النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
کتاب الصلاة / باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
(فرع) لا بأس باتخاذ المسبحة لغير رياء، كما بسط في البحر.
(لا) يكره (قتل حية أو عقرب) إن خاف الأذى، إذ الأمر للإباحة، لأنه منفعة لنا،
فالأولى ترك الحية البيضاء لخوف الأذى (مطلقاً) ولو بعمل کثیر
بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ، وَأَعْقِدْنَ بِالأَنَامِلِ فَإِنَّهنَّ مسْؤُولات مُسْتَنْطَقَاتٌ، وَلَا تَغْفَلْنَ فَتَنْسَين
الرَّحْمَةَ)) وتمامه في الحلية. قوله: (كعده الخ) أي في الصلاة، وهذا محترز قوله: ((باليد)» قال
في البحر: أما الغمز برؤوس الأصابع أو الحفظ بالقلب فهو غير مكروه اتفاقاً والعد باللسان
مفسد اتفاقاً اهـ. وما قيل من أنه يكره بالقلب لإخلاله بالخشوع ففيه نظر ظاهر كما في
الحلية .
مَطْلَبٌ: الكَلَامُ عَلَى الََّاذِ المِسْبَحَةِ
قوله: (لا بأس باتخاذ المسبحة) بكسر الميم: آلة التسبيح. والذي في البحر والحلية
والخزائن بدون ميم. قال في المصباح: السبحة خرزات منظومة، وهو يقتضي كونها عربية.
وقال الأزهري: كلمة مولدة، وجمعها مثل غرفة وغرف ا هـ. والمشهور شرعاً إطلاق
السبحة بالضم على النافلة. قال في المغرب: لأنه يسبح فيها. ودليل الجواز ما رواه أبو
داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم وقال: صحيح الإسناد عن سعد بن أبي وقاص
(أَنَّه دَخَلَ مَعَ رَسُولِ الله وَّهِ عَلَى أَمْرَأَةٍ وَبَيْنَ يَدَيَهَا نَوىّ أَوْ حَصَا تُسَبِّحُ بِهِ فَقَالَ: أُخْبِكِ بِمَا
هُوَ أَيْسَرُ عَلَيكِ مِنْ هَذَا أَوْ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ الله عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي السَّمَاءِ وَسُبْحَانَ الله
عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي الأَرْضِ، وَسُبْحَانَ الله عَدَدَ مَا بَيْن ذَلِكَ، وَسُبْحَانَ الله عَدَدَ مَا هُوَ خَالِقٌ؛
وَالحَمْدُ للهِ مِثْلَ ذَلِكَ؛ وَالله أَكْبُرُ مِثْلَ ذَلِكَ وَلَا إِله إلَّ الله مِثْلَ ذَلِكَ؛ وَلَ حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّ بِالله
مِثْلَ ذَلِكَ)) فلم ينهها عن ذلك، وإنما أرشدها إلى ما هو أيسر وأفضل، ولو كان مكروهاً
لبين لها ذلك. ولا يزيد السبحة على مضمون هذا الحديث إلا بضم النوى في خيط، ومثل
ذلك لا يظهر تأثيره في المنع، فلا جرم أن نقل اتخاذها والعمل بها عن جماعة من الصوفية
الأخيار وغيرهم، اللهم إلا إذا ترتب عليه رياء وسمعة فلا كلام لنا فيه، وهذا الحديث أيضاً
يشهد لأفضلية هذا الذكر المخصوص على ذكر مجرد هذه الصيغة ولو تكرر يسيراً، كذا في
الحلية والبحر. قوله: (لا يكره قتل حية أو عقرب) لخبر الشيخين ((اقتلوا الأسودين في
الصلاة: الحية، والعقرب)) نهر. وأما قتل القملة والبرغوث فسيأتي. قوله: (إن خاف
الأذى) أي بأن مرت بين يديه وخاف الأذى وإلا فيكره. نهاية. وفي البحر عن الحلية:
ويستحب قتل العقرب بالنعل اليسرى إن أمكن، لحديث أبي داود كذلك، ويقاس عليه
الحية. قوله: (إذ الأمر للإباحة) جواب عما يقال: لم لم يكن قتلهما مستحباً للأمر بالقتل؟
ط. قوله: (فالأولى الخ) أي حيث كان الأمر بالقتل لمنفعتنا، فما يخشى منه الأذى الأولى

٤٢٢
كتاب الصلاة / باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
على الأظهر، لكن صحح الحلبي الفساد.
(و) لا يكره (صلاة إلى ظهر قاعد) أو قائم ولو (يتحدث) إلا إذا خيف الغلط
تركه، وهو قتل الحية البيضاء التي تمشي مستوية لأنها جانّ لقوله عليه الصلاة والسلام
(أَقْتُلُوا ذَا الْطُّفْيَتَيْنِ وَالأَبْتَرَ، وَإِيَّكُمْ وَالحَيَّةَ الْبَيْضَاءَ فِإِنَّها مَنَ الجِنِّ(١)) كما في المحيط.
وقال الطحاوي: لا بأس بقتل الكل ((لأن النبي ولي عهد مع الجن أن لا يدخلوا بيوت أمته،
فإذا دخلوا فقد نقضوا العهد فلا ذمة لهم)) والأولى هو الإعذار والإنذار، فيقال: ارجع بإذن
الله، فإن أبى قتله اهـ: يعني الإنذار في غير الصلاة. بحر. قال في الحلية: ووافق
الطحاوي غير واحد آخرهم شيخنا: يعني ابن الهمام فقال: والحق أن الحل ثابت إلا أن
الأولى الإمساك عما فيه علامة الجن لا للحرمة بل لدفع الضرر المتوهم من جهتهم اهـ.
والطفيتان؛ بضم الطاء المهملة وإسكان الفاء الخطان الأسودان على ظهر الحية. والأبتر:
الأفعى، قيل هو جنس كأنه مقطوع الذنب، وقيل صنف أزرق مقطوع الذنب إذا نظرت إليه
الحامل ألقت اهـ. قوله: (على الأظهر) كذا قاله الإمام السرخسي، وقال: لأنه عمل
رخص فيه للمصلي، فهو كالمشي بعد الحدث. بحر. قوله: (لكن صحح الحلبي الفساد)
حيث قال تبعاً لابن الهمام: فالحق فيما يظهر هو الفساد، والأمر بالقتل لا يستلزم صحة
الصلاة مع وجوده كما في صلاة الخوف، بل الأمر في مثله لإباحة مباشرته وإن كان مفسداً
للصلاة اهـ. ونقل كلام ابن الهمام في الحلية والبحر والنهر وأقرّوه عليه، وقالوا: إن ما
ذكره السرخسي رده في النهاية بأنه مخالف لما عليه عامة رواة شروح الجامع الصغير ومبسوط
شيخ الإسلام من أن الكثير لا يباح اهـ. قوله: (إلى ظهر قاعد الخ) قيد بالظهر احترازاً عن
الوجه فإنها تكره إليه كما مر، وفي قوله: ((يتحدث)) إيماء إلى أنه لا كراهة لو لم يتحدث
بالأولى، ولذا زاد الشارح (ولو)) وفي شرح المنية: أفاد به نفي قول من قال بالكراهة
بحضرة المتحدثين، وكذا بحضرة النائمين وما روي عنه عليه الصلاة والسلام ((لَاتُصَلُّوا
خَلْفَ نَائِم وَلَا مُتَحدِّثٍ)) فضعيف. وصح عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((كَانَ رَسُول
الله ◌َ﴿ يُصِّلِّي مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ كُلُّهَا وَأَنَا مُعْتَرَضَةٌ بَيْنُهُ وَبَيْن الْقِبْلَةِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتَرِ أَيْقَظَنِي
فَأَوْتَرْتُ)) روياه في الصحيحين(٢) وهو يقتضي أنها كانت نائمة، وما في مسند البزار أن
رسول الله ﴿ قال: ((نُهيتُ أَنْ أُصَلِّي إِلىّ النَّيَامِ وَالمُتحَدِّثِينَ(٣)) فهو محمول على ما إذا
كانت لهم أصوات يخاف منها التغليظ أو الشغل، وفي النائمين إذا خاف ظهور شيء
(١) أخرجه البخاري ٦/ ٣٤٧ (٣٢٩٧) ومسلم ٤/ ١٧٥٢ (١٢٩،١٢٨/ ٢٢٣٣).
(٢) أخرجه البخاري ١/ ٤٩٢ (٣٨٣، ٣٨٤) ومسلم ١/ ٢٦٦ (٥١٢/٢٦٧.
(٣) انظر مجمع الزوائد ٢/ ٦٢.

٤٢٣
کتاب الصلاة / باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
بحديثه (و) لا إلى (مصحف أو سيف مطلقاً أو شمع أو سراج) أو نار توقد، لأن
المجوس إنما تعبد الجمر، لا النار الموقدة. قنية (أو على بساط فيه تماثيل إن لم
يسجد عليها) لما مر.
(فروع) يكره اشتمال الصماء والاعتجار والتلثم والتنخم وكل عمل قليل بلا
يضحكه ا هـ. قوله: (مطلقاً) أي معلقاً أو غير معلق، وأشار به إلى أن قول الكنز وغيره
معلق غير قید.
وفي شرح المنية: وجه عدم الكراهة أن كراهة استقبال بعض الأشياء باعتبار التشبه
بعبّادها والمصحف والسيف لم يعبدهما أحد، واستقبال أهل الكتاب للمصحف للقراءة منه
لا للعبادة. وعند أبي حنيفة يكره استقباله للقراءة، ولذا قيد بكونه معلقاً وكون السيف آلة
الحرب مناسب لحال الابتهال إلى الله تعالى، لأنها حال المحاربة مع النفس والشيطان،
وعن هذا سمي المحراب اهـ. قوله: (أو شمع)بفتح الميم على الأوجه والسكون ضعيف
مع أنه المستعمل، قاله ابن قتيبة، وعدم الكراهة هو المختار كما في غاية البيان. وينبغي
الاتفاق عليه فيما لو كان على جانبيه كما هو المعتاد في ليالي رمضان. بحر: أي في حق
الإمام؛ أما المقابل لها من القوم فتلحقه الكراهة على مقابل المختار. رملي. قوله: (لأن
المجوس الخ) علة للثلاثة قبله ط. قوله: (قنية) ذكر ذلك في القنية في كتاب الكراهية.
ونصه: الصحيح أنه لا يكره أن يصلي وبين يديه شمع أو سراج لأنه لم يعبدهما أحد،
والمجوس يعبدون الجمر لا النار الموقدة، حتى قيل: لا يكره إلى النار الموقدة اهـ.
وظاهره أن المراد بالموقدة التي لها لهب، لكن قال في العناية: إن بعضهم قال: تكره إلى
شمع أو سراج، كما لو كان بين يديه كانون فيه جمر أو نار موقدة ا هـ. وظاهره أن الكراهة
في الموقدة متفق عليها كما في الجمر. تأمل. قوله: (لما مر) علة لعدم الكراهة وهو كونها
مهانة ح. قوله: (يكره اشتمال الصماء) لنهيه عليه الصلاة والسلام عنها، وهي أن يأخذ بثوبه
فیخلل به جسده کله من رأسه إلى قدمه ولا يرفع جانباً يخرج يده منه؛ سمي به لعدم منفذ
يخرج منه يده كالصخرة الصماء؛ وقيل أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه إزار، وهو اشتمال
اليهود. زيلعي. وظاهر التعليل بالنهي أن الكراهة تحريمية كما في نظائره. قوله:
(والاعتجار) لنهي النبي وَل﴿ عنه، وهو شد الرأس، أو تكوير عمامته على رأسه وترك وسطه
مكشوفاً. وقيل أن يتنقب بعمامته فيغطي أنفه، إما للحر أو للبرد أو للتكبر. إمداد. وكراهته
تحريمية أيضاً لما مر. قوله: (والتلثم) وهو تغطية الأنف والفم في الصلاة، لأنه يشبه فعل
المجوس حال عبادتهم النيران. زيلعي. ونقل ط عن أبي السعود أنها تحريمية. قوله:
(والتنخم) هو إخراج النخامة بالنفس الشديد لغير عذر. وحكمه کالتنحنح في تفصيله كما
في شرح المنية: أي فإن كان بلا عذر وخرج به حرفان أو أكثر أفسد. وفي بعض النسخ:
والتختم، والمراد به لبس الخاتم في الصلاة بعمل قليل. قوله: (وكل عمل قليل الخ) تقدم

٤٢٤
كتاب الصلاة / باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
عذر؛ کتعرض لقملة قبل الأذى، وترك كل سنة ومستحبّ،
الفرق بينه وبين الكثير. قوله: (كتعرض لقملة الخ) قال في النهر: ويكره قتل القمل عند
الإمام. وقال محمد: القتل أحب إليّ، رأى ذلك فعل لا بأس به، ولعل الإمام إنما اختار
الدفن لما فيه من التنزّه عن إصابة الدم يد القاتل أو ثوبه وإن كان معفواً عنه، هذا إذا تعرضت
القملة ونحوها بالأذى، وإلا كره الأخذ فضلاً عن غيره، وهذا كله خارج المسجد؛ أما فيه
فلا بأس بالقتل بشرط تعرضها له بالأذى، ولا يطرحها في المسجد بطريق الدفن أو غيره إلا
إذا غلب على ظنه أنه يظفر بها بعد الفراغ من الصلاة، وبهذا التفصيل يحصل الجمع بين ما
سبق عن الإمام أنه يدفنها في الصلاة؛ أي في غير المسجد، وبين ما روي عنه أنه لو دفنها
في المسجد أساء ا هـ.
وفي الإمداد عن الينبوع للسيوطي عن ابن العماد: طرح القمل في المسجد، إن كان
ميتاً حرم لنجاسته، وإن كان حياً ففي كتب المالكية كذلك، لأن فيه تعذيباً له بالجوع،
بخلاف البرغوث لأنه يأكل التراب، وعلى هذا يحرم طرح القمل حياً في غير المسجد
أيضاً ا هـ. قال في الإمداد: والمصرح به في كتبنا أنه لا يجوز إلقاء قشر القملة في
المسجد اهـ.
قلت: الظاهر أن العلة تقذير المسجد، وإلا فالمصرح به عندنا أن ما لا نفس له سائلة
إذا مات في الماء لا ينجسه.
مَطْلَبُ: فِي بَيَانِ السُّنَّةِ وَالْمُسْتَحَبِّ وَالْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ وَخِلَافِ الأَوْلَى
قوله: (وترك كل سنة ومستحب) السنة قسمان: سنة هدى وهي المؤكدة. وسنة
زوائد. والمستحب غيره وهو المندوب، أو هما قسمان. وقد يطلق عليه سنة، وقدمنا تحقيق
ذلك كله في سنن الوضوء. قال في البحر عند قوله: ((وعلى بساط فيه تصاوير)»: الحاصل
أن السنة إن كانت مؤكدة قوية لا يبعد كون تركها مكروهاً تحريماً، وإن كانت غير مؤكدة
فتركها مكروه تنزيهاً. وأما المستحب أو المندوب فينبغي أن يكره تركه أصلاً، لقولهم:
يستحب يوم الأضحى أن لا يأكل أولاً إلا من أضحيته؛ ولو أكل من غيرها لم يكره، فلم
يلزم من ترك المستحب ثبوت الكراهة، إلا أنه يشكل عليه قولهم: المكروه تنزيهاً مرجعه
إلى خلاف الأولى، ولا شك أن ترك المستحب خلاف الأولى اهـ.
أقول: لكن صرح في البحر في صلاة العيد عند مسألة الأكل بأنه لا يلزم من ترك
المستحب ثبوت الكراهة، إذ لا بد لها من دليل خاص اهـ. وأشار إلى ذلك في التحرير
الأصولي، بأن خلاف الأولى ما ليس فيه صيغة نهي كترك صلاة الضحى، بخلاف المكروه
تنزيهاً، والظاهر أن خلاف الأولى أعم، فكل مكروه تنزيهاً خلاف الأولى، ولا عكس، لأن
خلاف الأولى قد لا يكون مكروهاً حيث لا دليل خاص كترك صلاة الضحى. وبه يظهر أن

٤٢٥
كتاب الصلاة / باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
وحمل الطفل، وما ورد نسخ بحديث ((إن في الصلاة لشغلً)).
ويباح قطعها لنحو قتل حية، وندّ دابة، وفور قدر،
كون ترك المستحب راجعاً إلى خلاف الأولى لا يلزم منه أن يكون مكروهاً إلا بنهي خاص،
لأن الكراهة حكم شرعي، فلا بد له من دليل، والله تعالى أعلم. قوله: (وحمل الطفل) أي
لغير حاجة. قوله: (وما ورد الخ) جواب سؤال هو: أنه کیف یکون مكروهاً وقد ورد في
الصحيحين وغيرهما عن أبي قتادة ((أَنَّ النَّبِيَّ وَّلِكَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةً بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتَ
النَّبِيِّ وَِّ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ خَلَهَا))؟ وقد أجيب عنه بأجوبة: منها ما ذكره الشارح
أنه منسوخ بما ذكره من الحديث، وهو مردود بأن حديث ((إِنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغُلًا)) كان قبل
الهجرة، وقصة أمامة بعدها. ومنها ما في البدائع: أنه پے لم یکره منه ذلك، لأنه كان
محتاجاً إليه لعدم من يحفظها، أو للتشريع بالفعل أن هذا غير مفسد، ومثله أيضاً في زماننا لا
يكره لواحد منا فعله عند الحاجة، أما بدونها فمكروه اهـ. وقد أطال المحقق ابن أمير حاج
في الحلية في هذا المحل، ثم قال: إن كونه للتشريع بالفعل هو الصواب الذي لا يعدل عنه
كما ذكره النووي، فإنه ذكر بعضهم أنه بالفعل أقوى من القول، ففعله ذلك لبيان الجواز،
وأن الآدمي طاهر، وما في جوفه من النجاسة معفوّ عنه لكونه في معدته؛ وأن ثياب الأطفال
وأجسادهم طاهرة حتى تتحقق نجاستها، وأن الأفعال إذا لم تكن متوالية لا تبطل الصلاة
فضلاً عن الفعل القليل، إلى غير ذلك، وتمامه فيه.
تتمة: بقي من المكروهات أشياء أخر ذكرها في المنية ونور الإيضاح وغيرهما: منها
الصلاة بحضرة ما يشغل البال ويخلّ بالخشوع كزينة ولهو ولعب، ولذلك كرهت بحضرة
طعام تميل إليه نفسه، وسيأتي في كتاب الحج قبيل باب القرآن: يكره للمصلي جعل نحو
نعله خلفه لشغل قلبه. ومنها ما في الخزائن: تغطية الأنف والفم، والهرولة للصلاة،
والاتكاء على حائط أو عصا في الفرض بلا عذر لا في النفل على الأصح، ورفع يديه عند
الركوع، والرفع منه، وما روي من الفساد شاذ، وإتمام القراءة راكعاً والقراءة في غير حالة
القيام، ورفع الرأس ووضعه قبل الإمام، والصلاة في مظان النجاسة كمقبرة وحمام، إلا إذا
غسل موضعاً منه ولا تمثال، أو صلى في موضع نزع الثياب، أو كان في المقبرة موضع أعد
للصلاة ولا قبر ولا نجاسة فلا بأس كما في الخانية ا هـ. وتقدم تمام هذا في بحث الأوقات
المكروهة. وفي القهستاني: لا تكره الصلاة في جهة قبر إلا إذا کان بین یدیه، بحيث لو
صلی صلاة الخاشعین وقع بصره علیه كما في جنائز المضمرات. قوله: (ويباح قطعها) أي
ولو كانت فرضاً كما في الإمداد. قوله: (لنحو قتل حية) أي بأن يقتلها بعمل كثير، بناء على
ما مر من تصحيح الفساد به. قوله: (وندّ دابة) أي هربها، وكذا لخوف ذئب على غنم. نور
الإيضاح. قوله: (وفور قدر) الظاهر أنه مقيد بما بعده من فوات ما قيمته درهم، سواء كان

٤٢٦
کتاب الصلاة / باب ما يفسد الصلاة وما یکره فيها
وضياع ما قيمته درهم، له أو لغيره.
ويستحب لمدافعة الأخبثين، وللخروج من الخلاف إن لم يخف فوت وقت أو
جماعة.
ويجب لإغاثة ملهوف وغريق وحريق، لا لنداء أحد أبويه بلا استغاثة إلا في
النفل، فإن علم أنه يصلي لا بأس أن لا يجيبه، وإن لم يعلم أجابه.
ما في القدر له أو لغيره. رحمتي. قوله: (وضياع ما قيمته درهم) قال في مجمع الروايات:
لأن ما دونه حقير فلا يقطع الصلاة لأجله؛ لكن ذكر في المحيط في الكفالة أن الحبس
بالدانق يجوز، فقطع الصلاة أولى، وهذا في مال الغير، أما في ماله لا يقطع، والأصح
جوازه فيهما ا هـ. وتمامه في الإمداد. والذي مشى عليه في الفتح التقييد بالدرهم. قوله:
(ويستحب لمدافعة الأخبثين) كذا في مواهب الرحمن ونور الإيضاح، لكنه مخالف لما قدمناه
عن الخزائن وشرح المنية، من أنه إن كان ذلك يشغله: أي يشغل قلبه عن الصلاة وخشوعها
فأتمها يأثم لأدائها مع الكراهة التحريمية، ومقتضى هذا أن القطع واجب لا مستحب، ويدل
عليه الحديث المار «لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصلي وهو حاقن حتى
يتخفف، اللهم إلا أن يحمل ما هنا على ما إذا لم يشغله، لكن الظاهر أن ذلك لا يكون
مسوغاً، فليتأمل. ثم رأيت الشرنبلالي بعد ما صرح بندب القطع كما هنا قال: وقضية
الحديث توجبه. قوله: (وللخروج من الخلاف) عبارته في الخزائن: ولإزالة نجاسة غير
مانعة لاستحباب الخروج من الخلاف، وما هنا أعم لشموله لنحو ما إذا مسته امرأة أجنبية.
قوله: (إن لم يخف الخ) راجع لقوله: ((للخروج الخ)). وأما قطعها لمدافعة الأخبثين فقدمنا
عن شرح المنية أن الصواب أنه يقطعها وإن فاتته الجمعة، كما يقطعها لغسل قدر الدرهم.
قوله: (ويجب) الظاهر منه الافتراض ط. قوله: (لإغاثة ملهوف) سواء استغاث بالمصلي أو
لم يعين أحداً في استغاثته إذا قدر على ذلك، ومثله خوف تردي أعمى في بئر مثلاً إذا غلب
على ظنه سقوطه. إمداد. قوله: (لا لنداء أحد أبويه الخ) المراد بهما الأصول وإن علوا،
وظاهر سياقه أنه نفي لوجوب الإجابة فيصدق مع بقاء الندب والجواز ط.
قلت: لكن ظاهر الفتح أنه نفي للجواز، وبه صرح في الإمداد بقوله: أي لا يجوز
قطعها بنداء أحد أبويه من غير استغاثة وطلب إعانة لأن قطعها لا يجوز إلا لضرورة. وقال
الطحاوي: هذا في الفرض، وإن كان في نافلة إن علم أحد أبويه أنه في الصلاة وناداه لا
بأس أن لا يجيبه، وإن لم يعلم يجيبه ا هـ. قوله: (إلا في النفل) أي فيجيبه وجوباً وإن لم
يستغث لأنه ليم عابد بني إسرائيل على تركه الإجابة. وقال ◌َظي ما معناه: ((لو كان فقيهاً
لأجاب أمه)) وهذا إن لم يعلم أنه يصلي. فإن علم لا تجب الإجابة. لكنها أولى كما يستفاد
من قوله: ((لا بأس الخ)). فقوله: ((فإن علم)) تفصيل الحكم المستثنى ط.

٤٢٧
كتاب الصلاة / باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
(ويكره) تحريماً (استقبال القبلة بالفرج) ولو (في الخلاء) بالمد: بيت التغوّط،
وكذا استدبارها (في الأصح کما کره) لبالغ (إمساك صبيّ) لیبول (نحوها، و) كما كره
(مد رجليه في نوم أو غيره إليها) أي عمداً لأنه إساءة أدب، قاله منلا ناكير (أو إلى
مصحف أو شيء من الكتب الشرعية، إلا أن يكون على موضع مرتفع عن المحاذاة) فلا
وقد يقال: إنّ ((لا بأس)) هنا لدفع ما يتوهم أن عليه بأساً في عدم الإجابة وكونه عقوقاً
فلا يفيد أن الإجابة أولى: وسيأتي تمامه في باب إدراك الفريضة.
مَطْلَبٌ: فِي أَحْكَامِ المَسْجِدِ
قوله: (ويكره الخ) لمّا فرغ من بيان الكراهةَ في الصلاة شرع في بيانها خارجها مما هو
من توابعها. بحر. قوله: (تحريماً) لما أخرجه الستة عنه وَّ﴿ ((إِذَا أَتَيْتُمُ الغَائِطَ فَلاَ تَسْتَقْبِلُوا
القِبْلَةَ وَلَا تَسْتَذْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا(١)) ولهذا كان الأصح من الروايتين كراهة
الاستدبار كالاستقبال. بحر. قوله: (استقبال القبلة بالفرج) يعم قبل الرجل والمرأة.
والظاهر أن المراد بالقبلة جهتها كما فى الصلاة، وهو ظاهر الحديث المارّ، وأن التقييد
بالفرج يفيد ما صرح به الشافعية أنه لو استقبلها بصدره وحوّل ذكره عنها لم يكره، بخلاف
عكسه كما قدمناه في باب الاستنجاء، وتقدم هناك أن المكروه الاستقبال أو الاستدبار لأجل
بول أو غائط، فلو للاستنجاء لم يكره: أي تحريماً. وفي النهاية: ولو غفل عن ذلك وجلس
يقضي حاجته ثم وجد نفسه کذلك فلا بأس، لكن إن أمكنه الانحراف ینحرف، فإنه عدّ
ذلك من موجبات الرحمة، فإن لم يفعل فلا بأس اهـ. وكأنه سقط الوجوب عند الإمكان
لسقوطه ابتداء بالنسيان ولخشية التلوث، وتقدم هناك أيضاً كراهة استقبال الشمس والقمر:
أي لأنهما من الآيات الباهرات، ولما معهما من الملائكة كما في السراج، وقدمنا أن الظاهر
أن الكراهة فيه تنزيهية ما لم يرد نهي خاص، وأن المراد استقبال عينهما لا جهتهما ولا
ضوئهما، وتقدم تمام ذلك كله هناك، فراجعه. قوله: (كما كره لبالغ) الظاهر منه التحريم
ط. قوله: (إمساك صبي ليبول نحوها) أي جهتها، لأنه يحرم على البالغ أن يفعل بالصغير ما
يحرم على الصغير فعله إذا بلغ ولذا يحرم على أبيه أن يلبسه حريراً أو حلياً لو كان ذكراً أو
يسقيه خمراً ونحو ذلك. قوله: (مد رجليه) أو رجل واحدة، ومثل البالغ الصبيّ في الحكم
المذكور ط. قوله: (أي عمداً) أي من غير عذر، أما بالعذر أو السهو فلا. ط. قوله: (لأنه
إساءة أدب) أفاد أن الكراهة تنزيهية ط، لكن قدمنا عن الرحمتي في باب الاستنجاء أنه سيأتي
أنه بمد الرجل إليها ترد شهادته. قال: وهذا يقتضي التحريم، فليحرر. قوله: (إلا أن يكون)
ما ذكر من المصحف والكتب؛ أما القبلة فهي إلى عنان السماء. قوله: (مرتفع) ظاهره ولو
كان الارتفاع قليلا ط.
(١) أخرجه البخاري ١/ ٤٩٨(٣٩٤) ومسلم ٢٢٤/١ (٢٦٤/٥٩).

٤٢٨
كتاب الصلاة / باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
يكره، قاله الكمال (و) كما کره (غلق باب المسجد) إلا لخوف علی متاعه، به یفتی.
(و) كره تحريماً (الوطء فوقه، والبول والتغوّط) لأنه مسجد إلى عنان السماء
(واتخاذه طريقاً بغير عذر) وصرح في القنية بفسقه باعتياده (وإدخال نجاسة فيه)
قلت: أي بما تنتفي به المحاذاة عرفاً، ويختلف ذلك في القرب والبعد، فإنه في البعد
لا تنتفي بالارتفاع القليل. والظاهر أنه مع البعد الكثير لا كراهة مطلقاً. تأمل. قوله: (غلق
باب المسجد) الأفصح إغلاق، لما في القاموس: غلق الباب يغلقه لغة ردية في أغلقه ا هـ.
قال في البحر: وإنما كره لأنه يشبه المنع من الصلاة، قال تعالى ﴿ومن أظلم ممن منع
مساجد الله أن يذكر فيها اسمه﴾ ومن هنا يعلم جهل بعض مدرسي زماننا من منعهم من
يدرس في مسجد تقرر في تدريسه، وتمامه فيه. قوله: (إلا لخوف على متاعه) هذا أولى
من التقييد بزماننا، لأن المدار على خوف الضرر، فإن ثبت في زماننا في جميع الأوقات ثبت
كذلك إلا في أوقات الصلاة، أو لا فلا، أو في بعضها ففي بعضها، كذا في الفتح. وفي
العناية: والتدبير في الغلق لأهل المحلة، فإنهم إذا اجتمعوا على رجل وجعلوه متولياً بغير
أمر القاضي يكون متولياً انتهى. بحر ونهر. قوله: (الوطء فوقه) أي الجماع. خزائن أما
الوطء فوقه بالقدم فغير مكروه إلا في الكعبة لغير عذر، لقولهم: بكراهة الصلاة فوقها. ثم
رأيت القهستاني نقل عن المفيد كراهة الصعود على سطح المسجد اهـ. ويلزمه كراهة
الصلاة أيضاً فوقه، فليتأمل. قوله: (لأنه مسجد) علة لكراهة ما ذكر فوقه. قال الزيلعي:
ولهذا يصح اقتداء من على سطح المسجد بمن فيه إذا لم يتقدم على الإمام. ولا يبطل
الاعتكاف بالصعود إليه، ولا يحل للجنب والحائض والنفساء الوقوف عليه؛ ولو حلف لا
يدخل هذه الدار فوقف على سطحها يحنث اهـ. قوله: (إلى عنان السماء) بفتح العين، وكذا
إلى تحت الثرى كما في البيري عن الإسبيجابي. بقي لو جعل الواقف تحته بيتاً للخلاء هل
يجوز كما في مسجد محلة الشحم في دمشق؟ لم أره صريحاً؛ نعم سيأتي متناً في كتاب الوقف
أنه لو جعل تحته سرداباً لمصالحه جاز. تأمل. قوله: (واتخاذه طريقاً) في التعبير بالاتخاذ إيماء
إلى أنه لا يفسق بمرة أو مرتين، ولذا عبر في القنية بالاعتياد. نهر. وفي القنية: دخل
المسجد فلما توسطه ندم، قيل يخرج من باب غير الذي قصده، وقيل يصلي ثم يتخير في
الخروج، وقيل إن كان محدثاً يخرج من حيث دخل إعداماً لما جنى اهـ. قوله: (بغير عذر)
فلو بعذر جاز، ويصلي كل يوم تحية المسجد مرة. بحر على الخلاصة: أي إذا تكرر دخوله
تكفيه التحية مرة. قوله: (بفسقه) يخرج عنه بنية الاعتكاف وإن لم يمكث ط عن الشرنبلالي.
قوله: (وإدخال نجاسة فيه) عبارة الأشباه: وإدخال نجاسة فيه يخاف منها التلويث اهـ.
ومفاده الجواز لو جافّة، لكن في الفتاوى الهندية: لا يدخل المسجد من على بدنه نجاسة.

٤٢٩
کتاب الصلاة / باب ما يفسد الصلاة وما یکره فيها
وعليه (فلا يجوز الاستصباح بدهن نجس فيه) ولا تطيينه بنجس (ولا البول) والفصد (فيه
ولو في إناء) ويحرم إدخال صبيان ومجانين حيث غلب تنجيسهم، وإلا فيكره.
وينبغي لداخله تعاهد نعله وخفه، وصلاته فیهما أفضل (لا) يكره ما ذكر (فوق
بيت) جعل (فيه مسجد) بل ولا فيه، لأنه ليس بمسجد شرعاً.
قوله: (وعليه فلا يجوز الخ) زاد لفظ ((عليه)) إشارة إلى أن ما ذكره من قوله ((فلا يجوز)) ليس
بمصرح به في كتب المتقدمين؛ وإنما بناه العلامة قاسم على ما صرحوا به من عدم جواز
إدخال النجاسة المسجد، وجعله مقيداً لقولهم: إن الدهن النجس يجوز الاستصباح به كما
أفاده في البحر. قوله: (ولا تطيينه بنجس) في الفتاوى الهندية: يكره أن يطين المسجد بطين
قد بل بماء نجس؛ بخلاف السرقين إذا جعل فيه الطين، لأن في ذلك ضرورة، وهو تحصيل
غرض لا يحصل إلا به، كذا في السراجية اهـ. قوله: (والفصد) ذكره في الأشباه بحثاً،
فقال: وأما الفصد فيه في إناء فلم أره، وينبغي أن لا فرق ا هـ: أي لا فرق بينه وبين البول،
وكذا لا يخرج فيه الريح من الدبر كما في الأشباه.
واختلف فيه السلف؛ فقيل لا بأس، وقيل يخرج إذا احتاج إليه، وهو الأصح. حموي
عن شرح الجامع الصغير للتمرتاشي. قوله: (ويحرم الخ) لما أخرجه المنذري مرفوعاً
(جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُم صبْيَانَكُمْ وَعَجَانِينَكُم، وَبَيعَكُمْ وشِرَاءَكُم، وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُم، وَسَلّ
سِيُوفِكُم، وَإِقَامَة حُدُودِكُم، وَجمِّرُوهَا فِي الجُمَعِ، وَاجْعَلُوا عَلَى أَبْوَابِهِاِ الْمَطَاهِرَ(١)) بحر.
والمطاهر جمع مطهرة بكسر الميم، والفتح لغة: وهو كل إناء يتطهر به كما في
المصباح، والمراد بالحرمة كراهة التحريم لظنية الدليل. وأما قوله تعالى ﴿أن طهرا بيتي
للطائفين﴾ الآية فيحتمل الطهارة من أعمال أهل الشرك. تأمل. وعليه فقوله ((وإلا فيكره))
أي تنزيهاً. تأمل. قوله: (وصلائه فيهما) أي في النعل والخف الطاهرين أفضل مخالفة
لليهود، تاترخانية. وفي الحديث ((صَلُّوا فِي نِعَاَلِكُمْ، ولَا تَشَّبَهُوا بِأَلَيَهودِ)) رواه الطبراني كما
في الجامع الصغير رامزاً لصحته. وأخذ منه جمع من الحنابلة أنه سنة، ولو كان يمشي بها في
الشوارع، لأن النبي # وصحبه كانوا يمشون بها في طرق المدينة ثم يصلون بها.
قلت: لكن إذا خشي تلويث فرش المسجد بها ينبغي عدمه وإن كانت طاهرة. وأما
المسجد النبوي فقد كان مفروشاً بالحصا في زمنه * بخلافه في زماننا، ولعل ذلك محمل
ما في عمدة المفتي من ((أن دخول المسجد متنعلاً من سوء الأدب)) تأمل. قوله: (لا یکره ما
ذكر) أي من الوطء والبول والتغوّط نهز. قوله: (فوق بيت الخ) أي فوق مسجد البيت: أي
(١) أخرجه بنحوه ابن ماجة (٧٥٠) والطبراني في الكبير ١٥٦/٨ وعبد الرزاق (١٧٢٧، ١٧٢٨) وابن أبي شيبة ١٠/ ٤٤
والعقيلي في الضعفاء ٣٤٨/٣ وانظر نصب الراية ٤٩٢/٢ .

٤٣٠
كتاب الصلاة / باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
(و) أما (المتخذ لصلاة جنازة أو عيد) فهو (مسجد في حق جواز الاقتداء) وإن
انفصل الصفوف رفقاً بالناس (لا في حق غيره) به يفتى. نهاية (فحل دخوله لجنب
وحائض) كفناء مسجد ورباط ومدرسة ومساجد حياض وأسواق لا قوارع.
١
(ولا بأس بنقشه خلا محرابه) فإنه یکره،
موضع أعد للسنن والنوافل، بأن يتخذ له محراب وينظف ويطيب كما أمر به والخير، فهذا
مندوب لكل مسلم، كما في الكرماني وغيره. قهستاني. فهو كما لو بال على سطح بيت
فيه مصحف، وذلك لا يكره كما في جامع البرهاني. معراج. قوله: (به يفتى نهاية) عبارة
النهاية: والمختار للفتوى أنه مسجد في حق جواز الاقتداء الخ، لكن قال في البحر: ظاهره
أنه يجوز الوطء والبول والتخلي فيه، ولا يخفى ما فيه، فإن الباني لم يعده لذلك فينبغي أن لا
يجوز وإن حكمنا بكونه غير مسجد، وإنما تظهر فائدته في حق بقية الأحكام، وحل دخوله
للجنب والحائض اهـ. ومقابل هذا المختار ما صححه في المحيط في مصلى الجنازة أنه
ليس له حكم المسجد أصلاً، وما صححه تاج الشريعة أن مصلى العيد له حكم المساجد،
وتمامه في الشرنبلالية. قوله: (کفناء مسجد) هو المکان المتصل به لیس بينه وبينه طریق،
فهو کالمتخذ لصلاة جنازة أو عید فیما ذکر من جواز الاقتداء وحل دخوله لجنب ونحوه كما
في آخر شرح المنية. قوله: (ورباط) هو ما يبنى لسكنى فقراء الصوفية، ويسمى الخانقاه
والتكية. رحمتي. قوله: (ومدرسة) ما يبنى لسكنى طلبة العلم ويجعل لها مدرس ومكان
للدرس، لكن إذا كان فيها مسجد فحكمه كغيره من المساجد. ففي وقف القنية: المساجد
التي فيها المدارس مساجد لأنهم لا يمنعون الناس من الصلاة فيها، وإذا أغلقت يكون فيها
جماعة من أهلها اهـ. وفي الخانية: دار فيها مسجد لا يمنعون الناس من الصلاة فيه، إن
كانت الدار لو أغلقت كان له جماعة ممن فيها فهو مسجد جماعة تثبت له أحكام المسجد من
حرمة البيع والدخول، وإلا فلا، وإن كانوا لا يمنعون الناس من الصلاة فيه اهـ. قوله:
(ومساجد حياض) مسجد الحوض مصطبة يجعلونها بجنب الحوض، حتى إذا توضأ أحد من
الحوض صلى فيها ا هـح. قوله: (وأسواق) أي غير نافذة يجعلون مصطبة للصلاة فيها ح
وذلك كالتي تجعل في خان التجار. قوله: (قوارع) أي فإنها ليست كالمذكورات. قال في
أواخر شرح المنية: والمساجد التي على قوارع الطرق ليس لها جماعة راتبة في حكم
المسجد، لکن لا یعتکف فیھا ا هـ.
مَطْلَبُ: كَلِمَةُ (لَابَأْسَ) دَلِيلٌ عَلَى الْمُسْتَحَبُ غَيرِهُ، لأَنَّ الْبَّأْسَ الشِّدَّةُ
قوله: (ولا بأس الخ) في هذا التعبير كما قال شمس الأئمة: إشارة إلى أنه لا يؤجر،
ويكفيه أن ينجو رأساً برأس اهـ. قال في النهاية: لأن لفظ لا بأس دليل على أن المستحب

٤٣١
كتاب الصلاة / باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
لأنه يلهي المصلي. ويكره التكلف بدقائق النقوش ونحوها خصوصاً في جدار القبلة.
قاله الحلبي. وفي حظر المجتبى: وقيل يكره في المحراب دون السقف والمؤخر
انتهى. وظاهره أن المراد بالمحراب جدار القبلة، فليحفظ (بجص وماء ذهب) لو
(بماله) الحلال (لا من مال الوقف) فإنه حرام (وضمن متوليه لو فعل) النقش أو
البياض، إلا إذا خيف طمع الظلمة فلا بأس به. كافي، وإلا إذا كان لإحكام البناء، أو
الواقف فعل مثله لقولهم: إنه يعمر الوقف كما كان، وتمامه في البحر.
فروع أفضل المساجد مكة، ثم المدینة،
غيره؛ لأن البأس الشدة اهـ. ولهذا قال فى حظر الهندية عن المضمرات: والصرف إلى
الفقراء أفضل، وعليه الفتوى اهـ. وقيل يكره لقوله: ﴿((إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تُزَيَّنَ
المَسَاجِدُ)) الحديث. وقيل يستحب، لما فيه من تعظيم المسجد. قوله: (لأنه يلهي
المصلي) أي فيخل بخشوعه من النظر إلى موضع سجوده ونحوه؛ وقد صرح في البدائع في
مستحبات الصلاة أنه ينبغي الخشوع فيها، ويكون منتهى بصره إلى موضع سجوده الخ،
وكذا صرح في الأشباه أن الخشوع في الصلاة مستحب. والظاهر من هذا أن الكراهة هنا
تنزيهية، فافهم. قوله: (ويكره التكلف الخ) تخصيص لما في المتن من نفي البأس بالنقش،
ولهذا قال في الفتح: وعندنا لا بأس به، ومحمل الكراهة التكلف بدقائق النقوش ونحوه
خصوصاً في المحراب ١ هـ فافهم. قوله: (ونحوها) كأخشاب ثمينة وبياض بنحو
سبيداج ا هـ ط. قوله: (وظاهره الخ) أي ظاهر التعليل بأنه يلهي، وكذا إخراج السقف
والمؤخر، فإن سببه عدم الإلهاء، فيفيد أن المكروه جدار القبلة بتمامه، لأن علة الإلهاء لا
تخص الإمام، بل بقية أهل الصف الأول كذلك، ولذا قال في الفتاوى الهندية: وكره بعض
مشايخنا النقش على المحراب وحائط القبلة لأنه يشغل قلب المصلي اهـ. ومثله يقال في
حائط الميمنة أو الميسرة لأنه يلهي القريب منه. قوله: (لو بماله الحلال) قال تاج الشريعة:
أما لو أنفق في ذلك مالاً خبيثاً ومالاً سببه الخبيث والطيب فيكره، لأن الله تعالى لا يقبل إلا
الطيب، فيكره تلويث بيته بما لا يقبله ا هـ شرنيلالية. قوله: (إلا إذا خيف الخ) أي بأن
اجتمعت عنده أموال المسجد وهو مستغن عن العبارة، وإلا فيضمنها كما في القهستاني عن
النهاية. قوله: (وتمامه في البحر) حيث قال: وقيدوا بالمسجد، إذ نقش غيره موجب
للضمان، إلا إذا كان معداً للاستغلال تزيد الأجرة به فلا بأس به، وأرادوا من المسجد داخله
فيفيد أن تزيين خارجه مكروه؛ وأما من مال الوقف فلا شك أنه لا يجوز للمتولي فعله مطلقاً
لعدم الفائدة فیه، خصوصاً إذا قصد به حرمان أرباب الوظائف کما شاهدناه في زماننا.
مَطْلَبٌ: فِي أَفْضَلِ المَسَاجِدِ
قوله: (أفضل المساجد مكة) أي مسجد مكة، وكذا ما بعده إلى قوله: ((الأقدم)ح.

٤٣٢
کتاب الصلاة / باب ما يفسد الصلاة وما یکره فيها
ثم القدس، ثم قبا، ثم الأقدم، ثم الأعظم؛ ثم الأقرب، ومسجد أستاذه لدرسه أو
لسماع الأخبار.
وفي تسهيل المقاصد للعلامة أحمد بن العماد أن أفضل مساجد الأرض الكعبة لأنه أول بيت
وضع للناس، ثم المسجد المحيط بها لأنه أقدم مسجد بمكة، ثم مسجد المدينة، لقوله وَلقول
(صَلَةٌ فِي مَسْجِدِيٍ هَذَا تعْدِلُ أَلْفَ صَلَةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلا المَسْجِدَ الحَرَامَ» حموي ملخصاً.
وفي البيري: واختلف في المراد في المسجد الحرام الذي فيه المضاعفة المذكورة:
فقيل بقاع الحرام، وقيل الكعبة وما في الحجر من البيت، وقيل الكعبة وما حولها من
المسجد؛ وجزم به النووي وقال: إنه الظاهر. وقال الشيخ ولي الدين العراقي: ولا يختص
التضعيف بالمسجد الذي كان في زمنه 183، بل يشمل جميع ما زيد فيه، بل المشهور عند
أصحابنا أنه يعم جميع مكة، بل جميع حرمها الذي يحرم صيده كما صححه النووي. انتهى ما
أفاده شيخ مشايخنا محمد بن ظهيرة القرشي الحنفي المكي ا هـ ملخصاً.
تنبيه: هذه المضاعفة خاصة بالفرض لقوله﴿((صَلَةُ أَحَدِكُمْ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ
صَلَائِهِ فِي مَسْجِدِي هَذَا إلَّ المَكْتُوبَةَ)) وإلا وقع التعارض بينه وبين الحديث الأول، كذا
حكاه ابن رشد المالكي في القواعد عن أبي حنيفة كما في الحلية عن غاية السروجي،
وتمامه فيها. قوله: (ثم القدس) لأنه أحد المساجد الثلاثة التي لا تشدّ الرحال إلا إليها،
والمنصوص على المضاعفة فيها. قوله: (ثم قبا) بالقصر والمد منصرف وغير منصرف،
والقاف مضمومة ط لأنه المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم. قوله: (ثم الأقدم ثم
الأعظم) كذا في الحلية عن الأجناس. والذي في البحر بعد القدس: ثم الجوامع، ثم
مساجد المحال، ثم مساجد الشوارع لأنها أخف رتبة لأنه لا يعتكف فيها إذا لم يكن لها إمام
معلوم ومؤذن، ثم مساجد البيوت لأنه لا يجوز الاعتكاف فيها إلا للنساء اهـ. وفي
القهستاني: مساجد الشوارع هي التي بنيت في الصحارى مما ليس لها مؤذن وإمام راتبان كما
في الجلابي اهـ.
والحاصل أن بعد القدس الجوامع: أي المساجد الكبيرة الجامعة للجماعة الكثيرة،
لكن الأقدم منها أفضل كمسجد قبا، ثم الأعظم: أي الأكثر جماعة، ثم الأقرب فالأقرب.
وفي آخر شرح المنية بعد نقله ما مر عن الأجناس: ثم الأقدم أفضل لسبقه حكماً، إلا إذا
كان الحادث أقرب إلى بيته فإنه أفضل حينئذ لسبقه حقيقة وحكماً، كذا في الواقعات. وذكر
في الخانية ومنية المفتي وغيرهما أن الأقدم أفضل، فإن استويا في القدم فالأقرب؛ ولو
استويا فيهما وقوم أحدهما أكثر، فإن كان فقيهاً يقتدى به يذهب للأقل جماعة تكثيراً لها بسببه
. وإلا تخير. والأفضل اختيار الذي إمامه أفقه وأصلح، ومسجد حيه وإن قل جمعه أفضل من
الجامع وإن کثر جمعه ا ھ ملخصاً.

٤٣٣
كتاب الصلاة / باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
أفضل اتفاقاً؛ ومسجد حيه أفضل من الجامع. والصحيح أن ما ألحق بمسجد
المدينة ملحق به في الفضيلة؛ نعم تحري الأول أولى، وهو مائة في مائة ذراع، ذكره
منلا علي في شرح لباب المناسك.
ويحرم فيه السؤال، ويكره الإعطاء مطلقاً، وقيل: إن تخطى، وإنشاد ضالة، أو
شعر إلا ما فيه ذكر،
وحاصله أن في تقديم الأقدم على الأقرب خلافاً، لكن عبارة الخانية هكذا: وإذا كان
في منزله مسجدان يذهب إلى ما كان أقدم الخ. وظاهره أن هذا التفصيل في مسجد الحيّ.
تأمل. قوله: (أفضل اتفاقاً) أي من الأقدم وما بعده لإحرازه فضيلتي الصلاة والسماع ط.
قوله: (ومسجد حيه أفضل من الجامع) أي الذي جماعته أكثر من مسجد الحي، وهذا أحد
قولين حكاهما في القنية، والثاني العكس؛ وما هنا جزم به في شرح المنية كما مر، وكذا في
المصفى والخانية، بل في الخانية: لو لم يكن لمسجد منزله مؤذن فإنه يذهب إليه ويؤذن
فيه ويصلي ولو كان وحده لأن له حقاً عليه فيؤديه. قوله: (والصحيح الخ) قدمنا الكلام
مستوفى على هذه المسألة في شروط الصلاة قبيل بحث القبلة، فراجعه. قوله: (وقيل إن
تخطى) هو الذي اقتصر عليه الشارح في الحظر حيث قال: ((فرع يكره إعطاء سائل المسجد
إلا إذا لم يتخطّ رقاب الناس)) في المختار، لأن علياً تصدق بخاتمه في الصلاة فمدحه الله
تعالى بقوله ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة ٥٦] ط. قوله: (وإنشاد ضالة) هي
الشيء الضائع وإنشادها السؤال عنها. وفي الحديث ((إذا رأيتم من ينشد ضالة في المسجد
فقولوا لا ردّها الله عليك)).
مَطْلَبٌ: فِي إِنْشَادِ الشِّغْرِ
٠
قوله: (أو شعر الخ) قال في الضياء المعنوي: العشرون: أي من آفات اللسان
الشعر، سئل عنه وَ﴿ فقال: ((كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح)) ومعناه أن الشعر كالنثر يحمد
حين يحمد، ويذم حين يذم. ولا بأس باستماع نشيد الأعراب، وهو إنشاد الشعر من غير
لحن.
ويحرم هجو مسلم ولو بما فيه، قال ◌َ﴿((لأَنْ يَمْتَلِىْ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحاً خَيْ لَهُ مِنْ
أَنْ يَمْتَلِئْ شِعْراً» فما كان منه في الوعظ والحكم وذكر نعم الله تعالى وصفة المتقين فهو
حسن، وما كان من ذكر الأطلال والأزمان والأمم فمباح، وما كان من هجو وسخف
فحرام، وما كان من وصف الخدود والقدود والشعور فمكروه، كذا فصله أبو الليث
السمرقندي، ومن كثر إنشاده وإنشاؤه حين تنزل به مهماته ويجعله مكسبة له تنقص مروءته
وتردّ شهادته اهـ. وقدمنا بقية الكلام على ذلك في صدر الكتاب قبل رسم المفتي.

٤٣٤
كتاب الصلاة / باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
ورفع صوت بذكر، إلا للمتفقهة، والوضوء فيما أعد لذلك، وغرس الأشجار إلا لنفع
کتقلیل نزّ، وتكون للمسجد،
هذا، وقد أخرج الإمام الطحاوي في [شرح مجمع الآثار] أنه والتر نهى أن تنشد الأشعار
في المسجد، وأن تباع فيه السلع، وأن يتحلق فيه قبل الصلاة، ثم وفق بينه وبين ما ورد
أنه وَ﴿ وضع لحسان منبراً ينشد عليه الشعر، بحمل الأول على ما كانت قريش تهجوه به
ونحوه مما فيه ضرر، أو على ما يغلب على المسجدحتى يكون أكثر من فيه متشاغلاً به.
قال: وكذلك النهي عن البيع فيه هو الذي يغلب عليه حتى يكون كالسوق، لأنه وَّولم ينه
علياً عن خصف النعل فيه، مع أنه لو اجتمع الناس لخصف النعال فيه كره؛ فكذلك البيع
وإنشاد الشعر، والتحلق قبل الصلاة، فما غلب عليه كره، وما لا فلا اهـ.
مَطْلَبٌ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ
قوله: (ورفع صوت بذكر الخ) أقول: اضطرب كلام صاحب البزازية في ذلك؛ فتارة
قال: إنه حرام، وتارة قال: إنه جائز، وفي الفتاوى الخيرية من الكراهية والاستحسان: جاء
في الحديث ما اقتضى طلب الجهر به نحو ((وإن ذكرني في ملا ذكرته في ملا خير منهم)
رواه الشيخان. وهناك أحاديث اقتضت طلب الإسرار، والجمع بينهما بأن ذلك يختلف
باختلاف الأشخاص والأحوال، كما جمع بذلك بين أحاديث الجهر والإخفاء بالقراءة. ولا
يعارض ذلك حديث ((خير الذكر الخفي)) لأنه حيث خيف الرياء أو تأذى المصلين أو النیام،
فإن خلا مما ذكر؛ فقال بعض أهل العلم: إن الجهر أفضل، لأنه أكثر عملاً، ولتعدي فائدته
إلى السامعين، ويوقظ قلب الذاكر فيجمع همه إلى الفكر، ويصرف سمعه إليه، ويطرد
النوم، ويزيد النشاط ١ هـ ملخصاً، وتمام الكلام هناك فراجعه. وفي حاشية الحموي عن
الإمام الشعراني: أجمع العلماء سلفاً وخلفاً على استحباب ذكر الجماعة في المساجد
وغيرها، إلا أن يشوّش جهرهم على نائم أو مصلّ أو قارئ الخ. قوله: (والوضوء) لأن ماءه
مستقذر طبعاً فيجب تنزيه المسجد عنه، كما يجب تنزيهه عن المخاط والبلغم. بدائع. قوله:
(إلا فيما أعدّ لذلك) انظر هل يشترط إعداد ذلك من الواقف أم لا: وفي حاشية المدني عن
الفتاوى العفيفية: ولا يظن أن ما حول بئر زمزم يجوز الوضوء أو الغسل من الجنابة فيه لأن
حريم زمزم يجري عليه حكم المساجد، فيعامل بمعاملتها: من تحريم البصاق، والمكث مع
الجنابة فيه، ومن حصول الاعتكاف فيه، واستحباب تقديم اليمنى، بناء على أن الداخل من
مسجد لمسجد یسن له ذلك ا هـ. قوله: (کتقليل نز) النز: بفتح النون وكسرها وبالزاي
المعجمة، ما يتحلب من الأرض من الماء؛ يقال: نزت الأرض: صارت ذات نزّ، كذا في
الصحاح.

٤٣٥
كتاب الصلاة / باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
وأكل ونوم، إلا لمعتكف وغريب، وأكل نحو ثوم، ويمنع منه؛ وكذا كل مؤذ ولو
مَطْلَبٌ: فِي الْغَرْسِ فِي الْمُسَجِدِ
قال في الخلاصة: غرس الأشجار في المسجد لا بأس به إذا كان فيه نفع للمسجد،
بأن كان المسجد ذا نزّ والأسطوانات لا تستقر بدونها، وبدون هذا لا يجوز ا هـ. وفي الهندية
عن الغرائب: إن کان لنفع الناس بظله، ولا یضیق على الناس، ولا يفرّق الصفوف لا بأس
به، وإن كان لنفع نفسه بورقه أو ثمره أو يفرق الصفوف، أو كان في موضع تقع به المشابهة
بین البيعة والمسجد یکره ا هـ.
هذا، وقد رأيت رسالة للعلامة ابن أمير حاج بخطه متعلقة بغراس المسجد الأقصى
رد فيها على من أفتى بجوازه فيه، أخذاً من قولهم: ((لو غرس شجرة للمسجد فثمرتها
للمسجد، فرد عليه بأنه لا يلزم من ذلك حل الغرس إلا للعذر المذكور، لأن فيه شغل ما
أعد للصلاة ونحوها؛ وإن كان المسجد واسعاً أو كان في الغرس نفع بثمرته، وإلا لزم إيجار
قطعه منه، ولا يجوز إبقاؤه أيضاً، لقوله عليه الصلاة والسلام ((ليس لعرق ظالم حق)) لأن
الظلم وضع الشيء في غير محله، وهذا كذلك الخ ما أطال به. ورأيت في آخر الرسالة بخط
بعض العلماء أنه وافقه على ذلك المحقق ابن أبي شريف الشافعي. قوله: (وأكل ونوم الخ)
وإذا أراد ذلك ينبغي أن ينوي الاعتكاف، فيدخل ويذكر الله تعالى بقدر ما نوى، أو يصلي
ثم يفعل ما شاء. فتاوى هندية. قوله: (وأكل نحو ثوم) أي كبصل ونحوه مما له رائحة كريهة،
للحديث الصحيح في النهي عن قربان آكل الثوم والبصل المسجد. قال الإمام العيني في
شرحه على صحيح البخاري: قلت: علة النهي أذى الملائكة وأذى المسلمین، ولا يختص
بمسجده عليه الصلاة والسلام، بل الكل سواء لرواية «مساجدنا)) بالجمع، خلافاً لمن شذ
ويلحق بما نص عليه في الحديث كل ما له رائحة كريهة مأكولًا أو غيره، وإنما خص الثوم
هنا بالذكر، وفي غيره أيضاً بالبصل والكراث لكثرة أكلهم لها، وكذلك ألحق بعضهم بذلك
من بفيه بخر أو به جرح له رائحة، وكذلك القصاب، والسماك، والمجذوم والأبرص أولى
بالإلحاق. وقال سحنون: لا اری الجمعة علیھما. واحتج بالحديث، وألحق بالحدیث کل
من آذى الناس بلسانه، وبه أفتى ابن عمر وهو أصل في نفي كل من يتأذى به. ولا يبعد أن
يعذر المعذور، بأكل ما له ريح كريهة، لما في صحيح ابن حبان عن المغيرة بن شعبة قال:
(أَنْتَهَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِوَ لَ فَوَجَدَ مِنِّي رِيحَ الثَّوْمِ، فَقَالَ: مَنْ أَكَلَ الثَّوْمَ؟ فَأَخَذْتُ يَدَهُ
فَأَدْخَلْتُهَا فَوَجَدَ صَدْرِي مَعْصُوباً، فَقَالَ: إِنَّ لَكَ عُذْراً)) وفي رواية الطبراني في الأوسط
((اشْتَكَيْتُ صَدْرِي فَأَكَلْتُهُ)) وفيه (فلم يعنفِهِ وَ﴿) وقوله ◌َِّ((وَلَيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ)) صريح في أن
أكل هذه الأشياء عذر في التخلف عن الجماعة. وأيضاً هنا علتان: أذى المسلمين وأذى
الملائكة؛ فبالنظر إلى الأولى يعذر في ترك الجماعة وحضور المسجد، وبالنظر إلى الثانية

٤٣٦
كتاب الصلاة / باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
بلسانه، وكل عقد إلا لمعتكف بشرطه، والكلام المباح؛ وقيده في الظهيرية بأن يجلس
لأجله، لكن في النهر الإطلاق أوجه، وتخصيص مكان لنفسه، وليس له إزعاج غيره منه
يعذر في ترك حضور المسجد ولو كان وحده ا هـ ملخصاً.
أقول: کونه یعذر بذلك ينبغي تقییده بما إذا أکل ذلك بعذر أو أکل ناسیاً قرب دخول
وقت الصلاة، لئلا يكون مباشراً لما يقطعه عن الجماعة بصنعه. قوله: (وكل عقد) الظاهر
أن المراد به عقد مبادلة ليخرج نحو الهبة. تأمل. وصرّح في الأشباه وغيرها بأنه يستحب
عقد النكاح في المسجد، وسيأتي في النكاح. قوله: (بشرطه) وهو أن لا يكون للتجارة،
بل يكون ما يحتاجه لنفسه أو عياله بدون إحضار السلعة. قوله: (بأن يجلس لأجله) فإنه حينئذ
لا يباج بالاتفاق، لأن المسجد ما بني لأمور الدنيا. وفي صلاة الجلابي: الكلام المباح من
حديثٍ الدنيا يجوز في المساجد، وإن كان الأولى أن يشتغل بذكر الله تعالى، كذا في
التمرتاشية هندية. وقال البيري ما نصه: وفي المدارك- ومن الناس من يشتري لهو
الحديث - المراد بالحديث: الحديث المنكر لما جاء ((الحديث في المسجد يأكل الحسنات
كما تأكل البهيمة الحشيش)) انتهى. فقد أفاد أن المنع خاص بالمنكر من القول، أما المباح
فلا. قال في المصفى: الجلوس في المسجد للحديث مأذون شرعاً، لأن أهل الصفة كانوا
يلازمون المسجد، وكانوا ينامون، ويتحدثون، ولهذا لا يحل لأحد منعه، كذا في الجامع
البرهاني.
أقول: يؤخذ من هذا أن الأمر الممنوع منه إذا وجد بعد الدخول بقصد العبادة لا
يتناوله اهـ. قوله: (الإطلاق أوجه) بحث مخالف للمنقول مع ما فيه من شدة الحرج ط.
قوله: (وتخصيص مكان لنفسه) لأنه يخلّ بالخشوع، كذا في القنية: أي لأنه إذا اعتاده ثم
صلى في غيره يبقى باله مشغولاً بالأول، بخلاف ما إذا لم يألف مكاناً معيناً. قوله: (وليس
له الخ) قال في القنية: له في المسجد موضع معين يواظب عليه، وقد شغله غيره. قال
الأوزاعي: له أن يزعجه، وليس له ذلك عندنا ا هـ أي لأن المسجد ليس ملكاً لأحد، بحر
عن النهاية .
قلت: وينبغي تقييده بما إذا لم يقم عنه على نية العود بلا مهلة، كما لو قام للوضوء
مثلاً، ولا سيما إذا وضع فيه ثوبه لتحقق سبق يده تأمل.
مَطْلَبٌ: فِيمَنْ سَبَقَتْ بَدُهُ إِلَى مُبَاحٍ
وفي شرح السير الکبیر للسرخسي : وكذا كل ما یکون المسلمون فيه سواء كالنزول
في الرباطات، والجلوس في المساجد للصلاة، والنزول بمنى أو عرفات للحج، حتى لو
ضرب فسطاطه في مكان كان ينزل فيه غيره فهو أحق، وليس للآخر أن يحوله، فإن أخذ
موضعاً فوق ما يحتاجه فللغير أخذ الزائد منه، فلو طلب ذلك منه رجلان فأراد إعطاء أحدهما

٤٣٧
کتاب الصلاة / باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
ولو مدرساً، وإذا ضاق فللمصلي إزعاج القاعد ولو مشتغلاً بقراءة أو درس، بل ولأهل
المحلة منع من ليس منهم عن الصلاة فيه، ولهم نصب متولّ وجعل المسجدين واحداً
وعكسه لصلاة لا لدرس، أو ذكر في المسجد عظة وقرآن، فاستماع العظة أولى؛ ولا
ينبغي الكتابة على جدرانه، ولا بأس برمي عش خفاش وحمام لتنقيته.
دون الآخر فله ذلك؛ ولو نزل فيه أحدهما فأراد الذي أخذه أولًا وهو غنيّ عنه أن لا ينزل فيه
آخر فلا، لأنه اعترض على يده يد أخرى محقة لاحتياجها، إلا إذا قال: إنما كنت أخذته لهذا
الآخر بأمره لا لنفسي، فإذا حلف على ذلك له إخراجه، لأنه تبين أن يده فيه كانت يداً آمرة
وحاجة الآمر تمنع من إثبات اليد عليه ١ هـ ملخصاً. قال الخير الرملي: ومثل المسجد
مقاعد الأسواق التي يتخذها المحترفون، من سبق لها فهو الأحق بها، وليس لمتخذها أن
يزعجه، إذ لا حق له فيها ما دام فيها، فإذا قام عنها استوى هو وغيره فيها. ومذهب الشافعية
بخلافه كما نصوا عليه في كتبهم اهـ .. والمراد بها التي لا تضرّ العامة، وإلا أزعج القاعد
فيها مطلقاً. قوله: (وإذا ضاق الخ) أقول: وكذا إذا لم يضق، لكن في قعوده قطع للصف.
قوله: (بل ولأهل المحلة الخ) قال في القنية: وكذا لأهل المحلة أن يمنعوا من ليس منهم
عن الصلاة فيه إذا ضاق بهم المسجد ا هـ. قوله: (ولهم نصب متول) أي ولو بلا نصب
قاض كما قدمناه عن العناية. قوله: (لا لدرس أو ذكر) لأنه ما بني لذلك وإن جاز فيه، كذا
في القنية. قوله: (فاستماع العظة أولى) الظاهر أن هذا خاص بمن لا قدرة له على فهم
الآيات القرآنية والتدبر في معانيها الشرعية والاتعاظ بمواعظها الحكمية، إذ لا شك أن من له
قدرة على ذلك يكون استماعه أولى، بل أوجب؛ بخلاف الجاهل، فإنه يفهم من المعلم
والواعظ ما لا يفهمه من القارئ، فكان ذلك أنفع له. قوله: (ولا ينبغي الكتابة على جدرانه)
أي خوفاً من أن تسقط وتوطأ. بحر عن النهاية. قوله: (خفاش) كرمان: الوطواط قاموس.
قوله: (لتنقيته)؛ جواب سؤال حاصله أنه وَ﴿ قال: ((أَقِرُّوا الطَّيَرَ عَلَى مَكَانتَهَا)) (١) فإزالة
العش مخالفة للأمر، فأجاب بأنه للتنقية، وهي مطلوبة، فالحديث مخصوص بغير المساجد
ط .
(١) أخرجه أبو داود (٢٨٣٥) والطيالسي كما في المنحة ١٧٨١ وابن حبان كما في الموارد ١٤٣٢ والطحاوي في المشكل
٣٤٢/١ وأبو نعيم في الحلية ٥٩/٩ والحاكم ٢٣٧/٤، والبيهقي ٩/ ٣١١.

٤٣٨
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
بسم الله الرحمن الرحيم
بَابٌ الوتر والتّوَافِلُ
کل سنة نافلة، ولا عکس (هو فرض عملاً
بِسْمِ اللهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ
بَاب الوِتْرُ وَالتَّوَافِلُ
الوتر بفتح الواو وكسرها: ضد الشفع. والنوافل جمع نافلة. والنفل في اللغة: الزيادة.
وفي الشريعة: زيادة عبادة شرعت لنا لا علينا ط. قوله: (كل سنة نافلة) قدمنا قبل هذا الباب
في آخر المكروهات تقسيم السنة إلى مؤكدة وغيرها، وبسطنا ذلك أيضاً في سنن الوضوء،
والكل يسمى نافلة، لأنه زيادة على الفرض لتكميله، ومراده الاعتذار عن ترك التصريح
بالسنن في الترجمة، مع أن الباب معقود لبيانها أيضاً. قوله: (ولا عكس) أي لغوياً، لأن
الفقيه بمعزل عن النظر إلى القواعد المنطقية، فالمراد: وليس كل نافلة سنة، فإن كل صلاة
لم تطلب بعينها نافلة، وليست بسنة، بخلاف ما طلبت بعينها كصلاة الليل والضحى مثلاً،
فافهم. قوله: (هو فرض عملاً) أي يفترض عمله: أي فعله، بمعنى أنه يعامل معاملة
الفرائض في العمل، فيأثم بتركه ويفوت الجواز بفوته، ويجب ترتيبه وقضاؤه، ونحو ذلك؛
فقوله: ((عملًا)) تمييز محوّل عن الفاعل.
مَطْلَبٌ فِي الفَرْضِ العِلْمِيِّ وَالعَمَلِيِّ وَالوَاجِبٍ
واعلم أن الفرض نوعان: فرض عملاً وعلماً، وفرض عملً فقط. فالأول كالصلوات
الخمس، فإنها فرض من جهة العمل، لا يحل تركها ويفوت الجواز بفوتها؛ بمعنى أنه لو ترك
واحدة منها لا يصح فعل ما بعدها قبل قضاء المتروكة. وفرض من جهة العلم والاعتقاد؛
بمعنى أنه يفترض عليه اعتقادها حتى يكفر بإنكارها. والثاني كالوتر فإنه فرض عملاً، كما
ذكرناه وليس بفرض علماً: أي لا يفترض اعتقاده، حتى أنه لا يكفر منكره لظنية دليله وشبهة
الاختلاف فيه، ولذا يسمى واجباً؛ ونظيره مسح ربع الرأس، فإن الدليل القطعي أفاد أصل
المسح. وأما كونه قدر الربع فإنه ظني، لكنه قام عند المجتهد ما رجح دليله الظني حتى
صار قريباً من القطعي فسماه فرضاً: أي عملياً، بمعنى أنه يلزم عمله، حتى لو تركه ومسح
شعرة مثلاً يفوت الجواز به وليس فرضاً علماً، حتى لو أنكره لا يكفر، بخلاف ما لو أنكر
أصل المسح.
وبه علم أن الواجب نوعان أيضاً، لأنه كما يطلق على هذا الفرض الغير القطعي،
يطلق على ما هو دونه في العمل وفوق السنة، وهو ما لا يفوت الجواز بفوته، كقراءة
الفاتحة، وقنوت الوتر، وتكبيرات العيدين، وأكثر الواجبات من كل ما يجبر بسجود السهو.

٤٣٩
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
وواجب اعتقاداً وسنة ثبوتاً) بهذا وفقوا بين الروايات، وعليه (فلا يكفر) بضم فسكون:
أي لا ينسب إلى الكفر (جاحده وتذكره في الفجر
وقد يطلق الواجب أيضاً على الفرض القطعي كما قدمناه عن التلويح في بحث فرائض
الوضوء، فراجعه. قوله: (وواجب اعتقاداً) أي يجب اعتقاده، وظاهر كلامهم أنه يجب اعتقاد
وجوبه، إذ لو لم يجب عليه اعتقاد وجوبه لما أمكن إيجاب فعله، لأنه لا يجب فعل ما لا
يعتقده واجباً، ولذا أشكل قولهما بسنيته ووجوب قضائه، كما يأتي. ويدل عليه أيضاً قول
الأصوليين في الواجب: إن حكمه اللزوم عملاً لا علماً على اليقين؛ فقولهم على اليقين
يفيد أن حكمه اللزوم عملاً وعلماً على الظن، فيلزمه أن يعلم ظنيته: أي أنه واجب وإلا لغا
قولهم على اليقين، وحينئذ فيشكل قول الزيلعي ((إن اعتقاد الوجوب ليس بواجب على
الحنفي) إلا أن يجاب بأن المراد ليس بفرض، حتى لو لم يعتقد وجوبه لا يكفر، لأن
الوجوب يطلق بمعنى الفرض أيضاً كما مر، فليتأمل. قوله: (وسنة ثبوتاً) أي ثبوته علم من
جهة السنة لا القرآن، وهي قوله وَ﴿ ((الوتْرُ حَقُّ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنِّي، قَالَهُ ثَلَاثاً) رواه
أبو داود والحاكم وصححه (١)، وقوله وَّه((أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا)) رواه مسلم(٢)، والأمر
للوجوب، وتمامه في شرح المنية. قوله: (بين الروايات) أي الثلاث المروية عن أبي
حنيفة، فإنه روي عنه أنه فرض، وأنه واجب، وأنه سنة، والتوفيق أولى من التفريق، فرجع
الكل إلى الوجوب الذي مشى عليه في الكنز وغيره. قال في البحر: وهو آخر أقوال الإمام،
وهو الصحيح. محيط، والأصح. خانية، وهو الظاهر من مذهبه. مبسوط اهـ. ثم قال: وأما
عندهما فسنة عملاً واعتقاداً ودليلاً، لكنها آكد سائر السنن المؤقتة. قوله: (وعليه الخ) أي
على ما ذكر من التوفيق؛ فإنه لو حملت رواية الفرض على ظاهرها لزم إكفار جاحده؛ ولو
حملت رواية الواجب على ظاهرها، وهو كون المراد بالواجب ما يتبادر منه، وهو ما لا يفوت
الجواز بفوته، ولا يعامل معاملة الفرض، لزم أن لا يفسد الفجر بتذکره ولا عکسه، ولو
حملت رواية السنة على ظاهرها لزم أن لا يقضي، وأن يصح قاعداً وراكباً؛ ففي تفريع
المصنف لف ونشر مرتب، فافهم. قوله: (فلا يكفر جاحده) أي جاحد أصل الوتر اتفاقاً،
لأن عدم الإكفار لازم السنية والوجوب، كما صرح به في فتح القدير ح.
قلت: والمراد الجحود مع رسوخ الأدب، كأن يكون لشبهة دليل أو نوع تأويل، فلا
ينافيه ما يأتي من أنه لو ترك السنن فإن رآها حقاً أثم، وإلا كفر، لأنهم عللوه بأنه ترك
(١) أخرجه أبو داود (١٤١٩) والبيهقي في السنن وابن أبي شيبة في المصنف ٢/ ٢٩٧ وابن عدي الكامل ١٢٥٢/٣
والحاكم ٣٠٣.٣٠٢/١.
(٢) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين (١٦٢) والترمذي (٤٦٩) والنسائي ٢٣١/٣ وابن ماجه ١١٨٩ وأحمد في المسند
٣٧/٣ والبيهقي ٤٧٨/٢ والحاكم ٣٨١/١ وعبد الرزاق في المصنف ٤٥٨٩.

٤٤٠
، كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
مفسد له، کعكسه) بشرطه خلافاً لهما (و) لكنه (يقضي)
استخفافاً، كما عزاه في البحر إلى التجنيس والنوازل والمحيط، ولقوله في شرح المنية:
ولا يكفر جاحده إلا إن استخف، ولم يره حقاً على المعنى الذي مر في السنن اهـ. وأراد
بما مر، هو أن يقول: هذا فعل النبي ◌َ ﴿ وأنا لا أفعله.
مَطْلَبٌ فِي مُنْكِرِ الوِثْرِ وَالسُّنَنِ أَوِ الإِجْمَاعِ
ثم اعلم أنه قال في الأشباه: ويكفر بإنكار أصل الوتر والأضحية اهـ. ومثله في
القنية. ومفهومه أن المراد هنا جحود وجوبه، ويؤيده تعليل الزيلعي بثبوته بخبر الواحد،
فإن الثابت بخبر الواحد وجوبه لا أصل مشروعيته، بل هي ثابتة بإجماع الأمة، ومعلومة من
الدين ضرورة.
وقد صرح بعض المحققين من الشافعية بأن من أنكر مشروعية السنن الراتبة أو صلاة
العيدين يكفر لأنها معلومة من الدين بالضرورة، وسيأتي في سنن الفجر أنه يخشى الكفر على
منکرها.
قلت: ولعل المراد الإنكار بنوع تأويل، وإلا فلا خلاف في مشروعيتها. وقد صرح
في التحرير في باب الإجماع بأن منكر حكم الإجماع القطعي يكفر عند الحنفية وطائفة.
وقالت طائفة: لا؛ وصرح أيضاً بأن ما كان من ضروريات الدين، وهو ما يعرف الخواص
والعوام أنه من الدين كوجوب اعتقاد التوحيد والرسالة والصلوات الخمس وأخواتها، يكفر
منكره، وما لا فلا؛ كفساد الحج بالوطء قبل الوقوف، وإعطاء السدس الجدة ونحوه: أي
مما لا يعرف كونه من الدين إلا الخواص.
ولا شبهة أن ما نحن فيه من مشروعية الوتر ونحوه يعلم الخواص والعوام أنها من
الدين بالضرورة، فينبغي الجزم بتكفير منكرها ما لم يكن عن تأويل؛ بخلاف تركها، فإنه إن
كان عن استخفاف كما مر يكفر، وإلا بأن يكون کسلًاً أو فسقاً بلا استخفاف فلا. هذا ما ظهر
لي، والله أعلم. قوله: (مفسد له) أي للفجر والفجر غير قيد، بل هو مثال. قوله:
(کعکسه) وهو تذکر الفرض فیه ح. قوله: (بشرطه) وهو عدم ضيق الوقت وعدم صيرورتها
ستاً، وأما عدم النسيان فلا يصح هنا، لأن فرض المسألة فيما إذا تذكره في الفجر، أو تذكر
الفجر فيه. رحمتي فافهم. قوله: (خلافاً لهما) فلا يحكمان بالفساد، لأنه سنة عندهما ط.
قوله: (ولكنه يقضي) لا وجه للاستدراك على قول الإمام، وإنما أتى به نظراً إلى قوله:
((اتفاقاً)) بعد حكايته الخلاف فيما قبله: أي أنه يقضي وجوباً اتفاقاً؛ أما عنده فظاهر؛ وأما
عندهما وهو ظاهر الرواية عنهما، فلقوله عليه الصلاة والسلام ((مَنْ نَامَ عَنْ وِتْرٍ أَوْ نَسِيَهُ