون
القنوت.
وأقول: قد صرح في الحلية من باب صلاة العيد، بأن ما في البدائع ثانياً رواية
النوادر، وأن ظاهر الرواية أنه لا يكبر ويمضي في صلاته، وصرح بذلك في البحر أيضاً
هناك؛ وعليه فلا إشكال أصلاً، إذ لا فرق بينه وبين القنوت فافهم، والله أعلم. قوله: (ولا
يعود إلى القيام) إن قلت: هو وإن لم يقنت فقد حصل القيام برفع رأسه من الركوع. قلنا:
هذه قومة لا قيام، فيكون عدم العود إلى القيام كناية عن عدم القنوت بعد الركوع، لأن القيام
٤٤٧
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
الأصح، لأن فيه رفض الفرض للواجب (فإن عاد إليه وقنت ولم يعد الركوع لم تفسد
صلاته) لكون رکوعه بعد قراءة تامة (وسجد للسهو) قنت أو لا لزواله عن محله (ركع
الإمام قبل فراغ المقتدي) من القنوت قطعه و (تابعه) ولو لم يقرأ منه شيئاً تركه إن خاف
فوت الركوع معه، بخلاف التشهد لأن المخالفة فيما هو من الأركان أو الشرائط
لازم والقنوت ملزوم، فأطلق اللازم لينتقل منه إلى الملزوم ح. قوله: (لأن فیه رفض
الفرض للواجب) يعني وهو مبطل للصلاة على قول، وموجب للإساءة على قول آخر.
والحق الثاني کما یأتي في باب سجود السهوح. قوله: (لکون ر کوعه بعد قراءة تامة) أي
فلم ينتقض رکوعه، بخلاف ما لو تذکر الفاتحة أو السورة حیث یعود وینتقض ركوعه، لأن
بعوده صارت قراءة الكلّ فرضاً، والترتيب بين القراءة والركوع فرض فارتفض ركوعه، فلو
لم يركع بطلت، ولو ركع وأدركه رجل في الركوع الثاني كان مدركاً لتلك الركعة. بحر
ملخصاً: أي لأن الركوع الثاني هو المعتبر لارتفاض الأول بالعودة إلى القراءة، بخلاف
العود إلى القنوت؛ حتى لو عاد وقنت ثم ركع فاقتدى به رجل لم يدرك الركعة، لأن هذا
الركوع لغو؛ وما نقله ح عن البحر وتبعه ط فيه اختصار مخلّ، فافهم. وقدمنا في فصل
القراءة بيان كون القراءة تقع فرضاً بالعود، فراجعه.
فرع: ترك السورة دون الفاتحة وقنت ثم تذكر يعود ويقرأ السورة ويعيد القنوت
والركوع. معراج وخانية وغيرهما. قوله: (لزواله عن محله) تعليل لما فهم قبله من الصور
الأربع؛ وهي ما لو قنت في الركوع أو بعد الرفع منه وأعاد الركوع أولًا، وما إذا لم يقنت
أصلاً كما حققه ح. قوله: (قطعه وتابعه) لأن المراد بالقنوت هنا الدعاء الصادق على القليل
والكثير، وما أتى به منه كاف في سقوط الواجب، وتكميله مندوب والمتابعة واجبة فيترك
المندوب للواجب. رحمتي. قوله: (ولو لم يقرأ الخ) أي لو ركع الإمام ولم يقرأ المقتدي
شيئاً من القنوت إن خاف فوت الركوع یرکع، وإلا يقنت ثم يركع. خانية وغيرها. وهل
المراد ما يسمى قنوتاً أو خصوص الدعاء؟ المشهور والظاهر الأول. قوله: (بخلاف التشهد)
أي فإن الإمام لو سلم أو قام للثالثة قبل إتمام المؤتم التشهد فإنه لا يتابعه، بل يتمه لوجوبه
كما قدمه في فصل الشروع في الصلاة. قوله: (لأن المخالفة الخ) هذا التعليل عليل
لاقتضائه فرضية المتابعة المذكورة، وقدمنا عن شرح المنية أن متابعة الإمام في الفرائض
والواجبات من غير تأخير واجبة ما لم يعارضها واجب فلا يفوته بل يأتي به ثم يتابعه؛
بخلاف ما إذا عارضها سنة لأن ترك السنة أولى من تأخير الواجب، وهذا موافق لما قدمناه
آنفاً؛ وحينئذ فوجه الفرق بين القنوت والتشهد هو أن قراءة المقتدي القنوت سنة كما قدمنا
التصريح به عن المحيط، والمتابعة في الركوع واجبة؛ فإذا خاف فوتها يترك السنة للواجب.
وأما التشهد فإتمامه واجب، لأن بعض التشهد ليس بتشهد فيتمه وإن فاتت المتابعة في
٤٤٨
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
مفسدة، لا في غيرها. درر (قنت في أولى الوتر أو ثانيته سهواً لم يقنت في ثالثته) أما لو
شك أنه في ثانيته أو ثالثته كرّره مع القعود في الأصح. والفرق أن الساهي قنت على أنه
موضع القنوت فلا يتكرر، بخلاف الشاك، ورجح الحلبي تكراره لهما؛ وأما المسبوق
فيقنت مع إمامه فقط، ويصير مدركاً بإدراك ركوع الثالثة (ولا يقنت لغيره) إلا لنازلة
فيقنت الإمام في الجهرية،
القيام أو السلام، لأنه عارضها واجب تأكد بالتلبس به قبلها فلا يفوّته لأجلها وإن كانت
واجبة.
وقد صرح في الظهيرية بأن المقتدي يتم التشهد إذا قام الإمام إلى الثالثة وإن خاف أن
تفوته معه. وإذا قلنا: إن قراءة القنوت للمقتدي واجبة، فإن كان قرأ بعضه حصل المقصود
به، لأن بعض القنوت قنوت، وإلا فلم يتأكد وتترجح المتابعة في الركوع للاختلاف في أن
المقتدي هل يقرأ القنوت أم يسكت، فافهم. قوله: (في ثانيته أو ثالثته) وكذا لو شك أنه في
الأولى أو الثانية أو الثالثة. بحر. قوله: (كرره مع القعود) أي فيقنت ويقعد في الركعة التي
حصل فيها الشك لاحتمال أنها الثالثة، ثم يفعل كذلك في التي بعدها لاحتمال أنها هي
الثالثة وتلك كانت ثانية. قوله: (في الأصح) وقيل لا يقنت في الكل، لأن القنوت في
الركعة الأولى أو الثانية بدعة. ووجه الأول أن القنوت واجب، وما تردد بين الواجب
والبدعة يأتي به احتياطاً. بحر عن المحيط. قوله: (ورجح الحلبي تكراره لهما) حيث قال:
إلا أن هذا الفرق غير مفيد، إذ لا عبرة بالظن الذي ظهر خطؤه، وإذا كان الشاك يعيد
لاحتمال أن الواجب لم يقع في موضعه فكيف لا يعيد الساهي بعد ما تيقن ذلك؟ وقد صرح
في الخلاصة، عن الصدر الشهيد بأن الساهي يقنت ثانياً، فإن كان ما مر رواية فهي غير
موافقة للدراية اهـ. قلت: وكذا رجحه في الحلية والبحر بنحو ما مر. قوله: (فيقنت مع
إمامه فقط) لأنه آخر صلاته، وما يقضيه أولها حكماً في حق القراءة وما أشبهها وهو
القنوت؛ وإذا وقع قنوته في موضعه بيقين لا يكرّر، لأن تكراره غير مشروع. شرح المنية.
قوله: (ولا يقنت لغيره) أي غير الوتر وهذا نفي لقول الشافعي رحمه الله: إنه يقنت للفجر.
مَطْلَبٌ فِي الْقُنُوتِ لِلنَّزِلَةِ
قوله: (إلا لنازلة) قال في الصحاح: النازلة: الشديدة من شدائد الدهر، ولا شك أن
الطاعون من أشد النوازل. أشباه. قوله: (فيقنت الإمام في الجهرية) يوافقه ما في البحر
والشرنبلالية عن شرح النقاية عن الغاية: وإن نزل بالمسلمين نازلة قنت الإمام في صلاة
الجهر، وهو قول الثوري وأحمد اهـ. وكذا ما في شرح الشيخ إسماعيل عن البنانية: إذا
وقعت نازلة قنت الإمام في الصلاة الجهرية، لكن في الأشباه عن الغاية: قنت في صلاة
٤٤٩
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
وقيل في الكل.
فائدة: خمس يتبع فيها الإمام: قنوت، وقعود أول، وتكبير عيد، وسجدة تلاوة،
الفجر، ويؤيده ما في شرح المنية حيث قال بعد كلام: فتكون شرعيته: أي شرعية القنوت
في النوازل مستمرة، وهو محمل قنوت من قنت من الصحابة بعد وفاته عليه الصلاة والسلام،
وهو مذهبنا وعليه الجمهور. وقال الحافظ أبو جعفر الطحاوي: إنما لا يقنت عندنا في
صلاة الفجر من غير بلية، فإن وقعت فتنة أو بلية فلا بأس به، فعله رسول الله والخر؛ وأما
القنوت في الصلوات كلها للنوازل فلم يقل به إلا الشافعي، وكأنهم حملوا ما روي عنه عليه
الصلاة والسلام أنه قنت في الظهر والعشاء كما في مسلم، وأنه قنت في المغرب أيضاً كما
في البخاري على النسخ لعدم ورود المواظبة والتكرار الواردين في الفجر عنه عليه الصلاة
والسلام اهـ. وهو صريح في أن قنوت النازلة عندنا مختص بصلاة الفجر دون غيرها من
الصلوات الجهرية أو السرية. ومفاده أن قولهم بأن القنوت في الفجر منسوخ معناه: نسخ
عموم الحكم لا نسخ أصله، كما نبه عليه نوح أفندي، وظاهر تقييدهم بالإمام أنه لا يقنت
المنفرد، وهل المقتدي مثله أم لا؟ وهل القنوت هنا قبل الركوع أم بعده؟ لم أره.
والذي يظهر لي أن المقتدي يتابع إمامه، إلا إذا جهر فيؤمّن وأنه يقنت بعد الركوع لا
قبله، بدليل أن ما استدل به الشافعي على قنوت الفجر، وفيه التصريح بالقنوت بعد الركوع
حمله علماؤنا على القنوت للنازلة، ثم رأيت الشرنبلالي في مراقي الفلاح صرح بأنه بعده؛
واستظهر الحموي أنه قبله، والأظهر ما قلناه والله أعلم. قوله: (وقيل في الكل) قد علمت
أن هذا لم يقل به إلا الشافعي، وعزاه في البحر إلى جمهور أهل الحديث، فكان ينبغي عزوه
إليهم لئلا يوهم أنه قول في المذهب. قوله: (خمس يتبع فيها الإمام) أي يفعلها المؤتم إن
فعلها الإمام وإلا فلا، خ. قال في شرح المنية: والأصل في هذا النوع وجوب متابعة الإمام
في الواجبات فعلاً وكذا تركاً، إن كانت فعلية أو قولية يلزم من فعلها المخالفة في
الفعل اهـ. قوله: (قنوت) يخالفه ما في الفتح والظهيرية والفيض ونور الإيضاح، من أنه لو
ترك الإمام القنوت يأتي به المؤتم إن أمكنه مشاركة الإمام في الركوع وإلا تابعه، وقد أعاد
في الفتح ذكر هذا الفرع قبيل قضاء الفوائت، ثم أعقبه بما ذكره الشارح هنا معزياً إلى نظم
الزندويستي. والذي يظهر التفصيل، لأن فيه إحراز الفضيلتين. تأمل. قوله: (وقعود أول)
الظاهر أنه ينتظر إمامه إلى أن يصير إلى القيام أقرب لاحتمال عوده قبله ثم يتابعه، لأن الإمام
إذا عاد حينئذ تفسد صلاته على أحد القولين، ويأثم على القول الآخر، وليس للمقتدي أن
يقعد ثم يتابعه لأنه يكون فاعلاً ما يحرم على الإمام فعله ومخالفاً له في عمل فعلي، بخلاف ما
إذا قام الإمام قبل فراغ المقتدي من التشهد فإنه يتمه ثم يتابعه، لأن في إتمامه متابعة لإمامه
فيما فعله الإمام، فافهم. قوله: (وتكبير عيد) أي إذا لم يأت به الإمام في القيام أو في
٠٠
٤٥٠
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
وسهو. وأربعة لا يتبع فيها: زيادة تكبيرة عيد، أو جنازة، وركن، وقيام لخامسة،
وثمانية تفعل مطلقاً: الرفع لتحريمة، والثناء، وتكبير انتقال، وتسميع، وتسبيح،
وتشهد، وسلام، وتکبیر تشریق.
الركوع لا يأتي به المؤتم، فافهم. وبحث في شرح المنية أنه ينبغي أن يأتي به المؤتم في
الركوع لأنه مشروع فيه، ولأنه لا يكون مخالفاً لإمامه في واجب فعلي. ثم أجاب بأنه إنما
شرع في الركوع للمسبوق تحصيلاً لمتابعة الإمام فيما أتى به، أما هنا ففيه تحصيل لمخالفته.
قال: وهذا في تكبيرات الركعة الثانية، وأما تكبيرات الأولى ففي الإتيان بها ترك الاستماع
والإنصات. قوله: (وأربعة لا يتبع) أي إذا فعلها الإمام لا يتبعه فيها القوم. والأصل في هذا
النوع أنه ليس له أن يتابعه في البدعة والمنسوخ، وما لا تعلق له بالصلاة. شرح المنية.
قوله: (زيادة تكبير عيد) أي إذا زاد على أقوال الصحابة في تكبيرات العيد وكان المقتدي
يسمع التكبير منه، بخلاف ما إذا كان يسمعه من المؤذن لاحتمال أن الغلط منه. شرح
المنية. قوله: (أو جنازة) أي بأن زاد على أربع تكبيرات. قوله: (وسكن) كزيادة سجدة
ثالثة. قوله: (وقيام لخامسة) داخل تحت قوله: ((وركن)) تأمل. قال في شرح المنية: ثم في .
القيام إلى الخامسة إن كان قعد على الرابعة ينتظره المقتدي قاعداً، فإن سلم من غير إعادة
التشهد سلم المقتدي معه، وإن قيد الخامسة بسجدة سلم المقتدي وحده؛ وإن كان لم يقعد
على الرابعة، فإن عاد تابعه المقتدي، وإن قيد الخامسة فسدت صلاتهم جميعاً، ولا ينفع
المقتدي تشهده وسلامه وحده اهـ. قوله: (وثمانية تفعل مطلقاً) أي فعلها الإمام أو لا.
والأصل في هذا النوع عدم وجوب المتابعة في السنن فعلًا فكذا تركاً، وكذا الواجب القولي
الذي لا يلزم من فعله المخالفة في واجب فعلي كالتشهد وتكبير التشريق، بخلاف القنوت
وتكبيرات العيدين، إذ يلزم من فعلهما المخالفة في الفعلي، وهو القيام مع ركوع الإمام.
شرح المنية. قوله: (الرفع) أي رفع اليدين للتحريمة. قوله: (والثناء) أي فيأتي به ما دام
الإمام في الفاتحة، وإن كان في السورة، فكذا عند أبي يوسف خلافاً لمحمد، وقد عرف أنه
إذا أدركه في جهر القراءة لا يثني، كذا في الفتح: أي بخلاف حالة السر كما مشى عليه
المصنف في فصل الشروع في الصلاة، وقدمنا هناك تصحيحه وأن عليه الفتوى، فافهم.
قوله: (وتكبير انتقال) أي إلى ركوع أو سجود أو رفع منه. قوله: (وتسميع) أي إذا تركه
الإمام لا يترك المؤتم التحميد. قوله: (وتسبيح) أي في الركوع والسجود فيأتي به المؤتم
ما دام الإمام فيهما. قوله: (وتشهد) أي إذا قعد الإمام ولم يقرإ التشهد يقرؤه المؤتم، أما لو
ترك الإمام القعدة الأولى فإنه يتابعه كما مر. قوله: (وسلام) أي إذا تكلم الإمام أو خرج من
المسجد يسلم المؤتم، أما إذا أحدث عمداً أو قهقه فإن المؤتم لا يسلم لفساد الجزء الأخير
من صلاتهما ط.
- ٤٥١
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
(وسنّ) مؤكداً (أربع قبل الظهر و) أربع قبل (الجمعة و) أربع (بعدها بتسليمة) فلو
بتسليمتين لم تنب عن السنة، ولذا لو نذرها لا يخرج عنه بتسليمتين ويعكسه يخرج
مَطْلَبْ فِي السُّنَنِ وَالنَّوَافِلِ
قوله: (وسن مؤكداً) أي استناناً مؤكداً؛ بمعنى أنه طلب طلباً مؤكداً زيادة على بقية
النوافل، ولهذا كانت السنة المؤكة قريبة من الواجب في لحوق الإثم كما في البحر،
ويستوجب تاركها التضليل واللوم كما في التحرير: أي على سبيل الإصرار بلا عذر كما في
شرحه، وقدمنا بقية الكلام على ذلك في سنن الوضوء. قوله: (بتسليمة) لما عن عائشة
رضي الله عنها (كَانَ النَّبِيُّ وَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعاً، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنْ، وَبَعْدَ المَغْرِبِ
ثِثْتَنْ، وَبَعْدَ العِشَاءِ رَكْعَتَيْن وَقَبْلَ الفَّرِ رَكْعَتین(١)» رواه مسلم وأبو داود وابن حنبل. وعن
أبي أيوب «كَانَ يُصَلِّي النَّبِيُّلَهُ بَعْدَ الزَّوَالِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ الصَّلاَةُ الَّتِي تُدَاوِمُ
عَلَيها؟ فَقَالَ: هَذِ سَاعَةٌ تُفْتَحُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ فِيهَا، فَأُحِبُّ أَنْ يَصْعَدَ لِي فَيهَا عَمَلٌ صَالِحٌ،
فَقُلْتُ: أَفِي كُلُّمِنّ قِراءَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ بِتَسْلِيمَتَيْنُ؟ فَقَالَ: بِتَسْلِيمَةٍ
وَاحِدَةٍ» رواه الطحاوي وأبو داود والترمذي وابن ماجة من غير فصل بين الجمعة والظهر(٢)،
فيكون سنة كل واحدة منهما أربعاً. وروى ابن ماجة بإسناده عن ابن عباس ((كَانَ النَّبِيُّ ◌َّ
يَرْكَعُ قَبْلَ الجُمُعَةِ أَرْبَعاً لَا يَفْصِلُ فِي شَيْءٍ مِنْهُنَّ(٣) وعن أبي هريرة أنه ◌ِّه قال: مَنْ كَانَ
مِنْكُمْ مُصَلِّياً بَعْدَ الجُمُعَةِ فَلْيَصَلِّ أَرْبَعاً(٤)) رواه مسلم. زيلعي. زاد في الإمداد: ولقوله ◌َّهـ
(إِذَا صَلَّيْتُمْ بَعْدَ الجُمُعَةِ فَصَلُّوا أَرْبَعاً، فَإِنْ عَجّلَ بِكَ شَيْءٌ فَصَلٌ رَكْعَتَيْنُ فِي المَسْجِدِ
وَرَكْعَتَيْنِ إِذَا رَجَعْتَ(٥)) رواه الجماعة إلا البخاري. قوله: (لم تنب عن السنة) ظاهره أن سنة
الجمعة كذلك، وينبغي تقييده بعدم العذر للحديث المذكور آنفاً، كذا بحثه في الشرنبلالية،
وسنذكر ما يؤيده بعد نحو ورقتين. قوله: (ولذا) أي لعدم الاعتداد بتسليمتين لما يكون
بتسليمة. قوله: (لو نذرها) أي الأربع لا بقيد كونها سنة. وعبارة الدرر: ولهذا لو نذر أن
يصلي أربعاً بتسليمة فصلى أربعاً بتسليمتين لا يخرج عن النذر، وبالعكس يخرج، كذا في
الكافي اهـ. وأسقط الشارح قوله: ((بتسليمة)) إشارة إلى أنه غير قيد كما يظهر مما يأتي عند
(١) أبو داود (١/ ١٢) وأحمد ٣١/٦ وعبد الرزاق (١٨١٤) والبيهقي ٢/ ٤٧٢.
(٢) أخرجه أبو داود ٥٣/٢ (١٢٧٠) وابن ماجه ٣٦٥/١ (١١٥٧) ذكره ابن حجر في الدراية ١٩٩/١ وعزاء لأحمد وأبي
داود والترمذي في الشمائل.
(٣) أخرجه ابن ماجه (١١٢٩) وذكره المتقي الهندي (١٧٩٦٦) والهيثمي في المجمع ١٩٥/٢.
(٤) أخرجه مسلم في كتاب الجمعة (٦٩) والترمذي (٥٢٣) وابن أبي شيبة ١٣٣/٢ والحميدي (٩٧٦) وعبد الرزاق
(٥٥٢٩) وابن حبان (٥٨٠).
(٥) أخرجه ابن ماجه (١١٣٢) والبيهقي في السنن ٣٣٩/٣ وابن عساكر كما في التهذيب ١٨٧/٤ وانظر نصب الراية
٢٠٧/٢.
٤٥٢
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
(وركعتان قبل الصبح وبعد الظهر والمغرب والعشاء) شرعت البعدية لجبر النقصان،
والقبلية لقطع طمع الشيطان (ويستحب أربع قبل العصر، وقبل العشاء وبعدها بتسليمة)
وإن شاء ركعتين وكذا بعد الظهر لحديث الترمذي (من حافظ على أربع قبل الظهر وأربع
بعدها حرّمه الله على النار) (وستّ بعد المغرب) ليكتب من الأوابين (بتسليمة) أو ثنتين
أو ثلاث، والأول أدوم وأشق،
قول المصنف ((وقضى ركعتين لو نوى أربعاً الخ)). قوله: (لجبر النقصان) أي ليقوم في
الآخرة مقام ما ترك منها لعذر كنسيان، وعليه يحمل الخبر الصحيح أن فريضة الصلاة والزكاة
وغيرهما إذا لم تتم تكمل بالتطوع، وأوله البيهقي بأن المكمل بالتطوع هو ما نقص من سنتها
المطلوبة فيها: أي فلا يقوم مقام الفرض للحديث الصحيح ((صلاة لم يتمها زيد عليها من
سبحتها حتى تتم، فجعل التتميم من السبحة: أي النافلة لفريضة صليت ناقصة لا المتروكة
من أصلها. وظاهر كلام الغزالي الاحتساب مطلقاً، وجرى عليه ابن العربي وغيره، لحديث
أحمد الظاهر في ذلك اهـ. من تحفة ابن حجر ملخصاً. وذكر نحوه في الضياء عن السراج،
وسيذكر في الباب الآتي أنها في حقه وله لزيادة الدرجات. قوله: (لقطع طمع الشيطان) بأن
يقول: إنه لم يترك ما ليس بفرض فكيف يترك ما هو فرض؟ ط. قوله: (ويستحب أربع قبل
العصر) لم يجعل للعصر سنة راتبة لأنه لم يذكر في حد عائشة المار. بحر. قال في الإمداد:
وخيرّ محمد بن الحسن والقدوري المصلي بين أن يصلي أربعاً أو ركعتين قبل العصر
لاختلاف الآثار. قوله: (وإن شاء ركعتين) كذا عبر في منية المصلي. وفي الإمداد عن
الاختيار: يستحب أن يصلي قبل العشاء أربعاً، وقيل ركعتين؛ وبعدها أربعاً، وقيل
ركعتين اهـ. والظاهر أن الركعتين المذکورتین غیر المؤكدتین. قوله: (حرّمه الله علی
النار) فلا يدخلها أصلاً، وذنوبه تكفر عنه، وتبعاته يرضي الله تعالى عنه خصماءه فيها.
ويحتمل أن عدم دخوله بسبب توفيقه لما لا يترتب عليه عقاب ط. أو هو بشارة بأنه يختم له
بالسعادة فلا يدخل النار. قوله: (من الأوابين) جمع أوّاب: أي رجّاع إلى الله تعالى بالتوبة
والاستغفار. قوله: (بتسليمة أو ثنتين أو ثلاث) جزم بالأول في الدرر وبالثاني في الغزنوية
وبالثالث في التجنيس، كما في الإمداد، لكن الذي في الغزنوية مثل ما في التجنيس، وكذا
في شرح درر البحار. وأفاد الخير الرملي في وجه ذلك أنها لما زادت عن الأربع وكان جمعها
بتسليمة واحدة خلاف الأفضل، لما تقرر أن الأفضل رباع عند أبي حنيفة؛ ولو سلم على
رأس الأربع لزم أن يسلم في الشفع الثالث على رأس الركعتين، فيكون فيه مخالفة من هذه
الحيثية، فكان المستحب فيه ثلاث تسليمات ليكون على نسق واحد. قال: هذا ما ظهر
لي، ولم أره لغيري. قوله: (الأول أدوم وأشق) لما فيه من زيادة حبس النفس بالقباء على
تحريمة واحدة، وعطف ((أشق)) عطف لازم على ملزوم. وفي كلامه إشارة إلى اختيار
٤٥٣
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
وهل تحسب المؤكدة من المستحب ويؤدى الكل بتسليمة واحدة؟ اختار الكمال: نعم،
وحرر إباحة ركعتين خفيفتين قبل المغرب؛ وأقرّه في البحر والمصنف.
(و) السنن (آكدها سنة الفجر) اتفاقاً، ثم الأربع قبل الظهر في الأصح، لحديث
الأول، وقد علمت ما فيه. قوله: (وهل تحسب المؤكدة) أي في الأربع بعد الظهر وبعد
العشاء والستّ بعد المغرب. بحر. قوله: (اختار الكمال) نعم ذكر الكمال في فتح القدير
أنه وقع اختلاف بين أهل عصره في أن الأربع المستحبة هل هي أربع مستقلة غير ركعتي
الراتبة أو أربع بهما؟ وعلى الثاني هل تؤدى معهما بتسليمة واحدة أو لا، فقال جماعة: لا،
واختار هو أنه إذا صلى أربعاً بتسليمة أو تسليمتين وقع عن السنة والمندوب، وحقق ذلك
بما لا مزيد عليه، وأقره في شرح المنية والبحر والنهر. قوله: (وحرر إباحة ركعتين الخ)
فإنه ذكر أنه ذهبت طائفة إلى ندب فعلهما، وأنه أنكره كثير من السلف وأصحابنا ومالك.
واستدل لذلك بما حقه أن يكتب بسواد الأحداق؛ ثم قال: والثابت بعد هذا هو نفي
المندوبية، أما ثبوت الكراهة فلا، إلا أن يدل دليل آخر، وما ذكر من استلزام تأخير المغرب
فقد قدمنا عن القنية استثناء القليل، والركعتان لا يزيد على القليل إذا تجوزٌ فيهما اهـ. وقدمنا
في مواقيت الصلاة بعض الكلام على ذلك. قوله: (آكدها سنة الفجر) لما في الصحيحين
عن عائشة رضي الله عنها (لَمْ يَكِنِ النَّبِيُّ ◌َ﴿ عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُداً مِنْهُ عَلَى
رَكْعَتي الفَجْرِ (١) وفي مسلم ((رَكْعتا الفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا (٢)) وفي أبي داود ((لَا
تَدَعُوا رَكْعَتِي الفَجْرِ وَلَوْ طَرَدَتْكُمُ الخَيْلُ(٣)) بحر. قوله: (في الأصح) استحسنه في الفتح
فقال: ثم اختلف في الأفضل بعد ركعتي الفجر. قال الحلواني: ركعتا المغرب ((فإنه وَّل
لم يدعهما سفراً ولا حضراً)، ثم التي بعد الظهر لأنها سنة متفق عليها، بخلاف التي قبلها،
لأنها قيل هي للفصل بين الأذان والإقامة، ثم التي بعد العشاء، ثم التي قبل الظهر، ثم التي
قبل العصر، ثم التي قبل العشاء. وقيل التي بعد العشاء وقبل الظهر وبعده وبعد المغرب
كلها سواء. وقيل التي قبل الظهر آكد، وصححه الحسن، وقد أحسن، لأن نقل المواظبة
الصريحة عليها أقوى من نقل مواظبته وّ﴿ على غيرها من غير ركعتي الفجر اهـ. قوله:
(لحديث الخ) قال في البحر: وهكذا صححه في العناية والنهاية، لأن فيها وعيداً معروفاً:
قال عليه الصلاة والسلام ((مَنْ تَرَكَ أَرْبَعاً قبلَ الظُّهْرِ لَمْ تَتَلْهُ شَفَاعَتِي)) اهـ. قال ط: ولعله
للتنفير عن الترك، أو شفاعته الخاصة بزيادة الدرجات. وأما الشفاعة العظمى فعامة لجميع
(١) أخرجه البخاري ٤٥/٣ (١١٦٩) وسلم ٥٠١/١ (٧٢٤.٩٤).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين ٥٠١.١ (٧٢٥.٩٦) والترمذي (٤١٦) والنسائي في كتاب قيام الليل
ب (٥٦) والبيهقي في السنن ٢/ ٤٧٠ والحاكم في المستدرك ٣٠٦/١ والخطيب في التاريخ ٤/ ٣٩٧.
(٣) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٤٠٥.
٤٥٤
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
((من تركها لم تنله شفاعتي)) ثم الكل سواء (وقيل بوجوبها، فلا تجوز صلاتها قاعداً) ولا
راكباً اتفاقاً (بلا عذر) على الأصح، ولا يجوز تركها لعالم صار مرجعاً في الفتاوى
(بخلاف باقي السنن) فله تركها لحاجة الناس إلى فتواه (ويخشى الكفر على منكرها
وتقضى) إذا فأنت معه، بخلاف الباقي.
المخلوقات. قوله: (وقيل بوجوبها) وهو ظاهر النهاية وغيرها. خزائن.
قلت: وإلیه یمیل کلام البحر، حیث قال: وقد ذكروا ما يدل على وجوبها، ثم ساق
المسائل التي فرعها المنصف، ووفق بينه وبين ما في أكثر الكتب من أنها سنة مؤكدة بأن
المؤكدة بمعنى الواجب. وأجاب عما ينافيه وكتبناه فيما علقناه عليه ما فيه. قوله: (اتفاقاً)
أما على القول بالوجوب فظاهر. وأما على القول بالسنية فمراعاة للقول بالوجوب
ولآكديتها ط. هذا: وقد ذكر في البحر الاتفاق عن الخلاصة وأقره لكن نازع فيه في الإمداد
جازماً بأن الجواز على القول بالسنية، وأن عدمه إنما هو على القول بالوجوب؛ واستند في
ذلك إلى ما في الزيلعي والبرهان من التصريح ببناء ذلك على الخلاف. ثم قال: ولا يخفى
ما في حكاية الإجماع على عدم الجواز، وليس الإجماع إلّ على تأكدها اهـ. لكن يخالفه ما
نذكره قريباً عن الخانية من الفرق بينهما وبين التراويح، في أنها لا تصح قاعداً لأنها سنة
مؤكدة بلا خلاف. تأمل. قوله: (على الأصح) عزاه المصنف في المنح إلى باب التراويح
من الخانية.
أقول: والذي في الخانية هناك: لو صلی التراويح قاعداً، قیل لا يجوز بلا عذر، لما
روى الحسن عن أبي حنيفة: لو صلى سنة الفجر قاعداً بلا عذر لا يجوز، فكذا التراويح،
لأن كلَّ منهما سنة مؤكدة وقيل يجوز، وهو الصحيح. والفرق أن سنة الفجر سنة مؤكدة بلا
خلاف، والتراويح دونها في التأكد، فلا يجوز التسوية بينهما اهـ.
فأنت ترى أنه إنما صحح جواز التراويح قاعداً لا عدم جواز الفجر؛ نعم مقتضى
كلامه تسليم عدم الجواز في سنة الفجر، فتأمل. قوله: (فله تركها الخ) الظاهر أن معناه أنه
يتركها وقت اشتغاله بالإفتاء لأجل حاجة الناس المجتمعين عليه، وينبغي أنه يصليها إذا فرغ
في الوقت. وظاهر التفرقة بين سنة الفجر وغيرها أنه ليس له ترك صلاة الجماعة، لأنها من
الشعائر، فهي أكد من سنة الفجر، ولذا يتركها لو خاف فوت الجماعة، وأفاد ط أنه ينبغي أن
يكون القاضي وطالب العلم كذلك لا سيما المدرس. أقول: في المدرس نظر، بخلاف
الطالب إذا خاف فوت الدرس أو بعضه. تأمل. قوله: (ويخشى الكفر على منكرها) أي منكر
مشروعيتها إن كان إنكاره لشبهة أو تأويل دليل، وإلا فينبغي الجزم بكفره لإنكاره مجمعاً عليه
معلوماً من الدين بالضرورة كما قدمناه أول الباب. قوله: (وتقضى) أي إلى قبيل الزوال،
٤٥٥
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
(ولو صلى ركعتين تطوّعاً مع ظن أن الفجر لم يطلع فإذا هو طالع) أو صلى أربعاً
فوقع ركعتان بعد طلوعه (لا تجزيه عن ركعتيها على الأصح) تجنيس. لأن السنة ما
واظب عليه الرسول بتحريمة مبتدأة.
(وتكره الزيادة على أربع في نفل النهار، وعلى ثمان ليلاً بتسليمة) لأنه لم يرد
(والأفضل فيهما الرباع بتسليمة) وقالا: في الليل المثنی أفضل، قيل وبه يفتى
وقوله: ((معه)) تنازعه قوله: ((تقضى وفاتت)) فلا تقضى إلا معه حيث فات وقتها؛ أما إذا فاتت
وحدها فلا تقضى، ولا تقضى قبل الطلوع ولا بعد الزوال ولو تبعاً على الصحيح. أفاده ح
وسينبه عليه المصنف في الباب الآتي. قوله: (تجنيس) فيه أنه في التجنيس صحح في
المسألة الأولى الإجزاء معللاً بأن السنة تطوّع فتتأدى بنية التطوّع، وصحح في الثانية عدمه
معللًا بأن السنة ما واظب عليها النبي وَ﴿، ومواظبته كانت بتحريمة مبتدأة؛ نعم عكس
صاحب الخلاصة فصحح عدم الإجزاء في الأولى والإجزاء في الثانية ولا يخفى ما فيه، فإنه
إذا أجزأت الثانية يلزم إجزاء الأولى بالأولى، ولذا قال في النهر: وترجيح التجنيس في
المسألتين أوجه.
مَطْلَبٌ فِي لَفْظَةِ ثَمَانٍ
قوله: (وعلى ثمان) كيمان: عدد وليس بنسب، أو في الأصل منسوب إلى الثمن،
لأنه الجزء الذي صير السبعة ثمانية فهو ثمنها، ثم فتحوا أولها لأنهم يغيرون في النسب
وحذفوا منها إحدى ياءي النسب وعوضوا منها الألف، كما فعلوا فى المنسوب إلى اليمن،
فئتبت ياؤه عند الإضافة كما تثبت ياء القاضي، فتقول: ثماني نسوة وثمانمائة، وتسقط مع
التنوين عند الرفع أو الجر، وتثبت عند النصب. قاموس. قوله: (لأنه لم يرد) أي لم يرد
عنه أنه زاد على ذلك. والأصل فيه التوقيف كما في فتح القدير: أي فما لم يوقف على
دليل المشروعية لا يحل فعله بل يكره: أي اتفاقاً كما في منية المصلي؛ أي من أئمتنا
الثلاثة؛ نعم وقع الاختلاف بين المشايخ المتأخرين في الزيادة على الثمانية ليلاً، فقال
بعضهم: لا يكره وإليه ذهب شمس الأئمة السرخسي وصححه في الخلاصة. وصحح في
البدائع الكراهة، قال: وعليه عامة المشايخ، وتمامه في الحلية والبحر. قوله: (والأفضل
فيهما) أي في صلاتي الليل والنهار الرباع. وعبارة الكنز: رباع بدون أل، وهو الأظهر لأنه
غير منصرف للوصفية والعدل عن أربع أربع: أي ركعات رباع: أي كل أربع بتسليمة.
قوله: (قيل وبه يفتى) عزاه في المعراج إلى العيون. قال في النهر: ورده الشيخ قاسم بما
استدل به المشايخ للإمام من حديث الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها «كَانَ رَسُولُ
اللهِ وَ﴿ لَا يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْهِ عَلَى إِحْدَى عَشَرَةَ رَكْعَةٌ، يُصَلِّي أَرْبَعاً لَاتَسْأَلْ عَنْ
٤٥٦
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
(ولا يصلي على النبي وَه في القعدة الأولى في الأربع قبل الظهر والجمعة وبعدها) ولو
صلى ناسياً فعليه السهو، وقيل لا. شمني (ولا يستفتح إذا قام إلى الثالثة منها) لأنها
حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ أَرْبَعاً فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاثً) وكانت التراويح
ثنتین تخفیفاً، وحدیث ((صلاة الليل مثنى مثنى)) يحتمل أن يراد به شفع لا وتر، وترجحت
الأربع بزيادة منفصلة لما أنها أكثر مشقة على النفس، وقد قال وَ﴾ (إِنَّمَا أَجْرُكَ عَلَى قَدْرِ
نَصَبِكَ)) اهـ بزيادة، وتمام الكلام على ذلك في شرح المنية وغيره. قوله: (ولا يصلي الخ)
أقول: قال في البحر في باب صفة الصلاة: إن ما ذكر مسلم فيما قبل الظهر، لما صرحوا به
من أنه لا تبطل شفعة الشفيع بالانتقال إلى الشفع الثاني منها، ولو أفسدها قضى أربعاً،
والأربع قبل الجمعة بمنزلتها. وأما الأربع بعد الجمعة فغير مسلم فإنها كغيرها من السنن،
فإنهم لم يثبتوا لها تلك الأحكام المذكورة اهـ. ومثله في الحلية. وهذا مؤيد لما بحثه
الشرنبلالي من جوازها بتسليمتين لعذر. قوله: (ولو نذراً) نص عليه في القنية، ووجهه أنه
نفل عرض عليه الافتراض أو الوجوب. أفاده ط.
قوله: (لأن كل شفع صلاة) قدمنا بيان ذلك في أول بحث الواجبات، والمراد من
بعض الأوجه كما يأتي قريباً. قوله: (وقيل لا الخ) قال في البحر: ولا يخفى ما فيه،
والظاهر الأول. زاد في المنح: ومن ثم عوّلنا عليه وحكينا ما في القنية بقيل.
مَطْلَبٌ: قَوْلُهُمْ كُلُّ شَفْعٍ مِنَ النَّقْلِ صَلَةٌ لَيْسَ مُطرِداً
تنبيه: بقي في المسألة قول ثالث جزم به في منية المصلي في باب صفة الصلاة حيث
قال: أما إذا كانت سنة أو نفلاً فيبتدئ كما ابتدأ في الركعة الأولى: يعني يأتي بالثناء
والتعوّذ، لأن كل شفع صلاة على حدة اهـ. لكن قال شارحها: الأصح أنه لا يصلي ولا
يستفتح في سنة الظهر والجمعة، وكون كل شفع صلاة على حدة ليس مطرداً في كل
الأحكام، ولذا لو ترك القعدة الأولى لا تفسد، خلافاً لمحمد، ولو سجد للسهو على رأس
شفع لا يبني عليه شفعاً آخر لئلا يبطل السجود بوقوعه في وسط الصلاة، فقد صرّحوا
بصيرورة الكل صلاة واحدة حيث حكموا بوقوع السجود وسطاً، فيقال هنا أيضاً: لا يصلي
ولا يستفتح ولا يتعوّذ لوقوعه في وسط الصلاة، لأن الأصل كون الكل صلاة واحدة
للاتصال واتحاد التحريمة، ومسألة الاستفتاح ونحوه ليست مروية عن المتقدمين وإنما هي
اختيار بعض المتأخرين؛ نعم اعتبروا كون كل شفع صلاة على حدة في حق القراءة
احتياطاً، وكذا في عدم لزوم الشفع الثاني قبل القيام إليه لتردده بين اللزوم وعدمه فلا يلزم
بالشك ولذا يقطع على رأس الشفع إذا أقيمت الصلاة أو خرج الخطيب، وكذا في بطلان
الشفعة وخيار المخيرة بالشروع في الشفع الآخر، لأن كلّا من الشفعة والخيار متردد بین
الثبوت وعدمه فلا يثبت بالشك، وكذا في عدم سريان الفساد من شفع إلى شفع، إذ لا يحكم
٤٥٧
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
لتأكدها أشبهت الفريضة (وفي البواقي من ذوات الأربع يصلي على النبي) وَلقول
(ويستفتح) ويتعوّذ ولو نذراً، لأن كل شفع صلاة (وقيل) لا يأتي في الكل وصححه في
القنية .
(وكثرة الركوع والسجود أحبّ من طول القيام) كما في المجتبى، ورجحه في
البحر، لكن نظر فيه في النهر من ثلاثة أوجه. ونقل عن المعراج أن هذا قول محمد، وأن
بالفساد مع الشك اهـ ملخصاً. لكن قوله وكذا في بطلان الشفعة وخيار المخيرة غير
صحيح، لما علمت مما قدمناه آنفاً عن البحر والحلية من أنهما لا يبطلان بالانتقال إلى الشفع
الثاني، وقد صرح نفسه بذلك في مواقيت الصلاة، وعلمت أيضاً أن ذلك إنما ذكروه في
سنة الظهر ولم يثبتوه للأربع التي بعد الجمعة. قوله: (ورجحه في البحر) حيث جزم
بتعارض الأدلة، كحديث مسلم ((عَلَيكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ (١) وحديث ((أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِنْ
رَبَهُ وَهُوَ سَاجِدٌ(٢) وحديث مسلم أيضاً ((أَفْضَلُ الصَّلَاةِ حُولُ القُنُوتِ(٣)) أي طول القيام كما
هو رواية أحمد وأبي داود؛ ثم قال: والذي ظهر للعبد الضعيف أن كثرة الركوع والسجود
أفضل، لأن القيام إنما شرع وسيلة إليهما، ولذا سقط عمن عجز عنهما، ولا تكون الوسيلة
أفضل من المقصود، ولأنه وإن لزم فيه كثرة القراءة لكنها ركن زائد، بل اختلف في أصل
ركنيتها. وأجمعوا على ركنية الركوع والسجود وأصالتهما، ولتخلف القيام عن القراءة فيما
بعد ركعتي الفرض اهـ. ملخصاً. قوله: (من ثلاثة أوجه) الأول أن القيام وإن كان وسيلة إلا
أن أفضلية طوله لكثرة القراءة فيه، وهي وإن بلغت كل القرآن تقع فرضاً بخلاف
التسبيحات. الثاني أن كون القراءة ركناً زائداً مما لا أثر له في الفضيلة. الثالث أن موضوع
المسألة النفل، وفيه تجب القراءة في كله اهـ ملخصاً.
قلت: وأما تعارض الأدلة، فيجاب عنه بأن المراد بالسجود الصلاة. وأقوی دلیل
أيضاً على أفضلية طول القيام (أَنَّه وَ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ إِلَّ قَلِيلًا، وَكَانَ لَا يَزِيدُ عَلَى إِحْدَى
عَشرَة رَكْعَةً)) كما مر في حديث عائشة. قوله: (ونقل عن المعراج الخ) اعترض على البحر
أيضاً حيث قال: اختلف النقل عن محمد في هذه المسألة فنقل الطحاوي عنه في شرح الآثار
أن طول القيام أحبّ. ونقل في المجتبى عنه العكس. ونقل عن أبي يوسف أنه فصّل فقال:
إذا كان له ورد من الليل بقراءة من القرآن فالأفضل أن يكثر عدد الركعات، وإلا فطول القيام
أفضل لأن القيام في الأول لا يختلف ويضم إليه زيادة الركوع والسجود اهـ.
(١) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة (٢٢٥) وابن ماجه (١٤٢٢) وأحمد في المسند ٢٧٦/٥.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة (٢١٥) وأبو داود (٨٧٥) والنسائي ٢٢٦/٢ وأحمد في المسند ٢/ ٢٤١ والبيهقي في
المسند ١١٠/٢.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين (١٦٤) والبيهقي في المسند ٣/ ٨.
٤٥٨
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
مذهب الإمام أفضلية القيام، وصححه في البدائع.
قلت: وهكذا رأيته بنسختي المجتبى معزياً لمحمد فقط، فتنبه. وهل طول قيام
الأخرس أفضل كالقارئ؟ لم أره.
(ويسن تحية) ربّ (المسجد، وهي ركعتان،
٠
ووجه الاعتراض أن مقتضى كلامه أنه لا قول في هذه المسألة لإمام المذهب، بل
القولان فيهما لمحمد. أقول: ويظهر لي أن رواية أبي يوسف محمل هذين القولين. تأمل.
قوله: (وصححه في البدائع) وعبارته. قال أصحابنا: طول القيام أفضل. وقال الشافعي:
كثرة الصلاة أفضل، والصحيح قولنا. ثم قال: وروي عن أبي يوسف أنه قال: إلى آخر ما
مر، وظاهر كلامه أن هذا قول أئمتنا الثلاثة حيث لم يتعرض إلا لخلاف الشافعي، ويؤيده ما
مرعن الطحاوي. قوله: (قلت الخ) تأييد لما في المعراج، وأمر بالتنبه إشارة إلى ما على
المصنف من الاعتراض، حيث تابع شيخه صاحب البحر، وعدل عما عليه المتون الذي هو
قول الإمام المصحح، بل هو قول الكل كما مر، ولذا قال الخير الرملي: أقول: كيف
يخالف الجهابذة تبعاً لشيخه ويجعله متناً، والمتون موضوعة لنقل المذهب؟ اهـ.
والحاصل أن المذهب المعتمد أن طول القيام أحب، ومعناه كما في شرح المنية أنه
إذا أراد شغل حصة معينة من الزمان بصلاة فإطالة القيام مع تقليل عدد الركعات أفضل من
عكسه، فصلاة ركعتين مثلاً في تلك الحصة أفضل من صلاة أربع فيها، وهكذا القياس.
قوله: (وهل الخ) البحث لصاحب النهر. والذي يظهر أن كثرة ركوعه وسجوده أفضل، لأن
أفضلية القيام إنما كانت باعتبار القراءة ولا قراءة له اهـ. ح عن بعض الهوامش. وخالفه
الرحمتي بأن الأخرس قارئ حكماً وله ثواب القارئ، كما هو الحكم فيمن قصد عبادة
وعجز عنها، مع أن الطريقة أن العلة إذا وجدت في بعض الصور تطرد في باقيها. تأمل.
مَطْلَبٌ فِي لِيَّةِ المَسْجِدِ
قوله: (ويسن تحية) كتب الشارح في هامش الخزائن أن هذا رد على صاحب
الخلاصة حيث ذكر أنها مستحبة. قوله: (رب المسجد) أفاد أنه على حذف مضاف، لأن
المقصود منها التقرّب إلى الله تعالى لا إلى المسجد، لأن الإنسان إذا دخل بيت الملك
يحيي الملك لا بيته. بحر عن الحلية. ثم قال: وقد حكي الإجماع على سنيتها، غير أن
أصحابنا يكرهونها في الأوقات المكروهة تقديماً لعموم الحاظر على عموم المبيح اهـ.
قوله: (وهي ركعتان) في القهستاني: وركعتان أو أربع، وهي أفضل لتحية المسجد إلا إذا
دخل فيه بعد الفجر أو العصر، فإنه يسبح ويهلل ويصلي على النبي واتير، فإنه حينئذ يؤدي
حق المسجد، كما إذا دخل للمكتوبة فإنه غير مأمور بها حينئذ كما في التمرتاشي اهـ. قوله:
٤٥٩
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
وأداء الفرض) أو غيره، وكذا دخوله بنية فرض أو اقتداء (ينوب عنها) بلانية،
(وأداء الفرض أو غيره الخ) قال في النهر: وينوب عنها كل صلاة صلاها عند الدخول فرضاً
كانت أو سنة. وفي البناية معزياً إلى مختصر المحيط أن دخوله بنية الفرض أو الاقتداء ينوب
عنها، وإنما يؤمر بها إذا دخله لغير الصلاة اهـ كلام النهر.
والحاصل أن المطلوب من داخل المسجد أن يصلي فيه ليكون ذلك تحية لربه تعالى:
والظاهر أن دخوله بنية صلاة الفرض لإمام أو منفرد أو بنية الاقتداء ينوب عنها إذا صلى
عقب دخوله، وإلا لزم فعلها بعد الجلوس، وهو خلاف الأولى كما يأتي، فلو كان دخوله
بنية الفرض مثلاً لکن بعد زمان یؤمر بها قبل جلوسه، كما لو كان دخوله لغیر صلاة کدرس
أو ذكر.
وبما قررناه علم أن ما نقله في النهر عن البناية لا يخالف ما قبله، غایته أنه عبر عن
الصلاة بنيتها، بناء على ما هو الغالب من أن من دخل لأجل الصلاة يصلي، وليس معناه أن
النية المذكورة تكفيه عن التحية وإن لم يصل كما يوهمه ظاهر العبارة كما أفاده ح، والله
أعلم. قوله: (ينوب عنها بلانية) قال في الحلية: لو اشتغل داخل المسجد بالفريضة غير
ناو للتحية قامت تلك الفريضة مقام تحية المسجد لحصول تعظيم المسجد، كما في البدائع
وغيره. فلو نوى التحية مع الفرض فظاهر ما في المحيط وغيره أنه يصح عندهما. وعند محمد
لا يكون داخلاً في الصلاة، فإنهم قالوا: لو نوى الدخول في الظهر والتطوّع يجوز عن الفرض
عند أبي يوسف. ورواه الحسن عن أبي حنيفة. وعند محمد: لا يكون داخلا لأن الفرض مع
النفل في الصلاة جنسان مختلفان لا رجحان لأحدهما على الآخر في التحريمة. فمتى نواهما
تعارضت النيتان فلغتا. ولأبي يوسف أن الفرض أقوى فتندفع نية الأدنى، كمن نوى حجة
الإسلام والتطوع اهـ ملخصاً. ومثله في البحر.
أقول: الذي يظهر لي أن هذا الخلاف لا يجري في مسألتنا، لأن الفريضة إذا قامت
مقام التحية وحصل المقصود بها لم تبق التحية مطلوبة، لأن المقصود تعظيم المسجد بأتيّ
صلاة كانت، ولا يؤمر بتحية مستقلة إلا إذا دخل لغير الصلاة كما مر، وحينئذ فإذا نواها مع
الفريضة يكون قد نوى ما تضمنته الفريضة وسقط بها، فلم يكن ناوياً جنساً آخر على قول
محمد، بخلاف ما إذا نوى فرض الظهر وسنته مثلاً، فليتأمل. بل لقائل أن يقول: إن الأولى
أن ينويها بذلك الفرض ليحصل له ثوابها: أي ينوي بإيقاع الفرض في المسجد تحية الله تعالى
أو تعظيم بيته، لأن سقوطها به وعدم طلبها لا يستلزم الثواب بلا قصدها.
ثم رأيت المحقق ابن حجر من الشافعية كتب عند قول المنهاج: وتحصل بفرض أو
نفل آخر ما نصه: وإن لم ينوها معه. لأنه لم ينتهك حرمة المسجد المقصودة: أي يسقط
٤٦٠
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
وتکفیه لکل یوم مرة، ولا تسقط بالجلوس عندنا. بحر .
قلت: وفي الضياء عن القوت: من لم يتمكن منها لحدث أو غيره يقول ندباً
طلبها بذلك، أما حصول ثوابها فالوجه توقفه على النية، لحديث ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَّيَّاتِ))(١)
وزعم أن الشارع أقام فعل غيرها مقام فعلها فيحصل: أي الثواب وإن لم ينو بعيد وإن قيل إن
كلام المجموع يقتضيه؛ ولو نوى عدمها لم يحصل شيء من ذلك اتفاقاً كما هو ظاهر أخذاً مما
بحثه بعضهم في سنة الطواف، وإنما ضرت نية ظهر وسنة مثلاً، لأنها مقصودة لذاتها بخلاف
التحية اهـ .. وقوله: وإنما ضرت الخ، هو عين ما بحثته أولًا أيضاً ولله الحمد، فإن ما قاله
لا يخالف قواعد مذهبنا. قوله: (وتكفيه لكل يوم مرة) أي إذا تكرر دخوله لعذر. وظاهر
إطلاقه أنه مخير بين أن يؤديها في أول المرات أو آخرها ط. قوله: (ولا تسقط بالجلوس
عندنا) فإنهم قالوا في الحاكم إذا دخل المسجد للحكم: إن شاء صلى التحية عند دخوله أو
عند خروجه لحصول المقصود كما في الغاية. وأما حديث الصحيحين ((إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ
المَسْجِدَ فَلا يجلِسْ حَتَّى يُصَلِّ ركعتين)»(٢) فهو بيان للأولى، لحديث ابن حبان في صحيحه
(يَا أَبَا ذَرٌّ لِلْمَسْجِدِ تِيَّةً، وَإِنَّ تحيته رَكْعَتَانٍ، فَقُمْ فَارْكَعْهَا))(٣) وتمامه في الحلية. قوله: (وفي
الضياء الخ) عبارته وقال بعضهم: من دخل المسجد ولم يتمكن من تحية المسجد إما
الحدث أو لشغل أو نحوه يستحبّ له أن يقول: ((سُبْحَان الله، وَالحَمْدُ لله، وَلَا إِلَّهَ إِلَّ الله،
وَالله أَكْبُ)) قاله أبو طالب المكي في قوت القلوب اهـ. وقدمنا نحوه عن القهستاني.
خاتمة: يستثنى من المساجد المسجد الحرام بالنسبة إلى أول دخول الآفاقي(٤)
المحرم، فإن تحيته الطواف، وفيه تأمل، كذا في الحلية، ولعل وجه التأمل إطلاق المسجد
في الحديث المار.
وفي النهر: واتفقوا على أن الإمام لو كان يصلي المكتوبة أو أخذ المؤذن في الإقامة
أنه يتركها، وأنه يقدم الطواف عليها، بخلاف السلام على النبي ◌َّر اهـ.
قلت: لكن في لباب المناسك وشرحه لمنلا علي القاري: ولا يشتغل بتحية
المسجد، لأن تحية المسجد الشريف هي الطواف إن أراده، بخلاف من لم يرده وأراد أن
(١) أخرجه البخاري ٩/١ (١) ومسلم ١٥١٥/٣ (١٥٥- ١٩٠٧).
(٢) أخرجه البخاري ٢/ ٧٠ ومسلم في كتاب صلاة المسافرين (٧٠) وابن ماجه (١٠١٢) وأحمد في المسند ٥/ ٣٠٥
والبيهقي في المسند ٣/ ٩٤.
(٣) أخرجه ابن حبان (٢٧٩) وأبو نعيم في الحلية ١٦٦/١ والحاكم في المستدرك ٢/ ٥٩٧ وابن عدي في الكامل ٧/
٢٦٩٩.
(٤) في ط (قوله الآفاقي) هكذا بخطه، وفيه أنه نسبه إلى جمع أفق، ومنعه في المصباح، ونص على أنه إنما ينسب إلى
المفرد فقال «أفقي)) بضمتین وفتحتین.