النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١
کتاب الصلاة / باب ما يفسد الصلاة وما یکره فيها
ولو كان فرجة فللداخل أن يمرّ على رقبة من لم يسدها، لأنه أسقط حرمة نفسه، فتنبه
(ويغرز) ندباً. بدائع (الإمام) وكذا المنفرد (في الصحراء) ونحوها (سترة بقدر ذراع)
سبلت على الأرض وسترته. تأمل قوله: (ولو كان فرجة الخ) كان تامة وفرجة فاعلها. قال
في القنية: قام في آخر الصف في المسجد بينه وبين الصفوف مواضع خالية، فللداخل أن
يمر بين يديه ليصل الصفوف لأنه أسقط حرمة نفسه فلا يأثم المار بين يديه، دل عليه ما ذكر
في الفردوس برواية ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي ولو أنه قال: ((من نظر إلى
فرجة في صف فليسدها بنفسه، فإن لم يفعل فمرّ مار فليتخطّ على رقبته فإنه لا حرمة له)) أي
فليتخط المار على رقبة من لم يسد الفرجة ا هـ.
قلت: وليس المراد بالتخطي الوطء على رقبته لأنه قد يؤدي إلى قتله ولا يجوز، بل
المراد أن يخطو من فوق رقبته، وإذا كان له ذلك فله أن يمر من بين يديه بالأولى، فافهم. ثم
هذه المسألة بمنزلة الاستثناء من قوله: ((وإن أثم المار)) وقد علمت التفصيل المار، ويستثنى
أيضاً ما قدمناه من داخل الكعبة وخلف المقام وحاشية المطاف.
تتمة: في غريب الرواية: النهر الكبير ليس بسترة(١)، وكذا الحوض الكبير والبئر
سترة أراد المرور بین یدي المصلي، فإن کان معه شيء یضعه بين يديه ثم يمر ویأخذه؛ ولو
مر اثنان يقوم أحدهما أمامه ويمر الآخر ويفعل الآخر، هكذا يمران، وإن معه دابة فمر راكباً
أثم، وإن نزل وتستر بالدابة ومر لم يأثم، ولو مر رجلان متحاذيين فالذي يلي المصلي هو
الآثم. قنية.
أقول: وإذا كان معه عصاً لا تقف على الأرض بنفسها فأمسكها بيده ومر من خلفها
هل يكفي ذلك؟ لم أره. قوله: (ندباً) لحديث ((إذا صلى أحدكم فليصلّ إلى سترة، ولا يدع
أحداً يمر بين يديه (٢)) رواه الحاكم وأحمد وغيرهما، وصرح في المنية بكراهة تركها، وهي
تنزيهية. والصارف للأمر عن حقيقته ما رواه أبو داود عن الفضل والعباس ((رَأَيْنَا النَّبي صلى
الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي بَادِيَةٍ لَنَا يُصَلِّي فِي صَحْرَاءَ لَيْسَ بَيْنْ يَدَيه سُتْرةً) وما رواه أحمد ((أن ابن
عباس صلى في فضاء ليس بين يديه شيء) كما في الشرنبلالية. قوله: (وكذا المنفرد) أما
المقتدي فسترة الإمام تكفيه كما يأتي. قوله: (نحوها) أي من كل موضع يخاف فيه المرور.
(١) في ط (قوله ليس بسترة) الظاهر أن هذا مفروض فيما إذا كان في مسجد صغير، أما في المسجد الكبير أو الصحراء
فهو وإن لم يكن سترة لكن المكروه هو المرور في موضع سجوده أو قريباً منه، ومن مر خلف النهر الكبير أو
الصحراء فهو وإن لم يكن سترة لكن المكروه هو المرور في موضع سجوده أو قريباً منه ومن مر خلف النهر الكبير
يكون بعيداً من المصلي.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٢٧٩/١ وأبو داود (٦٩٨ و٦٩٩) وعبد الرزاق (٢٣٠٣) والبيهقي ٢٦٧/٢ وابن
ماجة (٩٥٤) وابن خزيمة ٨٠٣، والحاكم ١/ ٢٥١.
٤٠٢
كتاب الصلاة / باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
طولًا (وغلظ أصبع) لتبدو للناظر (بقربه) دون ثلاثة أذرع (على) حذاء (أحد حاجبيه) لا
بين عينيه والأيمن أفضل (ولا يكفي الوضع ولا الخط) وقيل يكفي فيخط طولًا، وقيل
قال في البحر عن الحلية: إنما قيد بالصحراء لأنها المحل الذي يقع فيه المرور غالباً، وإلا
فالظاهر كراهة ترك السترة فيما يخاف فيه المرور، أي موضع كان ا هـ قوله: (بقدر ذراع)
بيان لأقلها ط. والظاهر أن المراد به ذراع اليد كما صرح به الشافعية، وهو شبران. قوله:
(وغلظ أصبع) كذا في الهداية، لكن جعل في البدائع بيان الغلظ قولاً ضعيفاً، وأنه لا اعتبار
بالعرض. وظاهره أنه المذهب. بحر. ويؤيده ما رواه الحاكم وقال على شرط مسلم،
أنه ﴿ قال: ((يجزي مِنَ السُّتْرةِ قَدْرُ مُؤخَّرَةِ الرَّحْلِ وَلَوْ بِدٌقَّةِ شَعْرَةٍ» (١) ومؤخرة بضم الميم
وهمزة ساكنة وكسر الخاء المعجمة: العود الذي في آخر رحل البعير كما في الحلية. قوله:
(بقربه) متعلق بقوله: ((يغرز)) أو بمحذوف: صفة لسترة أو حال منها. قوله: (دون ثلاثة
أذرع) الأولى أن يبدل ((دون)) بـ ((قدر))، لما في البحر عن الحلية: السنة أن لا يزيد ما بينه
وبينها على ثلاثة أذرع ط. بقي هل هذا شرط لتحصيل سنة الصلاة إلى السترة، حتى لو زاد
على ثلاثة أذرع تكون صلاته إلى غير سترة أم هو سنة مستقلة، لم أره. قوله: (والأيمن
أفضل) صرح به الزيلعي. قوله: (ولا يكفي الوضع) أي وضع السترة على الأرض إذا لم
يكن غرزها، وهذا ما اختاره في الهداية، ونسبه في [غاية البيان] إلى أبي حنيفة ومحمد،
وصححه جماعة منهم قاضيخان معللاً بأنه لا يفيد المقصود. بحر. قوله: (ولا الخط) أي
الخط في الأرض إذا لم يجد ما يتخذه سترة، وهذا على إحدى الروايتين أنه ليس بمسنون،
ومشى عليه كثير من المشايخ، واختاره في الهداية، لأنه لا يحصل به المقصود إذ لا يظهر من
بعيد. قوله: (وقيل يكفي) أي كل من الوضع والخط: أي يحصل به السنة، فيسن الوضع
كما نقله القدوري عن أبي يوسف؛ ثم قيل يضعه طولًا لا عرضاً ليكون على مثال الغرز.
ويسن الخط كما هو الرواية الثانية عن محمد، لحديث أبي داود ((فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصاً
فَلْيَخُطَّ خَطًا(٢)) وهو ضعيف، لكنه يجوز العمل به في الفضائل، ولذا قال ابن الهمام:
والسنة أولى بالاتباع مع أنه يظهر في الجملة، إذ المقصود جمع الخاطر بربط الخيال به كي لا
ينتشر، كذا في البحر وشرح المنية. قال في الحلية: وقد يعارض تضعيفه بتصحيح أحمد
وابن حبان وغيرهما له. قوله: (فيخط طولً الخ) قال في شرح المنية: وقال أبو داود: قالوا
الخط بالطول، وقالوا بالعرض مثل الهلال اهـ. وذكر النووي أن الأول المختار ليصير شبه
ظل السترة. بحر.
تنبيه: لم یذکروا ما إذا لم یکن معه سترة ومعه ثوب أو کتاب مثلا هل يكفي وضعه
(١) أخرجه الحاكم ١/ ٢٥٢ وابن عدي في كامله ٦/ ٢٢٥٤.
(٢) أخرجه أبو داود ١/ ١٨٣ (٦٨٩) وابن ماجة (١/ ٣٠٣ (٩٤٣) وأحمد ٢٤٩/٢ في سند أبي عمرو بن محمد مجهول.
٤٠٣
کتاب الصلاة / باب ما یفسد الصلاة وما یکره فيها.
کالمحراب (ويدفعه) هو رخصة، فتركه أفضل بدائع. قال الباقاني: فلو ضربه فمات لا
شيء عليه عند الشافعي رضي الله عنه، خلافاً لنا على ما يفهم من كتبنا (بتسبيح) أو جهر
بقراءة (إو إشارة) ولا يزاد عليها عندنا. قهستاني (لا بهما) فإنه يكره، والمرأة تصفق لا
بيطن على بطن، ولو صفق أو سبحت لم تفسد وقد تركا السنة. تاتر خانية (وكفت سترة
بين يديه؟ والظاهر نعم كما يؤخذ من تعليل ابن الهمام المار آنفاً؛ وكذا لو بسط ثوبه وصلى
عليه؛ ثم المفهوم من كلامهم أنه عند إمكان الغرز لا يكفي الوضع، وعند إمكان الوضع لا
یکفي الخط. قوله: (ویدفعه) أي إذا مرّ بین یدیه ولم تكن له سترة، أو كانت ومر بينه وبينها
كما في الحلية والبحر، ومفاده إثم المار وإن لم تكن سترة كما قدمناه. وفي التاترخانية:
وإذا دفعه رجل آخر لا بأس به، سواء كان في الصلاة أو لا. قوله: (فلو ضربه الخ) أي إذا
لم يمكن دفعه إلا بذلك، لأن الشافعية صرحوا بأنه يلزم الدافع تحري الأسهل كما في دفع
الصائل. قوله: (خلافاً لنا الخ) أي أن المفهوم من كتب مذهبنا أن ما يقوله الشافعي خلاف
قولنا، فإنهم صرحوا في كتبنا بأنه رخصة، والعزيمة عدم التعرض له، فحيث كان رخصة
يتقيد بوصف السلامة. أفاده الرحمتي. بل قولهم: ((ولا يزاد على الإشارة)) صريح في أن
الرخصة هي الإشارة، وأن المقاتلة غير مأذون بها أصلاً. وأما الأمر بها في حديث «فليقاتله
فإنه شيطان)) فهو منسوخ، لما في الزيلعي عن السرخسي أن الأمر بها محمول على الابتداء
حين كان العمل في الصلاة مباحاً اهـ. فإذا كانت المقاتلة غير مأذون بها عندنا كان قتله جناية
يلزمه موجبها من دية أو قود، فافهم. قوله: (أو جهر بقراءة) خصه في البحر بحثاً بالصلاة
الجهرية وبما يجهر فيه منها، وعليه فالمراد زيادة رفع الصوت عن أصل جهره، والظاهر
شمول السرية لأن هذا الجهر مأذون فيه فلا يكره. على أن الجهر اليسير عفو، والمكروه
قدر ما تجوز به الصلاة في الأصح كما في سهو البحر، فإذا جهر في السرية بكلمة أو كلمتين
حصل المقصود ولم يلزم المحذور، فتدبر. قوله: (أو إشارة) أي باليد أو الرأس أو العين.
بحر. قوله: (ولا يزاد عليها) أي على الإشارة بما ذكر، فلا يدرأ بأخذ الثوب ولا بالضرب
الوجيع كما في القهستاني عن التمرتاشي. ويؤخذ منه فساد الصلاة لو بعمل كثير، بخلاف
قتل الحية على أحد القولين فيه كما يأتي. قوله: (لا بهما) أي لا يجمع بين التسبيح
والإشارة، لأن بأحدهما كفاية فيكره كما في الهداية جازماً به خلافاً لما في الشرنبلالية ٢١)
فإنه تحريف لما في الهداية كما أفاده الشارح في هامش الخزائن قوله: (لا ببطن على بطن)
(١) في ط (قوله خلافاً لما في الشرنبلالية) فإنه قال: وقال في الهداية:
قيل يكره: فتوهم أن عبارة الهداية ((قيل)) بالياء المثناة تحت، وليس كذلك، بل هي بالياء الموحدة، متصل بما قبله
وهذا لفظها ((ويدرأ بالإشارة أو يدفع بالتسبيح لما روينا من (قيل)) ويكره الجمع بينهما، لأن بأحدهما كفاية. كذا
بخط الشارح في هامش الخزائن.
٤٠٤
كتاب الصلاة / باب ما يفسد الصلاة وما یکره فيها
الإمام) للكل (ولو عدم المرور والطريق جاز تركها) وفعلها أولى (وكره) هذه تعم
التنزيهية التي مرجعها خلاف الأولى فالفارق الدليل، فإن نهيا ظني الثبوت ولا صارف
أي بل بظهر أصابع اليمنى على صفحة كفّ اليسرى كما في البحر وغيره عن ((غاية البيان)
لكن لم يظهر وجهه، إذ ببطن اليمنى على ظهر اليسرى أقل عملاً، فكأن هذا حمل الشارح
على تغيير العبارة والتنصيص على محل الكراهة وهو الضرب ببطن على بطن رحمتي. قوله:
(للكل) أي للمقتدين به كلهم؛ وعليه فلو مرّ مار في قبلة الصف في المسجد الصغير لم
يكره إذا كان للإمام سترة، وظاهر التعميم شمول المسبوق، وبه صرح القهستاني، وظاهره
الاكتفاء بها ولو بعد فراغ إمامه، وإلا فما فائدته؟ وقد يقال: فائدته التنبيه على أنه كالمدرك لا
يطلب منه نصب سترة قبل الدخول في الصلاة وإن كان يلزم أن يصير منفرداً بلا سترة بعد
سلام إمامه لأن العبرة لوقت الشروع وهو وقته كان مستتراً بسترة إمامه. تأمل.
مَطْلَبُ: مَكْرُوهَاتُ الصَّلاةِ
قوله: (ولو عدم المرور الخ) أي لو صلى في مكان لا يمر فيه أحد ولم تواجه الطريق
لا يكره تركها، لأن اتخاذها للحجاب عن المار. قال في البحر عن الحلية: ويظهر أن
الأولى اتخاذها في هذا الحال وإن لم يكره الترك لمقصود آخر، وهو كفّ بصره عما وراءها
وجمع خاطره بربط الخيال ١ هـ وقيدوا بقولهم: ولم يواجه الطريق، لأن الصلاة في نفس
الطريق: أي طريق العامة مكروهة بسترة وبدونها، لأنه أعد للمرور فيه فلا يجوز شغله بما
ليس له حق الشغل كما في المحيط. وظاهره أن الكراهة للتحريم، وتمامه في البحر.
مَطْلَبٌ: فِي الْكَرَاهَةِ الْتَّخْرِيمِيَّةِ وَالتَّنْزِيَّةِ
قوله: (هذه تعم التنزيهية الخ) قال في البحر: والمكروه في هذا الباب نوعان:
أحدهما: ما يكره تحريماً وهو المحمل عند إطلاقهم كما في زكاة الفتح، وذكر أنه في
رتبة الواجب لا يثبت إلا بما يثبت به الواجب: يعني بالنهي الظني الثبوت أو الدلالة، فإن
الواجب يثبت بالأمر الظني الثبوت أو الدلالة.
ثانيهما: المكروه تنزيهاً، ومرجعه إلى ما تركه أولى، وكثيراً ما يطلقونه كما ذكره في
الحلية فحينئذ إذا ذكروا مكروهاً فلا بد من النظر في دليله، فإن كان نهياً ظنياً يحكم بكراهة
التحريم إلا لصارف للنهي عن التحريم إلى الندب، وإن لم يكن الدليل نهياً بل كان مفيداً
للترك الغير الجازم فهي تنزيهية اهـ.
قلت: ويعرف أيضاً بلا دليل نهي خاص، بأن تضمن ترك واجب أو ترك سنة، فالأول
مكروه تحريماً، والثاني تنزيهاً؛ ولكن تتفاوت التنزيهية في الشدة والقرب من التحريمية
بحسب تأكد السنة؛ فإن مراتب الاستحباب متفاوتة كمراتب السنة والواجب والفرض، فكذا
٤٠٥
كتاب الصلاة / باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
فتحريمية، وإلا فتنزيهية (سدل) تحريماً للنهي (ثوبه) أي إرساله بلا لبس معتاد، وكذا
القباء بكمّ إلى وراء، ذكره الحلبي؛ كشدّ ومنديل يرسله من كتفيه، فلو من أحدهما لم
يكره كحالة عذر وخارج صلاته في الأصح. وفي الخلاصة: إذا لم يدخل يده في كم
أضدادها كما أفاده في شرح المنية، وسيأتي في آخر المكروهات تمام ذلك قوله: (وإلا
فتنزيهية) راجع إلى قوله: ((فإن نهياً) أي وإن لم يكن نهياً بل كان مفيداً للترك الغير الجازم،
وإلى قوله: ((ولا صارف)) أي وإن كان نهياً ولكن وجد الصارف له عن التحريم فهي فيهما
تنزيهية كما علمته من عبارة البحر، فافهم. قوله: (تحريماً للنهي) الأولى تأخيره عن المضاف
إليه ط. قوله: (أي إرساله بلا لبس معتار) قال في شرح المنية: السدل: هو الإرسال من غير
لبس، ضرورة أن إرسال ذيل القميص ونحوه لا يسمى سدلاً ا هـ. ودخل في قوله: ((ونحوه
عذبة العمامة)). وقال في البحر: وفسره الكرخي بأن يجعل ثوبه على رأسه أو على كتفيه
ويرسل أطرافه من جانبه إذا لم يكن عليه سراويل اهـ. فكراهته لاحتمال كشف العورة، وإن
كان مع السراويل فكراهته للتشبه بأهل الكتاب، فهو مكروه مطلقاً، وسواء كان للخيلاء أو
غيره ا هـ ثم قال في البحر: وظاهر كلامهم يقتضي أنه لا فرق بين أن يكون الثوب محفوظاً من
الوقوع أو لا، فعلى هذا تكره في الطيلسان الذي يجعل على الرأس، وقد صرح به في شرح
الوقاية اهـ: أي إذا لم يدره على عنقه، وإلا فلا سدل. قوله: (وكذا القباء بكم إلى وراء) أي
كالأقبية الرومية التي يجعل لأكمامها خروق عند أهل العضد إذا أخرج المصلي يده من
الخرق وأرسل الكم إلى ورائه مثلاً فإنه يكره أيضاً لصدق السدل عليه، لأنه إرخاء من غير
لبس، لأن لبس الکم یکون بإدخال اليد فيه، وتمامه في شرح المنية. قوله: (كشد) هو
شيء يعتاد وضعه على الكتفين كما في البحر، وذلك نحو الشال. قوله: (فلو من أحدهما لم
يكره) مخالف لما في البحر حيث ذكر في الشد أنه إذا أرسل طرفاً منه على صدره وطرفاً على
ظهره يكره. قوله: (وخارج صلاته في الأصح) أي إذا لم يكن للتكبر فالأصح أنه لا يكره.
قال في النهر: أي تحريماً وإلا فمقتضى ما مر أنه يكره تنزيهاً اهـ. وما مر هو قوله: ((لأنه
صنیع أهل الكتاب، قال الشيخ إسماعيل: وفیه بحث، لأن الظاهر من كلامهم أن تخصیص
أهل الكتاب بفعله معتبر فيه كونه في الصلاة فلا يظهر التشبه وكراهته خارجها ا هـ قوله:
(وفي الخلاصة) استدراك على قوله: ((وكذا القباء الخ)) ح، لكن قال في شرح المنية وفي
الخلاصة: المصلي إذا كان لابساً شقة أو فرجي ولم يدخل يديه اختلف المتأخرون في
الكراهة، والمختار أنه لا يكره، ولم يوافقه على ذلك أحد سوى البزازي. والصحيح الذي
عليه قاضيخان والجمهور أنه يكره، لأنه إذا لم يدخل يديه في كميه صدق عليه اسم السدل
لأنه إرسال للثوب بدون أن يلبسه اهـ. قال في الخزائن: بل ذكر أبو جعفر أنه لو أدخل يديه
في كميه ولم يشدّ وسطه أو لم يزرّ أزراره فهو مسيء، لأنه يشبه السدل اهـ.
٠٠ ٠٠٠
٤٠٦
کتاب الصلاة / باب ما يفسد الصلاة وما یکره فيها
الفرجي المختار أنه لا يكره. وهل يرسل الكمّ أو يمسك؟ خلاف، والأحوط الثاني.
قهستاني (و) کره (کفه) أي رفعه ولو لتراب کمشمر کمّ أو ذيل (وعبثه به) أي بثوبه
(وبجسده) للنھي
قلت: لكن قال في الحلية: فيه نظر ظاهر بعد أن يكون تحته قميص: أو نحوه مما يستر
البدن؛ بل اختلف في كراهة شد وسطه إذا كان عليه قميص ونحوه؛ ففي العتابية أنه يكره
لأنه صنيع أهل الكتاب. وفي الخلاصة: لا يكره اهـ. وجزم في نور الإيضاح بعدم
الكراهة. قوله: (والأحوط الثاني) لم یظهر وجهه بل فیه کف الثوب وشغل الیدین عن
السنة. تأمل رحمتي. ولذا قال في البحر: ولا يخفى ما فيه اهـ. بل الأحوط لبسه لما مر عن
الجمهور من أن عدم إدخال يديه فيه مكروه. قوله: (أي رفعه) أي سواء كان من بین یدیه أو
من خلفه عند الانحطاط للسجود. بحر. وحرر الخير الرملي ما يفيد أن الكراهة فيه
تحريمية. قوله: (ولو لتراب) وقبل لا بأس بصونه عن التراب. بحر عن المجتبى. قوله:
(كمشمر کم أو ذيل) أي كما لو دخل في الصلاة وهو مشمر کمه أو ذيله، وأشار بذلك إلى
أن الكراهة لا تختص بالكف وهو في الصلاة، كما أفاده في شرح المنية، لكن قال في
القنية: واختلف فیمن صلی وقد شمر کمیه لعمل کان یعمله قبل الصلاة أو هيئته ذلك اهـ.
ومثله ما لو شمر للوضوء ثم عجل لإدراك الركعة مع الإمام. وإذا دخل في الصلاة كذلك
وقلنا بالكراهة فهل الأفضل إرخاء كميه فيها بعمل قليل أو تركهما؟ لم أره: والأظهر الأول
بدليل قوله الآتي: ((ولو سقطت قلنسوته فإعادتها أفضل)) تأمل.
هذا، وقيد الكراهة في الخلاصة والمنية بأن يكون رافعاً كميه إلى المرفقين. وظاهره
أنه لا يكره إلى ما دونهما. قال في البحر: والظاهر الإطلاق لصدق كفّ الثوب على
الكل اهـ. ونحوه في الحلية. وكذا قال في شرح المنية الكبير: إن التقييد بالمرفقين
اتفاقي. قال: وهذا لو شمرهما خارج الصلاة ثم شرع فيها كذلك، أما لو شمر وهو فيها
تفسد لأنه عمل كثير. قوله: (وعبثه) هو فعل لغرض غير صحيح، قال في النهاية: وحاصله
أن كل عمل هو مفيد للمصلي فلا بأس به. أصله ما روي ((أَنَّ النَّبِيَّ ◌ِ ﴿ عَرِقَ فِي صَلَاتِهِ
فَسَلَتَ العَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ)) أي مسحه لأنه كان يؤذيه فكان مفيداً، وفي زمن الصيف كان إذا قام
من السجود نفض ثوبه يمنة أو يسرة لأنه كان مفيداً کي لا تبقى صورة، فأما ما ليس بمفيد
فهو العبث اهـ. وقوله: ((كي لا تبقى صورة)) يعني حكاية صورة الألية كما في الحواشي
السعدية، فليس نفضه للتراب؛ فلا يرد ما في البحر عن الحلية من أنه كان يكره رفع الثوب
كي لا يتترب لا يكون نفضه من التراب عملاً مفيداً. قوله: (للنهي) وهو ما أخرجه القضاعي
عنه قَّهِ(إِنَّالله كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثاً: العَبَثَ فِي الصَّلاَةِ، وَالرَّفَثَ فِي الصِّيَامِ، وَالضَّحِكَ فِي
٤٠٧
کتاب الصلاة / باب ما يفسد الصلاة وما یکره فيها
إلا لحاجة، ولا بأس به خارج صلاة (وصلاته في ثياب بذلة) يلبسها في بيته (ومهنة) أي
خدمة، إن له غيرها وإلا لا (وأخذ درهم) ونحوه (في فيه لم يمنعه من القراءة) فلو منعه
تفسد (وصلاته حاسراً) أي كاشفاً (رأسه للتكاسل) ولا بأس به للتذلل، وأما للإهانة بها
المَقَابِرِ)»(١) وهي كراهة تحريم كما في البحر. قوله: (إلا لحاجة) كحك بدنه لشيء أكله
وأضره، وسلت عرق يؤلمه ويشغل قلبه، وهذا لو بدون عمل كثير. قال في الفيض: الحك
بيد واحدة في رکن ثلاث مرات يفسد الصلاة إن رفع يده في كل مرة اهـ.
وفي الجوهرة عن الفتاوى: اختلفوا في الحك، هل الذهاب والرجوع مرة أو الذهاب
مرة والرجوع أخرى. قوله: (ولا بأس به خارج صلاة) وأما ما في الهداية من أنه حرام فقال
السروجي: فيه نظر، لأن العبث خارجها بثوبه أو بدنه خلاف الأولى ولا يحرم، والحديث
قيد بكونه في الصلاة اهـ. بحر. قوله: (وصلانه في ثياب بذلة) بكسر الباء الموحدة
وسكون الذال المعجمة: الخدمة والابتذال، وعطف المهنة عليها عطف تفسير؛ وهي بفتح
الميم وكسرها مع سكون الهاء، وأنكر الأصمعي الكسر. حلية. قال في البحر: وفسرها
في شرح الوقاية بما يلبسه في بيته ولا يذهب به إلى الأكابر، والظاهر أن الكراهة
تنزيهية اهـ. قوله: (لم يمنعه من القراءة) قال في الحلية: الأولی أن یقول بحیث یمنعه من
سنة القراءة کما ذكره في الخلاصة، حتی لو کان لا يخل بها لا یکرہ کما في البدائع؛ ثم قول
قاضيخان: ولا بأس أن يصلي وفي فيه دراهم أو دنانير لا تمنعه عن القراءة، يشير إلى أن
الكراهة تنزيهية اهـ. قوله: (فلو منعه) بأن سكت أو تلفظ بألفاظ لا تكون قرآناً. شرح
المنية. قوله: (للتكاسل) أي لأجل الكسل، بأن استثقل تغطيته ولم يرها أمراً مهماً في
الصلاة فتر کها لذلك، وهذا معنی قولهم: تهاوناً بالصلاة، ولیس معناه الاستخفاف بها
والاحتقار لأنه كفر. شرح المنية. قال في الحلية: وأصل الكسل ترك العمل لعدم الإرادة،
فلو لعدم القدرة فهو لعجز.
مَطْلَبْ: فِي الْخُشْوُعِ
قوله: (ولا بأس به للتذلل) قال في شرح المنية: فيه إشارة إلى أن الأولى أن لا يفعله
وأن يتذلل ويخشع بقلبه فإنهما من أفعال القلب اهـ. وتعقبه في الإمداد بما في التجنيس من
أنه يستحب له ذلك، لأن مبنى الصلاة على الخشوع اهـ.
قلت: واختلف في أن الخشوع من أفعال القلب كالخوف، أو من أفعال الجوارح
كالسكون، أو مجموعهما. قال في الحلية: والأشبه الأول، وقد حكي إجماع العارفين عليه
وأن من لوازمه: ظهور الذل، وغضّ الطرف، وخفض الصوت، وسكون الأطراف، وحينئذ
(١) أخرجه ابن خزيمة في الصحيح (٢٠٨).
٤٠٨
کتاب الصلاة / باب ما يفسد الصلاة وما یکره فيها
فكفر، ولو سقطت قلنسوته فإعادتها أفضل، إلا إذا احتاجت لتكوير أو عمل كثير
(وصلانه مع مدافعة الأخبثين) أو أحدهما (أو لريح) للنهي (وعقص شعره) للنهي عن كفه
ولو بجمعه أو إدخال أطرافه في أصوله قبل الصلاة؛
فلا يبعد القول بحسن كشفه إذا كان ناشئاً عن تحقيق الخشوع بالقلب، ونص في الفتاوى
العتابية على أنه لو فعله لعذر لا يكره، وإلا ففيه التفصيل المذكور في المتن، وهو حسن.
وعن بعض المشايخ أنه لأجل الحرارة والتخفيف مكروه، فلم يجعل الحرارة عذراً وليس
ببعيد ا هـ ملخصاً. قوله: (ولو سقطت قلنسوته الخ) هي ما يلبس في الرأس كما في شرح
المنية، ولفظ قلنسوته ساقط من بعض النسخ، المسألة ذكرها في شرح المنية فيما يفسد
الصلاة عن الحجة. وفي الدرر عن التاتر خانية: والظاهر أن أفضلية إعادتها حيث لم يقصد
بتركها التذلل على ما مر. قوله: (وصلاته مع مدافعة الأخبثين الخ) أي البول والغائط. قال
في الخزائن: سواء كان بعد شروعه أو قبله، فإن شغله قطعها إن لم يخف فوت الوقت، وإن
أتمها أثم لما رواه أبو داود ((لَا يُحِلُّ لِأحَدٍ يُؤْمِنُ بِالله وَأَلَيَومِ الآخِرٍ أَنْ يُصَلِّي وَهُوَ حَاقِنٌ حَتَّى
يَتَخَفَّف(١)) أي مدافع البول، ومثله الحاقب: أي مدافع الغائط والحازق: أي مدافعهما،
وقيل مدافع الريح اهـ. وما ذكره من الإثم صرح به في شرح المنية وقال: لأدائها مع
الكراهة التحريمية .
بقي ما إذا خشي فوت الجماعة ولا يجد جماعة غيرها، فهل يقطعها كما يقطعها إذا رأى
على ثوبه نجاسة قدر الدرهم ليغسلها أو لا، كما إذا كانت النجاسة أقل من الدرهم؟
والصواب الأول، لأن ترك سنة الجماعة أولى من الإتيان بالكراهة: كالقطع لغسل قدر
الدرهم فإنه واجب، ففعله أولى من فعل السنة، بخلاف غسل ما دونه فإنه مستحب فلا يترك
السنة المؤكدة لأجله، كذا حققه في شرح المنية .
تنبيه: ذكر في الحلية بحثاً أن خوف فوت الجنازة كخوف فوت الوقت في المكتوبة،
وذكر أن الكراهة جارية في سائر الصلوات ولو تطوّعاً. قوله: (وعقص شعره الخ) أي ضفره
وفتله، والمراد به أن يجعله على هامته ويشده بصمغ، أو أن يلفّ ذوائبه حول رأسه كما يفعله
النساء في بعض الأوقات، أو يجمع الشعر كله من قبل القفا ويشده بخيط أو خرقة كي لا
يصيب الأرض إذا سجد؛ وجميع ذلك مكروه، لما روى الطبراني ((أَنَّه عَلَبِهِ الصَّلاةُ وَالسَّلَامُ
نَهَى أَن يُصَلِّي الرَّجُلُ وَرَأْسُهُ مَعْقُوصٌ)) وأخرج الستة عنه وَّهِ((أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةٍ
أَعْضَاءِ، وَأَنْ لَا أَكُفَّ شَعْراً وَلَا ثَوْباً)) شرح المنية. ونقل في الحلية عن النووي أنها كراهة
تنزيه، ثم قال: والأشبه بسياق الأحاديث أنها تحريم إلا إن ثبت على التنزيه إجماع فيتعين
(١) أخرجه أبو داود وانظر نصب الراية ٢/ ١٠٢.
٤٠٩
كتاب الصلاة / باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
أما فيها فيفسد (وقلب الحصى) للنهي (إلا لسجوده) التامّ فيرخص (مرة) وتركها أولى
(وفرقعة الأصابع) وتشبيكها ولو منتظراً لصلاة أو ماشياً إليها للنهي، ولا يكره خارجها
الحاجة (والتخصر) وضع اليد على الخاصرة للنهي (ويكره خارجها) تنزيهاً (والالتفات
القول به. قوله: (أما فيها فيفسد) لأنه عمل كثير بالإجماع شرح المنية. قوله: (للنهي) هو ما
أخرجه عبد الرزاق عن أبي ذر رضي الله عنه: سألت النبي وَل عن كل شيء حتى سألته عن
مسح الحصا، فقال: ((وَاحِدَةً أُوْ دَعْ)) وروى الستة عن معيقيب أنه عليه الصلاة والسلام قال:
(لاَ تَمْسَحِ الحَصَا وَأَنْتَ تُصَلِّي، فَإِنْ كُنْتَ وَلَا بُدَّ فَاعِلًا فواحِدَةٌ(١)) شرح المنية. قوله: (إلا
لسجوده التام الخ) بأن كان لا يمكنه تمكين جبهته على وجه السنة إلا بذلك، وقید بالتام لأنه
لو كان لا يمكنه وضع القدر الواجب من الجبهة إلا به تعين ولو أكثر من مرة.
مَظْلَبٌ: إِذَا تَرَدد الحُكْمُ بَيْنْ سُنَّةٍ وَبِدْعَةٍ كَانَ تَرْكُ السُّنَّةِ أَوْلَى
قوله: (وتركها أولى) لأنه إذا تردد الحكم بين سنة وبدعة كان ترك السنة راجحاً على
فعل البدعة مع أنه كان يمكنه التسوية قبل الشروع في الصلاة. بحر. قوله: (وفرقعة
الأصابع) هو غمزها أو مدها حتی تصوت، وتشبیکها: هو أن يدخل أصابع إحدی یدیه بین
أصابع الأخرى. بحر. قوله: (للنهي) هو ما رواه ابن ماجة مرفوعاً((لَا تُفَرْقِع أَصَابِعَكَ وَأَنْتَ
تُصَلِّي(٢)) وروي في المجتبى حديثاً(أَنَّه نَهى أَنْ يُفَرْقِعَ الرَّجُلُ أَصَابِعَهُ وَهُوَ جَالِسٌ فِي
المَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلاَةَ» وفي رواية ((وَهُوَ يَمْشِي إِلَيْهَا)) وروى أحمد وأبو داود وغيرهما مرفوعاً
(إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضَوءَهُ ثُمَّ خَرَجَ عَمِداً إِلَى المَسْجِدِ فَلَا يُشَبِّك بَيْنْ يَدِيهِ فَإنَّه فِي
صَلَاةٍ»(٣) ونقل في المعراج الإجماع على كراهة الفرقعة والتشبيك في الصلاة. وينبغي أن
تكون تحريمية للنهي المذكور. حلية وبحر. قوله: (ولا يكره خارجها لحاجة) المراد
بخارجها ما ليس من توابعها، لأن السعي إليها والجلوس في المسجد لأجلها في حكمها
كما مر، لحديث الصحيحين ((لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَةٍ مَا دَامَتِ الصَّلَةُ تحِبِسُهُ)» وأراد
بالحاجة نحو إراحة الأصابع، فلو لدون حاجة بل على سبيل العبث كره تنزيهاً، والكراهة
في الفرقعة خارجها منصوص عليها؛ وأما التشبيك فقال في الحلية: لم أقف لمشايخنا فيه
على شيء، والظاهر أنه لو لغير عبث بل لغرض صحيح ولو لإراحة الأصابع لا يكره، فقد
صح عنه وَ﴿ أنه قال: ((أَلْمُؤْمنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً، وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ)) فإنه
لإفادة تمثيل المعنى، وهو التعاضد والتناصر بهذه الصورة الحسية. قوله: (والتخصر الخ)
(١) أخرجه البخاري ٣/ ٧٩ (١٢٠٧) ومسلم ١/ ٣٨٧ (٥٤٦/٤٧).
(٢) انظر نصب الراية ٢ / ٨٧.
(٣) أخرجه أحمد ٤/ ٢٤١ والترمذي (٣٨٦).
٤١٠
كتاب الصلاة / باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
بوجهه) کله (أو بعضه) للنھي وببصره یکره تنزيهاً، وبصدره تفسد كما مر (وقيل) قائله
قاضیخان (تفسد بتحويله، والمعتمد لا، وإقعاؤه) کالکلب للنھي
لما في الصحيحين وغيرهما (نَهَى رَسُولُ اللهِ لّهِ عَنِ الخَصْرِ فِي الصَّلَاةِ(١)» وفي رواية ((عَنِ
الاخْتِصَارِ)) وفي أخرى ((عَنْ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ غْخَتَصِراً) وفيه تأويلات أشهرها ما ذكره
الشارح، وتمامه في شرح المنية والبحر. قال في البحر والذي يظهر أن الكراهة تحريمية في
الصلاة للنهي المذكور اهـ. ولأن فيه ترك سنة الوضع كما في الهداية، لكن العلة الثانية لا
تقتضي كراهة التحريم؛ نعم تقتضي كراهة وضع اليد على عضو آخر غير الخاصرة. قوله:
(للنهي) هو ما رواه الترمذي وصححه عن أنس عن النبي وَ ﴿ ((إِيَّكَ والالْتِفَاتَ فِي الصَّلاة،
فَإِنَّ الالْتَفَاتَ فِي الصَّلَةِ هَلَكَةٌ، فَإِنْ كَانَ لا بُدَّ فَفِي الَّطَوُّعِ لَا فِي الفَرِيضَةِ (٢)) وروى البخاري
أَنْه وَ﴿ قال ((هُوَ اخْتِلَاسٌ يُخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَةِ العَبْدِ)). وقيده في الغابة بأن يكون لغير
عذر، وينبغي أن تكون تحريمية كما هو ظاهر الأحاديث. بحر. قوله: (وببصره يكره تنزيهاً)
أي من غير تحويل الوجه أصلاً. وفي الزيلعي وشرح الملتقى للباقاني أنه مباح، لأنه وَ # كان
يلاحظ أصحابه في صلاته بموق عينيه ١ هـ. ولا ينافي ما هنا بحمله على عدم الحاجة، أو
أراد بالمباح ما ليس بمحظور شرعاً، وخلاف الأولى غير محظور. تأمل. قوله: (وبصدره
تفسد) أي إذا كان بغير عذر كما مر بيانه في مفسدات الصلاة. قوله: (وقيل الخ) قاله في
الخلاصة أيضاً. والأشبه ما في عامة الكتب من أنه مكروه لا مفسد، وقيد عدم الفساد به في
المنية والذخيرة بما إذا استقبل من ساعته؛ قال في البحر: وكأنه جمع بين ما في الفتاوى وما
في عامة الكتب بحمل الأول على ما إذا لم يستقبل من ساعته، والثاني على ما إذا استقبل
من ساعته، وكأنه ناظر إلى أن الأول عمل كثير، والثاني قليل، وهو بعيد، فإن الاستدامة
علی هذا القلیل لا تجعله کثیراً، وإنما کثیره تحویل صدره ا هـ.
أقول: يظهر لي أنه إذا أطال التفاته بجميع وجهه يمنة أو يسرة ورآه راء من بعيد لا
يشك أنه ليس في الصلاة. تأمل. قوله: (وإقعاؤه الخ) قال في النهر: لنهيه وَّر عن إقعاء
الكلب، وفسره الطحاوي: بأن يقعد على ألیتیه وينصب فخذيه ويضم ركبتيه إلى صدره
واضعاً يديه على الأرض والكرخي: بأن ينصب قدميه ويقعد على عقبيه ويضع يديه على
الأرض. والأصح الذي عليه العامة هو الأول: أي كون هذا هو المراد بالحديث، لا أن ما
قاله الكرخي غير مكروه؛ وكذا في الفتح. قال في البحر: وينبغي أن تكون الكراهة تحريمية
على الأول تنزيهية على الثاني.
(١) أخرجه البخاري ٣/ ٨٨ (١٢٢٢٠).
(٢) أخرجه الترمذي ٢/ ٤٨٤ (٥٨٩) وقال حسن غريب.
٤١١
كتاب الصلاة / باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
(وافتراش الرجل ذراعيه) للنهي (وصلانه إلى وجه إنسان) ككراهة استقباله فالاستقبال لو
من المصلي فالكراهة عليه، وإلا فعلى المستقبل ولو بعيداً ولا حائل (ورد السلام بيده)
أقول: إنما كانت تنزيهية على الثاني بناء على أن هذا الفعل ليس بإقعاء، وإنما
الكراهة بترك الجلسة المسنونة لما علل به في البدائع، ولو فسر الإقعاء بقول الكرخي
تعاكست الأحكام ا هـ كلام النهر.
والحاصل أن الإقعاء مكروه لشيئين: للنهي عنه، ولأن فيه ترك الجلسة المسنونة؛
فإن فسر بما قاله الطحاوي وهو الأصح كان مكروهاً تحريماً لوجود النهي عنه بخصوصه؛
وكان بالمعنى الذي قاله الكرخي مكروهاً تنزيهاً لترك الجلسة المسنونة لا تحريماً لعدم النهي
عنه بخصوصه، وإن فسر بما قاله الکرخي انعكس الحکم المذكور.
قلت: وفي المغرب بعد ما فسره بما مر عن الطحاوي قال: وتفسير الفقهاء أن يضع
أليتيه على عقبيه بين السجدتين وهو عقب الشيطان ١ هـ. وعزاه في البدائع إلى الكرخي
وقال: وهو عقب الشيطان الذي نهى عنه في الحديث ا هـ: أي فيما أخرجه مسلم عن عائشة
((أَنَّه كَانَ يَنْهَى عَنْ عَقِبِ الشَّيْطَانِ، وَأَنْ يَفْتِرِشَ الرَّجُلُ ذِراعَيْهِ افْتِراشَ السَّبُعِ))(١). وفي
رواية: عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ، بضم فسكون، وهو مكروه أيضاً كما في الحلية وغيرها. وقال
العلامة قاسم في فتاواه: وأما نصب القدمين والجلوس على العقبين فمكروه في جميع
الجلسات بلا خلاف نعرفه، إلا ما ذكره النووي عن الشافعي في قول له: إنه يستحب بين
السجدتين. قوله: (وافتراش الرجل ذراعيه الخ) أي بسطهما في حالة السجود، وقيد
بالرجل اتباعاً للحديث المار آنفاً، ولأن المرأة تفترش. قال في البحر: قيل وإنما نهى عن
ذلك لأنها صفة الكسلان والتهاون بحاله مع ما فيه من التشبه بالسباع والكلاب. والظاهر أنها
تحريمية للنهي المذكور من غير صارف اهـ. قوله: (وصلائه إلى وجه إنسان) ففي صحيح
البخاري: وكره عثمان رضي الله تعالى عنه أن يستقبل الرجل وهو يصلي، وحكاه القاضي
عياض عن عامة العلماء، وتمامه في الحلية. وقال في شرح المنية: وهو محمل ما رواه
البزار على ((أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلَامُ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي إِلَى رَجُلٍ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ»
ويكون الأمر بالإعادة لإزالة الكراهة، لأنه الحكم في كل صلاة أديت مع الكراهة وليس
للفساد اهـ. والظاهر أنها كراهة تحريم، لما ذكر، ولما في الحلية عن أبي يوسف قال: إن
كان جاهلاً علمته، وإن كان عالماً أدبته اهـ. ولأنه يشبه عبادة الصورة. قوله: (ككراهة
استقباله) الضمير للمصلي، وهو من إضافة المصدر إلى مفعوله ط. قوله: (ولو بعيداً ولا
حائل) قال في شرح المنية: ولو كان بينهما ثالث ظهره إلى وجه المصلي لا يكره لانتفاء
(١) أخرجه مسلم في الصلاة باب ٤٦ رقم (٢٤٠) وأحمد ٦/ ٣١ وابن أبي شيبة ٢٨٥/١ وأبو داود في الاستفتاح
باب (٩) والبيهقي ١١٣/٢، ١٢٠.
٤١٢
کتاب الصلاة / باب ما يفسد الصلاة وما بكره فيها
أو برأسه كما مر.
فرع لا بأس بتكليم المصلي وإجابته برأسه كما لو طلب منه شيء، أو أري درهماً
وقيل أجيد؟ فأومأ بنعم أو لا، أو قيل كم صليتم؟ فأشار بيده أنهم صلوا ركعتين، أما لو
قيل له تقدم فتقدم أو دخل أحد الصف فوسع له فوراً فسدت. ذكره الحلبي وغيره،
خلافاً لما مر عن البحر.
(و) كره (التربع) تنزيهاً لترك الجلسة المسنونة (بغير عذر) ولا يكره خارجها، لأنه
عليه الصلاة والسلام ((كانَ جُل ◌ُلُوسِهِ معَ أَصْحَابِ التَّبُّعُ)) وكذا عمر رضي الله تعالى عنه
(والتثاؤب)
سبب الكراهة وهو التشبه بعبادة الصورة ١ هـ. وظاهره عدم الكراهة ولو كانت تقع المواجهة
في حالة القيام لما في النهر والحلية، واستظهره في الحلية بأن القاعد يكون سترة للمصلي
بحيث لا یکره المرور وراءه، فکذا هنا یکون حائلاً.
قلت: لكن في الذخيرة نقل قول محمد في الأصل: وإن شاء الإمام استقبل الناس
بوجهه إذا لم يكن بحذائه رجل يصلي، ثم قال: ولم يفصل: أي محمد بين ما إذا كان
المصلي في الصف الأول أو الأخير، وهذا هو ظاهر المذهب، لأنه إذا كان وجهه مقابل
وجه الإمام في حالة قيامه يكره ولو بينهما صفوف اهـ. ثم رأيت الخير الرملي أجاب بما لا
يدفع الإيراد. والأظهر أن ما مرّ عن شرح المنية مبني على خلاف ظاهر الرواية، فتأمل.
قوله: (لما مر) أي في مفسدات الصلاة، وقدمنا أن الكراهة فيه تنزيهية. قوله: (وإجابته
برأسه) قال في الإمداد: وبه ورد الأثر عن عائشة رضي الله عنها، وكذا في تكليم الرجل
المصلي، قال تعالى ﴿فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب﴾ وهل يجيب السلام
بعد السلام من الصلاة؟ ذكر الخطابي والطحاوي ((أن النبي ولوردّ على ابن مسعود بعد
فراغه من الصلاة)) كذا في مجمع الروايات ا هـ. قوله: (أما لو قيل الخ) هو ما وعد به فيما
تقدم قبيل قوله: ((وفتحه على إمامه)) وقدمنا هناك ضعفه عن الشرنبلالية ح. قوله: (خلافاً
لما مر عن البحر) أي في باب الإمامة، وقدمنا الكلام عليه هناك، فراجعه. قوله: (لترك
الجلسة المسنونة) علة لكونه مكروهاً تنزيهاً، إذ ليس فيه نهي خاص ليكون تحريماً. بحر.
قوله: (بغير عذر) أما به فلا، لأن الواجب يترك مع العذر فالسنة أولى. وعليه يحمل ما في
صحيح ابن حبان ((من صلاته عليه الصلاة والسلام متربعاً) أو تعليماً للجواز. بحر. قوله:
(لأنه عليه الصلاة والسلام الخ) نقله في شرح المنية عن ابن الهمام. وفي البحر عن صاحب
الكنز وغيره، ورد به على ما قيل في وجه الكراهة إنه فعل الجبابرة؛ نعم في شرح المنية أن
الجلوس على الركبتين أولى، لأنه أقرب إلى التواضع. تأمل. قوله: (والتثاؤب) في
٤١٣
كتاب الصلاة / باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
ولو خارجها. ذكره مسكين لأنه من الشيطان، والأنبياء محفوظون منه (وتغميض عينيه)
للنھي
المصباح: التثاؤب بالمد وبالواو عامي. وفي مختار الصحاح: تثاءبت بالمد ولا تقل تثاويت
وهو كما في الحلية والبحر: التنفس الذي ينفتح منه الفم لدفع البخارات المنفخة في
عضلات الفك، وهو ينشأ من امتلاء المعدة وثقل البدن ا هـ.
قلت: ولهذا السبب كان من الشيطان كما في حديث الصحيحين أنه { 8* قال:
(ُلْتَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ (١)) وفي رواية لمسلم
((فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ عَلَى فِيهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُهُ)) وألحق باليد الكم، وهذا إذا لم يمكنه
كظمه: أي رده وحبسه، فقد صرح في الخلاصة بأنه إن أمكنه عند التثاؤب أن يأخذ شفته
بسنه فلم يفعل وغطى فاه بيده أو بثوبه يكره، كذا روي عن أبي حنيفة. قال في البحر:
ووجهه أن تغطية الفم منهي عنها كما رواه أبو داود وغيره، وإنما أبيحت للضرورة، ولا
ضرورة إذا أمكنه الدفع، ثم في المجتبى: يغطي فاه بيمينه، وقيل بيمينه في القيام وفي
غيره بيساره اهـ.
قلت: ووجه القيل أظهر لأنه لدفع الشيطان كما مر، فهو كإزالة الخبث وهي باليسار
أولى، لكن في حالة القيام لما كان يلزم من دفعه باليسار كثرة العمل بتحريك اليدين كانت
اليمنى أولى، وقدمنا في آداب الصلاة عن الضياء أنه بظهر اليسرى. وفي الحلية عن بعضهم
أنه مخير بينهما، وأنه إن سدّ باليمنى يخير فيه بظاهرها أو باطنها، وإن باليسرى
فيظاهرها ا هـ. ولم أر من تعرض للكراهة هنا هل هي تحريمية أو تنزيهية؟ إلا أنه تقدم في
آداب الصلاة أنه يندب كظم فمه عند التثاؤب، وحينئذ فترك الكظم مندوب(٢) وأما التثاؤب
نفسه فإن نشأ من طبيعته بلا صنعه فلا بأس، وإن تعمده ينبغي أن يكره تحريماً لأنه عبث،
وقد مر أن العبث مكروه تحريماً في الصلاة وتنزيهاً خارجها. قوله: (ولو خارجها) أي
لإطلاق الحديث المارّ وتقييده في بعض الروايات بالصلاة لكون الكراهة فيها أشد، فلا
تنافي بينهما. تأمل. قوله: (والأنبياء محفوظون منه) قدمنا في آداب الصلاة أن إخطار ذلك
بباله مجرّب في دفع التثاؤب. قوله: (للنهي) أي في حديث ((إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَةِ فَلَا
يَغْمِضْ عَينَيهِ) رواه ابن عدي(٣)، إلا أن في سنده من ضعّف، وعلل في البدائع بأن السنة أن
يرمي ببصره إلى موضع سجوده، وفي التغميض تركها. ثم الظاهر أن الكراهة تنزيهية، كذا
في الحلية والبحر، وكأنه لأن علة النهي ما مر عن البدائع، وهي الصارف له عن التحريم.
(١) أخرجه البخاري ١٠/ ٦١١ (٦٢٢٦) ومسلم في الزهد (٥٦) وأحمد ٥١٧/٢ والترمذي (٣٧٠) والبيهقي ٢/ ٢٨٩.
(٢) في ط (قوله وحينئذ فترك الكظم مندوب) هكذا بخطه، وفيه نظر لا يخفى.
(٣) أخرجه ابن عدي في الكامل ١٣٦٢/٦ والطبراني في الصغير ١٧/١ وانظر المجمع ٢/ ٨٣ ولسان الميزان ٦/
١٦٧.
٤١٤
كتاب الصلاة / باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
إلا لكمال الخشوع (وقيام الإمام في المحراب، لا سجوده فيه) وقدماه خارجه لأن
العبرة للقدم (مطلقاً) وإن لم يتشبه حال الإمام إن علل بالتشبه وإن بالاشتباه ولا اشتباه،
قوله: (إلا لكمال الخشوع) بأن فات فوت الخشوع بسبب رؤية ما يفرق الخاطر فلا يكره،
بل قال بعض العلماء: إنه الأولى، وليس ببعيد. حلية وبحر. قوله: (لأن العبرة للقدم)
ولهذا تشترط طهارة مكانه روایة واحدة بخلاف مکان السجود، إذ فیه روایتان، وكذا لو
حلف لا یدخل دار فلان يحنث بوضع القدمین وإن کان باقي بدنه خارجها، والصيد إذا كان
رجلاه في الحرم ورأسه خارجه فهو صيد الحرم ففيه الجزاء. بحر. قوله: (مطلقاً) راجع
إلى قوله: ((وقيام الإمام في المحراب)) وفسر الإطلاق بما بعده وكذا سواء كان المحراب من
المسجد كما هو العادة المستمرة أو لا كما في البحر. قوله: (إن علل بالتشبه الخ) قيد
للكراهة.
وحاصله أنه صرح محمد في الجامع الصغير بالكراهة ولم يفصل؛ فاختلف المشايخ
في سببها: فقيل كونه يصير ممتازاً عنهم في المكان لأن المحراب في معنى بيت آخر وذلك
صنيع أهل الكتاب، واقتصر عليه في الهداية واختاره الإمام السرخسي وقال: إنه الأوجه:
وقيل اشتباه حاله على من في يمينه ويساره. فعلى الأول يكره مطلقاً، وعلى الثاني لا يكره
عند عدم الاشتباه. وأيد الثاني في الفتح بأن امتياز الإمام في المكان مطلوب، وتقدمه
واجب وغايته اتفاق الملتين في ذلك، وارتضاه في الحلية وأيده، لكن نازعه في البحر بأن
مقتضى ظاهر الرواية الكراهة مطلقاً، وبأن امتياز الإمام المطلوب حاصل بتقدمه بلا وقوف
في مكان آخر، ولهذا قال في الولوالجية وغيرها: إذا لم يضق المسجد بمن خلف الإمام لا
ينبغي له ذلك لأنه يشبه تباين المكانين انتهى. يعني: وحقيقة اختلاف المكان تمنع الجواز
فشبهة الاختلاف توجب الكراهة، والمحراب وإن كان من المسجد فصورته وهيئته اقتضت
شبهة الاختلاف ا مـ ملخصاً.
قلت: أي لأن المحراب إنما بني علامة لمحل قيام الإمام ليكون قيامه وسط الصف
كما هو السنة، لا لأن يقوم في داخله، فهو وإن كان من بقاع المسجد لكن أشبه مكاناً آخر
فأورث الكراهة، ولا يخفى حسن هذا الكلام، فافهم، لكن تقدم أن التشبه إنما يكره في
المذموم وفيما قصد به التشبه لا مطلقاً، ولعل هذا من المذموم. تأمل. هذا وفي حاشية
البحر للرملي: الذي يظهر من كلامهم أنها كراهة تنزيه. تأمل اهـ.
تنبيه: في معراج الدراية من باب الإمامة: الأصح ما روي عن أبي حنيفة أنه قال:
أكره للإمام أن يقوم بين الساريتين أو زاوية أو ناحية المسجد أو إلى سارية، لأنه بخلاف
عمل الأمة اهـ. وفيه أيضاً: السنة أن يقوم الإمام إزاء وسط الصف؛ ألا ترى أن المحاريب
ما نصبت إلا وسط المساجد وهي قد عينت لمقام الإمام ١ هـ. وفي التاتر خانية: ويكره أن
٤١٥
کتاب الصلاة / باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
فلا اشتباه في نفي الكراهة (وانفراد الإمام على الدكان) للنهي، وقدر الارتفاع بذراع،
ولا بأس بما دونه، وقيل ما يقع به الامتياز وهو الأوجه. ذكره الكمال وغيره (وكره
عكسه) في الأصح، وهذا كله (عند عدم العذر) كجمعة وعيد، فلو قاموا على الرفوف
والإمام على الأرض أو في المحراب لضيق المكان، لم يكره لو كان معه بعض القوم
في الأصح، وبه جرت العادة في جوامع المسلمين،
يقوم في غير المحراب إلا لضرورة اهـ. ومقتضاه أن الإمام لو ترك المحراب وقام في غيره
يكره ولو كان قيامه وسط الصف، لأنه خلاف عمل الأمة، وهو ظاهر في الإمام الراتب دون
غيره والمنفرد، فاغتنم هذه الفائدة فإنه وقع السؤال عنها ولم يوجد نص فيها. قوله:
(للنهي) وهو ما أخرجه الحاكم ((أَنَّهِ وَهِ نَهى أَنْ يَقوم الإِمَامُ فَوْقَ وَيَبْقَى النَّاسُ خَلْفَه))(١)
وعللوه بأنه تشبه بأهل الكتاب، فإنهم يتخذون لإمامهم دكاناً. بحر. وهذا التعليل يقتضي
أنها تنزيهية، والحديث يقتضي أنها تحريمية، إلا أن يوجد صارف. تأمل رملي.
قلت: لعل الصارف تعليل النهي بما ذكر. تأمل. قوله: (وقيل الخ) هو ظاهر الرواية
. كما في البدائع. قال في البحر: والحاصل أن التصحيح قد اختلف، والأولى العمل بظاهر
الرواية وإطلاق الحديث اهـ. وكذا رجحه في الحلية. قوله: (في الأصح) وهو ظاهر
الرواية، لأنه وإن لم يكن فيه تشبه بأهل الكتاب لكن فيه ازدراء بالإمام حيث ارتفع كل
الجماعة فوقه، أفاده في شرح المنية، وكأن الشارح أخذ التصحيح تبعاً للدرر من قول
البدائع: جواب ظاهر الرواية أقرب إلى الصواب، ومقابله قول الطحاوي بعدم الكراهة لعدم
التشبه، ومشى عليه في الخانية قائلاً: وعليه عامة المشايخ قال ط: ولعل الكراهة تنزيهية
لأن النهي ورد في الأول فقط. قوله: (وهذا كله) أي الكراهة في المسائل الثلاث لا كما
يتوهم من ظاهر كلام المصنف من قوله: ((عند عدم العذر)) قيد لقوله ((وكره عكسه)) فقط
فافهم. قوله: (كجمعة وعيد) مثال للعذر، وهو على تقدير مضاف: أي كزحمة جمعة وعيد.
قوله: (فلو قاموا الخ) تفريع على عدم الكراهة عند العذر في جمعة وعيد. قال في المعراج:
وذكر شيخ الإسلام إنما يكره هذا إذا لم يكن من عذر، أما إذا كان فلا يكره كما في الجمعة
إذا كان القوم على الرفّ، وبعضهم على الأرض لضيق المكان. وحكى الحلواني عن أبي
الليث: لا يكره قيام الإمام في الطاق عند الضرورة بأن ضاق المسجد على القوم ا هـ. وبه
علم أن قوله: ((والإمام على الأرض)) أي ومعه بعض القوم. قوله: (كما لو كان الخ) محترز
قوله: ((وانفراد الإمام على الدكان)) قال في البحر: قيد الانفراد، لأنه لو كان بعض القوم مع
الإمام، قيل يكره، والأصح لا، وبه جرت العادة في جوامع المسلمين في أغلب الأمصار،
(١) أخرجه الدار قطني ٨٨/٢.
٤١٦
كتاب الصلاة / باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
ومن العذر إرادة التعليم أو التبليغ كما بسط في البحر، وقدمنا كراهة القيام في صف
خلف صف فيه فرجة للنهي، وكذا القيام منفرداً، وإن لم يجد فرجة، بل يجذب أحداً من
الصف. ذكره ابن الكمال، لكن قالوا: في زماننا: تركه أولى، فلذا قال في البحر:
یکرہ وحده إلا إذا لم يجد فرجة (ولبس ثوب فیه تماثيل) ذي روح، وأن يكون
كذا في المحيط اهـ. وظاهره أنه لا يكره ولو بلا عذر، وإلا كان داخلاً فيما قبله. تأمل.
قوله: (ومن العذر الخ) أي في الانفراد في مكان مرتفع، وهذا حكاه في البحر تبعاً للحلية
مذهباً للشافعي، وأنه قيل: إنه رواية عن أبي حنيفة.
قلت: لكن في المعراج ما نصه: ويقولنا قال الشافعي رحمه الله تعالى، إلا إذا أراد
الإمام تعليم القوم أفعال الصلاة، أو أراد المأموم تبليغ القوم فحينئذ لا يكره عندنا ا هـ. وبه
علم أنه كما يكره انفراد الإمام في مكان عال بلا عذر يكره انفراد المأموم وإن وجدت طائفة
مع الإمام، فافهم. قوله: (وقدمنا الخ) أي في باب الإمامة عند قوله: ((ويصف الرجال))
حیث قال: ولو صلی علی رفوف المسجد إن وجد في صحنه مكاناً کره کقيامه في صف
خلف صف فيه فرجة ا هـ. ولعله يشير بذلك إلى أنه لولا العذر المذكور كان انفراد المأموم
مكروهاً. قوله: (لكن قالوا الخ) القائل صاحب القنية، فإنه عزا إلى بعض الكتب: أتى
جماعة ولم يجد في الصف فرجة قيل يقوم وحده ويعذر، وقيل يجذب واحداً من الصف إلى
نفسه فيقف بجنبه. والأصح ما روى هشام عن محمد أنه ينتظر إلى الركوع، فإن جاء رجل
وإلا جذب إليه رجلًا أو دخل في الصف، ثم قال في القنية: والقيام وحده أولى في زماننا
لغلبة الجهل على العوام، فإذا جره تفسد صلاته اهـ. قال في الخزائن: قلت: وينبغي
التفويض إلى رأي المبتلى، فإن رأى من لا يتأذى لدين أو صداقة زاحمه أو عالماً جذبه وإلّ
انفرد ا هـ. قلت: وهو توفيق حسن اختاره ابن وهبان في شرح منظومته. قوله: (فلذا قال
الخ) أي فلم يذكر الجذب لما مر. قوله: (ولبس ثوب فيه تماثيل) عدل عن قول غيره
تصاوير لما في المغرب: الصورة عام في ذي الروح وغيره، والتمثال خاص بمثال ذي
الروح، ويأتي أن غير ذي الروح لا يكره. قال القهستاني: وفيه إشعار بأنه لا تكره صورة
الرأس، وفيه خلاف كما في اتخاذها كذا في المحيط. قال في البحر: وفي الخلاصة وتكره
التصاوير على الثوب صلى فيه أو لا، انتهى، وهذه الكراهة تحريمية. وظاهر كلام النووي
في شرح مسلم الإجماع على تحريم تصوير الحيوان، وقال: وسواء صنعه لما يمتهن أو
لغيره، فصنعته حرام بكل حال، لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى، وسواء كان في ثوب أو
بساط أو درهم وإناء وحائط وغيرها اهـ. فينبغي أن يكون حراماً لا مكروهاً إن ثبت
الإجماع، أو قطعية الدليل بتواتره ا هـ كلام البحر ملخصاً. وظاهر قوله: ((فينبغي)) الاعتراض
على الخلاصة في تسميته مكروهاً.
٤١٧
کتاب الصلاة / باب ما يفسد الصلاة وما یکره فيها
فوق رأسه أو بين يديه أو (بحذائه) يمنة أو يسرة أو محل سجوده (تمثال) ولو في وسادة
منصوبة لا مفروشة.
(واختلف فيما إذا كان) التمثال (خلفه، والأظهر الكراهة) (و) لا یکره (لو كانت
تحت قدميه) أو محل جلوسه لأنها مهانة (أو في يده) عبارة الشمني ((بدنه)) لأنها مستورة
قلت: لكن مراد الخلاصة اللبس المصرح به في المتون، بدليل قوله في الخلاصة
بعد ما مر: أما إذا كان في يده وهو يصلي لا يكره وكلام النووي في فعل التصوير، ولا يلزم
من حرمته حرمة الصلاة فيه بدليل أن التصوير يحرم؛ ولو كانت الصورة صغيرة كالتي على
الدرهم أو كانت في اليد أو مستترة أو مهانة مع أن الصلاة بذلك لا تحرم، بل ولا تكره، لأن
علة حرمة التصوير المضاهاة لخلق الله تعالى، وهي موجودة في كل ما ذكر. وعلة كراهة
الصلاة بها التشبه، وهي مفقودة فيما ذكر كما يأتي، فاغتنم هذا التحرير. قوله: (فوق رأسه)
أي في السقف. معراج. قوله: (تمثال) أي مرسوم في جدار أو غيره أو موضوع أو معلق
كما في المنية وشرحها.
أقول: والظاهر أنه يلحق به الصليب وإن لم يكن تمثال ذي روح، لأن فيه تشبهاً
بالنصارى. ويكره التشبه بهم في المذموم وإن لم يقصده كما مر. قوله: (منصوبة) أي
بحيث لا توطأ ولا يتكأ عليها. قال في الهداية: ولو كانت الصورة على وسادة ملقاة أو على
بساط مفروش لا يكره لأنها تداس وتوطأ، بخلاف ما إذا كانت الوسادة منصوبة أو كانت
على الستر لأنها تعظيم لها. قوله: (والأظهر الكراهة) لكنها فيه أيسر، لأنه لا تعظيم فيه ولا
تشبه. معراج. وفي البحر قالوا: وأشدها كراهة ما يكون على القبلة أمام المصلي، ثم ما
يكون فوق رأسه، ثم ما يكون عن يمينه ويساره على الحائط، ثم ما يكون خلفه على الحائط
أو الستراهـ.
قلت: وكأن عدم التعظيم في التي خلفه وإن كانت على حائط أو ستر أن في
استدبارها استهانة لها، فيعارض ما في تعليقها من التعظيم، بخلاف ما على بساط مفروش
ولم يسجد عليها فإنها مستهانة من كل وجه وقد ظهر من هذا أن علة الكراهة في المسائل
كلها إما التعظيم أو التشبه على خلاف ما يأتي. قوله: (ولا يكره) قدر لا يكره مع قول
المصنف الآتي: ((لا لطول الفصل)) فيكون الآتي تأكيداً، فافهم. قوله: (تحت قدميه) وكذا
لو كانت على بساط يوطأ أو مرفقة يتكأ عليها كما في البحر، والمرفقة: وسادة الاتكاء كما
في المغرب. قوله: (عبارة الشمني الخ) أشار بذلك إلى ما في العبارة الأولى من الإشكال،
وهو أنها إذا كانت في يده تمنعه عن سنة الوضع هو مكروه بغير الصورة فكيف بها اللهم إلا
أن يراد أن لا يمسكها بل تكون معلقة بيده ونحو ذلك، كذا في شرح المنية، وأراد بنحو
ذلك: ما لو كانت مرسومة في يده. وفي المعراج: لا تكره إمامة من في يده تصاوير، لأنها
٤١٨
كتاب الصلاة / باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
بثيابه (أو على خاتمه) بنقش غير مستبين. قال في البحر: ومفاده كراهة المستبين لا
المستتر بکیس أو صرّة أو ثوب آخر، وأقرّه المصنف (أو کانت صغیرة) لا تتبین تفاصيل
أعضائها للناظر قائماً، وهي على الأرض، ذكره الحلبي (أو مقطوعة الرأس أو الوجه)
أو ممحوّة عضو لا تعیش بدونه (أو لغیر ذي روح لا) یکره، لأنها لا تعبد، وخبر جبريل
مخصوص بغير المهانة كما بسطه ابن الكمال.
مستورة الثياب لا تستبين فصارت كصورة نقش خاتم اهـ. ومثله في البحر عن المحيط
وظاهره عدم الكراهة ولو كانت بالوشم، ويفيد عدم نجاسته لما أوضحناه في آخر باب
الأنجاس، فراجعه. قوله: (غير مستبين) الظاهر أن المراد به ما يأتي في تفسير الصغير.
تأمل. قوله: (ومفاده) أي مفاد التعليل بأنها مستورة. قوله: (لا المستتر بكيس أو صرة) بأن
صلى ومعه سرة أو كيس فيه دنانير أو دراهم فيها صور صغار فلا تكره لاستتارها. بحر.
ومقتضاه أنها لو كانت مكشوفة تكره الصلاة، مع أن الصغيرة لا تكره الصلاة معها كما يأتي،
لكن يكره كراهة تنزيه جعل الصورة في البيت: نهر قوله أو ثوب آخر كان فوق الثوب الذي
فيه صورة ثوب ساتر له فلا تكره الصلاة فيه لاستتارها بالثوب. بحر. قوله: (لا تتبين الخ)
هذا أضبط مما في القهستاني حيث قال: بحيث لا تبدو للناظر إلا بتبصر بليغ كما في
الكرماني، أو لا تبدو له من بعيد كما في المحيط. ثم قال: لكن في الخزانة: إن كانت
الصورة مقدار طير يكره، وإن كانت أصغر فلا اهـ. قوله: (أو مقطوعة الرأس) أي سواء
كان من الأصل أو كان لها رأس ومحي، وسواء كان القطع بِخَيْطِ خيطً على جميع الرأس حتى
لم يبق له أثر، أو يطليه بمغرة أو بنحته، أو بغسله لأنها لا تعبد بدون الرأس عادة، وأما قطع
الرأس عن الجسد بخيط مع بقاء الرأس على حاله فلا ينفي الكراهة، لأن من الطيور ما هو
مطوق فلا يتحقق القطع بذلك، وقيد بالرأس لأنه لا اعتبار بإزالة الحاجبين أو العينين لأنها
تعبد بدونها، وكذا لا اعتبار بقطع اليدين أو الرجلين. بحر. قوله: (أو ممحوة عضو الخ)
تعميم بعد تخصيص، وهل مثل ذلك ما لو كانت مثقوبة البطن مثلاً؟ والظاهر أنه لو كان
الثقب کبیراً یظهر به نقصها فنعم، وإلا فلا؛ كما لو كان الثقب لوضع عصا تمسك بها كمثل
صور الخيال التي يلعب بها لأنها تبقى معه صورة تامة. تأمل. قوله: (أو لغير ذي روح)
لقول ابن عباس للسائل «فإن كنت لا بد فاعلاً فاصنع الشجر وما لا نفس له)) رواه الشيخان،
ولا فرق في الشجر بين المثمر وغيره خلافاً لمجاهد. بحر. قوله: (لأنها لا تعبد) أي هذه
المذكورات وحينئذ فلا يحصل التشبه .
فإن قيل: عبد الشمس والقمر والكواكب والشجرة الخضراء قلنا: عبد عينه لا تمثاله،
فعلى هذا ينبغي أن يكره استقبال عين هذه الأشياء. معراج: أي لأنها عين ما عبد، بخلاف
ما لو صورها واستقبل صورتها. قوله: (وخبر جبريل الخ) هو قوله للنبي وَ﴾ ((إِنَّا لَا نَدْخُلُ
٤١٩
كتاب الصلاة / باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
واختلف المحدثون في امتناع ملائكة الرحمة بما على النقدين، فنفاه عياض،
وأثبته النووي.
بَیْتاً فِیهِ کَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ» رواه مسلم(١) وهذا إشارة إلى الجواب عما يقال: إن كانت علة
الكراهة فيما مرّ كون المحل الذي تقع فيه الصلاة لا تدخله الملائكة، لأن شر البقاع بقعة لا
تدخلها الملائكة، ينبغي أن تكره ولو كانت الصورة مهانة، لأن قوله: ((ولا صورة)) نكرة في
سياق النفي فتعم، وإن كانت العلة التشبه بعبادتها فلا تكره إلا إذا كانت أمامه أو فوق رأسه.
والجواب أن العلة هي الأمر الأول؛ وأما الثاني فيفيد أشديّة الكراهة غير أن عموم النص
المذكور مخصوص بغير المهانة، لما روى ابن حبان والنسائي ((اسْتَأْذَنَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
عَلَى النَّبِيِّنَفَقَالَ: آدْخُل فَقَالَ: كَيْفَ أَدْخُلُ وَفَي بَيْتِكَ سِتْرٌ فِيهِ تَصَاوِيِرُ؟ فَإِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ
فَاعِلًا فَأَقْطَعْ رُؤوسَهَا أَوِ أَقْطَعْهَا وَسَائِدَ أَوِ اجْعَلْهَا بُسُطاً) نعم يرد على هذا ما إذا كانت على
بساط في موضع السجود، فقد مر أنه يكره مع أنها لا تمنع دخول الملائكة، وليس فيها تشبه
لأن عبدة الأصنام لا يسجدون عليها، بل ينصبونها ويتوجهون إليها، إلا أن يقال: فيها
صورة التشبه بعبادتها حال القيام والركوع وتعظيم لها إن سجد عليها ا هـ. ملخصاً من
الحلية والبحر.
أقول: الذي يظهر من كلامهم أن العلة إما التعظيم أو التشبه كما قدمناه، والتعظيم
أعم، كما لو كانت عن يمينه أو يساره أو موضع سجوده فإنه لا تشبه فيها بل فيها تعظيم، وما
كان فيه تعظيم وتشبه فهو أشد كراهة، ولهذا تفاوتت رتبتها كما مر؛ وخبر جبريل عليه
السلام معلول بالتعظيم بدليل الحديث الآخر وغيره، فعدم دخول الملائكة إنما هو حيث
كانت الصورة معظمة، وتعليل كراهة الصلاة بالتعظيم أولى من التعليل بعدم الدخول، لأن
التعظيم قد يكون عارضاً، لأن الصورة إذا كانت على بساط مفروش تكون مهانة لا تمنع من
الدخول، ومع هذا لو صلى على ذلك البساط وسجد عليها تكره، لأن فعله ذلك تعظيم
لها. والظاهر أن الملائكة لا تمتنع من الدخول بذلك الفعل العارض؛ وأما ما في الفتح عن
شرح عتاب من أنها لو كانت خلفه أو تحت رجليه لا تكره الصلاة، ولكن تكره كراهة جعل
الصورة في البيت للحديث فظاهره الامتناع من الدخول ولو مهانة، وكراهة جعلها في بساط
مفروش، وهو خلاف الحديث المخصص كما مر. قوله: (في امتناع ملائكة الرحمة) قيد
بهم، إذ الحفظة لا يفارقون الإنسان إلا عند الجماع والخلاء، كذا في شرح البخاري.
وينبغي أن يراد بالحفظة ما هو أعم من الكرام الكاتبين والذين يحفظونه من الجن. نهر.
وانظر ما قدمناه قبل فصل القراءة. قوله: (فنفاه عياض) أي وقال: إن الأحاديث مخصصة.
بحر. وهو ظاهر كلام علمائنا، فإن ظاهره أن ما لا يؤثر كراهة في الصلاة لا يكره إبقاؤه،
(١) أخرجه البخاري ١٠/ ٣٨٠ (٥٩٤٩) ومسلم ٣/ ١٦٦٥ (٢١٠٦).
٤٢٠
كتاب الصلاة / باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
(و) كره تنزيهاً (عد الآي والسور والتسبيح باليد في الصلاة مطلقاً) ولو نفلاً، أما
خارجها فلا يكره، كعده بقلبه أو بغمزه أنامله، وعليه يحمل ما جاء من صلاة التسبيح.
وقد صرح في الفتح وغيره بأن الصورة الصغيرة لا تكره في البيت. قال: ونقل أنه كان على
خاتم أبي هريرة ذبابتان ا هـ. ولو كانت تمنع دخول الملائكة كره إبقاؤها في البيت لأنه
يكون شرّ البقاع، وكذا المهانة كما مر، وهو صريح قوله في الحديث المارّ ((أو اقطعها
وسائد، أو اجعلها بسطاً) وأما ما مر عن شرح عتاب، فقد علمت ما فيه.
تنبيه: هذا كله في اقتناء الصورة، وأما فعل التصوير فهو غير جائز مطلقاً لأنه مضاهاة
لخلق الله تعالى كما مر.
خاتمة قال في النهر: جوّز في الخلاصة لمن رأى صورة في بيت غيره أن يزيلها؛
وينبغي أن يجب عليه؛ ولو استأجر مصوراً فلا أجر له لأن عمله معصية، كذا عن محمد، ولو
هدم بيتاً فيه تصاوير ضمن قيمته خالياً عنها اهـ. وسيأتي في باب متفرقات البيوع متناً
وشرحاً ما نصه ((اشترى ثوراً أو فرساً من خزف لأجل استئناس الصبي لا يصح)) ولا قيمة له
((فلا يضمن متلفه، وقيل بخلافه)) يصح ويضمن. قنية. وفي آخر حظر المجتبى عن أبي
يوسف: يجوز بيع اللعبة وأن يلعب بها الصبيان اهـ. قوله: (وكره تنزيهاً) كذا عزاه في البحر
إلى الحلية لابن أمير حاج، ثم قال: لكن ظاهر قول النهاية لا يباح أنها تحريمية. وأجاب في
النهر بأن المكروه تنزيهاً غير مباح: أي غير مستوي الطرفين.
واعترضه الرملي بأن الغالب إطلاقهم غير المباح على المحرم أو المكروه تحريماً وإن
کان یطلق علی ما ذکر. قلت: ويؤيده قول الدرر للنهي عنه، لکن قال محشيه نوح أفندي:
لم أجد النهي عنه صريحاً فیما عندي من الكتب ا هـ. ولذا اقتصر غيره على التعلیل بأنه ليس
من أفعال الصلاة ولو كان فيه نهي خاص لذكروه؛ نعم ذكر في الحلية فيما رواه الأصبهاني
(نَهَى رَسُولُ اللهِلَّعَنْ عَدِّ الآي فِي المَكْتُوبَةِ وَرَخصَ فِي السبحة: أي النافلة، لكن قال في
الحلية: إن ثبت هذا ترجح القول بعدم الكراهة في النافلة، وإلا ترجح القول بعدمها مطلقاً
مراداً بها التنزيهية اهـ. وحيث لا نهي ثابت يتعين تأويل ما في النهاية بما في النهر، ولذا
مشى عليه الشارح، فتدبر. قوله: (باليد) أي بأصابعه أو بسبحة يمسكها كما في البحر.
قوله: (ولو نفلاً) بيان للإطلاق، وهذا باتفاق أصحابنا في ظاهر الرواية. وعن الصاحبين في
غير ظاهر الرواية عنهما أنه لا بأس به، وقيل الخلاف في الفرائض ولا كراهة في النوافل
اتفاقاً، وقيل في النوافل ولا خلاف في الكرامة في الفرائض. نهر.
قوله: (فلا یکره) هذا ظاهر الرواية وهو الأصح، وکرهه بعضهم نهر. ويدل للأول ما
أخرجه الترمذي وحسن النووي إسناده عن يسيرة(١) قالت: قال لنا رسول الله وَل﴾: ((عَلَيْكُنَّ
(١) في ط (قوله عن يسيرة) بضم الياء المثناة التحتية وفتح السين حلية.